نبذة عن حياة الكاتب
خَاتَمُ النَّبييِّن مُحَمَّد (ص) - الجزء الأول
الطبعة : الطبعة الرابعة
المؤلف : سميح عاطف الزين
فئة الكتاب : سيرة
عدد الصفحات : ١٥٦٨
تاريخ النشر : ٢٠٠٦

الـمقَـدِّمـة: تكامُل محمَّد (ص) الإنساني جَعلَهُ رسولاً للإنسانية كافّة
وتحققت البشارة... وأيَّةُ بشارة هي، ومتى كانتْ؟
إنها البشارةُ التي احتضنتها الكتبُ المقدَّسةُ كتاباً بعد كتاب، لِيَجِدَها المؤمنون بين أيديهم في أسفار الله تعالى إلى رسُله رسولاً بعد رسول، إلى أنْ عَهِدَ الله سبحانه بها إلى أحد أنبيائه المختارين، عيسى ابن مريم (عليه السلام)، لكي يُعلِنَها في الناس، من خلال التعاليم العلوية التي أنزلتْ على قلبه الشريف، صادعاً بها على رؤوس الأشهاد، ومثبتاً لها في جوهرة العقد من رسالته الكريمة، بقول الله تعالى:
{وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَم يابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصَّف: 6]
وها هو القرآن الكريم، بعد قرون في سلسلة الزمان، يحفظ تلك البشارة مصدِّقاً لها ولحاملها، تامةً كما أوحى بها العزيزُ الجليلُ، وكاملة كما أنطقَها لسانَ رسولِهِ الكريم السيد المسيح عيسى ابن مريم (عليه السلام) وأعلنها حينئذٍ بذاته على أهل زمانه..
أجل، لقد تحققت البشارة عندما بعث الله - تبارك وتعالى - من قلب الجزيرة العربية، ومنذ نيّفٍ وأربعمائةٍ وألفِ عام، محمد بن عبد الله رسوله بالهدى ودين الحق، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويشفيهم من أمراضهم العقائدية والنفسية والاجتماعية، وليزيل من عقولهم أوهام المعتقدات الضّالة، ويقتلع من قلوبهم أدران الوثنية الزائفة، فيرسي على الدهر القواعد الثابتة والنظم الكاملة للإنسانية بأسرها، ويقيم على مرّ العصور موازين الأعمال الصالحة وصروح الأخلاق الفاضلة للبشرية بأجمعها. وهو في ذلك كله، يحمل أمامهم شعلة العقيدة الإسلامية، ويرفع أبداً لواء الشريعة الحقة، ضارباً لهم المثل الأعلى بنفسه بما امتازَ به من المناقب، وكاشفاً أمام ناظريهم السبل القويمة في معارج التكامل التي تمكّن الإنسان من الوصول إلى قمة مراتب الإنسانية، فيفوز بالنجاح والسعادة في حياته الدنيا، ويضمن العاقبة الحسنى وجنة المأوى في حياته الآخرة.
تلك هي البشارة التي نُتوِّج بها عملنا - إن شاء الله تعالى - ونجعلها خاتمةً لكتابنا (قصص الأنبياء في القرآن الكريم)، بعدما آلينا على أنفسنا أن نقدِّم للقراء الأعزاء سيرة الرسول الكريم، وقصة حياة محمد الإنسان الصادق الأمين. وهو الإنسان الذي لم تنجب البشرية في تاريخها الطويل بصنوه، ولن ترهص[*] الحياة في مقبل أيامها بنظيره، ليكون وحده بعد اختياره، من بين الناس جميعاً، الإنسانَ الكامل، الذي ميّزه خالقه بشخصية فريدة، وخلقٍ عظيمٍ، وإنسانية خالصة، والذي شاء ربُّهُ أن يجعله سيّدَ البرِية، مهما كبرت وتعاظمت قدرات الرجال، والمختارَ من بين الأنبياء والرسل - مهما تسامت مآثرهم، وتسامقت عزائمهم على مدى الدهر - ليكون خاتم النبيين.
وهكذا يُطِلُّ محَّمدٌ على الدنيا، ويعيش مثل كلِّ خلق الله من بني آدم.. ولكنه - منذ حداثته - ينفرد عنهم بسلوك خاص: فلا يحفل بسخيف عاداتهم، ولا يُقحم نفسه في سوء أفعالهم، بل يسير وفق نهج قويم، سُبلُهُ الحقائقُ المطلقة في الحياة والكون، وطُرُقُهُ السنن المستقيمةُ التي لا اعْوِجاج فيها ولا الْتِواء.
ويظل يعيش مع هذه الهداية الذاتية المنبعثة من أعماق نفسه، بتوجيهٍ خفيٍّ من لدن عليمٍ خبير، حتى يُبعَثَ نبياً رسولاً، فتجتمع له عندئذٍ التربية الإِنسانية، بالتربيةِ الرَّبَّانيَّةِ لكي يكونَ الرسولَ المبَشَّرَ به، والرسولَ المنتَظر من الناس، لكافة الناس، كما يبين العزيز الحكيم بقوله الكريم:
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سَبَإ: 28]
وقد نتساءَلُ بالمناسبة: لماذا كانت البشارةُ بمحمدٍ على مرأى من الدنيا ومسمعها قبلَ بعثتهِ؟ وما هي قيمة تلك البشارة ومزِيَّتُها؟.
من الثابت أن الذي نقل تلك البشارة للإِنسانية كان رسولَ الله الذي سبقه، السيدَ المسيح عيسى ابنَ مريمَ (عليه السلام). ولكن لِمَ كان اختياره هو بالذات لهذا التكليف من دون سائر النبيِّين والمُرسلين؟. أَلأِنَّهُ قد سبقه مباشرة في البعثة وحسب، أم لكي تكون للبشارة دلالاتٌ مميِّزةٌ لا تستقيم معانيها إلا مع المسيح (عليه السلام)؟.
أجل، إنَّها تلك الدلالات المميّزة، ولعلَّ أبرزَها ثلاثٌ:
الأولى: أن حامل البشارة قد تميَّز هو بخاصية لم تعرف لغيره من سائر بني آدم على الإِطلاق، سواء أكانوا رُسُل الله إلى العباد، أم كانوا أعلاماً في الفكر والعلم، أم عامة من الناس البسطاء العاديين.
فالتاريخ البشريّ، وعلى امتداده منذ بدء خلق آدم (عليه السلام)، يثبت أن السيد المسيح دون غيره، كان، مثل أبينا آدم (عليه السلام)، المولودَ الوحيد الذي كان حَمْلُه وولادتُه بصورة مغايرة لِخَلْق الآدميين أجمعين، وذلك لكي يستدل الناس، من خلال هذه الميزة الفريدة، على عظمة الخالق وقدرته، وعلى قيمة المخلوق ومكرُمته. وبهذه الميزة والمكرمة، حمل السيد المسيح (عليه السلام) تلك البشارة القيِّمة بالرسول الذي يأتي من بعده، لأنه هو وحده أيضاً ومن دون البشر جميعاً، مخصصٌ بميزة تكامُله الإِنساني.
فكان للتطابق في الخاصيَّة التي تَفَرَّدَ بها كل منهما، أعظمُ جامع مشتركٍ للتكليف والتبشير...
والثانية : أن البشارة لم تتناول شأناً معيَّناً من شؤون الكون، ولا حَفِلَت بأمرٍ محدَّدٍ من أمور الناس والخلائق، بل اقتصرتْ على مشيئة الله تعالى بأن يختم رُسلَه الكرام في دنيا الأرض برسولٍ يكلِّفه بحملِ رسالة تامة وكاملة تشمل كل الشؤون، من بداية خلق الكون إلى نهايته، وتحتوي على جميع ما يمكن أن يعرض للبشر، وما يتعلق بحياتهم في الدارين...
وتبعاً لعظمة الرسالة تلك، التي سوف يحملها الرسولُ الذي يأتي من بعد عيسى (عليه السلام)، فقد وجب أن تعيِّن البشارةُ هذا الرسولَ بذاته، وتسَمِّيَهُ باسمه، بياناً للمكانة الخاصة التي له عند ربه، لأنه سبحانه قد رصده منذ الأزل ليكون النبيَّ الأميَّ الذي ستلقى على عاتقه الرسالة السماوية الخاتمة، والتي يكون حلالُها حلالاً إلى يوم القيامة، وحرامُها حراماً إلى يوم القيامة، لأنها تستوعب كلَّ شؤون الحياة في الزمان والمكان، وتحقق كل مطالب الناس في أي عصرٍ ومصر.
والثالثة : أن البشارة قد جاءت بصيغة إعلام، وبمثابة تبشير وإنذار، خاطب بها المسيح (عليه السلام) بني إسرائيل خاصة لأنهم الشعب الوحيد المكابر المعاند، الذي أتعب موسى (عليه السلام) ومَن جاء بعده من الأوصياء والصُّلَحاء!. إذ قد سبق في علم الله - جلَّتْ قدرته - أن هذا الشعب الجاحد سوف يقفُ في وجه الرسالة، وسيمكُرُ بحاملها، ويعترض أبناؤه مجرى سيرها، فصدَع المسيح (عليه السلام) بأمرِ التبشيرِ بها إلى ذلك الشعب بالذات، ونَوّه - في ذات الوقت - بالقدرة الإِلهية التي تربط بين عذاب الله الذي يصيب به من يشاء، وبين رحمته التي وَسِعَتْ كلَّ شيء. حيث لا تكون تلك الرحمة إلا للمتقين الذين يؤمنون بالله وملائكته وكُتُبِه ورُسُلِه، ويقيمونَ الصلاةَ ويُؤتون الزكاة ويؤمنون بآيات الله تعالى، وهم الذين يتَّبعون الرسولَ النبيَّ الأميَّ الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإِنجيل.. وحيث يكون العذاب للذين يكفرون بآيات الله تعالى وبنعمه، {إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ *لاَ جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ *} [النّحل: 22-23]
وفي الحقيقة، فإن البشارة - وكما تدلُّ عليه نصوص القرآن الكريم - لا تقتصر على أمةٍ واحدة، ولا على شعبٍ معيَّنٍ، بل هي تخاطب جميع المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها، لأن الرسول المبشَّر به سيكون رسولَ الإِنسانية بكاملها.
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ} [سَبَإ: 28]
تلك هي بعضُ دلالاتِ البشارة ومزاياها. فقد كانت لا ترمي إلاَّ للتأكيد على أن الإِنسان - وهو الكائن الحيّ الأسمى في دنيا الأرض، الذي أهَّلَهُ خالقه بقدراتٍ وملكات خليقة بخلقه - قادر على الوصول إلى التكامل الإِنساني.. وهذا التكامل هو الذي يجعل صاحبَهُ ذا مكانة خاصة تُمَكِّنه من أن يكون مختاراً لحمل الرسالة التي يبعثُهُ الله تعالى بها، كما هو الحال مع النبيين والمرسلين الذين جاؤوا على امتداد العمر البشري منذ آدم (عليه السلام) وحتى الرسول الأعظم محمد بن عبد الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) الذي سوف تدوم مُدَّة بقاءِ رسالتهِ إلى نهاية الكون، إلى اليوم الذي تتبدل فيه السماوات غير السماوات، والأرض غير الأرض.
وإنه لفي علم الله السابق - وهو وحده علاَّم الغيوب الذي يعلم السرَّ وأخفى - أنه سوف يخلق محمد بن عبد الله من ذرية إبراهيم وإسماعيل ليكون الإنسان الذي لا يَحْفِل بشيءٍ إلا إذا كان حقاً، ولا يأبه لأمر إلا إذا كان خيراً، ولا يسلك طريقاً إلا إذا كان قويماً، ولا يأتي عملاً إلا إذا كان صالحاً، فكان الجدير بأخلاقه الإِنسانية الكاملة تلك، أن يكون المُعَدَّ لِحملِ الرسالة المتكاملة، والصادعَ بالنبوَّة الأخيرة الخيِّرة، التي ترهص عن أسمح الشرائع وأشملها، وأعظم الرسالات وأكملها..
...وهكذا خُطَّت في اللوحِ المحفوظِ نبوَّتُه، وكُرِّسَتْ عند الله - تعالى - كرامتُه، وكانت من التنزيل في التوراة والإِنجيل بشارتُه.
نعم هذه هي الحقيقةُ التي كانت في علم الله - تعالى - منذ الأزل. فمحمدٌ إنسانٌ كسائرِ الناس: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [الكهف: 110]. ولكنه إنسان في منتهى الكمال، نزع نحو الكمال فأدركه، وأوصله ذلك الكمال إلى رضى ربِّه ورضوانه، فكان محطَّ رسالته في الهدى والفرقان.
وحَرِيٌّ بنا قبل أن نعرف الكمال المحمَّديّ، أن نعرف كيف يتحقق الكمال عند الإِنسان، أي أن نفرِّق بين التكامل الإِنساني الذي يَتمُّ بفعل الإِنسان نفسه، وبين الكمال الرباني الذي يكون بإرادة الله - سبحانه - وصنعه.
فالإِنسان منذ وُجِد على سطح الأرض، كان مدعوّاً دائماً لمواجهة الخيار الأكبر: إمَّا الاهتداء إلى الحقائق المطلقة التي إن عرفها وعمل بوحيها أمكَنَهُ التكامُل وبلوغ درجاته العليا، وبها يكون جديراً باستخلاف الله تعالى له على هذه الأرض.. وإما البقاء في النطاق البشري، دون الارتفاع إلى مرتبة الإِنسان السامية، فلا يكون لوجوده أيةُ قيمة خاصة، ولا يكون له أيُّ اعتبار مميَّز، سوى أنه واحد من هؤلاء الأفراد الذين يأتون إلى هذه الدنيا، ويذهبون عنها دون أيِّ أثر يُذكر، أو ربما يتركون بعض الأثر في نطاقٍ محددٍ، أو في مجالٍ من المجالات الضيّقة...
وبما أن الخيار حاسمٌ، والمبادرة دائماً بيد الإِنسان نفسه، فإن تقريرَ مصير ابنِ آدمَ نابعٌ دائماً من ذاته. فإن هو جعل غايتهُ الكمالَ وجَبَ عليه اعتمادُ تربيةٍ نفسيَّةٍ خاصة، وانتهاجُ سلوكٍ إنسانيٍّ خاص، لا بدَّ أن يكونا على أعلى درجة من الارتقاء والتسامي.. ولذلك فإنَّ الأمرَ يتناول الإنسانَ في جوهرِهِ وفي أعماقِهِ، بما يستحيل معه وضعُ مقاييس محددة تُعيّن ما في النفس الإِنسانية سواء مما خلقَ الله تعالى فيها، أو مما قد تكتسبه في حياتها البشرية... على أنه يمكن التنويه بخمس حقائق لا بد من إدراكها حتى يكون الإِنسان على بيِّنة من أمره في ما يجب عليه عمله:
1 - أولى هذه الحقائق : مَعْرِفَةُ النفس التي هي محلّ الثواب والعقاب. ذلك أن الله - سبحانه وتعالى - قد خلق الجسد من سلالة من طين. ثم أحياه بواسطة الروح، فصار التكوين قائماً بالجسد والروح معاً.. ولكن، هل الجسد والروح هما الإنسان، أم أن هنالك عطاءً ثالثاً لا يمكن بدونه أن يكتمل الخلق الإنساني؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هو هذا العطاء بل وما هي أهميته؟
إن الله - تبارك وتعالى - بعد أن كوَّن آدمَ من جسدٍ ونفخ فيه من روحه، ألهمَهُ - أوجَدَ فيه - عنصراً ثالثاً قادراً على تلقّي العلم والمعرفة بدليل قوله: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البَقَرَة: 31] وعلى إعادة بثّ ما يتلقّى، بدليل قوله تعالى: {قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ *} [البَقَرَة: 33] وهذا العنصر هو النفس.. أجل إنها النفس: العنصر الثالث الذي به يكتمل تكوين كل كائن بشري.
وهنا تأتي الآية الكريمة لتدل الإنسان على خلق النفس وتكوينها في قوله سبحانه وتعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا *} [الشّمس: 7]. وهكذا صرنا نعرف أن خلق الإنسان وكماله قد تمَّا في الأصل:
- بأن خلق الله تعالى الجسد، بكامل أعضائه وأجزائه، ومكوِّناته من تراب (من صلصالٍ كالفخار)..
- ثم نفخ - سبحانه - فيه من روحه فدبَّت به الحركة، وصار كائناً حياً.
- ثم أوجد في هذا الكائن الحي ملكة العلم والمعرفة حتى تكون لديه قابلية الربط بين المعلومات جميعها التي يتلقّاها، ويتكَوَّن عنده الإدراكُ والتمييزُ، اللذان على أساسهما تقوم حرية الاختيار لدى الإنسان بين الفجور والتقوى، وبين التزكية والدس[*] (دسَّ: أعمل المكر والعداوة).
وكل ذلك طبقاً لمنطوق الآية الكريمة: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا *فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا *قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا *وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا *} [الشّمس: 7-10].
قد أفلح من زكَّاها : عن طريق الإيمان، والعقل الذي هو إحدى ملكات النفس، وذلك بالنيات الحسنة والأعمال الصالحة، والصفات الحميدة، والسيرة المستقيمة..
وقد خاب من دسَّاها : عن طريق الكفر واتباع الأهواء التي تغلب على العقل، والانطواء على النيات الخبيثة، والتمرغ في حمأة الأعمال الفاسدة..
أي أن الخالق الكريم قد ألهم النفس استعدادها للتقوى، واستعدادها للفجور، فعرَّفها طريق الطاعة والمعصية، وكلفها وأطلقها وترك لها الخيار لأن التكليف يثبت بالاختيار. ولو شاء الله سبحانه وتعالى لسوَّى بين الناس بالمنزلة بأن خلقهم جميعاً في الجنة، ولكنه شاء لهم التكليف لاستحقاق الثواب على أعمالهم بفعل الطاعة، وترك المعصية، لقوله تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ *} [البَلَد: 10] أي بيّنا له طريق الطاعة وطريق المعصية. وكان رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) إذا قرأ هذه الآيات الكريمة: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا *فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا *قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا *وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا *} [الشّمس: 7-10] يدعو ربه قائلاً: «اللهمَّ آتِ نفسيَ تقواها أنت ولِيّها ومولاها، وزَكِّها وأنت خير من زكَّاها».
فيكون الإِنسان إذن في حقيقته كائناً من جسد وروح ونفس، والنفس تتكوَّن من تداخل الروح بالجسد...
ويقيناً إن النفس تفارق الجسد أثناء النوم، وتبقى فيه الروح. ويكون بين الروح والنفس شُعاع كشُعاع الشمس، يَربط بين عودة النفس، أو عدم عودتها، أي بين حياة هذه النفس وموتها، مصداقاً لقوله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ *} [الزُّمَر: 42]. ويُوَضِّح ذلك ابنُ عباس والإِمامُ الباقر (رضي اللّه عنهما) فقد قالا: «ما من إنسانٍ ينام إلاّ وتصعد نفسُه إلى سماء الله، وتبقى روحه في بدنه، ويَصير بينهما شعاعٌ كشُعاع الشمس، فإذا أَذِنَ الله ببقاء النفس خرجت الروح من الجسد، وأجابت النفس»..
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ *} [الرّعد: 3].
يتفكَّرون بقدرة الله - تعالى - كيف يتوفَّى الأنفس حين موتها، وكيف يتوفاها عند منامِها..
وبناءً على هذا الفهم يكون الجسد عبارة عن ثوب يلبسه الإِنسان في الدنيا ثم يخلعه عند الموت، فيبلى وينتهي إلى تراب... أمَّا الرُّوح، فهو سرٌّ من أسرار الله عزَّ وجلَّ لا يعلمه إلا هو. وهو سر الحياة، ومحرِّك الجسد، بل وباعث الحياة، وموقظ الشعور بها، وبدونه تنعدم الحياة. وقد عجزَتْ عن فهم ذلك السِّرّ وإدراكه العقولُ النيِّرة، وبقي اللُّغزَ الكبيرَ دون حلّ.. ليعلم الإِنسان أنه لم يؤتَ من العلم إلاَّ قليلاً، تماماً كما نَصَّ عليه القرآن الكريم حيث قال الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً *} [الإسرَاء: 85].
أما النَّفسُ فهي التي تتجلَّى في العقل وما ينتج عنه من فكرٍ وإرادة، وفي الفؤاد أو القلب وما يعتمل به من مشاعر وأحاسيس، وعنها جميعها ينبثق الإدراك والتمييز، وعليها تترتَّبُ تصرُّفات الإنسان من نيةٍ وقولٍ وفعلٍ، لتكون النفس، في نهاية المطاف، محلَّ الثواب والعقاب..
ولعلَّ الإِنسان عندما يعرف حقيقة تكوينه هذه، التي أراده الله - سبحانه - عليها، يمكنه أن يختار الحقائق الأخرى التي تقوده إلى التكامُل...
2 - وثانية الحقائق : أن الكمال لا يُخلَق مع الإِنسان منذ ولادته، بل يعود أمر تحقيقِهِ إليه نفسه في مسيرة حياته. والكمال الذي وَجَب أن يسعى له، يكمن في تقويم النفس - أي الكمال النفسي - إذ ليس للكمال الجسميِّ أي وزن في مجال التقويم الخُلُقي وفي ميزان الحق والعدل والثواب والعقاب.. ومما لا شك فيه أن الإنسان إنما يتكامل في هذه الحياة بصورة تدريجية تصاعدية، فينتقل من مرتبة إلى أخرى من مراتب الكمال، بحسب قابليته وقدرته على هذا الانتقال، حتى يصل إلى حالة تكاملية معيَّنة لا يعود بمقدوره تجاوزها. ولذا فإنه يكون مستحيلاً عليه بلوغُ الكمال بصورته النهائية، وفي آخر مرتبةٍ من مراتبه إلا أن يشاء الله تعالى له ذلك، كما في حالة المعصومين من الأنبياء وعباد الله الصالحين، فهؤلاء يصلون إلى الكمال الإنساني برعاية خاصة من ربهم، من أجل القيام بأدوارٍ في هذه الحياة، يكونون مرصودين لها، في علم الله العليم الحكيم.
فالإِنسانُ مدْعُوٌّ في الحقيقة لأن يتكامل في هذه الحياة، وتكامله لا يتعلَّق بسنِّه ولا بغناه أو بفقره، كما لا علاقة له بمركزه أو أسرته، ولا بإرْثٍ ولا بأَبٍ ولا أُمٍّ، فضلاً عن أنَّه لا يرتبط ببيئةٍ ولا بعصرٍ ولا بمصر - وإن كانت تشكل أحياناً عوامل مؤثرة عليه - بل هو ملَكَةٌ رفيعةٌ، يحمل الإِنسان نفسه عليها، فيدرّبها على جلائل الأعمال، ويحلّيها بأفضل المزايا، ويُصبّرها على الاستمرار في خطَّةٍ حكيمة وفق سبيل قويم، حتى يتسنَّى له أن يقهر النَّفس الأمَّارة بالسُّوء ويقيم على أنقاضها نفساً شريفة لا تهفو إلاَّ إلى تحقيق أسمى المُثُل العليا في الحياة. وقديماً قال الشاعر:
يا خادمَ الجسم كم تسعى لخدمته
أتطلبُ الربحَ مما فيه خسرانُ
أقبلْ على النفسِ فاستكمل فضائلها
فأنت بالنفس لا بالجسم إنسانُ
ولو أخذنا الإِنسان في معترك الحياة، لوجدناه محل فتنة واختبار، وغالباً ما تُفرض عليه مواجهةُ ظروف قد تكون قاسية صعبة، أو قد تكون رضيّة هنيئة.. ولكن لا يمكن لظرفٍ من هذه الظروف أن يشكِّل معوِّقات في طريق الإِنسان إذا كان الكمال رائده..
فالظروفُ الحرِجةُ لا تمنعه من الحفاظ على مبدئه الذي اعتنقه، ولا تحول بينه وبين النهج القويم الذي اتَّبعهُ.. كما أنّ يُسْرَ الحياة، وإقبال الدنيا على الإِنسان، وإمداده بأموالٍ وبَنين، لا يمكن أن تشكِّل كلها عائقاً في طريق الإِنسان للتكامل ولا أن تكون سبباً لضلالٍ أو غواية، بل على خلاف ذلك تماماً، فقد تكون تلك الأمور بمثابة الإمدادات، والإِمكانات التي تتيح له العون على تحقيق مُثُلِه العليا وغاياته السامية، إذا كان حقاً يترسَّمُ الطريق المستقيم الذي اختاره لنفسه..
3 - وثالثة الحقائق : أن التكامل عند الإِنسان لا يخضع لمفهوم مطلق، ولا يمكن أن تكون له مقاييس محدَّدة وثابتة يجري من خلالها تطبيقُهُ على جميع الناس، بل العكس هو الصحيح. فإن هذا التكامل يكون نسبياً طالما أنه يتعلَّق بنفس الإِنسان، ولذلك فهو يختلف من فرد إلى فرد، ومن جماعة إلى أخرى. فقد نجده عند الإِنسان العادي البسيط، كما نجده عند أهل العلم والمعرِفة، بحيث يكون لكلٍّ مفهومه الخاص بتكامله النفسيّ، وبما يتَّفِق مع تركيبه النفسانيّ وتكوينه الجسدي... من هنا كان الاختلاف في المفهوم وفي الأسلوب، طبقاً للاختلاف بين أبناء البشر، إذ فيهم القوي والضعيف، والجميل والبشع، والقادر والعاجز، والفطن والساذج، إلى غير ذلك من الحالات التي تتنوَّع عند الأفراد، والتي تنجم في الواقع عن العوامل الذاتية، أو تتأثَّر بالعوامل الوراثية والمجتمعية، أو بعوامل أخرى عديدة تلتصق بحياة كل فرد من الناس، وتشكِّل له الشخصية المستقلَّة المتميزة عن غيرها من الشخصيات. ولو لم يكن الناس كذلك، لكانوا على نسقٍ واحدٍ من الخَلْق والخُلُق، ولَتوحَّدتِ المقاييس كلها، ولكانت الحياة على خلاف ما هي عليه، كما نعهدها ونعرفها، في مفارقاتها العجيبة الغريبة بالنسبة لاختلاف أحوال الناس.
إذن، فبسبب هذا الاختلاف، كانت لكلِّ فردٍ نظرتُه الخاصةُ إلى الحياة، وكان له مسلكُه الخاص في التَّصرُّف، فتَحَتَّمَ أن يكون له مفهومه الخاص للتكامل..
هذا، مع الإِشارة إلى أن مدار بحثنا هو الفرد الذي ينشد التكامل.. أما الفرد الذي قَعَدَ به العزمُ عن هذا المطلب السامي، ونأى عن أصالة الإِنسان فيه، فإنه لا يعنينا منه، إلا القدر الذي نبتغي له به الخلاص من الضياع، بُغيةَ أن يحرّر نفسه من العبودية التي قيَّدها بها، وأملاً بأن يبدأ من جديد رحلةَ التكامل التي ترفعه إلى مرتبة الإِنسان.
4 - ورابعة الحقائق : الاختلاف في النظرة والمسلك إلى التكامل، ونتائجه الإِيجابية على صعيد التقدم والرقيّ في مجالات الحياة العامة..
فعن هذا الاختلاف انبثق التنوُّع في الأفكار، والتعدُّد في الأساليب والوسائل، والوفرةُ في المكتشفات والمخترعات التي أدَّت إلى عمارة الأرض، وإلى نشوء الحضارات والمدنيات لدى الأمم والشعوب.. مع التأكيد على الفارق الواضح ما بين الحضارة والمدنيَّة!
فالحضارةُ مجموعةُ مفاهيم نابعة من وجهة النظر إلى الكون والحياة والإنسان. أما المدنية فهي الأشكال المادية للأشياء المحسوسة التي تستعمل في شؤون الحياة. ومن هنا كانت الحضارات متميِّزةً عن بعضها البعض، طبقاً لوجهة نظر كل أمة، ووفْقاً للعقلية السائدة في المحيط الجغرافي الذي تعيش فيه الأمة. فكانت للمصريّين مثلاً حضارتهم، وللهند أو الصين حضارتهما، وكانت أيضاً الحضارة الغربية، والحضارة الإِسلامية. وفي كلٍّ من هذه الحضارات قيَمٌ معيَّنة مختلفة في نظرتها للإِنسان، وللحياة، ولمَا بعد الحياة، وهي التي جعلت لكلٍ منها طابعها الخاص الذي قامت عليه وعُرِفتْ به. وهذا بخلاف المدنية، التي يمكن لأشكالها المادية أن تتجانس وتتقارب، سواء في الشرق أم في الغرب، وأن تتلاقى على أكثر من صعيد وفي أكثر من مجال، بحيث تصير تلك الأشكال مقبولةً عند سائر الناس، ويصير استعمالها شائعاً في غالبية البيئات والمجتمعات. فما يلبسه الغربي أو يأكله، قد يلبسه الشرقي أيضاً ويأكله.. والأدوات والآلات وأنماط العيش المادية على اختلافها، هي أشكال مدنية عالمية لا يُراعى في أخذها شرقٌ ولا غربٌ ولا جنسٌ ولا لون، لأنها ليستْ ناشئة عن الحضارة ولا تتعلَّق بها.
نستخلص من ذلك أن الجهد البشري قد يكون في مضمار الحضارة، التي إذا توافقت مع القيم والمُثُل العليا، تؤمِّن السعادة والطمأنينة، وتحقق العدالة للناس، شرط أن تقوم على أوامر الله - تعالى - ونواهيه... أو قد يكون الجهد البشري في مجالات المدنية التي تنشىء الوسائل والأدوات والأجهزة على اختلاف أشكالها وأنواعها - وتكون قابلة للاستعمال من قبل جميع الناس.
هذه الأعمال الحضارية والمدنية هي بعضُ سُبُل التكامل لمريديها، ولباذلي قصارى جهودهم العقلية والنفسية والجسدية لتحقيقها..
5 - أمَّا خامسة الحقائق : التي نحن بصددها، وأهمها، فهي أن التكامل لا يكون إلا عند إنسان صحيح النفس سليم الطويَّة نقيّ السريرة. فمن حيث المظهر المادي الخارجي، خلق الله - تعالى - الإِنسان في أحسن تقويم حتى كان مثالاً رائعاً في الخلق... إذ ليس أجمل ولا أروع من صورة هذا الكائن، الماثل بجسده الكامل الأجزاء، التامِّ الأوصاف. فهو تعبيرٌ خالصٌ عن الصورة التي أراده خالقه عليها، وجعله فيها، وقد صرَّح القرآنُ الكريمُ بحُسن صُنْع الله - تبارك وتعالى - في مجال خلق الإِنسان حيث قال تعالى: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} [غَافر: 64].
وحيثُ قال جَلَّ وعلا: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ *} [التِّين: 4].
ولكن هذا الإِنسان، لم يُدرك هذا الحُسْنَ فيه، ولا حَمِدَ الله ربَّه عليه، ولا عمل بما تستأهله هذه النِّعمةُ لديه، فأتاه العتابُ والإِنذارُ من ربه الكريم على هذا الضلال بقوله: {يَاأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ *الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ *} [الانفِطار: 6-7].
فالإِنسان بعد أن خلقه الله تعالى سويّاً، عدلاً، لم يُدرك قيمة الشاكلة الجميلة التي خُلِقَ عليها، فاغْتَرَّ بنفسه وخُدِعَ بها، ثم اغترَّ بربِّه وتجرّأ عليه.
وقد جاء هذا الاغترار من نفسه - حُكماً - ، لأنه لم يعمل ليجعلها نفساً تتكامل، بل على العكس غلبت عليه نفسه الأمّارة بالسوء، حتى صارَ من الذين في قلوبهم مرضٌ، كما وصفهم ربُّ العالمين.. فقد أنعم الله - عز وجل - على النفس - أي نفس بشرية - بالوجود وغَمَرها بالنِّعَم، فانصرَفَتْ عنه إلى إنكاره واتِّباع غواية الشيطان! وذلك أن للنفس أمراضَها وعاهاتِها، كما أن للجسد أمراضَه وعاهاتِهِ، مع الفارق المهمّ، وهو أن أمراض النفس أشدُّ إيلاماً وأصعبُ معالجةً من أمراض الجسد. فالوصفات التي يعطيها الأطباء، والعمليات الجراحية التي يقومون بها، من شأنها معالجة الأجساد وشفاؤها إذا صدق تشخيصُ المرض، وصحَّتْ معرفتُه، وبالشروط التي تجعل التشخيص أو الجراحة صحيحين. في حين أن الوصفات لمعالجة النفس قلَّما تكون نافعةً، إلا إذا تعرَّفنا على هذه النفس منذ البداية، ووجدنا لديها القابليَّةَ والاستعدادَ للشِّفاء. لأنه لا شيء أكثرُ تعقيداً أو أشدُّ غُموضاً من نفس الإِنسان، إذ هي في حال صحَّتها ومرضها تتأثَّرُ بمختلفِ العوامل التي تكمن فيها أو تحيط بها، ولا شيء يخرج من ذاتية الإِنسان، أو يدخل فيها إلاَّ ولهُ تأثيره على نفسه.
من هنا كان التلازم قائماً ما بين صلاح النفس وتكاملها، وبين فجور النفس وضِعتِها. فأمام الإِنسان دوماً الفوارق التي تفصل ما بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والصواب والخطأ. ويبقى على أيِّ إنسان، كائناً من كان، أن يختار بنفسه المسالك التي يَعْبُرُ فيها مسيرةَ حياته الأرضية، فإما أن ينطلقَ متكاملاً، وإما أن ينحدر مُتسافلاً. والغريب في أمر من يجرفهم تيّار التسافل أنهم لا يقفون عند حدود أنفسهم وحسب، بل كثيراً ما يتجاوزونها إلى جرِّ غيرهم من الضعفاء، وإلى ازدراء غيرهم من الناس، لاسيما وهم ينظرون إلى المؤمنين والأتقياء والورعين نظرة استعلاء، ويتهمونهم بالتعلُّق بالأوهام الغيبية، ويَصِمونهم بالتَّخلُّف والرجعية، دون أن يعرفوا أنه ما من إنسانٍ إلاَّ وله كيانٌ بذاته، مثلما له شأنٌ يغنيه عمَّن سواه، ومن خلاله تتكون شخصيته، وتبرز فعاله. أما الرجعية، التي يلجأون إليها، فإنها لا تحمل إلا معنى الرجوع عن نور الحقيقة إلى ظلمة الجاهلية الجهلاء، وهم - هؤلاء - أتباعُها ومريدوها!..
ونسأل هؤلاء الضالِّين والمضلِّلين: هل أشدُّ رجعيةً من إنكار مِنَنِ الخالق علينا، وتناسي ما منحنا من طاقات وملكات وقدرات؟. أم هل أكثر جهالة من جحود الجميل وكُفرِ النعمة؟ أم هل أفدح هبوطاً من ضلالة النفس وانحدارها في كل ما يخالف حقيقة الإِنسان في جوهره وفطرته؟
إذن فصحةُ النفس وصلاحُها - وهما ما يعبَّر عنهما بزكاة النفس - أقوَمُ سُبُل الإِنسان للارتقاء في معارج التكامل... ولعل العودة إلى النفس ومعرفتها على حقيقتها هما أول تلك السُّبل لتقويمها وشفائها من أمراضها.
ومن هنا كانت الحاجة ماسّةً إلى ظهور النبيين المرسلين، الذين هم في الحقيقة أطباء النفوس. وما أنزله الله سبحانه وتعالى عليهم لم يكن سوى أدوية لشفاء النفوس المريضة المنحرفة عن جادة الصواب، وقد قال تعالى بأن القرآن الكريم هو: {هُدىً وَشِفَاءٌ} [فُصّلَت: 44] للذين آمنوا. ونبَّه الناس إلى ما فيه من شفاءٍ بقوله المبين: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ *} [يُونس: 57] ثم أكَّد عليه بقوله العزيز: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسرَاء: 82]. وأما من ركب عناده، وبقي مصرّاً على استكباره وكفره وظلمه لنفسه، فإن هذا القرآن لا يشفيه ولا يزيده إلاَّ خساراً..
أجل، إنَّهُ، ورأفةً بالعباد، بعث الله - تعالى - تلك الثلة المختارة من عباده الصالحين، بشرائع الهدى ومناهج الدين، لإِصلاح النفوس الإِنسانية المريضة وتهذيبها، وإعادتها إلى جادة الصواب وتقويمها. وقد فرضتِ الرسالاتُ السماوية على الإنسان أن يخضع كل يوم، - إن لم يكن كل ساعة - لمحاسبة نفسه محاسبة دقيقة على كل ما أدركت وميَّزتْ واختارتْ، أو على كل ما سعَتْ وباشَرتْ وعملتْ، فإن كان في عملها نقصان أُكمِل، وإن كان فيه شرٌّ بُدِّل. أما إذا جهل الإِنسان هذا التقويمَ التهذيبيَّ اليوميَّ أو تجاهله، فإن إدراجه في لائحة الأنعام يكون أجْدَى، بل ربما كان الموت أجدر به كيلا يزداد غيّاً مع غيِّه وإثماً مع إثمه. وفي هذا يقول محمدٌ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، مبيِّناً أهميَّة محاسبةِ الإِنسان لنفسه في كل حين، وداعياً إياه للارتقاء والتكامل في كلِّ وقت: «من اسْتَوَى يَوْماه فهو مَغْبون، ومن كان غدُه شرّاً من يومه فهو ملعون، ومن لم يتفقد النقصان في عمله، كان النقصان في عقله، ومن كان النقصان في عمله وعقله فالموت خير له من حياته»[*]، وكفى بقوله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) قولاً كريماً، وسيرةً هاديةً...
نعم هذا هو قانون محمد عليه وعلى آله أفضلُ الصلاةِ والسلام، القانون الذي يصلح لأن يسري على كل إنسان، وفي كل وقت من أجل مجاهدة النفس وتقويمها، ولا يذهب فيه الجهد عبثاً، لأن مجاهدة النفس في سبيل صحَّتها تؤدي حتماً إلى رضى الله سبحانه وتعالى، إذ من خلال هذه النفس يكون الإيمان بحقيقة وجود الله، والطاعة لأوامره، والابتعادُ عن نواهيه. فمجاهدة النفس هي مثل الجهاد القتالي في سبيل الله والهداية إلى سبله: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ *} [العَنكبوت: 69]. وقال رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : «جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم». ولقد نُسب إليه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أنه قال لأصحابه حين الرجوع من الحرب: «انتهيتم من الجهاد الأصغر، وبقي عليكم الجهادُ الأكبر. فقيل: وما الجهادُ الأكبرُ يا رسول الله؟. قال: هو جهادُ النفس»[*].
تلك هي الحقائق الخمس التي رأينا أنها قد تغني الإِنسان في مسار حياته الأرضية، والتي نخلص منها إلى النتيجة الحاسمة وهي: أن عبء التكامل يقع على عاتق الإِنسان نفسه، أولاً وقبل كل شيء.. فهو، بالإِيمان بالله وملائكته وكتُبه ورُسُلِهِ واليوم الآخر، وبمعرفته لنفسه، وبمجاهدة هذه النفس لتخليصها من أمراضها وتعقيداتها، تتوافر له تربيتان:
التربية الإِلهية، والتربية الإِنسانية، وبهما يستطيع السير على طريق التكامل الذي من شأنه - إذا ما بلغ بعض ذراه - أن يرفعه إلى أعلى عليِّين..
ولئن كانت التربية الإِنسانية تنبع من ذات الإِنسان ومن بيئته، وظروف حياته، فإن التربية الإِلهية تأتي من خالق هذا الإِنسان، تأتي في تعاليمَ هي أوامرُ ونواهٍ لا تحتاج إلى درس وتمحيص لتصبح وَصْفاتٍ صالحة.. وقد أتت هكذا فعلاً، عن طريق المبعوثين من الله تعالى الذين حملوا رسالاته إلى بني البشر.. وما كانت العزة الإِلهية لتبعث هادياً إلا بعد إعدادِه، لأن المسؤولية التي يحملها مسؤولية جسيمة وعظيمة. فَمِنْ هذا الإِعداد قولُه لنبيِّه موسى (عليه السلام) {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي *} [طه: 39]..
ولكن، ينبغي أن نلاحظ أنه على الرغم من هذا الإِعداد المسبق فقد ثبت في التاريخ، أن أي نبي أو رسول لم يُبْعثْ إلاَّ لِبَني قومه، ودون أن يحمل أحدٌ منهم تكليفاً لكافة الناس؛ بل ولقد نصَّ القرآنُ الكريمُ على هذه الحقيقة التي رافقت الأنبياء والمرسلين. فمن قوله عزَّ من قائل: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ *إِذْ قَالَ لأَِبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ *} [الشُّعَرَاء: 69-70]. إلى قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ *إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ *إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ *} [الشُّعَرَاء: 105-107] إلى قوله تعالى: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ *إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ *إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ *} [الشُّعَرَاء: 123-125] إلى قوله تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ *إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ *إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ *} [الشُّعَرَاء: 141-143]. ومثل ذلك كان الخطابُ إلى لوطٍ، وشعيب وغيرهما من الرسل الكرام... فكلٌّ قد بعث في بني قومه إلاَّ الرسول الأعظم محمد بن عبد الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) فقد بعث لأهل الأرض جميعاً، بدليل ما خاطبه به ربه الكريم: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ} [سَبَإ: 28]... لِعَرَبِيِّهم وأعْجَمِيِّهم، أبْيَضِهِم وأَسْوَدِهِم، دانِيهم وقاصِيهم، لكافتهم في سائر أنحاء المعمورة..
والسؤال الذي يرِد هو: لماذا خصَّ الله سبحانه وتعالى محمداً بهذا الفضل الكبير، عندما بعثَهُ رسولاً وهادياً، وبشيراً ونذيراً إلى الناس كافة؟
إننا لو تعرَّفنا إلى محمدٍ صاحبِ الشخصية الإِنسانية الكاملة، وإلى محمدٍ الرسولِ الَّذي أهَّله تكامُله الإِنسانيُّ لحمل أكبر رسالة سماوية إلى الأرض وآخرها، لاهتدينا إلى الإِجابة عن هذا السؤال...
فمَن هو محمد بن عبد الله؟
إنه ذلك الطفل الذي تربَّى يتيماً، محروماً من رعاية الأب كلِّها، ومن حنان الأم إلاَّ أقلَّه، وعلى الرغم من ذلك لم يذلَّه اليتم ولم تَقْهَرْه قساوتُه، حتى أنه لم يكن عائقاً في درب تكامله، بل على العكس، فقد كان اليُتْمُ له زاداً روحيّاً، جعله في حياته الإِنسانَ العطوفَ الرَّحيم، فاستحق يُتْمهُ أن يكون معلِّماً وموجِّهاً، لا ذُلاًّ يُعانيه الطفلُ في إنسانيته، ولا مَدْعاةَ تعبيرٍ عن شفقة يتصدَّقُ بها ذوو الفضل عليه كما يجري عادةً لليتامَى والمساكين.
إنه ذلك الفتى الذي ابتعد عن الطَّيش، وترك اللهوَ واللعب وانصرف منذ مطلع تفتُّحه على الحياة إلى التَّفكُّر بالقِيَم والمُثل التي تُنمِّي مداركه، والبحث عن الطرق التي تقوِّي ملكة الخير في نفسه، وَتَلَمُّس السُّبل التي تفتح باب الحقيقة أمام عقله، حتى كانت فُتوَّتُه نسيج ذاته، تختلف فيه تماماً عن فُتوَّة أبناء الأرض كلِّهم.
إنه ذلك الشاب الذي قهر شظف العيش، وانتصر على مرارة الفقر والجوع، لا بِاتِّكاله على غيره، وإنما ببحثه الدائم عن الكسب الشريف، واجتناء الرزق الحلال من العمل اليدوي، والجُهد الشخصي، حتى صار مثال العاملين الشرفاء في كل زمان وكل مكان. لم يجذبه طيشُ الشباب ورعونتُه، ولا أغوته المحرَّمات ومفاسدها، أو زُخرف الدنيا وزينتها، بل هو أبداً الشاب الرصين، الفاضل، الذي دَيْدنُه الاستقامةُ، وناموسه الحلال والطهارة.
إنه ذلك الزوجُ والأبُ المثاليّ، تُلقي سنواتُ الشقاء والمكابدة أثقالَها عليه، ويُؤاتيه الوقت كي يُفيضُ عليه الله - تعالى - من نعمائه، فيصير غنياً بالمال، والزوجة والبنين، ولكن هل اكتفى بذلك؟ لا، والله.. إنه محمدٌ ذاتهُ، الذي يظلُّ على عهده مع نفسه، قائماً على تربية ذاته، لا تبهره حلاوة الدنيا وقد أقبلت عليه، ولا تَغُرّه الثروة وقد كثرت بين يديه، فكان مِثالَ الزَّوج الوفيّ، يقدِّس حرمة الزواج، ويصون حقوق المرأة، تماماً كما كان مثالَ الأب البار، يهذِّب بناتِهِ، ويقوم على تربيتهنَّ التربية الصالحة. بل وليس محمدٌ رجلاً عاديّاً، إذا أقبلتْ عليه السعادة من كل جانب - صحةً ومالاً وعائلةً ومكانةً - ينصرف عن هموم إصلاح مجتمعه، وما يعود يَحفِلُ بالصالح العام، بل يكتفي بنطاقه الحياتي الخاص، أو يجتهد في المحافظة على هذا النطاق!.. لا، لم يكن محمد بن عبد الله من هذا النوع من الرجال عندما أقبلتْ عليه الدنيا، ولفَّته السعادة بفيضها.. وحاشَا للرسول المنتظر أن يأخذه شيءٌ من زخرف هذه الحياة الدنيا وغرورها..
لقد عاش محمدٌ في مجتمع جاهليّ، تتحكم فيه عاداتٌ وتقاليدُ قبلية، يَغلب عليها طابع الصلف والعناد والقساوة والجفاف، ويقيم أغلب عيشه على الغزو والسلب والاقتتال، وتنطوي مقومات حياته على أبشع ما عرف الإِنسان في تاريخه من هدرٍ لقيمة الإِنسان كما هو الحال في وأد البنات.. وكل هذا إلى جانب امتلاء المجتمع بالمفاسد - بأبشع مظاهرها - من تعاطي الفواحش والمنكرات، وأكل الربا والسحت، والْوُلُوغ في اللذائذ المادية والرغبات الجنسية...
في مثل تلك البيئة القاسية البعيدة عن طاعة الله عز وجل، عاش محمد بن عبد الله، وهو كارهٌ لواقع مجتمعه السيىء، مبتعدٌ عن كل عاداته وتقاليده المُخزِيَة..
ولكنَّ محمداً لم يقف عند حدود السلبية من موبِقات مجتمعه، ولا اكْتَفَى بِلَعْنِها وترذِيلها، بل انصرف إلى التفكير في ما يجب أن يعمله حتى يخلِّص أبناء قومه مما هم فيه من كُفرٍ وضلال ومفاسد..
.. ثم يترامى فكرُه إلى أبعد من حدودِ مجتمعه، واستئصال مساوئِه، بكثير.. فيتطلع إلى الإِنسانية بأسرها، فيركن إلى التأمُّل والتفكُّر.. ويجذبه الكون بعوالمه، فيروح يتبصر بما يتناهى إليه الفكر.. ثم يقرِّر الانقطاع إلى الوحدة، والانفراد بالنفس، والرجوع إلى العقل، متأهِّباً للعمل الكبير.. علَّه يجد الحلول التي تجلب الخلاص.. وفي غار حراء كان: انقطاعه، وخَلْوَتُه.. ليتأَمَّلَ ويراقب.. وينقِّب ويفتِّش..
وما عتَّم أن قادته فطرتُه السليمةُ، وبصيرته النافذة إلى معرفة حقائق الوجود، وإلى إدراك أسرار الحياة.. فكانت تلك المعرفة أولَ تمهيدٍ لاستقبال الوحي الإِلهي في يومٍ مقبلٍ من الأيام.
نعم، إن محمد بن عبد الله - قبل أن ينزل عليه جبريل الأمين بالوحي من ربه - إنسانٌ يتدرَّجُ في مراقي الكمال من مراحل عمره. وهو يتزوَّد بحقائق الحياة، فتقوده تلك الحقائق إلى ما وراء هذه الحياة، فيعرف خالقه حقَّ معرفته.. ثم.. يصير على موعدٍ معه كي يمنحه الهدايةَ الكاملةَ والفضل الأكبر...
وإذا كان محمد قد استحقَّ هذا الفضل بذاته، ولذاته، فإن الشهادات التي تزكِّي هذا الفضل لأكبر دليل على استحقاقه لها:
فشهادات أبناء قومه مناقبه وصفاته تتوالى من كل صوب، بعد أن رأَوه يتفرَّدُ بخصال وفضائلَ لم يألفوها عند غيره. وشهادة زوجه خديجة بنت خويلد (رضي اللّه عنها) بحقِّه لها قيمتُها، لأنها أقرب الناس إليه وأكثرهم معرفة به.. كما أن الشهادة العظمى بحقه تأتيه من ربه لأنه - سبحانه - هو السميعُ العليم بذات هذا الإنسان وكمال نفسه..
فهو عند أبناء قومه «الصادق الأمين» بعد اقتناعهم بأنه لا أحد فيهم على شاكلته لا في القول ولا في الفعل ولا في السلوك، حتى صار هذا اللقب علماً خاصاً به، لا يعرف به إلا هو، ولا يُنادى به غيره...
ولكن، كيف اتفق لأهل مكة، وفي ذلك المجتمع الجاهلي الضالّ، أن يعترفوا لواحدٍ منهم بهذه المزية، وأن يُقِرُّوا له - من خلالها - بالرفعة عليهم، وهم، على ما هم عليه من الافتخار بأنفسهم، ومن التباهي بعرقيّتهم وبأسهم وتفوقهم على سائر قبائل العرب؟...
تُرى، هل كان محمد بن عبد الله، صاحب ثروة وغنى - وهو لم يعرفهما قبل زواجه من خديجة بنت خويلد (رضي اللّه عنها) - فأرادوا أن يتقرَّبوا إليه طمعاً في ماله؟. أم أنه كان القائد الحربيّ المرهوب الجانب حتى خافوا من بأسه وسطوته؟. أم أنه كان عرَّافاً بارعاً حتى تكون له حظوة عندهم؟. أم أنه كان شاعراً ينطق بلسانهم ويفاخر بأمجادهم، ويدافع عن فعالهم، حتى تكون له مكانة خاصة في نفوسهم؟. أم أنه تولى حُكمهم فَلَمسوا عَدْلَه - قبل بعثته ـ، أو تسلَّم مقاليد منصب كبير فأذعنوا إليه وتملَّقوه لينالوا رضى منصبه؟.
لا، لم يكن لمحمد شيء من ذلك. ومع ذلك اتفق أهل مكة ومن كان يأتيهم من العرب، على أنه «الصادق الأمين» الحَرِيُّ بأسمى آيات التقدير والاحترام والمحبة.
نعم، إن محمداً الإنسانَ - بسلوكه القويم، وقوله الصادق وعقله الراجح - امتلك قلوب الناس مِنْ حوله، وحاز تقديرهم وإعجابهم.
وبعد شهادة الناس له، تأتي شهادة زوجه خديجة (رضي اللّه عنها) . فإنه عندما بلغ الأربعين من عمره الشريف، متردّداً بين غار حِرَاء للتعبُّد وبين الخلوة بنفسه للتأمُّل والتفكُّر، ينزل عليه جبرائيل (عليه السلام) - وهو في وحدته - ويفجؤه الوحي - وهو في خَلْوَته - ويُلقِّنه أخوه الأمينُ أولَ آياتٍ يحملها إليه من ربِّه: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكَرَمُ *الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ *عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ *} [العَلق: 3-5].
ويتلقى محمدٌ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) الوحيَ، فترتعد فرائصه، ويرتجف جسده، ويرتاعُ قلبُه.. فيعود إلى بيته، لتلقاهُ زوجُه خديجة (رضي اللّه عنها) على تلك الحال من الاضطراب وهو يقول: زَمِّلُوني، دَثِّرُوني!!! فيروعها منظره غير المألوف؛ ولكنها لم تؤخذ ولم تتردد، بل تسارع إلى توفير كل ما يؤمِّن له الارتياح والاطمئنان، ثم تُقْبِلُ عليه مسرِّيةً، وتسأله عما أصابه، وكيف أتاه مثل هذا الانفعال؟! فيخبرها بما جرى له في غار حِراء. وتستمع خديجة (رضي اللّه عنها) إلى نبأ الوحي فترتاحُ نفسها، ويغتبطُ قلبُها ويهنأ بالها، وتحسُّ بأنها توشك أن تحلِّق في أجواء الإِشراق والإِيمان..
وكيف لا؟!..
فها هو ذا زوجُها محمد يفوز بالمكانة الرفيعة عند ربه ويكون ذلك النبيَّ المُنْتَظَر المُبَشَّرَ بِهِ من رُسُلِ الله في كُتُبِ الله - جل جلاله ـ.
أجل، لقد صدَّقت خديجة (رضي اللّه عنها) نبأ الوحي، وأدركت بفطرتها الصافية السليمة، جلال المسؤولية التي يُلقيها الله تعالى على عاتق هذا الزوج الكريم، فرأت نفسها تسجد مسبِّحةً بحمد ربِّها، موقنة بقدسيته.. ثم نهضتْ إلى قرب زوجها تسوّي بحنانها المألوف الأغطية التي تُدَثِّره وتُزَمِّلُه، ثم تركن بجانبه فتطوف بها الأفكار وهي تسائلها:
وهل أحد غير هذا الزوج أحقُّ بأن يكون موضع الرسالة؟..
وهل إنسان إلاَّه كفؤ للتغيير والتحويل في دنيا الناس؟
إنَّ خديجة رضي الله عنها تنطلق من الصفات التي تعرفها في زوجها. والمرأة الحكيمة هي أكثر الناس معرفة بالزوج، فكيف إذا كانت هذه الزوجة خديجة بنت خويلد، تلك التي آمنت بالنبأ العظيم، وصدَّقت الوحي، فكان عليها أن تزيل القلق من نفس زوجها، وأن تطمئنه قائلة: «أبْشِرْ يا محمد! فلا والله لا يُخزيكَ الله أبداً. إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِم، وتَصْدُق الحديثَ، وتَقْرِي الضيفَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ[*]، وتُكْسِبُ المعدوم، وتُعين على نوائب الدهر.. أبْشِرْ يا ابنَ عمي واثْبُتْ. فوالَّذي نفسُ خديجةَ بيدِهِ إِنِّي لأرجو أن تكونَ نَبيَّ هذه الأمَّة»..
فكان كلامها هذا الشهادة الثانية على رفعة محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وتميّزه عن سائر الناس..
وإنَّ لتلك الشهادة أثرها: فشهادةُ الزوجة العظيمة شهادةٌ عظيمةٌ بحد ذاتها، لأنها مبنيةٌ على واقع حياة زوجها العظيم، وعلى أفعاله العظيمة التي حفلت بها حياته، وعلى أعماله الجليلة التي أبرزت مزاياه الإِنسانية..
نعم، هذه شهادة الناس من الخارج، وهذهِ شهادة الزوجة من الداخل... ولكنَّ الشهادة الأكبر والأجل والأعظم تأتي من الملأ الأعلى، وتتنزَّلُ من الله تبارك وتعالى وهو - جل جلاله - يخاطبُ نبيَّهُ بقوله الكريم: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ *} [القَلَم: 4].
الله أكبرُ! فما أجَلَّها شهادةً من الله العليِّ الكبير، في الثناء على محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) عبده ورسولِهِ.
وما أعظمهُ خُلُقاً - خُلُق محمدٍ - والله العزيز الحكيم هو الذي يضفي على خلقه صفة العظمة، ويجعله سمةً لنبيِّهِ في دنيا الخلق.
وحَسْبُها أن تكون شهادة من الله - جلَّت عظمته - حتى تقوم لها السماوات والأرض. إنها الشهادةُ التي تُقَوِّمُ الإِنسانَ بذاته وصفاته، وتخلِّدُ على الزمان أنشودةَ العظمة، تغنّيها الشفاه وتصدح بها الحناجر وهي ترجِّع وتردد: يا محمَّد {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ *} [القَلَم: 4].
نعم تلك هي الشهادات الكبرى التي تزكِّي محمداً الإِنسان والنبيَّ المختار: شهادة من الناس، وشهادة من الزوجة، وشهادة من خالق الإنسان وبارىء الكون بأسره. فحقَّ لصاحبها أن يكون المصطفى من بين البشر، والمختار من دون سائر الناس لحمل الأمانة الكبرى التي يريدها الله - تعالى - منار هداية لكافة الناس.
وليس من باب المصادفة أن يكون أول التنزيل تركيزاً على العلم والمعرفة: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ *} [العَلق: 1]. ولا من باب المصادفة أيضاً أن يليه التنزيل الثاني تأكيداً لأهميَّة العلم والمعرفة فيكون: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ *مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ *وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ *وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ *} [القَلَم: 1-4].. لأنه ليس من شيءٍ كالعلم يحتاج الإنسانُ إلى أن يلج أبوابه، وليس من شيءٍ كالمعرفة يفتقر المرءُ إلى السعي في طلبها، ولذا كان بدء الوحي على محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بالتركيز على العلم والمعرفة مقرونين بالخُلُق.. ومن أجل ذلك قال رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : «إنَّ أولَ ما خَلَق الله تعالى القَلَم، وقال له: اكتبْ. فجرى في تلك الساعة بما هو كائن»[*]، ومن حديثه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أيضاً: «إنَّ لكل دينٍ خُلقاً، وخلقُ هذا الدين الحياء»[*].
ويتتابع الوحي من بعد ذلك على قلب محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) لإِكمال تربيته وتوجيهه، فيخاطبه الله سبحانه من عليائه في ثاني التنزيل: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ *قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً *نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً *أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً *إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً *} [المُزّمل: 1-5].
... وعلى ذلك النحو كانت تترى التربية من الملأ الأعلى، وهي تتدرج بمحمدٍ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) من العلم بحقائق الكون والحياة، وبمعرفة أخبار الأمم والشعوب حتى تصل إلى إعداده النفسي الذي يمكِّنه من تلقّي القول الثقيل، الذي ينجم عنه العمل الجليل.
ولكن هذه الصلابة في التربية - تكليفه بالعبادة أكثر ساعات الليل - إنما هي تدريبٌ على تحمُّل الصعاب. فمن الصلاة (القيام والقعود والركوع والسجود) إلى تلاوة القرآن ثم إلى ترتيله، ثم إلى التفكّر في آيات الله تعالى وآلائه.. وكانت أقوى عوامل الصلابة تأتي من داخله، إذ كلَّما تلا محَّمدٌ القرآن ورتّله انبعَثتْ في نفسه الراحة وازداد الاطمئنان، خصوصاً في جو معارضة رسالته، وفي خضمِّ مقاومتها، وفي شدة العداوة التي يلاقيها في يومه من قومه، وقد أقبل الكلّ على التصدِّي له في دعوته، ومحاربته بشتى الوسائل والأساليب.
نعم، هذا هو محمد بن عبد الله، الإِنسانُ والرَّسول. الإِنسان الذي امتلك تلك الشخصية الفريدة التي تميَّزت بخصال نادرة، وحفلت بقيم وعطاءات جليلة، فكانت الشخصية التي تنمُّ عن اكتمال تكوينه، وعن سموّه وعظمته.
وهو الرسول الذي لم تكن لغيره المكرمة التي خصَّه الله تعالى بها عندما جعله رسولاً للناس كافة.
مما لا شك فيه، أن محمداً لو لم ينزل عليه الوحي ويخاطَب من ربه - تبارك وتعالى - على لسان أخيه جبريل (عليه السلام)، لكانت له القدرة على أن يقيم مجتمعاً إنسانياً رفيعاً. ولكن الله عزَّ وجلَّ أتمَّ عليه نعمته، فجعله نبياً ورسولاً كريماً، وبذلك اجتمعت له الفطرة الإنسانية العالية بالتربية الذاتية المثالية، ثم تلاقتا بالإعداد الرّباني السخيّ، فكان التكامل الإِنساني، فالتأديب الإِلهي الذي عَبَّرَ عنه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بقوله: «لقد أدَّبني رَبِّي فأحسنَ تأديبي»[*].
أجل، لقد كانت الفطرة الإِنسانية السليمة الصافية في محمد، مقدمة للرسالة الإِلهية، وما كانت إحداهما لِتُغْنيَ عن الأخرى. فما كانت رسالة الإِسلام بشموليتها من الكمال والتمام، لِتَنزِل على غير ذي نفس صافية، وعقل كامل، وفكر مدرك، وشخصية عالية توافرت جميعُها في نبيِّنا وسيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام. وما كانت تلك السجايا والملكات، مهما بلغت من الكفاية بمغْنِيَةٍ عن تلك الرسالة الشاملة، فذاتية محمد لم تكن وحدها لتؤهله أن يعي الماضي بكل ما فيه، وأن يتدبَّر حاضره بكل ما يَحفِلُ به، ثم يتشوّف إلى مستقبلٍ كريمٍ بكل ما سيكون عليه، بل كان انحصر اهتمامه - ربَّما - في حيِّز زمانه وفي نطاق بيئته. ولكنْ شاء الله العليّ الحكيم، أن يكمِّل ذاتية «محمد» بما منحه من الهِبات والعطايا، حتى يكون قادراً على تلَقِّي الوحي، وعلى تبليغ الرسالةِ الخاتمة إلى بني الأرض في أسمى معانيها وأرفع غاياتها، فبُعثَ في زمنٍ كان فيه للإنسان من النُّضجِ العقلي ما يُمكِّنه من استيعاب التعاليم المنزلة من خالقه، والعمل بموجبها إنْ هو أرادَ تحقيق الإِنسانية بأجلى صورها في الحياة الدنيوية، أو تطلَّع إلى الفوز العظيم في الحياة الآخرة!!.
وهكذا نرى أن محمداً (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) - بما هو فيه وعليه من الكفاءة النَّادرة، وبَعْد حمل أمانة الرسالة وتبليغها كاملة - رغم عُتُوّ جبابرة قريش ومن لفَّ لفَّهم من الكفار والمشركين - نراه يشكِّل بذاته وصفاته معجزةً كبرى، إذ المعجزة بحد ذاتها ليست سوى العمل الذي تضعف أمامه قدرة الإِنسان الشخصية مهما بلغت من الرقيّ والعظمة. وما المركز الإِنسانيُّ الرفيعُ الذي احتلَّه محمد بن عبد الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بجهده الشخصيّ وتوفيق بارئه، إلا دليلٌ قاطع على بلوغ مرتبةٍ لا ينالها أحدٌ غيره من بني الإِنسان!
وإذا كانت البشارةُ الأولى بالرسول محمدٍ قد حفلت بها التوراة، وحَفِل بها من بعدها الإِنجيل حيث: {يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ} [الأعرَاف: 157] فإن إغفال هذه البشارة ومحاولة كتمانها وطمس معالمها، قد قامت بها عقول كثيرة، وعملت لها أيدٍ خفية متنوعة، ولا سيما الأيدي الإِسرائيلية المزوِّرة التي أدخلَتْ كثيراً من التحريف على الكتب السماوية كلها، وعلى تعاليمها الإِلهية، ما عدا القرآن الكريم فإنها لم تستطع، ولن تستطيع أن تدخل عليه أيَّ تحريف، لأن الله حافظه بدليل قوله تعالى:
{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ *} [الحِجر: 9].
نعم إن العمل المنسَّق الدائب على إخفاء تلك البشارة قد كان من قِبَلِ أعداءِ الإنسانية الذين يحرِّفون الكتاب بأيديهم. أولئك المحرفون اصطدمت كل خططهم بالحقيقة التي ذاعت ولم تخفَ في زمانها على أحد.. ألا وهيَ بَعْث محمد بن عبد الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) نبيّاً ورسولاً، وخاتماً للأنبياء والمرسَلين. وإنَّ هذا البعثَ الذي صار مِلءَ سمعِ الدُّنيا وبَصَرِها، كان إيذاناً من رب العالمين للبشر أجمعين بوجوب اتباع هذا الرسول الأمين حتى يكون لهم الفلاح في الدنيا والآخرة، {قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطِّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *} [الأعرَاف: 156-157].
ذلك هو العهد الواضح البيّن مِن الله العزيز الحكيم لليهود - بخاصة - لأنه جاء بعد دعاء موسى (عليه السلام) «ربنا إنا هدنا إليك»، وللناس بعامة - لأنه ينطوي على عذاب الله لمن يخالفون عهده.. وعلى رحمته الواسعة لمن يطيعونه ويعملون بعهده.. للذين يتقون ويؤتون الزكاة، ويؤمنون بآياته.. والذين يتبعون الرسولَ النبيَّ الأميَّ الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل.. فهل بعدُ أكثرُ بياناً وتقريراً من هذا العهد يقطعه ربُّ العزة والجلال على نفسه - بالعذاب أو بالرحمة - للناس، لكل الناس، من كلّ الأمم والشعوب وذلك بالدعوة الصراح لاتباع محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) الرسول، النبيّ الأمي؟!.. فهو الناموس الربّاني الذي يجب على الناس الاهتداء بنوره في دار الدنيا، لأنه يوصل كلَّ من يسير عليه إلى الطريق المستقيم يوم الحساب.. وهو أيضاً الإعلان عن الدعوة الحق للإيمان بمحمدٍ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وتأييده ونصرته واتباع القرآن الذي أنزل عليه.. وهما - والله - العهد الحقُّ، والدعوةُ الحقُّ يصدران عن الحق، وما على الناس إلاَّ الاستجابة للحق!.. والعهد والدعوةُ من ربنا وخالقنا - سبحانه وتعالى - هما ما نستلهم في استجلاء حياةِ محمد رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) في هذه المحاولة المتواضعة أمام كمال الرسالة، وعظمة النبوة، وكلنا أملٌ بأن يمدَّنا الله تعالى بالتوفيق، حتى نوفّيَ خاتم النبيين بعضَ حقه من التقدير، وبأن يمنحنا قبساً من نور دعوتِهِ وهديِهِ اللذين يحملان الخيرَ للإنسانية جمعاء.

مقدمة الكتاب
القسمُ الأوّل
القِسم الثاني
القِسم الثالِث
القسم الرابع
الإسلام وثقافة الإنسان
الطبعة: الطبعة التاسعة
المؤلف: سميح عاطف الزين
عدد الصفحات: ٨١٦
تاريخ النشر: ٢٠٠٢
الإسلام وثقافة الإنسان
الطبعة: الطبعة التاسعة
المؤلف: سميح عاطف الزين
عدد الصفحات: ٨١٦
تاريخ النشر: ٢٠٠٢
الإسلام وثقافة الإنسان
الطبعة: الطبعة التاسعة
المؤلف: سميح عاطف الزين
عدد الصفحات: ٨١٦
تاريخ النشر: ٢٠٠٢
الإسلام وثقافة الإنسان
الطبعة: الطبعة التاسعة
المؤلف: سميح عاطف الزين
عدد الصفحات: ٨١٦
تاريخ النشر: ٢٠٠٢