نبذة عن حياة الكاتب
الاسلام وثقافة الانسان

القِسم الثاني - المفاهيم ومَصَادِرُهَا
رابطة المبدأ هي الرابطة القوية المتينة وليست الرابطة القومية ولا الوطنية
والمبدأ هو الذي ربط بين محمد العربي وسلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي مع أنهم مختلفو اللغات والقوميات والأوطان والعادات والتقاليد
والمبدأ هو الذي باعد بين محمد وأبي سفيان وأبي جهل وأبي لهب مع أنهم من قبيلة واحدة وقومية واحدة ولهم نفس العادات والتقاليد واللغة واحدة
والمبادئ في العالم ثلاثة: الديمقراطية الرأسمالية والاشتراكية الشيوعية والإسلام.


المبدأ، الندرة النسبية، الاشتراكية ومنها الشيوعية مبدأ
الإسلام مبدأ، المجتمع، الأخـلاق، الدستور والقانون
الفرق بين الحضارة والمدنيّة، علوم النفس والاجتماع والتربية
العمل برأي الأكثرية ومتى يجوز، الأشياء والأفعال
الشركات الرأسمالية، التـأمين، الجمعيات التعاونية
المصارف «البنوك»، الأسواق المالية، الرّبا، الرّبا والصرف
النقـود، الشركات في الإسلام، سياسة القروض
واقع التجارة الخارجية
السياسة الصناعية الحركة العمالية في العالم
التنمية الاقتصادية أو «زيادة الثروة»، الثقافة الإسلامية
علم الحديث، التـاريـخ، الفقـه
الأهداف العليا لصيانة المجتمع الإسلامي
العقوبات في الإسلام، الجنايات، العقيدة والحكم الشرعي
بعض الأحكـام الشرعية، الاحتكـار، الإجـارة
الرشوة والهدية، الـرهـن، المفـلس، الحـوالـة
تحديد النسل، الاستـرقـاق، القمـار، الإسلام طبق عملياً
عوامل ضعف المسلمين، السياسة والسياسة الدولية
العولمة والحرب على أفغانستان


المَبْدَأ
المبدأُ، في اللّغةِ، مصدرٌ ميميّ منْ بدَأ يبدَأُ مَبْدَأً؛ وفي الاصطلاحِ العامِّ فكرٌ أساسيّ تُبْنى عليهِ الأفكار الفرعيّة؛ غيرَ أنّ الناسَ أطلقُوا المبادىء على أفكارٍ فرعيّةٍ، يمكِن أنْ تُبنى عليها أفكارٌ أُخرى فرعيّةٌ أيضاً، على اعتبارِ أنّها أفكارٌ أساسيّةٌ. فقالوا: إنّ التعاونَ مبدأ، وإنّ الاجتماعَ مبدأ، وقالوا: مبادىء الاقتصادِ، ومبادىء الأخلاقِ، ومبادىء الاجتماعِ، وهكذا. والحقيقة أنّ هذهِ ليستْ مبادىءَ، بَلْ قواعدُ أوْ أفكارٌ، وكون هذه الأفكارِ والقواعدِ تُبنى عليها أفكارٌ فرعيّةٌ، لا يُخَوّلها أن تصبحَ مبادىءَ، لأنّها ليستْ أفكاراً أساسيّةً؛ فالوفاء فرعٌ لا أساسٌ. والصدق فرعٌ لا أساسٌ، وهما حكمانِ شرعيّانِ مأخوذانِ منَ القرآنِ الكريمِ. وهما صفَتان جميلتَان نافِعتَان مأخوذتَان عن الفكرِ الرأسماليّ.
وعلى هذا لا يُسمّى الفكر مبدأ، إلاّ إذا كانَ فِكْراً أساسيّاً تنبثق عنه أفكارٌ، أوْ عقيدةٌ عقليّةٌ، ينبثق عنها نظامٌ.
نشوءُ المَبْدَأ
والمبدَأُ لا بُدّ أنْ ينشَأ في ذهنِ شخصٍ، إمّا بوحيِ الله له بهِ وأمْرِهِ بتبليغِهِ، وإمّا بِعَبْقَرِيّةٍ إشْرَاقِيّةٍ في ذِهْنِ صاحِبِهَا.
أمَا المبدأُ الذي ينشأُ بوحيِ الله فهوَ المبدأُ الصحيح لأنّه من خالقِ الكونِ والإنسانِ والحياةِ، وهوَ مبدأ قطْعِيّ.
وأمّا المبدأُ الذي تُوحيهِ العبقريّة فباطلٌ لأنّه ناشىءٌ عنْ عقْلٍ محدودٍ يعجز عنِ الإحاطةِ بالوجودِ، هذا منْ ناحيةٍ، ومنْ ناحيَةٍ أُخرى فإنّ فَهْمَ الإنسانِ للتنظيمِ عُرْضةٌ للتفاوتِ والاختلافِ والتناقضِ والتأثرِ بالبيئةِ التي يعيش فيها، مما ينتج النظامَ المتناقضَ المؤدّي إلى شقاءِ الإنسانِ.
الرأسمَاليّة مَبْدَأ
والقيادة الفكريّة الرأسماليّة مبنيّةٌ على الحلِّ الوسطِ بينَ رجالِ الكنيسةِ والمفكرينَ، لا على العقلِ؛ وهي حلّ ترضِيَةٍ أوْ وسَطٍ. ولذلكَ تجد «الوسط» أصيلةً عندهمْ فهمْ دائماً يُقرّبونَ بينَ الحقِّ والباطلِ والإيمانِ والكفرِ والنورِ والظلام بحلٍّ وسطٍ، بالرّغمِ منِ انعدامِ وجودِهِ إذْ لا وسَطَ بينَ الحقِّ والباطلِ والإيمانِ والكفرِ والنورِ والظلامِ.
والرأسماليّة لا تعترف بالدين ولا تُنكِره، ولا تجعل الاعترافَ بهِ أوْ إنكارَه موضعَ بحثٍ، ولكنّها تُقرِّر مبدئيّاً فَصْلَ الدينِ عنِ الحياةِ لأنّها تريد أنْ يكونَ سير الحياةِ نفعيّاً بحتاً لا شأنَ للدينِ بهِ.
وهذهِ الفكرة هيَ عقيدتُها، وهيَ قيادتُها الفكريّةُ، وقاعدتها أيضاً. وبناءً على هذه القاعدةِ الفكريةِ كانَ الإنسان هوَ الذي يَضَعُ نظامَه في الحياةِ، ولمْ يكنْ بدٌّ منَ المحافظةِ على الحريّاتِ الأربَعِ للإنسان: حريّةِ العقيدةِ، وحريّةِ الرأي، وحريّةِ الشخصيّةِ، والحريّةِ الملكيَّةِ، وقد نتَجَ عن حريّةِ الملكيَّةِ النظام الاقتصاديّ الرأسماليّ فكانتِ الرأسماليَّة أبرزَ ما في هذا المبدإ وأبرزَ ما نتجَ عن عقيدتهِ. لذلكَ أُطْلِقَ عليهِ أنّهُ المبدأُ الرأسماليّ، من باب تسميةِ الشيءِ بأبرزِ ما فيهِ.
الديمقراطيَّة
والديمقراطيّةُ التي أخذَ بها هذا المبدأُ آتية من جهةِ أنّ الإنسانَ هو الذي يضعُ نظامَهُ، ولذلكَ كانتِ الأمّةُ مصدرَ السلطاتِ.
والديمقراطيّةُ الرسماليّةُ مبدأٌ فرديّ، يرى أنّ المجتمعَ مكوّنٌ منْ أفرادٍ، ولا ينظر للمجتمَعِ إلاّ نظرةً ثانويّةً ويخصّ نظرته بالفردِ، ولذلكَ يجب أن تضمن الحرياتُ الأربعُ للفردِ.
والحريات الأربع هيَ:
1 ـ الرأي.
2 ـ العقيدة.
3 ـ الشخصيّة.
4 ـ الملكيّة.
حرّيَّة الرأي
(1) حرية الرأي: تجعل لكُلِّ فردٍ كلاماً مسموعاً ورأياً مُحْتَرماً في تقريرِ الحياةِ العامّةِ، وَوَضْعِ خطَطِهَا، وسَنِّ قوانينِها، وتعيينِ السلطاتِ القائمَةِ لحِمايتِها، لأنّ نظامَ الحُكْمِ فيها يتّصِل اتّصالاً مُباشراً بحياةِ كلِّ فردٍ منْ أفرادِها، ويؤثّر تأثيراً حاسِماً في سعادتِهِ، أوْ شقائِهِ. وسواءٌ كانتْ هذه الآراء صحيحةً أوْ خاطِئَةً، بَنّاءةً أوْ هدّامَةً، فالأمرانِ سيّانِ لديهِمْ. وأَمّا الإسلام فما أطلَقَهَا على هواها، ولا قَيّدها، بلْ مَنَعَ الأخبارَ الكاذبةَ، والآراءَ المُضلِّلَةَ، وسمَحَ للآراءِ الصّائِبَةِ البَنّاءَة المقومةِ لاعوِجاجِ الدولَةِ والرعيّةِ؛ وأكثر منْ ذلكَ فقد شجّعَ الإسلام انتقادَ الحاكِمِ الأعوجِ ـ ما دامَ النّقد صحيحاً ـ وفضّلَه على كلِّ عملٍ يقومُ بهِ المُسلِمُ لِنَيْلِ رضوانِ الله وقدْ قالَ رسولُهُ الكريمُ: «أفضلُ الجهادِ عندَ الله كلمةُ حقٍّ عنْدَ سُلْطَانٍ جائِرٍ»(+) وقالَ: «سَيّدُ الشُّهداءِ حَمْزَةُ ـ ورجلٌ قامَ إلى سُلْطَانٍ جائِرٍ فنَصَحَهُ، فقَتَلَهُ»(+).
حرّية العقِيدة
حرية العقيدة: تعْني أنْ يعيشَ النّاس أحراراً في عَقَائدهِمْ، يُفكّرونَ كَمَا يحْلُو لَهُمْ، ويعتقدونَ ما تُوحِيهِ إليهِمْ شَهَواتُهُمْ وأهواؤهُمْ بدونِ عائقٍ مِنَ السّلطَةِ وسواءٌ عَبَدَ هذا الفرد إلهاً أوْ أنْكَرَ وجودَه أوْ عَبَدَ غَيْرَه فالأمرانَ سيّان لَدَيْهِمْ.
فالدَّولة لا تسلبُه حُرّيته، ولا تمنعُه عنْ مُمَارسةِ حقِّهِ فيها والإعلانِ عنْ أفكارِهِ ومُعتقداتهِ والدّفاعِ عنْ وجهاتِ نظرِهِ. وقدْ دعا الإسلامُ بالنّسبةِ لِلْعقيدةِ الإنسانَ لِلتفكرِ في خَلْقِ السموَاتِ والأرضِ، في قوْلِهِ تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً} [آل عِمرَان: 191] ثمّ دعا للتيقّنِ بحقيقةِ وجودِهِما ومصدَرهِمَا كَقَوْلِهِ تعالى: {وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ *وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ *وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ *فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ *} [الذّاريَات: 20-23] وبعدَ هذهِ البراهينِ الدّامِغَةِ، والحقائقِ الواضحَةِ، جَعَلَ المُسْلِم مُقيّداً بالحقيقةِ وعاقَبَه مُعاقَبَةَ المُرْتَدِّ إذا ما ابتعدَ عنْها؛ ومنْ هنا نرى أنّ الإسلامَ ما تركَ لأهْلِ الباطِلِ حُريّةَ العقيدةِ حتى يعبَثُوا كما يشاؤونَ.
الحرّية الشخصيّة أي «السُّلوك الشخصيّ»
الحرّيّة الشخصيّة، ومعَ اختلافِ المبادىءِ «الرأسماليّ الديمقراطيّ والاشتراكيّ الشيوعيّ» في النظرةِ الأساسيةِ إلى الكوْنِ والإنسانِ والحياةِ، تتّفِق في أنّ المُثُلَ العُلْيا للإنْسانِ هيَ القِيَم التي يضعُها الإنْسَانُ نفْسُه، وأنّ السعادةَ هيَ الأخذ بأكْبَرِ نصيبٍ مِنَ المُتَعِ الجَسَدِيّةِ، لأنّها في نظرِها هيَ الوسيلة إلى السّعادةِ، بلْ هيَ السّعادة، وتتّفِق أيضاً على إعطاءِ الإنسانِ حرّيتَه الشَّخصيّةَ يتصرّف بها كيْفَ يشاء، وعلى نحْوِ ما يريد، ما دامَ يرى في هذا التصرّفِ سَعَادتَه، وليسَ في هذا التصرّفِ اعتداءٌ على حرّياتِ الآخرينَ.
الحرّية الشخصيَّة ومَا نتج عَنْها مِنْ فوضى جنسِيّة في المجتمع
الغريزة لا تتحرّك داخليّاً مُطلقاً بعكْسِ الحاجةِ العضويّةِ التي تتحرّك داخليّاً مِنْ ذاتِها، وتُثار للإشبْاعِ خارجيّاً. فالشّعور الجنسيّ ـ مثلاً ـ لا يثور من نفسهِ مُطلقاً، وإنما يحتاج إلى ما يُثيره منَ الخارجِ، فلا رغبةَ في الاجتماعِ الجنْسيّ، ولا أيّ شُعورٍ بذلكَ إلاّ إذا رأى الإنسان واقعاً محسوساً يثيره أو تحدّثَ إنسانٌ أمامَه عمّا يُثيره مِنَ الوقائِعِ، أوْ تصوّرَ وقائِعَ مرّتْ عليهِ سابقاً، فعنْدها يُثَار الشعور المذكور. ووجود الغريزة في الإنسانِ لا يُسبّب قَلَقاً، بلْ إثارة الشّعورِ الذي يتطلّب الإشباعَ هي التي تُسَبّب القلقَ إذا لمْ يتأتّ الإشباع، فإذا لمْ يتكامَلْ شعورُ الإشباعِ لِعَدَمِ وجودِ ما يُثيره لا يتهيّأُ أيّ قَلَقٍ مُطلقاً. كما لا يتهيّأُ أيّ كبت إذا لمْ يَكُنْ واقِعٌ أوْ فِكْرٌ يُثِيرها. وكانَ منَ الحماقَةِ وقصر النّظرِ أنْ تُوضَعَ بينَ النّاسِ الأفكارُ التي تُعطي المفاهيمَ عنِ الجنسِ كالمؤلّفاتِ الجنسيّةِ، والأفلامِ السّينمائيّةِ والرواياتِ، وغيرِ ذلكَ منَ الوسائلِ المختلفةِ. وكانَ منَ الحمقِ وقصرِ النّظرِ أنْ يفسَحَ المجال لإيجادِ الواقِع المَحْسوسِ الذي يُثير غريزَةَ النّوع باختلاطِ الرّجالِ بالنّساءِ، وإفساحِ المجالِ لهُمْ بالخلوَةِ والاحتكاكِ والمُشاهَدةِ على شواطىءِ البحارِ وغيرِها منَ الأمكِنَةِ المتعدّدةِ، لأنّ هذهِ الحماقاتِ تَشْغَلُ الشّابّ دائماً في تحقيقِ الإشباعِ أوْ تجعلُه قَلِقاً حينَ لاَ يُحقّق هذا الإشباعَ، وهذا هوَ الانحطاط الفكريّ أوِ الشّقاء الدائم، ولذلكَ كانَ إعطاء الحرِّيّةِ الشخصيّةِ للفرْدِ سبَباً لِشُيُوعِ هذهِ الفوْضى الجنسيّةِ، وضَرَراً كبيراً على المُجتَمَعِ، وكارثةً مُروّعةً تُهدّد الأسرةَ، يوْميّاً بالدّمارِ، وما زالتْ تتفشّى هذهِ الفوضى وتزداد يوماً بعْدَ يومٍ حتى باتَتِ الأسَر مُهدّدةً في شرفِها؛ ولهذا كانتِ الحريّة الشخصيّة منْ أسوَإ ما في النّظام الديمقراطيّ.. فلوْ رجَعَ النّاس إلى الإسلامِ لَوَجَدوا أنّه جاءَ بمفاهيمَ تُنَظِّم غريزةَ الجنسِ إيجابيّاً بِنظامِ الزّواجِ، وسلبيّاً بالحيْلُولَةِ بينَ الإنسانِ وما يُثير الشُّعورَ الجنسيّ، ولا يحقق إشْباعَهَ، ولذلكَ حرّمَ الخَلْوَةَ بينَ الرجلِ والمرأةِ المحرّمةِ عَلَيْهِ. لأنّها تُثير غريزةَ النّوعِ، ولا يتحقّق له إشْباعُهَا وَفْقَ النظامِ الذي يعتنقُه فَيُسَبِّب له القَلَقَ أوْ مُخالَفَةَ النّظامِ مُخالَفةٌ فاحِشَةً. وقدْ جاءَ دليل هذا التحريمِ واضحاً في قوْلِ رسولِ الله (ص): «لا يَخْلُوَنَ أحدكُمْ بامرَأةٍ إلاّ معَ ذِي مَحْرَمٍ»(+) وقالَ: «ما اجْتَمَعَ رجُلٌ وامرأةٌ إلاّ وكانَ الشيطان ثالثهما»(+). كما قالَ: «ما تركْت بعدي فِتْنَةً أضَرّ على رجالِ أُمّتي مِنَ النّساءِ»(+). ولهذا يجب على المسلمينَ أنْ يُبْعدوا ما يثير غريزةَ النّوعِ، ويحرّك مشاعِرَهُمْ اسْتجابةً لأمْرِ الإسلامِ. ومنَ الواجِبِ إخفاء المُشوقاتِ لإثارةِ الغريزةِ الجنسيّةِ كالإفلامِ والمراقصِ والصّوَرِ والرِواياتِ والمُؤلفاتِ. وعندئذٍ يُصَفّى المُجتمَع، ويَهْدأُ الشّابّ ويثوب إلى رشدِهِ؛ ثم يعود إلى العَلاقَةِ الزّوْجِيّةِ القائِمَةِ على بناءِ الأسْرَةِ والمُحافَظَةِ عَليها، وتعود النّظرة المُحتَرَمَة إلى المَرْأةِ على أساسِ أنّها أُمّ وربّة بيْتٍ، وعرضٌ يُصان. لا كما يُنْظَرُ إليها الآنَ وكأنّها مُتْعَةٌ، يتمتّعُ بها صاحبُها قدْرَ الاسْتطاعة.
الحريّة المُلكِيّة
وحريّةِ الملكيّةِ الاقتصاديّةِ: ترتكز على الإيمانِ بالاقتصادِ الحرِّ الذي قامَتْ عليهِ سياسة البابِ المفتوحِ، وتقرّر فتحَ جميعِ الأبوابِ، وتهيئَةَ كلّ الميادينِ أمامَ المواطن في المجالِ الاقتصاديّ، فيُباح التّحلّل للاستهلاكِ والإنتاجِ معاً، وتُباح الملكيّة الإنتاجيّة التي يتكوّن منها رأس المالِ، من غيرِ حدٍّ وتقييدٍ، وللجميعِ على حدٍّ سواء؛ فكل فردٍ مطلق الحريّةِ في انتهاجِ أيّ أُسلوب، وسلوك أيّ طريقٍ لكسبِ الثروةِ وتضخيمِها ومضاعفتِها، على ضوءِ مصالحهِ ومنافعهِ الشخصيّةِ.
وفي زعمِ بعضِ المُدافعينَ عنْ هذهِ الحريّةِ الاقتصاديّةِ، أنّ قوانينَ الاقتصادِ السياسيّ التي تجري على أُصولٍ عامّةٍ، كفيلةٌ بسعادةِ المجتمعِ، وحفظِ التوازنِ الاقتصاديّ فيه، وأنّ المصلحةَ الشخصيّةَ التي هيَ الحافز القويّ والهدف الحقيقيّ للفردِ في عملهِ ونشاطهِ، هيَ خير ضمانٍ للمصلحةِ الاجتماعيّةِ العامّةِ، وإنّ التنافسَ الذي يقوم في السوقِ الحرّة، نتيجةَ تساوي المُنتجينَ والمتجرينَ في حصّتهم منَ الحريّةِ الاقتصاديّةِ، يكفي وحدَه لتحقيقِ روحِ العدلِ والإنصافِ، في شتى الاتفاقاتِ والمعاملاتِ.
وإذا استعرضْنا النظامَ الاقتصاديّ في المبدإ الرأسماليّ وجدْنا أنّ الاقتصادَ عندهُمْ يبحث في حاجاتِ الإنسانِ ووسائلِ إشباعِها ولا يبحث إلاّ في الناحيةِ الماديّةِ منْ حياتِه. ويقوم على ثلاثةِ أُسُسٍ:
أحدها: مشكلة الندرةِ النّسبيّةِ للسّلعِ والخدماتِ بالنسبةِ للحاجاتِ، أي عدم كفاية السّلعِ والخدماتِ للحاجاتِ المُتجدّدةِ، المتعدّدةِ للإنسانِ، وهذهِ هيَ المشكلةُ الاقتصاديةُ التي تُواجِهُ المجتمعَ. في هذا النظامِ.
ثانيها: قيمةُ السّلعةِ، وهي أساسُ الأبحاثِ الاقتصاديّةِ وأكثرُها دراسةً.
ثالثها: الثمنُ والدور الذي يقوم بهِ في الإنتاجِ والاستهلاكِ والتوزيعِ، وهوَ حجر الزاويةِ في النظامِ الاقتصاديّ الرأسماليّ.


النّدرَة النِسْبيَّة
أما مشكلة الندرةِ النسبيّةِ للسلعِ والخدماتِ بالنسبةِ للحاجاتِ فهيَ المشكلة الأساسيّة أي أنّ عدمَ كفايةِ السلعِ والخدماتِ والحاجاتِ المتجدّدةِ والمتعدّدةِ عندَ الإنسانِ تبقى المشكلةَ الاقتصاديّةَ الكبرى في المجتمعِ.
السلع: وسائل تُشْبِعُ الحاجاتِ العضويّةَ كالطّعامِ، وغيرَ العضويّةِ كالثوبِ والسكنِ وما أشبهَ.
الخدمات: وسائل الإشباعِ لما يُسمّى بالحاجاتِ المحسوسةِ، كخدمةِ الطبيبِ والمُعلّمِ والمهندسِ.
لذلكَ كانتْ مُهِمّة الاقتصاديِّ توفيرَ السلعِ والخدماتِ لإشباعِ الحاجاتِ الإنسانيّةِ.
أمّا ما يُشبِع الحاجاتِ في السّلعِ والخدماتِ فإنّه في نظرهمْ المنفعة التي فيها. وهذه المنفعة خاصّةٌ إذا توفَّرَتْ في الشيءِ جَعَلَتْه صالحاً لإشباعِ حاجتهِ، وبما أنّ الحاجةَ معناها، اقتصادياً، الرغبةُ، فالشّيءُ النافِعُ اقتصاديّاً هو كلّ ما يُرْغَبُ فيهِ سواءٌ كانَ ضروريّاً أو غيرَ ضروريٍّ، وسواءٌ اعتبره بعض النّاسِ نافعاً واعتبره البعْض الآخر مُضِرّاً فإنّه يكون نافعاً اقتصادياً ما دامَ هنالكَ مَنْ يرغبُ فيهِ.
وهذا ما جعَلَهُمْ يعتبرونَ الأشياءَ نافعةً من الوجهةِ الاقتصاديّةِ ولو أنّ الرأيَ العامّ يعتبرُها غيرَ نافعةٍ أوْ مُضرّةً.
فالخمرةُ والحشيشةُ أشياءُ نافعةٌ عندَ الاقتصاديينَ ما دامتْ مرغوبةً لدى بعضِ الناس.
وعلى ذلك ينظرُ الاقتصاديّ إلى السلعِ والخدماتِ باعتبارها تُشْبِع حاجةً بغضِّ النّظرِ عنْ أيّ اعتبارٍ آخرَ، أي يُنْظَر إلى الحاجاتِ والمنافِعِ كما هيَ لا كما يجب أن تكونَ. وعليهِ فالنّظَر عندَه إلى المَنْفعَةِ منْ حيثُ كونُها تُشْبِعُ حاجةً، وإلى الخمرِ منْ حيثُ إنّ لها قيمةً اقتصاديّةً وإلى صانعِ الخمرِ باعتبارِهِ يؤدّي خدمةً لها قيمةٌ اقتصاديّةٌ، لأنّ الخمرةَ وخدمةَ صانعِ الخمرِ تشبعان حاجةَ الأفرادِ.
هذهِ هيَ طبيعةُ الحاجاتِ عندَهمْ. وهذه هي طبيعةُ وسائلِ إشباعِها. فالاقتصاديّ الرأسماليّ لا يهْتمّ بما يجبُ أنْ يكونَ عليهِ المُجْتَمَعُ، بلْ يهْتمّ بالمادّةِ الاقتصاديّةِ منْ حيثُ كونُها تُشْبِعُ حاجةً. ولذلكَ كانَتْ مُهِمّةُ الاقتصاديّ توفيرَ السّلَعِ والخدماتِ منْ أجلِ إشباعِ حاجاتِ الإنسانِ بغَضِّ النّظرِ عنْ أيّ اعتبارٍ آخر.
وبناءً على هذا يبحث الاقتصاديّ عنْ توفيرِ وسائلِ الإشباعِ لحاجاتِ الإنسانِ. ولمّا كانتْ وسائل الإشباعِ محدودةً في نظرهمْ فإنّها لا تكفي لسدِّ الحاجاتِ البشريّةِ، لأنّ هذهِ الحاجاتِ غير محدودةٍ بنظرهِم.
فهناكَ الحاجات الأساسيّةُ التي لا بدّ للإنسانِ منْ إشباعِها بوصفه إنساناً، وهناكَ عددٌ منَ الحاجاتِ التي تزدادُ كلّما ارتقى الإنسانُ إلى مرتبةٍ أعلى في المدنيّةِ. وكلّما ازدادتْ أوْ نمَتْ احتاجتْ إلى إشباعِهَا كُلِّها إشباعاً كليّاً، ولا يُمْكِنُ أنْ يتأتّى ذلكَ مهما كثُرَتِ السِّلَعُ والخدماتُ.
ومنْ هنا نشأ أساسُ المُشكلةِ الاقتصاديّةِ التي قامَتْ على كثرةِ الحاجاتِ وقلّةِ وسائلِ إشباعِها. وعندئذٍ وُوجِهَ المجتمَعُ بالمشكلةِ الاقتصاديّةِ. وهيَ النّدرةُ النسبيّةُ للسّلَعِ والخدماتِ. والنتيجةُ الحتميّةُ لهذهِ النّدرةِ أنْ تظلّ بعضُ الحاجاتِ إمّا مشبعةً إشباعاً جزئيّاً فقط، أو غير مشبعةٍ إطلاقاً.
وما دامَ الأمرُ كذلكَ فلا بُدّ منْ قواعدَ يتواضعُ عليها أفرادُ المجتمع لِتُقَرِّرَ أيّ الحاجاتِ ينبغي أنْ تحظى بالإشباعِ، وأيّها سيكونُ نصيبُها الحرمان، وبعبارةٍ، أُخرى لا بدّ من قواعد تقرّرُ كيفيّةَ توزيعِ المواردِ المحدودةِ على الحاجاتِ غيرِ المحدودةِ. فالمشكلةُ عندهُمْ، إذنْ، هيَ الحاجاتُ والمواردُ لا الإنسانُ. أيْ توفير المواردِ لإشباعِ الحاجاتِ، لا إشباع حاجاتِ كلّ فرْدٍ منَ الأفرادِ.
ولمّا كانَ الأمرُ كَذلكَ لمْ يكنْ بدّ منْ أنْ تكونَ القواعدُ الموضوعةُ قواعدَ تضمنُ الوصولَ إلى أرْفَعِ مُستوى ممكنٍ منَ الإنتاجِ حتى يتأتّى توفيرُ الموارِدِ.
ومنْ هُنا كانتْ مُشكلة توزيعِ السّلعِ والخدماتِ في نظرهم مرتبطةً ارتباطاً وثِيقاً بمشكلةِ إنتاجها.
وكانَ الهدفُ الأسمى للدراساتِ الاقتصاديّة عندهم هوَ العملُ على زيادة ما يَسْتَهْلِكُهُ مجموعُ النّاسِ منَ السّلَعِ والخدماتِ، ولهذَا كانتْ دراسَةُ العواملِ التي تؤثّرُ على حجمِ الإنتاجِ الأهلي تحتلّ مكانَ الصّدارةِ بينَ جميعِ الموضوعاتِ الاقتصاديّةِ، لأنّ البحثَ في زيادَةِ الإنتاجِ الأهليّ من أهمِ الأبحاثِ لمعالجةِ المشكلةِ الاقتصاديّةِ، ألا وهيَ الندرَةُ في السّلَعِ والخدماتِ بالنسبةِ للحاجاتِ. إذْ إنّهمْ يعتقدونَ أنّهُ لا تمكنُ معالجةُ الفَقْرِ والحرمانِ إلاّ عنْ طريقِ زيادةِ الإنتاجِ. فعلاجُ المشكلةِ الاقتصاديّةِ التي تواجهُ المجتمعَ إنما يكونُ بزيادةِ الإنتاجِ.
قيمة الشيء المنتج
وأمّا قيمةُ المنتجِ فتَعْني درجةَ أهميّتِهِ، إمّا بالنّسبةِ لشخصٍ معيّنٍ ويُطْلَقُ عليها «قيمة المنفعة». وإمّا بالنسبةِ لشيءٍ آخر، ويطلقُ عليها «قيمة الاستبدال». وقيمةُ المنفعةِ للشيءِ تتلخّصُ في أنّ «قيمة منفعةِ أي وحدة من شيء واحدٍ، تقدّرُ بمنفعتهِ النّهائيّةِ، أي بمنفعةِ الوحدةِ التي تُشْبِعُ أضعفَ الحاجاتِ» وهذا ما يسمّونهُ نظريّةَ «المنفعة النهائيّة أو الحديّة» أي أنّ المنفعةَ لا تُقدّرُ بحسبِ وجهةِ نظرِ المنتج فتقدّر بتكاليفِ إنتاجِها، لأنها حينئذٍ تَكون قدْ رُوعيت فيها وجهةُ نظرِ العرضِ فقطْ دونَ الطّلبِ. ولا تُقَدّرُ بحسبِ وجهةِ نظرِ المستهلكِ، فتقدرُ بمقدارِ ما فيها من منفعةٍ، ومن شعورٍ بالحاجةِ إلى هذه المنفعةِ مع ملاحظةِ عاملِ الندرة، لأنها حينئذٍ تكون قد رُوعيت فيها وجهةُ نظرِ الطلبِ فقط دونَ العرض، والواجبُ أن تُراعى فيها وجهةُ نظرِ العرضِ والطلبِ معاً؛ فتُؤخَذُ منفعتُها عندَ آخرِ حدٍّ تُشْبَعُ فيهِ الحاجةُ عندَ آخِرِ حدٍّ من إشباعِها. أيْ تُؤخَذُ قيمةُ الرّغيفِ عندَ آخرِ الجوعِ لا عندَ أوّله وفي وقتِ توفرِ الخبزِ في السوقِ توفُّراً اعتياديّاً، لا في وقتِ ندرتهِ. هذهِ هيَ قيمةُ المنفعةِ، أمّا قيمةُ الاستبدالِ فإنّها خاصّةٌ، إذا توفّرتْ في الشيءِ جَعَلَتْهُ صالحاً للاستبدالِ، ويُعرِّفونَها بأنها قوّةُ الاستبدالِ للشيءِ بالنسبةِ لغيرِهِ، فقيمةُ استبدالِ القمْحِ بالذرةِ تُقدّرُ بكميّةِ الذرةِ التي يجبُ التنازلُ عنها للحصولِ على وَحْدَة منَ القمحِ. ويُطْلَقُ على قيمةِ المنفعةِ اسمَ «المنفعةِ» فقط كما يُطْلَقُ على قيمةِ الاستبدالِ اسم «القيمة» فقط.
والاستبدالُ إنّما يتمّ بوجودِ بدلٍ للسلعةِ، أو الخدمةِ موازٍ لها، أو قريبٍ منها في القيمةِ. ومن هنا لمْ يكنْ بُدّ من بحثِ القيمةِ عندَ الاقتصاديّينَ الرأسماليينَ لأنّها أساسُ الاستبدالِ، ولأنّها هيَ الصّفةُ التي يمكنُ قياسُها، والمقياسُ الذي تُقاس بهِ السلع والخدمات وتمتازُ بهِ الأعمالُ المنتجةُ من غيرِ المنتجةِ؛ لأنّ الإنتاجَ خلْقُ المنفعةِ أو زيادتُها. ويتمّ بأعمالٍ، فللتمييزِ بينَ هذهِ الأعمال من حيثُ كونُها منتجةً أو غيرَ منتجةٍ، ولمعرفةِ أيّها أكثرُ إنتاجيّة من الآخرِ، لا بُدّ من مقياسٍ دقيقٍ للمنتجاتِ والخدماتِ المُختلفةِ.
وهذا المقياسُ الدقيقُ هو ذلكَ التقديرُ الجماعيّ للعملِ الذي يُبْذَلُ، أو الخدمةِ التي تُؤدّى، وقد أصبحَ هذا التقديرُ أمراً ضروريّاً، لأنّ الإنتاجَ على ذمّةِ الاستبدالِ قد حلّ في الجماعاتِ الحديثةِ محلّ الإنتاجِ على ذمّةِ الاستهلاكِ، فأصبحَ كلّ فرد قادراً أن يستبدلَ اليومَ إنتاجَهُ كلّهُ أو مُعْظَمَه بأشياءَ أُخرى كثيرةٍ أنتجها غيره منَ النّاسِ.
وهذا الاستبدال يتمّ بوجودِ بدلٍ للسلعةِ أوِ الخدمةِ، لذلكَ لا بُدّ من تقدير قيمةٍ للسلعةِ حتى يتمّ استبدالُها.
ومنْ هُنا كانتْ معرفة جوهرِ القيمةِ أمراً ضروريّاً للإنتاجِ، وللاستهلاكِ. ولكنّ القيمةَ لهذا الاستبدالِ قد خُصّصَتْ في العصرِ الحديثِ بواحدةٍ من قيمتها، وصارَتْ هيَ الغالبَةَ.
ففي الجماعاتِ المتمدنّةِ لا تُنْسَب قيَم السلعِ بمقارنةِ بعضِها ببعض، وإنما تُنْسَب على سلعةِ معيّنةٍ تسمّى «النقود».
وقد أطلقَ على نسبةِ استبدالِ الشيءِ بالنّقودِ اسم «الثمن» فالثمن هوَ قيمة استبدالِ الشيءِ بالنسبةِ للنقودِ. وعلى ذلكَ يكون الفرق بينَ قيمةِ الاستبدالِ والثمنِ أنّ قيمةَ الاستبدالِ هي نسبَة استبدالِ الشيءِ بغيرِهِ مطلقاً، سواءٌ كانَ نقوداً أو سلعاً أو خدمات.
أمّا الثمن فهوَ قيمة استبدال الشيءِ بالنقودِ خاصّةً.
ويترتّب على هذا أنّ أثمانَ السلَعِ يمكن أنْ ترتفِعَ كلّها في وقتٍ واحدٍ وتهبِط في وقتٍ واحدٍ في حين أنّه يستحيل أنْ ترتفعَ أو تهبِطَ قيمة استبدالِ كلِّ السّلَعِ بِبَعْضِها في وقْتٍ واحدٍ.
وكذلكَ يمكِن أنْ تتغيَّرَ أثمان السلعِ من غيرِ أنْ يترتَبَ على ذلكَ تغيّرٌ في قيمةِ استبدالها.
وعلى ذلك فثمن السّلعةِ أحد قِيَمِها. وبعبارةٍ أُخرى هو قيمة السّلعةِ بالنسبةِ للنقودِ فقط. وهاتان القيمتان عندهم شيئان منفصلان ومسميان مختلفان كل منهما عن الآخر أحدهما المنفعة والثاني قيمة الاستبدال.
ولما كانَ الثّمن إحدى القِيَمِ، كان طبيعيّاً أنْ يكونَ مقياس كونِ الشيءِ نافعاً أو غيرَ نافعٍ، ومقياس درجة المنفعةِ في الشيءِ.
فالسلعة أوِ الخدمة تعتبر منتجةً ونافعةً إذا كانَ المجتمع يُقَدّر هذهِ السلعةَ المُعيّنةَ أو الخدمةَ المعينةَ بثمنٍ معيّنٍ. أمّا درجة المنفعةِ لهذهِ السلعةِ، أوِ الخدمةِ فتُقَاس بالثمن الذي تقبل جمهرة المستهلكينَ دفعَهُ لحيازتِها، سواءٌ كانت هذه السلعة من المنتجاتِ الزراعيّةِ أو الصنّاعيّةِ، وسواءٌ كانتِ الخدمة خدمة تاجرٍ أو شركةِ نقلٍ أو طبيبٍ أوْ مهندسٍ.
الثمن
أمّا الدورُ الذي يقومُ بهِ الثمنُ في الإنتاجِ والاستهلاكِ والتوزيعِ فلأنّ جهازَ الثمنِ هو الذي يقرّرُ أيّ منتج يدخلُ حَلَبَةَ الإنتاجِ وأيّ منتجٍ يَظَلّ بعيداً عنها. وذلكَ بالكيفيّة نفسِها التي يقرّرُ بها أيّ مستهلكٍ يتمتّعُ بإشباعِ حاجاتهِ، وأيّهم تبقى حاجاتُهُ غيرَ مشبعَةٍ. وتكاليف الإنتاجِ للسلعةِ هي العامل الرئيسيّ الذي يحكم عرضَها في السّوقِ. والمنفعة التي في السلعةِ هيَ العامل الرئيسيّ الذي يحكم طلبَ السوقِ لها، وكلاهما يُقاس بالثّمن.
لذلكَ كانَ بحثا العرضِ والطلبِ بحثينِ أساسيّينِ في الاقتصاد عند الرأسماليّينَ. والمراد بالعَرْضِ عَرْض البضاعةِ في السّوقِ، كما أنّ المرادَ بالطلبِ طلب السوقِ.
وكما أنّ الطلبَ لا يمكن تعيينُه من غيرِ ذكرِ الثّمنِ فكذلكَ العرض. إلاّ أنّ الطلبَ يتغيّر بعكسِ تغيّرِ الثمنِ فإذا زادَ الثمن قلّ الطلب وإذا قلّ الثمن زادَ الطلب. أمّا العرْض فإنّه يتغيّر بتغيّرِ الثمنِ، وفي اتجاههِ، أي أنّ العرْضَ يزداد بارتفاعِ الثّمنِ ويقلّ بهبوطِهِ. وفي كلتا الحالتينِ يكون للثمن الأثر الأكبر في العرضِ والطلبِ، أي يكون له الأثر الأكبر في الإنتاجِ والاستهلاكِ.
جهاز الثمن
وجهاز الثمنِ عندهمْ هوَ الطريقة المُثلى لتوزيعِ السلعِ والخدماتِ على أفرادِ المجتمعِ. لأنّ المنافعَ نتيجة المجهوداتِ التي يبذلُها الإنسان. فإذا لم يكنِ الجزاء مساوياً للعملِ انحطّ مستوى الإنتاجِ، وعلى ذلكَ فالطريقة المُثلى لتوزيعِ السلَعِ والخدماتِ على أفرادِ المجتمعِ هيَ التي تضمن الوصولَ إلى أرفَعِ مستوى ممكنٍ منَ الإنتاجِ. وهي طريقة الثمنِ الذي يطلقونَ عليهِ «جهاز الثمن» أو «ميكانيكيّة الثمن» ويرونَ أنّ هذه الطريقةَ تُحْدِث التوازنَ الاقتصاديّ بشكلٍ آليّ. لأنّها قائمةٌ على تركِ الحرّيّاتِ للمستهلكينَ في أنْ يقرّروا بأنفسهم توزيعَ المواردِ التي يملكها المجتمع على فروعِ النشاط الاقتصاديّ المختلفةِ بِإقْبالِهمْ على شراءِ بعضِ المواردِ وعدمِ إقبالهمْ على بعضِها. فيُنفقُونَ دخولَهُم التي يكسِبونَها على شراءِ ما يحتاجونَ إليهِ أو يرغبونَ فيهِ. فالمستهلك الذي لا يرغَب في الدخانِ يمتنع عن شرائهِ وينفق دخلَهَ على شراءِ شيءٍ آخر. فإذا كثرَ عدد المستهلكينَ الذين لا يرْغبونَ بالتدخينِ أوْ أصبحَ جميع الناسِ لا يرغبونَ بِهِ، يُصبِح الدخان خاسراً، فيقف إنتاجُه وقْفاً تامّاً. وينطبق ذلك على جميع الموادّ فالمستهلكونَ يقرِّرون كميةَ الإنتاجِ ونوعَه. والثمنُ ما يجري بواسطتهِ توزيع السلعِ والخدماتِ في توفّرهِ لدى المستهلكينَ أو عدمِ توفّرهِ، وفي إعطائهِ للمنتجينَ أَو عدمِ إعطائهِ لهم.
وجهاز الثمنِ هوَ الحافز على الإنتاجِ، والمُنظّم للتوزيعِ، وهوَ أداة الاتصالِ بينَ المُنتجِ والمستهلكِ، أي ما يُحقّق التوازنَ بينَ الإنتاجِ والاستهلاكِ.
الثمن هو الحافِز على الإنتاج
أمّا كونه حافزاً على الإنتاجِ فلأنّ الدّافِعَ الرئيسيّ لقيامِ الإنسانِ بأيّ مجهودٍ منتجٍ أو أيّةِ تضحيةٍ ما فيهِ من مكافأةٍ ماديّةٍ.
ويَسْتَبْعِد الاقتصاديّونَ الرأسماليّونَ قيامَ الإنسانِ ببذلِ أيّ مجهودٍ بدافعٍ معنويٍّ أو روحيّ. والدّافِع الأخلاقيّ الذي يعترفونَ بوجودهِ يرجِعونَه إلى مكافأةٍ ماديّةٍ ويعتقدونَ أنّ المجهوداتِ التي يبذلها الإنسان لا يبذلها لغيرِ إشباعِ حاجاتهِ وسدِّ رغباتهِ الماديّةِ.
وهذا الإشباع إمّا أنْ يكونَ عنْ طريقِ استهلاكِ السّلعِ التي يُنتجها مباشرةً، أو عنْ طريقِ الحصولِ على جزاءٍ نقديّ يخوّله الحصولَ على السلعِ والخدماتِ التي أنتجها الآخرونَ.
وبما أنّ الإنسانَ يعتمد في إشباعِ مُعْظَمِ حاجاتهِ على مبادلةِ مجهوداتهِ بمجهوداتِ غيرِهِ، كانَ إشباع الحاجاتِ منصبّاً في طريقِ الحصولِ على جزاءٍ نقديّ لمجهوداتهِ يخوّله الحصولَ على السّلَعِ والخدماتِ، ولم ينْصبّ في الحصولِ على السلعِ التي يُنتجها، ولذلكَ كانَ الجزاء النقديّ وهو «الثمن» من أكبرِ الدوافعِ للإنسانِ على الإنتاجِ.
ومن هنا كانَ الثمن هو الذي يحفز المنتجينَ على بَذلِ مجهوداتهمْ، فالثّمن هو الحافز الكبير على الإنتاجِ.
الثمن هُوَ المنُظِّمُ للتوزيع
أمّا أنّ الثمنَ هو الذي يُنظّم التوزيعَ فلأنّ الإنسانَ يرغب في إشباعِ حاجاتهِ كلّها إشباعاً كليّاً. ولذلكَ يطلب السلعَ والخدماتِ التي تُشْبِعُها. ولوْ تُرِكَ لكلِّ فردٍ حريّةُ إشباعِ حاجاتهِ لما توقّفَ عنْ حيازةِ واستهلاكِ ما يشاء من السلع. ولمّا كانَ كلّ فردٍ يسعى إلى هذا الغرضِ اضطرّ الفرد أنْ يقفَ أحياناً في إشباعِ الحاجاتِ عندَ الحدِّ الذي يستطيع فيهِ مُبادلةَ مجهوداته بمجهودات غيرهِ، أي عندَ حدّ الجزاءِ النقديّ الذي يحصل عليهِ من بذْلِ مجهوداتِهِ وهو الثمن. ولذلكَ كانَ الثمن قيداً وضِعَ وضْعاً طبيعيّاً حتى جعلَ الإنسانَ يتوقّف عنِ الحيازةِ والاستهلاكِ عندَ الحدّ الذي يتناسبُ مع مواردهِ.
فالثمنُ جعلَ الإنسانَ يفكّرُ ويُوازنُ ويفاضلُ بينَ حاجاتهِ المتنافسةِ التي تتطلب الإشباعَ فيأخذُ ما يراه ضرورياً ويستغني عمّا يراه أقلّ ضرورة. وهو الذي يُرغِمُ الفردَ على الاكتفاءِ بإشباعِ حاجاتهِ إشباعاً جزئيّاً كي يتسنى له إشباعُ البَعْض الآخر الذي يراه مُتناسباً في أهميّتهِ معَ البعضِ الذي سدّ حاجته جزئيّاً.
فالثمن هو الذي نظّمَ توزيعَ الحاجاتِ التي يتطلبها الفرد. وهوَ الذي يُنظّم توزيعَ المنافعِ المحدودةِ على العددِ الكبيرِ منَ المستهلكينَ السعاةِ وراءَ المنافعِ. فتفاوت المواردِ عندَ المستهلكينَ يجعل استهلاكَ كلِّ فردٍ قاصراً على ما تسمح به موارده. وبذلك يُصبح استهلاك بعضِ السّلعِ قاصراً على القادرينَ كما يُصبِح استهلاك البعضِ الآخرِ عامّاً ممتدّاً إلى الذينَ يملكونَ أدنى حدٍّ من الثمنِ. ولهذا يكون الثمن بقدرتهِ على الارتفاعِ لبعضِ السلعِ وانخفاضهِ ببعضِها، وتوفّرِ الجزاءِ النّقديّ عندَ البعضِ، وعدم توفّرِهِ عندَ الآخرينَ، مُنظّماً لتوزيعِ المنافعِ على المُستهلكينَ.
الثمن هُوَ الذي يحقّق التوازنَ بَيْن الإنتاج والاستِهلاكِ
أمّا أنّ الثمنَ يحقّق التوازنَ بينَ الإنتاجِ والاستهلاكِ، أي أنّه أداة اتّصالٍ بين المنتجِ والمستهلكِ، فلأنّ المنتجَ الذي يحقّق رغباتِ المستهلكينَ يُكافأُ على ذلكَ بحصولِهِ على ربحٍ. بينما يكون المنتج الذي لا تجِدُ منتجاتهُ قبولاً لدى المستهلكينَ ينتهي بالخسارةِ حتماً.
والطريقةُ التي يستطيعُ المنتجُ أنْ يقفَ بها على رغباتِ المستهلكينَ هيَ الثمنُ. فعن طريقهِ يَعرفُ رغَباتِ المستهلِكينَ: فإذا زاد إقبالهم على شراءِ سلعةٍ معيّنةٍ ارتفعَ ثمنها في السوقِ. وبذلك يزدادُ إنتاج هذهِ السلعةِ حتى تتحقّق رغبات المستهلكينَ.
وإذا أعرضَ المستهلك عن شراءِ سلعةٍ معيّنةٍ انخفضَ ثمنها في السّوقِ، وبذلكَ يقلّ إنتاج هذه السلعةِ فتزيد الموارد المخصّصة للإنتاجِ بزيادةِ الثمنِ، وتقلّ الموارد المخصّصةُ للإنتاجِ بقلّةِ الثمنِ. وبذلكَ يكونُ الثمنُ هوَ الذي حقّقَ التوازنَ بينَ الإنتاجِ والاستهلاكِ، وهوَ الذي كان أداةَ الاتصالِ بينَ المنتجِ والمستهلكِ.
وهذا يجري بطريقةٍ آليّةٍ. ومن هنا كانَ الثمنُ هو القاعدةَ التي يقومُ عليها الاقتصادُ في نظرِ الرأسماليينَ، وهو حجر الزاويةِ في الاقتصادِ عندهمْ.
هذهِ هيَ خلاصةُ النظامِ الاقتصاديّ في المبدإ الرأسماليّ، وهو ما يُطلقونَ عليهِ «الاقتصاد السياسي».
ويتبين من دراستهِ والتعمّقِ في بحثهِ خطأه من عدّة وجوهِ:
أولاً: الاقتصاد عندهم ما يبحث في حاجاتِ الإنسانِ ووسائل إشباعها، وبذلك جعلوا إنتاجَ السلع والخدمات مع توزيعها على الحاجات بحثاً واحداً. أي أنهم جعلوا الحاجاتِ ووسائل إشباعها مُتداخلَين بحيث يكونانِ شيئاً واحداً وبحثاً واحداً، لا ينفصل أحدهما عن الآخر، بل ينطوي أحدُهما في ثنايا الآخر.
وهم ينظرونَ بذلك إلى الاقتصاد نظرةً واحدةً تشمُلُ المادّةَ الاقتصاديّةَ وكيفيّةَ حيازتها دونَ فصل بينهما، ودون تمييز إحداهما عن الأخرى، أي ينظرونَ إلى علم الاقتصادِ والنظام الاقتصاديّ نظرةً واحدةً من دون تفريقٍ، مع أن هنالك فرقاً بين النظام الاقتصادي وعلم الاقتصاد. فالنظامُ الاقتصاديُّ هو الذي يبيّنُ توزيعَ الثروة وتملّكها والتصرّف بها، وما شاكل ذلك.
وأما علم الاقتصادِ فإنّه يبحثُ في الإنتاج وتحسينه وإيجادِ وسائلهِ وتحسينها، وهذا عالميّ لدى الأمم كافّةً لا يختصّ به مبدأ دونَ آخر.
فالنظرة إلى الملكيّةِ مثلاً تختلفُ في النظام الرأسمالي عنها في النظام الاشتراكي وفي الإسلام، بخلافِ تحسينِ الإنتاجِ فإنه بحثٌ واقعيّ، والنظرة إليه علميّةٌ لا تختلفُ مهما اختلفَ الفهم. ولذلك كان أساس تكوينِ الاقتصادِ في المبدإ الرأسمالي أساساً خاطئاً.
ثانياً: أما أن الحاجاتِ التي تَتَطلّب الإشباعَ قائمةٌ على المادّةِ فقط فغير صحيح، ويخالف واقعَ الحاجاتِ. فهناك حاجاتٌ معنويّةٌ وروحيّةٌ، وكلّ منهما يتطلّب الإشباعَ كالحاجاتِ الماديّةِ، وكلّ منهما يحتاج إلى سلع وخدماتٍ لإشباعها.
ثالثاً: وأما نظرة الاقتصاديين الرأسماليينَ إلى الحاجاتِ والمنافع فهي نظرة إليها كما هي، لا كما يجب أن يكونَ عليه المجتمع. وتدلّ على أنّ رجلَ الاقتصادِ الرأسمالي ينظُر إلى الإنسان بأنه إنسانٌ مادّي بحتٌ عارٍ منَ الميولِ الروحيّةِ والأفكارِ الأخلاقيّةِ والغاياتِ المعنويّةِ. ولا يُبالي بما يجب أن يكونَ عليه المجتمع من رِفْعَةٍ مَعْنَوِيّةٍ بجعل الفضائل أساسَ علاقاتهِ وما ينبغي أن يسودَه من سموّ روحيّ قائم على أن إدراكَ الصلةِ بالله هو المسيّر للعلاقاتِ لِنَيْلِ رضوانِهِ تعالى.
إنه لا يُبالي بكلّ ذلك، بل همّه المادّة البحْتَة التي تُشبع الرّغباتِ المادّيّةَ البحْتَةَ.
فالرأسمالي يَغُشّ حتى تَربحَ تجارتُه، وإذا ربحت بالغشّ أصبحَ الغشّ مشروعاً، ولا يُطعم الفُقراءَ إجابةً لأمرِ الله بالصدقةِ، وإنما يُطعِمُهم حتى لا يَسرِقوه.
ولو كان تجويعُهم يزيد مكاسبه ويرْفَع من شأنهِ لأقْدَمَ على تجويعهم.
وهكذا تتركّز نظرة الاقتصاديّ على المنفعةِ باعتبارها تُشْبع حاجةً مادّيّة فقط. فالإنسان الذي ينظُر إلى الإنسان من خلال نظرته إلى المنفعةِ، ويقيم الحياةَ الاقتصاديّةَ على أساسِ هذه النظرة هو من أخطرِ الأشخاصِ على الناس. هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى فالأموال والجهود التي يسمّونها «السلع والخدمات» خُلِقت للانتفاع بها، وتبادل الناس لها يُكوّن بينهم علاقاتٍ، يتكوّن بحسبها المجتمع، فلا بُدّ أن يُنْظرَ إلى العلاقاتِ الاجتماعيّةِ جملة وتفْصيلاً حين النظرة إلى الأموال والحاجاتِ.
والاهتمام بالمادّة الاقتصادية من حيث كونها تُشبع حاجةً دونَ الاهتمام بما يجب أنْ يكونَ عليه المجتمع، فصلٌ للمادّة الاقتصاديّةِ عن العلاقاتِ الاجتماعيّةِ وهذا غير طبيعيّ. لأنّ الناسَ يتبادلونَ هذه المادّةَ الاقتصاديّةَ فتكوّن علاقاتٍ بينهم، والعلاقات تُكوّن المجْتَمَعَ، فلا بُدّ من النظرةِ إلى ما يكون عليه المجتمع حين النظرِ إلى المادةِ الاقتصاديّةِ. ولذلك لا يصحّ أن نعتبرَ الأشياءَ نافِعةً لمجرّدِ وجُودِ الرّاغبين بها، سواءٌ كانت في حقيقتها مُضرّةً أم لا. وكانت تُؤثّر على علاقاتِ الناس أم لا، وكانت محرّمَةً في اعتقادِ الناس في المجتمع أم محلّلةً، بل يجب اعتبار الأشياء نافِعةً إذا كانتَ نافعةً حقيقةً باعتبار ما يجب أن يكون عليه المُجتمَع.
ولهذا لا يصحّ اعتبار الهيرويين والحشيشةِ وما شاكلها سلعاً نافعةً، أو اعتبارُها مادّةً اقتصاديّةً، لمجردِ وجودِ راغبٍ فيها، بل يجب ملاحظةُ أثرِ هذه الموادّ الاقتصاديّةِ على العلاقاتِ حين النّظَرِ إلى منفعةِ الأشياء، أي حين النّظَرِ إلى الشيء باعتبارهِ مادّةً اقتصاديّةً أو عدَمِ اعتبارِهِ. أي يجب أن يُنْظرَ إلى الأشياء باعتبار ما يجب أن يكونَ عليه المجتمع، ولا يجوز الاقتصار على النظرة إلى الشيء كما هو، وغضّ النّظر عما يجب أن يكونَ عليه المجتمع.
وقد نتج من جرّاء اندِماج بحثِ إشباعِ الحاجاتِ في ثنايا بحثِ وسائل إشباعها، ومن جرّاء نظرةِ الاقتصاديين إلى وسائل الإشباع باعتبار أنها تُشْبع حاجةً فقط لا بأيّ اعتبارٍ آخر.. نتجَ من جرّاء ذلك أنْ صارت نظرة الاقتصاديين مُنْصبّةً على إنتاج الثروة أكثرَ من انصبابها على توزيعها لإشباع الحاجاتِ، بل صارت نظرة التوزيع ثانويّة.
وبناءً عليه فالنظام الاقتصاديّ الرأسمالي يهدف إلى غايةٍ واحدةٍ هي الزيادَة في ثروةِ البلادِ جُملةً، ويعمل على الوصول إلى أرفع مستوى ممكنٍ من الإنتاج، بجعل تحقيق أقصى ما يمكن من الرفاهيّة لأفرادِ المجتمع بزيادَةِ الدّخل الأهليّ، ورفع مستوى الإنتاج في البلادِ. وذلك بتمكينِ المواطنينَ من الحصول على الثرْوَةِ حين تُترك لهم حُرِيّةُ العمل في الإنتاج والحيازَةِ.
وعن طريق توفّرِ الدّخل الأهليّ يبدأُ توزيع هذا الدّخل بواسطةِ حريّةِ الملكِ وحُريّةِ العمل على أفرادِ المجتمع، فتُترك للأفراد حريّةُ نَيْلِ ما يقدرونَ عليه من هذه الثروةِ، كلّ بحسبِ ما يملك من عوامل إنتاجها، سواءٌ حصلَ الإشباع لجميع الأفراد أو لبعضهم.
هذا هو الاقتصاد السياسيّ أو الاقتصاد الرأسماليّ؛ وهو خطأ محض ومخالفٌ للواقع، ولا يؤدّي إلى رفع مستوى المعيشة للأفراد جميعهم، ولا يحقّق الرفاهيةَ لكل فرد. لأنّ الحاجاتِ التي تتطلّب الإشباعَ حاجاتٌ فرديّةٌ، ومع أنها حاجات إنسانٍ فهي حاجات أفرادٍ.. علي، حسن، إلياس، سمير مثلاً. وليست حاجاتٍ لمجموعِ الأمّةِ.
والذي يسعى لإشباعِ حاجاتِهِ هو الفرد، وحاجاتُه الفرديّة أكلٌ وشربٌ وما أشبه. ويتمّ ذلك بطريقٍ مُباشرٍ، أو غيرِ مُباشرٍ كالدّفاع عن الوطن. ومن هنا كانت المُشكلة الاقتصاديّة متركّزةً على أساس توزيع الأموالِ والمنافعِ على الأفراد، لا على الحاجاتِ التي يتطلّبُها مجموعُ الأمّةِ.
وبعبارةٍ أُخرى إنّ المشكلة هي الحرمان الذي يُصيب الفردَ لا الحرمانُ الذي يصيب مجموع البلادِ. ومُعالجة فقرِ البلادِ لا تُعالج مشاكلَ فقر الأفرادِ فرداً فرداً، ولكن مُعالجةَ مشاكلِ فَقْرِ الأفرادِ، وتوزيع ثروةِ البلادِ يحفز مجموعَ السكانِ على العملِ لزِيادَةِ الدّخل الأهليّ.
وأما دراسة العوامِل التي تؤثّر على حجم الإنتاج، وزيادة الدّخل الأهليّ فنبحثها في علم الاقتصادِ، أي في بحثِ المادّة الاقتصاديّةِ لا في بحثِ إشباع الحاجاتِ التي يُنظّمها النظام الاقتصاديّ.
أما كونُ النّدْرَةِ النسبيْةَ للسِلع والخدماتِ هو المشكلة الاقتصاديّة التي تُواجِه المجتمعَ، وكونُ كثرةِ الحاجاتِ وقلّةِ إشباعها أي عدم كفايةِ السلع والخدماتِ لإشباع جميع حاجاتِ الإنسانِ إشْباعاً كُلِّيّاً، هما أساس المُشكلةِ الاقتصاديّة، فذلك خطأ يخالف الواقعَ. وذلك لأنّ الحاجاتِ التي يجب معالجتُها هي الحاجات الأساسيّة للفردِ بوصفهِ إنساناً، لا الحاجاتِ الثّانوية أو الكماليّة، وإن كانت الحاجةُ الكماليّةُ مما يُطلَبُ ويُسعى لإشباعهِ.
وعليه فإن الحاجاتِ الأساسيّةَ محدودَةٌ، والأموالَ والجهودَ التي يُسمّونها «السلع والخدمات» الموجودَةَ في العالم كافيةٌ لإشباع الحاجاتِ الأساسيّةِ، ويمكنُ إشباعُها كلّها إشباعاً كلّيّاً لجميع الأفراد المستهلكين. ولذلك كانتِ المشكلةُ في الحاجاتِ الأساسيّةِ معدومةً ولا حاجةَ لجَعْلِها المشكلةَ الاقتصاديّةَ التي تُواجهُ المجتمعَ.
والمُشكلةُ الاقتصاديّةُ الحقيقيّةُ هي تَوْزيعُ هذه الأموالِ والجهودِ على كل فردٍ من الأفرادِ لإشباعِ جميع حاجاتهِ الأساسيّةِ إشباعاً كليًّا، ومُساعَدَته على السّعي لإشباع حاجاتهِ الكماليّةِ.
أما مُشكلةُ زيادةِ الحاجاتِ المُتجدّدةِ فلا تتعلّقُ بزيادَةِ الحاجاتِ الأساسيّةِ لأنّ هذه الحاجاتِ للإنسانِ من حيثُ هو إنسانٌ لا تزيدُ، وإنما الذي يزيدُ ويتجَدّدُ هو حاجاتُه الكماليّة.
فالزيّادَة في الحاجاتِ التي تحصل مع تقدّم الإنسانِ في حياتهِ المَدَنِيّةِ إنما تتعلّق بالحاجاتِ الكماليّةِ لا الحاجاتِ الأساسيّة، وهذه يُسْعى لإشباعها ولكنها لا تُسبّب مُشكلةً إذا لم تُشبَع بل الذي يُسبّبَ مشكلة عدم إشباعِ الحاجاتِ الأساسيّةِ.
على أنّ زيادَةَ الحاجاتِ الكماليّةِ مسألة أخرى تتعلق بالمجموع الذي يعيش في قطرٍ معيَّنٍ ولدى كلّ فردٍ من أفْرادِ هذا القطر. وهذه المسألة يحلّها اندفاع الإنسان الطبيعيّ لإشباع حاجاتهِ. وهذا الاندفاع الناتج عن زيادةِ الحاجاتِ الكماليّةِ يسوقُه إلى العَمَلِ لزيادَةِ وسائل الإشباع، إما بزيادةِ استغلالِ مواردِ بلادِهِ، أو الهجرةِ بالتوسّعِ والاندماج في بلاد أُخرى. وهي مسألةٌ تخْتَلِف عن إشباعِ الحاجاتِ الأساسيّةِ لكلّ فردٍ من أفرادِ المُجتمع إشباعاً كليًّا. لأنّ المشكلةَ في توزيع الثَّروةِ على الأفرادِ لإشباعِ جميعِ حاجاتهم الأساسيّةِ التي تتعلق بوجهة النظر في الحياةِ، وربما تكون خاصةً بأمةٍ مُعَيّنةٍ أو مبدإ معين، وتختلِف عن مسألةِ زيادَةِ الدخلِ الأهليّ بزيادَةِ الإنتاج. لأنّ هذه المسألةَ تتعلّق بالواقعِ المحسوسِ للبلادِ من حيث مَعْرِفَة زيادة الثروةِ بالاستغلال، أو الهجرةِ أو التوسعِ أو الاندماج.
وتَنْطبق على الواقع، ويقومُ بها كلّ إنسانٍ. وهي عامّةٌ لا تتعلّقُ بوجهةِ نظرٍ معينةٍ ولا تخصّ أُمةً معينةً ولا مبدأ مُعيّناً.
بناءً على ذلك فالقواعدُ الاقتصاديّةُ هي القواعدُ التي تضمَنُ توزيعَ ثروةِ البلادِ الداخليّةِ والخارجيْةِ على جميع الأفرادِ فَرْداً فرداً، بحيث يتمكنُ كلّ واحدٍ منهم من إشباعِ حاجاتهِ الكماليّةِ.
وأما رفعُ مُستوى الإنتاج فيحتاجُ إلى أبحاثٍ علميّةٍ. وزيادتُهُ تُؤدّي إلى رفْع مستوى ثروةِ البلادِ، ولا تؤدّي إلى إشباعِ جميعِ الحاجاتِ الأساسيةِ لجميع الأفرادِ إشباعاً كلياً.
وقد تكونُ البلادُ غنِيّةً بإنتاجها، كالسعوديّة والعراقِ مثلاً، ولكنّ الحاجاتِ الأساسيةَ لأكثر أفرادِ الشعب هناكَ غيرُ مُشْبَعَةٍ إشباعاً كليًّا.
ولذلك كانت زيادَةُ الإنتاج لا تُعالِجُ المشكلةَ الأساسيةَ التي يجبُ علاجها فَوْراً وقبْلَ كلّ شيء وهي إشباعُ جميع الحاجاتِ الأساسيةِ لجميع الأفرادِ ثم مساعدتُهم على إشباع حاجاتهم الكماليّةِ.
ومعنى ذلك أن الفقرَ والحرمانَ ناشئانِ عن عَدَم إشباع الحاجاتِ الأساسيةِ للإنسان بوصفهِ إنساناً، لا الحاجاتِ المُتجدّدة بحسب الرقيّ المدنيّ.
والمطلوبُ علاجُهُ هو الفقْرُ والحرمانُ بهذا المفهومِ لكلّ فردٍ، ولا يُعالج بزيادةِ الإنتاجِ، وإنما يُعالجُ بكيفيةِ توزيع الثروةِ على جميع الأفرادِ.
أما موضوعُ القيمةِ فإن النظامَ الاقتصادي الرأسمالي يعتبرها نسبيةً لا حقيقيةً، فهي عنده، إذاً، قيمة اعتباريةٌ.
وعلى هذا فقيمَةُ ذراعِ قماشٍ من الصوفِ هي آخرُ مَنْفَعَةٍ له في حالِ توفرهِ في السوقِ، وقيمتُهُ كذلك مقدارُ ما يحصلُ به من سلع وجهودٍ، وتصبحُ القيمَةُ ثمناً إذا كان الحصولُ على ثوب من القماشِ نقوداً.
وهذا المعنى للقيمةِ، بهذا التحديدِ، خطأٌ. لأنّ قيمةَ أيةِ سلعةٍ قائمةٌ على النظرةِ إلى المنفعةِ مع ملاحظةِ عاملِ الندرَةِ سواءٌ ملكها الإنسانُ ابتداءً كالصيدِ، أو مُبادلةً، كالبيع، وسواءٌ كان ذلك بالنسبة للشخص أو للشيء.
فالقيمةُ، إذاً، اسمٌ لمسمى مُعَينٍ له حقيقةٌ مُشخصةٌ لا اسمٌ لشيء اعتباريّ ينطبقُ على مسمى باعتبارٍ، ولا ينطبقُ عليه باعتبارٍ آخر. فالقيمةُ شيءٌ حقيقيّ لا شيءٌ نسبيّ.
وعليه فنظرةُ الاقتصاديين إلى القيمة نظرةٌ خاطئةٌ مِنْ أساسها. أما ما يُطْلِقُونَ عليه «القيمة الحدية» فإنهُ تقديرٌ لتركيزِ الإنتاج على أسوَإ الاحتمالاتِ بالنسبةِ لتصريف السلع، حيثُ تُقدّرُ قيمةُ السلعة بأدنى حدٍّ حتى يظلّ الإنتاجُ سائراً على أساسٍ مضمون، وليستِ القيمةُ الحديةُ حقيقةً هي قيمةَ السلعةِ بل ولا ثمنها، لأن قيمةَ السلعةِ تُقدّرُ بمقدارِ ما فِيها من مَنْفَعةٍ عند التقدير مع ملاحظةِ عامل النُّدْرَةِ في ذلك الوقتِ، ولا يُنْقِصُ من قِيمتِها نزولُ ثمنها بعدَ ذلكَ، كما لا يزيدُ من قيمتِها ارتفاعُ ثمنها فيما بعد. لأنّ قيمتها اعتُبرت حين تقديرها.
وبناءً عليه فالنظريةُ الحديةُ هي نظريةٌ للثمنِ لا للقيمةِ، والفرق بينهما أن الثمنَ يتحكمُ في تقديرِه كثرةُ الطلبِ وقلةُ العَرْض معاً، أو كثرة العَرْضِ وقِلة الطلَبِ معاً، وهو أمْرٌ يتعلق بزيادةِ الإنتاج لا في توزيعهِ.
القيمة: يتحكم في تقديرها مقدار المنفعةِ الذي في السلعةِ عند التقدير مع مُلاحظةِ عامل الندْرَةِ دونَ اعتبارِهِ جزءاً في التقدير، ولا يُؤثر عليها العرض والطلب تأثيراً كبيراً.
وعلى هذا يكون بحث القيمةِ من أساسِهِ خطأ محضاً، وكلّ ما يترتّب على الخطإ خطأ محضٌ من حيث التفريع.
إلاّ أن قيمةَ السلعةِ، إن قُدّرت مَنْفَعَتُها بمنفعةِ سلعةٍ أو جُهْدٍ، هو التقدير الصحيح، وهو تقديرٌ أقْرَب إلى الثباتِ في المدى القصيرِ، وإنْ قُدّرَت بالثمنِ كان تقديراً اعتبارياً لا حقيقياً، وعندئذٍ تُصبح أقْرَب إلى التغير في كلّ وقتٍ تَبَعاً للسوقِ، ثم يَبْطُل كونها قيمةً ولا يصدُقُ على واقِعها حينئذٍ لفظُ «قيمة» وإنما تُصبحُ أداةً تتحوّلُ إلى نقودٍ بحسبِ السوقِ لا بما فيها مِنْ منافع.
ويقول الاقتصاديون الرأسماليونَ:
إن المنافعَ نتيجةُ المجهوداتِ التي يبذلها الإنسان، فإذا لم يكنِ الجزاء مُساوِياً للعمل فمعناه أن مُستوى الإنتاج مُنْحَطّ، ثم يتوصّلون من ذلك إلى أنّ الطريقةَ المثلى لتوزيع الثروةِ على أفرادِ المجتمع هي تلك التي تضمن الوصولَ إلى أرفع مُستوى ممكنٍ مِنَ الإنتاج.
وهذا القولُ خطأٌ محضٌ:
فالواقع المحسوس أنّ المالَ الذي خَلَقَه الله في الكونِ هو أساس المنفعَةِ في السلع، والنفقاتُ التي بُذلت في زيادَةِ المنفَعَةِ لهذا المالِ، أو إيجادِ مَنْفَعَةٍ فيه مَعَ العَمَل، هي التي جَعلته على الشكل الذي صار فيه يُؤدّي مَنْفعة مُعينة. فجعْلُ المَنْفَعَةِ نتيجةً للمجهوداتِ فحسب خطأ مخالفٌ للواقع، وإهدارٌ للمادّةِ الخام وللنفقاتِ التي بُذلت. وقد تكون هذه النفقات بدلَ مادّةٍ خامٍ لا بدَلَ عملٍ. وعليه فالمنفعة قد تكون نتيجةً لِمجهوداتِ الإنسانِ، أو نتيجةً لوجودِ المادّةِ الخامّ، أو لهما معاً، وليست نتيجةً لمجهوداتِ الإنسان فحسب.
وأما انحطاط مُستوى الإنتاج فليس بناتجٍ عن عدمِ مساواةِ الجزاء للعمل فحسب، إذْ قد يكون ناتجاً عن ذلك، أو عن غير ذلك.
فانحطاط الإنتاج في إنكلترا وفرنسا بَعْدَ الحربِ العالميةِ الثانيةِ ليس بناتج عن عدم تطابُقِ الجزاء والعَمَلِ، بل عن تقلُّصِ ظلّ كلّ دولةٍ منهما عن مُستعمراتها الغَنِية، وعنِ انهماكهما في الحرب. وانحطاط إنتاجِ الولايات المتحدة في أثناء الحرب العالميةِ الثانيةِ لم يكنْ ناتجاً عن عَدَمِ تطابُقِ الجزاء والعَمَلِ، بَلْ عن انهماكِها في محارَبَةِ ألمانيا واليابان.
وانحطاط الإنتاجِ في العالم الإسلاميّ لم ينتُجْ عن عدمِ تَطابُقِ الجزاء والعَمَلِ، بل عَنِ الانحطاطِ الفكريّ الذي تَرَدّتْ فيه الأمة الإسلامية بمجموعها.
وعليه فإنّ عَدَمَ مساواةِ الجزاء والعَمَل ليست السَّبَبَ الوحيدَ لانحطاطِ الإنتاج حتى يترتبَ على ذلك أَنْ تكونَ الطريقةُ المثلى للتوزيع هي التي تضمن رفعَ مستوى الإنتاج، والوصولُ إلى أرْفع مستوى من الإنتاج لا علاقَةَ له بتوزيع الثروةِ على الأفراد.
ويقول الاقتصاديونَ الغربيونَ: إنّ الثمنَ هو الحافِز على الإنتاج، لأنّ الدافعَ للإنسان على بَذْل أيّ مجهودٍ ناشىءٌ عن مكافأتهِ الماديةِ عليه. وهذا القول مخالفٌ للواقع، وهو غير صحيح، فكثيراً ما يبذل الإنسان مجهودَه لمكافأةٍ معنويةٍ، كالفخر مثلاً، أو لمكافأةٍ روحيةٍ كنيل ثوابِ الله، أو للتحلي بصفةٍ خُلقيةٍ كالوفاء. وحاجات الإنسانِ قد تكون ماديةً كالربح الماديّ، وقد تكون روحيةً كالتقديس، أو معنويةً كالثناء.
فحصر الحاجاتِ بالمادّةِ غير صحيح، والإنسان قد يبذل مالاً لإشباع حاجةٍ روحيةٍ، أو معنويةٍ بسخاء أكثر من بذْلِهِ لإشباع الحاجاتِ الماديةِ.
وبناءً عليه فليس الثمن وحده هو الحافز على الإنتاج ما دامَتْ هناك حوافزُ أُخرى.
ألا ترى أنّ عَمَّاراً قدْ يُكرّس نفسه للعَمَل أشهراً من أجل بناء مسجدٍ، وأنّ مُصنّعاً قد يجعل إنتاجه في مُدّةٍ ما لتوزيع منتوجاتهِ على الفقراء؟
وأنّ الأمّة قد تخصّص جهودَها في حَفْرِ الخنادِقِ وإعدادِ العُدّةِ للدفاع عن البلاد؟
على أنّ المُكافأةَ الماديّةَ نفسها لا تنحصر بالثمن، فقد تكون سلعاً أُخرى، أو خدماتٍ. فجعلُ الثمن وحده هو الحافِز على الإنتاج غير صحيح.
ومن أغْرَبِ ما ينصّ عليه النظام الاقتصاديّ الرأسماليّ: جَعْلُه الثمنَ هو المنظّمَ الوحيدَ لتوزيعِ الثروةِ على أفراد المجتمع، ثم القول: إنّ الثمنَ هو القيدُ الذي يجعَلُ الإنسانَ لا يقْدِرُ على الحيازَةِ والاستهلاك إلا بقدرِ الحدّ الذي يتناسبُ مع مواردهِ، وهو الذي يجعلُ استهلاكَ كلّ فردٍ قاصراً على ما تسمح به مواردُهُ، وبذلك يكونُ الثمنُ بارتفاعهِ في بعض السلع وانخفاضه ببعضها، وتوفرِ النقدِ عند البعضِ وعدمِ توفّرِهِ عند الآخرينَ، ينظّم توزيع الثروةِ على المستهلكين، ولا يكون نصيب الفرْدِ من ثروةِ البلادِ بمقدار حاجاتهِ الأساسيّةِ، بل يكون معادلاً لقيمةِ الخدماتِ التي أسهم بها في إنتاج السلع والخدمةِ، أي بمقدار ما يحوز من أرض أو رأسمال، أو بمقدارِ ما قام به من عملٍ أو تنظيمٍ لمشروعات. وبهذه القاعدة، وهي جَعْل الثمنِ مُنَظّماً للتوزيعِ، يكون النظام الرأسماليّ قد قرّر أنه لا يستحقّ الحياةَ إلا مَنْ كان قادراً على المُساهمَةِ في إنتاج السلع والخدمات.
أما من كان عاجزاً عن ذلك، أو مَنْ وقعَ تحتَ ضعفٍ طارىء فلا يستحقّ الحياةَ، لأنّه لا يستحقّ أن ينالَ من ثروةِ البلادِ ما يسدّ حاجاته. وكلّ مَنْ كانَ قادراً يستحقّ التخمةَ والسيادةَ والسيطرةَ على غيره لأنّه خُلِقَ قوِيّاً، وكانَ أقْدَرَ من غيره على الحياةِ مهما كانت طُرق القُوّةِ. وكلّ من كانت مُيوله للمادّةِ قويّةً يزداد مُلْكاً وثروةً، وكلُّ من كانَت مُيولُه روحيّةً وتعلّقُه بالصفاتِ المعنويّة أقوى يزداد فقراً لتقيّدهِ في اكتساب المادّة بما تفرضه عليه القُيود الروحيّة أو المعنويّة التي التزمَ بمحتواها.
وفي ذلك إبعادٌ للعنصر الروحيِّ والخلقيّ عن الحياةِ وقصرٌ لها على الحياةِ المادّيةِ، وهذا ما هو واقعٌ فِعْلاً في البلاد التي تُطبق النظامَ الرأسمالي.
وقد ظهرت في البلاد التي تطبق النظام الرأسماليّ سيطرة الاحتكاراتِ، واستبدّ المنتجونَ بالمستهلكين، وأصبحَ فريقٌ قليلٌ من الناس كأصحاب شركات البترول والسيارات والمصانع الثقيلة وغيرها مُسيطراً على جَمْهرةِ المُستهلكين، يتحكم فيهم ويفرض عليهم أثماناً مُعينة للسلع. وقد دعا ذلك لخلْقِ محاولاتٍ تبْتَغي ترقيع النظام الاقتصاديّ. كان منها للدولةِ الحقّ في أن تتدخلَ بتحديد الثمن في ظروف خاصّةٍ لحمايةِ الاقتصادِ الوطني والمستهلكين، ولتقليل استهلاكِ بعضِ السلع والحدّ من سُلْطةِ المحتكرينَ كما كان منها تنظيم الإنتاج لمشروعات عامةٍ تتولاها الدولة. إلا أنّ هذه الترقيعات وأمثالها بالرغم من تناقُضها مَعَ أساسِ النظام الاقتصاديّ ـ وهو الحرية الاقتصادية ـ لا تكون إلا في أحوالٍ وظروفٍ مُعينَةٍ. علاوةً على أنّ كثيرينَ من الاقتصاديين كأصحاب المذهب الفردي لا يقولونَ بها ولا يُنكرونها، ويُقررونَ أنّ جهازَ الثمنِ وحْدَه كفيلٌ بتحقيق الانسجامِ بين مصلحةِ المُنتجين والمستهلكينَ دونَ ما حاجةٍ إلى رقابةٍ من حكومةٍ.
على أنّ هذه الترقيعات التي يقول بها أنصار التدخل لا تحصل إلا في ظروف وأحوالٍ مُعينَةٍ، ومع ذلك فهذه الظروف والأحوال تحقق توزيعَ الثروةِ على الأفرادِ ولا تُشبع جميعَ الحاجاتِ لجميع الأفراد إشباعاً كليًّا. وبذلك يبقى سوء التوزيعِ الذي قامَ على أساس الحرية الملكيةِ، وعلى أساس جَعْلِ الثمن جهازَ التوزيع الوحيدَ للثروةِ مُسيطراً على كلّ مجتمع خاضع للنظام الاقتصادي الرأسماليّ.
أما ما يُشاهد في أمريكا من حصولِ معظم الأمريكيين على شيء يكفي لإشباع حاجاتهمِ الأساسية إشباعاً كلياً، وإشباع بعض حاجاتهم الأخرى، فذلك ناتجٌ عن وفْرَةِ الغنى في تلك البلاد إلى حدّ يُتيح لكلّ فردٍ أن يتمتعَ بإشباعِ حاجاتهِ الأساسية كلها، وبعض حاجاته الكمالية، وليس براجعٍ أبداً لجعْلِ نصيب الفرْدِ معادلاً لقيمةِ الخدماتِ التي أسهمَ بها في الإنتاج.
ومع هذا يوجد، من أصل 300 مليون، ثلاثون مليوناً لا يتمتعون بإشباع حاجتهم الأساسية إشباعاً كليًّا. والسناتور الأمريكي روبرت تشوت قال في 3 ـ 6 ـ 69 إنه يموت سنوياً من الجوع آلاف الأشخاص في الولايات المتحدة أغنى بلاد العالم الرأسمالي. والسناتور تشوت هو مستشار في شؤون الجوع لدى المعهد الوطني للعلاقات الاجتماعية في واشنطن.
ومع ذلك فإنّ جَعْلَ جهاز الثمنِ هو الذي يُقيد التوزيعَ، قد جعلَ الاحتكاراتِ الرأسماليةَ في الغربِ تخرج من بلادها، وتبحث عن أسواقٍ تحصل منها على الموادّ الخام والأسواقِ لبيع مصنوعاتها.
وما يُعانيه العالم من استعمارٍ ومناطِقِ نفوذٍ وغزوٍ اقتصاديّ ما هو إلاّ أثرٌ من آثار هذه الشركاتِ الاحتكاريةِ وجَعْلِ الثمنِ وراءَ توزيع الثروةِ فتَتَجمع ثروات العالم على هذا الأساس لتصبَّ في أيدي الاحتكارات الرأسماليةِ، وذلك كله من جَرّاء سوء القواعدِ التي نصّ عليها النظام الاقتصاديّ الرأسماليّ:
أما نتائج هذه الدعوةِ فالظلمُ للأكثريةِ الساحِقَةِ من الناس وهم الضعفاء، والتركيزُ للفقرِ في المجتمع، والنفيُ للقيم الرّفيعةِ.
وهذه هي بالتالي نتيجةُ الحريةِ المِلْكية.


الاشتِراكية وَمِنها الشيُوعيّة مَبْدأ
والقيادة الفكرية الشيوعية مبنيةٌ على الماديةِ لا على العقل، لأنها تعتقد أن المادّةَ تسبق الفكرَ أي تسبق العقلَ، ولذلك فكل شيء مبنيّ على المادّةِ. فأصل العقيدة الشيوعيةِ أي القيادة الفكرية الشيوعية هو المادّة لا الفكر.
ولذلك ترى الاشتراكيةُ الشيوعيةُ أن الكونَ والإنسانَ والحياةَ مادّةٌ فقط؛ وإن المادّة أصل الأشياء؛ ومن تطوّرها كانَ وجود الأشياء، ولا يوجد وراءَ المادّةِ شيءٌ مطلقاً، وإن هذه المادّة أزليةٌ قديمةٌ، لم يُوجدْها أحدٌ؛ فهي واجبة الوجودِ، ولذلك ينكرونَ أن تكونَ الأشياء مخلوقةً لخالقٍ. وترى أن المجتمعَ مجموعَةٌ عامةٌ تتألف من البشر؛ وعلاقاتهم بالطبيعة محتومةٌ محدّدَةٌ يخضعونَ لها خُضوعاً حتمياً وآليّاً. وهذه المجموعة كلها شيءٌ واحدٌ: الطبيعة والإنسان والعلاقات كلها شيءٌ واحدٌ. لا أجزاء مفصولٌ بعضها عن بعض. فالطبيعة تعتبر جانباً من شخصيةِ الإنسانِ؛ وهو الجانب الذي يحمله في ذاتِهِ، ولذلك لا يَتَطَوّر الإنسان إلا وهو معلقٌ بهذا الجانب من شخصيتهِ، وهو الطبيعة، لأنّ صلَته بالطبيعةِ صِلةُ الشيء بنفسِهِ. ولذلك يُعْتبر المجتمع مجموعةً واحدةً تتطوَّر كلها تطوّراً واحداً.
ولذلك لم يكنْ عندهمْ حرية عقيدَةٍ للفردِ ولا حرية رأي، ولا حريةٌ اقتصاديةٌ؛ فالعقيدة مُقيدةٌ والرأي مقيّد بما تُريده الدولة. والاقتصاد مقيدٌ بما تريده الدولة أيضاً؛ ولهذا كانت الدولة بعضَ ما يُقدّسه المبدأ؛ وعن هذه الفلسفةِ المادّيةِ انبثقت أنظمة الحياةِ. وجُعلَ النظام الاقتصاديّ أساساً لجميع الأنظمة.
النظام الاقتِصَادي الاشتِراكيّ وَمِنه الشيُوعيّ
إنه نَقيض النظام الاقتصاديّ الرأسماليّ.
وقد ظهرتْ أغْلَب الآراء الاشتراكيةِ في القرنِ التاسع عشر، وحارَبَ الاشتراكيونَ المذْهَبَ الحُرّ. أي النظامَ الاقتصاديّ الرأسماليّ محاربةً شديدة. وباسْتِعْراضِ المذاهبِ الاشتراكيةِ يتبين أنها تشترك في ثلاثةِ أُمورٍ تُميزها عن المذاهبِ الرأسماليةِ:
1 ـ تحقيق نَوْع مِنَ المُساواةِ الفعليةِ.
2 ـ إلغاء المِلْكِيةِ الخاصّةِ إلغاءً كليًّا أو جُزْئياً.
3 ـ تنظيم الإنتاج والتوزيع على أساس جماعي.
ولكنها بالرغم من اتفاقها في هذه الأمورِ الثلاثةِ، تختلِف عنْ بعضها اختلافاً بَيناً في عِدّةِ مَوَاضعَ أهمها:
أولاً: تختلف المذاهب الاشتراكية في شكل المُساواةِ الفِعْليةِ التي تُريد تحقيقها.
1 ـ قسمٌ يقول بالمساواةِ الحسابيةِ، ويُقْصد بها المساواة في كلّ ما يُنْتَفَع به؛ فيُعْطى لكلّ فردٍ منه ما يُعطى للآخر.
2 ـ وقسمٌ يقول بالمساواةِ الشيوعيةِ، ويُقصد بها أنْ يُراعى في توزيع الأعمال قُدْرَة كلّ فرد ويُراعى في توزيع الناتج حاجات كلّ فردٍ. «والمساواة تتحقق» عندهم إذا ما طُبقَتِ القاعِدَة الآتية «مِنْ كلّ حسب قُوّتِهِ أي قُدْرتهِ ولكلّ حسب حاجته».
3 ـ القسم الثالث يقول بالمساواة في وسائل الإنتاج مِنْ حيث إن الأشياءَ لا تكفي في الواقع لسدّ حاجاتِ كلّ الأفرادِ، فيجب أن تكونَ قاعِدَة التوزيع «مِنْ كلّ حَسْب قُوّته أي قُدْرته ولكلّ بنسبة عَمَلِهِ»، وتتحقق المساواة إذا تهيأ لكلّ فرْدٍ من وسائلِ الإنتاج مِثل ما للآخر.
ثانياً: وقالوا إنّ الظلمَ ناتجٌ عن المِلكية، فمنَ الواجبِ أن تُلْغى المِلْكية. واختلفتِ المذاهب الاشتراكية حولَ المِلْكيةِ الخاصّةِ؛ فَفِئَةٌ تقول بإلغاء المِلْكيةِ الخاصةِ على الإطلاق ـ وهي الشيوعيةُ ـ لتُحققَ المساواةَ، وقاعِدَتُها ما ذكرناه سابقاً «مِنْ كلّ حَسْب قوّته» أي قدرته. ويُراد به العَمَل الذي يقوم به «ولكلّ حَسْب حاجته» ويُراد به ما يُوزّع منَ الإنتاج.
1 ـ وفئةٌ تقول بإلغاء الملكيةِ الخاصةِ بالنسبةِ لثروات الإنتاج، وهي التي تُطلق رأسَ المال كالثروةِ الطبيعيةِ والمرافِق العامةِ والمصانع والأرضِ وما شاكلها، ولا يحقّ للفرد أن يمتلك ما يُنتج، بل يحتفظ بالملكية للاستهلاكِ فقط، فيملك سيارَةً لاستعمالها ويملك بيتاً ليسكنَ فيه، ولا يصحّ أن يملكَ شيئاً ليُؤجرَه وهكذا «هي اشتراكية رأس المال». وتتحقق إذا ما طُبقتِ القاعدة التالية «مِنْ كلّ حَسْب قُدْرتهِ ولكلّ حَسْب عَمَلهِ» وهذا هو المذهب الذي طُبق في روسيا السوفياتية حسب آراء ماركس وتفسيرات لينين وستالين وبعدهم خروشوف، للوصول إلى الشيوعية.
2 ـ وفئة تقول بإلغاء الملكيةِ الخاصةِ في الأرض الزراعيةِ فقط، وهؤلاء هم الاشتراكيونَ الزراعيونَ.
هذه، الفئات بعدَ أن توصّلتْ إلى الفكرَةِ الاشتراكيةِ، بحثتْ في طريقةِ تنفيذِها ووضعَتْ لها طريقةً من جنْسِ الفكرةِ فقالتْ بالنقابيةِ الثوريةِ، وذلك بالاعتماد على تسميةِ الفِعْل المباشر، أي جهودِ العمالِ أنفسهم كالإكثار من الإضراب المتقطع، ونشر الفوضى بين صفوفِ المواطنين وإتلاف الآلات ونشر فكرةِ الإضرابِ العام بين العمال والتأهبِ لتحقيقها. وجاءتِ الماركسية بما تُسميهِ سُنَّةَ التطوّر في المجتمع، أي بما يُسمّى بالتناقضات. ومنذ وجِدَتْ هذه الفكرة بطريقتها بدأ النضال ضدّ الرأسماليةِ.
وأما المذهب الاشتراكيّ الثالث وهو ما يسمى «باشتراكية الدّولةِ» فلمْ يكنْ في حقيقته سوى اشتراكية اسمية لا حقيقية. فإن أوروبا حين بدأت تحاول تطبيق هذا النوع من الاشتراكية قد سارت في طريقِ إيجاد رأيٍ عام عن الاشتراكية تحملُ الفكرةَ وتدعو لها، وتكتلُ الناس حولَها، ثم لما وصلت بعض هذه الأحزاب إلى الحكم أخذت تحاول تطبيقَها. ولكن حكامَ البلادِ الإسلامية والداعين للاشتراكية اليومَ فيها يريدون أن يسنوا القوانين ويطبقوها قبل أن توجدَ الفكرةُ لدى الناسِ، وقبلَ أن يوجدَ لها رأي عام مبنيٌّ على تفهمٍ لحقيقتها.
فالحكام في البلادِ العربيةِ سنوا القوانين، ثم بدأوا بتطبيقها قبل أن توجد الفكرة، وقبل أن يوجدَ رأيٌ عام لها مبنيٌّ على تفهمٍ لحقيقتها، وقبل أن يوجدَ حزبٌ اشتراكيٌ، فكانوا بذلك كالذي وضعَ الحصانَ وراءَ العربةِ ليجرَّها إلى الأمامِ، بدأَ بالخطوة الثانية قبل الخطوةِ الأولى. هذا من جهة ومن جهة أخرى فإنّ اشتراكيةَ الدولةِ ليس فيها قابليةُ التطبيق، وليس فيها قابليةُ أن يوجد لها رأي عام، وذلك لأنها مجموعةٌ من الأفكار غيرُ مرتكزةٍ على أساسٍ، وكلُّ فكرةٍ منها هي غيرُ الأخرى. فأساسُها أن تدرس كلّ حالةٍ يدعو الصالح العام فيها إلى إيجاد شيء يحد من طغيان الملكية الخاصة. وهذا ليس فكراً عاماً محدداً تنبثق عنه أفكار، وإنما هو أمرٌ يمكن أن يحصلَ في أي نظام، فيمكن أن يحصل في النظام الرأسمالي، وفي النظام القَبَليّ، فلا يصلح أساساً لانبثاقٍ الأفكارِ، ولا يشكل عقيدةً يعتنقها الناس. ثم إن الأفكار التي تنبثق عنه هي التأميمُ لبعضِ المصالحِ، وتقييدُ الملكيةِ في بعضِ المواطنِ، وتحديدُ الأجورِ والأرباحِ إلى غير ذلك وهي كلُّها أفكارٌ لاَ رابط بينها.
وإذا كان بالإمكان إيجادُ رأيٍ عامٍّ لفكرةٍ واحدة منها كالتأميم مثلاً، فإنه من المتعذر أن يوجد رأي عام لها كلها بوصفها كلًّا. أي بوصفها اشتراكية وما دام يتعذّرُ إيجادُ رأيٍ عام لها مبنيّ على تفهمٍ لها فإنه لا يمكن أن يتم تطبيقُها ثم يستمر هذا التطبيق.
هذا هو وضعُ الاشتراكية التي يدعون إليها ويحاولون تطبيقَها، ومنه يمكن أن ندرك تمام الإدراكِ أن الدعوةَ لها هي دعوةٌ إلى فكرةٍ غيرِ قابلةٍ للتطبيق، لأنه ليس فيها قابليةُ أن يكون لها رأي عام مبنيّ على تفهمٍ لحقيقتِها، ومنه يمكن أن يدرك تمامَ الإدراكِ أن محاولة تطبيقها هي محاولة مخفقة حتى لو كان المحاولون حزباً اشتراكياً، فكيف الحال والمحاولة جاريةٌ من فردٍ أو أفراد عن طريق سنِّ القوانين لإيجاد الاشتراكية قبل أن يوجد الاشتراكيون؟
لا شكَّ في أنّ هذه المحاولة ستخفق إخفاقاً كليًّا. ولا يقال إنه صار للاشتراكية رأي عام في البلاد، فصار يمكن تطبيقُها، لا يقال ذلك، لأنه لا يوجد لهذه الاشتراكية رأيٌّ عام، ولا يمكن أن يوجد لها رأي عام، والموجود إنما هو دعاية للفظ الاشتراكية، وهذه الدعايةُ أوجدت لهذا اللفظِ ذكراً ووجوداً لدى بعضِ الناس، فصارت هذه الكلمة محببةً بما أُسبْغ عليها من معاني المساواةِ والعدالة. وأما هذه الاشتراكيةُ، بمدلولها وبوصفها مفهوماً معيناً، فإنه لا أثر لها عند أحد.
وأكبر دليل على ذلك أنّ حزبَ العمال في إنجلترا وصلَ إلى الحكم وانْفَرَدَ وحْدَه به، وحاوَلَ تطبيقَ هذه الاشتراكيةِ فلم ينجحْ، وكلّ ما وصلَ إليه تطبيق بعضِ الأفكارِ في بعضِ الحالاتِ كالتأميم لبَعضِ المصالحِ، ولكن لم يجدِ القبولَ عندَ الناسِ، وكانَ له أثرٌ على قُواه الانتخابيةِ فخَسرَ الانتخاباتِ من وراء فكرةِ التأميم حتى نشأ رأيٌ قويّ بين أعضائهِ للتخلي عن فكرةِ التأميم.
والأحزاب الاشتراكية في فرنسا وإيطاليا وألمانيا لم تَنْجحْ في الوصول إلى الحكم، والاشتراكيّة النازيّة لم تنجح في تطبيقِ الاشتراكية، وشخصية هتلر هي التي أثرَتْ على ألمانيا فأوجدت فيها النازيّةَ، ولكنّه لم يستطع أن يوجِدَ الاشتراكية؛ ومن هنا تولى الرأي العام في أوروبا كلها عن الاشتراكيةِ، وأعْرَضَ عنها، بَعْدَما ظهرَ له فَشلُها، ولذلك لم يبقَ لها وجودٌ لدى الرأي الأوروبيّ، وهذا كلّه آتٍ من حيث كونها غير منبثقة عن فكرةٍ عامّةٍ محدّدةٍ بل هي مجموعَة أفكارٍ غير مُتجانسةٍ.
ثالثاً: تختلف المذاهب الاشتراكيّة من حيث الهيْئَةُ التي يُراد أنْ يُوكلَ إليها إدارة المشروعاتِ في النظامِ الاشتراكي. فيريد أصحاب اشتراكيةِ رأسِ المال مثلاً إسنادَ تنظيم الإنتاج والتوزيع إلى الدولةِ في حين أن النقابيين يُريدونَ إسناد الإدارة إلى جماعاتٍ من العمّالِ وعلى رأسهم زعماؤهم؛ وأشْهَر النظريّاتِ الاشتراكيّة وأكثرها تأثيراً نظريّات كارل ماركس الألماني، فقد سادَتْ نظرياته العالمَ الاشتراكيّ، وقامَ على أساسها الحزب الشيوعيّ ودولة الاتحاد السوفياتيّ في روسيا، ولا يزال لنظرياته تأثيرٌ كبيرٌ حتى اليوم. ومن أشهر نظريات كارل ماركس نظرية «القيمة» التي أخذها من علماء الاقتصادِ الرأسمالي وهاجمهم بها. وذلك أنّ آدم سميث الذي يُعتبر زعيم المذهبِ الحرّ في انكلترا، وواضِع أُسس الاقتصاد السياسي قد عرّفَ القيمةَ فقال: «قيمة أيّةِ سلعةٍ تتوقّف على كميةِ العمل المبذول في إنتاجها؛ فقيمة السلعةِ التي يَسْتَغْرِق إنتاجُها ساعتين تعادِل ضعف قيمةِ السلعةِ التي لا يتطلّب إنتاجُها سوى ساعةٍ واحدةٍ» وجاء بعدَه ريكاردو فحرصَ على أنْ يُوضحَ نظريّةَ العمل هذه فقالَ في تعريف القيمةِ: «إن ما يحدد قيمة السلعة لا مقدار العمل الذي يبذل في إنتاجها مباشرةً فحسب، بل لا بُدّ أن يُضافَ إليه العمل الذي بُذِلَ قبل ذلك في إنتاج المُعدّاتِ والأدواتِ التي تُستخدَم في عمليةِ الإنتاج»، أي أنّ ريكاردو كان يَعْتَقِد أنّ قيمة السلعةِ تتوقف على نفقاتِ إنتاجها. وقد رَدّ هذه النفقاتِ إلى عنصر واحدٍ هو العمل. وجاء كارل ماركس بَعْدَ ذلك واتخذَ من نظريّة ريكاردو للقيمةِ في النظام الرأسمالي سلاحاً لمهاجمةِ الملكيّة الخاصّةِ والنظام الاقتصاديّ الرأسماليّ بوجهٍ عام.
فذكر أنّ المصدَرَ الوحيدَ للقيمةِ هو العمل المَبْذُول في إنتاجها، وأنّ المموّلَ الرأسمالي يَشتري عَمَلَ العامل بأجرٍ لا يزيد عما هو ضروريّ لإبقائه حيّاً قادراً على العَمَلِ، ثمّ يَسْتَغِلّ هذه القُوّةَ في إنتاج سلع تفُوق قيمتها كثيراً.
وقد أطلقَ كارل ماركس على الفَرْقِ بينَ ما يُنتِجُه العامل وما يُدفع له فِعْلاً اسم «القيمة الفائضة» وقرّر أنها تمثّل ما يغْتَصِبُه المالك، وأصحاب الأعمال من حقوقِ العمّال باسم الرّيْع والرّبح وفائدةِ رأس المال التي لم يعترفْ طبعاً بمشروعيّتها. وقد رأى كارل ماركس أن المذاهبَ الاشتراكيّةَ التي جاءت قَبْلَه تَعْتَمِد في انتصارِ أفكارِها على ما فُطِرَ عليه الإنسان من حبّهِ للعدل وانتِصارِهِ للمظْلومِ، فكانتْ تضع طُرقاً جديدةً تَعْتَقِد بإمكانيّةِ تطبيقها على المجتمع وتتقدّم بها إلى الحكامِ والمتموّلين والطبقةِ المتنوّرَةِ تحثّهم على تنفيذِها.
ولكن كارل ماركس لم يبنِ مذهبه على ذلك، ولم يسلكِ الطُّرقَ التي سَلَكوها. بل بنى مذهبه على أساس مبدإ فلسفيّ يُعرَف «بالماديّةِ التاريخيّةِ» أي ما يُسمّى بالنظريّةِ الديالكتيكيّةِ. ورأى أنّ قيامَ النظام الجديد في المجتمع سيتمّ بمجرّدِ عملِ القوانين الاقتصاديّةِ وبمقتضى قانونِ التطوّر في المجتمع من غير أن تتدخلَ إدارة متشرّع أو مُصْلح.
وقد أُطلقَ على اشتراكيّةِ كارل ماركس اسم «الاشتراكيّة العلميّة» تمييزاً لها عن الطرق الاشتراكيّةِ التي تقدّمتْها، والتي أُطلِقَ عليها اسم «الاشتراكيّةِ الخياليّةِ» وتتلخّص نظريّة كارل ماركس الاشتراكيّة فيما يلي:
إنّ نظامَ المجتمع الذي يقوم في عصر ما، هو نتيجةٌ للحالةِ الاقتصاديّةِ، وإنّ التقلّباتِ التي تُصيب هذا النظامَ إنما ترجع كلّها إلى سببٍ واحدٍ هو كفاح الطبقات من أجل تحسين حالتها الماديّةِ.
والتاريخ يحدّثنا بأنّ هذا الكفاحَ ينتهي دائماً إلى صورة واحدةٍ هي انتصار الطبقةِ الأوْفرِ عدداً والأسوإ حالاً على الطبقةِ الغنيّةِ والأقلّ عدداً. وهذا ما يسمّيه بقانونِ التطوّر الاجتماعيّ وهو ينْطَبق على المُستقبَلِ كما ينطبق على الماضي. ففي العصورِ الماضيةِ كان هذا الكفاح موجوداً بين الأحرارِ والأرقّاءِ، ثم تحوّلَ النضال بينَ الأشرافِ والعامّةِ، ومن بَعْد بينَ الأشرافِ والفلاّحينَ وكذلكَ بينَ الرّؤساء والعرفاء في نظام الطوائفِ.
وكان الصراع ينتهي دائماً بانتصارِ الطبقةِ المظلومَةِ الكثيرةِ العددِ على الطبقةِ الظالمةِ القليلةِ العددِ.
وبعدَ الانتصارِ تَنْقَلِب الطَّبقَة المظلومة إلى طبقةٍ ظالمةٍ محافظةٍ. ومُنذ الثورةِ الفرنْسيّة أصبحَ هذا الكفاح قائماً بين الطبقةِ المتوسّطةِ «البورجوازيّةِ» وطبقةِ العُمّالِ. فقد صارتِ الأولى سَيّدَةَ المشروعاتِ الاقتصاديّةِ ومالكةَ رؤوسِ الأموالِ كما صارتْ طبقةً محافظةً، وفي وجهها تقوم طَبَقَة العُمّال. وهي لا تملك شيئاً من رأسِ المال ولكنّها أوْفَر منها عَدَداً.
فهناكَ تناقضٌ بين مصالح هاتينِ الطبّقتينِ. وهو يرجع إلى أسبابٍ اقتصاديّةٍ. لأنّ نِظَامَ الإنتاجِ اليومَ أصبحَ لا يتمشّى معَ نظام المِلكيّةِ. فالإنتاج لم يَعُدْ فَرْدِيّاً أي يقوم به الشخص بمفردِهِ كما كانَ في الأزْمِنَةِ الماضيةِ، بل أصبحَ اشتراكياً أي يشترك فيهِ الأفراد بينما بقيَ نظام المِلكِيّةِ ثابتاً ولم يتغيّرْ تبعاً لذلك فظلّتِ المِلكيّة الفردِيّة قائمةً ولا تزال أساسَ النظام في المجتمع الحالي. فكانَ من نتيجةِ ذلك أنّ طبقَةَ العمّال وهي تشترك في الإنتاج لا تشترك في ملكيّةِ رأس المال فتصبح تحتَ رحْمَةِ الرسماليينَ الذين لا يشتركونَ بأنفسهم في الإنتاج. في حين يَسْتَغِلّونَ العمّالَ ولا يَدْفَعُونَ لهم مِنَ الأجْرِ إلاّ ما يعادل الكفافَ، والعامل مُضطرّ إلى قبوله إذ لا يملك غيرَ عملهِ.
فالفرق بين قيمةِ الناتج وأجْرِ العامل ـ وهو ما يسمّيه كارل ماركس بالقيمةِ الفائضةِ ـ يتكوّن منه الرّبح الذي يستأثر به الرأسماليّ معَ أنّ العدلَ يقضي أن يكونَ من نصيبِ العامل.
والحرْب ستظلّ مُعْلنةً بين هاتين الطبقتين حتى يتلاءم الإنتاج مع نظام الملكية أي حتى تتحوّل الملكيّة إلى اشتراكيّة.
وسينتهي هذا النضال بانتصار طبقةِ العُمّال تبعاً لقانون التطوّر في المجتمع لأنها هي الطبقة الأسوأ حالاً والأوفر عدداً. أما كيفَ تنتصر طبقة العمّال وأسباب انتصارها فذلك ما يُنبىء به قانون التّطوّر للمجتمع.
فنظام الحياة الاقتصاديّةِ الحاضرةِ يحمل في نفسهِ بذُورَ المُستقبل، وسيُقضى عليه بالزوال وذلك بفعل القوانين الاقتصاديّةِ التي يخضع لها.
فقد جاء وقتٌ انتصرت فيه الطبّقة المتوسّطة على طبقةِ الأشرافِ فلعِبتْ دَوْراً مُهمّاً في الحياةِ الاقتصاديّةِ. ومَلكت رؤوسَ الأموال، ولكنّ مُهمّتها انتهتْ وحانَ الوقت الذي تتخلى فيه عن مكانها لطبقةِ العُمّال. ويحتم ذلك قانون «التركز» وفعل المنافسةِ الحُرّةِ. فبِفَضْل قانونِ التركّزِ أخذَ يتناقص عدَد أصحاب رأس المالِ، ويتزايد عدَد العمّال الأجراء. وبفضل المنافسةِ الحرّةِ تجاوز الإنتاج كلّ حدّ فأصبحتْ كميّة الإنتاجِ تزيد عما يستطيع المستهلكونَ من طبقةِ العمّال شراءه منها وهم يتناولونَ أُجُوراً غيرَ كافيةٍ. وسيُؤدّي ذلك إلى وقُوع الأزَماتِ التي سيكون من نتائجها أن يفقِدَ بعض الناسِ رؤوس أموالهم فيدخلونَ في طبقةِ العمّالِ. وكلّما تقدّمَ النظام الحاضر اشتدّتْ وطأة الأزماتِ وتقارَبَتْ أوقات وقوعها. وكلّما تناقصَ عدد أصحاب رأس المال تزايدَ عدد العُمّال. ثم لا يَلْبث أن يأتيَ يوْمٌ تقع فيه أزمَةٌ أكبر من كلّ ما تقدّمها. فتكون النكسة الكُبرى. إذْ تتقوّض أركان النظام الاقتصاديّ الرأسماليّ، ويقوم على أنقاضهِ نظام الاشتراكية. ويرى ماركس في قيام الاشتراكيّة دَوْراً للتطوّر التاريخيّ، لأنها إذْ تهدم الملكيّةَ الخاصةَ لا يبقى هناكَ ما يدعو إلى تطاحنِ الطبقاتِ في المجتمع، وذلك لاختفاء ما بينها من الفُروق. أما قانون التركّز الذي يُشير إليه كارل ماركس فهو من النظام الاقتصادي الرأسماليّ.
وخلاصته أنّ هناكَ حركة تنقّل في العمل ورأس المال من بعض المشروعاتِ نحوَ البعضِ الآخر إذ يكبُر بعضها في حين يصغُر البعض الآخر.
فهذه كلّها حالاتٌ تدلّ على حُدوثِ تركّزٍ في الإنتاج. فإذا بحثْتَ في عددٍ منَ المشروعاتِ في فرْعٍ واحِدٍ كمصانعِ الشوكولاته، مثلاً، تجِد أنّ عددَ المشروعات قد صارَ إلى التناقُصِ، في حين زاد مُتوسّط ما يُستخْدَم في كلّ مشروعٍ مِنْ قوى الإنتاج، وفي ذلك دليلٌ على أنّه قد حَدَثَ تركّزٌ في هذا الفرعِ مِنَ الإنتاج. إذ أخذَ الإنتاج الكبير يحلّ محلّ الصغير، فلو كانَ عدَد المصانعِ عشرةً فإنها تصبح أربعة أو خمسة مصانعَ كبيرة مثلاً وتنقرض باقي المصانع.
وأما المُنافَسة الحُرّة الواردة في كلامهِ فهيَ تَعْني قاعدَةَ حريّةِ العَمَلِ. وهي أن يكونَ لكلّ شخصٍ الحقّ في أنّ يُنْتِجَ ما يشاء كما يشاء.
وأما الأزمات الاقتصاديّة التي وردَتْ في كلامِهِ فهي تُطلَق على كلّ اضطرابٍ فجائيّ يَطْرَأُ على التّوَازنِ الاقتصاديّ.
والأزمة الخاصّة تشمل كلّ أنواعِ الأزَماتِ التي تحلّ بفرعٍ مِنْ فُروع الإنتاجِ بسببِ ما يحدث من فَقْدِ التّوازنِ بين الإنتاج والاستهلاكِ.
وهذا الحادِث ينجم إمّا عَنْ إفراطٍ في الإنتاجِ أوْ قِلّةٍ فيه، أو إفْراطٍ في الاستهلاكِ أو قِلّةٍ فيه.
وأمّا الأزمةُ العامّة الدوْريّة فتظهرُ على شكلِ هزّةٍ عنيفَةٍ تُزَعْزع أركانَ النّظامِ الاقتصاديّ كلّهِ وتكون هي النّقطة التي تفصل بين عَهْدِ النّشاطِ وعَهْدِ الكسادِ. وعهد النّشاطِ يتراوَح أجلُه بين ثلاثِ وخمس سنين، وعَهْد الكسادِ مثلُه.
والأزمات العالميّة الدّوريّة لها صفاتٌ خاصّةٌ تتميّز بها أهمّها: ثلاث صفاتٍ، هي: صفَة العُموم، فهي تُصيب في البلد الواحدِ كلّ نواحي النّشاطِ الاقتصاديّ أو على الأقلّ أكثرَها، وتظْهَر أوّلاً في أحَدِ البلادِ، وتعمّ فيه، ثم تسْرِي منه إلى البلادِ الأخرى التي أحْرَزَتْ نَصيباً مِنَ التّقدّمِ الاقتصاديّ، وكان يربِط بَعْضَها ببَعْضٍ علاقاتٌ مُستمِرّةٌ. والصّفة الثّانية: صفة الدّوْرِيّةِ وتحدث كلّ مُدّةٍ بصفةٍ دَوْرِيّة. والدّوْرَة التي تفْصل بين أزْمَةٍ وأُخرى تتراوَح بين 7 ـ 11 سنةً. إلاّ أنّ حُدوثها لا يكون في مواعيدَ ثابتة ولكنها تحدث دَوْريّاً.
والصفة الثالثة: هي إفْراط الإنتاج إذ يُصادِف أصحاب المشروعات صعُوبَةً كبيرةً في تصريف مُنْتجاتهم، فيزيد العَرْض على الطلَب في كثيرٍ من المُنتجاتِ فتحْصل الأزْمَة. فكارل ماركس يرى أن هذه الأزماتِ تُؤدّي إلى أن يَفْقِدَ بعض الناس رؤوسَ أمْوالهم فَيَتَنَاقص عدَدُ أصحاب رؤوسِ الأموال ويتزايد عدَد العمّالِ، وهذا ما يحوّل المجتمعَ، ويبقى ذلك إلى أن تحصلَ أزمةٌ كبرى تُقَوّض النظامَ القديمَ. هذه هي خلاصة الاشتراكيّة، والشيوعية نَوْعٌ من أنواعها.
ومن هذه الخلاصةِ يتبين أن المذاهبَ الاشراكيّةَ كلّها، بما فيها الشيوعيّة، تَعْمَل لتحقيقِ المُساواةِ الفِعْلِيّة بين الأفرادِ، إمّا بالمنافع، أو في وسائل الإنتاج أو المُساواةِ المُطلقةِ.
وكلِّ واحدٍ من أنواع هذه المُساواةِ مُسْتحيل الوقوع، وهو فَرْضٌ خياليّ. لأنّ المساواةَ مِنْ حيث هي غير واقعيّةٍ، ولذلك كانت غيرَ عَمَلِيّةٍ.
أما كوْنُها غيرَ واقِعِيّةٍ فلأنّ النّاسَ بطبيعةِ فِطْرَتهمِ التي خُلِقُوا عليها مُتفاوِتونَ في القُوى الجسميّةِ والعَقْلِيّةِ، ومُتفاوِتونَ في إشباعِ الحاجاتِ، فالمساواة بينهم لا يمكن أنْ تحصلَ.
ولوْ سَاوَيْتَ بينهم في حيازةِ السلع والخدماتِ جبراً بالقُوّةِ تحتَ سُلطةِ الحديدِ والنّارِ، فلا يمكن أن يتساووا في اسْتِعْمالِ هذا المالِ في الإنتاجِ، ولا في الانْتِفاعِ به، ولا يمكن التساوي بينهم بمِقدارِ ما يُشْبِع حاجاتهم. فالمساواة بينهم أمْرٌ نظريّ خياليّ.
على أن المساواة نفْسها بينَ النّاسِ مَعَ تفاوتهم في القوّةِ تُعْتبر بَعِيدَةً عن العدَالةِ التي يزْعم الاشتراكيّونَ أنهم يحاوِلونَ تحقيقها.
فالتفاضلِ بين الناس والتفاوت في حيازةِ المنافع، وفي وسائلِ الإنتاجِ أمْرٌ حتْمِيّ وهو الأمْر الطّبيعيّ.
وكلّ محاوَلةٍ للمُساواةِ مكتوبٌ لها الإخفاق، لأنها مُناقِضةٌ لنَظْرَةِ التّفاوتِ الموْجودَةِ بينَ الأفرادِ مِنْ بني الإنسانِ.
وأمّا إلغاءُ المِلكِيّةِ الخاصّةِ إلغاءً كليّاً فهو يُناقِض فِطْرَةَ الإنسان لأن المِلكِيّة أوِ الحيازَةَ مَظْهَرٌ مِنْ مظاهِرِ غريزَةِ البقاءِ، وهي حتميّةُ الوجودِ في الإنسانِ لأنها فِطْرِيّةٌ فيه؛ فهي جُزْءٌ مِنْ تكْوينِهِ، ومَظْهَرٌ مِنْ مَظاهِرِ طاقَتِهِ الطّبيعيّةِ، فلا يمكن إلغاؤها لأنها غريزيّة.
وكلّ ما هوَ غريزِيّ لا يمكن قَلْعُه مِنَ الإنسانِ، ما دامَتْ تنبض فيه الحياة. وأي محاولةٍ، لإلغائها كَبْتٌ للإنسانِ، يُؤدّي إلى القلقِ. ولذلك كانَ الأمر الطّبيعيّ أنْ يجرِيَ تنظيم هذه الغريزَةِ لا إلغاؤها.
وأمّا إلغاء المِلْكِيّةِ جُزْئياً فينظر فيه، فإن كانَ يحدّد مقدارَ ما يملك من السلع بمقدارٍ مُعيّن لا يَتَعَدّاه، فإنه يكون تحديداً للمِلْكِيّةِ بالكمّ، وهذا لا يجوز لأنه يحدّ مِنْ نشاط الإنسانِ ويُعطل جُهودَه، ويُقلّل إنتاجه.
فحينَ يمنَع مِنْ حِيازَةِ ما يَزِيد عن مِقدارِ ما حازَه وأوْقَفَه عند حدٍّ حُرِمَ مِنْ مُواصَلَةِ النَّشاطِ وحَرَمَ الجماعَةَ مِنَ الانتِفاعِ بجُهُود هؤلاء الأفرادِ.
وإنْ كانَ مقدار ما يملك مِنَ السّلعِ والخَدَماتِ بكيْفِيّةٍ مُعيّنَةٍ مِنْ غيرِ تحديدٍ بالكمّ فذلك جائزٌ لأنه لا يحدُّ مِنْ نشاطِ الإنسانِ، ولأنّه تنظيمٌ لحيازَةِ المالِ بينَ الأفرادِ، وهو يُساعد على بَذْلِ المجهودات وزيادَةِ النّشاط.
أمّا إذا كانَ إلغاء المِلْكِيّةِ إلغاءً جُزْئياً بحيث يحدّد أمْوالاً مُعَيّنَةً يمْنَع الفَرْدَ مِنْ مِلْكِيّتِها، ويُباح له أن يملكَ ما عداها مِنْ غيرِ تحديدٍ بمقدارٍ مُعَيّنٍ فيُنْظَر فيه، فإنْ كانتْ طبيعة هذه الأموالِ ـ التي وجدتْ خلّة للانتفاعِ بها ـ لا تتأتّى حيازتُها للفردِ وحده دونَ غيرِهِ إلا بحرمانِ مجموعةِ الناس منها نظراً لاشتراكِ المنفعةِ فيها بينَ أفرادِ الناسِ طبيعيّاً كالطرق العامةِ، وساحات البلدةِ والأنهارِ والبحارِ وما شاكلَ ذلكَ، فإنَّ منع ملكيّةِ الفردِ لها وحده دونَ غيرِهِ أمرٌ طبيعيّ قد قرّرته طبيعة المالِ، فلا شيءَ حينئذٍ في منعِ الفردِ من ملكيّتها وحده دونَ غيرهِ.
وأما إنْ كانتْ طبيعة المال لا تقتضي ذلكَ فلا يجوز منع الأفرادِ منْ ملكيّتها، لأنّه يكون حينئذٍ تحديداً لملكيّةِ الأموالِ بالسّماحِ بملكيّةِ بعضِها دونَ البعضِ الآخرِ.
ويُشبه تحديد ملكيّة المالِ بمقدارٍ معيّنٍ، ويصدق عليهِ ما يصدق على تحديدِ الملكيّةِ بالكمّ، وتكون له النتائج نفسُها وهوَ يحدّ منْ نشاطِ الإنسانِ ويعطّل جهوده، ويُقلّ إنتاجه، ويوقفه عنِ العملِ حينَ يصل إلى المقدارِ الذي أبيح له أنْ يجوزَه.
وإلغاء الملكيّةِ إلغاء جزئيّ في الاشتراكيةِ تحديدٌ بالكمّ لا بالكيفِ. وهو منعٌ من ملكيّة بعض الأموالِ التي من طبيعتِها ومن طبيعةِ أصلِها الانفراد في حيازتِها. (لأنّها إمّا أنْ تحدّد بالكمّ كتحديدِ ملكيةِ الأرضِ وإما أن تتحدّدَ الملكيّة بأموالٍ معيّنةٍ تَمنع الأفرادَ منْ ملكيّتها كتحديد وسائلِ الإنتاجِ).
على أنّ من طبيعةِ هذهِ الأموالِ استقلالَ الأفراد بها. وتحديداتُ الملكيّة في الاشتراكيّةِ منْ هذا النوع. فهيَ منعٌ لملكيّةِ أموالٍ منْ طبيعتها الامتلاكِ فرديّاً. ومنع الملكيّةِ من هذهِ الأموالِ تحديدٌ للنشاطِ سواءٌ عُيّنتْ كمنعِ حقِّ الميراثِ، أوْ مَنْع ملكيةِ المناجمِ والسككِ الحديديّةِ والمصانع وما شاكلَ ذلكَ، أو فوّض ذلك للدولة بأنْ تمنَعَها كُلّما رأَتِ الصّالحِ العام يقتضي مَنْعَها، وذلكَ كلّه يحدّ من نشاطِ الأفرادِ ما دامتِ الأموال الممنوعةُ تحمل في طبيعتها استقلال الفرد بملكيّتها.
وأمّا تنظيم الإنتاجِ والتوزيعِ الجماعيّ فإنه لا يتأتى بإثارة القلقِ والاضطراب بينَ الناسِ، وإثارة الحِقْد والبَغْضاءِ بينهمْ لأنّ ذلكَ يؤدي إلى إيجادِ فوضى لا إيجاد تنظيمٍ، ولا يكون طبيعيّاً ما دامَ العُمّال لا يحسّونَ بظلمِ أصحابِ الأعمالِ لأنّ أصحابَ الأعمالِ قدْ يكونونَ على حانبٍ منَ المهارةِ بحيث يُشبعونَ جميعِ حاحاتِ العمَّالِ ـ كما هو الأمر في الولاياتِ المتحدةِ ـ فالعمّال هناكَ لا يحسّونَ بالظّلمِ الواقعِ عليهمْ في أكْلِ ثمراتِ جهودهمْ، ولا يتأتى حينئذٍ التّطوّر الذي ينظّم الإنتاجَ والاستهلاكَ.
ولذلك لا بد أن يأتي هذا التنظيم طبيعياً بأحكام ومعالجاتٍ صحيحةٍ قطعيّةِ الأساسِ منطبقةٍ على واقعِ المشاكلِ.
والاشتراكيّة تعتمد في تنظيمِ الإنتاجِ والتوزيعِ على إثارة القلقِ والاضطراباتِ بينَ العمّالِ، أو على سُنْةِ التّطوّرِ في المجتمعِ، أو على تشريعاتٍ وقوانينَ وضعيّةٍ غيرِ مُستندةٍ إلى أساسٍ قطعيّ. ولذلك كانَ تنظيمُها خاطئاً من أساسهِ.
هذا بما يرجِع إلى خطإ الاشتراكيّةِ منْ حيث هيَ.
أمّا خطأ اشتراكيّةِ كارل ماركس بنوعٍ خاصٍ فآتٍ من ثلاثة وجوه:
الأوّل أنّ رأيه في نظريّةِ القيمة مخالفٌ للواقِعِ.
وكون المصدرِ الوحيدِ لقيمةِ السلعةِ هوَ العمل المبذول في إنتاجِها يخالف الواقِع، إذْ إن العملَ المبذولَ مصدرٌ من مصادرِ قيمةِ السلعةِ، وليسَ المصدر الوحيد لأنّ هناكَ أشياءَ غير العملِ تدخل في قيمةِ السلعةِ.
فهناكَ المادّة الخام التي جرى عليها العمل، وهناكَ الحاجة لمنفعةِ هذه السّلعةِ، قد تكون المادّة الخام تحوي منفعةً تزيد عنِ العملِ الذي بُذِلَ في تحصيلِها كالصَّيدِ مثلاً. وقد تكون منفعة هذهِ السلعةِ غير مطلوبةٍ في السّوقِ، وغير مصرّحٍ بتصديرها كالخمرِ عندَ المسلمينَ. فجعْل العملِ المصدرَ الوحيدَ للقيمةِ غير صحيحٍ، ولا ينطبق على واقِعِ السّلعةِ منْ حيث هي.
والثاني قولُه: إنّ النظامَ الاجتماعيّ الذي يقوم في عصرٍ ما هوَ نتيجةٌ للحالةِ الاقتصاديّةِ، وإنّ التقلبات المختلفة التي تصيب هذا النّظام إنما ترجع كلّها إلى سببٍ واحدٍ هو كفاح الطبقاتِ الاجتماعيّةِ من أجلِ تحسينِ حالتِها الماديّةِ، هذا القول مخالفٌ للواقِعِ، ومبنيّ على فرضٍ نظريٍّ ظنيّ.
أمّا وجه خطئِهِ ومخالفتِهِ للواقعِ فظاهرٌ تاريخيّاً وواقعيّاً.
فروسيا السوفياتيّة حينَ انتقلتْ إلى الاشتراكيّةِ لمْ يكنْ ذلكَ نتيجةً لتطوّرٍ ماديّ، ولا إلى كفاحِ طبقاتٍ أدّى إلى تغييرِ نظامٍ بنظامٍ، وإنما وصلتْ للحكمِ جماعةٌ عنْ طريقِ ثورةٍ دمويّةٍ، ثمّ راحتْ تُطبّق أفكارَها على الشّعبِ، وغيّرت النظامَ، وكذلك الحال في الصينِ الشعبيّةِ.
وتطبيق الاشتراكيّةِ على ألمانيا الشرقيّةِ دونَ ألمانيا الغربيّةِ، وعلى دولِ أوروبا الشرقيّةِ دونَ دولِ أوروبا الغربيّةِ لمْ يكنْ نتيجةً لأيّ كفاحٍ بينَ الطبقاتِ، وإنما تمّ استيلاء دولةٍ اشتراكيّةٍ على هذه البلدانِ فطبّقَتْ عليها نظامَها، تماماً كما هو الحال في النظامِ الرأسمالي أو في النظامِ الإسلاميّ أو في أيِّ نظامٍ آخر.
وكان حريّاً أن يتحتمَ هذا القانون ـ وهوَ تحويل النظامِ الناشىءِ عن كفاحِ الطبقاتِ في ألمانيا وإنكلترا والولايات المتحدةِ، وهيَ البلدان الرأسماليّة التي يكثر فيها أصحاب رؤوسِ الأموالِ والعمّال، لا روسيا القيصريّة ولا الصين اللّتينِ كانتا زراعيّتينِ أكثرَ منهما صناعيّتينِ، والعمّال فيهما أقلّ مما في غيرهما من البلدانِ الغربيّةِ.
وبالرّغمِ من وجودِ الطّبقاتِ في دولِ أوروبا الغربيّةِ، وفي أمريكا، لا تزال كلّها تطبّق النظامَ الرأسماليّ دونَ أن يؤثّرَ الصراع بينَ العمّالِ ومالكي رؤوسِ الأموالِ على نظامها أيّ تأثيرٍ.
وهذا وحده كافٍ لنقضِ هذهِ النظريةِ من أساسها.
الثالث: يتبيّن خطأ نظريّاتِ كارل ماركس من الإيمان بقانونِ التطورِ الاجتماعيّ، وبأنّ نظامَ الحياةِ الاقتصاديّةِ مَقضيّ عليه بالزّوالِ، بفعلِ القوانينِ الاقتصاديّةِ التي يخضع لها، وأنّ الطبقةَ المتوسطة التي انتصرتْ على طبقةِ الأشرافِ كانتْ مالكةَ رؤوسِ الأموالِ، وقد حانَ الوقت الذي تتخلى فيهِ عن مكانها للطبقةِ العاملةِ، ويحتّم عليها ذلك قانون التّركّزِ.
وجهُ الخطإ في هذا القولِ أنّ نظريّةَ كارل ماركس، في تركّزِ الإنتاجِ، والتي يُبنى عليها تزايدُ عدد العمّالِ، وتناقُص أصحابِ رؤوسِ الأموالِ هيَ نظريّةٌ خاطئةٌ لأنّ هناكَ حدّاً لا يتعدّاهُ تركّزُ الإنتاجِ فيصِلُ إلى حدّ معينٍ ويقفُ، ولا يستمرّ التطوّرُ الذي يصوّرهُ كارل ماركس. إذ يحصلُ التجمّعُ بينَ عواملِ الإنتاجِ المشتّتَةِ إلى حدٍّ يقِفُ عندهُ ولا يتعدّاهُ.
علاوةً على أنّ تركّزَ الإنتاجِ غيرُ موجودٍ مُطلقاً في أهمِّ فروعِ الإنتاجِ وهو الزراعةُ فكيفَ يحصُلُ قانون التطوّر في المجتمعِ.
على أنّ كارل ماركس يظنّ أنّ تركّزَ الإنتاجِ يسْتَتْبعُ تركّزاً في الثرواتِ، ممّا ينشأ عنهُ قلّةٌ في عددِ المتمولينَ الذين يستأثرونَ برؤوسِ الأموالِ وكثرةٌ في عددِ العمّالِ الذين لا يملكون شيئاً.
وهذا خطأ لأنّ تركّزَ الإنتاجِ قد ينشأ عنهُ كثرة في عددِ أصحابِ رؤوس الأموالِ، وقد ينشأ عنهُ تحوّل العمّالِ إلى أصحابِ رؤوسِ أموالٍ. ففي شركاتِ المساهمةِ، وهيَ الشكلُ الذي تتخذهُ عادةً المشروعاتُ الكبرى يكونُ المساهمونَ أكثرَ من العمّالِ أحياناً فكيفَ يحصُلُ تركّزُ الإنتاجِ؟
وفوقَ ذلكَ فإنّ في المصانعِ عُمّالاً لهمْ أُجورٌ عاليةٌ كالمهندسينَ والكيميائيينَ والمديرينَ، فيستطيعونَ أنْ يدَّخروا جُزْءاً كبيراً منها يَصيرونَ بهِ منَ المتموّلينَ منْ غيرِ حاجةٍ إلى إنشاءٍ مشروعٍ مُستقلٍّ. وحينئذٍ لا ينطبقُ علَيهم ما يقولُهُ كارل ماركس عنِ العمّالِ. هذه لمحةٌ خاطفةٌ للأسُسِ التي يقومُ عليها النظامُ الاقتصاديّ الرأسماليّ، والأسُسُ التي يقومُ عليها النظامُ الاقتصاديّ الاشتراكيّ ومنهُ الشيوعيّ وإشارةٌ موجزةٌ لما في هذه الأسُسِ منْ زيفٍ وفسادٍ.
هذا من ناحية، ومن ناحيةٍ أُخرى فإنها مخالفةٌ لطريقةِ الإسلامِ في أخْذِ المعالجاتِ ومناقضةٌ لهُ.
أمْا من ناحيةِ مخالفتها لطريقةِ الإسلامِ في أخذِ المعالجاتِ للمشاكلِ فلأنّ طريقةَ الإسلامِ في معالجةِ المشكلةِ الاقتصاديّةِ هيَ طريقتُهُ نفْسها في معالجةِ كلِّ مشكلةٍ منْ مشاكلِ الإنسانِ وهيَ:
دراسةُ واقعِ المشكلةِ الاقتصاديّةِ وتفهّمها، ثم استنباطُ حلِّ المشْكِلَةِ منَ النصوصِ الشرعيّةِ بعدَ دراسةِ هذهِ النصوصِ والتأكّدِ منِ انطباقها عليها بخلاف الأحكامِ والمعالجاتِ الاقتصاديّةِ في الرأسماليّةِ والاشتراكيّةِ، ففي الرأسماليّة تُؤْخَذُ المعالجاتُ من واقِعِ المشكلةِ بعد دراستها. وفي الاشتراكيّةِ تؤخذُ منْ فروضٍ نظريّةٍ يُظَنّ أنها موجودةٌ في المشكلةِ فيُوضَعُ العلاجُ بناءً على هذه الفروضِ. وفي كلِّ واحدةٍ من هاتينِ الطريقتينِ مخالفةٌ لطريقةِ الإسلامِ فلا يجوزُ للمسلمِ الأخذُ بها. وأمّا مناقضةُ الاقتصادِ الرأسماليّ والاشتراكيّ، ومنهُ الشيوعيّ، للإسلامِ، فلأن الإسلامَ إنما يأخُذُ معالجاته أحكاماً شرعيّةً مستنبطةً من الأدلّةِ الشرعيّةِ. وهذه المعالجاتُ الاقتصاديّةُ الرأسماليّةُ والاشتراكيّةُ ليستْ أحكاماً شرعيّةً. والحُكْمُ على الأشياءِ بها حكمٌ بغيرِ ما أنزلَ الله ولا يحلّ لمسلمٍ أن يأخذَ بها بأيِّ وجهٍ من الوجوهِ.


الإسْـلامُ مَبْدَأ
والقيادةُ الفكريّةُ الإسلاميّةُ مبنيّةٌ على العقلِ، إذ تفرضُ على المسلمِ أن يؤمنَ بوجودِ اللَّهِ وبنبوّةِ محمد (ص) وبالقرآنِ الكريمِ عن طريقِ العقلِ، وتفرضُ الإيمانَ بالمغيبات على أنْ تأتي من شيءٍ يثبتُ وجوده العقل كالقرآنِ الكريمِ والحديثِ المتواترِ، ولذلكَ كانتْ قيادةً فكريّةً مبنيّةً على العقلِ. والإسلامُ هو الدينُ الذَي أنزلهُ الله تعالى على سيدنا محمد (ص) لتنظيمِ علاقةِ الإنسانِ بخالقهِ وبنفسهِ وبغيرهِ من بني الإنسانِ.
وعلاقةُ الإنسان بخالقهِ تشملُ العقائدَ والعباداتِ، وعلاقته بنفسهِ تشملُ الأخلاقَ والمطعوماتِ والملبوساتِ. وعلاقته بغيرهِ من بني الإنسانِ تشملُ المعاملاتِ والعقوباتِ.
فالإسلامُ مبدأ لشؤونِ الحياةِ جميعاً، وليسَ ديناً لاهوتيّاً بل لا يتصلُ بالكهنوتيّة بسببٍ، وإنهُ ليقضي على الاستبدادِ الديني فلا يوجدُ في الإسلام جماعةٌ تسمى رجال دينٍ، وجماعةٌ تُسمى رجال دنيا، بل جميع من يعتنقون الإسلامَ يُسمّونَ مسلمينَ وكلهم أمامَ الدين سواء.
انبِثاق النظامِ عَن العقيدة
وأمْا من حيثُ كيفيّةُ انبثاقِ النظامِ عنِ العقيدةِ، فالمبدأُ الشيوعيّ يرى أنّ النظامَ يُؤخذُ من أدواتِ الإنتاجِ، لأنّ المجتمعَ الإقطاعيّ، مثلاً، تكونُ الفأسُ فيه أداةَ الإنتاجِ، ومنها يُؤخذ نظامُ الإقطاعِ، فإذا تطوّرَ المجتمعُ إلى الرأسماليّةِ تصبح الآلة أداةَ الإنتاجِ؛ ولذلكَ يؤخذ النظامُ الرأسماليّ منها. فنظامُه مأخوذ من التطوّر الماديّ.
وأمّا المبدأُ الرأسماليّ فيرى أنّ الإنسانَ. حينَ فَصَلَ الدينَ عنِ الحياةِ، صارَ لا بدّ له من أنْ يضعَ نظاماً لنفسهِ؛ ومنَ الحياةِ ذاتها، فصارَ يأخذ نظامَه من واقِعِه، ويضعه بنفسهِ؛ لذلكَ كانتِ القيادتانِ الفكريّتانِ: الشيوعية والرأسماليّة مخفقتينِ، لأنهما مُتناقضتانِ معَ الفطرةِ، وغير مبنيتينِ على العقلِ.
وأمّا الإسلام فيرى أن الله جعلَ للإنسانِ نظاماً في الحياةِ، يسير عليهِ، وأرسلَ سيّدنا محمداً (ص) مبلِّغاً؛ فعلى الإنسان أن يدرسَ المشكلة مستنبطاً حلّها من الكتاب والسنّةِ، هذا من حيث كيفية انبثاق النظام عن العقيدة، وأما من حيث المقاييس الحياتية فالمبدأ الشيوعيّ يرى أنّ الماديّةَ، أي النظامَ الماديّ، هو المقياس في الحياةِ، ويتطوّر بتطورِ هذا المقياسِ؛ والمبدأُ الرأسماليّ يرى أن مقياسَ الأعمالِ في الحياةِ هو المنفعةُ، وبحسب المنفعة تُقاسُ الأعمالُ. والإسلامُ يرى أنّ مقياسَ الأعمالِ في الحياةِ هو الحلال والحرامُ. أي أوامرُ الله ونواهيهِ، فالحلال يعملُ، والحرامُ يُترَكُ، ولا يتطوّرُ ذلك ولا يتغيرُ، ولا تحكم فيهِ المنفعةُ بلِ الشرعُ هو الذي يحكمُ.
تنفِيذُ النظَامِ
وأمّا مِنْ حيثُ تنفيذُ النظامِ فالمبدأ الشيوعيّ يرى أنّ الدولةَ وحدها هي التي تنفّذُ النظامَ بقوّةِ الجنديّ والقانونِ. وتتولى شؤونَ الفردِ والجماعة نيابةً عنهمْ، كما تتولى تطويرَ النظامِ. والرأسماليّةُ تجعلُ للدولةِ الإشرافَ على الحريّاتِ فإذا اعتدى أحدٌ على حُريّةِ غيرهِ منعت هذا الاعتداءَ لأنّها تضمنُ الحريّاتِ.
وإذا لم يعتد أحدٌ على حريّةِ الآخرِينَ، ولو استغلّهم وأكلَ حقوقهم على أن يتخذَ الأكلُ صورةَ الرضا الظاهريّ، فلا يكونُ هناكَ اعتداءٌ على الحريّاتِ فلا تتدخّلُ الدولةُ، ولذلك فالدولةُ موجودةٌ لضمانِ هذا النوعِ من الحرّيّاتِ.
وأمّا الإسلامُ فالنظامُ فيهِ هو بدافعِ تقوى اللَّهِ وشعورِ الجماعةِ بعدالتِه وتعاوُنِ الأمّةِ مع الحاكم بالأمرِ بالمعروفِ والنهي عنِ المنُكَرِ وسلطانِ الدولةِ وتتولى الدولةُ شؤونَ الجماعةِ ولا تتولى عن الفردِ شؤونَهُ إلا إذا عجزَ عنها. ولا يتطوّرُ النظامُ أبداً. والدولةُ لها صلاحيّةُ تبنّي الأحكامِ الشرعيّةِ إذا تعدّدَتْ نتائجُ الاجتهادِ فيها.
الظرُوفُ التي نشأ فيها المَبْدأ الإسْلاميّ
كانتِ الجزيرةُ العربيّةُ تَتَخبّطُ في دياجيرِ ظلامِ التفرقةِ وتتخاصمُ فيما بينها على الكبيرةِ والصغيرةِ، وكانت منقسمةً على نفسها؛ قسمٌ تتحكّمُ فيهِ فارسُ عن طريق المناذرةِ في العراقِ، وقسمٌ تتحكّمُ فيهِ الرومُ عن طريقِ الغساسنةِ في سوريّةَ. وإذا بالأفكارِ الإسلاميّة تنتشرُ في أرجاءِ الجزيرةِ العربيّة فتحرّكُها، وتبدأ الجزيرةُ العربيّةُ تهتزّ من شدّةِ وطأةِ هذهِ الأفكارِ، ومدى الأثرِ العميقِ الذي أحدثَتْهُ في نفوسِ أبنائها. فسُرْعانَ ما خارتْ قوى التفرقةِ. وانهارتْ أجهزةُ العُملاءِ الذينَ يعملونَ لحساب كسرى وقيصرَ، وأخذتِ الأفكارُ الإسلاميّةُ بيدِ الذينَ حَملُوها إلى القمّةِ، بعدما كانوا في الحضيضِ، وألّفت بينَ قلوبهمْ، وأنارَتْ عقولَهُمْ، وسارَتْ بهم على الطريق القويمِ، وجَعَلَتْهُمْ أسياداً بعد ما كانوا عبيداً، وأغنياءَ بعدما كانوا فقراءَ، وقادةً بعدما كانوا مقودينَ. وصدقَ الله العظيمُ حيثُ يذكّرهُم بالواقِع الذي كانوا يعيشونهُ قبلَ الإسلامِ والواقعِ الذي عاشوهُ في ظلِّ الإسلامِ بقوله: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ *} [آل عِمرَان: 103].
الظروفُ التي نشأ فيهَا المبدأ الديمقراطي الرأسمالي
في القرنِ الثّامن الميلاديّ، قامتِ الشعوبُ في أوروبا كلِّها بثوراتٍ متعدَّدةٍ لمحاربةِ رجالِ الكنيسةِ الذينَ كانُوا مُستبدّينَ بالحُكْمِ، إلى أنْ نجَحوا بالقضاءِ على نفوذِ رجالِ الكنيسةِ ورجالِ الحكمِ معاً؛ وكانتْ جمهرةُ المفكّرين في أوروبا قد انقسمت في اتجاهِها الفكريّ إلى فئتين: فئةٍ تنادي بإنكارِ الدّينِ إنكاراً باتاً، وفئة تنادي بفصلِ الدينِ عنِ الحياةِ، أي بفصلِ الدين عن الدولةِ، حتى استقرّ الرأيُ في آخرِ الأمرِ في أوروبا الوسطى وأوروبا الغربيّةِ على الفكرةِ الأساسيّةِ التي كانتْ تنادي بفصْل الدينِ عن الدولةِ؛ فكانَ هذا الحلّ حلًّا وسطاً لمْ يعالجِ المشكلةَ من أساسها معالجةً صحيحةً، بل كانَ من أجل إرضاءِ الطّرفينِ: الطّرف الأوّل الذي كانَ متذمّراً من اسْتبدادِ رجالِ الكنيسةِ، والطرفِ الثاني الذي كانَ يرى أنّ الدينَ عاملٌ أساسيّ مُتحكِّمٌ في نفوس النّاسِ ولا يمكنُ التغاضي عنهُ. والرأيُ الأخيرُ تمسّكَ بهِ أكثرُ سياسييّنا وأحزابِنا في الآوِنةِ الأخيرةِ، وبدأوا يدعونَ لهُ، بألوانٍ وصور متعدّدةٍ.
الظروف التي نشأ فيهَا المبدَأ الاشتراكي الشيُوعي
الاشتراكيّةُ الشيوعيّةُ فكرةٌ نادى بها كثيرونَ من قبلُ، ولكنّ الذي حَمَلَها ودعا لها، في الآونةِ الأخيرةِ، كارل ماركس نظريّاً، ثمّ تَبِعَهُ عمليّاً ونظريّاً لينين وأنصارُهُ الذين اتّبعوهُ، وكان بدءُ تطبيقها سنة 1918 في أواخر الحرب العالميّةِ الأولى. وعندما كانت مُعظمُ الجيوش الروسيّةِ منتشرةً على الحدودِ، قامَ الحزبُ الشيوعيّ بثورةٍ داخليّةٍ، تحتَ قيادةِ لينين وستالين، فنجحت الثورةُ بعدما أخفقتْ عدّةَ مرّاتٍ، وركّزَتْ نظريّتها القائلةَ بأنّ الدينَ أفيونُ الشعوب؛ فعملتْ بعيداً عن الدين، وبذلكَ صارتِ المبادىءُ ثلاثةً تقوم على نظريّاتٍ مختلفةٍ كلّ الاختلافِ. وإذا دققتَ في الأمر لم تجد غير هذه النظرياتِ الثلاث، فلا يستطيع أحد من الناس أن يأتيَ بنظرية رابعة تنفردُ عن هذه النظريات الثلاث:
أولاً: الدين ومنه الدولة أي الإيمان بمزج المادة بالروح «المبدأ الإسلامي».
ثانياً: فصل الدين عن الدولة، أي الإيمان بفصل المادة عن الروح «المبدأ الديمقراطي الرأسمالي».
ثالثاً: إنكار الروح إنكاراً باتاً والإيمان بالمادة أنها أزلية «المبدأ الاشتراكي الشيوعي».


المُجْتمَع
خُلِقَ الإنسان وفيه غريزة حُبّ البقاءِ، التي كان من مظاهرها التكتلُ، لذلك كان اجتماعُ الناس طبيعياً، إلا أن اجتماعَ الناس لا يجعل منهم مجتمعاً، وإنما يجعل منهم جماعة. أما إذا نشأت بينَهم علاقاتٌ لجلب المصالحِ ودفعِ المفاسدِ، فإن هذه العلاقاتِ تجعلُ من هذه الجماعة مجتمعاً. ثم إن هذه العلاقاتِ وحدَها لا تجعل منهم مجتمعاً واحداً، إلا إذا توحدت نظرتُهم إلى هذه العلاقاتِ بتوحيد أفكارِهم، وبتوحيد رضاهُمْ وسخطِهِمْ، ثم إنه يجب أن تتوحد معالجتُهم لهذه العلاقاتِ بتوحيد النظامِ الذي يعالجها، ولذلك كان لا بدّ من النظرِ إلى الأفكار والمشاعرِ والأنظمةِ عند دراستِنا للمجتمعِ، لأنها هي التي تجعلُهُ مجتمعاً معيناً، له لونٌ معين.
غيرَ أنَّ الشيوعيين يرونَ أن المجتمعَ مُؤَلّفٌ من الوسط الجغرافي ومن نموِّ السُّكانِ وتكاثفهم ومن أسلوبِ الإنتاجِ. هذه العناصرُ الثلاثةُ هي التي تُكوّنُ المجتمعَ في نظرهم. ولكنّهم يعودون فَيَنْفُونَ تأثيرَ اثنين منهما: الوسط الجغرافي ونمو السكان، ويقولون إن القوةَ الأساسية التي تُحَدّدُ هيئة المجتمع وطابع النظامِ الاجتماعي وتقررُ تَطَوّر المجتمع من نظامٍ إلى آخر إنّما هي أسلوبُ الإنتاج فقط:
وأسلوبُ الإنتاجِ هذا بنظرهم مكونٌ من الناسِ، وأدوات الإنتاج ومعرفةِ استخدامها؛ هذهِ الثلاثة جانبٌ، والجانبُ الآخر هوَ علاقاتُ الإنتاج. ويعتبرونَ الإنتاجَ دائماً في حالةِ تغيرٍ ونموٍّ، وأنّ تَغَيُّرَ أسلوبِ الإنتاجِ يؤدي بصورةٍ حتميةٍ إلى تغير النظامِ الاجتماعي بأسره.
غير أنّه في الحقيقةِ والواقعِ أنّ المجتمعَ مؤلفٌ من ناس وأفكارٍ، ومشاعر، وأنظمة، ولا دخلَ للوسطِ الجغرافي فيه ولا لأدواتِ الإنتاج.
وبيانُ ذلك أن المجتمع هو مجموعة من النّاسِ تنشأُ بينهم علاقات دائمية، ففرد زائدُ فرد زائدُ فرد الخ.. يساوي جماعة، أي ينشأ من هذه المجموعة من الأفراد جماعة. فإذا نشأت بين هؤلاء الأفراد علاقات دائمية كانوا مجتمعاً وإذا لم تنشأ بينهم علاقات دائمية ظلوا جماعة، ولا يشكلونَ مجتمعاً إلا إذا نشأت بينهم علاقات. فالذي يجعلُ مجموعة الناسِ تشكلُ مجتمعاً إنما هو العلاقات الدائمية فيما بينهم.
وهذه العلاقات لا تنشأ إلا بدافع مصالحهم. فالمصلحةُ هي التي تُوجدُ العلاقةَ. ومن غيرِ وجودِ مصلحة لا توجد علاقة. فالناسُ لقضاءِ مصالحهم يحتاجُ بعضهم إلى البعض الآخر، فتنشأ من قضاء هذه المصالح العلاقات. إلا أنّ هذه المصالح إنما يُعَيّنُها من حيثُ كونها مصلحة أو مفسدة مفهومُ الإنسان عن المصلحةِ، فإن رأى الشخصُ أن هذا الأمرَ مصلحة نشأت العلاقة، وإن رأى أن هذا الأمرَ ليس مصلحةً لا تنشأ العلاقة.
فالمسلمُ يرى أنّ بَيْعَهُ لغير المسلم فرساً ليربحَ فيها مصلحة له، فتنشأ بينهما علاقة، ولكنه يرى أن بَيْعَه خمراً ليس مصلحةً له فلا يَبيعُهُ فلا تنشأ بينهما علاقة.
فالذي عَيّنَ كون الشيء مصلحة أو ليس مصلحة إنما هو مفهومُ الشخصِ عن الشيء بأنّه مصلحة أو ليس مصلحة. والمفاهيمُ هي معاني الأفكار، فتكون الأفكار هي التي أوجدتِ العلاقةَ. غير أن هذه الأفكار لا يكفي أن توجدَ عند واحدٍ ولاَ توجد عند الآخر، بل لا بُدّ أن توجدَ عند الاثنين حتى توجد العلاقة. فإذا كان أحَدُهُما يرى أن هذا الأمرَ مصلحة والآخر يراه ليس مصلحة لا يمكن أن توجدَ بينهما علاقة. وعلى ذلك فإن وحدةَ الأفكارِ بين الناسِ لا بُدَّ منها حتى توجدَ العلاقة بينهم.
غير أن وحدةَ الأفكارِ وحدها لا تكفي لأن توجد العلاقات، بل لا بُدّ أن تكونَ معها وحدة المشاعر، أي أن هذه المصلحة لا بد أن يُسَرَّ الشخصان بها حتى توجد العلاقة. فإذا كان أحدُهُما يُسر بها والآخر يَسْخَطُ منها لا توجد العلاقة بينهما، بل لا بد أن تتحد مشاعرهما في النظرةِ إلى المصلحةِ من سرورٍ وغضبٍ وحزنٍ وفرحٍ إلى غير ذلك من المشاعرِ وإلى جانبِ اتحاد الأفكار.
إلا أن وحدة الأفكار والمشاعرِ معاً بين الناس لا تكفي لأن توجدَ العلاقات بل لا بد أن تكون معها وحدة النظام الذي يعالجونَ به هذه المصالحَ. فإذا كان أحَدُهُما يرى أن هذه المصلحة يجبُ أن تعالجَ بكذا ولكن الآخرَ يرى أن تعالجَ بغير ما قال به الأولُ لا تنشأ بينهما علاقة، ولا يتأتى أن تنشأ إلا إذا اتفقا على كيْفِيّةِ معالجتها، أي على النظامِ الذي يعالجانها به وحينئذٍ تنشأ العلاقة.
فيكون المجتمعُ هو الناسُ وما يُوَحّدُ بينهم من أفكارٍ ومشاعرَ وأنظمةٍ. ولهذا فإن المجتمعَ مُكوّنٌ من أناسٍ، وأفكار، ومشاعِرَ، وأنظمةٍ. هذا هو واقعُ المجتمع كما يُشاهدُ من مجردِ النظرة إليه، وكما يشاهدُ بعدَ التدقيقِ فيهِ، وكما يشاهدُ عند تحليلهِ إلى أجزائهِ التي يتكون منها. وعلى ذلك يكونُ تَعْرِيفُ الشيوعيين بأن المجتمعَ مؤلفٌ من الوسطِ الجغرافي ونُمُوِّ السُّكّانِ، وأسلوبِ الإنتاجِ، مخالفاً لواقعِ المجتمع، فهو خطأ محض.
المجتمع الإسلامي في المدينَة
حين قدم الرسول (ص) المدينة كانت تسكنها ثلاث جماعات:
1 ـ المسلمون من مهاجرين وأنصار وكانوا الكثرة الغالبة فيها.
2 ـ المشركون من الأوس والخزرج الذين لم يسلموا وكانوا قلة بين أهلها.
3 ـ اليهود: وهم أربعة أقسام، قسم منهم في داخل المدينة وثلاثة أقسام خارجها.
أما الذين هم في داخلِ المدينةِ فبنو قيْنُقاع، والذين خارجها بنو النضير، ويهود خيبر، وبنو قريظة.
وقد كان اليهودُ قبلَ الإسلامِ مجتمعاً منفصلاً عن المجتمع في المدينة، فأفكارُهم ومشاعرُهم متباينة والنِّظام الذي يحلون به مشاكلهم ليس واحداً، ولذلك لا يعتبر اليهود جزءاً من المجتمع في المدينة وإن كانوا داخلَها وعلى مقربةٍ منها.
وأما المشركون فقد كانت الأجواءُ الإسلامية قد اجتاحتهم، ولذلك كان خضوعُهم في علاقاتهم للأفكار وللمشاعر الإسلامية، ولنِظامِ الإسلامِ أمراً حَتْمِيّاً، حتى ولو لم يعتنقوا الإسلامَ.
وأما المهاجرون والأنصارُ فقد جمعهم الإسلامُ وألّف بين قلوبِهِم، ولهذا أفكارهم واحدة ومشاعرهم واحدة، فكان تنظيم علاقاتهم بالإسلام أمراً بديهياً، ولذلك بدأ الرسول (ص) يقيم العلاقات بينهم على أساس العقيدة الإسلامية، ودعاهم ليتآخوا في الله أخوين أخوين أخوة يكون لها الأثر الملموس في معاملاتهم وأموالهم وسائر شؤونهم.
فكان هو (ص) وعلي بن أبي طالب (ع) أخوين، وكان عمه حمزة ومولاه زيد أخوين، وكان أبو بَكْرٍ وخارجة بن زيد أخوين، وكان عمر بن الخطاب وعتبان بن مالك الخزرجي أخوين، رضي الله عنهم جميعاً. وكان لهذه الأخوة أثر في الناحية الماديةِ، فقد أظهر الأنصارُ من الكرم لإخوانهم المهاجرين ما يزيد هذه الأخوة قوة وتوكيداً، فقد أعطوهم الأموال والأرزاق، وشاركوهم في حاجات الدنيا؛ وقد اتجه التجار للتجارة، والزراع للزراعة.
وهكذا انصرف كل إلى عمله، وبهذا أقام الرسول (ص) المجتمع في المدينة على أساسٍ ثابتٍ صمد لدسائس اليهود والمنافقين، وظل وحدة واحدة، فاطمأن الرسول (ص) إلى هذه الوحْدَةِ.
أما المشركون فقد خضعوا للحكم الإسلامي، ثم تلاشى وجودهم، فلم يكن لهم أثر في تكوين هذا المجتمع.
وأما اليهودُ فإنهم مجتمعٌ آخر قبل الإسلام. وبعدَ الإسلامِ ازداد التباينُ بين مجتمعِهم وبين المجتمعِ الإسلامي، ولذلك حدّد الرسولُ (ص) موقفَ المسلمينَ منهم، وحدَّدَ لهم ما يجبُ أن يكون عليه وضعهمْ في علاقاتِهِمْ مَعَ المسلمين. فقد كتب (ص) بين المهاجرين والأنصار كتاباً ذكر فيه اليهودَ واشترط عليهم شروطاً، فكان الكتاب منهاجاً حددت فيه علاقاتُ قبائلِ اليهودِ مع المسلمين، بعد أن حددت علاقات المسلمين ببعضهم، وبمن تبعهم على أسس واضحة يكون الإسلام فيها الحكم. فاطمأن الرسول (ص) عند ذلك إلى بناء المجتمع الإسلامي في المدينة.
تكوين المُجتَمع وتنظيمُه عِندَ الشيوعيين
يقول الشيوعيون: إذا كنا نشاهد في مختلفِ أدوارِ تاريخِ المجتمعِ أفكاراً ونظريات مختلفة عن تنظيم المجتمعِ، وآراء وأوضاعاً سياسية متباينة، إذا كنا نجد تحت نظامِ الرقِّ هذه الأفكار والنظرياتِ عن تنظيمِ المجتمعِ، وتلك الآراء والأوضاع السياسية، بينما نجد غيرها في ظلّ الإقطاعية، وغيرها أيضاً في ظل الرأسمالية، فتفسيرُ ذلك ليس في طبيعةِ أو في خصائصِ الأفكارِ والنظرياتِ والآراء والأوضاع السياسية نفسها، بل في شروط الحياة المادية للمجتمع في مختلف أدوارِ التطورِ في المجتمع. فالموجود الاجتماعي على حدّ تعبيرهِم وشروط الحياة المادية للمجتمع هي التي تعين أفكارَ المجتمع ونظرياتِهِ وآراءَهُ وأوضاعَهُ السياسية. وقد كتب كارل ماركس في هذا الموضوعِ يقول: «ليس إدراكُ الناسِ هو الذي يحدّد معيشتَهُم، بل على العكسِ من ذلك، إن معيشتهم الاجتماعية، هي التي تحدّد إدراكَهُمْ». ومعنى ذلك أنَّ مفاهيمَ الإنسانِ عن الحياةِ ليست هي التي تسيّره في الحياة، بل الواقعُ الذي عليه المجتمعُ هو الذي يسيّره، لأن مفاهيمَهُ إنما هي انعكاسٌ لهذا الواقع، ومعنى هذا أن المفكرين ليسوا هم الذين ينهضون بالأمة، وإنما الواقع الذي عليه المجتمع هو الذي ينهض بها لأنَّ أفكارَ المفكرين انعكاس لهذا الواقع. ومعنى ذلك أيضاً أنَّ التشريعَ لا يضعُهُ الفقهاءُ والمشرعون لمعالجةِ الوقائعِ التي تحصل، وإنما الواقع الذي عليه المجتمع هو الذي يوجد التشريع، لأنه ينعكس على أدمغة المشرّعين فيشرعون التشريع، وإن العلومَ والمعارفَ إنما هي انعكاساتٌ لواقعِ المجتمع. هذا هو ما تعنيه النظريّةُ الديالكتيكيةُ من ناحيةٍ فكريةٍ ومن ناحيةِ تطبيقِ نظرياتِها في هذهِ الناحيةِ على درسِ الحياةِ في المجتمعِ وعلى درس تاريخ المجتمع.
غير أنَّ الشيوعيين لما رأوا أن أثرَ الأفكارِ والمفكرين في المجتمع لا يمكن إنكارُهُ، فإنهم اعترفوا بذلك، ولكنهم أولوه على شكلٍ ينسجمُ مع نظريتهم في تطبيقِ الفكرِ على المجتمعِ، ولذلك قالوا: إنه من أقوال كارل ماركس: «إن معيشة الناسِ الاجتماعية هي التي تحدد إدراكهم»، أي أن الأفكار والنظرياتِ الاجتماعيةَ والآراءَ والأوضاعَ السياسيةَ، ليس لها شأنها وأهميتها في الحياة الاجتماعيةِ، ويقولون نحن لم نتكلم حتى الآن إلا عن أصلِ الأفكارِ والنظرياتِ الاجتماعيةِ والآراء والأوضاعِ السياسية، وعن نشوئها وظهورِها، فقلنا إن حياةَ المجتمعِ الروحية هي انعكاس لظروف حياته المادية. أما من حيث أهمية هذه الأفكار والنظريات الاجتماعية. وهذه الآراء والأوضاعُ السياسية هي من حيث دورها في التاريخ. فالمادية التاريخية لا تنكر ذلك، بل إنها على العكس تشير إشارةً خاصةً إلى دورِها وأهميتِها العظيمين في الحياةِ الاجتماعيةِ وفي تاريخ المجتمعِ. وهذا يعني أنهم يسلمون بأهميةِ الفكرِ، ولكنهم بعد أن يسلموا بذلك تراهم يرجعون إلى كونه نتيجةً للحياة المادية، وليس هو الذي أثر في الحياة الماديةِ، ولذلك يقولون: «إن الأفكارَ والنظرياتِ الاجتماعيةَ والأوضاعَ السياسيةَ تتولد من المهماتِ العاجلةِ التي يضعها تطورُ الحياةِ الماديةِ للمجتمعِ، ثم تؤثر هي نفسها، فيما بعدُ، في المعيشةِ الاجتماعيةِ، وفي حياةِ المجتمع المادية بخلقها الشروطَ اللازمةَ لحل المسائلِ العاجلةِ الملحة في حياة المجتمع الماديةِ وجعل تطور المجتمع إلى الأمام ممكناً». أي أن الحياة الماديةَ هي التي تعطي الأفكارَ ثم تصبح لهذه الأفكار أهميتُها. فأهمية الفكر ليست آتية من أن الفكرَ من حيث هو فكرٌ يؤثر في المجتمعِ، بل آتيةٌ من حيث إن المجتمعَ هو الذي أعطى الفكرَ، ثم صارت لهذا الفكرِ الذي أعطاه المجتمعُ أهميَّةٌ في المجتمع، فيقولون: «إن الأفكار والنظرياتِ الاجتماعيةَ الجديدةَ لا تبرزُ إلا عندما يضعُ تطورُ الحياةِ الماديةِ للمجتمعِ مهماتٍ جديدةً أمام المجتمعِ، لكنها إذا ما برزت أصبحت قوةً ذاتَ أهميَّة من الدرجةِ العليا، تسهل إنجازَ المهمات الجديدة التي يضعها تطورُ الحياةِ المادّية للمجتمع وتسهل رقي المجتمع، وتبدو إذ ذاك خطورةُ الدورِ الذي تقوم به الأفكارُ والنظرياتُ الجديدةُ، والآراءُ والأوضاعُ السياسيةُ الجديدةُ. من حيث هي قوةُ تنظيمٍ وتعبئة وتحويل.
وفي الحقيقة أن الأفكارَ والنظرياتِ الاجتماعيةَ الجديدةَ إنما تظهر لأنها ضروريةٌ للمجتمع، فبدون عملها المنظمِ والمعبإ والمحول يستحيل حل المسائل العاجلة الملحة التي يقتضيها تطورُ الحياةِ المادية للمجتمع». وبهذا يتبين أن اعترافهم بأهمية الفكر ليس اعترافاً بأهميته في إيجاد المجتمع وتكوينه وجعله طرازاً خاصاً، وإنما اعتراف بأن المجتمع هو الذي أنشأ الأفكار، ثم صارت لهذه الأفكارِ أهميةٌ من حيث تبنّي الناس لها واتخاذها وسيلةً للتنظيم والتعبئةِ، فتكون أهميتُها عندهم ليس بالنسبة للمجتمع، بل بالنسبةِ لإعطائها للناس. أما بالنسبةِ للمجتمعِ فهي ناتجةٌ عنه، وليست موجدةً له أو مؤثّرةً فيه.
على أنَّ المشاهدَ المحسوس أن الشعوبَ والأممَ لا تنهضُ إلا عندما يوجد لديها مفكرون يرسمون لها الطريق، وأن الاشتراكية الماركسيةَ نفسَها أفكارٌ وجدت لدى مفكر ألماني، فهي ليست من واقعٍ روسيا، وأنها لو لم يحملها لينين ويكوّن عليها حزباً سياسياً عقائدياً لم يوجد النظام الاشتراكي في روسيا، وهذا وحدهُ كافٍ ليدحضَ القولَ بأن منشأ الأفكارِ والنظرياتِ والآراء السياسيةِ هو واقعُ المجتمع وليس المفكرين، ويثبت أن الفكر هو أساسُ نهضةِ المجتمعِ وهو أساسُ الأنظمةِ، وهو أساسُ الآراءِ والأوضاعِ السياسية.
وأبسطُ دليلٍ على ذلك أن البحث عن منشإ الحياةِ العقلية في روسيا حالياً وعن أصلِ الأفكارِ والنظرياتِ والآراءِ السياسيةِ فيها، إنما يكونُ في الأفكارِ الماركسيةِ وتفسيراتها وليس في حياةِ روسيا الحالية، ولا في حياةِ مجتمعها حين قامتِ الثورةُ الشيوعيةُ. فالفكرُ أساسُ الأنظمةِ وأساسُ النظرياتِ. وأساسُ الآراءِ السياسيةِ. وهو الذي يغير المجتمعَ، وهو الذي ينهضُهُ أو يؤَخّره، وهو الذي يكيّفُ العلاقاتِ على وضعٍ معيّن، وهو الذي يحدّد للإنسانِ سلوكَهُ في الحياةِ.
والحاصلُ هو أن نظريةَ الشيوعيين القائلة بأن معيشة الناس الاجتماعية هي التي تحدّدُ إدراكَهم باطلةٌ، لأن الواقعَ أن الأفكارَ التي يعتنقها الناس هي التي حددت معيشتَهم، وبعثة الرسول (ص) خير دليل على ذلك فإن معيشة العرب. حين جاء الإسلام، كانت مناقضة كلّ المناقضة للأفكارِ التي جاء بها، وجاءت أفكار الإسلام، فحددت هي لهم معيشتَهُم، وإن البلادَ التي فتحها المسلمون، كانت معيشة أهلها تناقض أفكار الإسلام، ولكنها طبقت على المجتمعاتِ التي فتحت كلها فغيرتها وجعلتها مجتمعاً واحداً، فمعيشةُ الفرسِ كانت خلافَ معيشةِ الروم، ومعيشةُ الرومِ خلافَ معيشةِ البربر، فجاءت أفكارُ الإسلام فغيرت الحياةَ الماديةَ في كلِّ هذه المجتمعات المختلفة، وجعلتها حياةً ماديةً واحدةً فيها كلها. فهذا الواقعُ المحسوس يثبت أن الأفكار هي التي غيرتِ الحياةَ المادية، أي هي حددت للناس معيشتَهمْ، سواءٌ حين نشأت هذهِ الأفكارُ، وذلك عند بعثة الرسول (ص) في جزيرةِ العربِ، أو حين حملت هذه الأفكار وطبقت على الناسِ، وذلك في الفتوحات الإسلامية.
وأما القولُ بأن أهميَّةَ الأفكار محصورةٌ في تبني الجماهير لها وتعبئتِهم بها يسهل إنجاز المهماتِ الجديدةِ وليس في إيجاد المجتمع، فإنّه خطأ، لأن أهميتَها في كونها تغير المجتمع وفي دفع الناس لتغييره وليس في دفعِ الناس لتغييره فقط. فالرسول (ص) نشأت عنده الأفكارُ بالوحي، فهو لم يأخذها من معيشته. ولا من المجتمعِ الذي كان يعيش فيه الناس الذين يعيش معهم. فهي لم تنشأ من الحياةِ الماديةِ قطعاً؛ والناسُ الذين تقبلوها في المدينة وطبقها عليهم لم تكن أهميتها في كونها تبنتها الجماهير الشعبية وعبئت بها هذه الجماهير ونظمت بها ضد القوى المتلاشية، وإنما أهميتُها في أنها غيرت حياتَهم الماديةَ وغيرت طرازَ معيشتهِم وأحدثت انقلاباً جذرياً في عقلياتهم ونفسياتهم وطريقة معيشتهم فأوجدت مجتمعاً جديداً. فأهميتُها كانت في الدرجةِ الأولى في إيجاد المجتمع وليس في سوق الناس للنضال ضد القوى المتلاشية، فهي التي أوجدت المجتمع الإسلامي في المدينة، ثم بعدَ ذلك كانت لها أهميةٌ في حملِ هذهِ الأفكارِ للناسِ وتطبيقِها عليهم، فهي في كلتا الحالتين: في إنشاءِ المجتمع لأول مرة، وفي إنشاءِ المجتمعِ في كل بلد فتح كانت أهميتُها ليس في تبني الناسِ لها فقط، بل كانت في الدرجةِ الأولى في إيجادِ المجتمعِ، فهي قد حددتِ المجتمعَ، وحملها الناس فطبقوها على أنفسِهمْ، فوجد بها المجتمع، ثم حملوها رسالةً للناس، فطبقوها عليهم، ثم أوجدوها عندهم، فأهميتُها في إيجادٍ المجتمعِ وتحويلِهِ وليس في تنظيمِ الناسِ فقط... وبهذا يبطلُ قولُ الشيوعيين إن الأفكارَ والنظرياتِ تتولدُ من المهماتِ العاجلةِ التي يضعُها تطورُ الحياةِ الماديةِ للمجتمعِ، ثم تؤثر هي نفسها في تسهيل المهماتِ الجديدةِ التي يضعُها تطورُ الحياةِ الماديةِ للمجتمعِ. وبطلان هذا القول بارزٌ من الواقع الذي دل على أن الأفكارَ هي التي أثرت في المجتمع فأوجدته وحوّلته، فكان تأثيرها ليس في أنها سهلت تحولَ المجتمعِ. بل بكونِها أوجدته من الأساس. ودل الواقع كذلك على أن هذهِ الأفكارَ التي أثرت في المجتمع وحولته لم تؤخذ من حياة المجتمع المادية، ولم تتولد من المهمات العاجلة التي وضعها تطورُ الحياةِ المادية للمجتمع، بل جاء بها الوحي من عند الله. أي هي أفكارٌ من خارجِ المجتمعِ الذي كان يعيش فيه الرسول، ومن خارجِ الحياةِ المادية للمجتمع الذي كان فيه. وهذا دليلٌ كافٍ لنقضِ هذهِ النظريةِ من هاتين الجهتين:
جهة تولّد الفكر والنظريات والأنظمة.
وجهة تأثيره وأهميته.
كيفَ يَنْهضُ المُجْتَمَع؟
وأخيراً؛ كيفَ ينهضُ المجتمعُ؟
إنّ العلاقاتِ لا تتمّ إلاّ إذا توحّدتِ المشاعرُ والأفكارُ، واتّفقتْ على نظامٍ معين، فعندَ ذاكَ تقومُ العلاقات، ويتكوّنُ المجتمعُ، ويُصبَغ بصبغةٍ معيّنةٍ، لا منْ حيثُ المجموعةُ البشريّةُ المكونةُ منهُ، بلْ منْ حيثُ الأفكارُ التي حملها هؤلاءِ البشرُ، والنظامُ الذي طُبّقَ عليهم والأحداث التي حرّكتْ مشاعرَهُمْ؛ وعندئذٍ نحكُمُ عليهِمْ ولا بدّ قبلَ الحُكْمِ منْ إلقاءِ الأسئلةِ الآتيةِ: هل الأفكارُ التي يحملونها أفكار إسلاميّةٌ أمْ لا؟ وهلِ الأحداثُ التي تهزّ مشاعرَهُمْ إسلاميّةٌ؟ وهلِ النظامُ الذي يطبق عليهم إسلامي؟ عند ذاك نستطيع أن نجزم أنّ هذا المجتمع مجتمع إسلاميّ. وهكذا بالنسبة للديمقراطيّةِ، وللاشتراكيّةِ الشيوعيّةِ. وفي حال صبغةِ المجتمعِ بلونٍ معيّنٍ يكونُ قد حُدّدِتْ أفكارُهُ في كلِّ ما يصدُرُ عنهُ، وفي كلّ شيءٍ يُطَبّقهُ. وعلى هذا يكونُ سلوكهُ منبثقاً عن اعتقادهِ ومفهومِهِ. ومن هنا رأينا أنّ العربَ عندما حدّدوا أفكارَهم بحدود الإسلامِ وصبَغُوا مجتَمَعَهُمْ بصِبْغَتِهِ، قد نهضوا نهضة بلغتْ حدّ الكمالِ؛ وهكذا الغربُ عندما حددَ أفكارَهُ، حقّقَ نَهْضَةً لأبنائهِ، والأمرُ كذلكَ بالنسبةِ لروسيّا؛ فالنهضةُ إذاً مرهونةٌ بتحديدِ الفكرِ، وتحديده هوَ الذي يحقّق النهضةَ. وعندئذٍ ينبثقُ السؤالُ الآتي: أيّ تحديدٍ يحقّقُ نهضةً صحيحةً؟ والجوابُ: كلّ تحديدٍ مبنيّ على الفطرةِ الإنسانيّةِ، يحققُ نهضةً صحيحةً.
مَنْ ينظرِ اليومَ إلى أوضاعِ العالمِ الإسلاميّ، ولاسيّما البلادُ العربيّةُ، يجزم بعدمِ وجودِ أيّةِ نهضةٍ، لأنّ المجتمعَ مشوّشٌ كلّ التشويشِ، ولا يستطيع أحدٌ أن يجزمَ بأنّ المجتمعَ ديمقراطيّ أو اشتراكيّ أو إسلاميّ، مع أنّ جلّ أهلهِ من المسلمينَ، لأنّ الأفرادَ يدينونَ بالإسلامِ ويحكمونَ بنظامٍ ديمقراطيّ ويدعونَ إلى الاشتراكيّةِ.
والمفروضُ على الموجّهينَ التوجيهَ الصحيح وتنقية الأجواءِ، وقيادة الجيلِ الصاعد، في الطريقِ القويمِ، هؤلاءِ الموجهونَ يقرّونَ التشويشَ، فيُصْدِرونَ كتباً، ويلقونَ محاضراتٍ تحت عنوانِ: الاشتراكيّة في الإسلام والديمقراطيّة في الإسلامِ، وما أشبه.
ومنْ هنا كانتِ البلادُ الإسلاميةُ بعيدةً كلّ البُعدِ عنِ النّهضةِ، لأنها تركتْ إسلامَها ولم تَعْمَلْ بالاشتراكيّةِ أو الديمقراطيّةِ؛ وبهذا المزج والتعقيدِ، تراهمْ لا يعرِفونَ متى يبدأُونَ، وإذا بدأُوا بشيءٍ لا يعرفون كيفَ ينتهونَ.


الأخْلاق
الشريعةُ الإسلاميّةُ أتتْ على ذكرِ الأنظمةِ ففصلتها تفصيلاً دقيقاً، كأنظمةِ العباداتِ والمعاملاتِ والعقوباتِ، ولكنها لم تجعلْ للأخلاق نظاماً مفصّلاً، بل تراها عالجتْ أحكامَ الأخلاقِ على أساسِ أنها أوامرُ ونواهٍ من اللَّهِ، ولم تجعلْ لها في الفقهِ باباً خاصاً، فلا تجدُ في كتبِ الفقهِ التي تحوي الأحكامَ الشرعيّةَ باباً يُسمّى بابَ الأخلاقِ، ولمْ يُعْنَ الفقهاءُ والمجتهدونَ بأمرِ الأحكامِ الخلقيّةِ في البحثِ والاستنباطِ.
والأخلاقُ لا تؤثرُ في قيامِ المجتمعِ بحالٍ، لأن المجتمعَ يقومُ على أنظمةِ الحياةِ، وتؤثرُ فيهِ الأفكارُ، وأما الخُلُقُ فلا يؤثر في قيام المجتمع ولا في رقيّهِ، بلِ المؤثرُ هوَ العُرْفُ العامّ الناجمُ عنْ مفاهيمِ الحياةِ، والمسيّر للمجتمع ليسَ الخلقُ، بل الأنظمةُ التي تُطبّقُ فيه، والأفكارُ والمشاعرُ التي يحملُها الناسُ؛ والخلقُ ذاتُهُ ناجمٌ عنِ الأفكارِ ونتيجةٌ لتطبيقِ النظامِ، كالصدقِ في البيعِ، فلا تحصلُ فيهِ قيمةٌ خلقيّةٌ، لأنها لم تكن مقصودةً منَ القيامِ بالعملِ، بل كانتْ هذهِ الصفةُ حاصلةً من نتيجةِ العملِ.
لذلكَ فإنّ المسلمَ لا يتصفُ بالصدقِ لذاتِ الصدقِ، بل يتصفُ بهِ لأنّ اللَّهَ أمرَ به، وهوَ ولا ريب، يُحَقّقُ القِيَمَ الخُلقيّةَ.
وعلى ذلك فلا تجوزُ الدعوةُ إلى الأخلاقِ في المجتمعِ، لأنّ الدعوةَ إلى الأخلاقِ قلبٌ للمفاهيمِ الإسلاميّةِ عنِ الحياةِ، وإبعادُ الناسِ عن تفهّمِ حقيقةِ المجتمعِ ومقوماتهِ، وتخديرٌ لهمْ بالفضائلِ الفرديّةِ، ممّا يؤدي إلى الغفلةِ عنِ الوسائلِ الحقيقةِ لرقيّ الحياةِ.


الدسْتور والقَانون
كلمةُ القانون اصطلاحٌ أجنبيّ؛ ومعناهُ الأمرُ الذي يُصدرهُ الحاكمُ ليسيرَ عليهِ الناسُ.
تعريف القانون: القانونُ هو «الأحكام الخاصة».
تعريف الدستور: الدستورُ هو: «الأحكامُ العامّةُ» أو هو «القانونُ الذي يُحَدّدُ شكلَ الدولةِ ونظامَ الحكمِ فيها؛ ويبينُ حدودَ اختصاصِ كلِّ سلطةٍ» أو هو «القانونُ الذي ينظمُ السلطةَ العامةَ ويحدد علاقتها بالأفرادِ، ويبين حقوقها وواجباتها، وحقوقهم وواجباتهم».
مَصَادِرُ الدستور وَالقانون
مصادرُ الدستورِ قسمان: الأول: هو المنبعُ الذي تفرّعَ منهُ الدستورُ والقانونُ مباشرةً كالعاداتِ والدين وآراءِ الفقهاءِ وأحكامِ المحاكمِ وقواعدِ العدلِ والإنصافِ، ويسمى هذا المصدرُ بـ «المصدرِ التشريعيّ»؛ مثل دساتيرِ بعضِ الدولِ الغربيّةِ، كأميركا وبريطانيا.
الثاني: المشتقّ منهُ أو الذي نُقِلَ عنهُ الدستورُ أو القانونُ مثل دستور فرنسا ودساتير بعض الدول القائمةِ في العالم الإسلاميّ كمصر وتركيّا والعراق ويسمّى هذا بالمصدر التاريخيّ.
منشأ الدّستور وَالقانون
منشؤهما جمعيّةٌ تأسيسيّةٌ تضعُ الدستورَ، ومجالسُ منتخبةٌ منَ الشعبِ تسنّ القوانينَ لأنّ الشعبَ عندهمْ مصدرُ السلطاتِ؛ والسيادةُ للشعبِ.
وأما الدستورُ والقوانينُ الإسلاميّةُ فإن مصدرها الكتابُ والسنّةُ واجتهادُ المجتهدينَ، والاجتهادُ استنباطُ الأحكامِ الشرعيّةِ وهو حقّ لجميعِ المسلمينَ وفرضُ كفايةٍ عليهم، وللخليفةِ وحده حقُّ تبنيّ الأحكامِ الشرعيّةِ، والسيادةُ في الإسلامِ للشرعِ وحدهُ.


الفَرق بَيْن الحَضارةِ والمَدنيّة
الحضارةُ: هي مجموعةُ المفاهيمِ النابعة من وجهةِ النظرِ إلى الحياةِ.
المدنيّة: هيَ الأشكالُ الماديّةُ للأشياءِ المحسوسة التي تُستعمَلُ في شؤونِ الحياةِ، والمدنيّةُ خاصّةٌ وعامّةٌ، فالمدنيّةُ الغربيّةُ الناشئةُ عنِ العلمِ والصناعةِ كأدواتِ المُختَبراتِ والآلاتِ الزراعيّةِ والصناعيّةِ ونحوها، والأثاثِ ولوازمِ البيتِ، وما شاكَلَها؛ أشكالٌ مدنيّةٌ عالميّةٌ لا يُراعى في أخذها أيّ شيءٍ، لأنّها ليستْ ناشئةً عنِ الحضارةِ ولا تتعلّقُ بها. وأمّا المدنيّةُ الغربيّةُ الناجمةُ عنِ الحضارةِ الغربيّةِ فلا يجوزُ أخذُها لأنّها تتناقضُ معَ الحضارةِ الإسلاميّةِ في الأساسِ الذي تقومُ عليهِ كلّ المناقضةِ، ولا تتفقُ معها، فالحضارةُ الغربيّةُ تَعتَبرُ صورةَ المرأةِ العاريةِ بكلِّ ما فيها من مفاتن شكْلاً مدنيّاً يتفقُ معَ مفاهيمِها في الحياةِ عنِ المرأةِ. أوْ شكلاً فنيّاً، ولذلك يعتبرها الغربيّ قطعةً فنيّةً يعتزّ بها كشكلٍ مدنيٍّ توفّرَتْ فيها شروطُ الفنّ، ولكنّ هذا الشكلَ يتناقضُ معَ حضارةِ الإسلامِ ويُخالِفُ مفاهيمهُ عن المرأةِ باعتبارها عرضاً يجبُ صيانتُهُ، ولذلكَ يمنعُ هذا التصوير لأنّهُ يُسَبّبُ إثارَةَ الغريزةِ الجنسيّةِ. ويؤدّي إلى فوضويّةِ الأخلاقِ. وكذلكَ إذا أراد المسلمُ أن يبنيَ بيتاً فإنّهُ يراعي فيهِ عدمَ انكشافِ المرأةِ في حالِ تبذّلها فيهِ، كما هوَ الحالُ في خارجِ البيتِ فيُقيمُ حوْلَهُ سوراً، بخلافِ الغربيّ الذي لا يُراعي ذلكَ، بلْ يسيرُ وفق حضارتهِ وكلّ ما نتجَ منَ الأشكالِ المدنيّةِ عنِ الحضارةِ الغربيّة كالملابسِ والتماثيلِ ونحوها، يتحرّكُ في إطارِ الحضارةِ المذكورةِ. وهيَ حضارةٌ تقومُ على أساسِ فصْلِ الدينِ عنِ الحياةِ وإنكارِ أنّ للدينِ أثراً في الحياةِ، أو بعبارةٍ أُخرى. فصل الدّينِ عنِ الدولةِ، وهدف الحياةِ في هذه الحضارة المنفعة. ولذلكَ كانَتِ السعادةُ عندهُمْ إعطاءَ الإنسانِ أكبرَ قسطٍ منَ المُتْعَةِ الجسديّةِ، وتوفيرَ أسبابِها لهُ. ومن هنا كانتْ حضارتُهمْ نفعيّةً بحْتةً لا تقيمُ لغيرها أيّ وزنٍ ولا تعترفُ إلا بنفسها فقطْ، وأما الناحيةُ الرّوحيّةُ فهيَ فرديّةٌ لا شأنَ للجماعةِ بها، وتكادُ تكونُ محصورةً بالكنيسة. وبناءً على ذلكَ كانتِ الأعمالُ الإنسانيّةُ تابعةً لمنظّماتٍ منفصلَةٍ عنِ الدولةِ كمؤسّسةِ الصليبِ الأَحمرِ، والإرساليّاتِ التبشيريّةِ، ولذلكَ لا توجدُ ولا تعرِفُ الحضارةُ الغربيّةُ القيمَ الأخلاقيّةَ أوِ الروحيّةَ أوِ الإنسانيّةَ، بلِ القيَمَ الماديّةَ والنفعيَّةَ فقطْ. وأمّا الحضارةُ الإسلاميّةُ فتقومُ على أساسٍ روحيّ؛ وهو العقيدةُ الإسلاميّةُ. وأمّا تصويرُ الحياةِ في الحضارةِ الإسلاميّةِ، فإنّهُ يتمثّلُ في فلسفةِ الإسلامِ التي انْبَثَقَتْ عنِ العقيدةِ الإسلاميّةِ، وهي مزْجُ المادّةِ بالرّوحِ، أيْ جعلُ الأعمالِ مُسَيّرَةً بأوامرِ الله ونواهيهِ. فالعملُ الإنسانيّ مادّةٌ، وإدراكُ الإنسانِ صلتَهُ بالله حينَ قيامهِ بالعملِ منْ حيثُ كونُه حلالاً أو حراماً هو الرّوحُ، وبذلكَ تمتزجُ المادّةُ بالرّوحِ. وبناءً على ذلكَ كانتْ أوامرُ الله ونواهيهِ، هيَ المحرّك لأعمالِ المسلمِ، وهيَ أعمالُهُ الخاضعةُ لطَلَبِ الله نهْياً كانَ أو أمراً، ولا علاقَة لذلكَ بالنفعيّةِ. أمّا القَصْدُ منَ القيامِ بالعملِ نفسهِ فلا يتعدّى القيمةَ التي يُراعى تحقيقها حينَ القيامِ بالعملِ. والقيمةُ مختلفةٌ باختلافِ العملِ؛ فقد تكونُ ماديّةً كالتجارةِ بقصدِ الرِّبحِ، والتجارةُ عملٌ ماديٌّ يسيرُهُ إدراكُهُ القائمُ على صلَة بالله حسبَ أوامرِهِ ونواهيهِ ابتغاءَ رضوانِهِ سُبحانهُ وتعالى. والقيمةُ التي يُراعى تحقيقها منَ القيامِ بالعملِ هي الرّبْحُ، وهوَ قيمةٌ ماديّةٌ، وقد تكون القيمةُ رُوحيّةً كالحجِّ والصّيامِ والصّلاةِ، وقدْ تكونُ أخلاقيّةً كالأمانةِ والصّدقِ والوَفاءِ، وقدْ تكونُ إنسانيّةً كإغاثةِ الملْهوفِ. وأمّا السعادة فإن الإسلام جعل لها معنى حقيقياً في نظر المسلمين.
فبعد أن كانت السعادةُ عندَ الناسِ إشباعَ الجوعِ وإعطاءَ الجسدِ متعَةً، صارت السعادةُ هي نوالَ رضوانِ الله، لأن السعادةَ هي الطمأنينةُ الدائمةُ للإنسان، وهي لا تتأثر بالملذات ولا بالشهوات، وإنما تتأثر بنوال رضوان رب العالمين.
وهكذا فإن الإسلام أثّر في وجهة نظر الشعوب الذين اعتنقوه من حيث الاعتقاد، ومن حيث الأعمال التي يقومون بها في هذه الحياة، وغيّر مراتب الأشياء فرفع من مرتبة أشياء وخفض مرتبة أخرى، فبعد أن كانت الحياة هي أعلى مرتبة عند الإنسان، والمبدأ هو أقل مرتبة منها، قلب هذه المراتب، فجعل المبدأ في المرتبة الأولى، لأنه أغلى قيمة من الحياة؛ وبذلك وضعت الأشياء في المراتب اللائقة بها، فصارت الحياةُ سامية وصار المسلمُ يشعُرُ بالطمأنينة الدائمة. وبذلك تغيرت المثل العليا عند الناس، فبعد أن كانت لتلك الشعوب مثل عليا متعددة، متغيرة، صار لهم مثل أعلى واحد ثابت، وتبعاً لتغيّرِ المثل العليا عند الشعوبِ والأممِ تغيّرتْ معاني الأشياءِ عندهم عما كانتْ عليه، وتغير مفهومُ الفضائلِ. فالشجاعةُ الشخصيةُ، والشهامةُ الفردية، والمناصرة العصبية، والتفاخر بالأموال والأحساب والكرم إلى حدِّ الإسرافِ، والإخلاصُ للقوم، والقسوةُ في الانتقام والأخذُ بالثأر، وما شاكل. كل هذا كان من أصولِ الفضائلِ عند العرب. فلما جاء الإسلامُ لم يتركْها كما هي عليه، بل جعلها صفاتٍ يتصف الإنسانُ بها إجابةً لأمرِهِ تعالى، لا لذاتِ هذه الفضائل، ولا لما فيها من منافعَ، ولا لما تجره من مفاخرَ، ولا لأنها عاداتٌ وتقاليدُ وتراثٌ ينبغي أن يحافظَ عليه. ثم جعل الخضوع لله ولأوامرِهِ ونواهيهِ أصلاً لكلِّ الفضائلِ؛ فأوجب إخضاعَ منافعِ الفردِ والقبيلةِ والشعبِ والأمةِ لأوامرِ الإسلام.
وهكذا نقل الإسلامُ عقليةَ الشعوبِ التي اعتنقته، كما نقل نفسيتَهُمْ؛ فأصبحوا، بعدَ دخولِهِمْ في الإسلام، غيرَهُمْ قبلَ دخولِهِ. ثم صاروا يعرفون أن للحياة معنًى خاصّاً هو السموُّ والكمال، فأضحى لهم مثلٌ أعلى واحدٌ ثابتٌ هو رضوان الله سبحانه وتعالى. وأيقنوا أنَّ نيلَ هذا المثلِ الأعلى، هو السعادةُ. وليستْ إشباعَ جوعِ الإنسانِ، لأن إشباعَهُ لازمٌ للمحافظةِ على ذاتهِ ولا علاقةَ لذلكَ بالسّعادةِ، وهذا هو الأساسُ الذي يقومُ عليهِ كما أنّهُ الأساسُ للحضارة الإسلاميّةِ. ونظرةٌ سريعةٌ للحضارةِ الغربيّةِ تُرينا أنّها عاجزةٌ عنْ ضمانِ السعادةِ للإنسانيّةِ والطمأنينةِ، بلْ إنّها على العكسِ منْ ذلك سبّبَتِ الشّقاءَ الذي يتقلّبُ فيهِ عالمُ اليومِ ويسيرُ على أشواكهِ، ويصْطلي بنارهِ.
والحضارةُ التي تقفُ في وجهِ الفِطرَةِ الإنسانيّةِ، فَتَفْصِلُ الدينَ عنِ الدولةِ، ولا تُقيمُ للناحيةِ الرّوحيّةِ وزْناً في الحياةِ العامّةِ، وتحصرُ الحياةَ بالمنافِعِ الماديّةِ، لا تُنْتِجُ إلا شقاءً وقَلَقاً دائمينِ، فما دامتِ المنفعةُ هيَ الأساس، فالتنازعُ عليها طبيعيّ، والنضالُ في سبيلها طبيعيّ، والاعتمادُ على القوّةِ في إقامةِ الصِّلاتِ بينَ البشرِ طبيعيّ، ولذلكَ يبقى الاستعمارُ قائماً في طبيعةِ هذهِ الحضارةِ وأهلها ما دامتِ المنفعةُ وحدها أساسَ الحياةِ. نظرةٌ أُخرى إلى الحضارةِ الإسلاميّةِ التي سيطرتْ على العالم منذُ القرْنِ السادسِ الميلاديّ حتى أواخرِ القرنِ الثامنِ عشر تُرينا أنها لمْ تكُنْ مستعمِرَةً ولا الاستعمارُ منْ طبعِها لأنّها لمْ تُفَرّقْ بينَ المسلمينَ وغيرِهِمْ، وقدْ ضَمِنَتِ العدالةَ لجميعِ الشعوبِ التي دانتْ لها طولَ مُدّةِ حُكْمِها لأنّها حضارَةٌ تقومُ على الأساسِ الروحيّ الذي يحقّقُ جميعَ القيمِ من ماديّةِ وروحيّةٍ وأخلاقيّةٍ وإنسانيّةٍ.
فعلى العالم أن يتمثّلَ بهذهِ الحضارةِ لأنّها قادرةٌ على حلّ الأزَماتِ القائمةِ كلّها، وهيَ تكفلُ الرّفاهيّةَ للناسِ جميعاً.
ألمْ يَأنِ للعالمِ اليومَ أنْ يثوبَ إلى رشدِهِ ويتوبَ إلى بارئهِ فيعودَ ويتمسّكَ بهذِهِ الحضارةِ كما تمسّكَ بها منْ قبل ما دامتْ قادرةً على حلِّ جميع أزَماتِهِ المُعَقّدَةِ.


عُلوم النفسِ والاجتِماع والتربيَة
لدى الناسِ تشابكٌ بينَ الأفكارِ الاستنتاجيّةِ المُستمدّةِ منَ الطريقةِ العقليّةِ، والأفكارِ العلميّةِ المستمدّةِ منَ الطريقةِ العلميّةِ. وبناءً على هذا التشابكِ يعتبرونَ الأبحاثَ في النفسِ والاجتماعِ والتربيةِ علْماً، ويعتبرونَ أفكارَها أفكاراً علميّةً. لأنّها قامَتْ على ملاحظاتٍ جرَى تتبّعها على الأطفالِ في ظروفٍ مختلفةٍ وأعْمارٍ مختلفةٍ. أوْ على جماعاتٍ مختلفةٍ، في ظروفٍ مختلفةٍ، أو على أعمالٍ مختلفةٍ لأشخاصٍ مختلفينَ في ظروفٍ مختلفةٍ، فسمّوا تَكرارَ هذه الملاحظاتِ تجاربَ. والحقيقةُ أنّ أفكارَ علومِ النّفسِ، والاجتماعِ، والتربيةِ، ليْسَتْ أفكاراً علميّةً، لأنّ التجاربَ العلميّةَ هيَ إخضاعُ المادّةِ لظروفٍ وعواملَ غيرِ ظروفها وعوامِلِها الأصليّةِ، ثمّ ملاحظة أثرِ هذا الإخضاعِ، أي إجراءُ التجارب على نفسِ المادّة كتجاربِ الطبيعيةِ والكيمياءِ.
أمّا ملاحظةُ الشيءِ في أوقاتٍ وأحوالٍ مختلفةٍ كملاحظةِ الطّفلِ مثلاً في أحوالٍ وأعمارٍ مختلفةٍ، وملاحظةِ الجماعاتِ في بلدانٍ وظروفٍ مختلفةٍ، فلا تدخلُ في بحثِ التجاربِ العلميّةِ، ولا يُعتبرُ طريقةً علميّةً، بل ملاحظةً وتكرارَ ملاحظةٍ واستنتاجٍ فحسب؛ ولذلك طريقة عقليّة، وعلى هذا فإن أفكار ما يسمى علم النفس وعلم الاجتماع وعلوم التربية أفكار عقلية، تدخلُ في الثقافةِ، ولا تدخلُ في العلمِ.
على أنّ علومَ النفسِ والاجتماعِ والتربيةِ، أمورٌ ظنيّةٌ قابلةٌ للخطإ. وليستْ منَ الأمورِ القطعيَّةِ، فلا يصحّ أنْ تُتّخذَ أساساً للحُكْمِ على الأشياءِ، ولا يجوزُ أن يُسْتَدلّ بها على صحةِ الأشياءِ، أو عدمِ صحّتِها، لأنها ليستْ من قبيلِ الحقائقِ العلميّةِ، أو القوانينِ العلميّةِ؛ بلْ هيَ معارف ظنيّة. وهي، وإنْ تُوصّل إليها بالطريقةِ العقليّةِ، ولكنّها ليستْ من قبيلِ الحكمِ بوجودِ الأشياءِ، بلْ من قبيلِ الحكمِ على حقيقةِ الشيءِ. وهذا الحكمُ ظنيّ قطعاً، فيهِ قابليّةُ الخطإ.
على أن هذه المعارفَ الثلاثَ: علوم النفس، والاجتماع، والتربية، مبنيّة على أُسسٍ مغْلوطةٍ، وهذا ما جعل كثيراً من الأفكارِ التي احتوتها، أفكاراً مغلوطةً، لأنّ علمَ النفسِ مبنيّ في جملتهِ على نظرتهِ للغرائزِ وللدماغ، حيثُ ينظرُ إلى أنّ في الإنسان غرائزَ كثيرةً، منها ما اكتُشِفَ ومنها ما لم يُكتشفْ، وبنى علماءُ النفسِ على هذهِ النظرةِ للغرائزِ نظرياتٍ خاطئةً، فكان ذلكَ من الأسبابِ التي أدّتْ إلى الخطإ في كثيرٍ من الأفكارِ الموجودةِ في علمِ النفسِ. أمّا الدّماغُ، فعِلْمُ النفسِ يعتبرُهُ مُقَسّماً إلى مناطقَ، وكلّ منطقة لها قابليّةٌ خاصّةٌ، وفي بعضِ الأدمغةِ قابليّاتٌ ليستْ موجودةً في أدمغةٍ أُخرى، وبناءً على ذلكَ فإنّ بعضَ الناسِ فيهم قابليّةٌ لفَهْمِ اللغاتِ، وليس فيهم قابليّةٌ لفَهْم الرياضياتِ، وعلى العكسِ. وهكذا بُنِيَتْ هذهِ النظرةُ الخاطئةُ على نظريّاتٍ خاطئةٍ.
والحقيقةُ في هذا كلّهِ: أنّ المشاهدَ بالحسّ من تتبّعِ الرّجْعِ، أو ردِّ الفعلِ، أنّ في الإنسانِ طاقةً حيويّةً لها مظهرانِ:
المظهر الأول: يَتَمَثّلُ في الحاجاتِ العضويّةِ، كالجوعِ والعطشِ وقضاءِ الحاجةِ.
المظهر الثاني: يتمثّلُ في الغرائز الثلاثِ: التدينِ، والنوع، وغريزةِ البقاءِ؛ وهذهِ الغرائزُ هيَ الشعورُ بالعجزِ، والشعورُ ببقاءِ النوعِ، وببقاء الذاتِ، ولا يوجدُ غيرُ ذلكَ. وما عدا هذا يكونُ مظاهرَ لهذهِ الغرائزِ فقط.
وأمّا منْ ناحيةِ الدماغِ فالحقيقة أنّهُ واحدٌ، وأنّ تفاوتَ الأفكارِ واختلافَها، تابعٌ لتفاوُتِ المحسوساتِ والمعلوماتِ السابقةِ واختلافها، ولقوّةِ الرّبطِ، ولا توجَدُ في دماغٍ قابليّةٌ لا توجدُ في الآخرِ، بل في جميعِ الأدمغةِ قابليّة التفكير في كلّ شيءٍ، والأدمغةُ تتفاوتُ في قوةِ الرّبطِ وفي قوّةِ الإحساسِ، كما تتفاوتُ الحواسّ الخمسُ قوّةً وضعفاً.
ولذلكَ يمكنُ إعطاءُ كلِّ فرْدٍ معلوماتٍ، وفيهِ قابليّةٌ لهضمِها، ولا أساسَ لما جاءَ في علمِ النّفسِ منَ القابليّاتِ للأدمغةِ.
بناءً على ذلكَ فاعتبارُ علمِ النفسِ للغرائزِ والدماغِ هو اعتبارٌ خاطىءٌ. أدّى إلى خطإ النظريّاتِ التي بنيتْ على أساسِها.
علم الاجتِماع
أمّا علمُ الاجتماع فمبنيّ في جملتهِ على نظرتهِ للفردِ والمجتمعِ، إنها مبنيّةٌ على الفِطْرَةِ الفرديّةِ. ولهذا تنتقلُ من الفردِ إلى الأسرةِ، وإلى الجماعةِ، وإلى المجتمعِ، على اعتبارِ أَنّ المجتمعَ مكوّنٌ من أفرادٍ، ولهذا تَعتبرُ المجتمعاتُ منفصلةً، وما يصلحُ لمجتمعٍ لا يصلحُ لآخر، وبنى علماءُ الاجتماعِ على هذه النظرةِ نظريّاتٍ خاطئةً، وكانَ ذلكَ هوَ السبب الرئيسيّ الذي أدّى إلى الخطإ في نظراتِ علمِ الاجتماعِ.
وأمّا ما جاءَ في علمِ الاجتماعِ عنِ الجماعةِ من أنّ الجماعةَ أسرعُ إدراكاً للأمورِ وأقوى إثارةً للمشاعرِ منَ الفردِ الواحدِ. فصحّةُ هذا القولِ لمْ تأتِ من ناحيةِ النظرةِ إلى المجتمعِ، وإنما أَتَتْ منْ حيثُ غلبةُ المعلوماتِ الكثيرةِ المتكرّرةِ على المعلوماتِ الفرديّةِ.
كلّ ما بُنيَ إذاً على النظرةِ إلى المجتمعِ فاسدٌ، وما صحّ منهُ تأتي صحتهُ من كونهِ ناتجاً عن سببٍ آخرَ، لا عنِ النظرةِ إلى المجتمع، وعليه فإنّ علمَ الاجتماعِ فاسدٌ، لأنّهُ مبنيّ على نظرةٍ فاسدةٍ، وهيَ النظرةُ إلى المجتمعِ والفردِ.
عُلوم التربيّة
علومُ التربيةِ مبنيّةٌ على «علمِ النفسِ»، ومتأثّرةٌ بنظريّاتِ علمِ الاجتماعِ بعدما لوحِظَتْ أعمالُ الأفرادِ وأحوالُ الأطفالِ مما جعلَ الصحيحَ يختلطُ بالفاسد فيها، وما بنيَ على علم النفس، وتأثّر بعلمِ الاجتماعِ فهوَ فاسدٌ.
وفسادهُ أدّى إلى الوقوع بأفكارٍ تربويّةٍ فاسدةٍ، أدّتْ إلى فسادِ مناهج التعليمِ وطرقهِ. فاعتبارُ الطفل غيرَ قابلٍ لبعض العلومِ، وقابلاً للبعضِ الآخرِ هوَ اعتبارٌ فاسدٌ. ولذلك كانَ تقسيمُ التعليمِ إلى علميّ وأدبيّ تقسيماً فاسداً. وقد أدّى إلى حرمانِ الكثيرينَ منْ تعلّمِ بعضِ العلومِ وحرمانِ الكثيرين منْ مواصلةِ التعليمِ.
أمّا ما بُنيَ من علوم التربيةِ على ملاحظةِ الأطفالِ، وأعمالِ الأفرادِ في ظروفٍ وأحوالٍ مختلفةٍ، فما كانَ منها مُوافقاً للواقع، كالتعبِ والرّاحةِ والنشاطِ الذهنيّ وما شاكلَ ذلكَ، كانَ صحيحاً في جملتهِ، وما كانَ منها غيرَ موافقٍ للواقعِ، لتقسيمِ السنَةِ إلى ثلاثةِ فصولٍ، وإعطاءِ أربعةِ أشهرٍ عطلةً للتلميذِ، والامتحاناتِ وما شاكلها، فإنّهُ خطأ في جملتهِ.
ومنْ هنا جاءَ خطَأُ النظريّاتِ التربويّةِ، وفسادُ علومِ التربيةِ في جملتها، ولا سيّما ما بُنيَ على علمِ النفسِ، وتأثَّرَ بعلمِ الاجتماعِ.


العمَل برأي الأكثرية ومتى يجوز
أيجبُ الأخذُ برأي الأكثريّةِ بقطعِ النّظرِ عن كونهِ صواباً أو خطأ؟ أمْ يجبُ الأخذُ بالرأي الصوابِ بقطعِ النظرِ عن كونهِ رأيَ الأكثريّةِ أو الأقليّةِ أو الواحدِ؟
ولمعرفةِ الجوابِ على ذلكَ يتحتّمُ فَهْمُ واقعِ الرأي، وفَهْمُ الأدلّةِ الشرعيّةِ التفصيليّةِ الواردةِ في أخذِ الرأي، وتطبيق الأدلّةِ على واقِع الرأي تطبيقاً تشريعيّاً.
واقعُ الآراءِ في العالمِ، لا يخرجُ عن أربعةٍ لا خامسَ لها؛ وكلّ رأي في الدنيا يكونُ إمّا واحداً من هذهِ الآراءِ، أو متفرّعاً عن أحدها، أوْ منْدرجاً تحتَ واحدٍ منها، وهذه الآراءُ الأربعةُ هيَ:
1 ـ أن يكونَ الرأيُ حكماً شرعيّاً، أي رأياً تشريعيّاً.
2 ـ أن يكونَ تعريفاً لأمرٍ منَ الأمورِ، إمّا تعريفاً شرعيّاً، لتعريفِ الحكمِ الشرعيّ ما هوَ، أو تعريفاً لواقعٍ كتعريفِ العقلِ، وتعريفِ المجتمعِ، وما شاكلَ ذلكَ.
3 ـ أنْ يكونَ رأياً يدلّ على فكرٍ في موضوعٍ، أو على فكرٍ في أمرٍ فنيٍّ، يدركُهُ ذوو الاختصاصِ.
4 ـ أنْ يكونَ رأياً يُرشِدُ إلى عملٍ من الأعمالِ للقيامِ بهِ.
هذهِ هي الآراءُ في الدّنيا، وهذا هو واقعها.
والسؤالُ الذي يطرحُ نفسهُ: هل يُرَجّحُ رأيُ الأكثريّةِ دونَ النظرِ إلى الصّوابِ والخطإ، أم يؤخذُ بالصّوابِ وإن خالفَ رأيَ الأكثريّة؟ حتى نصِلَ إلى الجوابِ لا بدّ أنْ نستعرضَ الأدلّةَ التي وردت في القرآنِ الكريمِ والحديثِ الشريفِ أوّلاً، ثمّ نطبّقُ هذه الأدلّةَ على هذهِ الآراءِ.
نجدُ أن الرسولَ (ص) قد جمعَ يومَ معركةِ أُحُدٍ أهْلَ الرأيِ منَ المسلمينَ، ورأى بعْدَ المشورَةِ أن يَتَحَصَّنُوا بالمدينةِ، وأن يتركوا قريشاً خارجَها، وكانَ ذلكَ رأي كبارِ الصحابةِ، بينما كان رأيُ الفتيانِ ذوي الحميّةِ مهاجمة العدوّ وملاقاته قبلَ وصولهِ إلى المدينة.
وكانتِ الكثرةُ بجانبِ الفتيانِ، فنزلَ الرسولُ عندَ رأيهمْ، واتّبعَ رأيَ الأكثريّةِ، وعملَ بهِ وتركَ رأيهُ، ورأيَ كبارِ الصّحابةِ لأنّهمْ أقليّة. إلا أننا نراهُ نزلَ عندَ رأيِ الواحدِ، واكتفى بهِ حينَ وجدَ الصوابَ بجانبهِ. وكانَ ذلكَ حينَ نزلَ، ونزلَ المسلمونَ معه، عند أدنى ماءِ بدر، لم يرضَ الحُبابُ بنُ المنذر بهذا المنزلِ، وقال للرسول:
«يا رسولَ الله أرأيتَ هذا المنزلَ، أمنزلاً أنْزَلَكهُ اللَّهُ، ليس لنا أن نتعدّاه ولا نُقَصِّرَ عنهُ، أمْ هو الرّأيُ والحربُ والمكيدةُ؟
قالَ الرسولُ(ص):
بل هوَ الحرْبُ والرأيُ والمكيدةُ؛ فقالَ يا رسولَ اللَّهِ، إنّ هذا ليسَ بمنزلٍ، ثمّ أشارَ إلى مكانٍ. وما لبثَ الرسولُ أنْ قامَ ومَنْ معهُ واتّبَعَ رأيَ الحباب.
ونرى الرسولَ في غزوةِ الحُدَيْبِيَةِ تمسّكَ برأيهِ وحدهُ، ولم يأخذْ برأي أبي بكرٍ وعمر وقال لهما: «إنّي عبْدُ اللَّهِ ورسوله وَلَنْ أُخالفَهُ ولَنْ يُضَيّعَني».
من ذلكَ نرى أن الرسولَ تمسكَ برأيهِ مرّةً، وتخلّى عنهُ مرّةً، ونزلَ عندَ رأي الأكثريّةِ مرّةً أُخرى.
وإذا طبّقنا الأحكامَ الثلاثةَ التي استنبطتْ منْ فعلِ الرسولِ وقولهِ على واقِعِ الآراءِ في العالمِ اليومَ، نجدُ ما يلي:
1 ـ الحكْمُ الشرعيّ ترجحُ فيهِ قوّةُ الدليلِ فقط، لأنّ الرسولَ (ص)، رجّحَ ما نزلَ من الوحي، ورفضَ غيرَهُ رفضاً قاطعاً، ولذلكَ قالَ: «إني عبدُ اللَّهِ ورسوله، ولنْ أُخالِفَ أمرهُ».
2 ـ إنّ التعريفَ إذا كانَ جامعاً مانعاً أي محيطاً بكلِّ شيءٍ بحيثُ لا يستطيعُ أحدٌ أن ينقص منهُ شيئاً ولا يزيد عليهِ شيئاً، فهذا الذي يجبُ أن يؤخذ من أي جهةٍ كانت لأنهُ وصفٌ للواقع.
3 ـ الرأي الذي يدلّ على فكرٍ في موضوعٍ يُرَجّحُ فيهِ جانبُ الصّوابِ وذلكَ كمسألةِ النهضةِ مثلاً.
أتكونُ بالرقيّ الفكريّ أو الاقتصاديّ؟.
هلِ الوضعُ الداخليّ والموقفُ الدوليّ مؤاتٍ للقيامِ بأعمالٍ سياسيّةٍ أو بأعمالٍ عسكريّةٍ معَ الأعمالِ السياسيةِ، أم لا؟ إنّ هذا كلّهُ يرجَع فيهِ إلى الصّوابِ إذ مهما كانَ نوعهُ، يدخل تحتَ قولِ الرسولِ (ص): «بلْ هو الرأيُ والحربُ والمكيدةُ».
ومثلُهُ الرأيُ الفنيّ، لأنّ الرسولَ حينَ رجعَ إلى رأي الحباب بن المنذر كانَ الحبابُ عليماً بذلكَ المكانِ، فرجعَ إليهِ لخبرتهِ، ولذلكَ يُرْجَعُ بالرأي الفنيّ إلى الصّوابِ.
4 ـ إنّ الرأيَ الذي يُرشِدُ إلى القيامِ بعملٍ منَ الأعمالِ، يُرجّحُ فيهِ رأيُ الأكثريّة، لأنّهُ (ص)، نزلَ هوَ وكبارُ الصحابةِ عندَ رأي الأكثريّةِ.
كلّ رأي يُرشدُ إلى القيامِ بعملٍ منَ الأعمالِ يُرَجّحُ فيهِ جانبُ الأكثريّةِ، كانتخابِ رئيسٍ أو عزلِ والٍ أو إقرارِ مشروعٍ، أو ما شاكلَ ذلك ففي مثلِ ذلك يكونُ رأيُ الأكثريّةِ مُلزِماً بغضِّ النظرِ عن كونهِ صواباً أمْ لا.
وعلى ذلكَ يكونُ الرأيُ الذي يُرَجّحُ فيهِ جانبُ الأكثريّةِ محصوراً في نوعٍ واحدٍ من أنواع الأعمالِ الموجودةِ في العالمِ، وهو الرأيُ الذي يبحثُ في العملِ من أجلِ القيامِ بهِ.
لذلكَ يتبيّنُ أنّ هنالكَ فَرْقاً بينَ الرأي الذي يؤدّي إلى فكرٍ والذي يؤدّي إلى عملٍ.
هذا هوَ حكمُ الشرعِ في الأكثريّةِ، وهذا الحكمُ يخالفُ الأحكامَ القائمةَ كلّ المخالفةِ، وحُكمُ اللَّهِ هذا في أخذِ الرأي، وحدهُ هو الحقّ، وما عداهُ باطلٌ لا يجوزُ الأخْذُ بهِ. وخلاصة الأمر أن الدين الإسلاميّ بنصوصهِ ووقائعهِ لا يدل على احترام رأي الأكثريّةِ إذا لم يكنْ متفقاً مع الشرع. وما ذكرناهُ من نزول النبي على رأي الأكثريّةِ تارة ورأي الواحد أُخرى، دليلٌ على صحّةِ ما نقولهُ. ومهمة الشرعِ أَولاً وأخيراً اتباعُ الحقِّ وتقديسه في أي جانبٍ كان. ولكن الشائع اليوم أن رأي الأكثريّةِ محترم وافقَ الشرعَ أو خالفهُ. وما يتقبّلهُ المجتمعُ منَ الأوضاعِ الفاسدةِ التي أقرّتها الأكثريّةُ دليلٌ على ذلكَ.


الأشياء وَالأفعال
الأشياءُ غيرُ الأفعالِ. فالأشياءُ هيَ الموادّ التي يتصرّفُ فيها الإنسانُ بأفعالِهِ، وأمّا الأفعالُ فهيَ ما يقومُ بهِ الإنسانُ من تصرّفاتٍ فعليّةٍ أوْ قوليّةٍ لإشباعِ حاجاتهِ العضويّةِ. والأفعالُ لا بُدّ أنْ تكونَ متعلقةً بأشياءَ تُسْتَعْمَلُ لتنفيذِ الفعلِ الذي أرادَ بهِ الإشباعَ. فالأكلُ والشربُ والمشيُ وما شاكلَ ذلكَ أفعالٌ. وتصرّفاتٌ فعليّةٌ.
والبيعُ والإجارةُ والوكالةُ والكفالةُ والشراكةُ، وما شاكلَ ذلكَ أفعالٌ وتصرّفاتٌ قوليّةٌ.
فالشارعُ أباحَ الأشياءَ جميعَهَا بمعنى أنّهُ أحلّهَا. والإباحةُ في الأشياءِ معناها الحلالُ وهوَ ضدّ الحرامِ. فإذا نصّ على حُرمَةِ بعضِها كان هذا البعضُ مُستثنى مما أُبيحَ في الأصلِ. فالحلّ والحرمةُ بالنسبةِ للأشياءِ وصفٌ لها. وليسَ للأشياءِ غيرِها أيّ وصْفٍ شرعيٍّ. ولا تحتاجُ إباحةُ الشيءِ، أيْ كونُهُ حلالاً، إلى دليلٍ؛ لأنّ الدليلَ العامَ في النصوصِ أباحَ جمعَ الأشياءِ. كقولهِ تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعرَاف: 32] وقولُهُ تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} [البَقَرَة: 173].
وقالَ: {وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ} [النّحل: 116] وهذا التحليلُ والتحريمُ منْ شأنِ الله وحده، وليس لأحدٍ أنْ يشْركَهُ فيهِ؛ وكلّ مَنْ يُعْطي رأياً مِنْ عنده فهوَ آثمٌ معتدٍ مفترٍ على الله.


الشركاتُ الرأسمالية
الشّركةُ في النّظامِ الرأسماليّ عَقْدٌ يَلْتزِمُ بمُقْتضاهُ شخصانِ أوْ أكثرُ بأنْ يُساهِمَ كلّ منهُما في مشروعٍ ماليّ بتقديمِ حصّةٍ منْ مالٍ أوْ عَمَلٍ لاقتسامِ ما قَدْ ينْشَأُ عنْ هذا المشروعِ منْ ربحٍ أوْ خسارَةٍ. وهيَ قسمان: شركاتُ الأشخاصِ وشركاتُ الأموالِ.
1 ـ شركاتُ الأشخاصِ يدخُلُ فيها العنصرُ الشخصيّ، ويكونُ لهُ أثَرٌ في الشركةِ، وفي تقديرِ الحِصَصِ وذلكَ كشركاتِ التضامُنِ، وشركاتِ التوصيةِ البسيطةِ.
2 ـ شركاتُ الأموالِ لا يكونُ فيها للعنصرِ الشخصيّ أيّ وجودٍ، ولا أيّ اعتبارٍ أو أيّ أثرٍ، بلْ هيَ قائمةٌ على انتفاءِ وجودِ العنصرِ الشخصيّ، وانفرادِ العُنصرِ الماليّ فقطْ في تكوينِ الشركةِ في سيرِها، وذلكَ كشركاتِ المُساهمةِ وشركاتِ التوصيةِ بالأسهمِ.
شركة التضامُن
هيَ عَقْدٌ بينَ شخصينِ أو أكثرَ يتّفقانِ فيهِ على الاتجارِ معاً بعُنوانٍ مخصوصٍ، ويلتزمُ جميعُ أعضائِها بديونِ الشركةِ على جميعِ أموالِهِمْ بالتضامُنِ منْ غيرِ قيدٍ وحَدٍّ. لذلكَ لا يمكنُ أنْ يتنازَلَ أيّ شريكٍ عنْ حقوقِهِ في الشركةِ لغيرِهِ إلاّ إذا وافقَ باقي الشركاءِ. وتنحلّ الشركةُ بموتِ أحَد الشركاءِ أو الحجرِ عليهِ أو إفلاسِهِ إذا لمْ يكنْ هناكَ اتّفاقٌ يُخالفُ ذلكَ. وأعضاءُ هذهِ الشركةِ متضامنونَ في تعهداتِها أمامَ الغيرِ.. في جميعِ تعهّداتِ الشركةِ.
ومسؤوليّتهم في ذلكَ غيرُ محدودةٍ فكلّ شريكٍ مطالَبٌ بأداءِ جميعِ ديونِ الشركةِ لا منْ أموالها فحسْب، بل منْ أموالهِ أيضاً، فعلَيْهِ أن يوفيَ بأموالهِ الخاصّةِ ما نَقصَ من ديونِ الشركةِ بعدَ نفادِ مالِها، ولا تَسْمَحُ هذِهِ الشركةِ باتّساعِ المشروعِ، ويتمّ تكوينُها منْ أشخاصٍ قلائلَ يثِقُ كلّ منهم بالآخرِ، ويعرفُهُ معرفةً جيّدةً. وأهمّ اعتبارٍ فيها شخصيّةُ الشريك لا منْ حيثُ كونه بدَناً فقطْ، بلْ منْ حيثُ مركزُهُ وتأثيرُهُ في المجتمعِ. وهذهِ الشركةُ فاسدةٌ لأنّ الشروطَ التي تنصّ عليها تُخالفُ شروطَ الشركاتِ في الإسلامِ، لأنّ الحكمَ الشرعيّ لا يشترطُ في الشريكِ إلاّ أنْ يكونَ جائزَ التصرّفِ، وأنّ للشركةِ أنْ توسّعَ أعمالها، فإذا اتفقَ الشركاءُ على توسيعِها إمّا بزيادةِ رأسمالِهِمْ أوْ بإضافةِ شُرَكاءَ آخرينَ، فهمْ مُطْلَقو التصرّفِ يفعلونَ ما يشاؤونَ لأنّ الشريكَ غيرُ مسؤولٍ في الشركةِ شخصيّاً إلا بنسبةِ ما له منْ حصّةٍ فيها. ولأنّ لهُ الحقّ أنْ يترُكَ الشركةَ في أيّ وقتٍ يُريدُ دُونَ حاجةٍ لمُوافَقَةِ الشركاء. والشركَةُ لا تنحلّ بموتِ أحدِ الشركاء، أوِ الحجْرِ عليهِ. بلْ تَنْفَسِخُ شرَاكَتُهُ هوَ وحدَهُ، وتبقى شراكَةُ باقي الشركَاءِ إذا كانتْ مؤلّفَةً من أكثر من اثنين. هذهِ هي الشروطُ الشرعِيّةُ. فاشتراطُ شركةِ التضامنِ يُخالفُ هذهِ الشروط بلْ يُناقِضُها ويجعلُها شركةً فاسدةً ولا يجوزُ الاشتراكُ بها شرعاً.
الشركاتُ المُساهِمة
المالُ هوَ كلّ ما يُتَمَوّلُ عروضاً كانَ أوْ نقداً. والنقدُ أداةٌ لتبادُلِ المالِ. وحصوله متوقّفٌ على جُهْدِ الإنسانِ، فالجهدُ هوَ الأصْلُ والأساسُ، ولذلكَ لمْ يكنْ بُدّ مِنْ تقديرِ ذلكَ الجُهْدِ المبْذُولِ في الحصولِ عليهِ. فتقديرُ المالِ مُتوقّفٌ على تقدير جُهْدِ العاملِ واعتبارِهِ أصْلاً، ولكنْ لمّا كانَ النظامُ الرأسماليّ مبنيّاً على حريّةِ التملّكِ وبالتالي مبنياً على استغلالِ الإنسانِ للإنسانِ، كانتْ نظرتُهُ في تقديرِ المالِ خاليةً منِ اعتبارِ الجُهْدِ الإنسانيّ، يتساوى في ذلك تقديرُ الأجراءِ أو تنميةُ المُلْكِ، ولذلكَ كانَ الاعتبارُ للمالِ لا للجُهدِ الإنسانيّ. وسرى هذا الاعتبارُ في جميعِ المُعاملاتِ حتى صارَ من الطبيعيّ عندَهُمْ أنْ يكونَ البحثُ في رأسِ المالِ في الوقتِ الذي أُهْمِلَ جُهْدُ الإنسانِ إذا استثنينا القدرَ الذي يمكّنُ منْ بحثِ رؤوسِ الأموالِ واسْتغلالها. ويتضحُ ذلكَ في الشركاتِ الرأسماليّةِ، فإنّها اشتراكٌ برأسِ المالِ في شكلِ شركاتٍ لا في شركات حقيقيّةٍ. وقد افْتنّوا في أنواعِ الشركاتِ افْتناناً يُؤدي إلى سيطرةِ رؤوسِ الأموالِ، واستغلالِ جُهْدِ الإنسانِ. ومنْ أهمّ الشركاتِ الرأسماليّة الفاشيةِ في بلادنا الشركاتُ المُساهمةُ.
والأصْل في الشركاتِ المساهمةِ أنّ انتشارَ الإنتاجِ الآليّ، وما ترتّبَ عليهِ من اتّساعِ نطاقِ المشروعاتِ الزراعيّةِ والتجاريّةِ والصناعيّةِ جَعَلَ مواردَ الفردِ الواحدِ لا تَكْفي لتمويلِ عمليّاتِ الإنتاجِ الكبيرِ الذي أصبحَ من خصائصِ الانقلابِ الصناعيّ، ولذلكَ لم يكنْ بدّ من وسيلةٍ تُيَسّرُ لهؤلاءِ الأفرادِ جَمْعَ المالِ اللازمِ لتنفيذِ هذهِ المشروعاتِ الكبيرةِ معَ بَقَاءِ التصرّفِ فيها تحتَ يدِ هؤلاءِ الأفرادِ الذينَ سينالونَ منَ الرّبحِ قدر ما لهُمْ منَ الحِصصِ الماليةِ. ومنْ أجلِ ذلكَ نشأتِ الشركاتُ المساهمةُ لخدمةِ أفرادٍ معيّنينَ يستغلّونَ أموالَ غيرهمْ وجهُودهمْ معَ احتفاظِهِمْ بالمشروعاتِ الكبيرةِ. ويتكوّنُ رأسُ مالِ الشركةِ المساهمةِ منْ عددٍ كبيرٍ منَ الحصصِ المُتساويةِ القيمةِ، يُطلَقُ عليها اسمُ «الأسهُمِ» كما يُطْلَقُ على الشركاءِ اسمُ «المساهمينَ» وشركاتُ المساهَمَةِ شركاتٌ ماليّةٌ بحتةٌ، لا أثرَ فيها للعنصرِ الشخصيّ «أي للجهدِ»، أوْ بعبارةٍ أخرى لا وجودَ للبدنِ فيها مُطلَقاً، معَ أنّ البدنَ هو الأصلُ في تنميةِ المُلكِ، والحصولِ على المالِ. والموجودُ في الشركةِ المساهمةِ أموالٌ فقطْ بدونِ أن يكونَ للبدنِ أيّ وجودٍ. ونظامُ الشركةِ المساهمةِ يجْعَلُ مسؤوليّةَ المساهمِ محدودةً بقيمةِ الأسهُمِ التي يمْلِكُها. وعلى ذلكَ فالمُساهمُ يأخذُ منَ الأرباحِ بمقدارِ ما له منْ أسهُمٍ، ويصيبُهُ منَ الخسارةِ بنسبة ما يملِكُ منها. ومهما أصابَ الشركةَ منْ خسارةٍ فحاملُ السهمِ لا يمكنُ أنْ يخسرَ أكثرَ منْ قيمةِ سهْمِهِ.
والشركاتُ المساهمةُ تنقسِمُ إلى محدودةٍ وغيرِ محدودةٍ، فالمحدودةُ يقدّرُ رأسمالها بمقدارِ مُعيّنٍ، وأسهُمٍ معيّنةٍ، وغيرُ المحدودةِ هيَ الشركاتُ المُغْفَلَةُ. والشركاتُ المساهمةُ تجْمَعُ بينَ القاصي والداني، وهي دائميّةٌ لا تتقيّدُ بحياةِ الأشخاصِ بلْ تستطيعُ أنْ تعيشَ مدّةً طويلةً مهما تبدّلَ أعضاؤها لا يؤثّرُ ذلكَ في كيانها، فقد يموتُ الشريكُ ولا تنحلّ الشركةُ بموتهِ، وقد يُحْجَرُ عليهِ، ويبْقَى في الشركةِ، وقد يبيعُ حصّته لغيرهِ دونَ إذنٍ منَ الشركَةِ فتنتقلُ أسهُمهُ إلى غيرهِ، وتظلّ الشركةُ سائرةً لأنّها أموالٌ لا أشخاصٌ.
وتتأسّسُ الشركَةُ باجتماعِ أفرادٍ قلائلَ، وهمْ عادةً منْ أصحابِ الأموالِ أو ممّنْ لهُمْ جاهٌ ونفوذٌ أوْ مِمّنْ لهُمْ معرفةٌ بطُرُقِ الاقتصادِ. فيضعونَ المشروعَ الذي يريدونَ القيامَ بهِ، ويقومونَ بوضْعِهِ موْضِعَ العملِ، ويُطلَقُ عليهِمْ اسم «المؤسّسينَ». يقومُ هؤلاءِ المؤسّسونَ بنشرِ بيانٍ يتضمّنُ الغايةَ منْ إنشاء الشركةِ ومقدارَ رأسِ مالها والمدّةَ التي يمكنُ قبولُ اشتراكِ المساهمينَ في أَثْنائِها فَمنْ يَرْغب بالاشْتِراكِ في هذا المشروعِ بعد أن يطّلعَ على البيانِ المُذاعِ من قِبَلِ المؤسّسينَ يُراجِع الشركةَ ضمْنَ المدّةِ المُعيّنَةِ، ويبيّن مقدارَ الأسهُمِ التي يُريدُ أن يشتركَ بها. ومتى بلغَ الاشتراكُ الحدّ المعيّن لرأسِ مالِ الشركةِ تكونُ الشركةُ قَدْ عُقِدَتْ نهائيّاً. ولا يُشترَطُ في الشركاتِ المُساهمةِ أنْ يتألّفَ رأسُمالها منَ النقودِ فقطْ، بلْ يجوزُ أن تُعتَبَرَ الأَبنيةُ والأراضي وغيرُ ذلكَ منَ الأشياءِ النّافعةِ، رأسَ مالٍ في الشركةِ، ويُوزّعُ رأسُ مالها إلى أسهُمٍ: فكُلّ مَنْ أحرزَ سهْماً منها يُعَدُّ مُساهماً فيها، وليسَ من الضروريّ أنْ تُؤدّى جميعُ أثمانِ الأسهُمِ في الحالِ، بلْ تسْتوفي الشركةُ منْ أثمانها ما يَكفي لقضاءِ حاجاتها الحاضرةِ، وتؤجّلُ استيفاءَ الباقي للمُسْتَقْبَلِ فَتَتَقَاضاهُ منَ المُساهمينَ حَسْبَ حاجتِها إلى المالِ، إلاّ أنّهُ يبْقى لهذهِ الأسهُمِ اعتبارُها فيأخُذُ أصحابها منَ الأرباحِ ما يسْتحقّونَ، ولوْ لمْ يدفعوا ثمنَ الأسهُمِ كلِّها لها. فإذا أفْلَسَتِ الشركةُ يحَقّ للدائنينَ أنْ يرجعوا إلى المساهمينَ بطَلَبِ ما تبقّى في ذِمَمِهِمْ منْ أثمانِ الأسْهُمِ التي لمْ تكنْ حصصاً ثابتةً، بلْ قيمةً اعتباريّةً ولذلكَ تزيدُ قيمةُ السّهْمِ وتنْقُصُ بحسبِ سيْرِ معاملاتِ الشركةِ. فإذا كانتِ الأرباحُ آخذةً بالنموّ والزيادةِ تتصاعدُ حينئذٍ قيمةُ الأسهُمِ، وإذا كانتْ آخذةً بالخسارةِ تنقص، وهذهِ الأسهُمُ على نوعينِ:
1 ـ نوْعٌ مكتوبٌ باسمِ صاحبِها، ولا يجوزُ انتقالُهُ منْ يدٍ لأخرى إلاّ بعدَ إعلامِ الشركةِ بالأمرِ كما تُشيرُ إلى ذلكَ في دفاترها.
2 ـ ونوعٌ حرّ يستطيعُ حاملُهُ أن يتصرّفَ بهِ كما يشاءُ دُونَ إعْلامها. هذا منْ حيثُ ماهيّةُ الشركةِ. أمّا التصرّفُ بتنميةِ أمْلاكِها وأمْوالها فيعودُ لمجلسِ المُساهمينَ، ومجْلِسِ الإدارةِ والمُدَراءِ، ويحدّدُ قانونُ الشركةِ عددَ الأسهُمِ الذي ينبغي للشريكِ أنْ يُحْرِزَهُ لكيْ يحقّ لهُ الاشتراكُ في هذا المجلسِ.
ومجلسُ المساهمينَ هذا يجتمعُ في كلِّ سنةٍ مرّةً للنظرِ في خلاصةِ الحسابِ الذي يعْرِضُها عليهِ مجلِسُ إدارةِ الشركَةِ. أمّا أعضاءُ مجلِسِ الإدارةِ فينتخبُونَ بدلَ الذينَ انْتَهَتْ مُدّتُهُمْ، ويعيّنُ محاسبٌ يدقّقُ الحساباتِ.
أمّا مجلِسُ الإدارَةِ فينبغي أنْ يكونَ أعضاؤُهُ منَ المساهمينَ وغيرِهِمْ، إذا كانتْ قوانينُ الشركةِ تنُصّ على ذلكَ. وهذا المجلسُ يقومُ بالأكثريّةِ ويتقاضى أعضاؤُهُ زيادةً على حصصهم أُجرةً سنويّةً، أوْ أُجرةً مُعيّنةً لكُلِّ جَلسَةٍ، ويقومُ مجلسُ الإدارَة بتعيين مديرٍ مسؤولٍ لَدَيْهِ، على أنْ تكونَ تبعةُ أعمالِ المديرِ عائدةً إلى المجلسِ وهوَ يقومُ بجميعِ فروعِ الأعمالِ المتعلّقةِ بالمشروعِ. وبناءً على ذلكَ فالمديرُ هوَ الذي يتصرّفُ بتنميَةِ الملكِ في الشرِكَةِ وبإدارةِ الأموالِ. وما مجلسُ الإدارةِ إلاّ مباشرٌ للخُطوطِ العريضةِ، ومجلسُ المساهمين أمْرٌ شكليّ فقط. والمديرُ ومجلِسُ الإدارةِ عادةً هُمُ المؤسّسونَ ومَنْ يَرَوْنَ ضمّهمُ للانتفاعِ بهمْ. أمّا توزيعُ الأرباحِ فيكونُ بطريقةٍ تضمنُ توزيعَهَا على المؤسّسينَ وكبارِ المساهِمينَ في الشركَةِ، ويُطرَحُ منْ مجموعِ إيراداتِ الشركةِ جميعُ نفقاتِ الإنتاجِ وفوائدُ التحويلِ ثم يُفرَزُ مَبْلَغٌ لأداءِ رِبا الأسهُمِ باسم الفائدةِ لها، وهيَ مقدارٌ معيّنٌ بالمئةِ عدا حصّةِ الرّبْحِ، ثمّ تفرَزُ أُجرةُ مجلسِ الإدارةِ، ويُوضَعُ على حِدة مقدارٌ معيّنٌ باسمِ رأسِ مالِ الاحتياطِ لقاءَ ما قدْ يطْرأُ على رأسِ المالِ منَ المَخاطرِ غَيْرِ المُنتَظَرَةِ، وبعدَ أنْ تُطرَحَ المبالغُ المارّ ذكرُها منْ مجموعِ إيرادِ الشركةِ السّنويّ يُوَزّعُ الباقي إذا بقيَ شيءٌ على الشركاءِ لكلٍّ بنسبةِ عددِ الأسهُمِ التي يحملُها.
والشركاتُ المساهمةُ باطلةٌ ولا يجوزُ الاشتراكُ بها لمخالفتِها للأحكامِ الشرْعيّةِ ولِعَدمِ اندراجِها تحتَ أحْكامِ الشركاتِ في الإسلامِ؛ وبُطلانُ الشركاتِ المساهمةِ يتعيّنُ في الأسبابِ الآتيةِ:
1 ـ لمْ تتكوّنْ في الشركةِ المساهمةِ شركَةٌ شرْعاً، وإنّما هيَ أمْوالٌ تجمّعَتْ وصارَتْ لها قوّةُ التصرّفِ، وهذا لا يجوزُ في الإسلامِ، لأنّ المُلك في الإسلامِ لا ينمُو منْ نفسِهِ، بلْ لا بدّ ممّنْ يقومُ بتنميتِهِ. والأصلُ في إيجادِ المالِ وفي تنميةِ المُلْكِ هوَ البدنُ. والتكليفُ إنما هوَ الإنسانُ حتى إنّ الحقّ المفَروضَ على المالِ مفروضٌ على المالِ المَمْلُوكِ للإنسانِ لا على المالِ مُطْلَقاً.
فالبدَنُ هوَ الأصْلُ في الرّبْحِ، وفي المُلْكِ وفي تنميتِهِ، ولذلكَ يجوزُ أنْ يشْترِكَ بَدَنٌ معَ بَدنٍ لِيُنْتِجَ مالاً، ويوجِد مُلْكاً ويُنمّيه، ويجوزُ أنْ يشترِكَ بَدَنٌ ومالٌ لأنّ البَدَنَ يتصرّفُ بالمالِ ويُنمّيهِ، أمّا أنْ يشترِكَ مالٌ ومالٌ دونَ وُجودِ بدَنٍ يكونُ شريكاً معَ المالِ يتولاه فلا يُسمّى شركةً ولا تنْعَقِدُ الشركةُ مُطلَقاً، بلْ تَظَلّ أمْوالاً مجمّعةً لأشخاصٍ، لأنّها لمْ تُضَفْ إلى بدنٍ يتصرّفُ فيها كشريكٍ. على أنّهُ لمْ يحصُلْ في هذهِ الشركةِ عقدٌ إذْ لم يحصلْ فيها إيجابٌ وقبولٌ بينَ الشركاءِ، لأنّ المساهمينَ يدْفعونَ مالاً بدَلَ أسهُمٍ دونَ أنْ يكونَ هنالِكَ أيّ عقدٍ للشركةِ بيْنهُمْ وبينَ شركَائِهِمْ، معَ أنّ الشركةَ عَقْدٌ بينَ اثنينِ أوْ أكثرَ يتّفقونَ فيهِ على القيامِ بعمَلٍ ماليّ بقَصْدِ الرّبحِ، ولمْ يحْصُلْ أيّ اتفاقٍ بينَ الشركاءِ إذْ قدْ تقومُ الشركةُ وتُباشرُ أعمالها وبعضُ أسْهُمِهَا لمْ يُبَعْ، أي بعْضُ الشركاءِ لم يُوجَدُوا بعد، وفوْقَ ذلكَ فإنّ الشركَةَ في الإسلامِ تكونُ مقصورةً على المالِ والعملِ مجتمعينِ أو على العملِ وحدهُ ولا تنْعَقِدُ على المالِ فقطْ. والشركاتُ المساهمةُ مقصورةٌ على المالِ وحدَهُ.
2 ـ اشتراطُ أنْ تكونَ الشركةُ دائميّةً يخالفُ الشرعَ، فالشركةُ منَ العقودِ الجائزةِ تبْطُلُ بموتِ أحدِ الشريكينِ أو جنُونِهِ أو الحجْرِ عليه، وبالفَسْخِ منْ أحَدِ الشركاءِ. وإذا ماتَ أحدُ الشركاءِ ولهُ وارثٌ فإن وارثهُ إنْ كانَ غير راشدٍ فليسَ لهُ أنْ يستمرّ في الشركةِ، وإنْ كانَ الوارِثُ رشيداً فَلَهُ أنْ يُقيمَ على الشركَةِ ويأذنَ لهُ الشريكُ بالتصرّفِ، ولهُ المُطالبَةُ بالقِسْمَةِ.
فكونُ الشركَةِ المساهمةِ دائميّةً أو مستمرّةً بالرّغمِ منْ موتِ أحدِ الشركاءِ، أوْ الحجْرِ عليهِ يجعلُها شركةً باطلةً.
3 ـ إنّ الأرباحَ والخسائرَ في الشركةِ المُساهمةِ قائمةٌ على نسبةِ الأسهُمِ، ولكنْ يُشترَطُ في الخسارَةِ أنْ لا تزيدَ على قيمةِ أسْهُمِ الشريكِ في السّوقِ، وهذا يعْني أنْ لا يخْسَرَ رأسُ المالِ مُطلقاً، فهوَ يربَحُ ولا يخسرُ، إذْ يخْسَرُ أرْباحَهُ فقط، ولا يصِلُ الخُسْرانُ إلى فقدانِ رأسِ المالِ، أي فقدانِ قيمةِ الأسْهُمِ وهذا لا يجوزُ في الإسلامِ، لأنّ القاعدةَ الشرعيّةَ تنُصّ على أنّ «الغُرْمَ بالغُنْمِ» فالمالُ يخْسَرُ في الشركةِ ولو أدّى إلى فناءِ رأسِ المالِ كلّهِ. فاشتراطُ أنْ لا تصِلَ الخسارةُ إلى ذَهابِ رأسِ المالِ يُخالفُ الشرعَ وهو فاسدٌ غيرُ مُقيّدٍ. وبما أنّهُ يتعلّقُ بتكوينِ الشركةِ وعملِها فيكونُ عقْدُ الشركةِ فاسِداً على فرْضِ وجودِ عقْدٍ فيها.
4 ـ إنّ الشركةَ المساهمةَ تجْعَلُ لمجلِسِ الإدارَةِ أُجرةً مُعيّنةً سنويّةً أوْ عنْ كلِّ جلْسَةٍ وهمْ شُرَكَاءُ مُساهمُونَ زيادةً على أرْباحِ أسْهُمِهِمْ وبحسَبِ أحْكامِ الشرعِ الإسلاميّ لا يجوزُ أن يحصلَ لأحدِ الشركاء زيادةُ أموالٍ على حصّةٍ منَ الرّبحِ. ومتى جَعَلَ أحَدُ الشركاءِ مِقداراً معلوماً منَ المالِ لنفسهِ، أو جَعَلَ الشركاءُ لهُ ذلكَ أو اشترطَ لنفسِهِ جزءاً منَ الرْبحِ بَطَلَتِ الشركةُ، إذْ منَ المُحْتَمَلِ أنْ لا تربحَ الشركةُ غيرَ الزيادةِ التي اشترطها، فيحصُلُ حينئذٍ على جميعِ الرّبحِ ويُحْتَمَلُ أن تخْسَرَ الشركةُ فيأخُذَ منْ رأسِ المالِ جُزْءاً لهُ، وهذا لا يجوزُ، لأنّ الشريكَ لهُ جُزْءٌ منَ الرّبحِ لا جُزْءٌ منْ رأسِ المالِ، وعلى ذلكَ تكونُ الشركةُ المساهمةُ باطلةً، لأنّها تجعلُ لأحدِ الشركاء مقداراً معيّناً منَ المالِ زيادةً على حصّتهِ في الرّبحِ. ولأجلِ ذلكَ كلهِ كانتِ الشركاتُ المُساهمةُ رأسماليّةً يحرمُ الاشتراكُ بها، والمالُ الذي يأتي عنْ طريقِها، إنْ مُلِكَ معَ العِلْمِ بحُرْمتِها وبُطلانِ عقدِها، محرّمٌ لأنّهُ أُخذَ بعَقْدٍ باطلٍ، وبوسيلةٍ غيرِ شرعيّةٍ وقدْ وقعَ المُسلمونَ في الشركاتِ المُساهمَةِ، وأقامُوا الشركاتِ بحسبِ أحكامِها دونَ أنْ يعُوا، ولذلكَ وجبَ عليهِمْ بعدَ معرفتِهِمْ حكم الإسلامِ فيها أن يتركوا الشركاتِ المساهمةَ وأن يؤلِّفوا شركاتِهِمْ حَسْبَ أحكامِ الإسلامِ.
أسْهم شركاتِ المُساهمة
أسهُمُ الشركةِ أوْراقٌ ماليّةٌ تمثّلُ ثمنَ الشركَة في وقتِ تقديرها، ولا تمثّلُ رأسَ مالِ الشركةِ عندَ إنشائها. فالسهمُ جزءٌ لا يتجزّأُ منْ كيانِ الشركةِ، وليسَ بجزءٍ منْ رأسِ مالها، فهوَ بمثابةِ سنَدٍ لقيمةِ موجوداتِ الشركةِ. وقيمةُ الأسهُمِ ليستْ واحدةً، وإنما تتغيّرُ بحسبِ أرباحِ الشركَةِ أو خسارتها وليْسَتْ واحدةً في كلِّ السُّنينَ، بلْ تتفاوَتُ قيمتُها وتتغيّرُ، وعلى ذلكَ فالسّهْمُ لا يمثّلُ رأسَ المالِ المدفوعِ عندَ تأسيسِ الشركةِ، وإنما (أي الأسهم) تمثّلُ رأسَ مالِ الشركةِ حينَ البيْعِ أي في وقتٍ معيّنٍ. إنّها كَورَقَةِ النّقْدِ يَهْبِطُ سعرُها، إذا كانتْ سوقُ الأسهُمِ منخفضةً ويرتفِعُ حينَ تكونُ مرتفعةً. فالسهمُ بعدَ بدءِ الشركةِ في العملِ انسلخَ عنْ كونِهِ رأس مالٍ وصار ورقةً ماليةً لها قيمةٌ معيّنةٌ.
والحكمُ الشرعيّ في الأوراقِ الماليّةِ قائمٌ على النّظرِ فيها فإنْ كانت سنَدَاتٍ تتضمّنُ مبالغَ من المالِ الحلالِ كالنّقْدِ الورقيّ الذي لهُ مقابلٌ منَ الذهبِ أو الفضّةِ يُساويه، أو ما شاكلَ ذلكَ كانَ شراؤها وبيْعُها حلالاً، لأنّ المالَ الذي تتضمّنُهُ حلالٌ، وإن كانت سنداتٍ تتضمّنُ مبالغَ منَ المالِ الحرامِ كسَنداتِ الدينِ التي يُسْتَثْمَرُ فيها المالُ بالرّبا، وكأسهُمِ البنوكِ أو ما شاكلَ ذلكَ. فإنّ شراءَها وبيْعَها يكونُ حراماً، لأنّ المالَ الذي تتضمّنهُ مالٌ حرامٌ. وأسهم شركاتِ المساهمةِ سنداتٌ تتضمّنُ مبالغَ المخلوطِ منْ رأسِ مالٍ حلالٍ، ومنْ رِبْحٍ حرامٍ في عقدٍ باطلٍ ومُعامَلَةٍ باطلةٍ، دونَ أي تميّيزٍ بينَ المالِ الأصليّ والرّبح، وهيَ في نفسِ الوقتِ سَنَدٌ بقيمةِ حصّةٍ من موجوداتِ الشركةِ الباطِلَةِ. وقدِ اكْتُسِبَتْ هذهِ الموجوداتُ بمُعاملةٍ باطلةٍ فنهى الشرعُ عنها، فكانتْ مالاً حراماً؛ فتكونُ أسهمُ شركةِ المساهمةِ متضمنةً مبالغَ من المالِ الحرامِ، وبذلكَ صارتْ هذه الأوراقُ الماليةُ ـ وهي الأسهمُ ـ مالاً حراماً لا يجوزُ بيْعُها ولا شراؤها ولا التعاملُ بها.
وأمّا المسلمونَ الذينَ يجهلونَ الحُكْمَ الشرعيّ، ثمّ اشتركوا على جهلِهمْ بتأسيسِ شركاتٍ مساهمةٍ، وملكُوا أسهُماً بحُكْمِ مُساهَمَتِهِمْ فيها، فمِلْكِيّةُ هؤلاءِ المساهمينَ للأسْهُمِ مِلْكِيّةٌ صحيحةٌ، وهيَ أموالٌ حلالٌ لهمْ لجهلِهِمْ ببُطلانِ عملِهمْ جَهْلاً يُعذَرُونَ فيه. أمّا بيْعُ هذهِ الأسْهُمِ للمسلمينَ فلا يجوزُ، لأنّها أوراقٌ ماليّةٌ باطلةٌ شرْعاً، وحِلّيّةُ مِلْكِيّتِها جاءَتْ طارئةً منْ كوْنِ الجهلِ عذراً.
أمّا إذا عُرِفَ الحكْمُ الشرعيّ فيها أوْ أصبَحَ غيرَ مجْهولِ المثلِ عِنْدَ الشخصِ فإنّهُ حينئذٍ يكونُ مالاً حراماً لا يُباعُ ولا يُشترَى ولا يصحّ أنْ يبيعهُ على يدِ غيرِهِ.
وكيفيّةُ التخلّصِ من هذهِ الأسهُمِ الممْلُوكَةِ بسبَبِ جَهْلِ الحُكْمِ الشرعيّ تتمّ بحل الشركةِ، أو تحويلها إلى شركةٍ إسْلاميّةٍ أو ينتظرونَ مَنْ يسْتَحِلّ أسهُمَ الشركاتِ المساهمةِ فيوَلّونَهُ بَيْعَها عنْهُمْ ويأخذونَ ثمَنَها.


التَّـأمين
اتفاقٌ بينَ المؤمّنِ ـ الشركةِ ـ منْ جهةٍ، وبينَ شخصٍ أو عدّةِ أشخاصٍ، يُعبّرُ عنهم بالمؤمّنِ له، أوْ لَهُمْ. أو طالبُ التأمينِ. وبمقتضى هذا الاتفاقِ يتعهدُ المؤمّنِ، الطرف الأول، بأن يدفعَ للمؤمّنِ لهُ ـ الطرف الثاني ـ مبلغاً معيّناً من المالِ أو ما يُساويه بمجرّدِ وقوعِ حادثٍ مُبيّنٍ في وثيقةِ العقْدِ مقابلَ أنْ يدفَعَ المؤمّنُ لهُ أو يتعهّد بدفعِ مبلغٍ يتّفقُ عليهِ الطرفانِ ويُسمّى «بقسطِ التأمينِ».
بَدءُ شرِكاتِ التأمين
أوّل شركةٍ لتأمينِ الحريقِ تأسّسَتْ في لندن سنة 1666م، أمّا تأمينُ الحوادثِ فهو أحدثُها عهْداً وأوّلُ صورةٍ من صوَرِهِ كان ضد الحوادث الشخصيّة سنة 1845م.
أنواعُ التأمين
لا يمكنُ حصرُ التأمينِ في أنواعٍ معيّنةٍ لأنّها تزدادُ معَ مرورِ الزّمنِ كلّما دعَتِ الحاجةُ لأنواعٍ جديدةٍ منهُ ويمكنُنا أنْ نذكُرَ ما توفّرَ منْ أسمائِها:
التأمين على الحياة.
التأمين على الحريق. السرقة وما شاكلها.
التأمين على النقل البحري، البرّي، الجويّ.
التأمين على الحوادث.
الشروط الأوّلية والأركان المطلوبة في عقد التأمين
عمليّةُ التأمينِ تشتملُ على أركانٍ وشروطٍ لا بدّ من استكمالها في هذهِ المعاملةِ:
1 ـ الإيجابُ والقبولُ.
2 ـ المُؤمّنُ عليهِ: شخصٌ، ثروةٌ، مرضٌ، حريقٌ، حادثٌ، وما شاكلَ ذلك.
3 ـ مبلغُ التأمينِ: الذي تدفعُهُ الشركةُ عند حدوثِ الخطرِ وما يدفعهُ طالبُ التأمينِ إلى الشركةِ من المالِ.
شروطُ شرِكة التأمين
1 ـ بيانُ الخطرِ المؤمَّنِ ضدّهُ: حرقٌ، مرضٌ، حادثٌ، وفاةٌ، الخ..
2 ـ القسطُ الذي يدفعهُ طالبُ التأمين إلى الشركةِ إذا أراد التقيسطَ وكيفيّة تسديدِ الأقساطِ المترتبة على المؤمّنِ لهُ.
3 ـ مدّةُ العقْدِ: تاريخُ ابتدائهِ وانتهائِهِ.
هذه هيَ أهمّ الشروطِ المطلوبةِ في عقْدِ التأمينِ بينَ الطّرفينِ فإذا حصل للمؤمّنِ حادثٌ ينطبقُ على بنودِ العقدِ كانتِ الشركةُ مُلْزَمَةً بأن تعوّضَ العينَ المُتلفَةَ أو ثمنها حَسْبَ سعْرِ السوقِ حينَ حصولِ الحادثِ.
والشركةُ مخيّرَةٌ بينَ دفعِ الثمنِ أو تعويضِ العينِ إلى المؤمّنِ أو للغيرِ. وقد أصبحَ هذا التعويضُ حقّاً من حقوقِ المؤمّنِ في ذمّةِ الشركةِ بمجردِ حصولِ ما ذُكرَ في العقْدِ، إذا اقتنعَتِ الشركةُ بالاسْتحْقاقِ، أوْ حكمتِ المحْكَمَةُ بذلكَ وقد أطلق عليهِ «اسم التأمين». وربما يكونُ التأمين لمصلحةِ المؤمّنِ أوْ لمصلحةِ غيرهِ كأولادهِ وزوجتهِ وسائرِ ورَثَتِهِ أو أيّ شخصٍ أوْ جماعةٍ يُعيّنُهُمُ المؤمّنُ. وإطلاقُ اسم التأمينِ على الحياةِ أوْ على البضاعةِ أو على الصوتِ أوْ غيرِ ذلكَ، لا يُقصَدُ بهِ سوى تحبيبِ هذه المعاملةِ للنّاسِ. والحقيقةُ أنّ الحياةَ لا يُؤمّنُ عليها وإنما التأمينُ على مبلغ معيّن منَ المالِ لأولادهِ أوْ لزوجتِهِ أوْ لسائرِ وَرَثَتِهِ أو لأيّ شخصٍ أوْ جماعةٍ يُعينهُمُ المؤمنُ إذا ماتَ. وهو لا يؤمّنُ على البضاعةِ، ولا على السيارة أوِ الممتلكاتِ أوْ غيرِ ذلك. وإنّما يُؤمّنُ على تعويضِ العينِ أوْ ثمنها منَ المالِ إذا حصلَ لبضاعتهِ أو لسيّارتهِ أو لممتلكاتهِ، أو لأيّ شيء يملِكُهُ ضررٌ أو تلَفٌ. هذا هو واقعُ التأمينِ. وبالتدقيقِ فيهِ يتبيّنُ أنّهُ باطلٌ منْ وجهينِ: أحدهما أنّهُ عَقْدٌ لأنّهُ اتفاقٌ بينَ طرفينِ ويشتملُ على الإيجابِ والقبولِ؛ الإيجابُ منَ المؤمّنِ والقبولُ منَ الشركَةِ ولكي يصحّ هذا العقْدُ شرعاً يجبُ أنْ يتضمّنَ شروطَ العقْدِ الشرعيّةِ فإنْ تضمّنَها صحّ وإلاّ فلا. والعقْدُ لا يقعُ شرْعاً إلاّ على عينٍ أوْ منفَعَةٍ، فإنْ لمْ يَقَعْ على عينٍ أو منفعةٍ، كانَ باطلاً لأنّهُ لمْ يقعْ على شيءٍ يجعلهُ عقْداً شرعاً، لأنّ العَقْدَ الشرعيّ عندما يقعُ، يقعُ إمّا على عينٍ بعوَضٍ كالبيعِ والشركةِ. وما شاكلَ ذلكَ، وإمّا على عينٍ بغيرِ عوَضٍ كالهبةِ، وإمّا على منفعةٍ بعوض كالإجارة. وإمّا على منفعةٍ بغير عوضٍ كالعاريةِ. وعليه فالعقدُ الشرعيّ لا يقعُ إلاّ على الشيءِ. والتأمين لم يقع على عينٍ أو منفعةٍ بلْ على تعهّدٍ، أي على ضمانة، والتعهّدُ أو الضّمانةُ لا يعدّ عيناً، لأنهُ لا يُسْتَهْلَكُ، ولا تُؤخَذُ منفعته، ولا يُعْتَبَرُ مَنْفَعَةً لأنّهُ لا ينتفعُ بذاتِ التعهّدِ لا بالأجرةِ، ولا بالإعارةِ.
وأمّا حصولُ المالِ القائمِ على هذا التعهّدِ فلا يُعتبَرُ مَنْفَعَةً لهُ وإنما هوَ أثرٌ منْ آثارِ معاملةٍ من المعاملاتِ. ولذلكَ لمْ يَقَعْ عَقْدُ التأمينِ على عينٍ أوْ منفعةٍ، وما دامَ الأمرُ كذلكَ فهوَ عقدٌ باطلٌ لأنّهُ لمْ يستوفِ الشروطَ الواجبَ توفّرها في العَقْدِ الشرعيّ.
ثانيهما: إنّ الشركةَ أعطتْ تعهداً للمؤمنِ وفْقَ شروطٍ مخصوصةٍ تُدْخِلُهُ في الضمانِ لا في العقودِ ولا بدّ من تطبيقِ الشروطِ التي تفرضُها الشريعةُ في الضّمانِ حتى يكونَ ضماناً شرعيّاً فإن تضمّنها صح وإلا فلا. وبالرجوعِ إلى الضمانِ شرعاً يتبينُ ما يلي:
إنْ الضمانَ ضمّ ذمةِ الضامنِ إلى ذمّةِ المضمونِ عنهُ في التزامِ الحقِّ ولا بدّ فيهِ من ضمِّ ذمّةٍ إلى ذمّةٍ كما أنّهُ لا بدّ فيهِ من ضامنٍ ومضمونٍ عَنْهُ ومضمونٍ لهُ ومضمون. والضّمانُ التزامُ حقٍّ في الذمّةِ من غيرِ مُعاوَضةٍ. ويُشْتَرَطُ في صحّةِ الضمانِ أن يكونَ في حقٍّ منَ الحقوقِ الماليةِ الواجبةِ أو التي تؤولُ إلى الوُجوبِ فإذا لم يكنْ في حقٍّ واجبٍ أو آيلٍ إلى الوجوبِ لا يصحّ الضمانُ.
وذلكَ لأنّ الضمانَ ضمّ ذمّةٍ إلى ذمّةٍ في التزامِ الحقِّ، فإذا لم يكُنْ على المضمونِ عنهُ شيءٌ فلا ضمّ فيهِ. وهذا ظاهرٌ في الحقّ الواجبِ. أمّا في الحقِّ الذي يؤولُ إلى الوجوبِ مثل قولِ رجلٍ لامرأة: تزوجي فلاناً وأنا ضامنٌ لكِ مهرَكِ، فإنّ الضّامِنَ فيهِ قَدْ ضمّ ذمّتهُ إلى ذمّة المضمونِ عنهُ في أنْ يلزمَهُ ما يلزَمُهُ وأنّ ما يثبتُ في ذمّة مضمونهِ يثبتُ في ذمّتهِ.
أمّا إذا لم يكنْ هناكَ حقّ واجبٌ على أحدٍ، أوْ حقّ يؤولُ إلى الوجوبِ، فلا يتحقّقُ فيهِ معنى الضمانِ، إذ لا يوجَدُ فيهِ ضمّ ذمّةٍ إلى ذمّةٍ ولذلكَ لا يكونُ الضمانُ صحيحاً.
ويُشترطُ أن يكونَ الضّامنُ ضامناً للعينِ إذا تَلِفَتْ أوْ هلَكَتْ، أو ضامناً للدّينِ سواء كانَ ضامناً بالفِعلِ إذا كانَ الحقّ واجباً وثابتاً في الذمَّةِ أو ضامناً بالقوْةِ إذا كانَ الحقّ يؤولُ إلى الوجوبِ والثبوتِ في الذمّةِ. فإذا لمْ يكنِ الضامنُ ضامناً بالفعلِ أوْ بالقوّةِ فلا يصحّ الضمانُ لأنّهُ إنْ لم يجبْ على المضمونِ عنهُ لمْ يجبْ على الضامنِ. فإذا كانَ هناكَ، مثلاً، خيّاطٌ يَخيطُ للناسِ الثيابَ، وقالَ رجلٌ لآخرَ: ادفع إليه ثيابكَ وأنا ضامنٌ. ثمّ أُتلِفَتِ الثيابُ فهلْ يَضْمَنُ الضّامن عن الخيّاطِ ثمنَها؟. والجوابُ على ذلكَ أنّ الضامنَ لا يلزمُهُ شيءٌ إذا تَلِفَتِ الثّيَابُ بغيْرِ فِعْلِهِ أوْ بِغيرِ تفريطٍ منْهُ لأن المضمونَ عنهُ لمْ يلزمْهُ شيءٌ منَ الأصْلِ فإذا لم يلزمِ الأصلُ لم يلزمِ الضامنُ بطريقٍ أولى. وعليهِ لا بدّ أنْ يكونَ الحقّ واجباً للمضمونِ لهُ على الآخرينَ، أو يؤول إلى الوجوبِ حتى يكونَ الضمانُ صحيحاً. فثبوتُ الحقِّ في الذمّةِ حالاً أو مالاً، شرْطٌ في صحّةِ الضّمانِ، ولكنْ لا يُشْتَرَطُ أنْ يكونَ المضمونُ عنهُ معلوماً، ولا يُشترَطُ أنْ يكونَ المضمونُ لهُ معلوماً. وبناءً على ذلكَ يصحّ الضمانُ لو كانَ مجهولاً فلو قالَ شخصٌ لآخر: أعْطِ ثيابَكَ لغسّالٍ، فقالَ: أخافُ أن يُتلِفَها، فقالَ لهُ: أعْطِ وأنا أضْمَنُهَا لكَ إنْ تلفَتْ، ولمْ يُعيّنْ غسّالاً صحّ. فلوْ أعطاها لغسّالٍ ثمّ تلفَتْ يَضمَنُ، ولو كانَ المضمونُ عنهُ مجهولاً. وكذلكَ لو قالَ: إنّ فلاناً كوّاءٌ ماهرٌ وأنا ضامنٌ منْ كلِّ تَلَفٍ لكلِّ منْ يكوي عندهُ ثياباً صحّ. ولو كانَ المضمونُ لهُ مجهولاً. ودليلُ الضمانِ واضحٌ فيهِ أنّهُ ضمّ ذمّةً إلى ذِمّةٍ وأنّهُ ضمانٌ لحقٍّ ثابتٍ في الذمةِ. ومنَ الواضحِ أنّ فيهِ ضامناً ومضموناً عنهُ ومضموناً لهُ ومضموناً. وواضحٌ فيهِ أنّهُ بدونِ معاوضةٍ. وفيهِ المضمونُ عنه مجهولٍ، والمضمونُ لهُ مجهولٌ، ودليلُهُ: «أي الضمان» ما رواهُ أبو سعيدٍ الخدريّ قال: «كنّا مع النبي (ص) في جنازةٍ فلمّا وُضِعَتْ قالَ: «هلْ على صاحبكُمْ منْ دَيْنٍ؟» قالوا: (نعمْ دِرْهمان)، فقالَ: صَلّوا على صاحبكمْ. فقالَ عليٌّ عليهِ السلام: هُما عليّ يا رسولَ الله، وأنا لهما ضامنٌ. فقامَ رسولُ الله (ص) فصلّى عليه، ثمّ أقبلَ عَلَى عليّ عليهِ السلامُ فقالَ: «جزاكَ الله خيراً عنِ الإسلامِ، وفكّ رهانَكَ كما فَكَكْتَ رهانَ أخيكَ» فقيلَ: «يا رسولَ الله هذا لعليّ خاصّة أمْ للنّاسِ عامّةً؟» فقال: «للنّاسِ عامّةً». وعن جابر قال: «كان النبيّ (ص) لا يُصليّ على رجلٍ ماتَ عليهِ ديْنٌ فأُتيَ بميّتٍ فسألَ: «عَلَيْهِ دَيْنٌ؟» قالوا: نعمْ، ديناران» قال: «صلّوا على صاحبكمْ». فقالَ أبو قَتَادَةَ: «هما عليّ يا رسولَ الله» فصلّى عليه. فلمّا فتح الله على رسولِهِ (ص) قال: «أنا أولى بكلِّ مؤمنٍ منْ نفسهِ فمنْ تركَ دَيْناً فعليّ، ومنْ ترَكَ مالاً فلِوَرَثَته»(+) ومِنْ هذينِ الحديثَيْن يَتّضِحُ أن عليّاً وقتادةَ قَد ضَمّ كلّ منهما ذِمّته إلى ذِمّةِ الميتِ في التزامٍ وحقّ ماليٍّ قد وَجَبَ للدّائن. وواضحٌ فيهما أنّ في الضمانِ ضامِناً ومَضْمُوناً عنهُ ومضْموناً لهُ ومضموناً. والضّمانُ الذي ضَمِنَهُ كلّ منهما التِزامُ حقٍّ في الذمّةِ من غير معاوضةٍ. وواضحٌ فيه أنّ المضمونَ عنهُ، وهو الميّتُ، والمضمُونَ لهُ وهو صاحبُ الدّينِ، كان مجهولاً عندَ الضمانِ، فالحديثانِ قد تضمّنا شرُوطَ صحّةِ الضمانِ وشروطَ انعِقادِهِ.
هذا هوَ الضمانُ شرعاً، وبتطْبيقِ تعهّدِ التأمينِ عليه، وهو ضمانٌ قطعاً، نجدُ أنّ التأمينَ خالٍ من جميع الشروطِ التي نصّ عليها الشرعُ لصحّةِ الضّمانِ وانعِقادِهِ. فليسَ في التأمينِ ضمّ ذِمّةٍ إلى ذمّةٍ مطلقاً، وشركةُ التأمينِ لم تضمّ ذمّتَها إلى ذِمّةِ أحدٍ في التزام مالٍ للمؤمنِ، فلمْ يكُنْ ضمانٌ؛ فكانَ التأمينُ باطلاً. وليسَ في التأمينِ حقّ ماليّ للمُؤمِنِ عندَ أحدِ التزَمَتْهُ شركةُ التأمينِ إذْ ليسَ للمؤمِّنِ أيّ حقٍّ ماليٍّ عند أحد، وجاءت الشركةُ وضمِنَتْهُ، فهو خالٍ مِنْ وُجُودِ الحقّ الماليّ. والشركةُ لم تَلْتَزِمَ أيّ حقٍّ ماليّ حتى يصحّ أنْ يُقالَ: إنّهُ ضمانٌ شرْعاً وما التَزَمَتْهُ الشركةُ أيضاً مِنَ التّعويضِ أو الثمنِ أوْ دفعِ المالِ غيرُ واجبٍ للمضمونِ لهُ عندَ عَقْدِ التأمينِ تجاه آخرينَ لا حالاً ولا مالاً ولا مآلاً حتى يصحّ ضَمَانُهُ. فتكونُ شركة التأمينِ قدْ ضَمِنَتْ مالاً يجِبُ في الحال أوْ في المآل؛ فيكون الضمانُ غيرَ صحيحٍ. وبالتّالي يكونُ التأمينُ باطلاً علاوةً على أنّ التأمينَ لا يُوجدُ فيه مضمُونٌ عنهُ، لأنّ شركةَ التأمينِ لم تَضْمَنْ عنْ أحدٍ استحقّ عليهِ حَقّ حتى يُسمّى ذلك ضماناً، فيكونُ عقْدُ التأمينِ قد خلا مِنْ عُنصُرٍ أساسيّ، من عناصرِ الضمانِ اللاّزِمةِ شرعاً، وهو وجودُ مضمونٍ عنهُ. وإذا لم يَكنْ في الضّمانِ وجود ضامنٍ ومضمونٍ عنه، ومضمُونٍ لهُ ومضمُونِ. وبما أنّ عَقْدَ التأمينِ يحتاجُ إلى مضمونٍ عنهُ، فمِنَ الواضحِ أنّ مِثْلَ هذا العَقْدِ باطلٌ شرْعاً يضافُ لذلك أنّ شركةَ التأمينِ حين تعهّدتْ بتعْوِيضِ العَيْنِ أوْ دَفْعِ ثَمَنِها إذا تضرّرتْ أوْ دَفْعِ مالٍ عندَ حُصولِ الحادثِ قد التَزَمَتْ هذا الدّفعَ مقُابِلَ مَبْلَغٍ مِنَ المَالِ، وذلك التزامٌ بمُعاوَضَةٍ وهو باطلٌ لأنّ شروطَ صحّةِ الضّمانِ أن يكونَ بدونِ مُعاوضةٍ فكانَ التأمينُ بوجوبِ المُعاوَضَةِ ضماناً باطلاً.
وبهذا يظْهَرُ مِقدارُ خلوِّ تعهّدِ التأمين مِنْ شروطِ الضّمانِ التي نص عليها الشرعُ وعَدَمِ اسْتِيفائهِ لشروطِ انْعِقادِ الضّمانِ وشروطِ صحّته، وبذلك يكون سَنَدُ التعهّدِ الذي أعْطَتْهُ الشركةُ وضَمِنَتِ التعويضَ والثمَنَ أوْ ضَمِنَت المالَ باطلاً مِنْ أساسهِ فيكونُ التأمينُ كلّهُ باطلاً شرْعاً، وعلى هذا فإنّ التأمينَ كلّهُ حَرَامٌ شرعاً سواءً كانَ التأمينُ على الحياةِ أوِ البضاعةِ أوِ الممتلكاتِ أو غيرِ ذلكَ. ووَجْهُ حُرْمَتِهِ أنّ عَقْدَهُ عَقْدٌ باطِلٌ شرْعاً. وأنّ التعهّدَ الذي تُعْطيهِ شركةُ التأمينِ بمُوجِب العَقْدِ تَعَهّدٌ باطِلٌ شرْعاً. فكانَ أخْذُ المالِ، بحسبِ هذا العَقْدِ وهذا التعَهّدِ، حرامٌ وهو أكلُ مالٍ بالباطلِ.


الجمعيّات التعَاونية
الجمعياتُ التعاونيّةُ نوعٌ من أنواعِ الشركاتِ الرأسماليّة ترمي إلى تأدِيَةِ خدماتٍ مُعَيَّنَةٍ لفِئَةٍ معيّنَة من الناس. والتعاونيّة شركة يقسم رأسمالها إلى أسهم صغيرة يشتركُ كلّ عضوٍ في حصّةٍ منها، ويُشترَطُ في العضو أنْ تتوفّرَ فيهِ صِفَةُ الفئةِ التي سيقومُ بمعاونتِها كالموظفين والفلاحين أو العمال أو من شاكلَ ذلكَ كأَهلِ القرْيةِ الفُلانيّةِ، أو الحيّ الفلانيّ، أو الجمعيّة الفلانيّةِ. ولا يُسمحُ لغيرِ هؤلاء بالاشتراكِ في مثلِ هذه الشركةِ وينبغي أن تكونَ المُعاملاتُ مقصورةً جُهْدَ الإمكانِ على الأعضاء أنفُسِهم وربما تتعدّاهم إلى غيرهم.
ويشتركُ أعضاءُ الشركةِ التعاونيّةِ، على قدمِ المُساواةِ بغضّ النَّظرِ عن أسهُمِهم، في التصويتِ؛ فالذي لهُ مِئَةُ سهْمٍ أو سهمٌ واحدٌ يتساويان في التصويتِ ولكلّ واحدٍ منهما صوتٌ يعادلُ صوتَ رفيقِهِ. فإذا اشتركَ موظّفُو الجماركِ في فتح دُكّانٍ لبيعِ الحاجيّاتِ اللازمةِ حتى توفّرَ عليهم ما يأخُذُهُ الوسيطُ في البيعِ، وتبقى الأرباحُ لهم، كانَ ذلك مثلاً على نموذجٍ من نماذجِ هذه الجمعيّاتِ وهؤلاء يشكّلون جمعيّةً عموميّةً تنتخِبُ منهم مجلِسَ إدارَةٍ يتولى الإشراف على الجمعيّةِ وإدارتها وتعيين الموَظّفِينَ وتحدِيد الأسعارِ وشراء البضاعَةِ وما شاكلَ ذلك مِمّا يلزمُ للدكانِ.
أما الأرباحُ في هذه الشركة فتُقْسمُ على أعضاء الجمعيّةِ بنسبةِ مشترياتهم لا بنسْبَةِ ما يمْلِكونَ مِنْ حصصٍ، وأمّا رأسُ المالِ فلهُ نسبةٌ مِئَويّة مُعَيّنَةٌ من الربح تكونُ بمقامِ الفائدةِ لهُ، والباقي يُقْسمُ بحسبِ المشترياتِ إن كانت الجمعيّةُ استهْلاكيّةً، وحسب الإنتاجِ إنْ كانتْ إنتاجيّةً. وقد يعُودُ جُزْءٌ من الربح لجِهةٍ خيريّة. فَشَتْ هذه الجمعيّاتُ في أكثرِ أقْطارِ العالَمِ الإسلامي، وربما يقومُ بها كثيرٌ مِنَ الأتْقِياء مِمّنْ يغارونَ على الإسلامِ دونَ أنْ يشعرُوا أنهم يَرْتَكِبُونَ حراماً. هذه الجمعيّاتُ باطِلةٌ من أساسها بنَظَرِ الشرْعِ، وأرباحُها من الأموال مُحرّمَةٌ، لأنها مُلّكَتْ دونَ سببٍ مِنَ الأسبابِ الشرعيّةِ؛ ووراء بُطْلانِها ما يلي من الأسباب:
أولاً: الجمعيّةُ التعاونيّةُ شركةٌ فيجبُ أنْ تَسْتَكْمِلَ شروطَ الشركةِ الشرعيّةِ حتى تَصحّ.
ثانياً: قسمةُ الرّبحِ بنسبةِ المُشترياتِ أو المبيعاتِ، لا بنسبةِ رأسِ المال أو العملِ غيرُ جائِزةٍ لأنّ الشركةَ إذا وَقَعَتْ على المالِ كانَ الرّبحُ تابعاً له، وإذا وقَعَتْ على العملِ كان تابِعاً لهُ. فالرّبحُ إمّا أنْ يكونَ تابِعاً للمالِ أو العملِ أو لهما. أمّا اشتراطُ قسْمَةِ الرّبحِ على حسبِ المبِيعاتِ أوِ المُشترياتِ فلا يجوزُ لمخالفتِهِ لمُقْتَضى العقدِ، وكلّ شرطٍ يُنافي مُقْتضى العقدِ فاسدٌ. وتقْسيمُ الرّبحِ على المشتريات يُنافي مُقْتضى العقدِ، لأنّ العقدَ وقعَ على المالِ، فالرّبحُ بنِسْبته لا بنِسبةِ المُشترياتِ، فإذا اشترط تقسيم الرّبحِ بنسبةِ المشترياتِ، كان الشرطُ فاسداً ولا عِبرَةَ فيهِ.
ثالثاً: اشتراط أنْ يكونَ العضوُ في الجمعيّةِ من نوعِ فئةِ المُتعاقدينَ شرطٌ فاسِدٌ، إذْ لا يُشْترطُ في الشركةِ إلاّ أنْ يكونَ الشريكُ جائزَ التصرّفِ، أيْ عاقلاً غيرَ محجُور عليه. فاشتراطُ كوْنِهِ من فِئَةٍ مُعيّنةٍ لا يَدْخُلُ في مُقْتضى العَقْدِ وهو شرْطٌ فاسدٌ ويتبينُ مِنْ ذلكَ أنّ الجمعيّاتِ التعاونيّةَ شركةٌ باطلةٌ من أساسها لأنها تتضمّنُ شروطاً فاسدةً.


المَصَارفُ «البنوك»
التّعَامُلُ السائِدُ الآنَ في العالمِ خاضِعٌ للنظامِ الاقْتِصاديّ الرأسماليّ. وقَدِ اعْتَمَدَ واضِعو هذا النّظامِ على تركيز الأسُسِ الربويّةِ لِبِناءِ التعامُلِ السُّوقيّ، وهذا يُبْنى، بطبِعيةِ الحالِ، على نظامِ الفوائدِ الذي لا تُقِرّهُ الشريعةُ الإسلاميّةُ. ولكنّ الكثيرَ مِنَ المسلمينَ اليومَ، ولا سيّما التّجار يقولونَ: إنّ الحياةَ الاقْتِصاديّةَ في ظِلّ هذا النّظامِ تُحَتّمُ على الأفْرَادِ التّعامُلَ مَعَ المصارِفِ، مُباشرَةً أوْ بالوَاسِطَةِ، بحيْثُ أصْبَحَ مِنَ العسِيرِ الانْفِكاكُ عنها بعدَ أنْ أصبحَ التّعامُلُ السوقيّ مُرْتَبِطاً ارْتِباطاً كليّاً بالمؤسّساتِ المَصْرفِيّةِ. وبينَ هذين الأمرين، أي التعامل المباشر أو بالواسطة، يَقِفُ الشخصُ والحَيْرَةُ تأخُذُ عليهِ مَسالكَ التّفْكيرِ. فما يَصْنَعُ؟
إنّ ضروريّاتِ الحياةِ تُلْجِئُهُ إلى التعامُلِ المذكورِ، والشريعةَ الإسلاميّةَ تأمُرُهُ بالابْتِعادِ عَنِ الرّبا والتّعامُلِ فيه، فهَلْ بالإمكانِ أنْ ينْعَزلَ الشَّخْصُ ويترُكَ هذا المجْتمعَ لِيُحافظَ على دِينهِ، أو ليبْتَعِدَ عَنِ الرّبا وآثامِهِ، أوْ يترُكَ البابَ مفْتوحاً على مِصْراعيْهِ فلا يُبالي بما تُمْليهِ عليه الشريعةُ المُقدّسَةُ مِنْ التّنْدِيدِ بأكلِ المالِ بالباطلِ؟
أقسام البنوك
تنقسمُ البُنوكُ إلى ثلاثةِ أقْسام:
1 ـ حُكُوميّة: ويتكوّنُ رأس مالها مِنْ أمْوَال الدّولةِ ولا حَقّ لشخْصٍ مُعيّنٍ فيه، بلْ هو مصلحةٌ حُكوميّةٌ.
2 ـ أهْلِيّة: ويتكوّنُ رأسُ مالِ المَصْرِف الأهْليّ مِن اشتراكِ عددٍ مِنَ المُتموّلينَ وتكونُ الأرْباحُ مُقَسّمَةً على نِسْبةِ الحصصِ التي يملكها كلّ مُشْترِكٍ.
3 ـ مُشتركة بينَ الحكومَةِ والأهالي: تكونُ مجموعُ الحصَصِ مُشتركةً بينهم على نِسْبَةٍ مُعيّنَةٍ بينَ الطّرَفين.
والأعْمالُ الجارِيَةُ في المصارِفِ كثيرَةٌ أهمّها:
أ ـ الأمانات: وهي المبالِغُ التي يُودِعُها أصحابها في المصارفِ حِفْظاً لها مِنَ التّلَفِ. وقدْ شجّعَتِ المصارِفُ هذا النّوْعَ مِنَ الإيدَاعِ، سواءٌ كانَ ذلكَ لمدّةٍ محدُودَةٍ أوْ غيرِ محدُودَةٍ. وفي مِثْلِ هذه الحالةِ يستطيعُ المَصْرفُ استثمارَ الودائِعِ في موارِدِ النّفْعِ بينَ فترتي الإيداع والسّحْبِ. ومُقابل الإيداع يُعْطي المَصْرفُ فائِدةً للْمُودعِ تختلِفُ باختلافِ المُدّةِ التي يكونُ المالُ فيها مُودعاً.
ب ـ التوفير: أنشأته المَصارِفُ لتَشْجيعِ صغارِ المُدّخرينَ حيثُ يَقْبَلُ المَصْرفُ المبالغَ القليلةَ لإيداعِها باسم أصحابها. والفرْقُ بينَ الأمانةِ والتّوْفيرِ أنّ الأمانَةَ لا يتمكّنُ صاحبُها مِن اسْترجاعِها قبلَ المُدّةِ، ولكِنْ في التوفيرِ يسْتَطِيعُ صاحبُ المالِ استرجاعَ ما أوْدَعَهُ في أيّ وَقْتٍ كان، وتُحْسَبُ له الفوائدُ على المُدّةِ التي كانَ المالُ فيها تحتَ تصرفِ المَصْرفِ.
ج ـ الكفالات: يُرادُ بها أن يتَعَهّدَ أحدُ الطّرَفين للآخر بالقيام بعَمَلٍ مُعيّنٍ بَعْدَ أن يتّفِقَ عليهِ الجانِبانِ، فيُسمّى الطّرَفُ الأوّلُ «مُتعهّداً» بينما يكونُ الطّرَفُ الثاني (مُتعهّداً له). وفي هذه الحالةِ يطلبُ الطّرَفُ الثاني مِنَ الطّرَفِ الأوّلِ ضماناتٍ ماليّةً تُعوّضُهُ عمّا قدْ يُصيبهُ مِنْ خسائِرَ فيما لوِ انْسَحَبَ الطّرَفُ الأوّلُ دُونَ أنْ يُتمّ ما تعهّدَ بالقيام به.
لذلكَ يَلْجأ هؤلاءِ المُتعهّدُونَ إلى المصارِفِ لتكفلهم وتضمَنَ قِيامَهُم بالعَمَلِ الذي اتّفَقا عليه. وفي هذه الحالة يُصدِرُ المَصْرفُ خِطاباً إلى المُتعهّد له يَتَعَهّدُ فيهِ بكفالةِ الطّرَفِ الأوّلِ وضمانِهِ بأنْ يدْفَعَ عنهُ مَبْلغاً مِنَ المال، إذا طُولِبَ بِدَفْعِهِ. وتشترِكُ الجهاتُ الثلاثُ، وهي المُتعهّدُ والمتَعَهّدُ لهُ والكفيلُ في الفائِدة. فالمُتعهّدُ يستفِيدُ منْ هذه الكَفالَةِ بأنْ لا يُقدِّمَ ضماناً مالياً إلى الطّرَفِ الآخر، بل يمْكنُهُ الاسْتِفادَةُ منهُ في نواحٍ أُخرى مِنْ أعمالهِ التّجارِيّةِ، والمُتعَهّدُ له تكونُ فائدَتُهُ مِنْ هذه الكفالةِ ضمانُ حقّهِ ووجودُ مَنْ يُعَوّضُهُ عمّا قدْ يُصيبُهُ مِنَ الخسائِرِ إِذا انسحبَ الطّرَفُ الأوّلُ ولم يتمّ ما تَعَهّدَ بهِ. والكفيلُ: يسْتَفِيدُ مِنْ كفالَتِهِ لأنّهُ يتقاضى مِمّنْ يَكْفلهُ عمُولَةً يُتّفقُ عليها مُقابلَ كفالَتِهِ لهُ.
د ـ الحوالات: التّحويلُ الذي تجري عليه المَصارِفُ على حالتين:
1 ـ الحالة الأولى: أن يَدْفَعَ الشّخْصُ إلى المَصْرفِ في لبنانَ، مثلاً، مَبْلغاً قَدْرُهُ ألف ليرةٍ لبنانيّةٍ، ويأخُذُ بالمبلغ المَذْكورِ تحويلاً على المَصْرفِ في مصر، ومُقابل هذا التحوِيلِ يأخُذُ المَصْرفُ مِنَ المُحَوِّلِ عُمُولةً مُعيّنَةً.
2 ـ الحالة الثانية: أنْ يأخُذَ ذلكَ الشّخْصُ المَبْلَغَ المُعيّنَ منْ آخر في طرابلس ويُحوّلهُ على تسلّمِ المبْلَغِ مِنْ شَخْصٍ ثالثٍ، أو مَصْرفٍ في بيروتَ، فَيَدْفَعُ المَصْرفُ المَبْلَغَ لِيَتَسَلّمَهُ مِنَ المُحوّلِ عليه، ويأخذُ مقابلَ ذلكَ عُمولَةً مُعيّنَةً.
هـ تحصيل الشيكات: الشيك أو الصّك لا يخْرُجُ عَنْ كوْنِهِ وَرَقةً تحْوِيلِيّةً من شخصٍ على المَصْرفِ يأمره بموجبِهِ دَفْعَ مَبْلَغٍ مُعيّنٍ لحاملهِ، ولذلك يُعْتَبَرُ مِنَ الأوراقِ التّجاريّةِ القابلة للتّظْهيرِ. ومعنى التّظهيرِ أنْ يُوَقّعَ حامِلُ الصّكّ على ظهر الصّك ليَكُونَ ملكاً لمنْ يصير في حَوْزَتِهِ أي البنك المسحوب عليه، ويعني تحصيلُ الصّكّ قَبْضَ قيمَتِهِ لحسابِ حامِلِهِ.
و ـ تحصيلُ الأوراق التجاريّةِ: أنْ يقومَ البَنْكُ بمُطالَبَةِ المدينِينَ بالأموالِ المُسْتَحَقّة عليهم لصالح الدّائِنِينَ. فلوْ كانتْ لِشخْصٍ على آخرَ ورقةٌ تُثْبِتُ بأنّهُ مَدينٌ لهُ بألف ليرةٍ لبنانيّةٍ ففي هذه الحالة يَنُوبُ المَصْرفُ بتحْصيل هذا المبلغِ مِنَ المَدِينِ ليُوفّرَ على الدّائنِ ما قَدْ يترتّبُ على المُطالَبَةِ مِنْ مَصارِيفَ وتحصيل. ومقابل هذه العمليّةِ مِنَ المُطالَبَةِ والتّعَقّبِ يتقاضى المَصْرفُ عُمُولَةً مِنَ الدّائنِ لما قَدّمَهُ مِنْ خدماتٍ.
ز ـ الحسابات التجاريّة: إنّ لكلّ عميلٍ في مَصْرفٍ مُعيّنٍ الحَقّ في أنْ يَسْحَبَ أيّ مَبْلَغٍ على ذلكَ البنكِ، ولكنْ يُشترَطُ أن لا تزيدَ قيمةُ المَسْحُوبِ عَمّا لهُ مِن الرّصيدِ. إلاّ عندَ وُجُودِ الثّقَةِ في العمِيل؛ فَيَسْمح البنكُ لهُ بأن يَسْحَبَ مَبَالغَ يُعيّنُ المَصْرفُ مِقْدَارَها، تبعاً لمِقْدَارِ الثّقَةِ، ويُسمّى ذلك بالسّحْبِ المَكْشوفِ. وتحتَسَبُ فائِدَةٌ على المبالِغِ التي تزيدُ عَنْ رَصِيدِ حسابِهِ. وهذه المُعاملة لا تخْرُجُ عَنْ كوْنها مُعامَلَةً قَرْضيّةً تكونُ مِنَ المَصْرفِ لذلكَ الشّخصِ. ومعنى الحسابِ المَكْشوفِ أنّ المَصْرفَ يقْرِضُ عمِيلَهُ نظراً لوُجودِ الثّقَةِ به مَبْلغاً مُعيّناً مِنَ المالِ ويكونُ ما يتقاضاهُ المَصْرفُ مِنَ الفائدَةِ على هذه الأمْوَالِ من الفوائد الرّبويّةِ.
ح ـ بَيْعُ وشراءُ الأسهُمِ والسنداتِ: كثيراً ما يحْدُثُ أنْ تُوَسّطَ إحْدى الشّركاتِ المُساهِمة المَصْرفَ في بَيْعِ الأسهم والسّنداتِ التي تمْلِكها لما للمصرفِ مِن اتّصالٍ مُباشرٍ مَعَ عُملائِهِ. فإذا وافَقَ المَصْرفُ على ذلكَ اتّفِقَ على العُمُولَةِ وتتمّ بَعْدَها عمَلَيّةُ البَيْع.
ط ـ حسم الأوراق التجارية (الكمبيالات): الحسم هو أن يَدْفَعَ المَصْرفُ للمُقْرِضِ قَبْلَ المَوْعِدِ المُحَدّدِ قيمَةَ الكمبيالةِ، مُقابلَ اسْتِقْطاعِ مَبْلَغٍ مُعيّنٍ يُسمّى بمصاريفِ القَطْع والكمبيالات. وهي في مَعْرِضِ التّعَامُلِ على نَوْعِين:
أولاً: كمبيالات تُعبّرُ عن وُجُودِ قَرْضٍ حقِيقيّ: كما لو كانَ لزيدٍ في ذِمّةِ شَخْصٍ آخر مَبْلَغُ ألفِ ليرةٍ. ومَوْعِدُ اسْتِحقاقِ هذا القَرْضِ بَعْدَ مُرورِ ستّةِ أشْهُرٍ مِنْ تاريخِ حُصولِ المُدَايَنَةِ بينَ الطَّرَفينِ. وفي هذه الحالةِ يأخُذُ زيدٌ الوَرَقَةَ المَذْكورَةَ ليُنْزِلها عند شَخْصٍ ثالثٍ بمبْلغِ تسعمايةِ ليرة. ولا بُدّ لحامِلِ الورقةِ والشخصِ الثالثِ مِن اعْتِبارِ هذه المُعامَلَةِ بَيْعاً لا قَرْضاً. ويتولى الشّخْصُ الثالثُ بَعْدَ ذلكَ مُطالَبَةَ المَدِينِ بالمبْلَغِ المذكورِ، وهو ألفُ ليرةٍ في المَوْعدِ المُحدّدِ.
النوع الثاني: كمبيالات تُعبّرُ عن وُجُودِ قَرْضٍ صُورِي ويُسمّى بالمُجاملةِ، حيثُ لا يكونُ لأحدِ الطّرَفينِ قَرْضٌ بِذِمّةِ الآخرِ، بل اتفقا أنْ يكْتُبَ أحَدُ الطّرَفينِ إلى الآخر ورقة، كمبيالة، تُفيدُ بأنّ أحدهما مَدِينٌ إلى الآخر بملغِ مائةِ دينارٍ، وأنّ المَدِينَ مُسْتعِدّ للدّفْعِ في المَوْعدِ المُحَدّدِ. ولذا أطْلَقُوا عليها الكمبيالة «المجاملة» لذا كانت المُداينَةُ صُوريّة بينهما. وبعد إتمامِ هذه المداينةِ الصوريّة يأخُذُ الدّائنُ ورقةَ الكمبيالَةِ إلى المصْرفِ فَيَسْتَقْطعُ المصرفُ مبْلغاً مُعيّناً، ويدفعُ ما تبقّى إليه. وعندَ حُلُولِ المَوْعدِ يتولى المَصْرف مطالبةَ المَدين بالمبلَغِ المذكورِ كاملاً.
ي ـ الاعتمادات المستنديّة: أن يتمّ العَقْدُ، بينَ التّاجر والشركة من خارجِ البلادِ أو وكيلها الموجودِ في البلد، على نوعٍ من البضاعةِ. وبعد أن يَتّفِقَ الطّرَفانِ على الشروط والمواصفات يَتَقَدّمُ التاجرُ إلى المَصْرفِ بِطَلَبِ فَتْحِ اعْتِمادٍ. وفي هذه الفترَةِ يُرْسِلُ الوَكيلُ الفواتيرَ التي تُبيّنُ نوْعيّةَ البضاعَةِ ومِقْدَارها والأسعارَ التي اتّفقَ عليها الطّرفانِ إلى الشركة، ويُعْلِمُها بذلك أنّ الاتّفاقَ قَدْ تمّ بينهما على هذه المُعامَلَةِ، أوْ يقومُ التّاجِرُ بهذه العمليّةِ إذا لم يكُنْ للشركةِ وكيلٌ في البلادِ.
وعندما يطْلُبُ التّاجِرُ مِنَ المَصْرفِ فَتْحَ اعْتِمادٍ له لا بُدّ مِنْ أنْ يَدْفَعَ للمَصْرفِ قِسْماً مِنْ قِيمَةِ البضاعَةِ، ويقومُ البَنْكُ، بعدَ ذلكَ، بِدَفْعِ المبْلَغِ بكامِلِهِ للشركةِ.
وبإزاءِ ذلكَ لا بدّ منْ تسجيلِ البضاعةِ باسمِ المصرِفِ حينَ التصديرِ. وحينَ وُصولها إلى المحلّ يُشْعِرُ المصرفُ صاحبَها بالوصولِ، ويَتمّ تحويلُ البضاعةِ منِ اسمِ المصرِفِ إلى اسمِ صاحبِها بعدَ أنْ يدفَعَ ما دَفَعَهُ المصرفُ إلى الشركةِ ممّا تبقى منْ مبلغِ البضاعةِ.
ويتقاضى المصرفُ على هذهِ العمليّةِ عمولةً مقطوعةً مقابلَ خدماتِهِ منْ تسجيلِ البضاعةِ باسْمِهِ، واعتبارِهِ طرفاً تُجاهَ الشركةِ المُصدّرَةِ، وفائدةً تُسْتَقْطَعُ لقاءَ دفَعِ المالِ المُتبقي منْ يوْمِ تسليمِهِ إلى الشركة إلى يومِ تسلّمِهِ المالَ منْ صاحبِ البضاعةِ.
ويحفظ الاعتمادُ عادةً حقوقَ المُصدّرينَ والمستوردينَ معاً. أمّا المُصدّرُ فلأنّهُ يتسلّمُ قيمةَ البضاعةِ حينَ تصديرها، وبذلكَ يضمَنُ حقّهُ. وأمْا المُستوْرِدُ فلأنّهُ يستفيدُ بالمبلغِ المُتبقّي في بقيّةِ مجالاتهِ التجاريّةِ الأخرى. يضافُ إلى ذلكَ أنّ التاجرَ مجْبورٌ على جعْلِ المصْرفِ وسيطاً في إتمامِ المُعامَلَةِ لأنّ الحكوماتِ تمْنَعُ تحويلَ الأموالِ، وإخراجَها إلى خارجِ البلادِ، ما لمْ يكُنْ ذلكَ تحتَ نظرِها وإشرافها.
وبناءً على ذلكَ كانَ الاستيرادُ مُغْلَقاً في وجْهِ التجّارِ ما لمْ تكنِ المصارفُ هي واسطةً في إتمامِ هذهِ المُعامَلَةِ.
ك ـ خطاب الاعتماد: اعتادتِ المصارفُ تسهيلاً منها لعملائها المسافرينَ إلى خارجِ البلادِ أنْ تزوِّدهُمْ بخطابٍ تُخَوِّلُ فيها المصارفَ بتزويدِ حاملِ ذلكَ الخطابِ ما يحتاجُ إليهِ منَ المالِ بالمقدارِ الذي يخوّلُ الدفعَ.
والغايَةُ منْ ذلكَ هوَ التسهيلُ على المسافرِ بدلاً منْ حمْلِ النقودِ معهُ إلى البلادِ التي يريدُ الإقامةَ فيها، أوِ المرورِ عليها حفظاً من التَّلَفِ أو الضياعِ.
فإذا رغِبَ المسافرُ إلى الخارجِ أنْ يأخُذَ من مصْرِفِهِ مثلَ هذا الخطابِ فعليْهِ أنْ يدْفَعَ المبلغَ بكامِلِهِ لهُ، معَ دفْعِ عُمُولةٍ على ذلك يتّفقُ عليها مَعَ المصرِفِ، وحينئذٍ يزوّدُهُ المصرفُ بالخطابِ المذكورِ المُوجّهِ إلى مَصْرفٍ مُعَيّنٍ أو إلى المصارفِ العالميّةِ بتزويدِ حاملٍ ذلكَ الخطابِ ما يحتاجُ إليهِ منْ نقودِ ذلكَ البلدِ.
لقدْ أتيْنا على ذكْرِ أهمِّ الأعمالِ الجاريةِ في المصارفِ. فالعمَلُ الذي يتقاضى عليهِ المصرفُ عُمُولَةً حلالٌ، ولا إشْكالَ فيهِ، والعملُ الذي يتقاضى عليهِ رِباً حرامٌ يجِبُ البُعْدُ عنهُ.


الأسواقُ الماليَّةُ
بورصاتُ الأسهمِ والسنداتِ، والأوراقِ الماليّةِ، والبورصاتُ التجاريَّةُ، هذه هيَ أسواقُ المال. إنها أسواقٌ وهميّةٌ، يتحكّمُ فيها قراصنةُ المالِ، وكبارُ المضاربين. وآليةُ هذهِ الأسواقِ هيَ:
1 ـ سعرُ الفائدة.
2 ـ سعرُ الصرف.
إنّ الأداةَ الأساسيّةَ التي يعتمدُ عليها السوقُ الماليّ، والتي يتحركُ السوقُ بتحركهَا، ارتفاعاً وانخفاضاً، ازدهاراً أو انتكاساً، إنما هيَ الفائدةُ (الربا) ويرتبطُ بهَا سِعرُ الصرفِ بينَ العملاتِ النقديةِ، كما ترتكزُ عليهَا أسعارُ الأسهمِ والسنداتِ وباقي المعاملاتِ الماليةِ في سوقِ البورصاتِ التجارية.
إنّ الهزةَ الماليّةَ التي حصلتْ في أسواقِ المالِ في دولِ شرقِ آسيا، إنما بدأتْ من بنكوك عاصمةِ تايلاندْ. ففي 2 تموز سنة 1997 بدأتْ بتخفيضِ سعرِ الفائدةِ في بنكِ بنكوك المركزيّ، وامتدّتُ حتى عمَّتْ جميعَ دولِ جنوبِ شرقِ آسيا، وبخاصةٍ، إندونيسيا وماليزيا.
وبتاريخ 17 آب 1998 حصلَ انحدارٌ مفاجىءٌ للروبل الروسيّ، فبعد أن كان الدولارُ يساوي ستةَ روبلات، صعد فوراً حتى أصبحَ يساوي ثلاثةً وعشرينَ روبلاً.
وفي 13 كانون ثاني 1999 حصلَ هبوطٌ كبيرٌ للريالِ البرازيليّ. وبذلكَ يكونُ نصفُ الاقتصادِ العالميِّ قد أُصيبَ بضرباتٍ قويّة.
إن المعاملاتِ الاستثماريةَ هيَ رؤوسُ أموالٍ متحركةٍ متنقلة، وتحرُّكُهَا وتنقُّلُها إنما يكونان بإبرازِ بطاقةٍ تنطوي على ضماناتٍ وتعهداتٍ تُسمّى شيكاتٍ، أو تحويلاتٍ بإشاراتٍ، فيتحركُ المالُ وينتقلُ بهذه الإشارةِ من بنكِ كذا في أميركا إلى بنكِ كذا في باريس أو طوكيو، أي ينتقل من سوقٍ ماليٍّ إلى سوقٍ ماليٍّ آخر.
ويواكبُ هذهِ التحركاتِ الماليةَ مراقَبَاتٌ ومتابعاتٌ دقيقةٌ وحذرة، ليتمكنَ المضاربونَ مِنَ الهروبِ بأموالِهِمْ، إذا ما ظهرتْ بوادرُ الخسارة. هذا إنْ لم يفتعلوهَا همْ أنفُسُهُمْ، ليدخلُوا وبسرعةٍ أسواقاً تلوحُ فيها علائمُ الربحِ الوفير.
وحيثُ إِنَّ هذهِ الرساميلَ المستثمَرَةَ تشكِّلُ مبالغَ ضخمةً، تُقدَّرُ بالملياراتِ، فإنَّ أيَّ تغييرٍ في نسبةِ الفوائدِ يؤثّرُ تأثيراً كبيراً على المستثمرين، ربحاً أو خسارة.
وسعرُ الفائدةِ هذا ينعكسُ على سعرِ الصرف، وبخاصةٍ النقد الذي يتمتعُ بقوةٍ ذاتية. فالتَحويلاتُ، إنما تكونُ بالدولار، والأرصدةُ الضخمةُ إنما تقومُ عليهَا البنوكُ المعتبرة. فإذا ما انخفضَ سعرُ الفائدةِ في منطقةٍ ما مِنْ مناطقِ المراكزِ التجاريةِ المشهورة، تنفجرُ الكارثةُ، وتبدأ رؤوسُ الأموالِ المستثمَرةُ في الهروبِ إلى مناطقَ أخرى، فتنكشفُ البنوكُ في تلكَ المنطقة، وتترنحُ المؤسساتُ الماليّةُ؛ وينخفضُ سعرُ العملة، حتى تطالَ الكارثةُ عملةَ البلدانِ المجاورة، وتهبِطَ أسعارُ العملاتِ إلى حدٍّ يُفقدُهَا أَوْ يضعفُ قوتَهَا الشرائية، وتبدأُ البورصاتُ في التخلص من معروضاتِ الأسهمِ والسنداتِ، في سوقِ البورصات، وتصبحُ هذه الأسهمُ عبئاً على مالكيها، يريدون التخلصَ منها بأيِّ ثمن. وهنا يأتي دورُ قراصنةِ المال، فإمّا أن يهربُوا بأموالِهِمْ من السوق، وعندئذٍ ينكشف السوق، وتحدث الأزمة. وإما أن تكونَ قد امتلأتْ خزائنُهُمْ بالملايين، فلا يعدو أن يكون ما حدث مقامرةً تعتمد على ذكاءِ المضاربينَ الكبارِ وتلاعبِهِمْ في السوقِ وتأثيرِهِمْ وثقلهِمْ في الدوائرِ والمؤسساتِ المالية.
وعندمَا وقعتِ الهزاتُ الماليّةُ في بعضِ الأسواق، خسرَ فيها الكثيرون؛ وخسرَ البعضُ معظمَ رأسماله، ووصلَ حجمُ خسارةِ البعض أحياناً إلى (1.9) مليار دولار، ووصلَ ما تكبدَهُ أحدُ البنوكِ (700) مليون دولار. وخسرَ (جورج سوروس) مليارَيْ دولار في بورصةِ موسكو. إنها خسائر فادحة. وهذا المليارديرُ المذكورُ هو أخطرُ المضاربينَ في العالم، وهو يهوديّ، ربحَ في إحدى المضارباتِ في منطقةِ الاسترليني مليارَ دولارٍ في صفقةٍ واحدةٍ، لخبرتِهِ في سوقِ المضارباتِ المالية، وتشغيلِ رؤوسِ الأموال. وقد صرح قائلاً: إنّ الخشيةَ من انهيارِ النظامِ الاقتصاديِّ العالميِّ، إنما تكمنُ في قيامِ الدولِ المتخلِّفَةِ بإغلاقِ حدودِهَا أمامَ تدفقاتِ رؤوسِ الأموال، لتحميَ نفسَهَا من آثارِ الأزمات، كالأزمةِ التي أمسكتْ بعنقِ نمورِ آسيا وروسيا، ثم دول أميركا اللاتينية. إن المصارفَ (البنوك) هيَ المستودعُ الذي تصبُّ فيهِ كافةُ الأموالِ المتحركةِ في أسواقِ المال، سواءٌ منهَا الأموالُ الحقيقيّةُ، أو الأموالُ الاسميّةُ، شبهُ الحقيقيّة. والمعاملاتُ الاستثماريةُ هيَ رؤوسُ أموالٍ متحركةٍ متنقلة، تدخلُ أسواقاً فتنشِّطُهَا، وتبعثُ فيهَا الحيويّةَ، فيجري التفاعلُ بينَ مختلفِ القطاعاتِ الماليةِ والاقتصاديةِ، فتزدهرُ قطاعاتُ الإنتاجِ، وتزدادَ فرصُ العملِ، وتضمحلُّ البطالةُ، وترتفعُ أسعارُ الأسهم والسنداتِ، ويكثرُ الإقبالُ عليها، وتستعرُ حمَّى المضارباتِ، وترتفعُ مؤشراتُ البورصاتِ. وبسرعةٍ فائقةٍ يَهُبُّ قراصنةُ المضارباتِ، فيضربونَ ضَرَبَاتِهِمْ، بعدَ أنْ كانتْ قَد تحولتْ عشراتُ الملياراتِ مِنَ الدولاراتِ إلى حساباتِهِمْ. وبجرَّةِ قلمٍ، أو مكالمةٍ هاتفيةٍ يُخفَّضُ سعرُ الفائدةِ في أحد البنوكِ المُعتمدةِ، أو يجري تخفيضٌ في أسعارِ بعضِ العملاتِ ذاتِ القوّةِ الذاتيّة، فتهربُ الملياراتُ بسرعةٍ ويُخلَى السوقُ منها، وتُفتحُ لها أبوابُ الهربِ حتى يطالَ كافةَ القطاعاتِ الماليةِ والإنتاجية. وتتفاقمُ الأزمة، فتعلنُ الكثيرُ من الشركاتِ إفلاسَهَا، وتفرغُ خزائنُ ميزانيّاتِ الدولةِ، فيهرعُ مندوبُو صندوقِ النقدِ الدوليِّ لمعالجةِ الوضعِ الماليِّ والاقتصاديِّ في البلد، ويُحضرونَ معهمْ قوائمَ الشروطِ العلاجيّةِ، ليتمَّ على ضوءِ تنفيذِهَا إسداءُ القروضِ، كما يكونُ هناكَ العديدُ من الشركاتِ الضخمةِ المتعدّدةِ الجنسيةِ الرابضةِ على جوانبِ الساحةِ لتلتهمَ القطاعاتِ العامةَ، والتي ستتحولُ إلى قطاعاتٍ خاصة، بفعل قوانينِ الخصخصة، وبموجب اتفاقياتِ منظّمةِ التجارةِ الدولَيّة. وتقعُ الفريسةُ في مخالبِ وحوشِ المال، ويصبحُ البلدُ بكلِّ مُقدَّراتِهِ نهباً لهؤلاءِ الناهبين، كما تصبحُ الدولةُ أو دولُ المنطقةِ بِرُمَّتِهَا مشلولةَ الحركةِ، مكبلةَ الأيدي، وتتحولُ النمورُ إلى قططٍ، والصقورُ إلى دجاج.
بإيعازٍ مِنْ صندوقِ النقدِ الدَّوْليِّ وجهازِهِ المتآمر، أو بإيعازٍ من البنكِ الفدراليِّ وجهازِهِ المتآمر، أو بإيعازٍ من البنكِ الفدراليِّ الأميركيّ، وبالتعاونِ مع وول ستريت، يتمُّ التنسيقُ بينَ هذهِ المؤسساتِ والنوادي، نوادي المال، وصناديقِ الاستثمار. وهذهِ كلُّهَا يقومُ عليهَا رجالاتٌ مخضرمونَ مدرَّبُونَ، يُتقنونَ فنونَ المخادعةِ. أحدهُمْ يملكُ مؤسسةَ مضاربةٍ كبيرةً، ويكونُ عضواً في نادٍ ماليّ، كما يكونُ مستشاراً لأحدِ المصارفِ، ويكونُ له ثقلٌ في المؤتمراتِ الاقتصاديةِ الدائمة، مثل مؤتمرِ (دافوس) أو مؤتمرِ الدولِ السبعِ الغنيّةِ، كما يكونُ مستشاراً في بعضِ جوانبِ صندوقِ النقدِ الدوليّ، أو يكونُ مندوباً في بعثةٍ لاستقصاءِ أحوالِ اقتصادِ بعضِ الدول، أو ما شاكلَ ذلك. مثلُ هؤلاءِ يكونونَ مُلمّينَ بأسرار القضايا الاقتصادية، فيعرفُ أحدهُمْ كيفَ يدخلُ الأسواقَ، وكيفَ يحرِّكُهَا، وكيفَ يخرجُ مِنَ الأسواق، وكيفَ ينهبُ الأسواقَ ويخرِّبُهَا. فتقع المصائبُ، وتنتشرُ البطالةُ ويعمُّ الفقرُ، وتُعلِنُ الشركاتُ إفلاسَهَا، وتُضْطَرُّ الدولُ إلى جدولَةِ ديونِهَا، وهَلُمَّ جرّا.
يوجدُ هناكَ نظامٌ هرميٌّ غيرُ مُعلنٍ للاقتراض، فيمَا بينَ البلدانِ الناميةِ، حسبَ درجةِ الجدارةِ الائتمانيّةِ في أسواقِ المالِ العالميّة. فعلَى سبيلِ المثالِ: كانَ من الصعبِ على شركاتِ ومصارفِ إندونيسيا أن تقترضَ قروضاً قصيرةَ الأجلِ مِنْ أسواقِ المالِ العالميّةِ بأسعارِ فائدةٍ معقولة. فكانتِ الشركاتُ الإندونيسيّةُ تلجأُ إلى البنوكِ أَوْ إلى الشركاتِ الكوريّةِ لكيْ تقترضَ لهَا ونيابةً عنهَا، مستفيدةً من متانةِ المركزِ الماليِّ الكوريّ، مُقابلَ (علاوةٍ) تقومُ البنوكُ والشركاتُ الكوريّةُ بتعليتِها على سعرِ الفائدةِ على القروضِ المقدَّمَةِ لإندونيسيا. وفي المقابلِ تقومُ الوحداتُ المصرفيّةُ الكوريّةُ بدورِهَا بالاقتراضِ مِنَ البنوكِ وأسواقِ المالِ اليابانيّةِ لتغطيةِ مراكزِها وتدبيرِ السيولةِ اللازمَةِ. ولهذا فعندمَا انهارتِ الأوضَاعُ في إندونيسيا وتعثَّرتِ الشركاتُ الإندونيسيةُ في سدادِ مديونيّاتِهَا، تأثرتْ بذلكَ أوضاعُ السيولةِ في البنوكِ والشركاتِ الكوريةِ، التي أضرّتْ بدورِهَا بالأوضاعِ المصرفيّةِ في اليابان.
عندمَا وضعتْ أميركا الأسسَ الّتي ستسيرُ عليهَا في سياستِهَا الاقتصاديةِ، وهيَ: صندوقُ النقدِ الدَّوْليّ، وأعطتهُ الصلاحياتِ التي يستطيعُ بهَا أن يُوقِعَ الكوارثَ المدمِّرةَ في ميزانياتِ الدولِ بحجةِ معالجتِها. ثمَّ البنكُ الدّوْليّ، حيث جعلتْ منهُ مؤسسةً ترتبطُ بها مؤسساتٌ ماليةٌ ضخمةٌ مِنْ أجلِ إسداءِ القروضِ الطويلةِ الأجل، وتبنِّي المشاريعِ العمرانيةِ الكبيرةِ، وبخاصةٍ البنى التحتية، كالموانىءِ والمطاراتِ والمواصلاتِ، ومشاريعِ الريِّ والكهرباءِ، وغيرِهَا من المشاريعِ غيرِ الإنتاجيّة. وبعدَ ذلكَ وضعتِ الأُسسَ والقواعدَ لمنظمةِ الجات (منظمة التجارية الدولية)، مِنْ أجلِ إزالةِ الحواجزِ الجمركيّةِ، وفتحِ الحدودِ بينَ الدول، لتنقُّلِ رؤوسِ الأموالِ مع ضمانةِ حمايتها، وحمايةِ أرباحِهَا، مَعَ تسهيلِ دخولِهَا وخروجِهَا في أيِّ حينٍ دونَ أيةِ عراقيل. ثمَّ بعثتْ إلى الحياةِ مولوداً جديداً هو موضوعُ العلمنة.
وأما الداءُ الوبيلُ، والمرضُ القاتلُ، فهو موضوعُ الديون. هذهِ هيَ القيودُ التي تكبِّلُ بها أيدي وأرجلَ الدولةِ المدينة، حيثُ تجعلُهَا مقودةً بزمامٍ طرفُهُ في يدِ الدائنين، والطرفُ الآخرُ ممسكاً بأعناقِ المدينين.
هذهِ الديونُ هيَ الاستعبادُ والفقرُ والذلَّ بعينها، والتبعيةُ التي لا حدَّ لها، ولا مناصَ منها.
هذهِ قضيةُ الديون، وهذهِ واقعيةُ البنوك، وهذهِ نتائجُ الربا (الفائدة) فهيَ محرمةٌ بصريحِ النصوصِ. وهذهِ آلياتُ البورصاتِ الماليةِ، وأسواقِها الوهميّة، فيجبُ أنْ تزولَ وإلى الأبدِ، وتُستثمرَ الأموالُ في السوقِ التجاريةِ بشكلٍ فعليٍّ يحرّكُ السلعَ والخدماتِ، والبضائِعَ والمنتوجاتِ الزراعيةَ والتجاريةَ والصناعيةَ لتشاركَ فيهِ كلُّ يدٍ، وتدخُلُ كلَّ بيت.
وموجوداتُ أسواقِ البورصاتِ موجوداتٌ وهميةٌ، وليست حقيقيةً، إذ لا يوجدُ فيها سلعٌ معدةٌ لبيعِهَا والمساومةِ عليها ومعاينتِهَا، أو مواصفتها حيثُ إنها: أولاً: أوراقُ أسهمٍ، وبورصاتُ أسهمٍ. ثانياً: بورصاتٌ تجارية. ثالثاً: أوراقٌ مالية (سنداتٌ مالية).
ولبيانِ خطورتِهَا نستعرضُ ظواهرَ ثلاثاً تكتنفُ العالمَ بأسرِهِ، وتحيطُ بِهِ مِنْ كلِّ جانب:
1 ـ الظاهرةُ الأولى: هي قرقعةُ السلاحِ، ودويُّ المدافع، وهديرُ الطائراتِ، وانقضاضُ الصواريخِ، واشتعالُ النيرانِ.. كلّ ذلك مسبوقٌ بالإعدادِ له بحشدٍ مِنَ العلماءِ والمختصينَ في الإبداعِ التكنولوجيّ.
2 ـ الظاهرةُ الثانيةُ: هيَ التحركُ السياسيُّ، والتصريحاتُ واللقاءاتُ، والزياراتُ، والندواتُ والمؤتمراتُ والتهديداتُ والإغراءاتُ السياسيةُ وحبكُ المؤامراتِ وتنفيذُ المخطَّطاتِ.
3 ـ الظاهرةُ الثالثة: هيَ الأرضيةُ الهادئةُ الصامتةُ، والمخيفةُ المرعبةُ، والمميتةُ المدمرةُ، وهيَ التي مِنْ أجلِهَا تُسخَّرُ الظاهرتانِ الأولَيانِ، ألا وهيَ تحرُّكُ رأسِ المال، والبناء الهيكليّ الذي قامَ عليهِ صرحُ النظامِ الاقتصاديِّ الرأسماليّ، واتخذَ شرعةً يستحلُّ بهَا الحرامَ ويمتصُّ بها الدماءَ؛ يقومُ عليهَا إفقارُ الشعوبِ، ونهبُ ثرواتِهَا، فلا حلالَ إلا ما أحلَّهُ الاستثمارُ والاستعمارُ، ولا حرامَ إلا العوائقُ التي يحتمل أنْ تقفَ في طريقِ انسيابِ رأسِ المالِ ليدورَ دورتَهُ.
هذه الظاهرةُ الثالثةُ هيَ التي مِنْ أجلِهَا تُسَخَّرُ الظاهرتانِ الأولى والثانية. فويلٌ للعالَمِ مِنْ هذا الظلمِ الفادحِ المشروع! إنّ العالمَ بأسرِهِ يئنُّ تحتَ وطأةِ أقدامِ هذا المشرِّعِ الذي وضعَ الأُسُسَ التي تبتنَى عليهَا هيكيليةُ رأسِ المال، والذي سخَّرَ العالَمَ بأسرهِ، واستغلَّ القطاعاتِ البشريَّةَ، والثرواتِ الطبيعيَّةَ، وحرّك الآلةَ كلَّهَا لتحميَ رأسَ المالِ هذا، ولتفتحَ الطريقَ أمامَ هذا الأخطبوط، ليطالَ بأذرعِهِ كلَّ بقعةٍ مِنْ بقاعِ الأرض. فكأنّ البرّ والبحر والجوّ مسارحُ لهذا الجهازِ الضخمِ الهائلِ الذي يصبُّ في المحصَّلَةِ النهائيةِ في جيبِ المستثمرِ الأميركيِّ أو الإنكليزيِّ أو الفرنسيِّ أو اليابانيّ.
انظرُوا أيهَا الناسُ وتأملُوا هذهِ الأفاعِيَ التي تنفثُ السُّمومَ القاتلة والتي لا ينجُو منها أيُّ بيت:
1 ـ صندوقُ النقدِ الدَّوْلِيّ.
2 ـ البنكُ الدَّوْليّ.
3 ـ منظمةُ التجارةِ العالميّة.
4 ـ مؤتمراتُ الدولِ السبعِ الغنيّة.
5 ـ الأسواقُ الماليّة أي البورصات.... الخ.
فأيةُ واحدةٍ من هذه المؤسسات، أي من هذه الرزايا والمصائب، تكفي لأن تلحقَ الأذى البليغَ أو الضررَ المُمِيتَ بالبلدِ الذي تصلُ إليه وتحلُّ فيه. فكيف إذا اجمتعتْ هذه البلايا كلُّها دفعةً واحدة؟ وما هو مصيرُ العالمِ وماذا ننتظرُ أن يحلَّ بشعوبِ هذهِ الكرةِ الأرضيّةِ الذين يبيتونَ في مُعظمهمْ على الطوى، ويتحملُونَ مرارةَ الفقرِ والجوعِ والمرضِ والجهل؟


الـرّبَـا
مَنَعَ الشرْعُ الرِّبا منْعاً باتاً مهما كانَتْ نِسْبَتُهُ كثيرةً أو قليلَةً، ومال الرّبا مُحَرّمٌ تحْريماً تامّاً ولا حقّ لأحدٍ في ملْكِيّتِهِ، ويُرَدّ لأهِلِهِ إنْ كانوا معروفينَ. قالَ الله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ *} [البَقَرَة: 275]، وقالَ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ *فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ *} [البَقَرَة: 278-279].
والسّببُ في تحريمِ الرِّبا أنّ الفائدةَ التي يأخذُها المُرابي استغلالٌ بَشِعٌ لجُهْدِ الناسِ، وهيَ جزاءٌ منْ غيرِ بذْلِ جُهْدٍ. لأنّ المالَ الذي أُخِذَ عليهِ الرِّبا مضمونُ الفائدةِ وغيرُ مُعَرّضٍ للخسارةِ وهذا يُخالِفُ قاعدةَ «الغُرْم بالغُنْم». ولذلكَ كانَ استغْلالُ المالِ بالشركَةِ والمضاربَةِ والمُساقَاةِ بشروطِها جائِزاً لأنّ الجماعَةَ تنْتَفِعُ بهِ، ولا يسْتَغِلّ جُهدَ الناسِ بلْ هوَ وسيلَةٌ تمكّنُهُمْ منَ الانتفاعِ بجُهْدِ أنْفُسِهِمْ. على أنّهُ مُعرّضٌ للخسارةِ أو الرّبْح، وذلك بخلافِ الرّبا.
على أنّ تحريمَ الرّبا كانَ بالنصِّ، ولمْ يُعَلّلْ هذا النصّ بِعِلّةٍ. وقدْ بيّنَتِ السّنّةُ الأموالَ الرّبويّةَ. ولكنْ قدْ يتبادَرُ للذهْنِ أنّ صاحبَ المالِ قد يحتفظُ بمالِهِ، ولا يسْخُو بإقْراضِ المُحْتاجِ لقضاءِ حاجتِهِ. وهذهِ الحاجةُ تلحّ على صاحبِها، فلا بدّ منْ وسيلَةٍ لسدِّ هذهِ الحاجةِ.
والحاجةُ تعدّدَتْ وتنوّعَتْ وصارَ الرّبا قوام التجارةِ والزراعةِ والصناعةِ ولاسيّما هذهِ الأيّام، ولذلكَ وُجدت المصارفُ للتعامُلِ على أساسِ الرّبا، ولا وسيلَةَ غيرُها، كما لا وسيلَةَ بغيرِ المُرابينَ لسدٍّ الحاجاتِ.
والجوابُ على ذلكَ أننا نتحدّثُ عنِ المُجتَمَعِ الذي تُطبّقُ فيهِ الأحكامُ الإسلاميّةُ جميعُها ومنْ ضمنِها النّاحيَةُ الاقتصاديّةُ. ولا نتحدّثُ عنِ المجتمَعِ بوضْعِهِ الحاضرِ. لأنّ هذا المُجْتَمَعَ يعيشُ على النظامِ الرأسمالي القائم على الربا، ولذلكَ كانتِ المصارفُ فيهِ منْ ضروريّاتِ الحياةِ. فصاحِبُ المالِ الذي يرى نفسَهُ حُرّاً في مُلْكِهِ، ويرى أنّ لهُ حُرّيّةَ الاستغلالِ بالغشِّ والاحتكارِ والقِمَارِ وغير ذلكَ دونَ رقابةٍ منْ دوْلَةٍ أوْ تَقَيّدٍ بقانونٍ، يرى كذلك أنّ الرِّبا والمصرفَ ضرورةٌ منْ ضروريّاتِ الحياةِ.
ولذلكَ وجَبَ تغْييرُ النّظامِ الحاليّ برُمّتِهِ، على أنْ يُوضَعَ مكانَهُ نظامٌ آخر وضْعاً انقلابيّاً شامِلاً. وهو النّظامُ الإسلاميّ للاقتصادِ.
فإذا أُزيلَ النظامُ الرأسماليُّ وطُبِّقَ النظامُ الإسلاميّ ظَهَرَ للنّاسِ أنّ المجتَمَعَ الذي يُطبّقُ الإسلامَ لا تبقى فيهِ حاجةٌ إلى الرِّبا. لأنّ المُحتاجَ إلى الاستقْراضِ إمّا أنْ يحتاجَهُ لأجْلِ العيْشِ أوْ لأجْلِ العَمَلِ. أمّا الحاجَةُ لأجْلِ العَيْشِ فَقَدْ سَدّها الإسلامُ بضَمَانِ العيْشِ لكُلِّ فردٍ منْ أفرادِ الرّعيّةِ. وكذلك الحاجةُ لأجل العمل فقد سدّها الإسلامُ بقرْضِ المُحتاجِ دونَ رِبا. قال (ص): «ما مِنْ مُسْلِمٍ يقْرضُ مُسْلِماً قَرْضاً مرّتينِ إلاّ كانَ كَصَدَقَةٍ مرّة»(+). وزادَ في حديثٍ آخر حتى يكون دافعاً قوياً للمقرضين: «دِرْهَمُ الصّدَقَةِ بِعَشْرَة ودِرْهَمُ الدينِ بثمانية عَشر»(+). وإقْرَاضُ المُحتاجِ مَنْدُوبٌ ـ أيْ مُسْتَحَبّ ـ ولا يُكْرَهُ الاستقراضُ بلْ يُسْتَحَبّ أيضاً، لأنّ الرّسولَ (ص) كانَ يَسْتَقْرِضُ. وما دامَ الاسْتِقْرَاضُ موجوداً ـ وهوَ منْدُوبٌ للمُقْرِضِ والمُسْتَقْرِضِ فَقَدْ ظَهَرَ للنّاسِ أنّ الرِّبا ضرَرٌ منْ أشَدِّ الأضرارِ على الحياةِ الاقتصادية، بَلِ اتّضَحَ للعيانِ أنّ الضرورةَ تقضي باستبعادِ الرِّبا وإيجادِ الحوائلِ الكثيفةِ بيْنَهُ وبينَ المُجْتَمَعِ بالتشريعِ والتوجيهِ وَفْقَ نظامِ الإسلامِ. وإذا انعدمَ الرِّبا لمْ تبْقَ حاجةٌ للمصارِفِ الموجودةِ الآن. ويبْقى بيْتُ المالِ وحْدَهُ يقومُ بإقراضِ المالِ بلا فائدةٍ بعْدَ التحقّقِ منْ إمكانيّةِ الانتفاعِ بالمالِ.
وقد أعطى الخلفاءُ منْ بيتِ المالِ للفلاحينَ أمْوالاً لاستغْلالِ أرْضِهِمْ. والحُكْمُ الشرعيّ أنْ يُعْطَى الفلاحونَ منْ بيْتِ المالِ ما يتمكّنونَ بهِ منْ استغلالِ أرْضِهِمْ إلى أنْ تخرُجَ الغِلالُ. ويُعْطى للعاجِزِ كفايتُهُ منْ بيْتِ المالِ قَرْضاً ليعْمَلَ في الأرْضِ فَقَدْ أعطى الرّسولُ (ص) رجُلاً حبْلاً وفأساًليحْطِبَ. ويقرضُ بيْت المالِ مَنْ يقومونَ بالأعمالِ الفرديّةِ التي يحتاجونَ إليها لكِفايةِ أنْفُسِهِمْ. ولذلكَ لا يُعْطَى الأغنياءُ منْ بيْتِ المالِ شيئاً لزيادَةِ إنتاجِهِمْ.
على أنّ الرِّبا لا يتوقّفُ على وجودِ المجتمعِ الإسلاميّ أوْ وُجودِ مَنْ يقرضُ المالَ، بلِ الرِّبا حرامٌ ويجبُ ترْكُهُ أكانَ المجتمعُ الإسلاميّ أوْ لمْ يكنْ، وَوُجِدَ مُقْرِضُ المالِ أو لمْ يوجَدْ.


الرِّبـا والصَّرف
الرِّبا أخْذُ مالٍ بمالٍ منْ جنسٍ واحدٍ مُتفاضِلَيْنِ. والصّرْف أخْذ مالٍ بمالٍ منَ الذّهَبِ والفضّةِ منْ جنسٍ واحدٍ متماثلَينِ أو منْ جنسينِ مختلفَيْنِ مُتماثلينِ أو مُتفاضلَين.
والصّرْفُ لا يكونُ إلاّ في البيعِ. أمّا الرِّبا فيكونُ في البيعِ والقرضِ والسلمِ.
البيْعُ والسّلمُ يكونان في ستةِ أشياءَ فقط: في التمرِ والقمْحِ والشعيرِ والملحِ والذهبِ والفضّةِ. وأمّا القرْض فَيَقَعُ في كلِّ شيءٍ. ولا يحلّ إقراضُ شيءٍ ليردّ إليكَ أقلّ أو أكثرَ أو من نوعٍ آخر، بلْ يُرَدّ بمثلِ القرْضِ نفسِهِ.
والفرقُ بينَ البيعِ والسّلمِ والقرضِ أنّ البيْعَ والسلمَ يكونانِ في تبادلِ نوعٍ بنوعٍ آخر، وفي نوعٍ بنوعهِ، وأمّا القرْضُ فَلاَ يكونُ إلاّ في نوعٍ بنوعهِ. ويكونُ الرّبا في هذهِ الأنواعِ الستةِ فقط، لأنّ الرسولَ (ص) يقولُ: «الذّهَبُ بالذّهبِ مثلاً بمثلٍ، والفضّةُ بالفضّةِ مثلاً بمثل، والتمرُ بالتمرِ مثلاً بمثل، والبرّ بالبرّ مثلاً بمثل، والملْحُ بالملحِ مثلاً بمثلٍ، والشعيرُ بالشعيرِ مثلاً بمثل، فمن زادَ أو ازدادَ فقد أرْبى، بيعوا الذهب بالفضّةِ كيفَ شِئْتُمْ يداً بيد، وبِيعوا الشّعِيرَ بالتمرِ كَيْفَ شِئْتُم يداً بيد(+)». فالحديث هنا نصّ على أشياءَ مُعيّنةٍ ومنها الرّبا، فلا يثبت إلاّ فيها. والأشياءُ التي يتمّ فيها الرّبا تنطبِقُ عليها قاعدة «الأصلُ في الأشياء الإباحةُ ما لمْ يردْ دليلُ التحريمِ»، ولمْ يَرِدْ في غيرِ هذهِ الأنواعِ الستّةِ دليلٌ على التحريمِ، فلا يكونُ الرِّبا في غيرِها، ويدخلُ فيها كلّ ما هوَ منْ جنسِها وما ينطبِقُ عليهِ وضعُها.
أمّا تعليلُ التحريمِ في هذهِ الأشياءِ فلمْ يرِدْ في النّصِّ، ولا يُعَلَّلُ لأنّ العِلّةَ عِلّةٌ شرْعيّةٌ لا عَقْلِيّةٌ، وإذا لمْ تُفْهَم العِلّةُ منْ نَصٍّ فلا قيمةَ لها.
وأمّا قولهُ (ص): «الطّعامُ بالطعامِ مثلاً بمثل» وما رُويَ عنْ أبي سعيدٍ الخدريّ أنّهُ ـ قالَ: «قَسَمَ رسولُ الله (ص) طعاماً مختلفاً فتبايعْناهُ بزيادةٍ فنهانا رسولُ الله (ص) أنْ نأخُذَهُ إلا كَيْلاً بكيلٍ» وأنّهُ قالَ (ص): «لا تُباعُ الصّبرَةُ(+) منَ الطعامِ بالصّبرةِ منَ الطعامِ ولا الصّبرةُ منَ الطّعامِ بالكيلِ منَ الطعامِ المُسمّى»(+) فإنّ ذلكَ كُلّهُ لا يدُلّ على أنّ عِلّةَ التحريمِ هي الطّعامُ، وإنما يدُلّ على أنّ الرِّبا يحصُلُ في الطعامِ، فيشمُلُ جنسَهُ كلّهُ، فهو عامّ، وجاءَ حديثُ الرسولِ (ص) الذي عيّنَ أنواعَ الطّعامِ مخصّصةً فيها. بدليلِ أنّ هناكَ أطعمةً كثيرةً لا يحرمُ فيها الرِّبا، كالجبنةِ والبهارِ والمشمشِ والكوسا والخيار والبصلِ. وتُعتبَرُ منَ المطعوماتِ ولا يدخلُهَا الرِّبا بالإجماعِ، مع أنّهُ يصدْقُ عليها لفظُ الطّعامِ؛ لأنّها منَ المطعومِ فلو كانَ الرِّبا في كلِّ مطْعُومٍ لَدَخَلَهَا الرِّبا.
ولا يُقالُ حُرِّمَ الرّبا في الذهبِ والفضّةِ لأنّهُ موزونٌ، فيكونُ الوزنُ عِلّةَ تحريمِ الرِّبا لأنّ الوزْنَ جِنْسٌ. ولا يُقالُ حُرِّمَ الرّبا في الحنطةِ، والشعيرِ والتمرِ والملْحِ لأنّهُ مكيلٌ. فيكونُ الكيلُ علّةَ تحريمِ الرِّبا، لأنّ الكيْلَ جِنْسٌ ولأنّ الوزْنَ والكيْلَ جاءا في الحديثِ وَصْفاً لها لا علّةً قال (ص): «الذّهبُ بالذّهَبِ تبرهُ وعيْنهُ وزناً بوزنٍ والفضّةُ بالفضّةِ تبرهُ وعيْنهُ وزْناً بوزنٍ، والمِلْحُ بالمِلْحِ والتّمرُ بالتمرِ، والبُرّ بالبُرّ، والشعيرُ بالشعيرِ، كَيْلاً بكيلٍ. فمنْ زادَ أوِ ازدادَ فَقَدْ أرْبى»(+) فالحديثُ بيّن الحالةَ التي عليها التحريمُ وهي الوزْنُ بالذّهبِ والفضّةِ تفاضلاً والكيلُ في القمحِ والشعيرِ والملحِ والتمرِ تفاضلاً. وهذا بيانُ ما يجري فيهِ التبادلُ لا علّةٌ لهُ. وعليهِ فلا يجري الرّبا في كلِّ مكِيلٍ أو موزونٍ وإنما يجري الرّبا في هذه الأشياءِ الستّةِ فقطْ وزناً في الذّهبِ والفِضّةِ، وكيلاً فيما عداهما.
وأمّا القرْضُ فجائزٌ في هذهِ الأصنافِ الستّةِ وفي غيرها إلاّ في وجهٍ واحدٍ، وهو اشتراطُ أكثر مما أقرَضَ أو أحسن جنساً ممّا أقْرَضَ.
مُعامَلات الصَّرف
مهما تعدّدَتْ وتنوّعتْ معاملاتُ الصرفِ فهي لا تخرُجُ عنْ بَيْعِ نقْدٍ بِنَقْدٍ منْ جنسٍ واحدٍ، أوْ بيعِ نقْدٍ بنَقْدٍ من جنسينِ مختلفَينِ. وهيَ إمّا أنْ تكونَ حاضراً بحاضرٍ، أو ذِمّةً بذمّةٍ. ولا تكونُ بينَ حاضرٍ بذمّةٍ مُطلَقاً. وإذا تمّتْ عمليّةُ الصَّرْفِ بين شخصين وأرادَ أحدهما الرّجوعَ بها فلا يصحّ إذا تمّ العقْدُ والقَبْضُ، إلاّ أنْ يكونَ هنالكَ غَبْنٌ فاحِشٌ أوْ عيْبٌ فإنّهُ عندئذٍ يجوز. فإذا وجَدَ أحدُ المُتبايعين فيما اشتراهُ عَيْباً بأنْ وجدهُ مَغْشُوشاً، كما لو وَجَدَ في الفضّةِ نحاساً أو وجدَ في الفِضّةِ سواداً، فلَهُ الخيارُ بينَ أنْ يَرُدّ أوْ يقبَلَ إذا كانَ بنفسِ السّعْرِ الذي صُرِفَ بهِ. أي أنّ الردّ جائزٌ إذا لمْ تنقصْ قيمةُ ما أخَذَهُ منَ النّقْدِ عن قيمتِهِ يوم اصطرفا، فإنْ قَبِلَهُ جازَ البيْعُ وإنْ ردّهُ فسخَ البَيْع. فإذا اشترى ذَهَباً عيار 24 بذهبٍ منْ عيار 24، ووجدَ الذّهبَ الذي أخذهُ بعيار 18، فإنّهُ يُعتبرُ غشّاً، ولهُ الخيارُ بينَ أنْ يَرُدّ أو يَقْبَلَ بصرفِ يَوْمِه. وإذا أراد منِ استبدالِ الذْهَبِ بالذّهبِ قبولَ النّقْدِ بعيْنِهِ على أَنْ يأخُذَ منْهُ ما نَقَصَ منْ ثمنِهِ بالنّسبَةِ لعَيْبِهِ فلا يجوزُ لحصولِ الزيادةِ في أحدِ العِوَضَيْنِ، وفواتِ المُمَاثَلَةِ المُشترَطَةِ في الجنسِ الواحدِ. وإذا كانَ على رجلٍ دينٌ مؤجَّلٌ فقالَ لغريمِهِ: ضَعْ عني بعْضَهُ وأُعجّلُ لكَ بقيّتهُ لم يجُزْ لأنّهُ بَيْعٌ مُعَجّلٌ بمؤجّلٍ بغيرِ مماثَلَةٍ، فكأنّهُ باعِ دَيْنَهَ بمقدارٍ أقلّ منهُ حاضراً، فصار التفاضلُ موْجوداً فكان ربا. وكذلكَ إذا زادهُ الدائنُ فقالَ لهُ: أُعطيكَ عشرةَ دراهمَ وتُعِجّلُ لي المائةَ التي عليكَ، فإنّ ذلكَ لا يجوزُ لوُجودِ التفاضلِ، وهو ربا. قالَ رسولُ الله (ص): «الذهبُ بالذهبِ والفضّةُ بالفضّةِ يداً بيدٍ عيناً بعينٍ مثلاً بمثلٍ، فما زاد فهو ربا»(+).
وإذا كانَ لرجلٍ في ذمّةِ رجُلٍ آخر ذَهَبٌ، وللآخرِ في ذمّةِ الأوّلِ فضّةٌ، فاصطرفا بما في ذمّتِهِما بأنْ قضاه ما في ذمّتهِ منَ الذّهَبِ بما لهُ عندهُ ديناً منَ الفضّةِ، جاز هذا الصرفُ، لأنّ الذمّةَ الحاضرةَ كالعينِ الحاضرةِ. وإذا اشترى رجلٌ بضاعةً بذهبٍ، وقبضَ البائعُ ثمنها فضة جاز.
وإذا اشترى رجلٌ منْ رجُلٍ ديناراً صحيحاً بدينارينِ مغْشوشينِ فلا يجوزُ. ولكنْ لوِ اشترى ديناراً صحيحاً بدراهم فضّةٍ، ثمّ اشترى بالدراهم دينارينِ مغشوشينِ جاز، سواء اشتراهما منَ الذي باعهُ، أو منْ غيرهِ كما روى أبو سعيدٍ قال: «جاءَ بلالٌ إلى النبي (ص) بتمرٍ بُرْنِيٍّ، فقال لهُ النبيّ (ص): «منْ أينَ هذا؟» قالَ بلال: كانَ عندَنا تمرٌ رديءٌ فبعتُ صاعينِ بصاعٍ، فقالَ لهُ النبيّ (ص): «إنّهُ عَيْنُ الرِّبا لا تفعلْ، لكنْ إذا أردْتَ أنْ تشتري فَبِعِ التّمْرَ بَبَيْعٍ آخر ثم اشترِهِ». والحيَلُ كلّها محرّمَةٌ غيرُ جائزةٍ في شيءٍ من الدّينِ. فلو كانَ العقْدُ مُباحاً، وأُريدَ بهِ محرماً مخادعَةً وتوسّلاً إلى فعلِ ما حرّمَهُ الله، أو إسقاطِ ما أوْجَبَهُ أوْ دفْعِ حقٍّ، أو نحوِ ذلكَ، كانَ مثلُ هذا العقدِ محرّماً لأنّ الوسيلةَ إلى الحرامِ محرّمَةٌ، ولأنّ الرسولَ (ص) قال: «لَيَسْتَحِلّنّ قوْمٌ منْ أُمّتي الخمْرَ يُسمّونها بغيرِ اسْمِها»(+). وعلى هذا فالصرفُ منَ المعاملاتِ الجائزةِ في الإسلامِ وَفْقَ أحكامٍ مخصوصةٍ بيّنها الشّرْعُ. وهو يجري في المعاملاتِ الداخليّةِ كما يجري في المعاملاتِ الخارجيّةِ، فكما يستبدلُ الذهبُ بالفضّةِ، والفضّةُ بالذهبِ من نقدِ البلدِ، فكذلكَ يُسْتَبْدَلُ النقْدُ الأجنبيّ بِنَقْدِ البلَدِ سواءٌ كانَ في داخلِ البلادِ أمْ خارجِها، وسواءٌ كانَ معاملاتٍ ماليّةً نقداً بِنَقْدٍ أمْ معاملاتٍ تجاريّةً يجري فيهما صرْفُ النقدِ بالنّقْدِ.


النقود
النقودُ مقياسُ المنفَعَةِ التي في السلعَةِ والجُهْدِ، ولذلكَ تُعرّف النقودُ: بأنها الشيء الذي تُقاسُ بهِ السلَعُ والجهدُ. فالثمنُ للشيءِ والأجرُ للشخصِ ـ مثلاً ـ كلّ منهما قائمٌ على تقديرِ المجتمَعِ لقيمةِ ذلكَ الشيءِ وجُهْدِ ذلكَ الشّخْصِ. ولا تُعْتَبَرُ السنداتُ، ولا الأسهُمُ وما شاكَلَها منَ النّقُودِ، وهذا التقديرُ لِقِيَمِ الأشياءِ والجهد، يُعبّرُ عنهُ بوحداتٍ في شتى البلدانِ، ثم تصبحُ هذهِ الوحداتُ مقياساً تقاسُ به منفَعَةُ الشيء ومنفَعَةُ الجُهْدِ. وهذهِ الوحداتُ واسطةٌ للمبادَلَةِ، وهيَ النقودُ. والإسلامُ حينَ قرّرَ أحكامَ البيْعِ والإجارَةِ، لمْ يُعيّنْ لمبادلَةِ السلعِ أوِ الجهودِ والمنافِعِ شيئاً مُعيّناً تجري المُبادَلَةُ على أساسهِ فرْضاً، وإنما أطْلَقَ للإنْسانِ أن يُجْريَ المبادلةَ بما يشاءُ ما دامَ التراضي موْجوداً في هذهِ المبادَلةِ؛ فيجوزُ أن يتزوّجَ امرأةً بتعليمِها القرآنَ الكريمَ. ويجوزُ أنْ يشتريَ سِلْعَةً بالعملِ عندَ صاحبِها يوماً، ويجوزُ أنْ يشتغِلَ عندَ شخصٍ يوماً بعدَدٍ معينٍ منَ الخُبْزِ. وهكذا أطلَقَ المُبادَلَةَ لبني الإنسان بما يريدونَ منَ الأشياءِ. ومُبادَلَةُ السلعَةِ بوحدةٍ معيّنَةٍ منَ النّقْدِ قدْ عُيّنَتْ للمسلمينَ في جنسٍ معيّنٍ منَ النّقْدِ: الذَّهبِ والفضّةِ. ولم يتركِ الإسلامُ للمجتمَعِ أنْ يعبّرَ عنْ تقديرِهِ لمقياسٍ المنفَعَةِ للأشياءِ أوِ الجهودِ بوحداتٍ نقديّةٍ ثابتةٍ أو متغيّرَةٍ يتصرّفُ بها كما يشاء، وإنما عيّنَ هذهِ الوحداتِ النقديّةَ التي يُعبّرُ بها المجتمعُ عنْ تقديرِ القِيَمِ للأشياءِ وللجهودِ تعْييناً ثابتاً بوحداتٍ نقديّةٍ معيّنَةٍ. ويُفْهَمُ هذا التعيينُ مِنْ عدّةِ أُمورٍ:
أولها: أنّ الإسلامَ حينَ نهى عن كَنْزِ المالِ، خصّ الذهبَ والفضّةَ بالنّهْي، معَ أنّ المالَ كلّ ما يُتموّلُ. فالقمْحُ مالٌ، والتمرُ مالٌ، والنّقْدُ مالٌ. والكَنْزُ إنما يظهَرُ في النّقْدِ، لا في السّلعِ والجهود. والمرادُ منَ الآيةِ النّهْيُ عَنْ كَنْزِ النّقْدِ لأنّهُ أداةُ التبادُلِ العامّة. ولأنّ أثرَ النّهي مُنْصَبّ على كنزهِ. أمّا غيرُ النّقْدِ فلا يسمّى جمعُهُ كَنزاً، وإنما يُسمّى احتكاراً، وهكذا كانت الآيةُ التي نهَتْ عنْ كَنْزِ الذّهَبِ والفِضّةِ إنما نهتْ عنْ كَنْزِ النّقْدِ. وقدْ عيّنَتِ الآيةُ النّقْدَ الذي نهى الله عنْ كَنْزِه وهو الذهبُ والفضّةُ. قالَ تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ *} [التّوبَة: 34] فالنهْيُ منصَبّ على أداةِ التبادُلِ النقديّةِ. وعلى هذا فإنّ كَنْزَ الذهبِ والفضّةِ عَيْناً حرام سواء كانَ مضروباً أو غيرَ مضروبٍ. وكَنْزُ النقودِ النّائبةِ حرامٌ، لأنّها تمثِّلُ كميّةً منَ الذهبِ والفضّةِ على شكْلِ نقودٍ أو سبائِكَ مُودَعَة في مكانٍ معيّنٍ، هذا إذا كانَ المبلغُ الذي يمثّلُهُ الورقُ يساويهِ. أمّا إذا كانَ لا يُساويهِ فإنّ كَنْزَهُ حرامٌ بالمبلغِ الذي يُساويهِ فَقَطْ. وأمّا النقودُ الورقيّةُ الإلزاميّةُ، أي البنكنوت، فلا يُعتَبَرُ كَنْزُها حراماً لأنها أوراقٌ اصطُلِحَ عليها اصطلاحاً، فلا يُعْتَبَرُ كَنْزُها كَنْزاً لذَهَبٍ أوْ فضّةٍ، فنصّ الآيةِ على تحريمِ كَنْزِ أداةِ التبادُلِ أو تعيينِ جنسِها يدلّ على أنّ هذا الجنسَ هو النقدُ الذي يتخذهُ المسلمونَ، لأنها هي أداةُ التبادُلِ الشرعيّةِ، فتحريمُ الإسلامِ كَنْزَ الذهَبِ والفضّةِ ـ حينَ حرّمَ كَنْزَ النّقْدِ ـ دليلٌ على أنّ الذهبَ والفضّةَ هما النّقْدُ في الإسلامِ.
ثانيها: رَبَطَ الإسلامُ الذهبَ والفضّةَ بأحكامٍ ثابتةٍ لا تتغيّرُ، فحينَ فرضَ الديّةَ عيّنَ لها مقداراً معيّناً منَ الذهبِ. قال (ص) في كتابهِ الذي كتَبَهُ إلى أهْلِ اليمنِ: «وإنّ في النّفْسِ المؤمِنَةِ مِئَةً منَ الإبلِ، وعلى أهل الورقِ ألفُ دينارٍ»(+). وقالَ: «لا قطعَ إلاّ في ربعِ دينارٍ فصاعداً»(+). فهذا التحديدُ لأحكامِ معيّنَةٍ بالدينارِ والدرهَمِ والمثقالِ يجعَلُ الدينارَ بوزْنِهِ منَ الذهَبِ، والدرْهَمَ بوزنهِ منَ الفضّةِ وحدةً نقديّةً تُقاسُ بها قِيَمُ الأشياءِ والجهودِ. وهذه الوحدةُ النقديّةُ هيَ النقدُ وأساسُهُ؛ فَرَبْطُ الإسلاَمِ الأحكامَ الشرعيّةَ بالذهبِ والفضّةِ نصّاً حينَ تكونُ هذهِ الأحكامُ متعلّقَةً بالنقدِ، دليلٌ على أنّ النّقْدَ هوَ الذّهبُ والفضّةُ فحسْبُ.
ثالثها: لقد عيّنَ الرسولُ (ص) الذّهبَ والفضّةَ نقْداً، وجَعَلَهُما وَحدَهُما المقياسَ النقديّ الذي يرجعُ إليهِ مقياسُ السلَعِ والجهُودِ، وعلى أساسِهِما كانتْ جميعُ المعاملاتِ النقدية، وجَعَلَ المقياسَ لهذا النّقْدِ الأوقيّةَ والدرهَمَ والدّانقَ والقيراطَ والمثقالَ والدينار، وكانتْ هذهِ كلّها معروفةً مشهورةً في زمنِ النبيّ (ص) يتعامَلُ بها الناسُ. والثابتُ أنّهُ عليهِ السلامُ أقرّها. وكانتْ تقعُ بالذهبِ والفضّةِ بوصفِهِما نقْداً لجميعِ البُيوع. وحدّدَ الرسولُ (ص) ميزانَ الذهبِ والفضّةِ نقداً: «الميزانُ ميزانُ أهلِ المدينةِ». ومن مُراجَعَةِ الموازينِ النقديّةِ في الإسلامِ يتبيّنُ أنّ الأوقيّةَ الشرعيّةَ أربعونَ دِرْهماً، والدِّرْهَمَ ستّ دوانقَ، والدينارَ أربعةٌ وعشرونَ قيراطاً، وكلّ عشْرَةِ دراهِمَ سَبْعَةُ مثاقيلَ. وموازينُ المدينةِ أقرّتْ ذلكَ.
رابعها: إنّ الله سبحانَهُ وتعالى أوْجَبَ زكاةَ النّقْدِ في الذهَبِ والفضّةِ، وعيّنَ لها نِصاباً منهما. فاعتبارُ زكاةِ النّقْدِ بالذّهبِ والفضّةِ يعني أنّ النّقْدَ محْصورٌ بالذّهبِ والفضّةِ. ولو كانَ غيرهُما لما وَجَبَتْ فيهِ زكاة نقدٍ، لأنّهُ لم يأتِ نصّ في زكاةِ النّقْدِ، إلاّ على الذهبِ والفضّةِ ممّا يدلّ علىّ أنّهُ لا اعتبارَ لغيرِهِما منَ النّقودِ.
خامسها: إنّ أحكامَ الصرْفِ التي جاءَتْ في معاملاتِ النّقْدِ فقطْ إنما جاءتْ بالذهبِ والفضّةِ وحدَهُما. وجميعُ المعاملاتِ الماليّةِ التي وردتْ في الإسلامِ كان النصّ فيها على الذهبِ والفضّةِ فقطْ، والصرْفُ بالعملةِ نفسِها أوْ بيْعِ عُمْلَةٍ بعُمْلَةٍ أُخرى. وبعبارةٍ ثانية الصرْفُ مُبادَلَةُ نَقْدٍ بنَقْدٍ، فتعْيينُ الشّرْعِ للصرْفِ ـ وهوَ معاملةٌ نقديّةٌ بحْتَةٌ ولا تتعلّقُ إلاّ بالنّقْدِ ـ بالذهَبِ والفضّةِ ـ دليلٌ صريحٌ على أنّ النقْدَ يجبُ أنْ يكونَ الذهَب والفضّة هما النقْد المقصود لا غير. قال (ص): «بيعوا الذهبَ بالفضّة كيفَ شِئْتم يداً بيدٍ»(+) وعلى ذلكَ تُعْتَبَرُ النقودُ منَ الأشياءِ التي جاءَ الإسلامُ بحكمِها، وليستْ منَ الأشياءِ التي تدخُلُ في الرأيِ والمَشورَةِ، ولا بما تتطلّبهُ الحياةُ الاقتصاديّةُ أو الحياةُ الماليّةُ. بلْ هيَ منْ حيثُ كَوْنُها وَحْدَةً نقديّةً، ومنْ حيثُ جِنْسُها، ثابتةٌ بحُكمٍ شرعيٍّ، ترتبِطُ به أحكامٌ شرعيّةٌ أُخرى. فتحريمُ كَنْزِهِ، وَوُجوبُ الزّكاةِ فيهِ، وجعْلُ أحْكامِ الصرْفِ لهُ، وإقرارُ الرسولِ للتعاملِ بهِ، وربْطُ الديّةِ والقطْع في السرقةِ فيهِ، كلّ ذلكَ يجعلُهُ أمراً يتوقّفُ الرأيُ فيهِ على نصّ الشرعِ؛ فإذا نصّ الشرْعُ على هذا النّقْدِ بالأحكامِ المتعلّقَةِ بهِ وحدَهُ والمُرتَبِطةِ بهِ، بأنّهُ الذهبُ والفضّةُ كان ذلكَ دليلاً واضحاً على أنّ النّقْدَ يجبُ أنْ يكونَ منَ الذهبِ والفضّةِ، أو أساسهُ الذهَبُ والفضّةُ. وعندئذٍ لا بدّ من التزامِ ما عيَنَتْهُ الأَحكامُ الشرعيّةُ من نوْعِ النّقْدِ، ويجبُ أنْ يكونَ النّقْدُ في الإسلامِ ذَهَباً أوْ فضّةً ولا يجوزُ أنْ يكونَ غيرهما بأيّ وجهٍ منَ الوُجوهِ.. ولكن كون الذّهَبِ والفضّةِ وحْدَهُما نَقْداً لا يعني ذلكَ أنهُ لا يجوزُ التبادُلُ بغيرِهما بلْ معناهُ لا يجوزُ للمسلمينَ أنْ يتّخِذوا نَقْداً لهُمْ سوى الذّهَبِ والفضّةِ، وموضوعُ النّقْدِ هُنا غيرُ موضوعِ التبادُلِ، بلْ هوَ موضوعُ اتّخاذِ نَقْدٍ. ومعَ جوازِ التبادُلِ بينَ النّاسِ بكلِّ شيءٍ، فإن اتخاذَ مقياسٍ نقديٍّ للتبادُلِ ولغيرِهِ لا يجوزُ أنْ يتعدّى الذّهَبَ والفضّةَ، أي لا يجوزُ أنْ يكونَ النّقْدُ في الإسلامِ إلاّ ذهباً وفضّةً.
لكنّ الرسولَ (ص) «جَعَلَ جِنْسَ الذهَبِ والفضّةِ نَقْداً، سواءٌ كانَ مضروباً أمْ غيرَ مضرُوبٍ، ولمْ يضرب نقد معيَّنٌ على صفةٍ معيّنَةٍ لا تختلِفُ، بلْ كانتْ وحداتُ الذهَبِ والفضّةِ مجموعاتٍ من ضروبِ فارسَ والرّومِ صغيرةً وكبيرةً وقِطَعَ فضّةٍ غيرَ مضروبةٍ ولا منقوشَةٍ ويمنِيّةً ومغربيّةً يُتَعامَلُ بها جميعها، ولكنّ اعتبارَها كانَ بالوزْنِ لا بالعددِ ولا بالنّقْشِ أوْ عَدَمِ النّقْشِ، فالتحديدُ إذن كانَ بتعيينِ الذهبِ والفضّةِ وبتعيينِ الوَزْنِ لكلِّ منها وكانتْ حقوقُ الله كالزكاةِ، وحقوقُ العبادِ كالدّينِ وثمنِ المبيعِ تتعلّقُ بالدّراهمِ والدّنانيرِ، أي بالذّهَبِ والفضّةِ المقدّرَةِ بالوزنِ. وظلّ الحالُ كذلكَ طوالَ أيامِ النبي (ص) وطوالَ أيامِ الخلَفَاءِ الرّاشدينَ إلى أن جاءَ عبْدُ الملكِ بنُ مروانَ فصيّرَ النّقْدَ وزْناً واحداً، لا يختلِفُ عن وزْنِ المدينةِ، وكانَ ذلكَ سنة خمسٍ وسبعينَ هجريّةٍ. ومنذُ ذلكَ التاريخِ صُكّتْ دراهمُ إسلاميّةٌ ودنانيرُ إسلاميّةٌ أيضاً بناء على ذلك، فنظامُ النقْدِ في الإسلامِ، من حيثُ أساسُهُ، محصورٌ بوزنِ الذهبِ والفضّةِ. أمّا حجمُهُ وضربُهُ وشكلُهُ ونوْعُ نقْشِهِ فلا يتعدّى الأسلوبَ. وعليهِ تكونُ كلمةُ الذّهَبِ والفضّةِ، أينما وردتْ في ألفاظِ الشَّرْعِ وتقديراتهِ، تنطبقُ على أمرينِ: على النّقْدِ الذي يُتَعَامَلُ بهِ ولو كانَ نُحاساً أو برونزاً أو ورَقاً نقديّاً إذا كانَ لهُ مُقابِلٌ باعتبارِ ما يقابِلُهُ منَ الذهَبِ والفضّةِ، وعلى معدني الذهبِ والفضّةِ، فما كان منَ النقْدِ ذهباً وفضّةً اعْتُبِرَ، وما كانَ أوراقاً نقديّةً أو نُحاساً أو غيرَ ذلكَ، فما يمكنُ تحويلُهُ منهُ إلى قيمتِهِ منَ الذهَبِ أوِ الفضّةِ اعتُبرَ أيضاً إذا كانَ يستنِدُ إلى الذّهَبِ والفضّةِ. أمّا إذا كانَ لا يستنِدُ إليهما كالنقود الورقيّةِ الإلزاميّةِ فلا يُعتَبَرُ، والنقودُ الورقيّةُ الإلزاميّةُ يُطلَقُ عليها أيضاً اسمَ الأوراقِ النقديّةِ، وهيَ أوراقٌ تُصدِرُهَا الحكوماتُ وتجعلُها نقوداً رئيسيّةً ولكنّها لا تُصرَفُ بذهَبٍ أو فضّةٍ، ولا يضمَنُها احتياطيّ ذهبٍ أوْ فضةٍ أو أوراقٍ مصرفيّةٍ «بنكنوت» ولكنْ يصدُرُ بشأنها قانونٌ يُعْفي المصرفَ الذي أصدرَها من التزامِ صرْفها بالذهبِ والفضّةِ وهذهِ الأوراقُ النقديّةُ جميعُها نقودٌ أهليّةٌ، فلا يتعدّى تداوُلُها حدودَ البلَدِ الذي يخضَعُ للقانونِ الذي قضى بجعْلِها عِمْلَةً رئيسيّةً. وليسَ لهذهِ الأوراقِ النقديّةِ سوى قيمة قانونيّةٍ، ولكنْ ليس لها قيمةٌ سلعيّةٌ لأنها تستمِدّ قيمتَها منْ إرادةِ المُشرّعِ الّذي فرضَ تداوُلها، فإذا ألغى التعاملَ بها أصبحتْ عديمةَ القيمة.
نِظَام الذهَب
تسيرُ الدولةُ على نظامِ الذهبِ إذا كانتْ تستعمِلُ عُمْلَةً ذهبيّةً في معاملاتها الداخليّةِ، أو إذا كانتْ تستعملُ في الداخلِ عُمْلَةً ورقيّةً قابلةً للتحويلِ إلى ذهبٍ. إمّا للاستعمالِ في الداخلِ والدّفْعِ في الخارجِ، أو للدّفْعِ في الخارج فقط، على أن يكونَ هذا التحويلُ بسعْرٍ ثابتٍ، أي أن تكونَ الوحدةُ الورقيّةُ قابلةً للتحويلِ إلى كميّةٍ مُعيّنَةٍ منَ الذهَبِ وبالعكْسِ بسعْرٍ محدودٍ. وطبيعيٌّ في هذه الحالةِ أن تظلّ العُمْلَةُ في البلدِ مرتبطةً بارتباطِ قيمةِ الذهبِ، فإن ارتفعتْ قيمتُهُ بالنسبةِ للسلَعِ الأخرى ارتفعتْ قيمةُ العُمْلَةِ، وإنِ انخفضتْ قيمةُ الذهبِ انخفضتْ قيمةُ العُمْلَةِ الورقيّةِ. وللنقدِ في الأساسِ الذهبيّ صفةٌ خاصّةٌ وهيَ أنّ الوحدةَ النقديّةَ مرتبطةٌ بالذهب بتعادُلٍ معيّنٍ، أي أنّها تتألّفُ قانوناً من وزنٍ مُعَيّنٍ منهُ. واستيرادُهُ وتصديرُهُ يجريانِ بحرّيّةٍ بحيثُ يجوزُ للناسِ امتلاك النقدِ أوْ السّبائِكِ الذّهبيّةِ أو التّبرِ وتصديرُها بحريّةِ. والذهبُ يتحوّلُ بحريّةٍ بينَ البلادِ المختلفِةِ فلِكُلِّ شخصٍ الخيارُ بينَ شراءِ النقْدِ الأجنبيّ وإرسالِ الذهبِ وإنما يختارُ الوسيلةَ الأقلّ كُلْفَةً، وما دامَ سعْرُ الذهبِ بالإضافةِ إلى تكاليفِ إرسالِهِ، أعلى منْ سعرِ النقودِ الأجنبيّةِ بالسّوقِ، فإنّ إرسالَ النقْدِ الأجنبيّ أفضل، أمّا إذا تجاوزَ سعْرُ الصرْفِ هذا الرّقم، فالأفضلُ أخْذُ الذهبِ منَ التداوُلِ وإرساله.
أهمّ فوائدِ نِظَامِ الذَّهَب:
1 ـ إنّ الأساسَ الذهبيّ يفترِضُ حريّةَ التداوُلِ بالذّهَبِ واستيراده وتصديره؛ الأمرُ الذي يفترضُ دَوْرَ استقرارٍ نقْدِيٍّ وماليّ واقتصاديٍّ، وفي هذهِ الحالِ لا تعدُو عمليّاتُ الصرْفِ أنْ تكونَ ناشئةً عنْ مدفوعاتٍ خارجيّةٍ تُسَدّدُ أثمانَ البضائِعِ وأُجورَ المستخدَمينَ.
2 ـ إنّ نظامَ الذهَبِ معناهُ ثباتُ سعْرِ الصرْفِ بينَ الدولِ، وينجُمُ عنْ ثباتِ سعْرِ الصرْفِ تقدّمٌ في مجالِ التجارةِ الدوليّةِ، لأنّ التجّارَ لا يخشَوْنَ التوسّعَ في التجارةِ الخارجيّةِ ما دامَ الصرْفُ ثابتاً ولا خوْفَ منْ توسّعِ تجارتِهِمْ.
3 ـ في النظامِ الذهبيّ لا يمكنُ للبنوكِ المركزيّةِ وللحكوماتِ التوسّعُ في إصدارِ ورَقِ النّقْدِ، لأنّ ورَقَ النّقْدِ قابلٌ للتحويلِ إلى ذَهَبٍ بسعرٍ محدودٍ، وما دامَ كذلكَ فإنّ السلطاتِ المختصّةَ تخشى، إن توسّعَتْ في الإصدارِ، أن يزدادَ الطلبُ على الذهَبِ وأنْ تعْجَزَ عن مواجهتِهِ، ولذلكَ تحتفِظُ بنسبةٍ معقولةٍ بينَ ما تصدرُهُ منْ ورقِ النقْدِ واحتياطيّها من الذهبِ.
4 ـ تتحدّدُ كلّ عملةٍ منَ العملاتِ المُستعمَلَةِ في العالمِ بمقدارٍ معيّنٍ منَ الذهبِ، ويسهلُ حينئذٍ انتقالُ البضائِعِ والأموالِ والأشخاصِ منْ بَلَدٍ إلى آخر، وتنعدِمُ صعوباتُ القطعِ والعُمْلَةِ النادرةِ.
5 ـ تُحْفَظُ لكلِّ دولَةٍ ثروتها الذهبيّة، ولا يتهرّبُ ذهبُها منْ بلدٍ إلى آخر، ولا تحتاجُ إلى أيّ مراقبةٍ للمحافظَةِ على ثروتها، لأنها لا تنتقِلُ منها إلاّ بسببِ مشروعٍ، لأثمانِ السّلَعِ أو أُجورِ المستخدمينَ. هذهِ بعضُ فوائدِ نظامِ الذهبِ، وكلّها تحتّمُ أن يسيرَ العالم وَفْقَهُ.
مشاكِل نِظامِ الذهَب
حينَ كانَ نظامُ الذهبِ عالميّاً كانت مشاكلُهُ صغيرةً محدودةً أوْ معدومةً، وقدْ طرأتِ المشاكِلُ بعْدَمَا أخَذَتِ الدوَلُ الكبرى تحاولُ ضرْبَ أعدائِها عنْ طريقِ النّقْدِ، حينَ جَعَلَتِ النّقْدَ الورقيّ الإلزاميّ معَ نظام الذهبِ وحينَ أوجَدَتِ الدوَلُ الاستعماريّةُ الغربيّةُ صندوقَ النقْدِ الدوْليّ. ولذلك نشأتْ أمامَ الدولةِ التي تستعمِلُ نظامَ الذهبِ مشاكلُ لا بدّ منْ معرِفتِها لمعرفَةِ حلِّها والتغلّبِ عليها. وهي:
1 ـ تركّزُ الذهبِ في الدولِ التي زادت قوّتها على الإنتاجِ ومقدرتها على المنافسةِ في التجارةِ الدوليّةِ، أو غِناها بالخُبراءِ والصناعيينَ؛ ممّا جَعَلَ الذّهَبَ يتسرّبُ إليها ثمناً للسلَعِ أو أُجوراً للمستخدَمينَ منَ الخبراءِ والعلماءِ والصناعيينَ، حتى تكدّسَتْ أكبرُ كميّةٍ منْ ذهَبِ العالمِ في خزائنِ تلكَ الدوَلِ، فاختلّ حينئذٍ توزيعُ الذهبِ بينَ الدوَلِ ونتجَ عنهُ خَشْيَةُ الدولِ منْ تسرّبِ الكميّةِ التي لديها منَ الذهبِ، فمنعتْ خروجَهُ منها وأدّى ذلكَ أو ربما أدّى إلى وقْفِ حركةِ تجارتها الخارجيّةِ. 2 ـ إنّ بعضَ الدوَلِ يتسرّبُ إليها الذهبُ نتيجةَ مَيْلِ الميزانِ الحسابيّ لمصلحتِها، ولكنّها تمنَعُ هذا الذهبَ الذي دخلَ إليها من التأثيرِ على السوقِ الداخليّةِ. ومنْ رفْعِ مستوى الأسعارِ فيها. وذلكَ بأنْ تضَعَ في السوقِ كميّةً منَ السنداتِ تكفي لسحْبِ مبلغٍ من النقودِ معادِلٍ مقدارَ ما وردَ إليها منَ الذهبِ فيبقى الذهبُ عندها ولا يخرجُ منها ولا يرجعُ للبلادِ التي أصدرَتْهُ فتتضرّرَ منْ نظامِ الذهبِ.
3 ـ إنّ انتشارَ نظامِ الذهبِ كانَ مقروناً بفكرةِ التخصيصِ بينَ الدولِ في نواحي الإنتاجِ وعدمِ إقامةِ العراقيلِ في سبيلِ التجارةِ بينها، وقدْ ظهرَتْ في الدوَلِ اتجاهاتٌ قويّةٌ لحمايةِ إنتاجِها الصناعيّ والزراعيّ وفرضَتْ حواجزَ جمركيّةً بحيثُ يَتَعسّر إدخالُ سِلَعِ لها تُباعُ بالذهَبِ، ولذلكَ تتضرّرُ الدولةُ التي تسيرُ على نظامِ الذهبِ، لأنّها إنْ لمْ تتمكّنْ منْ إدخالِ بضائعِها لغيرها بالسعر العاديّ، فإنها إمّا أن تضطرّ إلى تخفيضِ أسعارِ بضاعتها تخفيضاً إضافيّاً لتتغلَّبَ على الحواجزِ الجمركيّةِ أو تمتَنِعَ منْ إدخالِ بضاعتِها إليها. وفي ذلكَ خسارةٌ عليها. هذهِ هيَ أهمّ المشاكلِ التي يتعرّضُ لها نظامُ الذهبِ إذا استعْمَلَتْهُ دولةٌ واحدةٌ أو دوَلٌ متعددةٌ. وطريقُ التغلّبِ عليها أن تكونَ السياسةُ التجاريّةُ قائمةً على الاكتفاءِ الذاتيّ وأنْ تكُونَ أُجورُ الأجَرَاءِ مُقدّرَةً بمنفعةِ جُهودِهِمْ لا بثمنِ السلَعِ التي يُنتجونها، ولا بحسبِ مستوى معيشتهِمْ، وأنْ لا تُعتَبَرَ السّنداتُ الماليّةُ ولا الأسهُمُ مالاً مملوكاً للأفرادِ في بلادها. وأن تُقلّلَ الدولةُ منَ الاعتمادِ على التصديرِ في إنتاجِ ثروتِها، بلْ تعْمَلُ لجعْلِ إنتاجِ الثروَةِ داخليّاً دونَ حاجةٍ إلى سِلَعٍ أو مستخدمينَ. وعندئذٍ لا يبقى تأثيرٌ عليها للحواجزِ الجمركيّةِ. ومتى سارَتِ الدولةُ على هذهِ السّياسةِ سارَتْ على نظامِ الذهَبِ، واكتسبَتْ جميعَ فوائدِهِ وتجنّبَتْ مشاكِلَهُ ولا يُصيبُها منهُ أيّ ضررٍ بلْ يُصْبِحُ منْ مصلحَتِها ومنَ المحتّمِ عليها اتباعُ نظامِ الذهبِ والفضةِ لا غير.
نِظام الفِضّةِ أو الأسَاس الفضي
يُقصَدُ بهِ أنّ الفضةَ أساسُ الوحدةِ النقديّةِ لأنّ هذا المعدنَ يتمتّعُ بحريّةِ الضرْبِ، وبقوةٍ إبرائيّةٍ غيرِ محدودةٍ، وقد كانَ معروفاً منذُ القديمِ، فكانَ في الدولةِ الإسلاميّةِ سائراً معَ نظامِ الذهَبِ. وكانَ وحدَهُ في بعضِ الدولِ نظامَ النقدِ الأساسيّ. وظلّ نظامُ الفضّةِ معمولاً بهِ في الهندِ الصينيّةِ حتى 1930، ثمّ استبدلت في تلكَ السنَةِ القرشَ الذهبيّ بالقرشِ الفضيّ. ونظامُ الفضّةِ كنظامِ الذهبِ في كلِّ تفاصيلهِ. ولذلكَ كانَ منَ السهْلِ الجمْعُ بينَ النظامينِ: الذهبي والفضي، ومنذُ هجرةِ الرسول (ص) كانتِ الدولةُ الإسلاميَّةُ قائمةً على سياسةِ الذهبِ والفضَّةِ معاً، ويجبُ أن تظلّ هذهِ السياسةُ النقديّةُ قائمةً على الأساسين الذهبيّ والفضيّ، أي سواء كانَ التداوُلُ بهما عينيهما أو بنقْدٍ ورقيٍّ مُغطًّى بالذهبِ والفضّةِ هو عيْنُهُ متداولاً. أو كان هنالكَ نقدٌ ورقيّ متداوَلٌ مقابلهُ ذهبٌ وفضّةٌ في مكانٍ معيّنٍ.
النقود المَعْدنِيّة
يُرْجِعُ الاقتصاديّونَ أنواعَ النقودِ المعدنيّةِ المختلفة إلى نوعينِ رئيسيينِ، هما نظامُ المعدنِ الفرديّ ونظامُ المعدنين. فالأولُ: ما تكونُ النقودُ الرئيسيةُ فيه مقصورةً على مسكوكاتِ معدنٍ واحدٍ. والثاني: ما تكونُ المسكوكاتُ الذهبيّةُ والفضيّةُ نقوداً رئيسيّةً. وهذا النظامُ ينطوي على ثلاثِ صفاتٍ:
الأولى: أن تكونَ للمسكوكاتِ الذهبيّةِ قوّةُ إبراءٍ غيرِ محدودَةٍ.
الثانية: أن تتوفّرَ حريّةُ الضرب لسبائكِ المعدنين.
الثالثة: أنْ تكونَ هناكَ نسبةٌ قانونيّةٌ بينَ قِيمَتَي المسكوكاتِ الذهبيّةِ والفضيّة.
ونظامُ المعدنينِ يمتازُ بجعلِ كميّةِ النّقودِ التي يجري بها التداولُ عظيمةً، إذْ تُستَعْمَلُ مسكوكاتُ المعدنينِ نقوداً رئيسيّةً. وعندئذٍ تحتفظُ الأثمانُ بمستوىً مرتفِعٍ. وهوَ أمرٌ يشجّعُ على زيادةِ الإنتاجِ ويجعَلُ قيمةَ النقودِ أكثرَ ثباتاً. ثم تكونُ الأثمانُ أقلّ عرضةً للتغيراتِ الشديدةِ التي تؤدّي إلى اضطرابِ الحالةِ الاقتصاديّةِ، وبذلكَ يظهَرُ أن استعمالَ معدنينِ منَ النّقودِ المعدِنِيّةِ خيرٌ منِ استعمالِ معدنٍ واحدٍ..
التعقد الناشىء حالياً في العَلاقات النقْدية بَين الدّول
التجارةُ الخارجيّةُ تعني بَيْعَ البضائِعِ أوْ شراءها منْ دوْلةٍ أُخرى. ولما كانَ العالمُ كلّهُ يسيرُ على نظامِ الذهبِ لمْ تكنْ مشاكلُ نقديّةٌ بينَ الدولِ، لأنّ النقْدَ في نظامِ الذهَبِ يحتوي على صفةٍ خاصةٍ، وهيَ أنّ الوحدةَ النقديّةَ مرتبطةٌ بالذهبِ بتعادُلٍ معيّنٍ، أي أنّها تتألّفُ قانونيّاً من وزن معيّن منَ الذهبِ. وكانَ استيرادُ الذهبِ وتصديرُهُ مباحَيْنِ؛ فكانَ يجوزُ للناسِ امتلاكُ النَّقْدِ والسبائكِ الذهبيّةِ والتبرِ وتصديرها بحرّيّةٍ. ولذلكَ كانتِ العلاقاتُ النقديّةُ بينَ الدوَلِ في منتهى البساطَةِ، وظلّ العالمُ يسيرُ على نظامِ الذهبِ حتى الحربِ العالميّةِ الأولى. ويومئذٍ كانتِ النقودُ عبارةً عنْ قِطَعٍ ذهبيّةٍ وفضيةٍ وأوراقٍ نقديّةٍ تقبلُ التحويلَ إلى قيمتها منَ الذهبِ، وكان لتطبيقِ هذا النظامِ شأنٌ طيّبٌ في العلاقاتِ الاقتصاديّةِ.
ولمّا اندلعَتِ الحربُ العالميّةُ الأولى سنة 1914 عمدتِ الدولُ التجاريّةُ إلى اتخاذ إجراءاتٍ جعلَتْ نظامَ الذهَبِ يضطربُ، فمنها مَنْ أوْقَفَ قابليّةَ تحويلِ عملاتها إلى ذهبٍ، ومنها مَنْ فرضَ القيودَ الشديدةَ على تصديرِ الذهبِ، ومنها من صارَ يعرقِلُ استيرادَهُ؛ فاختلّ النظامُ النقديّ وتقلّبتْ أسعارُ الصرْفِ. ومنذُ ذلكَ التاريخِ حتى اليومِ تعرّضتِ الحياةُ النقديّةُ في العالمِ إلى عدّةِ عواملَ، حتى لمْ يعُدْ نِظامُ الذهبِ نظاماً عالمياً، بلْ هوَ خاصّ ببعْضِ الدوّلِ. ومنْ هنا بدأتِ العراقيلُ والصعوباتُ في انتقالِ النقودِ والسلَعِ والأشخاصِ. وأغْلَبُ النقودِ في عالمِ اليومِ نقودٌ ورقيّةٌ بعضُها نائبةٌ وهيَ أوراقٌ تمثّلُ كميّةً منِ الذهبِ والفضّةِ على شكلِ نقودٍ أو سبائكَ مُودَعَة في مكانٍ معينٍ لها منَ القيمةِ المعدنيّةِ ما لهذهِ الأوراقِ منَ القيمةِ الاسميّةِ وتُصرَفُ بها لدى الطلبِ. وهو نوعٌ نادرٌ. وبعضُهَا وثيقةٌ وهيَ أوراقٌ يتعهّدُ الموقّعُ عليها بدفْعِ مبلَغٍ معيّنٍ منَ النّقودِ المعدنيّةِ لحامِلِها وتتوقّفُ قيمتُها في التداوُلِ على ما يتوفّرُ منَ الثقَةِ في الموقّعِ عليها وفي قدرتهِ على الوفاءِ بتعهّدِهِ. ولكنْ مَصْدَرُ هذهِ النقودِ الورقيَّةِ لا يحتفظُ بِمِقْدارٍ مِنَ الذّهَبِ تُساوي قِمَتَها تماماً، كما هِيَ الحالُ في النّقُودِ الوَرَقِيّةِ النائبةِ، بل يَحْتَفِظ باحتياطٍ معدنيٍّ ضماناً لهذهِ الأوراقِ بنسبةٍ معيّنَةٍ، قدْ تكونُ ثلاثةَ أرباعٍ أو الثلث، أو نسبةً مئويّةً ـ عشرة في المئة مثلاً ـ أو أكثرَ أو أقلّ، ولذلكَ ترتفِعُ قيمتُها وتنخفضُ بحسبِ الثقةِ في مصدرها وبقدرتهِ الماليّةِ. وهذهِ هي التي تُسْتَعْمَلُ في أكثرِ دوَلِ العالمِ، بلْ هيَ النظامُ العالميّ السائدُ، ومن هنا يأتي التعقيدُ في العلاقاتِ النقديّةِ بينَ الدولِ. لأنّ العلاقاتِ بيْنَها تنشأُ منْ تبادُلِ السلَعِ أوِ الصادراتِ والوارداتِ المنظورَةِ، ومنْ تبادُلِ الخدماتِ، أو ما يسمّى بالصادراتِ والوارداتِ غيرِ المنظورَةِ؛ وهيَ تشملُ خدَماتِ النّقْلِ وأُجورَ التلغرافِ والبريدِ والتلفونِ الدوليّ، والخدمات التجاريّةَ وجميعَ الخدماتِ المرتبطة بحركةِ السياحةِ. فإذا ابْتيعتْ بضاعةٌ منْ بلدٍ كانَ على المشتري أنْ يدفعَ ثمنَ البضائِعِ بعملَةِ البلَدِ التي يستوردُ منها، أو بالعملةِ التي تقبلها. وحينَ يبيعُ البائِعُ بضائعَهُ يقبضُ ثمنها بعمْلَةٍ دوليّةٍ، أو بالعملةِ التي يريدُها. وإذا ذهَبَ السائِحُ إلى بلدٍ أجنبيٍّ وأنْفَقَ فيهِ بعضَ دَخْلِهِ كانَ عليهِ أنْ يدفَعَ منْ عمْلَةِ ذلكَ البلدِ وعندئذٍ تتمّ العلاقَةُ النقديّةُ بينَ الدولِ. أمّا الثقةُ بالعمْلَةِ فتنشَأُ منْ أَحَدِ أمرينِ:
1 ـ أنْ تكونَ للأوراقِ المتداولةِ نسبةٌ معيّنَةٌ منَ الاحتياطيّ المعدنيّ، وإلى جانبِ ذلكَ تغطيَةُ الباقي منْ أموالٍ أُخرى غيرِ المعدنِ كالأسهُمِ والسنداتِ وغيرِها..
2 ـ أنْ يستطيعَ المرءُ شراءَ سِلَعٍ يحتاجُها الناسُ بعملةِ البَلَدِ، وعندئذٍ ينشأُ الإقبالُ على العمْلَةِ للحصولِ على السّلَعِ من ذلكَ البلدِ، وعلى أساسِ هذهِ الثقةِ يجري تبادُلُ عملة ذلكَ البلدِ معَ غيرِهِ من عملاتِ البلدانِ الأخرى، ويتغيّرُ سعرُ الصرْفِ بينها بحسبِ ارتفاعِ الثقَةِ وانخفاضِها، فأسعارُ الصرْفِ بالنسبةِ للدينارِ الأردنيّ ثابتةٌ ترتفِعُ وتنخفِضُ بكميّةٍ قليلةٍ جدّاً حسبَ العرْضِ والطلَبِ في السّوقِ، لأنّهُ مربوطٌ بالجُنَيْهِ الاسترلينيّ الذي يملكُ رصيداً مقابلاً بمقدارِ قيمتِهِ الاسميّةِ وهيَ نسبةٌ مُعيّنَةٌ منَ المعدنِ، والباقي مواد اقتصاديّة. وبإمكانِ النّاسِ شراءُ سلَعٍ منْ مِنطقَةِ الاسترليني، ولكنْ أسعارُ الصرفِ بالنسبة إلى الجنيهِ المصريّ تتغيّرُ بشكلٍ دائمٍ، وترتفِعُ وتنخفِضُ بكميّةٍ كبيرَةٍ بالرّغمِ منْ أنّ لهُ نسبةً معيّنةً من المعدنِ، ويمكنُ الحصولُ بهِ على سِلَعٍ مصريّةٍ وهوَ غيرُ مرتبطٍ بأيّ نقدٍ في العالمِ ولكنّ الثقةَ بما له من موادّ اقتصاديّةٍ تحفظُ قيمتهُ الاسميّةَ بعدَ نسبةِ ما لهُ منَ الذهبِ تبدُو ضعيفةً، ولذلكَ يُباعُ هذا الجنيهُ بأسواقِ بيروتَ بستِّ ليراتٍ لبنانيّةٍ، وقدْ يهبِطُ إلى ثلاث ونصف، وقد يرتفِعُ إلى سبْعِ ليراتٍ. ولمّا كانتِ العملاتُ العالميّةُ نقوداً ورقيّةً، ولها رصيدٌ معدنيّ معيّنٌ، كان الصرْفُ بينَها ثابتاً بنسبةِ ما لها من احتياطيّ المعدنِ، كما كانَ متغيّراً بمقدارِ ما يقابلُها من موادّ اقتصاديّةٍ، وما يمكنُ أنْ يُتبادَلَ بتلكَ العُمْلَةِ منْ سِلَعٍ في البلَدِ الذي أصدرَها. وقد تحاولُ دولةٌ من الدولِ المحافَظَةَ على القيمةِ الخارجيّةِ لِعُمْلَتِها، فتقومُ بتحديدِ طَلَبِ المستوردينَ فيها للسلَعِ الأجنبيّةِ عنْ طريقِ التقليلِ منْ رخَصِ الاستيراد، أوْ تقومُ بتحديدِ قيمةِ ما يُسْمَحُ بإخراجهِ، أو بإدخالِهِ منْ نقدِها أو غيرِ ذلكَ، وفي مثلِ هذهِ الحالَةِ يختلّ التناسُبُ بينَ أسعارِ الصرْفِ المختلفةِ في البلدانِ المختلفَةِ. ففي البلدِ الذي يقومُ نظامهُ على سعرِ الصرْفِ المُوَحّدِ يظلّ سعرُ الصرفِ الرسميّ بينَ عملَتِهِ وعملةِ الدول الأخرى ثابتاً في البلَدِ نفْسِهِ، إذ يشتريها البنْكُ المركزيّ والبنوكُ المُرخّصُ لها بمزاولَةِ عمليّاتِ النقدِ الأجنبيّ بسعرٍ ثابتٍ ويبيعُها بسعرٍ ثابتٍ. أمّا في البلادِ التي لا تَتْبَعُ نظامَ سعرِ الصرْفِ الموَحّدِ، وهو النظامُ الذي لا يتعهّدُ فيهِ البنكُ المركزيّ بشراءِ أو بيعِ العملاتِ الأجنبيّةِ بسعرٍ معيّنٍ. فأسعارُ هذه العملاتِ الأجنبيّةِ تتغيّرُ بينَ وقْتٍ وآخَرَ تَبعاً لظروفِ العرْضِ والطّلَبِ. ويوصَفُ هذَا النظامُ في البلادِ التي تسمحُ بتغييراتِ أسعارِ العملاتِ الأجنبيّةِ فيها تبعاً لظروفِ العرْضِ والطَّلَبِ، بأنّهُ نظامُ أسعارِ الصرفِ المتغيّرَةِ. ويلاحَظُ أنّ أسعارَ الصرْفِ فيهِ قدْ لا تنشأُ فقطْ عنْ تغييراتِ مستوياتِ الأسعارِ بيْنَهُ وبينَ البلادِ الأخرى، بل تنشأُ أيضاً بسببِ تحديدِ حركةِ التجارةِ الدوليّةِ أوِ اختلالِ الموازينِ الحسابيّةِ المختلفةِ للدولةِ مهما كانت الأسبابُ. ويُصرّحُ بنظام أسعارِ الصرْفِ المتغيّرَةِ في بعْضِ البلادِ ـ ولبنانُ منها ـ حتى إنّ ذلكَ يتخذُ شكلاً قانونيّاً. والحكومَةُ في لبنانَ تسمحُ بتغييرِ أسعارِ الصرْفِ تبعاً للتغييراتِ اليوميّةِ الطارئَةِ على ظروفِ العرْضِ والطلَبِ، وفي بعْضِ البلدانِ الأخرى يكونُ نظامُ أسعارِ الصرْفِ المتغيّرَةِ ممنوعاً كما في مصر، فإنْهُ بلدٌ لا تسمحُ فيهِ الحكومةُ بتغيير أسعارِ الصرْفِ، ولذلك كانَ يَتْبَعُ نظامَ سعرِ الصرْفِ المُوحّدِ ولكنّهُ بالرغمِ منِ اتّباعِهِ نظامَ سعْرِ الصرْفِ الموحّدِ ووضعهِ سعراً رسميّاً للعملاتِ الأجنبيّةِ تبقى فيهِ معاملاتٌ بينَ الأفرادِ ترمي إلى بيْعِ أو شراءِ عملاتٍ أو حساباتٍ أجنبيّةٍ بأسعارٍ تختلِفُ كلّ الاختلافِ عنِ الأسعارِ الرسميّةِ. هذا هو واقعُ الصرفِ وواقعُ سعرِهِ في بلدانِ العالمِ. والحكْمُ الشرعيّ في هذا الواقِع هوَ ما يلي: يتبَيّنُ منْ تَتَبّعِ جميعِ ما تجري عليه عقودُ البيْعِ من المعاملاتِ الماليّةِ الجاريةِ في الأسواقِ العالميّةِ أنّ عمليّاتِ الشراءِ والبيعِ تجري في ستّةِ أنواعٍ:
1 ـ شراءُ عُمْلَةٍ بالعُمْلَةِ نفسها كاستبدالِ أوراقِ النقدِ الجديدةِ من الدينارِ العراقي بالأوارقِ القديمةِ.
2 ـ استبدالُ عُمْلَةٍ بِعُمْلَةٍ أُخرى كاستبدالِ جنيهٍ استرلينيٍّ بليراتٍ سوريّةٍ.
3 ـ شراءُ بضاعةٍ بعملةٍ معيّنَةٍ، وشراءُ هذهِ العُمْلَةِ بِعُمْلَةٍ أُخرى كشِرَاءِ سياراتٍ، بدولاراتٍ، واستبدالِ دولاراتٍ بدنانيرَ عراقيّةٍ في صَفْقَةٍ واحدةٍ.
4 ـ بَيْعُ بضاعةٍ بِعُمْلَةٍ مُعيّنَةٍ وبيْعُ هذهِ العملةِ بعملةٍ أُخرى كبيعِ بالاتِ القطنِ بدولاراتٍ واستبدالِ جنيهاتٍ استرلينيّة بدولاراتٍ.
5 ـ بيعُ سنداتٍ معيّنَةٍ بعملة، معيّنَةٍ.
6 ـ بَيْعُ أسهُمٍ معيّنَةٍ في شركَةٍ معيّنةٍ بعملةٍ معيّنةٍ، فالخامسُ والسادسُ ـ أي شراءُ السنداتِ والأسهُمِ وبيعها ـ ليسَ من بابِ الصرفِ لأنّهُ لا يُعَدّ مبادلةَ عملةٍ بعملةٍ، فلا يدخُلُ في بابِ الصرْفِ. وبيْعُ السنداتِ وشراؤها حرامٌ لأنّ لها فائدةً مقرّرةً في شركةٍ باطلَةٍ شرْعاً كشركَةِ المساهمةِ وما شاكلَها. والنوعانِ الثالثُ والرابعُ أي شراءُ أو بيْعُ بضاعةٍ بعمْلَةٍ واستبدالُ عملةٍ أُخرى بهذه العملةِ في صفقةٍ واحدةٍ، فهما معاملتا بيْعٍ وصرفٍ، فيجري فيها حُكمُ تفريقِ الصفقةِ، وتفريقُها يتم بحصولِ معاملةٍ، واحدةٍ في صفقةٍ واحدةٍ ويكونُ بعضها صحيحاً، وبعضُها باطلاً، كأن يبيعَ رجلٌ جملاً بمئةِ ليرةٍ، ثم يستأجرُ البائعُ من المشتري بيْتاً بمئةِ ليرةٍ في صفْقَةٍ واحدةٍ. فيُطبّقُ حُكْمُ البيْعِ على بيْعِ الجملِ وحكمُ الإجارةِ على استئجارِ البيتِ فتتفرّقُ الصفقةُ الواحدةُ.
والنوعان الثالث والرابع معاملتانِ في صفقةٍ واحدةٍ بيعٍ وصرفٍ، فيطبّقُ حكْمُ البيعِ على بيْعِ البضاعةِ، ويطبّقُ حكمُ الصرفِ على استبدالِ العملةِ. والنوعانِ الأولِ والثاني عمليّةُ صرفٍ يجري فيها حكمهُ لأنّ الصرفَ مبادلةُ مالٍ بمالٍ من الذهبِ والفضّةِ إمّا بجنسِهِ مماثَلَةً، وإمّا بغيرِ جنسهِ مماثَلَةً، أو مفاضلةً، ويجري الصرفُ في النّقْدِ كما يجري في الذهبِ والفضّةِ، لكنّ ذلكَ كلّهُ يكونُ يداً بيدٍ وعيناً بعينٍ متفاضلين أو متماثلينِ وزْناً بوزنٍ إن كانَ بينَ نقدَينِ مُتخالفينِ، ومتماثلاً فقط إذا كانَ الصرْفُ في نقدٍ منْ جنسٍ واحدٍ. ودليلُ جواز الصرْفِ قولهُ (ص) «بيعوا الذهبَ بالفضّةِ كيْفَ شئتُمْ يداً بيدٍ»(+) وعن عبادةَ بنِ الصّامتِ قالَ «نهى الرسول (ص) عن بيْعِ الذهبِ بالذهبِ، والورِقِ بالورقِ، والبُرّ بالبُرّ، والشعيرِ بالشعيرِ، والتمرِ بالتمرِ إلاّ مثلاً بمثْلٍ يداً بيدٍ» وأمَرَ أنْ يُباعَ الذهبُ بالورقِ، والورقُ بالذهبِ، والبُرّ بالشعيرِ يداً بيدٍ كيْفَ شئْنا. هذا هوَ حكْمُ الصرفِ، والمعاملاتِ النقديّةِ بينَ عملَتَيْنِ مختلفتينِ.
العملات الصَّعبة وسِعْر الصّرف
يجبُ أنْ تُباحَ معاملاتُ الصرفِ بالعملاتِ الصعبةِ إباحةً مُطلَقَةً، لأنّ تقييدَها بأيٍّ قيْدٍ سواء كانَ بوضْعِ سعْرٍ رسميٍّ، أو برُخَصِ عمْلَةٍ أو ما شاكلَ ذلكَ، مضرّ كلّ الضررِ، لأنّ سعْرَ الصرْفِ هوَ نسبةُ الاستبدالِ بينَ عملتينِ مختلفتينِ، فإذا حدثتْ هذهِ النسبةُ بمقدارٍ معيّنٍ، وَوُضِعَ سِعْرٌ رسميّ للصرفِ فذلكَ يعني إلزامَ الناسِ بهذهِ النسبةِ وإجبارهم بالسّير عليها، وهو ما يخالفُ طبيعةَ الأسعارِ للأشياءِ سواءٌ كانَ أسعارَ عملاتٍ أمْ أسعارَ بضائِعَ، لأنّ السوقَ هو الذي يحدّدُ السعْرَ لأيّةِ سلعةٍ، لا قانونَ الدولةِ، لأنّ تحدي السعرِ للعملةِ يفتَحُ سوقاً خفيّةً تُباعُ فيهِ العملةُ بَيْعاً مَسْتوراً عنِ الدولةِ وبعيداً عن مراقبتها وهو ما يسمّونَهُ: «السوق السوداء» فترتفِعُ أسعارُ تلكَ العملةِ ومعنى ذلكَ أنّها تُباعُ بأكثر منْ قيمتِها الحقيقيّةِ، ويجْعَلُنا ندفَعُ من عملتِنا قيمةً أكبرَ، ممّا يؤدي إلى خسارتنا ورِبْحِ تلكَ الدولةِ.
كلّ دولةٍ تستطيعُ أنْ تُصدّرَ نقْداً على صفةٍ معيّنَةٍ لا تختلِف، وتعطي لهُ قيمةً معيّنَةً تقيّدُ بها رعاياها في شراءِ وبيْعِ السلَعٍ والجهودِ في البلادِ، ولكنّها لا تستطيعُ أنْ تُعيّنَ سعراً خاصّاً لنقدِها تفرِضُهُ على باقي الدولِ، والقوّةُ الشرائيّةُ هي التي تفرِضُ نَقْدَها على باقي الدوَلِ وبها يَستطيعُ الناسُ أن يحصلوا على سِلَعٍ وجهودٍ منَ البلد الذي أصدرَهُ، وعليهِ فإنّ تحديدَ سعرِ الصرفِ لعملةِ البلادِ لاقيمةَ لهُ إذا كانَ مالِكُها لا يستطيعُ أنَّ يحصُلَ على سِلَعٍ وجهودٍ، وما دامَ عاجِزاً عنِ الحصولِ على ذلكَ فلا حاجةَ للتحديدِ، بل يكونُ عِبْئاً، لأنّهُ يستحيلُ أنْ يحدِّدَ لها سِعْراً، بل تظلّ قيمتُها مرتبطةً بأسعارِ السلَعِ والجهودِ بالنسبةِ لها،أي للعمْلَةِ. ويتغيّرُ سعرُ الصرْفِ تبْعاً لتغيّرِ أسعارِ السلعِ والجهودِ في البلدِ الذي أَصدَرَ العملَةَ. ولهذا يجبُ أن يُباحَ للناسِ الصرفُ في العملاتِ الأجنبيْةِ دونَ أيّ قيدٍ. نَعَمْ قدْ تحصُلُ حالاتٌ غيرُ عاديّةٍ بأنْ يعْمدَ بلَدٌ إلى ضرب عملةِ بلَدٍ آخر، فيشتري منها كميّاتٍ ويعرِضُها في السوقِ بأسعارٍ رخيصةٍ جدّاً، فيُقْبِلُ الناسُ على شرائِها فتنزِلُ هذهِ العملةُ بالنسبةِ للعملاتِ الأجنبيّةِ. ولكنّ هذهِ الحالة لا تؤثرُ على البلدِ إذا كانت عُمْلَتُهُ ذَهَباً أوْ نُقُوداً وَرَقِيّةً نائِبَةً؛ أمّا إِذا كانتْ نُقُوداً وَرَقِيّةً وثيقةً فيُمْكنُ عِلاجُ هذه الحالةِ بفتح أبْوابِ البلادِ للتجّارِ الأجانب، وينخفضُ سعر السلع، فترتَفِعُ القيمةُ الخارجِيّةُ للنّقْدِ وتعودُ العُمْلَةُ إلى حالَتِها الطّبِيعيّةِ، لأنّ العملةَ ليْستْ كالسّلَعِ مَرْبُوطَةً بالعَرْضِ والطّلَبِ، بل هي مَرْبُوطَةٌ بمِقْدار ما يَحْصُلُ بها مِنْ سِلَعٍ وجهودٍ أي مَرْبُوطةً ببقاءِ أسعارِ السّلَعِ والجُهُودِ مُنْخَفِضةً. فالأسْعارُ في البلدِ الذي أصْدَرَ العُمْلَةَ هِيَ التي تُؤثّرُ على ارْتِفاعِها وانخفاضها. وليْسَ العَرْض والطّلَبُ، إلاّ أنّ العَرْضَ والطّلَبَ يؤُثّرانِ تأثيراً مُؤقّتاً عندَ كثرةِ العرضِ، ثم لا يلبَثُ الأمْرُ أنْ يَعُودَ إلى حالتِهِ حسب أسْعارِ البَلَدِ.
وعلى هذا فالصّرْفُ بينَ عُمْلَةِ البلادِ الإسلاميّةِ وعُملاتِ البلادِ الأخرى جائزٌ كالصّرْفِ بين عمْلتِها نفسها سواء بسواء. وجائِزٌ أنْ يَتفاضلَ الصّرْفُ بينَهُما لأنهما منْ جنسينِ مختَلِفَيْنِ على شرطِ أنْ يكونَ يَداً بيد بالنّسبةِ للذّهَبِ والفِضّةِ. ونِسْبَةُ الاسْتِبْدالِ بينَ الذّهَبِ والفِضّةِ، أوْ سِعْرِ الصّرْفِ فيما بينهما ليسَ ثابتاً تماماً بل يتَغَيّرُ بحسبِ سِعْرِ السّوقِ للذّهَبِ والفِضّةِ. ولا فَرْقَ في ذلكَ بينَ الصّرْفِ في الدّاخِلِ والخارجِ. وكذلكَ الحالُ بينَ عُمْلةِ البلادِ الإسلاميّةِ وعُملاتِ الدّولِ الأخرى فإنّهُ جائزٌ أنْ يتغيّرَ سِعْرُ الصّرْفِ بيْنَهُمَا. إلاّ أنّ سعْرَ الصّرْفِ بينَ عملاتِ البلادِ الإسلاميّةِ وعملاتِ الدّول الأخرى لا يُؤثّرُ على البلادِ الإسلاميّةِ لسبيينِ اثنينِ:
أحدهما: أنّ البلادَ الإسلاميّةَ مُتوفّرَةٌ لديها جميعُ الموادّ الخام التي تحتاجُ إليها الأمّةُ والدّولةُ. فلا تحتاجُ إلى سلعِ غيرِها احْتِياجاً أساسيّاً أو احْتِياجَ ضرُورَةٍ، ولذلك تسْتطِيعُ أنْ تَسْتغْنيَ بسِلعِها المحلّيّةِ، فلا يُؤثّرُ عليها التّغيّرُ.
ثانيهما: أنّ البلادَ الإسلاميّةَ تمْلِكُ سِلعاً كالبترُولِ، مثلاً، وتحتاجُ إليها جميعُ دولِ العالمِ. وتَسْتَطِيعُ أن تمنعَ بَيْعَها للناسِ إلاّ إذا دَفَعُوا لها ثمنَها ذَهَباً. والدَّوْلَةُ التي تَسْتَغْنِي عنْ غيرِها بسلعِها المحَليّةِ والتي تملِكُ سلعاً يحتاجُ إليها جميعُ النّاسِ لا يمكنُ أنْ يُؤثّرَ عليها تغْييرُ سعر الصّرْفِ مُطْلقاً، وهي التي تَسْتطِيعُ أنْ تتحكّمَ في الأسْواقِ العالميّةِ النّقْدِيّةِ، ولا يَسْتطِيعُ أحدٌ أنْ يتحكّمَ بعُمْلتِها.


الشركـات في الإسـلام
ينْدَفِعُ النّاسُ في التّجارَةِ والزّراعةِ والصّناعَةِ إلى تجْمِيعِ أبْدانٍ وأمْوَالٍ وأشْخاصٍ مِنْ أجْلِ تكْثيرِ أرْباحِهِمْ، وإلى تأسِيسِ الشركاتِ فيما بَيْنَهُمْ. ومُنْذُ أنْ طُبّقَ علينا النّظامُ الرأسمالي انصرَفَ الناسُ إلى تكوينِ الشركاتِ بحسبِ أحكامِهِ، وأعْرَضوا عَنْ أحْكامِ الإسْلامِ. ومِمّا ساعدَ على ذلكَ الغزْوُ الثّقافيّ والتّبْشيريّ الذي قام به الغَرْبُ، وثبّتَ فيه مفاهيمَ مَغْلُوطةً عنِ الإسلامِ فِكْرِيّةً وتشْرِيعيّةً. ومِنْ هذِهِ المفاهيم ما أصبحَ شائعاً عندَ المُسلمينَ من أنّنا نأخُذُ مِنَ الغَرْبِ ما يُوافِقُ الإسلامَ، فنشأت مِنْ هذا المفْهُوم أحكامٌ تُخالِفُ الإسلامَ، وفي الحُسبانِ أنها تُوافِقُهُ.
وشَجَّعَ ذلكَ ما ثبّتهُ علماءُ السّوء وجَهَلَةُ المشايخِ مِنْ تأوِيلاتٍ للأنْظِمَةِ الرأسماليّةِ تكونُ بمثابَةِ التَّبْرِيرِ في أخْذِها والعملِ بها عند الذّينَ يقفُونَ في حُدودِ الشّكْلِيّاتِ مِنَ المُسلمينَ. ومنْ هذهِ الأحْكامِ أحْكامُ الشركاتِ فَقَدْ وقعَ المسلِمونَ فيها بشكلٍ فظيعٍ، وساروا فيها بجُمْلَتهمْ وَفْقَ أحْكامِ النّظامِ الرأسمالي، فألّفوا شركاتِ التّضامُنِ وشركاتِ التّوْصيةِ والشركاتِ المُساهِمَة، والشركاتِ المُغْفَلَة والشركاتِ التعاونيّة وغيرها، وبعدوا عن أحْكامِ الشركاتِ في الإسلام. وقد سارُوا بذلك باخْتِيارهم، باعتبارِ أنّ هذه الأحكامَ صالحةٌ لمعاملاتهم مُنظّمةٌ لعلاقاتهم، رافعةٌ للنّزاعِ فيما بينهم. لذلك لم يكن بُدّ مِنْ تنْبِيهِ المسلمينَ إلى التقيّدِ بأحْكامِ الإسلامِ والابْتِعادِ عمّا خَضَعُوا له مِنْ خصائِصِ النّظامِ الرّأسمالي، لأنها أحْكامٌ يُحَرّمُ على المُسلمِ أنْ يُطبّقها على نفسهِ وأنْ يرضى تطْبِيقها، لاسيّما بعدَ أنْ وضحَ للمسلمينَ أنّ الحُكمَ الشرعيّ ما اسْتُنْبِطَ من الكتابِ والسنّةِ باجْتِهادٍ صحيحٍ. وأمّا أحكام الأنْظِمةِ الأخرى فلا يجوزُ العملُ بها سواء وافَقَتِ الإسلامَ أمْ خالَفَتْهُ، لأنّنا مأمُورُونَ بأخْذِ الإسلامِ لا أخْذ ما يُوافِقُهُ مِنْ غيره.
حكم الشركة في الإسلام
الشركةُ ثابتةٌ بالكتابِ والسنّةِ قال تعالى: {فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} [النِّسَاء: 12] وقال: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [ص: 24] والخلطاءُ هُمُ الشركاءُ. ورُوِيَ عن النبي (ص) أنّهُ قالَ: يقول الله تعالى: «أنا ثالثُ الشريكينِ ما لم يَخُنْ أحدُهما صاحبَهُ، فإنْ خانَ أحدُهما صاحبهُ خَرَجْتُ مِنْ بينهما ودَخَلَ الشّيْطانُ»(+). وقال عليه السلام: «يدُ الله على الشريكينِ ما لم يتخاوَنا»(+) وتجوزُ الشركةُ بينَ المُسلمِينَ مَعَ بعْضهِمْ وبينهم وبينَ غيرِهم، ولكنْ لا تصِحّ الشركةُ إلاّ من جائزِ التصرّفِ، لأنها عَقْدٌ على التصرّفِ في الحالِ فلا يصحّ مِنْ غيرِ جائزِ التصرّفِ في الحال.
ولذلك لا تجوزُ شركةُ المحجورِ عليهِ، وكلّ مَنْ لا يجوزُ تصرّفُهُ. والشركةُ عَقْدٌ بينَ اثنينِ أوْ أكثر يتفِقانِ فيهِ على القِيامِ بعِمَلٍ ماليٍّ بِقَصْدِ الرّبح. والشركةُ: إمّا شركةُ أملاكٍ أوْ عقود. وتعتبر شركةُ العقود مَوْضِعَ البحْثِ في تنميةِ الملكِ.
وقد تبيّنَ منَ اسْتِقْراء الشركاتِ في الإسلام وتتبّعها وتَتَبّع الأحكامِ الشّرعيةِ المتعلّقَةِ بها، أنّ شركاتِ العقُودِ تَنْدَرِجُ جميعُها تحتَ خَمْسَةِ أنْواع: شركة العنان، والأبدانِ، والوجوهِ، والمضاربةِ، والمفاوضة. وفيما يلي مجملُ أحْكامِها:
شَرِكةُ العِنَان
وهيَ أنْ يَشْتَرِكَ شخْصانِ بماليهما، على أنّ يَعْملا فيها ببدنيهما وعلى أنْ يكونَ الربحُ بيْنهما. وسُمّيَتْ شركة عِنَان لأنهما يتساويانِ بالمسؤوليّةِ والتصرّفِ. وهذه الشركةُ جائزةٌ بالإجماع، والناسُ يشترِكونَ بها مُنْذُ أيام النبي (ص).
وهذا النّوْعُ مِنَ الشركات يَقُومُ على النّقُودِ والعروض(+). أمّا العروضُ فلا تجوزُ الشركةُ فيها إلاّ إذا قُوّمَتْ وَقْتَ العَقْدِ، وكانتَ قيمَتُها وَقْتَ العَقْدِ رأسَ مالٍ. ويُشترَطُ أنْ يَكونَ رأسُ المالِ معلوماً يمكنُ التصرّفُ به في الحال. فلا تجوزُ الشركةُ على رأسِ مالٍ مجهول، ولا تجوزُ بمال غائب، أوْ بدَيْن، إذْ لا بُدّ مِنَ الرّجُوع لرأس المال عندَ المفاصلة، ولأنّ الدينَ لا يمكنُ التصرف في الحالِ، وهو مَقْصُودُ الشركة.
ولا يُشترَطُ تساوي الماليّة في القَدْرِ، كما لا يُشترَطُ أنْ يكونَ المالان مِنْ نَوْعٍ واحدٍ، ولكنْ يُشترَطُ أنْ يكونَ رأسُ مالِ الشركةِ مالاً واحداً مشاعاً بينَ الجميعِ، بحيثُ لا يعرفُ أحدُ الشريكين مالَهُ من مالِ الآخر، ويشترطُ أن تكونَ أيدي الشّركاء على المالِ. ومتى تمّتْ صارَ الشّركاء شيئاً واحداً، فلا يجوزُ لأحدِهما أنْ يُوكّلِ عنهُ مَنْ يقومُ مقامهُ في الشركةِ، بل الأمْرُ كلّهُ للشركةِ، وهي التي تُوجِدُ مَنْ تشاءُ وتستخْدِمُ مَنْ تشاءُ عندها لا عند أحد الشركاء. ويجوز لكل واحد من الشريكين أن يبيعَ ويَشْترِيَ على الوَجْهِ الذي يراهُ مصلحةً للشركةِ، ولهُ أنْ يَقْبضَ الثمنَ والمبيع، ويُخاصم في الدين ويُطالبَ به، وأنْ يُحِيلَ ويُحالَ عليه، ويَرُدّ العَيْبَ.
والخسارَةُ في شركةِ العِنان على قَدرِ المال، فإنْ كانَ مالُهما مُتساوياً في القَدرِ فالخسارَةُ بَيْنَهما مُناصفَةً، وإن كان أثلاثاً فالخسرانُ أثلاثاً، لأنّ البدنَ لا يَخْسرُ مالاً، وإنما يخْسرُ ما بَذَلَهُ مِنْ جُهْدٍ فَقَط فتبْقى الخسارَةُ على المالِ، وتوزّعُ عليه بنسبة حصصِ الشركاء.
شركةُ الأبدان
وهيَ أنْ يَشْترِكَ اثنانِ أو أكثر بأبدانهم فيما يَكْتَسِبُونَهُ بجهدِهم فِكْرِيّاً كانَ أوْ جَسَدِيّاً، ومن هؤلاءِ الصنّاعِ الذين يَشْتركونَ بالعَمَلِ في صناعاتهم، فما يَصْنَعُونَهُ فهو بَيْنهم كالصيّادينَ والحمّالين والنجّارين. ولا يُشترَطُ اتّفاقُ الصّنائعِ بينَ الشركاء، ولا أنْ يَكونُوا جميعاً صنّاعاً. فلو اشترَكَ صنّاعٌ مُخْتَلِفو الصّنائعِ جازَ، لأنهم اشتركوا في مكسبٍ مُباحٍ، وهو صحيحٌ ولا يخْتَلِفُ عمّنِ اتّفَقَتِ الصنائِعُ فيما بينهم. وإن اشتركوا في عملٍ مُعَيّنٍ على أنْ يُدِيرَ أحَدُهم الشركةَ، والآخَرُ يقبضُ المالَ، والثالثُ يعملُ بيدِهِ صَحّتِ الشركةُ. والرّبحُ في شركةِ الأبدانِ يتمّ بحسبِ ما اتفقوا عليه مِنْ مُساواةٍ أو تفاضُلٍ، ولكلّ واحدٍ منهم حَقّ المُطالبةِ بالأجرةِ كلّها ممن استأجرَهم. وللذي استأجرَهم ما صنعُوا مِنْ بضاعةٍ وعليهِ دَفْعُ الأجْرَةِ جمِيعِها لكلّ واحدٍ منهم. فإذا دَفَعَها لأيّ شَخْصٍ منهم بَرِئَتْ ذِمّتُهُ لأنّ العملَ مضمونٌ عليهم، وبتضامُنهم لهُ وجَبَتِ الأجْرَةُ فتكونُ لهم كما كانَ الضّمانُ عليهم. وليس لأحدٍ منهم: أنْ يُوكّلَ عنهُ غيره شريكاً ببدنه، لأنّ الشّريكَ بِبَدَنهِ هو المُتَعيّنُ في الشركةِ، ولكِنْ يجوزُ أنْ يستأجِرَ أحدُهم أجرَاء، والاستئجار يكونُ حينئذٍ مِنَ الشركةِ وللشركةِ ولو باشرَهُ واحدٌ. وهذه الشركةُ جائزةٌ إذا كانَ اشتراكهم في مَكْسَبٍ مُباحٍ لأنّ الرّسولَ (ص) قدْ أقرّها.
شركة الوجوه
هيَ أنْ يشترِكَ بَدَنانِ بمالِ غيرِهما، أي أنْ يَدْفَعَ واحدٌ مالَه لاثنينِ فأكثرَ مُضارَبَةً فيكونُ المُضارِبَانِ شريكينِ في الرّبْح بمال غيرهِما.
ومِنْ شركةِ الوُجُوهِ أنْ يشترِكَ اثنانِ فأكثرُ فيما يشترِيانِهِ بجاهِهما وثِقةِ التجّارِ بهما مِنْ غيرِ أنْ يكونَ لهما رأسُ مالٍ، ويشترِكانِ على أنْ يكونَ مُلْكهما فيما يشترِيانِهِ نصفينِ، أو أثلاثاً أوْ أرْباعاً، أو نحوَ ذلكَ. ويبيعانِ ذلكَ، وَمَا يرْبحانهِ يُوَزّعُ بينهما مُناصفَةً أو أثْلاثاً بحسَبِ ما اتّفَقا عليه لا بحسبِ ما يملِكانِ في البضاعَةِ. أمّا الخسارَةُ فتكونُ على قَدرِ مُلْكيْهما في المُشترياتِ سواء كانَ الرُّبحُ بينهما أمْ لم يَكُن.
وشركةُ الوجُوه بقِسْميْها جائزةٌ لأنهما إذا اشتركا بمالِ غيرِهما كانت شبيهةً بشركةِ المُضارَبَةِ الثابتَةِ بالسنّةِ والإجْماع، وإنِ اشتركا فيما يأخُذانِهِ مِنْ مالِ غيرِهِما أيْ فيما يشترِيانِهِ بجاهِهما وثِقَةِ التجّارِ فيهما كانت شبيهة بشركةِ الأبدانِ الثابتةِ بالسنّةِ، فتكونُ شركةُ الوُجُوهِ ثابتةً بالسنّةِ والإجْماع.
شركةُ المضاربة
وتسمّى قراضاً، وهيَ أنْ يشترِكَ بدنٌ ومالٌ، أي أنْ يَدْفَعَ رجل ماله إلى آخرَ يتّجِرُ لهُ، وما يَحْصُلُ من الربح يُوزّعُ بيْنهما حَسْبَ ما اشترَطاهُ. إلاْ أنّ الخسارة في المُضاربةِ لا تخضعُ لاتفاقِ الشّريكين، بَلْ لما ورَدَ في الشّرْع. والخسارَةُ في المُضارَبَةِ على المالِ خاصّة شرعاً لا على العامِلِ حتى لوِ اتّفَقَ صاحبُ المالِ والمُضارِب على أنّ الرّبحَ بيْنهما والخسارَةَ عليهما، كانَ الرّبْحُ بينهما والخسارةُ على المالِ لأنّ البدنَ لا يَخْسرُ مالاً، وإنما يخسرُ ما بَذَلَهُ مِنْ جهدٍ فقط. ويجبُ في المُضارَبَةِ تَقْدِيرُ نصيبِ العامِلِ، وأنْ يكونَ المالُ الذي تجري المُضارَبَةُ عليه قَدراً معلوماً. ولا يصحّ أنْ يعملَ صاحبُ المالِ مَعَ المُضارِبِ. ولو شرطَ ذلكَ عليه لا يصحّ، لأنّهُ لا يملكُ التصرّفَ بالمالِ الذي صارَ للشركةِ بلِ المُضاربُ هو الذي يَتصرّفُ بالشركةِ، وهو الذي يعملُ وهو صاحبُ اليدِ على المالِ. ولكنّ المُضاربَ مُقيّدٌ بما أذِنَ له صاحبُ المالِ من تصرّفٍ، ولا يجوزُ لهُ أنْ يُخالفَهُ لأنّهُ متصرّف بالإذن.
ومن المُضارَبةِ أن يشترِكَ مالانِ وبَدَنُ أحَدِهِما فإنْ كانَ بينَ رجُلينَ أربعةُ آلافٍ، لأحدِهما ألفٌ، وللآخر ثلاثةُ آلافٍ، فأذِنَ صاحِبُ الثّلاثَةِ الآلاف لصاحبِ الألفِ أنْ يتصرّفَ فيها، على أنْ يكونَ الرّبْحُ بينهما مُناصفةً، صحّتِ الشركةُ، ويكونُ العاملُ هو صاحبُ الألفِ مُضارِباً عندَ صاحبِ الثلاثةِ الآلاف وشريكاً لهُ.
وشركةُ المُضارَبةِ جائزةٌ، لما رُوِيَ أنّ العبّاسَ بنَ عَبْدِ المُطّلِبِ كانَ يدْفَعُ مالَ المُضارَبَةِ، ويَشْتَرِطُ على المُضارِبِ شروطاً مُعيّنَةً، فبلغَ ذلكَ النبي (ص) فاسْتَحْسَنَهُ وانْعَقَدَ الإجْماعُ على جوازِ المُضاربةِ.
شركة المفاوضة
وهي أنْ يشترِكَ الشريكانِ في جميعِ أنواعِ الشركةِ المارّ ذكرُها كأَنْ يجمعا بينَ شركةِ العِنانِ والأبْدانِ والوجوهِ والمُضارَبَةِ، فيصحّ ذلكَ لأنّ كلّ نوع منها يصحّ على انفرادٍ، فصحّ مَعَ غيرِهِ. والرّبحُ في هذه على ما اصطلحا عليهِ.
هذه أنواعُ الشركةِ في الإسلام، وهي في جملتها ترجعُ إلى وجوبِ كوْنِ البدنِ شريكاً معَ المال، ليكونَ التصرّفُ له، فالبدن شرط في الشركةِ، وهو المتصرّف بالمال والعاملُ فيه بذاته، ولا تصحّ الإنابَةُ، ولا الوكالةُ فيه لأنّهُ متعيّنٌ ذاتاً في الشركةِ.


سياسة القروض
لمْ تكدْ تقاربُ الحربُ العالميّةُ الثانيةُ نهايتَها حتى ظهرَ للخبراء أسرار الموقفِ الدوليّ وأنّ الاستعمارَ لا بُدّ أنْ يزولَ، لأنّ هجومَ روسيّا عليهِ يُضْعفُهُ. ولمّا انتصرَ الحلفاءُ في الحربِ العالميّةِ الثانيةِ، كانَ منْ جملةِ برنامجِ روسيّا استئنافُ مهاجمةِ النظامِ الرسماليّ والاستعمارِ الغربيّ، وتحريضِ الشعوبِ المستعمرَةِ على الثوراتِ، وخلْقِ المتاعبِ للدوَلِ الغربيّةِ. وأدركتْ أميركا بأنّهُ لا سبيلَ إلى الاحتفاظِ بالاستعمارِ إلاّ بتغيير أُسلوبه، ولا سبيلَ للاستيلاء على مُستعمَرات حُلفائها إلاّ بهذا الأسلوب الجديد، وتحويلِه منْ سيطرةِ الجيوشِ والقُوى العسكريّةِ على الشعوبِ الضعيفة إلى فرْضِ هذهِ السيطرةِ بأُسلوبٍ آخر، وذلكَ بإعطاءِ البلادِ استقلالها الشكليّ وفرْضِ السيطرةِ عليها عن طريقِ القروضِ والمساعداتِ. ولمْ يعُدْ خافياً على أحدٍ أنّ فكرةَ إعطاءِ الشعوبِ استقلالها ومدّها بالقروضِ لمْ تكنْ سوى أُسلوبٍ جديدٍ للاستعمارِ، كما لمْ يَعُدْ خافياً على أحدٍ أنّ أميركا تلاحقُ الدولَ المستعمرة، لانتزاعِ مستعمراتها منْها عنْ طريقِ إعطاءِ هذه المستعمراتِ استقلالها ومدِّها بالمعوناتِ والمساعداتِ والقروضِ. والبلدُ الذي يمتنعُ عنْ أخْذِ القروضِ تثيرُ أمريكا فيه القلاقلَ، وتوجدُ لهُ المتاعبَ حتى تخضعهُ لها، فتضطرّهُ عندئذٍ لأخذ القروضِ، كما حصلَ لأندونيسيا حيث بلغت ديونها بعشرات المليارات.
أخطار القروض الأجنبيّة
إنّ طريقَ القروضِ الأجنبيّةِ، لتمويلِ المشاريعِ، أخطرُ طريقٍ تسلكهُ البلادُ. وما استعمَرَتْ انجلترا مصرَ إلاّ عنْ طريقِ الديونِ، وما احتلّتْ فرنسا تونسَ إلاّ عنْ طريقِ الديونِ.
وقدْ كانتِ الدولُ الغربيّةُ، قبلَ الحربِ العالميّةِ، تسلكُ أُسلوبَ إعطاءِ المالِ قرْضاً، ثمّ تدخلُ عن طريقِ الدّينِ لتتغلْغَلَ في البلادِ.
ففي مصرَ توالتِ القروضُ التي اقترضتْها الحكومةُ بينَ سنة 1864 وسنة 1875 حتى بلغتْ نحو خمسة وتسعينَ مليوناً، فجاءَتْ بعثةُ «كيف» سنة 1875 لفَحْصِ ماليّةِ مصر، واقترحتْ لضرورةِ إصلاحها إنشاءَ مصلحةٍ للرقابةِ على ماليّتها، يخضَعُ الخديويّ فيها لمشورتها، ولا يعقدُ قرْضاً إلاّ بموافقتها. وأُنشىءَ صندوقُ الدين سنة 1886 لتسلّم المبالغ المخصّصَة للديون منَ المصالح المحليّة، وتولّى الرقابةَ على الماليّةِ المصريّةِ مراقبان: أحدهما انجليزي لمراقبَةِ الإيراداتِ العامّةِ للحكومةِ، والآخرُ فرنسيّ لمراقبةِ المصروفاتِ. ثم تطوّرتِ الرقابةُ الثّنائيّةُ إلى تأليفِ وزارةٍ مختلطةٍ يدخلُها وزيرانِ أوربيّانِ، أحدُهُما بريطانيّ لوزارةِ الماليّةِ والآخرُ فرنسيّ لوزارةِ الأشغالِ.
وفي تونسَ اتجهَ الباي هناكَ للاستدانةِ من أوروبا، وفي أقلّ من سبعِ سنواتٍ بلغَ الدينُ مائةً وخمسينَ مليون فرنك، فاتخذتِ الدولُ الأوروبيّةُ ذلك حجّةً للتدخُّلِ. وأقنعتْ فرنسا بتشكيلِ لجنةٍ ماليّةٍ، ووافَقَتْها انجلترا وإيطاليا وصدرَ مرسومٌ من الباي سنة 1870 بتشكيلها من فرنسيينَ وإنجليز وإيطاليين، يرأسُها موظّفٌ تونسي، وجعَلَتْ مُهمّتَها توحيدَ الدينِ وتحديدَ الفوائدِ، وإدارةَ المرافقِ التي خُصّصَتْ لهذا الدّينِ. وعن هذا الطريقِ وصلَ الفرنسيونَ لاستعمارِ تونس.
أمّا الطريقةُ التي تُعطى فيها القروضُ الغربيّةُ اليوم، فتتمّ بإرسالِ خبراءَ لمعرفةِ مقدرةِ البلادِ الماليّةِ، أي الإحاطة بأسرارِ البلادِ الاقتصاديّةِ، ثمّ تحدّدُ المشاريع التي تنفقُ عليها القروضُ. إنّها تعطي الدينَ وتنتظرُ ارتباكَ الدولةِ، ثم تتخذُ من ذلكَ وسيلةً لوضْعِ يدها على البلادِ، بلْ هيَ تحدّدُ الطريقةَ التي يحصُلُ بها الارتباكُ والفَقْرُ بعَرْضِ مشاريعَ معيّنةٍ وشروطٍ معيّنةٍ، حتى تؤدّيَ القروضُ إلى الفَقْرِ. وأحياناً تعيّنُ موظفينَ أمريكيينَ يشرفونَ على الإنفاق كما حصل في بعضِ البلدانِ. ولهذا لم تُنتِجِ القروضُ إلاْ الفقرَ في البلادِ التي اقترضتْ. وأكبرُ دليلٍ على ذلكَ تركيا وإيران ومصر، فإنّ كلًّا منها تنفقُ أُلوفَ الملايينِ من الدولاراتِ، ومعَ ذلكَ فإنّ حالتَها الاقتصاديّةَ في تأخّرٍ ملحوظٍ.
هذا في تركيّا وإيران بارزٌ في التقاريرِ الرسميّةِ التي قدّمها عصمت اينونو، وفي تصريحاتِ علي أميني رئيسِ وزراءِ إيران التي تُظهر أنّ القروضَ الأمريكيّةَ كانتْ سبباً لتأخيرِ إيرانَ وتركيّا اقتصاديّاً، بدلَ أنْ تكونَ مُعينَةً لهُما. إنّ العديدَ من الرجالِ المسؤولينَ من الأمريكيينَ يصرّحونَ بأنّ قروضَهُمْ سبّبَتِ الفَقْرَ للبلدانِ التي اقترضتْ منها.
ففي 12 تموز سنة 1962 ألقى القاضي وليام دوغلاس، أحدُ قضاةِ المحكمةِ العليا الأميركيّةِ، خطاباً في اجتماعٍ ماسونيّ في سياتل أعلنَ فيهِ (بأنّ هناكَ دولاً كثيرةً ازدادتْ حالتُها سوءاً، نتيجةً لتلقّيها مساعدةً أميركيّةً) وقال: (لقدْ أصبحَ كبارُ المسؤولينَ في تلكَ الدولِ أثرياءَ نتيجةً للمساعدةِ الأمريكيّةِ، وفي الوقتِ ذاته أخَذَ أفرادُ عامّةِ الشعبِ يهلكونَ جوعاً). وأضافَ يقولُ: (إنّ الولايات المتحدةَ أخذت تفقدُ مكانتَها في الدولِ المتخلّفةِ اقتصادياً، لقد كنّا في عهدِ ترومان وأيزنهاور نكافح الشيوعيّةَ خارجَ البلادِ بالطائراتِ والقنابلِ والبنادقِ والدولارات. وقد استخدمتِ المساعداتُ الماليّةُ لرفعِ مكانة الإقطاعيينَ وليسَ لتمويلِ أعمالِ الإصلاحِ، وقد صُرِفت تلكَ المساعداتُ في مساندةِ زعماءِ الإقطاعِ لا في مساندةِ الشعبِ على تحقيقِ عدالةٍ اقتصاديّةٍ).
فالقروضُ الأمريكيّةُ إذاً، هيَ أُسلوبٌ لاستيلاءِ أميركا على البلادِ، وبَسْطِ نفوذِها عليها. وقد جرّبَتِ المساعداتِ العسكريّةَ ففشلَتْ، فاتخذَتْ أُسلوبَ المساعداتِ غيرِ المشروطةِ فنجَحَتْ. ولقد وضحَ أنّ المساعداتِ غير المشروطةِ تظلّ غيرَ مشروطةٍ، ما دامتْ جزئيّةً، ولكنّها لا تظلّ كذلكَ عندما تقومُ نسبةٌ ما منَ مشاريعِ التنميةِ في الدولِ المختلّفِة النموّ، وعندما يرتبطُ تنفيذُ تلكَ المشاريعِ الحيويّةِ ارتباطاً جَذْريّاً باستمرارِ تلكَ المساعداتِ. بلْ تُقَيّدُ بشروطٍ تمكّنُ أمريكا منْ فرضِ نظامِها على تلكَ البلادِ، وبَسْطِ سيطرتِها عليها.
ولو فرضْنا جدَلاً، أنّ هذهِ القروضَ تُصْرَفُ للمشاريعِ الإنتاجيّةِ فإنّ خطرها على البلادِ باقٍ.
والقروضُ إمّا أنْ تكونَ قصيرةَ الأجلِ، أو طويلةَ الأجلِ.
أمّا القروضُ القصيرَةُ الأجلِ فإنّ المقصودَ منها ضَرْبُ عملاتِ البلادِ لإيجادِ اضطرابٍ فيها، وحينَ تُسْتَحَقّ هذه القروضُ، لا يقبلُ سدادها بعملَةِ البلادِ، بلْ لا بدّ أنْ يكونَ السدادُ إمّا بالدولارِ أو الجنيهِ الاسترلينيّ، وكلاهُما منَ العملاتِ الصّعْبَةِ. وقد تعجزُ البلادُ عنِ التسديدِ بهذهِ العملاتِ لندرتِها لديها، أو لأنها في حاجةٍ لشراءِ ضروريّاتٍ لصناعتِها، فتضطر إلى شراءِ هذهِ العملاتِ بأسعارٍ عاليةٍ، بالنسبةِ لعمْلَتِها، وبذلكَ تُضْرَبُ عملاتُ البلادِ فتهبطُ قيمتُها في السوقِ، فتضطرّ حينئذٍ لأنْ تلتجىء إلى صندوق النقدِ الدوليّ، فيتحكّمُ حينئذٍ في عملتها حسبَ السياسةِ التي تراها أمريكا، لأنّها هيَ التي تسيطرُ عليهِ وتملكَ أكثريّةَ أسهمِهِ، أو تضطرّ لأنّ تعرِضَ سِلَعاً في الخارج بأسعارٍ رخيصةٍ فتخسرُ اقتصاديّاً.
وأمّا القروضُ الطويلةُ الأجَلِ فإنها تُوضَعُ لآجالٍ طويلةٍ عنْ قصْدٍ، ويُتَسَاهَلُ عندَ استحقاقها، حتى تتراكمَ وتصبحَ مبالغَ ضخمةً، يضطربُ بسبَبِها الميزانُ الحسابيّ، وتعجزُ البلادُ عن تسديدِها نَقْداً أوْ ذَهَباً أو أموالاً منقولةً، فتضطرّ لتسديدِها أموالاً غيرَ منقولةٍ، من عقاراتٍ وأراضٍ ومصانعَ. وبذلكَ تملكُ الدولةُ الدائنَةُ أملاكاً غيرَ منقولةٍ في البلادِ، وتصبحُ لها مصالحُ تُهيّىءُ للتدخّلِ أو بسْطِ النفوذِ.
حتى لو لمْ تُتّخَذُ القروضُ وسيلةً للاستعمارِ والاحتلالِ، فإنّها حرامٌ، أولاً من حيثُ كونها ربا، وثانياً للقاعدةِ الشرعيّةِ «كلّ فردٍ من أفرادِ المباحِ، إذا أوصلَ إلى ضررٍ، حرُمَ ذلكَ الفردُ وبقي الشيءُ مباحاً».
ولكنْ إذا وقعَ على الدولةِ حادثٌ طارىءٌ، كمجاعةٍ أو طوفانٍ أو زلزالٍ، أو أيّ أمرٍ منَ الأمورِ التي لا تُنْتَظَرُ، ويُخْشَى الفسادُ أو الهلاكُ، فتقترضُ الدولةُ حينذاكَ المالَ وإنْ لمْ يُخْشَ مَفسدةٌ يؤخرُ. والرسولُ (ص) اقترضَ وقالَ: «إنّ خيرَ النّاسِ أحسنُهُمْ قضاءً»(+). فكلّ مسلمٍ مُباحٌ لهُ الاقتراضُ، إلاْ أنْ يوصلَ قرضٌ من هذهِ القروضِ إلى ضررٍ، فيمنعُ ذلكَ القرض فقط، ويبقى حكمُ الاقتراضِ مباحاً.
أمّا بالنسبةِ للدولةِ فإنّ الشرعَ قد عيّنَ حقوقَ بيتِ المالِ، وعيّنَ الحقوقَ التي على بيت المالِ، ككلّ مالٍ لم يتعينْ مالكهُ، فهوَ من حقوقِ بيتِ المالِ، وكلّ حقٍّ وجب صرفُهُ في مصالِحِ المسلمينَ فهو حقٌّ على بيتِ المالِ. وعلى هذا فالفردُ مُباحٌ لهُ الاقتراض إلاّ في قرْضِ معيّنٍ يُوصِلُ إلى ضررٍ. وأمّا الدولةُ فمباحٌ لها الاقتراضُ إذا لم يوجدْ في بيتِ المسلمينَ مالٌ، وكانتِ المصلحةُ تفرضُ عدمَ التأخيرِ.


واقِع التجارةِ الخارجية
للتجارة الدوليّةِ فائدةٌ كبرى منْ حيثُ الأرباحُ الهائلةُ. وما هذا التطاحنُ الشديدُ والتنافسُ الحادّ بينَ الدولِ الكبرى، في سبيلِ اكتسابِ الأسواقِ الجديدةِ والاحتفاظِ بالأسواقِ القديمةِ التي تُصرِّفُ فيها بضائعَها وتستوردُ منْها الموادّ الخامَ دونَ عائقٍ، إلاّ دليلٌ على أهمّيّتها.
وللتجارةِ الدوليّةِ خصائصُ وميزاتٌ ونتائجُ خاصّةٌ. أمّا السببُ الرّئيسيّ لقيامِ التجارةِ الدوليّةِ، فهوَ الاختلافُ في نِسَبِ تكاليفِ السّلَعِ المختلفةِ بينَ دولةٍ وأُخرى. ومنْ صالحِ الدولِ أنْ تقومَ التجارةُ الدوليّةُ بينها مهما اختلفَتْ فيها التكاليفُ النسبيّةُ.
الميزان التجَارِي
الميزانُ التجاريّ مُقارنَةٌ بينَ قيمةِ الصادراتِ والوارداتِ المنظورةِ. فلوْ وضعْنا قيمةَ الصادراتِ منْ جهةٍ، وقيمةَ الوارداتِ في جهةٍ أُخرى لبانَ الميزانُ التجاريّ. فإن فاقت قيمةُ الصادراتِ قيمةَ الوارداتِ كانَ الميزانُ التجاريّ في صالِحِنا، لأنّ الباقيَ من قيمة صادراتِنا يبْقى لنا. فيكونُ طلبُ عُمْلَتِنا لتسديدِ قيمةِ البضائعِ يفوقُ طَلَبَنا للعملاتِ الأجنبيّةِ.
إلاّ أنّ الميزانَ التجاريّ لا يُعطي الصّورَةَ الصحيحةَ، عنِ الاقتصادِ الوطنيّ لأنّ هذا الاقتصادَ لا يقتصرُ على أرباحِ التجارةِ الخارجيّةِ، بلْ هناكَ أشياءُ أُخرى تدرّ وارداتٍ مُعتَبَرَةً منَ الدخْلِ الوطنيّ.
لكنّ الميزانَ التجاريّ يُعْطي الصورةَ الصحيحةَ عن تجارتِنا الخارجيّةِ. ولا يصحّ الحرصُ على أنْ يكونَ لصالِحِنا إلاّ إذا لمْ تكنْ للدّولَةِ أغراضٌ أُخرى. أمّا إذا كانتْ لها أغراضٌ أُخرى تتعلّقُ بالمبدإ والدعوةِ لهُ، أو بالإعدادِ الصناعيّ، أو بسدِّ الحاجاتِ، أو بأُمورٍ سياسيّةٍ بالنسبةِ لموقِفِ الدّولةِ التي نتعاملُ معها تجاريّاً، أو بالنّسبَةِ للموقفِ الدوليّ وما يؤثّرُ فيهِ، فإنهُ عندئذٍ يتْبَعُ الغَرضَ المقصودَ، ويُضحّى بالميزةِ الناشئةِ منْ وراءِ الميزانِ التجاريّ. فالنظرةُ التجاريّةُ وإنْ قامتْ في الأساسِ على الرّبْحِ، بَيْدَ أنّها في نفسِ الوقتِ نظرَةُ دولةٍ لا نظرةُ فرْدٍ يُراعى فيها هدَفُ الدولة وكيانُها قبْلَ الرّبحِ التجاريّ.
سِيَاسة التجارةِ الخارجية
التجارةُ الخارجيّةُ علاقةُ الدولِ بغيرِها منَ الأممِ في النّاحيةِ التجاريّةِ. أي رعايةُ شؤونِ الأمّةِ التجاريّةِ منْ ناحيةٍ خارجيّةٍ. ولا بدّ أن تكونَ هذهِ السياسةُ مبنيّةً على أُسُسٍ معيّنَةٍ.
وتختلِفُ نظرةُ الأممِ للتجارةِ الخاجيّةِ باختلافِ وجهةِ نظرها للحياة، فتعيّنُ بحسبها علاقاتها معَ الأممِ الأخرى. كما تختلفُ أيضاً باختلافِ نظرتِها لمصلحتِها الخاصّةِ اقتصاديّاً منْ حيثُ الرّبْح.
ومنْ هنا نجدُ السياسةَ في التجارةِ الخارجيّةِ الاشتراكيَةِ مبنيّةً على نظرتهمِ القائمةِ على الاعتقادِ بتطويرِ العالمِ. وبالرغمِ منْ مُلاحَظَتِهِمْ للربحِ الاقتصاديّ يصنعونَ السّلَعَ بحسبِ حاجَةِ البلدانِ فيحاولونَ أنْ يبيعوا سوريةَ ـ مثلاً ـ أدواتٍ زراعيّةً، وسماداً، وأدويةً، وأدواتٍ صناعيّة للصناعاتِ التي تُنتِجُ المصنوعاتِ الاستهلاكيّةَ كالجبنِ والثيابِ وأدواتِ الحراثَةِ وما شابهها ممّا يساعدُ في نظرِهِمْ على تطويرها للرأسماليّةِ.
وحينَ يستورِدونَ بضاعةً، لا يستوردونَ إلاّ ما يزيدُ الإنتاجَ وما همْ في حاجةٍ إليهِ فقطْ، بخلافِ البلدانِ الرأسماليّةِ، فإنكلترا ـ مثلاً ـ تسيرُ وراءَ الرّبْحِ الماديّ بعدَ أنْ تجعلَ النفْعيّةَ أساساً لسياسةِ التجارةِ الخارجيّةِ فتبيعُ كلّ شيءٍ لجميعِ الشعوبِ والأممِ، ما دامَ قادراً على تحقيقِ الرّبْحِ الاقتصاديّ.
أمّا ما تفعلُهُ أمريكا منْ تقْيِيدِ التجارةِ معَ روسيّا والصينِ في أصنافٍ مُعيّنَةٍ، ومنْ منْعِ التجارةِ معهُما في أصنافٍ أُخرى فذلكَ لا يتبَعُ وُجهَةَ النظرِ الاقتصاديّةِ بلِ السياسةَ الحربيّةَ باعتبارِ أنها تُعاملُهُما كدولتينِ محاربتَيْنِ حُكْماً، وإنْ لمْ تكونا محاربتينِ فعلاً. وما عدا ذلكَ فإنّ السياسةَ التجاريّةَ عندَ أمريكا قائمةٌ على النفعيّةِ، إلاّ أن الاقتصاديين الغربيّينَ اختلفوا في النظرةِ إلى التجارةِ الخارجيّةِ وكانتْ لهُمْ فيها مذاهبُ مختلفةٌ تتلخّصُ فيما يلي:
1 ـ حريّةُ المبادلَةِ:
وهذهِ الحُرّيةُ في التبادُلِ تقضي بأنْ تجري المبادلاتُ التجاريّةُ بينَ الدوَلِ دونَ أيّ قيدٍ، وبعدمِ فرضِ أيّ رسمٍ جمركيّ، أو أيّ حاجزٍ يُواجِهُ الاستيرادَ. وهذا المذهبُ يعْني زَوالَ رقابةِ الدولةِ لأنها لا تبقى مُكلّفَةً بمراقَبَةِ التصديرِ، ولا بمراقَبَةِ الاستيرادِ، باعتبارِ أنّ التوازُنَ بينَ التصديرِ والاستيرادِ تؤمّنُهُ القوانينُ الطبيعيّةُ، فهوَ توازُنٌ طبيعيّ وآليّ.
وهذهِ النظريّةُ تخالِفُ الإسلامَ لأنّ التجارةَ الخارجيّةَ علاقةٌ منْ علاقاتِ الدولةِ بغيرِها منَ الدولِ والشعوبِ والأممِ. وهذهِ العلاقاتُ كلّها خاضعةٌ لسيطرةِ الدولةِ التي تقومُ بتنظيمِها، وتشرِفُ مباشرةً عليها سواءٌ كانتْ علاقاتٍ بينَ أفرادٍ أو علاقاتٍ اقتصاديّةً أو تجاريّةً.
ولذلكَ لا يصحّ الأخذُ بنظريَةِ حريّةِ المبادلَةِ مُطلقاً لأنّ الدولةَ يجبُ أنْ تُباشِرَ مَنْعَ إخراجِ بعْضِ الموادِ وإباحةَ بعضها، وتباشرَ موضوعَ التجّارِ الحربيّينَ والمعاهدينَ، وإنْ كانت تكتفي بالإشرافِ على رعاياها في تجارتهم الخارجيّةِ والداخليّةِ.
2 ـ الحماية التجارية:
ونظريّةُ الحمايةِ تقضي بأنْ تتدخّلَ الدولةُ لتحقيقِ توازُنِ المبادلاتِ معَ الخارجِ. والقصْدُ منَ الحمايةِ التجاريّةِ التأثيرُ على الميزانِ التجاريّ ومعالجَةُ العَجْزِ. لأنّ التوازُنَ العَفْويّ بينَ التصديرِ والاستيرادِ، لا يمكنُ أن يحقّقَ أيّ توازُنٍ ولا يسدّ أي عجْزٍ، فلا بُدّ منَ الحمايةِ التجاريّةِ.
ولذلكَ تُوضَعُ رُسومٌ جمركيّةٌ وقيودٌ للتصديرِ والاستيرادِ.
وهذهِ النظريّةُ كما وردتْ قاصرةٌ لأنها تجعَلُ تدخّلَ الدولةِ قائماً على تحقيقِ توازُن المبادلاتِ معَ الخارجِ، أو على سدِّ العجْزِ. وتقتصرُ على ذلكَ. وهذا غيرُ صحيحٍ فإنّ تدخّلَ الدولةِ يجبُ أنْ يكونَ لمعاملَةِ الدوَلِ الأخرى بالمثلِ، أو لسدِّ حاجاتِ البلادِ وتوفيرِ أرباحٍ ماليّةٍ لإيجادِ عملاتٍ صعْبَةٍ. وعليهِ فحصْرُ التدخّلِ لتحقيقِ توازُنِ المبادلاتِ وسدِّ العجزِ غيرُ صحيحٍ. بلْ تدخّلُ الدولةِ يكونُ أحياناً لأغراضٍ سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ وتجاريّةٍ أو منْ أجلِ حملِ الدعوةِ.
3 ـ الاقتصاد القومي:
ونظريّةُ الاقتصاد القوميّ مُرتبطةٌ بفكرةِ «الحمايةِ التربويّةِ» المُشتقّةِ منْ نظريّةِ الصناعاتِ الثقيلةِ.
وأصحابُ نظريّاتِ الاقتصادِ القوميّ يَرَوْنَ أنّ النموّ الاقتصاديّ للأمّةِ يجبُ أن يهدفَ إلى إعطائِها السلطانَ السياسيّ معَ السلطان الاقتصاديّ.
كما يَرَوْنَ أنّ نموّ أيّ بلدٍ يمرّ بمراحلَ ثلاث:
1 ـ الرعويّةِ الزراعيّةِ.
2 ـ الزراعة الصناعيّة.
3 ـ الزراعة الصناعيّة التجاريّة.
ولا تكونُ البلادُ ذاتَ سلطانٍ حقيقيّ إلاّ عندما تملكُ أُسطولاً ومستعمراتٍ وسكاناً ذوي مواهبَ مختلفَةٍ. ولا بُدّ من انسجامِ القوى المُنتجةِ والنموّ الاقتصاديِّ كشرطٍ أساسيٍّ للسلطانِ السياسيّ. ويرَوْنَ أنّ الصلات الاقتصاديّةَ الدوليّةَ وإنْ كانتْ تستفيدُ منْ حرّيَةِ المزاحمةِ، لكنْ يُشْتَرَطُ في ذلكَ أنْ تبلُغَ جميعُ البلدانِ المنافسةِ درجةَ الكمالِ في نموِّ القوى. وتنشيطاً لهذا النمو يجبُ حمايةُ الصناعةِ.
أمّا الزراعةُ فلا ينبغي أن يكونَ لها أيّةُ حمايةٍ، بلْ يجوزُ تصديرُ مُنْتجاتها دونَ أيّ قَيْدٍ أو شرْطٍ، ويبقى سعرُها حرّاً بحسبِ شرائطِ السوق الحرّةِ. وعلى هذا فإنّ نظريّةَ الاقتصادِ القوميّ صناعيّةٌ في جوهرِها.
وترى أنّ الأممَ التي تطمَحُ إلى القوّةِ يهمّها أن تجتازَ المرحَلَةَ الزراعيّةَ إلى الصناعيّةِ، وفي البَلَدِ الزراعيّ يبْقى جُزْءٌ هامّ منَ القوى المُنتجَةِ، وهيَ الأيدي العاملةُ، وجُزْءٌ هامّ منَ المواردِ الطبيعيّةِ كالموادِّ الأوّليّةِ، يبْقى ذلكَ عاطلاً. فيجِبُ، إذاً، في سبيلِ استثمارِ هذهِ القوى، وهذهِ المواردِ، أي الأيدي العاملةِ والموادّ الأوليّةِ، ضمُّ المجالِ الصناعيّ إلى جانبِ الزراعةِ. والبلادُ التي تَنْذُرُ نفسها للزراعةِ وحدها لا تملُكُ الإمكانيّاتِ الاقتصاديّةَ، ولا تصِلُ إلى مستوى المعيشةِ التي يملكها البَلَدُ الزراعيّ والصناعيّ في آنٍ واحدٍ.
فالاقتصادُ القوميّ يفرضُ ضرورةَ وُجودِ الصناعةِ معَ الزراعةِ حتى تقِفَ البلادُ على رجليها اقتصاديّاً. وهو نظامٌ يأخذُ الحمايةَ التجاريّةَ للصناعةِ، ويفرضُ القيودَ اللازمةَ على الصادراتِ والوارداتِ الصناعيّةِ وحدها، ويأخذُ بحرّيّةِ المُبادَلَةِ للزراعةِ ويرْفَعُ عنها القيودَ.
وهذهِ النظريّةُ لا يرتضيها الإسلامُ، لأنّ ترْكَ الحريّةِ للمبادلاتِ الزراعيّةِ معَ الخارجِ يَعْني عدمَ مُراقَبَةِ الدولَةِ لتجارةِ المُنتجاتِ الزراعيةِ. ولا يجوز ذلكَ لأنّ الدولةَ يجبُ أنْ تتولّى تنظيمَ كلّ ما يخرجُ ويدخلُ للبلادِ زراعيّاً كانَ أو صناعيّاً أو غيرَ ذلكَ، فتمنعُ خُروجَ بعضِ الموادِ وتُبيحُ بعضها.
أمّا تدخّلُ الدولةِ في الشؤونِ الصناعيّةِ لأجلِ مصلحةِ البلادِ فهوَ أمْرٌ منْ أُمورِ رعايةِ شؤونِ الأمّةِ، وهو ما يأمرُ بهِ الإسلامُ، إلاّ أنّ ذلكَ مُقَيّدٌ بمصلحةِ الدعوةِ لتنشيطِ الصناعةِ.
ويتبيّنُ مما ذكرْنا أنّ الاقتصادَ القوميّ، وإنْ كانَ في جُزْءٍ منَ الصناعةِ يدخُلُ فيما هُوَ منْ رعايةِ شؤونِ الأمّةِ التي يقولُ بها، لكنّهُ في ذلكَ يُخالِفُ الإسلامَ لِعَدَمِ رَبْطِهِ بمصلَحَةِ الدعْوَةِ. والنّظريّة كلّها إجمالاً تُخالِفُ الإسلامَ للحريّةِ الزراعيّةِ المُطلَقَةِ. ولهذا لا يأخذُ المسلمونَ بهذهِ النظريّةِ.
4 ـ السياسةُ الاكتفائيّة:
يُقْصَدُ بالسياسةِ الاكتفائيّةِ طُمُوحُ بَلَدٍ منَ البلادِ إلى كفايةِ نفسِهِ بنَفْسِهِ، وتأليفِهِ وَحْدَةً اقتصاديّةً مُغْلَقَةً تستغني عمّا سواها، فلا تستوْرِدُ ولا تُصدِّرُ.
وهذهِ السياسةُ تختلِفُ عنِ الاقتصادِ القوميّ وتُغايرُ نظريّةَ حريّةِ المبادلَةِ. وقدْ طُبّقَتْ بينَ الحربينِ الأخيرتينِ وتجلّتْ بشكلينِ:
أحدهما: الاكتفائيّة الانعزاليّة.
والثانية: الاكتفائيّة التوسعيّة.
وكانت ألمانيا النازيّةُ نموذجَ البلادِ التي أخذت بالسياسةِ الاكتفائيّةِ. وكانتْ فيها تدابيرُ ألجأتْها إليها السياسةُ الداخليّةُ والخارجيّةُ التي لمْ تَعُدْ تتلاءَم معَ قواعدِ المبادلةِ العالميّةِ.
وهذهِ السياسةُ، وإنْ كانتْ تدابيرَ تستهْدِفُ أهدافاً سياسيّةً، فإنّ لها في نظرهِمْ أساساً اقتصاديّاً للنظامِ، يتلخّصُ في أنّ البلدَ الذي يملكُ موادّ أوّليّةً وكيماويّةً وآلاتٍ وأيديَ عاملةً يستطيعُ الاعتمادَ عليها، يكونُ قادراً على الاكتفاءِ بها. والمُهمّ في الموضوعِ هو التنظيمُ. أمّا رُؤوسُ الأموال فتأتي في المقامِ الثاني. والحكومةُ في السياسةِ الاكتفائيّةِ، تضعُ لنفسِها هدَفاً سياسيّاً يخضَعُ لهُ التنظيمُ الاقتصاديّ والماليّ. ولكي تصِلَ السياسةُ الاكتفائيّةُ إلى هَدَفِها، وهوَ جَعْلُ الاقتصادِ الأهليّ قادِراً على كفايَةِ نفسِهِ بنَفْسِهِ، لا بُدّ أنْ تستعِدّ للاستغناءِ عنْ كثيرٍ من الحاجاتٍ، لأنّ السياسةَ الاكتفائيَةَ تجعلُ البلَدَ عاجزاً عن كفايةِ جميعِ الحاجاتِ. والمُهِمّ أن تُوفّرَ هذهِ السياسةُ منَ الاقتصادِ الأهليّ، الحاجاتِ الأساسيّةَ للفرْدِ وللأمّةِ وللدولةِ توْفيراً يجعلُها سائرةً في طريقٍ تصاعُديّ.
ومنْ هنا يتحتّمُ على الدولةِ التي تسيرُ في ضوْءِ الاكتفائيّةِ في التجارةِ الخارجيّةِ أنْ تَعْمَلَ بطريقةٍ ما لضّمِ البلادِ التي تحتاجُ إليها لِحَوْزِ الموادِ الأوّليّةِ أوِ الأسواقِ أوِ الأيْدي العامِلَةِ أوِ الفنيينَ وغيرِ ذلكَ ممّا تحتاجُ إليه.
والضمّ يكونُ إمّا بالاندماجِ، وإمّا بعقْدِ معاهداتٍ تجاريّةٍ. أمّا إلغاءُ الحُدودِ الاقتصاديّةِ فإنّهُ يعني ضمّ البلادِ، أي إلغاءَ الحُدودِ السياسيةِ إذْ لا يمكِنُ إلغاءُ أحدِهِما بدونِ إلْغَاءِ الآخرِ. وإذا لمْ تستطعْ ضمّ الأقطارِ التي تحتاجُ إلى الموادِّ الأوليّةِ فيها، فيجبُ أنْ تصبرَ على عدمِ إشباعِ بعضِ حاجاتها، وتسعى لعدَمِ الاحتياجِ إلى ما يُشْبِعُ الحاجاتِ الأساسيّةَ، لأنّ فقدانَ ما يشبعُ هذهِ الحاجاتِ الأساسيّة لا يمكنُ الصبرُ عليه.
هذا هوَ ملخّصُ السياسةِ الاكتفائيةِ الانعزاليّةِ والتوسّعيّةِ. فالانعزاليّةُ هيَ التي تتوفرُ فيها الحاجاتُ الأساسيّةُ، والتوسعيّةُ هي التي لا تتوفر فيها جميع الحاجات الأساسية والكمالية إلاّ في مدى معيّنٍ بالضمِّ أوِ المعاهداتِ سواءٌ كانت حاجات أساسيّةً أو كماليّة.
والناظرُ في السياسةِ الاكتفائيّةِ لا يجدها معالجةً تجاريّةً أو اقتصاديّةً، بلْ هي تدبيرٌ وقائيٌّ مؤقّتٌ لِما يعترِضُ الدولةَ من حصارٍ اقتصاديٍّ أو تجاريٍّ، وليستْ معالجة العلاقاتِ الخارجيّةِ، بلْ دفاعاً عنِ البلادِ حينَ تَقَعُ تحتَ الحصارِ الاقتصاديِّ والتجاريٍّ. ولذلكَ كانتْ داخلةً في بحثِ الأساليبِ لا في بحثِ الأحكامِ.
وبناءً عليهِ فلا يُقالُ ما هوَ الحُكْمُ الشرعيّ في شأنها؟ ولا يُقالُ إنّها تُناقِضُ الإسلامَ أو تخالفُهُ، بلْ هيَ أُسلوبٌ منَ الأساليبِ التي تُنشِئُها الضرورةُ فتُؤْخَذُ كأُسلوبٍ إذا كانتْ واقعيّةً عمليّةً، أي إذا كانَ هناكَ واقعٌ خاصّ وكانَ الاكتفاءُ باقتصاديّاتِ البلادِ قادراً على إشباعِ الحاجاتِ الأساسيّةِ. ولا تُؤخَذُ هذه السياسةُ إذا لمْ يكنْ لها واقِعٌ، إذْ لا يمكِنُ الاستغناءُ عنِ الحاجاتِ الأساسيّةِ للدّولةِ، أوِ الأمّةِ أوِ الأفرادِ. وتدخُلُ في بابِ رعايةِ المصالحِ التي يتولاّها الخليفةُ، وقدْ جَعَلَ الشرْعُ لهُ أنّ يُقرِّرَ ما يراهُ مناسباً منَ الأساليبِ، وما يرى فيهِ مصلحةَ المسلمينَ، أيْ أنّ الاجتهادَ يلعَبُ دورَهُ في هذهِ الأمورِ وأمثالها.
الأسواق الخارجية
الحربانِ العالميّتانِ قامَتا بينَ الدّولِ لإيجادِ أسواقٍ خارجيّةٍ لمُنتجاتها وحمايةِ تجارتها. فلا شكّ أنّ تصريفَ الإنتاجِ منْ أهمِّ الأمورِ التي تزيدُ ثروَةَ البلادِ، ولا بُدّ لذلكَ، إذاً، منَ العملِ على إيجادِ أسواقٍ خارجيّةٍ لتصريفِ الإنتاجِ المحليّ. وإيجادُ الأسواقِ لتصريفِ الإنتاجِ لا يكفي، بل يجبُ أنْ نحصلَ عَلَى العملةِ الصعبةِ اللازمةِ لنا لشراءِ ما يلزمُ للثورةِ الصناعيّةِ منَ الآلاتِ والموادّ الأوّليّةِ وغيرِها. وبعدَ الحصولِ عليها تقومُ سياسةُ إيجادِ الأسواقِ الخَارجيّةِ على أساسٍ تجاريٍّ صناعيٍّ. ولهذا لا يكونُ للميزانِ التجاري، معَ أيّ بلدٍ أهميَّةٌ كبيرةٌ منْ حيثُ كونُهُ لصالحنا أمْ لا، أي لا يهمّ أن تكونَ صادراتُنا لبَلَدٍ معادلةً لوارداتنا منهُ، بلْ يجوزُ أنْ نجعَلَ الميزانَ التجاريّ معَ البَلَدِ لصالِحِنا فتكونُ صادراتنا له أكثر منْ وارداتنا منهُ، ويجوزُ أنْ نجعَلَهُ لغيرِ صالِحِنا؛ فتكونُ وارداتُنا منهُ أكثرَ من صادراتنا لهُ، أي نفعَلُ ما نراهُ في مصلحَتِنا، فليْس المهمّ مُطلَقاً معادلةَ الصادراتِ معَ الوارداتِ، بلِ المُهِمّ أنْ تكونَ التجارةُ الخارجَيّةُ تجارةً صناعيّةً. وبناءً عليهِ يجبُ أنْ نختارَ البلدانَ التي نعقدُ معَها الاتفاقيّاتِ التجاريّةَ، فلا نتاجرُ معَ كلِّ بَلَدٍ خارجيٍّ لإيجادِ أسواقٍ فيه. فما هيَ الفائدةُ ـ مثلاً ـ في عقْدِ الاتفاقيّاتِ التجاريّةِ معَ إسبانيا، أو اليونانِ، أو قبرصَ، أو كوريا، أو ما شاكَلَهَا منَ البلدان؟ إنها، وإنْ وُجِدَ فيها تصريفُ بضاعةٍ، فليْس فيها ما يلزَمُ للثورةِ الصناعيّةِ ولا ما يلزمُنا منَ العُمْلَةِ الصعبَةِ. ولكنْ يُبْحثُ عنْ دولةٍ مثل ألمانيا، روسيّا، تشيكوسلوفاكيا، فرنسا، انجلترا، وأميركا، التي نَقْدِرُ على تصريفِ البضاعةِ فيها، وأخْذِ عملاتٍ صعبةٍ، وفيها في الوقتِ نفسِهِ إمكانيّةُ الحصولِ على ما يلزمُ لثوْرَتِنا الصناعيّةِ منْ مصانعَ وخبراءَ، وعُمّالٍ فنيينَ. لمثلِ هذهِ البلادِ ينبغي أنْ تُرسَلَ الوفودُ وتُعْقَدَ الاتفاقيّاتُ التجاريّةُ، ويحصرُ الاتصالُ دائماً بالأكثرِ نفعاً حتى لا يُوَزّعَ في بلادٍ كثيرةٍ فتضيع الفائدةُ. وبذلكَ يتمّ بحثُ خطوطٍ عريضةٍ عن سياسةِ الاقتصادِ في الإسلامِ.
هذهِ هيَ الأمورُ التي تزيدُ ثروةَ البلادِ، أو على حدِّ تعبيرِهِمْ تحقّقُ زيادةَ الدخلِ القوميّ.


السّياسة الصّناعية
تقومُ السياسةُ الصناعيّةُ على تصنيع البلاد، والطريقُ لذلكَ واحدٌ؛ إيجادُ صناعة الآلات أوّلاً، ومنها تتفرّعُ باقي الصناعات. وليسَ هناكَ طريقٌ آخر لجعل البلاد صناعيّةً إلاّ بالتصنيع الثقيل أوّلاً وقبلَ كلّ شيءٍ ، وعدم القيام بإيجاد أيّ مصنعٍ إلاّ منَ الآلاتِ المصنوعةِ في البلادِ. أمّا القولُ بأنّ إيجادَ صناعةِ الآلاتِ يحتاجُ إلى وقْتٍ طويلٍ، ولا بدّ قبلَ ذلكَ أنْ نبدأ بصناعةِ الحاجاتِ الأساسيّةِ، فهو قولٌ هُراء، أو دسيسةٌ يُرادُ بها تعويقُ صناعةِ الآلاتِ، وصَرْفُ البلادِ إلى الصناعةِ الاستهلاكيّةِ حتى تظلّ سوقاً لمصانعِ أوروبا وأميركا، على أنّ الواقع يكذّبُ هذا القولَ، فإنّ روسيّا القيصريّةَ حينَ خَرَجَتْ منَ الحربِ العالميّةِ الأولى كانتْ عالَةً على أوروبا، ولمْ تنشَأ لديها صناعةُ الآلاتِ. وقد نُقِلَ عن لينين بأنّهُ قدْ طُلِبَ منهُ تحسينُ الإنتاجِ الزراعيّ بإحضارِ آلاتِ حراثةِ (تراكتورات) للسيرِ في الزراعةِ بالآلات الحديثةِ، فأجابَ: «لنْ نستعمِلَ التراكتورات حتى نُنتِجها نحنُ، وحينئذ نستعملها». وفي مدّةٍ ليْسَتْ بالطويلَةِ تمّتْ صناعة الآلاتِ في روسيّا. والقولُ إنّ صناعةَ الآلاتِ تحتاجُ إلى إيجاد وسَطٍ صناعي من مهندسين وعمّالٍ فنّيينَ وما شاكلَ ذلكَ، لا يُقصَدُ بهِ سوى المغالطةِ والتدليسِ، فإنّ دولَ أوروبا الشرقيّةَ والغربيةَ لَدَيْها فاضِلٌ منَ المُهندسينَ والعمّالِ الفنيينَ، ويمكِنُ استحضارُ المئاتِ منهُمْ. وفي الوقتِ ذاتهِ يمكنُ إرسالُ المئاتِ، بلِ الآلاف من شبابِنا لتعلّمِ صناعةِ الهندسةِ الثقيلَةِ وصناعاتِ الفولاذِ، وهذا سهل ميسورٌ وفي مُتناوَلِ اليدِ.
إني لأرى أنّ الدولَ الغربيّةَ تقومُ بأنواعٍ منَ الخداعِ والتضليلِ لصرفِ البلادِ الإسلاميّةِ عن صناعةِ البلادِ والحيلولةِ بيْنها وبينَ تكوينها تكويناً صناعيّاً، فقدْ صدرَتْ كُتُبٌ في الاقتصادِ خاصّة بالشرقِ الأوسطِ حولَ التنميةِ الاقتصاديّةِ، وصيغتْ صياغةً تجعَلُ الناسَ يعتقدونَ أنّ عليهم أن يسيروا مراحلَ حتى يصلوا إلى مرحَلَةِ التقدّمِ الصناعيّ، كما أنّهُمْ قسّمُوا دُوَلَ العالمِ إلى ثلاثِ فئاتٍ: الأولى ما تُنْتِجُ الموادّ الخامَ ولا تصنعها، وقدِ اعتبروها دوَلاً متخلّفَةً. الثانية: السائرةُ في طريقِ التصنيعِ، واعتبروها دوَلاً ناميَةً. الثالثة: صانعةُ الموادَّ الخامِّ، سواءٌ كانتْ منْ إنتاجِها المحليّ، أو منْ غيرِ إنتاجِها، وعدّوها دوَلاً متقدّمةً. وقد أكّدوا أنّ على الدولِ أنْ تمرّ بهذهِ المراحلِ الثلاثِ، أو بعبارةٍ أُخرى لا بدّ أنْ يمرّ المجتمَعُ بمرحلةٍ تقليديّةٍ ثم ينتقلُ إلى مرحلةِ الانطلاقِ، تليها مرحلةُ النضوجِ. فمرحلَةُ الاستهلاكِ الشعبيّ العالي. وكلّ مرحلةٍ من هذهِ المراحلِ لها شروطٌ توْهّلُ لها، ولا بدّ أنْ تمرّ بزمنٍ يستوفي هذهِ المراحلَ. والغرضُ من ذلكَ صرْفُ الناسِ عنِ الثورةِ الصناعيّةِ. والحقيقةُ أنّ الثورةَ الصناعيّةَ هيَ العلاجُ الوحيدُ للمشكلَةِ، وبيدها زمامُ رأسِ الصناعةِ ومنْبَعُها. وصناعةُ الآلاتِ في البلادِ لها عدّةُ أسبابٍ تدعو للتعجيلِ بإيجادِها. إنّ كثيراً منَ المصانعِ عندنا ـ مثلاً ـ يُصيبُها عَطَبٌ بكسرِ جزْءٍ منها، فنضطرّ لاستيرادِهِ منَ الخارجِ، أو تتعطّلَ الآلةُ كليّاً، وهذا يُكلّفُنا نفقاتٍ طائلةً. كما أنّ شراءَ المصانعِ والآلات منَ الخارج يُكلّفُنا ثمناً غالياً، وهيَ تُباعُ بأسعارٍ عاليةٍ. وإذا أوْجَدْنا نحنُ مصانعَ الآلات، والنّفْطُ متوفّرٌ في بلادنا، فنحْصُلُ على المصانع والآلات بأرخَص ممّا نشتريها منْ أوروبا وأميركا.
والثورةُ الصناعيةُ بمفهومها الحديث هي تَسلّمُ زمام رأسِ الصناعة ومنْبعها وهي صناعةُ الآلات بعمليةٍ انقلابية في الصناعة وعدم التلهي بأي عمل اقتصادي آخر سوى الضروريات.
إن صناعةَ الآلات في البلادِ لها عدة أسباب تدعو للتعجيلِ بإيجادها، فمثلاً الشرق الأوسط كله لا توجدُ فيه مصانع للآلات وهو يستوردُ ما يحتاجُهُ من المصانعِ والآلات من الخارج، كما يُقبِلُ على إنشاءِ مصانع استهلاكية كثيرة فهو سوقٌ رابحة، ولهذا فإنه من الناحيةِ التجارية يُعتبرُ التعجيل بإيجاد مصانع الآلات أمراً ضرورياً لكسب السوق المفتوحة التي لا مُزاحمَ لنا فيها إذا ما وُجدت عندنا صناعة الآلات. ويجبُ أن يكونَ واضحاً أننا ننادي بضرورة صناعة الآلات لا لهذه الأسباب ولا لغيرها وإنما لتحقيق سياسة اقتصادية معينة هي جعل بلادنا بلاداً صناعية، سواء أنتج هذا ربحاً أم خسارة وسواء وُجدت لها أسواق في الخارج أم لم توجدْ.
فالدافع لإيجاد صناعة الآلات هو تحقيقُ هذه السياسة والهدف من تحقيق هذه السياسة هو ما تتجهُ إليه البلادُ الإسلامية وهو التخلصُ من طريقة العيش الرأسمالية التي بلغَ منها حداً قد يقربُ من الانفجار. فالمسلمون اليوم ازداد شعورهم بضرورة فصلهم عن الاستعمار، وبضرورة تغيير طريقة عيشهم، لهذا لا بد أن تكونَ السياسةُ الصناعية هي جعل البلاد بلاداً صناعية للاستغناء عن كل ما يربطنا بالتبعية إلى أي جهة كانت. فإن أوروبا لم تحصلْ فيها الثورة الصناعية إلا عندما وجدت فيها صناعة الآلات، وأمريكا كانت مستعمرة لعدةِ دول، ولم تتقدّمْ مادياً إلا عندما حصلت فيها الثورة الصناعية وروسيا لم تكملْ ثورتها الشيوعية ضد القيصرية إلا بعد أن حصلت فيها الثورةُ الصناعية.
لذلكَ يجبُ أنْ تكونَ السياسةُ الصناعيّةُ قائمةً على جعْل البلاد صناعيّةً للاستغناءِ عنِ الغربِ، ومن أجلِ هذا لا بدّ منَ البدْءِ بإيجادِ صناعةِ الآلاتِ، وأنْ يكونَ هذا البدْءُ ثورةً صناعيّةً وبشكلٍ انقلابيٍّ، لا عن طريقِ التدرّجِ ولا عن طريقِ السيرِ في مراحلَ حتى نقطعَ مسافاتٍ في الصناعةِ، أو حتى نقْطَعَ مراحلَ وهميّةً تُرْسَمُ لنا للإعاقَةِ عنِ السيرِ للحيلولةِ بيْنَنا وبينَ الثورةِ الصناعيّةِ. ولكنْ ذلكَ لا يعني أَنّ ما عندنا من مصانعِ استخراجِ النفطِ وتصفيَتِهِ واستخراجِ غيرِهِ منَ المعادنِ وما شاكَلَ ذلكَ يجبُ أنْ يقفَ عنِ العملِ حتى نصنعَ نحنُ الآلاتِ، كما أنّنا لا نستطيعُ أنْ نُنْكِرَ أنُّ لديْنا صناعاتٍ استهلاكيّةً كصناعةِ الغزلِ والنسيجِ والسكّرِ والمحفوظاتِ والخشبِ وغيرِ ذلكَ، ولكنّ هذهِ الصناعاتِ لا تزالُ في بدايةِ النشوء. ولذلكَ لا يردُ سؤال: ماذا نفعلُ بها؟ لأنّهَا ستظلّ كما هيَ، ولكنْ لا نسيرُ فيها شوطاً أكبرَ ولا نُنْشىءُ غيرَها، بلْ يجبُ التوقّفُ عندَ حدِّ ما هو موجودٌ وتغييرُ الطّريقِ تغييراً فجائيّاً وحصرُهُ بالاتجاهِ لإنشاءِ صناعةِ الآلات، وذلكَ لا يعْني قَفْلَ بابِ الاستيرادِ؛ لأنّ رعايا الدولة لهُمْ أنْ يشتروا ما يُريدونَ من داخلِ البلادِ وخارجِها حسبَ سياسةِ الاقتصادِ في الإسلامِ، بل معنى تغْييرِ الطريقِ هوَ إيجادُ مصانعِ الآلاتِ، وجعْلُها كأرقى المصانع الآلية، وحينئذٍ يحصُلُ الشراءُ منها، ولا يحصُلُ الاستيرادُ طبيعيّاً بشكلٍ تجاريٍّ، من غيرِ حاجةٍ لأنْ تمْنَعَهُ الدولَةُ.
الثورة الصِّناعية «أي تغيير أدوات الإنتاج وعلاقات الإنتاج»
ضرورة وجود الثورة الصناعية
عدمُ وجودِ مصانعِ الآلاتِ لَدى الأمّةِ، يجعلُ البلادَ مُعتمدةً في صناعتِها وفي تسليحِها على الدوَلِ الأجنبيّةِ، ويجعلُها مربوطةً بها. وفي ذلكَ ضررٌ كبيرٌ على الأمّةِ. فإيجادُ مصانع الآلاتِ مفروضٌ علينا. والدولَةُ مُلْزَمَةٌ بإزالةِ هذا الضّرَرِ، والطريقةُ لتمويلِ المشاريعِ الإنتاجيّةِ تتعيّنُ في أنْ تَنْظُرَ الدولَةُ فيما يلزَمُ للأمّةِ منْ مصانعِ الآلاتِ. ثمّ تقومُ بدراسةِ هذهِ المشاريعِ لمعرفةِ مقدارِ تكاليفِها، ثمّ تفرِضُ ضرائبَ على الأمّةِ منْ أجلِ القيامِ بهذهِ المشاريعِ وتجمعُها منها جبْراً وبمقاديرَ كافيةٍ لإحداثِ الثورةِ الصناعيّةِ. ولا بأسَ أنْ تقومَ الدولةُ بالاتصالِ بالدّولِ الأجنبيّةِ، وبالشركاتِ الكبرى للحُصُولِ على التسهيلاتِ الائتمانيّةِ التي تعني استيرادَ الآلاتِ والأدواتِ والموادّ اللازمةِ للمشاريعِ الإنتاجيّةِ لحينٍ مؤجّلٍ، على أنْ يكونَ بمعاملةِ بيْعٍ لا بمعامَلَةِ رِبا. ويجوزُ بيْعُ الشيءِ بأكثرَ مِنْ سعْرِ يومهِ لأجلِ تأخيرِ دفْعِ الثمنِ. وقدْ قالَ عليّ سلامُ الله عليهِ: «مَنْ ساوَمَ بثمنينِ أحدهما عاجلٌ والآخر نظِرَة فلْيُسَمِّ أحَدَهُما قبْلَ الصّفْقَةِ» كما روى جمْهَرَةُ الفُقَهَاءِ أنّهُ يجوزُ أنْ يقولَ البائعُ: أبيعُكَ بالنّقْدِ كذا، وبالنّسيئَةِِ بكذا، فيذْهَبُ على أحدهما، وعليهِ فإنَّ التسهيلاتِ الائتمانيّةَ التي تعْني استيرادَ الآلاتِ والأدواتِ الإنتاجيّةِ والموادّ اللازمةِ للمشاريعِ بثمنٍ مؤجّلٍ هيَ غيرُ القروضِ. والحُكْمُ الشرعيّ بشأنها هوَ الحُكْمُ الشرعيّ للبيْعِ وبثَمَنٍ مُؤجّلٍ فقط.


الحركة العمّالية في العالم
ترتبطُ الحركةُ العمّاليّةُ بالثورةِ الصناعيّةِ التي يعود تاريخها إلى سنةِ 1764، وهي التي أخذَتْ بأُسلوبِ الإنتاجِ الكبيرِ، وبعْدَهُ نشَأ التنافُسُ بينَ الدوَلِ للسيطرةِ على الأسواقِ الخارجيّةِ. وبما أن النظامَ الديمقراطيّ يقومُ على الحريّةِ الملكيّةِ لمْ يكنْ بُدّ منِ اسْتغلالِ أصحابِ رؤوس الأموالِ للعمّالِ، فكانَ العاملُ يعمَلُ ما بينَ 12 و16 ساعةً يوميّاً بأُجورٍ لا تَسدّ ضرورةَ الحياةِ. في وطْأةِ هذهِ الظروفِ السيّئةِ سعى العاملُ معَ رفاقهِ لتكوينِ تنظيماتٍ سرّيّةٍ ظَهَرَتْ، أوّلَ ما ظَهَرَتْ، في إنجلترا على شكلِ جمعيّاتِ مساعدةٍ، ثمّ ارتقتْ فأصبحَتْ نقاباتٍ للعمّالِ. أمّا بقيّةُ دولِ أوروبا فقد تأخّرَ التنظيمُ النقابيّ فيها بسببِ تأخيرِ الثورةِ الصناعيّةِ. ولقدْ بدأ النشاطُ النقابيّ الدوليّ بتكوينِ بعضِ النقاباتِ الصغيرةِ منْ عمّالِ دُوَلِ أوروبا الغربيّةِ ما بينَ عام 1830 ـ 1948. كمَا أنّ الفترَةَ السابقةَ لظُهورِ أوّلِ تشكيلٍ نقابي دوليٍّ شهِدَتْ سلسلَةً منَ الإضراباتِ الواسعةِ في انجلترا خاصّةً، كانَ أهمّها الإضرابُ الذي حدثَ في عام 1858. وقدْ حاولَتِ الصناعةُ البريطانيّةُ تحطيمَهُ عنِ طريقِ استيرادِ عمّالٍ منَ الدولِ الأوروبيّةِ، فأشعرَ ذلكَ الحركةَ العمّاليّةَ البريطانيّةَ بضرورةِ التعاوُنِ معَ عمّالِ أوروبا. وبالفعلِ بدأ الاتصالُ يزدادُ يوْماً بعْدَ يوْمٍ بينَ القيادةِ العمّاليّةِ البريطانيّةِ وسائرِ القياداتِ العمّاليّةِ الأوروبيّةِ ولاسيّما فرنسا.
أوّل تنظيمٍ دَوْليّ
ففي عام 1862 حضرَ إلى لندن وفْدٌ عمّاليّ فرنسيّ، وقابلَ فيها قادَةَ الحركَةِ العمّاليّةِ، واتفقوا مَعَهُمْ على تكوينِ منظّمَةٍ دوليّةٍ للعمّالِ، وبعدَ هذهِ المقابَلَةِ تمّ في 28 أيلول 1864 تكوينُ «الجمعيّةِ الدوليّةِ» التي اشتهرَتْ فيما بعدُ باسمِ الدوليّةِ الأولى في لندن وذلك في اجتماعٍ حضرَهُ مندوبونَ عن عمّالِ إيطاليا وفرنسا وألمانيا وسويسرا وانجلترا. وقد استمرّتِ الدوليّةُ الأولى تعمَلُ بضعةَ أعوامٍ لصالحِ العمالِ كافّةً حتى تحطّمتْ على صخرةِ السياسةِ، وذلكَ بعْدَ اثني عشرَ عاماً منْ إنشائها، فقدْ قامَ خلافٌ بينَ الشيوعيينَ والاشتراكيينَ والديموقراطيّينَ في قلبِ هذهِ المُنظّمَةِ أدّى إلى انحلالها، وقدْ دارَ الخلافُ حوْلَ الأهدافِ والغاياتِ التي يجبُ أن يسعى إليها هذا التنظيمُ النقابيّ ويدعو لها، فبينما كانَ كارل ماركس وإخوانُهُ منْ مؤيّدي هذا التنظيمِ يَرَوْنَ فيهِ حركةً سياسيّةً دوليّةً، كانَ العمّالُ البريطانيّونَ يهدِفونَ منْ وراء تلكَ المُنظّمَةِ إلى رفْعِ الأجورِ وتخفيضِ ساعاتِ العملِ، والسّعي لإيجادِ أحوالٍ أفْضَلَ للعَمَلِ والاستخدامِ فقطْ.
الدولية الثانية:
ففي عام 1889 قامَ العمّالُ بمحاولةِ تنظيمِ أنفسِهِمْ على الصّعيدِ الدوليّ فكوّنوا اتحاداً دوْليّاً عُرِفَ باسمِ الدوليةِ الثانيةِ. ولكنّ السياسةَ حطّمَتْهُمْ مرّةً ثانيةً، ولمْ تتمكّنِ الدوليّةُ الثانيةُ منَ الاستمرارِ مدّةً طويلةً.
وفي عام 1900 أُنشىءَ اتحادٌ دوليّ كانَ بمثابةِ ارْتباطٍ واهٍ بينَ النقاباتِ التي تعملُ في الميدانِ النقابيّ ما لبِثَ أنْ قَفَزَ عام 1913 إلى اتحادٍ وثيقٍ سمّيَ «الاتحاد الدوليّ لنقاباتِ العمّالِ»، ولمْ يكدْ يَظْهَرُ إلى حيّزِ الوجودِ حتى نَشبَتِ الحربُ العالميّةُ الأولى، وفشلتْ حركتُهُ وتوقّفَ نشاطُهُ.
الاتحادات المهنيّة الدوليّة:
تمّ أوّلُ اتحادٍ مهنيٍّ، وهو الاتحادُ الدوليّ لعمّالِ الطباعةِ، في سنة 1889، وتبِعَهُ في عام 1890 الاتحادُ الدوليّ لعمّالِ الفحمِ، وفي 1900 كانَ هناكَ 17 اتحاداً دوليّاً مهنيّاً عُرِفَتْ بمجموعها «بالسكرتارياتِ الدوليّةِ أو الاتحاداتِ المهنيّةِ الدوليّةِ» وهذه الاتحاداتُ قائمةٌ حتى الآنَ، ويبلُغُ عددُها 21 اتحاداً.
الحركةُ النقابيّةُ الدوليّةُ تمتدّ من أواخرِ الحربِ العالميّةِ الأولى حتى نشوبِ الحرْبِ العالميّةِ الثانيةِ، ففي عام 1913 نشأ الاتحادُ الدوليّ لنقاباتِ العمّالِ، لكنّ هذا الاتحادَ واجَهَ منذُ البدايةِ مُعارضةً شديدةً لهُ، ففي عام 1917 كانتِ الثورةُ الشيوعيّةُ قد اندلعَتْ في روسيّا، فلمّا بدأ الاتحادُ الدوليّ لنقاباتِ العمّالِ في استئنافِ نشاطِهِ سنة 1919 رفضَ العمّالُ السوفياتُ الانضمامَ إليهِ، وكوّنوا لأنفسِهِمْ سنة 1920 اتحاداً دوليّاً سُمّيَ الاتحادَ الدوليّ لنقاباتِ العمّالِ، وأُطلِقَ عليهِ اسمَ «الاتحاد الأحمر» ضمّ العمّالَ السوفيات، والمُنظّماتِ العمّاليّةَ المرتبطةَ بالأحزابِ الشيوعيّةِ في مختَلَفِ دولِ العالمِ، وفي الرّدّ على هذهِ الظاهرةِ ظَهَرَ الحكمُ الفاشيّ في ألمانيا وإيطاليا بينَ الحربينِ العالميّتينِ، وأثّرَ تأثيراً بليغاً على الاتحادِ الدوليّ لنقاباتِ العمّالِ، فلمْ يستطعْ هذا الاتحادُ توحيدَ جهودِ العمّالِ، بلْ عصَفَتْ به السياسةُ وأصبحَ ضعيفاً لا قوّةَ لهُ. وفي الوقتِ نفسِهِ الذي كانتِ الحركةُ النّقابيّةُ الدوليّةُ منقسمةً على نفسها؛ نشأ تنظيمٌ نقابيّ دوْليّ جديدٌ في عام 1920، وارتبطَ ارتباطاً وثيقاً بالكنيسةِ الكاثوليكيّةِ، وقدْ سُمّيَ هذا التنظيمُ «الاتحاد الدوليّ لنقابات العمّال المسيحيّةِ I.F.C.T.U ». وهكذا كانتِ الحركَةُ العمّاليّةُ الدوليّةُ ليلةَ نشوب الحربِ العالميّةِ الثانيةِ مُنقسمةً إلى ثلاثةِ اتجاهاتٍ رئيسيّةٍ هيَ:
1 ـ الاتحادُ الدوليّ لنقاباتِ العمّالِ « I.F.T.U » ويضم نقاباتِ العمّالِ في الدولِ الأوروبيّة ما عدا الاتحاد السوفياتي؛ ومقرّهُ أمستردام ـ هولندا.
2 ـ الاتحاد الدوليّ لنقابات العمّال ويضمّ نقابات العمّال في الاتحاد السوفياتي ونقاباتُ العمّالِ المرتبطةُ بالأحزابِ الشيوعيّةِ في مختَلَفِ دولِ العالمِ، ومقرّهُ موسكو.
3 ـ الاتحاد الدوليّ لنقابات العمّالِ المسيحيّةِ ويضمّ النقابات المسيحيّةَ في بعضِ دولِ غربِ أوروبا، ولاسيّما فرنسا وإيطاليا وهولندا وألمانيا، وبعض نقاباتِ أميركا اللاتينيّة، ومقر هذا الاتحاد أمستردام.
السعيُ لتوحيد الحركة النقابيّة العالميّة بعد إعلان ألمانيا الحرب على الاتحاد السوفييتي
ففي سنة 1940 بأدنبره، اقترحَ اتحادُ العمّالِ البريطانيّ الاتصالَ بالحركةِ النقابيّةِ الروسيّةِ. وقدْ رحّبَ الروسُ بهذا الاقتراحِ، وعُقدَ أوّلُ اجتماعٍ للجنةِ النقابيّةِ الروسيّةِ البريطانيّةِ في موسكو، وذلكَ في اكتوبر سنة 1941. وفي هذا الاجتماعِ اتّفِقَ على وضعِ مخطّطٍ يهْدِفُ إلى توحيدِ الحركةِ النقابيّةِ في العالمِ، كما نوقِشَ موضوعُ إشراكِ عمّالِ الولاياتِ المتحدَةِ في اللجنةِ، وتقرّرَ تفويضُ الاتحادِ البريطاني في الاتصالِ بهم فسافرَ وفْدٌ عمّاليٌ بريطانيّ سنة 1942 إلى الولاياتِ المتحدةِ واتّصلَ بالحركاتِ النقابيّةِ الرئيسيّةِ فيها، وعلى رأسِها اتحادُ العمّالِ الأمريكيّ C.I.O ومؤتمرُ المنظّماتِ الصناعيّةِ A.F.L واتحادُ السككِ الحديديّةِ، وعُرِضَ عليهِ توحيدُ الحركةِ النقابيّةِ في العالمِ، فرفَضَ اتحادُ العمّالِ الأمريكيّ فكرةَ التعاوُنِ معَ السوفييتِ، على أَساسِ أنّ اتحادَ العمّالِ السوفييتي جهازٌ حكوميّ لا يتمتّعُ بأيِّ نوْعٍ منَ الاستقلالِ أوِ الحُرّيّةِ.
واقترحَ اتحادُ العمّالِ الأميركيّ تكوينَ لجنةٍ أميركيّةٍ بريطانيّةٍ بجانبِ اللجنةِ الروسيّةِ ـ البريطانيّةِ، ووافقَ اتحادُ العمّالِ البريطانيّ على ذلكَ، فتكوّنَتِ اللجنةُ في كانونَ الثاني سنة 1942، وقد أثارَ تكوينُ هذهِ اللجنةِ غَضَبَ السوفيات على أساس أنّ تكوينَها (تفتيت) للحركةِ النقابيّةِ الدوليّةِ، لا توحيدٌ لها، كما أغْضَبَ أيضاً الاتحادَ الدوليّ لنقاباتِ العمّالِ الذي اعتبرَ هذهِ المجهوداتِ تحطيماً وتخطّياً لهُ. وفي تشرينَ الأول سنة 1942 قرّرَ اتحادُ العمّالِ البريطانيّ عَقْدَ اجتماعٍ عمّاليٍّ دوليٍّ في لندن، وأُرسِلَتِ الدعواتُ فِعْلاً في تشرين الثاني سنة 1943 إلى الاتحاداتِ والمنظّماتِ في دوَلٍ مختلفةٍ، إلا أنّ الاتحادَ البريطانيّ عادَ وأجّلَ هذا الاجتماعَ، بحجّةِ انشغالِ العمّالِ بعمليّة غزْوِ أوروبا، ممّا أغضَبَ الاتحاد العمّاليّ الروسيّ الذي اعتبرَ هذا التأجيلَ محاولةً لِشَلِّ الوحدةِ العمّاليّةِ، إلاّ أنّ المجلسَ التنفيذيّ لاتحادِ العمّالِ البريطانيّ عادَ وقرّرَ في 12 تِ سنة 1944 تجديدَ الدعوةِ لعقْد الاجتماع وتقرّرَ فعْلاً عقْدُ الاجتماع في لندن في 6 شباط سنة 1945.
وَوُجِّهَت الدعوَةُ باسم اتحاد العمّال، ومن ضمْنِه الاتحادُ الروسيّ، إلى مؤتمر المنظّمات الصناعيّة الأمريكيّ، وعُقِدَ المؤتمرُ في الموعِد المحدّدِ وكانَ هناكَ اتجاهانِ: الأوّلُ يُرِيدُ إنشاءَ تنظيمٍ دوليّ جديدٍ لا علاقةَ له بالتنظيماتِ القديمةِ، وكانَ من وراءِ هذا الرّأيِ الاتحادُ الروسيّ والمنظمات الصناعيّة، والاتحادُ العمّاليّ الفرنسيّ وأغلبيّةُ الاتحادات العمّالية في أمريكا اللاتينيّة.
الاتجاهُ الثاني يحاولُ إحياءَ الاتحادِ الدوليّ النقابيّ لنقابات العمّال القديم وإعادة تنظيمِه بحيثُ يتمشى معَ الأوضاع الجديدة؛ وكانَ من وراء هذا الرأي بريطانيا ومَنْ يدورُ في فَلَكِها، فَلَمْ ينجَح المؤتمرُ في الوصول إلى قرارٍ في هذا الشأنِ، وكلّ ما وصلَ إليهِ تشكيلُ لجنةٍ تضمّ 41 عضواً، اختيرَتْ لدراسةِ الموقفِ، وعقدِ مؤتمرٍ آخر لاتخاذِ قرارٍ في هذا الشأنِ.
وفي أيلول 1945 عُقِدَ المؤتمرُ الثاني في باريسَ، وقد تمكّنَ أصحابُ الرأي الأول من تكوينِ اتحادٍ دوليٍّ جديدٍ، وفي 3 تشرين الأول 1945، أعلنَ المؤتمرُ تكوينَ اتحادٍ جديدٍ سمّيَ «الاتحادَ العمّاليّ العالمي للنقاباتِ W.F.T.U » واتخذَ هذا الاتحادُ باريسَ مقرّاً لهُ.
مشروع مارشال:
بعدما أعلنت الولاياتُ المتحدةُ مشروعَ مارشال «برنامج الإنعاش الأوروبي» حاولتْ أنْ تحصُلَ على موافقةِ الاتحادِ العمّاليّ للنقاباتِ لدعمهِ.
وفي اجتماعِ المجلسِ التنفيذيّ للاتحادِ في تشرين الثاني سنة 1947 حاولَ السيد جيمس كاري مندوبُ مؤتمرِ المنظّماتِ الصناعيّةِ الأمريكي مناقَشَةَ مشروعِ مارشال، مع أنّهُ لمْ يكنْ مُدرَجاً في جدولِ الأعمالِ، فَسُمِحَ لهُ بشرحِ وجهةِ نظرِهِ، فقامَ وشرحَ المشروعَ وأهدافَهُ، وطالَب بمناقشةِ الأمْرِ بصورةٍ أوسَع، وتمّتِ الموافَقَةُ على ذلكَ بالرّغمِ مِنْ معارضةِ الشيوعيينَ للمشروعِ، وقد وصفوهُ بأنّهُ محاولةٌ استعماريّةٌ للسيطرةِ على أوروبا، ثم أُرجىءَ على أن تَتمّ المناقَشَةُ في الاجتماعِ القادمِ للمجلسِ.
في 28 تشرين الثاني 1948 أرسلَ الاتحادُ العماليّ البريطانيّ إنذاراً لسكرتاريةِ الاتحادِ العمّاليّ، يطلُبُ فيهِ عقدَ المجلس التنفيذيّ في موعدٍ معيّنٍ، على أن يكونَ أقصاهُ منتصفَ شباط سنة 1948، وذلكَ لمناقشةِ مشروع مارشال، وأشارَ الاتحادُ في إنذارِهِ إلى أنّهُ سيكونُ حُرّاً في عقْدِ اجتماعٍ وراءَ نطاقِ الاتحادِ العمّاليّ لمناقشةِ المشروعِ إذا لم يُعْقَدِ الاجتماعُ في الوقتِ الذي عيّنَهُ، فأعلنَ الاتحادُ العالميّ للنقاباتِ بعدَ إجراءِ الاتصالاتِ اللازمةِ أنّهُ تقررَ عقدُ اجتماعِ المجلسِ التنفيذيّ في 30 نيسانَ 1948، واعتبرَ الاتحادُ البريطانيّ ذلكَ تأخيراً مقصوداً ومماطَلَةً من لويس سايان سكرتيرِ الاتحاد العالميّ للنقابات، ولذلكَ وجّهَ الاتحادُ العمّاليّ البريطانيّ الدعوةَ لعقْدِ اجتماعٍ في لندن في آذار 1948، دعا إليهِ الاتحاداتِ المؤيدةَ لمشروع مارشالَ وتمّ الاجتماعُ فعْلاً، وتقرّرَت في هذا الاجتماعِ الموافَقَةُ على مشروع مارشال وتأييده.
وفي اجتماعِ المجلسِ التنفيذيّ للاتحادِ العالميّ للنقاباتِ الذي عُقِدَ في روما 30 نيسان 1948 نوقِشَ مشروعُ مارشال مُناقشةً طويلةً انتهتْ برفضِ المشروع. فأثارَ ذلكَ اعتراضَ اتحادِ العمّالِ البريطانيّ، ومؤتمر المنظمات الصناعيّةِ الأمريكيّ الذين هدّدوا بالانسحابِ، إذا لمْ يوافقِ المجلسُ على المشروعِ وعندئذٍ اقترحَ الاتحادُ العمّاليّ الروسيّ تشكيلَ لجنةٍ فرعيّة لمناقشةِ المشروعِ ولكنّ اقتراحَهُ قُوبِلَ بالرّفضِ منَ الاتحادِ البريطانيّ والأمريكيّ ولذلكَ لم يصلِ الاجتماعُ إلى أيّةِ نتيجةٍ إيجابيّةٍ. وفي اجتماعِ المجلسِ التنفيذيِّ الذي عُقِدَ في باريس في 19 كانون الثاني 1949 أصرّ اتحادُ العمّالِ البريطانيّ ومؤتمرُ المنظماتِ الصناعيّةِ الأمريكيّ على ضرورةِ فتْحِ بابِ المناقَشَةِ مرّةً أُخرى في مشروعِ مارشال، وضرورةِ الموافَقَةِ عليهِ. ولكنّ هذا الاقتراحَ قُوبِلَ بالرفْضِ منَ الجانبِ الروسيّ فأعلنَ ممثّلُو اتحادِ العمّالِ البريطانيّ، ومؤتمر المنظماتِ الصناعيّةِ الأمريكيّ واتحاد العمال الهولنديّ انسحابهم منَ الاجتماعِ، وتبِعَهُمْ ممثلو بعض الاتحاداتِ العماليّةِ في الدولِ الغربيّةِ ومعنى ذلكَ أن الخلافَ بلغَ أقصى درجاتهِ، ونجحتِ السياسةُ مرّةً أُخرى في تقسيمِ الحركةِ العماليّةِ الدوليّةِ.
ومنْ وراءِ العواملِ السياسيّةِ المتضاربةِ أصبحتِ الحركَةُ النقابيّةُ الدوليّةُ مُقَسّمَةً إلى ثلاثةِ أقسامٍ في سنة 1951:
الاتحادُ العالميّ للنقاباتِ.
الاتحادُ الدوليّ للنقابات الحرّةِ.
الاتحادُ الدوليّ للنقاباتِ المسيحيّةِ.
الاتحاد الدّولي لنقاباتِ العُمّال العَرَب
تكوّن الاتحادُ الدوليّ لنقابات العمّال العرب في آذار سنة 1956 لتوحيد جهود العمّال العرب، وَوُضعَ مخطّطٌ عربيّ لمجابهة النشاطِ المتزايد، لاتحادِ العمّال الإسرائيليّ المسمّى «بالهستادروت»، وقد أسّسَ هذا الاتحادَ سَبْعُ مَنظماتٍ عماليّةٍ يمثّلونَ عمال خمس دولٍ عربيّةٍ هيَ
أ ـ الاتحادُ العام المصريّ للْعمّال.
ب ـ الاتحادُ العامّ لنقابات العمّال في سورية.
ج ـ الاتحادُ التقدميّ لنقابات العمّال في دمشق.
د ـ رابطةُ نقابات العمّال والمُسْتَخْدَمينَ في لبنان.
هـ اتحادُ نقابات العمّال المستقلّة في لبنان.
و ـ اتحادُ نقابات العمّال في المملكة الأردنيّة.
ز ـ الاتحادُ العام الليبيّ للعمّال.
ومنذُ تكوينه انضمّتْ إليه المنَظماتُ العمّاليّةُ في العراق وعدن والسودان والكويت والجزائر والمغرب وفلسطين. ويبلُغُ عددُ أعضاء الاتحاد 10 ملايين عامل تقريباً مُنتظمينَ في 23 اتحاداً من 12 دولة عربيّة ومقرّ الاتحاد مدينةُ القاهرة.
الحركة النقَابيّة الإفريقيّة
في أيّار سنة 1916 عُقِدَ مؤتمرٌ في الدار البيضاء، واشتركَ فيه مندوبونَ عنِ اتحاداتِ نقابات غانا وغينيا ومالي والمغرب والعربيّة المتحدة، وأُعلِنَ في هذا المؤتمر إنشاءُ اتحاد جميع نقابات عمّال إفريقيا، واتخذَ الاتحادُ مدينة أكرا مقرّاً لهُ، وسرعانَ ما انضمّ عمّالُ الجزائرِ إلى هذا الاتحاد. وقد وضعَ لنفسه سياسةً تقضي بعدم الارتباط بأيّ اتحادٍ منَ الاتحادات الدوليّة الرئيسيّة. وقد اعتبرَت نقاباتُ الدول الغربيّة إنشاءَ اتحاد جميع نقابات عُمّال إفريقيا خَطراً عليها؛ فوضعتْ مخطّطاً قبْلَ إنشاء الاتحاد للقضاءَ عليه ومنْعِه منَ الظهور، فلمّا فشِلَتْ في ذلكَ غيّرَت المخطّطَ بسرعةٍ، وعمِلَتْ على إنشاء اتحادٍ آخر من نقابات العمّال المنضمّة لها أو المرتبطَة بالاتحاد الدوليّ لنقابات العمّال المسيحيّة. ولقدْ وُفّق الاتحادُ الحُرّ في مخطّطِه؛ فتمكّنَ منْ تكتيل عددٍ منَ الاتحادات التّابعة لهُ في دول مجموعَة منروفيا، ومجموعة دوَل برازافيل، وتمكّنَ سنة 1962 منْ تأسيس اتحادٍ جديدٍ، سمّيَ «بالاتحاد الإفريقيّ لنقابات العمّال»، واتخذَ دكار عاصمةَ السنغال مقرّهُ ويضمّ هذا الاتحادُ الجديدُ 21 اتحاداً عماليّاً إفريقيّاً ينتمونَ إلى الاتحاد الدوليّ لنقابات العمّال الحرة و12 اتحاداً ينتمونَ إلى اتحاد النقابات المسيحيّة و8 اتحاداتٍ عماليةٍ مستقلّةٍ. ومنذُ إنشاء الاتحاد الإفريقيّ لنقابات العمّالِ 1962 تحتّمَ الخلافُ بيْنَهُ وبينَ اتحادِ جميعِ نقاباتِ عمّالِ إفريقيا، على الرّغمِ من محاولاتِ التوفيقِ العديدةِ التي بُذلَتْ والمساعي التي جرَت عام 1964 ـ 1965 للتوفيقِ بينهما في سبيلِ تحقيقِ وحدةِ الحركةِ النقابيّةِ الإفريقيّةِ.
بعدَ هذا السّرْدِ الموجَزِ للحركةِ العمّاليّةِ وما رافقها منْ أحداثٍ سياسيّةٍ منذُ بدء تكوينِها، وما نراهُ اليومَ من تدخّلاتِ السياسةِ وأصحابِ المصالح، نلحظُ الأمورَ التاليةَ:
الحركةُ العمّاليّةُ قامتْ منذُ قيامِها ضدّ القانونِ الديمقراطيّ الرأسماليّ، لسببينِ اثنينِ مهمّينِ:
أولاً: أنّ القانونَ الرأسماليّ قائمٌ على حريّةِ الملكيّةِ، ويكفلُ لصاحبِ العملِ المحافَظَةَ على ملكيّتهِ، ويُسْمَحُ لهُ بالتصرّفِ بها كيفَ يشاءُ، بدونِ أنْ يقِفَ في وجْهِ استغلالهِ واستبدادهِ واقفٌ، ويده مُطلقةٌ في كلّ ما يملكُ من أموالٍ منقولةٍ وغيرِ منقولةٍ.
ولما كانَ الناسُ اثنينِ، إمّا صاحبُ مُلْكٍ وجُهْدٍ، وإمّا صاحبُ جُهْدٍ فقطْ، كانت الأنظمة الرأسماليةُ الديمقراطيّةُ كلّها تنشأ لمراعاةِ صاحبِ المُلْكِ والمحافظةِ عليهِ، ولا تُعيرُ أيّ اهتمامٍ لصاحبِ الجُهْدِ مُطْلَقاً.
ثانياً: عدمُ كفالةِ هذا النظامِ للحاجاتِ الأساسيّةِ كالطّعام والمسكنِ والمَلْبَسِ في حالِ العجزِ الكليّ أو الجزئيّ. وهذا هو العاملُ الكبيرُ. والعاملُ الثاني ظهورُ الصناعةِ في جميعِ أشكالِها، وبحكمِ الواقعِ بدأ الناسُ يتجمّعونَ في مكانٍ واحدٍ من بقاعٍ مختلفةٍ، ممّا أدّى إلى وُجودِ حركةٍ عمّاليّةٍ سمّيَتْ فيما بعدُ بالنّقابةِ.
والواقعُ يشهَدُ أوّلاً وثانياً:
1 ـ أنّ التجمّعَ العمّالي لم يَقُمْ بدافعِ القيادةِ للبلادِ، بل بدافِعِ الحاجةِ لأخْذ الحقّ من صاحب العمل الذي تحكّمَ بمصير العامل اقتصاديّاً ومعنويّاً.
2 ـ لم تسمَحِ الحُكوماتُ بإقامة نقاباتٍ واتحاداتٍ في البلاد لتجمّعِ العمّالِ إلاّ بعدَ الضغط الشديد منْ هؤلاء العمّال وتجمعهمْ في أمكنَةٍ عديدةٍ حساسةٍ، للتخريب إذا اقتضى الأمرُ أوْ للتشاوُر في الانتخابات النيّابيّة.
ولمّا كانَ الواقعُ يشهدُ أنّ السببَ الوحيدَ هو التحكّمُ الرأسماليّ الفظيعُ في مصير الفئة العاملة اقتصاديّاً ومعنويّاً، كانَ الواجبُ يفرضُ علينا أنْ نلاحظَ هذه الظاهرةَ وأنْ نعطي الفِئَةَ المهضومةَ حقّها، وإذا تمّ ذلكَ لا تبقى حاجةٌ لهذه التجمّعات العمّاليّة في جميع الأنظمة رأسماليّةً كانتْ أو اشتراكيّةً شيوعيّةً. وإذا كانتْ العِلّةُ تدورُ مع المعلول وُجوداً وعَدَماً، كان زوال المعلول بزوالها ألا وهو سلْبُ حقّ الفئة الكادحَة القائم على القوّة المُسنَدَة بالتشريع الجائر، وذلكَ بإعطاء هذه الفئة الكادحَة حقّها المعنويّ والاقتصاديّ عن طريق التشريع العادل.
وإذا فكّرْنا في هذا السّلبِ، أوِ اغتصابِ الحقِّ للفئَةِ الضعيفةِ التي تحاولُ دائماً تقويةَ نفسِهَا عنْ طريقِ التجمّعِ لتنالَ حقّها أوْ جزءاً منهُ، وجدْنا أنّ السبَبَ يعودُ إلى جشعِ أصحابِ رؤوسِ الأموالِ، فهُمُ الذينَ فرضُوا بجشعِهِمْ ذلكَ التجمعَ. وقد انقسمتِ الحركةُ العمّاليّةُ كما رأينا إلى قسْمينِ:
1 ـ الحركاتِ العمّاليّةِ في النظامِ الاشتراكيّ والشيوعيّ، وهي تعتبرُ أنّ مهمّتها الأساسيّةَ قدِ انتهت بانتهاءِ النظامِ الرأسماليّ وبقيَ عليها أنْ تُساعِدَ الفئةَ الحاكمةَ، وأنْ تضحّي في سبيلِ بناءِ البلادِ وتثبيتِ النظامِ الحاكِمِ. وتختلِفُ عن زميلتِها في ظلِّ النظامِ الرأسماليّ. وهذا التفكيرُ لا ينبثقُ عن تفكيرِ القاعدةِ الشعبيّةِ العماليّةِ بل عنِ الفئةِ الحاكمةِ التي توجّهُ البلادَ. ومعنى ذلكَ أنّ الحركاتِ العماليّةَ في البلادِ الاشتراكيّةِ والشيوعيّةِ مبنثقَةٌ عنِ الدولةِ أكثرُ منِ انبثاقِها عنِ الطبقةِ العاملِة.
2 ـ أمّا الحركاتُ العماليّةُ في النظامِ الرأسماليّ الديمقراطيّ وإنْ تأثّرتْ بالسياسةِ الخارجيّةِ التأثر الكليّ، بيْدَ أنها في الداخلِ دولة ضمنَ دولةٍ. وبالرّغْمِ منِ استقلالها تبقى ساكنةً أو كثيراً ما تبقى ساكِنةً إزاءَ العدوانِ الذي تقومُ بهِ دولةٌ منْ دُوَلها إلاّ إذا كانَ المحرّكونَ السياسيّونَ يريدونَ ذلكَ، ولكنّها تقِفُ عندَ حدِّ الانتقادِ فقطْ ولا تتخطّاهُ إلى مسائلَ عمليّةٍ لردعِ حكوماتِها، وفي الوقتِ نفسِهِ تعيبُ الحركاتِ العمّاليّةَ في الجناحِ الشيوعيّ بأنها لا تستطيعُ أن تنتقدَ واقِعَ حكوماتِها. وهذا ما يجعلُني أُؤْمنُ بأنّ التكتلاتِ العمّاليّةَ في الجناحينِ الغربيّ والشرقيّ مسيرةٌ في السياسةِ الخارجيّةِ، مُسيّرَةٌ منَ الحكوماتِ ولكنّها مختلفةٌ في السياسةِ الداخليّةِ، فالحركاتُ الغربيّةُ غيرُ الحركاتِ الشيوعيّةِ، ويعودُ ذلكَ لأساسِ المبدإ، فالمبدأُ الرأسماليّ يضطهِدُ العاملَ، وهذا يحاولُ بدورهِ أن يتخلّصَ منْ هذا الاضطهادِ، وعندئذٍ ينتهي الأمرُ إلى إرادتينِ متناقضتينِ يتبلوَرُ في الصراعِ الداخليّ.
ولكنّ المبدأ الاشتراكيّ الشيوعيّ يُصفّي أصحابَ رؤوسِ الأموالِ عندما يطبّقُ الاشتراكيّةَ. فلا يبقى سوى العمّال، وإذا كانَ الأمرُ كذلكَ فلا تبقى حاجةٌ إلى إضراباتٍ ولا وساطةٍ ولا تحكيمٍ. وإليكم هذا المثال: لقدِ اجتمعتُ في الدانمارك بمكانٍ يُدعى «هجستر بكاد» في مدينةِ (إيلزانور) معَ سيّدٍ مسؤولٍ من ألمانيا يُدعى «هربرت بتلتاز» مساعدَ السكرتيرِ العام في الاتحادِ المهنيّ التحالفي العماليّ الحرّ. سألتُهُ سؤالاً أمامَ ممثلين عن آسيا ما هوَ موقفُ I.C.F.T.U تجاهَ اللاجئينَ العربِ الفلسطينيين وما هي الخطواتُ التي تخطونها لإعادتهم إلى بلادهم. فاندهش أوّلاً لسؤالي واسْتَفْهَمَ: أوَليسَ الذي يسْألهُ مندوباً عنِ اتحادٍ مشتركٍ معَ الاتحادِ الحرِّ؛ فقلتُ لهُ: أنا مندوبٌ عنْ أكبرِ اتحادٍ في لبنانَ، وهو عضوٌ في الاتحاد الحرّ، فضحكَ وأجابَ: أنتم ـ كما نعلمُ ـ في الاتحادِ المذكورِ، وإسرائيلُ عضوٌ فيهِ، ولذلكَ لا نقْدِرُ أنْ نتحيّزَ لأحدِ الطرفينِ! فلمّا لاحظَ، في وجوهِ المندوبينَ الآسيويينَ، أنّ جوابَهُ غيرُ مُقْنِعٍ ضحكَ ضحكةً عاليةً وقالَ: إننا كاتحادٍ لا نقوى على حلِّ المشاكلِ السياسيّةِ (7 ـ 11 ـ 1966).
ولكنّ بعْضَ القادةِ النقابيّينَ يزعمُ أنّ الحركةَ النقابيّةَ لمْ تعُدْ مقتصرةً على المطالبةِ بالحقِّ المسلوبِ، أو بإعادةِ اعتبار فردٍ ما، أوِ المحافظةِ على كرامةِ جماعةٍ ما، بلِ الحركةُ العماليّةُ تُسْهِمُ اليوْمَ بأكْبَرِ قِسْطٍ لتقدّمِ الحياةِ البشريّةِ وازدهارِها في الدّاخلِ والخارجِ. وهذا الزّعْمُ غيرُ صحيحٍ لأمورٍ ثلاثةٍ:
1 ـ ازدهارُ البلَدِ وتقدّمُهُ لا يُعَدّ من خصائصِ فئَةٍ شعبيّةٍ بلْ منْ خصائصِ الفئَةِ الحاكمة التي تسلّمَتِ الحكْمَ على أساس تقدّم البلد وازدهاره في الداخل وتحسين علاقاته في الخارج، لا منْ خصائص الفئَة العمّاليّة.
2 ـ إنّ الأموالَ التي تجمعها منَ الاشتراكات والتبرعَات وما شابهَ ذلكَ هيَ وقْفٌ للفئة العاملَة التي جمعَتْ منها، ولا يجوزُ التصرّفُ بها في أشياءَ أُخرى.
3 ـ أنا لا أنكرُ على الأمّة أنْ يكونَ بها فئةٌ ثانيةٌ تُعارضُ الحكْمَ وتنتقِدُهُ وتسعى للوصول إليه في سبيل فرض الأحْسَن، ولكني أُعارضُ وجودَ كتلةٍ طبيقيّةٍ في الحكْم لأنّ الصراعَ المحرّمَ في الأمّة هو الصراعُ الطبقيّ، ولكنْ الكتلةَ التي تضمّ جميعَ أفراد الشعب وتحملُ أفكاراً للبناء ضرورةٌ ولا يُستغنى عنْها. هذا من ناحية ومن ناحِيَةٍ أُخرى فعلاقَةُ العامل بالعامل ليْسَتْ قائمةً عَلَى أساسٍ فكريٍّ، بل على أساسٍ مصلحيّ ـ والعاملُ الذي نراهُ اليومَ يُدافِعُ عن قضايا العمّال لا يُدافِعُ عنهُم بوَحْيٍ فكريٍّ، بل لأنّ واقعَهُ يحتّمُ عليه هذا، فإذا أصبحَ غداً من أصحاب المصالح يقِفُ بجانبِ الفئة التي كان يُقاومُها بالأمس لحماية مصالحه.
والنتيجةُ إذن هي: الإنسانُ إنسانٌ في كلّ عصرٍ ومصرٍ يسْعى دائماً لحماية مصالحه. والعَلاقَةُ المصلحيّةُ دائمةٌ ما دامَتْ المصلحَةُ، وفي حال انتهاء المصلحة تنتهي العلاقَةُ. والإضرابُ هوَ الوسيلةُ الوحيدةُ لحماية مصالح العمّال وقد سُمِحَ به في النظام الديمقراطيّ، وهذا السماحُ فَتَحَ في النظام ثغرتين:
1 ـ الإضراباتُ بدأتْ تؤثّرُ على اقتصاديّات البلاد.
2 ـ الإضراباتُ تحوّلتْ إلى مصلحَة النظام الاشتراكيّ الشيوعيّ، لا إلى مصلحة النظام الديمقراطيّ لثلاثة أسبابٍ:
أ ـ الحزبيّونَ يندسّونَ في الإضرابات، وكثيراً ما يحوّلونها لمصلحتهم السياسيّة.
ب ـ يعتبرونَ كلّ اصطدامٍ بينَ الفئة العاملة وأصحاب رؤوس الأموال بمثابة خطوةٍ تقدميّةٍ نحو الاشتراكيّة.
ج ـ ينبرونَ لنشر أفكارهِمْ، وللمزايدات أثناءَ إضرابات النقابات، وهذا ما لاحظَهُ الموجّهونَ في النظام الديمقراطيّ وتخوّفوا منهُ، فحاولوا أنْ يحدّوا موجةَ الإضرابات المتفاقمة في البلاد، فقالوا يجب أن يسبقَ الإضرابات: الوساطة، وهيَ هيئةٌ تعيّنها الدولةُ لتقريب وجهات النظر بين العمّال وأصحاب العمل. وبعدَ الوساطة يُخَيّرُ العمالُ إذا لم يوافقوا بينَ الإضراب والتحكيم، فإن قبِلوا بالتحكيم فقرارُ هيئة التحكيم مُلْزمٌ للطّرفين، كما أنّ هيئةَ التحكيمِ مؤلّفَةٌ منَ العمّال وأصحاب العَمَل والدّولة. ولكنْ يُلزمُ القانونُ في بعض البُلْدان بالتحكيم، ويمنعُ الإضرابَ بالقُوّة. وقد بَدأ تطْبِيقُ هذه المراحِل في جميع البلاد التّابِعة للنّفوذ الغربيّ ونشأتْ عندهم مُشْكِلةٌ من الوساطة تتلخّصُ في أنّ الفِئَةَ الكادحَةَ لا تملكُ الثّقافَةَ التي يملكُها صاحبُ العَمَل، فأنشئت المعاهِدُ العمّاليّةُ والدّوراتُ الثّقافيّةُ لِرَفْع المُستوى الثّقافيّ عند الفِئة العامِلة ويعْتبرُونَ ذلكَ تركيزاً للنظام الديمقراطيّ في البلاد. لكنّ الذين يحملونَ الأفكارَ الاشتراكيّةَ الشيوعيّة يعتبرون كلّ هذه الإجراءات تخْديراً ومُسكّناً مؤقتاً وحواجز أمامَ عجلَة الاشتراكيّة.
وأمّا ما يُسمّى بمشاكل العمّال فلا وُجُودَ له في الإسلام. لأنّ المشاكلَ نَشَأتْ عَنْ جَعْل مُستوى المَعِيشة في أدنى حدّها الأساسيّ لتَقْدير أُجْرَة الأجير؛ فما كانَ العُمّالُ يأخُذُونَ أُجْرَةً وإنما يأخُذُونَ بُلْغَةً تُبْقِيهمْ أحْياءَ ليَعْمَلوا. وقد قامَ ذلك على اسْتِبْدادِ أصحاب الأعمالِ بالأجراء حتى لاقى هؤلاء الأجراءُ العَنَتَ والإرهاقَ والظُّلْمَ واسْتِغلالَ عَرَقِهم وجُهْدهم؛ فَنشأ التذمّرُ الشّديدُ وظهَرَتْ فكْرَةُ الاشتراكيّة كيْ تُنْصفَ العاملَ، في تحديد وقْت العَمَل وأُجْرَته وحقّ التّداوي والفُرْصة السنويّة الخ... فاضْطُرّ الرسماليّونَ إلى إدْخال التّعْديلاتِ على حُرّيّة الملْكيّة والعَمَل. ولم يبقَ عندَئذٍ مُستوى المعيشة عندَ أدْنى حَدّه الأساسيّ في تَقْدير أجرِ الأجير. وأُدْخِلَتْ على عُقود العَمَل قَواعدُ وأحْكامٌ تهْدفُ إلى الرّدّ على الاشتراكيّة ومواجهتها في حِماية العمّال وإعْطائهم مِنَ الحُقُوق ما لم يكُنْ لهم مِنْ قَبْلُ، كحُرِيّة الاجْتِماع وتكوين النّقاباتِ والإضراب. وأُعْطيَ العمّالُ فوقَ ذلكَ تقاعُداً وإكراميّاتٍ وتعْوِيضاتٍ عائِليّةً وتعْويضات نهاية الخدْمَة، ومعنى ذلكَ أنّ مشاكلَ العُمّال تَوَلّدَت عن الأساس الذي يقُومُ عليه النّظامُ الرأسماليّ القائمُ على حريّة الملكيّةِ والعَمَلِ، وجَعْلِ مُسْتوى المعِيشةِ عند أدنى حدّهِ، وهو الأساسُ الذي يُبْنى عليه تَقْدِيرُ أجْرِ الأجيرِ. وستظلّ هذه المُشكلاتُ العُمّاليّةُ قائمةً ما دَامَتِ العَلاقَةُ بينَ الأجيرِ والمُستأجرِ مَبْنِيّةً على أساسِ هذا النظام. وما هذه المُسَكّناتِ سوى ترقِيعاتٍ لإسْكاتِ العُمّالِ، والوُقُوفِ في وَجْهِ المبادىء الاشتراكيّةِ. وهذا الترْقِيعُ طبيعيّ في محاولةِ النّظام الرأسماليّ للمُحافَظةِ على بقائِهِ. والزّعْمُ بأنّ تلكَ التنظيمات والإجراءات علاجٌ لمشكلات العُمّال زَعْمٌ باطلٌ.
وما هُو في الحقيقة سوى تخديرٍ لتهْدئَة العمّال. لكنْ ذلكَ كلّهُ لم يكنْ في الإسلام إذْ ليس فيه حريّةٌ ملكيّة وحريّةُ عَمَلٍ، بل فيه إباحَةٌ مِلْكيّةٌ وعَمَلٌ. وهناكَ فرْقٌ شاسعٌ بَيْنهما لأنّ حريّةَ المِلكيّة إطْلاقُ يد الإنسان في أنْ يملكَ بأيّ سببٍ كان. وأمّا إباحَةُ المِلكيّة فهيَ إباحَةٌ لأصل التَّملّك، فالمِلكيّةُ فِعْلٌ مِنْ أفْعال الإنسان، وحُكْمها الإباحةُ، فلكلّ مُسلم أنْ يملكَ، لكنّ كيْفِيّةَ التملّك مُقَيّدَةٌ بما نصّ الشرْعُ عليه. فإباحةُ المِلكِيّة ليست إطلاقَ يد الإنسان في أنْ يملِكَ ما يشاءُ وأنْ يُنمّي الملكَ كما يشاءُ، وأنْ يمْلِكَ أيّ عيْنٍ مُعيّنَةٍ بما يشاءُ، بَلْ هيَ محصورةٌ في حقِّ الإنسان لأنْ يملِكَ، أي في أصْلِ التملّك لا غير، وأمّا ما عدَا ذلكَ فهيَ مُقَيّدَةٌ. وهذا بخلاف حريّة المِلك القائمة على ترْك الشّخص حرّاً في أنْ يتملّكَ ما يشاءُ، وبأيّ سببٍ كانَ. أمّا العَملُ فإنّهُ فعلٌ مِنْ أفْعال الإنسانِ، وحُكْمُهُ الإباحَةُ فلكلِّ مُسلمٍ أنْ يَعْمَلَ، ولكنْ كَيْفِيّةُ قيامِه بالعَمَلِ للحُصُولِ على المال مُقيّدَةٌ بأحْكامِ مُعَيَنَةٍ، فلهُ أنْ يَعْمَلَ تاجراً زارعاً أجيراً ولكن قِيامهُ بالعَمَل يجبُ أن يكونَ مُقيّداً فيه بأحكام الشّرْع، فلا يصحّ أنْ يعْمَلَ بصناعة الخمْر، أوْ بزراعة الحشِيش أو الرّبا، أو القمار، أوْ أيّ عَمَلٍ حَرّمَهُ الشّرْعُ حتى لو عملَ في المُباحات فإنّهُ مُقَيّدٌ بأحْكامِها. بناءً على ذلك فالإباحَةُ لأصل العَمَل فقط، وأمّا كيْفِيّةُ القِيام به فمُقيّدَةٌ بأحْكامٍ مُعيّنَةٍ، وممنُوعٌ عليه أنْ يعْمَلَ بغير هذه الأحْكامِ. وهذا المعنى يخْتلِفُ عن حريّة العمل التي تترُكُ الشخْصَ حرّاً في أنْ يعْمَلَ أيّ عَمَلٍ كانَ، وعلى أيّة كيْفِيّةٍ يراها. ومن ذلكَ كلّه يتبيّنُ الفَرْقُ الواسعُ بينَ إباحَة المُلك وحريّةِ المُلكِ، وبينَ إباحَة العَمَل وحريّةِ العَمَل. ولا تَنْشأ في الإسلامِ مثلُ هذه المشاكلِ التي يحْمِلُها النظامُ الرأسماليّ، لأنّ المِلكِيّةَ والعملَ في الإسلامِ مُقيّدانِ بمعاملاتٍ تَرْفَعُ المنازعاتِ من الأساسِ، فلا تَقَعُ هذه المُشكلاتِ. ومِنْ جُمْلَةِ هذه المعاملاتِ أحْكامُ الإجارَةِ التي تُنظّمُ العلاقَةَ بينَ الأجيرِ والمُستأجر إلى جانبِ الأحكامِ الأخرى للأعمالِ، كأحْكامِ التجارةِ والزراعةِ والصّناعَة، والأحْكام الأخرى للعَيْش، كأحكام النّفَقَة ورعاية الشّؤونِ، فلا يحتاجُ إلى قيودٍ تُقَيّدُ المُستأجرَ أوْ تُقيّدُ الأجيرَ، كما أنّ الأساسَ الذي يجري عليه تَقْديرُ الأجْرَة للأجير هُو الجُهْدُ الذي يَبْذلُهُ الأجيرُ في السّوق العامّ، لا مستوى المعيشة عند أدنى حدٍّ، ولهذا لا أثرَ لاسْتِعْباد المُسْتأجرينَ للأجراء ولا اسْتِغلال عَرَقهم وجُهْدهم؛ فالأجيرُ ومُوظّفُ الحكومة سواءٌ بسواء. والأجيرُ يأخُذُ أجْرَهُ كما هو مُقرّرٌ لمثله في المجتمع لدى الناس، فإن اختلفَ الأجيرُ والمستأجرُ يأت دَوْرُ الخبراءِ لتِقْدير أجرِ الأجير وهؤلاء الخبراء يخْتارُهم الطّرفانِ، فإنْ لم يتّفِقا تخْتارُهم الدّوْلَةُ ويُلْزَمُ الطّرَفان بما يقولُهُ الخُبراءُ. أمّا تعْيينُ أُجْرَةٍ مُعيّنَةٍ من الحاكم فلا يجوزُ قياساً على عدم جواز التّسْعِير للسلع، لأنّ الأجْرةَ مُقابلُ المَنْفَعَة، والثّمَنَ مُقابلُ السلعة. وكما أنّ سوقَ السلعة تُقرّرُ سِعْرها تقْديراً طَبِيعيّاً، فكذلك سُوقُ المنافِع للأجراء تَقَرّرُ الأجْرة. أمّا الحقوقُ التي أعْطَتْها الترقِيعاتُ الرأسماليّةُ للعمّال فإنها بالنّسبة لحريّة الاجْتماع. وقد أباحَ الشَّرْعُ لكل الرّعيّة أنْ يجْتمِعوا أُجَرَاءَ كانوا أوْ غَيرَ أُجراءَ. والنّقاباتُ لا حاجةَ لها في الإسلام ما دامَ الظُّلمُ غيرَ مَوْجودٍ وذلك برعاية الدّوْلة لشؤون الناس مهما كانت طبقاتهم.
ولا حاجَةَ لحقّ الإضراب أيضاً، لأنّ الإجارَةَ من العُقُود اللاّزمَة لا الجائِزَةِ، فلا يجوزُ لأحدٍ منهما فَسْخُ العَقْدِ وعلى الأجيرِ القِيامُ بما اسْتُؤجِرَ عليه، فإنْ لم يَقُمْ به فلا يستحِقّ الأجْرَة ولهذا لا حاجةَ للإضرابِ.
وما التقاعُدُ والإكراميّاتُ والتّعْويضاتُ إلاْ مِنْ تَرْقِيعات الرسماليّة لتخْفِيف ظُلْم النظامِ الرأسماليّ، لأنّ مَنْ يَعْجَزُ عَن العَمَل يسْتحِقّ أخْذَ كِفايَتِه مِنَ الدّوْلة فلم تبقَ هناكَ حاجَةٌ لتقاعُد وإكراميّاتٍ وتعْويضاتٍ. والقيامُ بما يلزمُ لإشْباع الحاجات الأساسيّة حَقّ على الدّوْلة لكلّ مَنْ يَعْجَزُ عنها لا على صاحِب العَمَل، لأنها مِنْ رعاية الشؤون وليْسَت على صاحب العَمَل. وأمّا ما يحتاجُ إليه العُمّالُ من ضمانٍ صحّيٍّ لهم ولأهْلِهمْ، وضمان تعْليم أبْنَائِهم وما شاكلَ ذلكَ من الضمانات، فكلّهُ على الدّوْلة لا على صاحب العَمَل. وأمّا ضمانُ نَفَقاتهم في حال خُرُوجهم مِنَ العَمَل فإنّهُ على الدّولَة، إذ المَفْرُوضُ عليها أنْ تُوجِدَ لهم أعْمالاً، فإنْ لم تُوجِدْ لهم ما يحتاجُونَ إليه من عملٍ كانوا عاجِزينَ حُكْماً، وحينئذٍ تُطبّقُ عليهم أحْكامُ النّفَقَة. وأمّا الزّياداتُ السّنويّةُ الموْجودَةُ في نظام الحكومات فجزءٌ من النّظام الرّأسماليّ، وهي خداعٌ. لأنهم يُقدّرونَ درجةَ الموظّف بمقدار أُجْرته فيُعْطونَهُ إيّاها ناقصةً، ثم يَزيدُونها سَنَويّاً، وبعْدَ عدّة سنواتٍ يصلُ إلى نهايةِ هذه الدّرَجَة أي يأخُذُ أُجْرَتَهُ المُقدّرَةَ له حينَ بدأ العَمَلَ، ويعْتَبرُونَ ذلكَ زيادَةً سَنَويّةً. أمّا الإسلامُ فإنّهُ يُعْطِيهِ أُجْرَتَهُ التي يستحِقّها كلّها حسب السّوق من أوّل يَوْمٍ يبدأُ فيه العَمَلَ، فجميعُ ما يُبْحَثُ مِنْ شُؤون العُمّال في النّظام الرأسماليّ ـ وهي المشاكِلُ الجاريَةُ الآنَ في المصانِع والمعامِل ـ غيرُ واردٍ في بحْث الأجراء في الإسلام، لأنّ وجودَه لا يتأثّرُ، وذلكَ لاخْتلاف الأساس الذي يقُومُ عليه تَقْديرُ أجْر الأجير، ولاخْتِلاف الجهة التي تُلْزمُ بِكفالَة الفُقراء والعاجِزينَ، وإيجاد الأعْمال لمنْ لا عَمَلَ لهم، ولاخْتِلاف مفهوم الدّوْلَة في الإسلام عنها في الديمقراطيّة، إذْ هي في الإسلام مُؤسّسةٌ واحِدَةٌ تُباشرُ بِنَفْسها كلّ ما يتعلّقُ برعاية الشؤون. وفي الديمقراطيّة مؤسّساتٌ مُتَعَدِّدَةٌ تُشْرفُ عليها مُؤسّسةٌ واحِدَةٌ هيَ الحكومةُ. من هذه الخطوط العريضة يتبيّنُ أنّ الشّرعَ أباحَ الإجارَةَ، وأباحَ للمتُعاقِدِينَ فيها أنْ يَشْترطا ما يشاءان. وقد قال الرسول (ص): «المُسلمونَ عِنْدَ شرُوطهم»(+) وجَعَلَ تقديرَ الأجرَة على أساس مَنْفَعَة الجهْد، وجَعَلَ السّوقَ العامّ لمنافِع الجُهود الحكَمَ إذا اختلفَ المُتعاقِدان، وألزَمَهما بما تفرضهُ هذه السّوق حسب تقدير الخبراء. وبهذا الأسلوب قَطَعَ المنازعات في معاملاتِ الإجارة كلّها، وأتاحَ للمُستأجِر والأجير أنْ يبْذُلا نشاطاً غيرَ محدودٍ في الإنتاج.
الأسَاسُ الذي يُبْنَى عليه تقديرُ الأجرة للأجير
لا يعني اختلافُ البيع في الإجارة والأجرَة عن الثّمن، انعدامَ الصّلة بينهما، بل مَعْناهُ أنّ الإجارةَ لا تُبنى على البَيْعِ، ولا البيعُ على الإجارَة فلا يُقدّرُ الثمنُ بناءً على تقْدير الأجْرَة، كما أنّ الأجْرة لا تُقدّرُ بناءً على تقْدير الثّمن، لأنّ بناءَ أحدهما على الآخَر، يُؤدّي إلى تحكّم السلع التي يُنْتِجُها الأجيرُ بالأجْرَة التي يَتقاضاها، مَعَ أنّ أثمانَ السلع تتحكّمُ بالمُسْتأَجِر، لا بالأجيرِ، فإذا تحكّمَتْ بالأجِير أدّتْ إلى تحكّم المسْتأجِر بالأجير، فيُنَزّلُ أُجْرَتهُ ويرْفَعُها كما يشاءُ، بحجّة نزول الأسْعار، أو ارْتِفاعِها، وذلكَ غيرُ جائزٍ لأنّ أُجْرَةَ الأجير بدلُ مَنْفعة عَمَلِه، فهيَ، على هذا الأساس، تُساوي قيمَةَ المَنْفَعَة في السّوق العامّ لتلكَ المنفعة، ولا تَرْتَبطُ أُجْرَةُ الأجير بأثمان السّلع التي يُنْتجها، ولا يقال: إنّ هبوطَ أسْعار السّلعِ التي يُنْتِجها الأجيرُ تؤدّي إلى خسارَة المستأجِرِ، وهذه تُؤدّي إلى إخْرَاج العامِل، لأنّ ذلك في المدى القصير ظاهِرُ الحكم، فربما تنزلُ السلعُ في هذا الشّهْرِ لكثرة العَرْضِ، وربما تَرْتَفِعُ في الشّهْر المُقْبِلِ لقِلّتِه، فإذا رَفَعَ المُستأجرُ أُجْرَةَ الأجير أوْ أنْزَلَها، يكونُ قَدْ وضَعَ الأجْرَةَ التي يريدُها بحجّة ارْتِفاع الأسعار وانخفاضها، وبذلك يكونُ الأجيرُ موضوعاً تحْتَ رَحْمة المُسْتأجِر، وهذا هو التحكّمُ. على أنّ ارْتِفاعَ الأسعار وانخِفاضها لا يُؤثّرُ على صاحِب المزْرعَة، أو المصْنَع في المدى القصير، ولا يُؤدّي إلى خسارتهما فلا يَردُ مَوْضوعُ الخسارة مُطْلقاً، وإنما ينشأ التأثيرُ إذا حصلَ هبوطُ أسعارِ السلعة في السوق كلّها، أوْ حصَلَ هبوطٌ في السوق المحليّة، وكلاهما لا يُؤثّرُ إلا في المدى الطويل، وفي هذا المدى تحصُلُ الخسارَةُ ويُصبحُ خَطَرُ إخراج العامل من المصنع قائماً. أما في المدى القصير فلا تحصُلُ خسارةٌ مُطْلقاً، ولا تحصُلُ خسارةٌ أيضاً إذا هَبَطَت السلعةُ في بلدٍ دونَ بلدٍ، أو في بعض السلع دونَ البعض الآخر في السوق المحليّة، وإذا حصلَتْ خسارةٌ للسلعة في السوق كلّها، ولو في المدى الطويل، فلا يحصُلُ تأثيرٌ على الأجْرَة من حيثُ هيَ، وإنما يحصُلُ تأثيرٌ على أُجْرَة إنتاج تلكَ السلعة فقط؛ فينتهي الأمْرُ إلى إبعاد العامل، وإذا هَبَطَتْ جميعُ السلع في السوق المحليّة كافّةً أوْ فيها وفي غيرها، فَسَيَتْبعُ ذلك هبوطٌ في سوقِ الثمنِ كلّها، وتهبطُ الأجرةُ عندئذٍ هُبُوطاً طبيعيّاً. وهذا الهبوطُ يَقَعُ للأجير ـ كجنس ـ لا لأجيرٍ مُعيّنٍ. فتكون السوقُ العام للسلعة والمنفعة هي التي تُقَدّر الثمن والأجْرَة.
ويتمّ تبادُلُ التأثيرِ بينَ السّوقِ العامّ للسلعةِ وللمنفعة مِنْ جَرّاء وحْدَة المقْياس بينهما، كما يتمّ هذا التأثرُ بينَ السوق العام للسلعة والسوق نفسه لمنفعة الأجير إذا هبطتْ قيمةُ النّقْد المُتّخَذ مقياساً لهما أو ارْتَفعَتْ.
وهذا لا يعني ارْتِباط الأجْرَة بالثّمَنِ، وإنما يعني أنّ السُّوقَ العامّ لمنفعة الأجير تأثّرَتْ بالهبوط، بعدما حصلَ للسلعة في السوق العامّ هبوطٌ على المدى الطويل، ولا يُعَدّ ذلك ارْتِباطاً بينهما، بحيثُ يتوقّفُ تقديرُ أحدهما على تقْدير الآخر في السلعَة الواحدة، بل ولا في السلع كلّها.
ولهذا لا ينْبَغي أنْ تُقَدّرَ الأجْرَةُ بناءً على تقْدير الثّمَنِ، بل بما يقولُهُ الخبراءُ بالسوقِ العامّ لمنفَعَةِ الأجيرِ بحسَبِ إدراكهم لذلك. فالسوقُ العامّ لمنفعةِ الأجيرِ هو الذي يفرضُ تقديرَ الأجرَةِ، وفوْقَ ذلكَ فإنّ بِناءَ الإجارَةِ على البيْعِ، والبَيْعِ على الإجارةِ يُؤدّي إلى تحكّمِ أثمانِ الحاجيّاتِ بأجْرَةِ الأجيرِ، مَعَ أنّ أثمانَ الحاجيّاتِ تَتَحَكّمُ بكِفايَة الأجير لا بأجرَتِه، فإذا كانتْ أثمانُ الحاجيّات تتحكّمُ بأجْرَة الأجير أدّى ذلك إلى جَعْل كفاية الأجير، أيّ ما يكفيه من النّفَقَة عَلَى المستأجر، وعليه أن يضْمَنَها لهُ، وإنْ كانتْ كفايةُ كلّ إنسانٍ جزءاً من رعايَة شؤونه، وهي على الدّولة، لا على المُسْتأجر. ولا يجوزُ ربْطُ كفايةِ الأجيرِ بإنتاجهِ مُطلقاً، إذْ قد يكونُ ضعيفَ البينةِ لا يقدرُ إلاّ على إنتاجِ ما هو دونَ حاجتِه، فإذا رُبطَتْ أُجرتُهُ بما يُنتِجُ أو بالحاجياتِ التي يحتاجُ إليها حُرِمَ منَ العيشِ الهنيءِ، وهذا لا يجوزُ. فحقّ العيش لكلِّ إنسانٍ من رعايا الدولةِ واجبٌ، سواءٌ أنتجَ كثيراً أمْ قليلاً، وسواء كانَ قادراً على الإنتاجِ أمْ عاجزاً؛ فأجرهُ يُقدّرُ بقيمةِ منفعتِهِ، ولا يصحّ أنْ يكونَ مستوى المعيشةِ في الوسطِ الذي يَعيشُ فيهِ أساساً لتقديرِ أُجرته ـ فلا تُقدّرُ أُجرتُهُ بمقدارِ كفايتهِ لأنْ يعيشَ، إذْ لا يصحّ أنْ يكونَ مقدارُ عيشِهِ أساساً لتقديرِ أُجرتِهِ.
خطأ الرأسماليّين والاشتِراكيّين في الأسَاسِ الذي بَنَوا عليه تقدِير الأجرة
الرأسماليّونَ يدفعونَ للعاملِ الأجْرَ الطبيعيّ، والأجرُ الطبيعيّ عندهمْ ما يحتاجُ إليه العاملُ من المعيشةِ في أدنى حدودِها، أوْ يزيدُونَ هذا الأجرَ إذا زادتْ تكاليفُ المعيشةِ في أدنى حدودها أيضاً، ويُنقصونه إذا نَقَصتْ؛ فأجْرُ العاملِ عندهُمْ يُقَدّرُ بحسبِ تكاليفِ المعيشةِ وذلك بغضِّ النظرِ عنِ المنفعةِ التي أدّاها جُهدُهُ، وقد فَعَلوا ذلك لأنّهُمْ بَنَوا الأجر على البيعِ؛ فأدّى هذا إلى تحكّمِ أثمانِ الحاجياتِ بأُجرةِ الأجيرِ، ولهذا فإنّ الأجراء بحسب هذا النظامِ، أي جعْلِ مستوى المعيشةِ أساساً لتقديرِ أجرِ الأجيرِ، سيظلّون محدُودي الملكيةِ واقفين عِند سدّ حاجاتهم في أدنى حدّها بالنسبةِ للجماعةِ التي يعيشون بينها، سواءٌ كانتِ الأجرةُ في حدودِ حاجاتهم الأساسيّةِ فقطْ، كما هي حالُ الأجراءِ في البلدانِ المتأخّرةِ فكريّاً، كالبلادِ الإسلاميّةِ، أو في حدودِ حاجاتهم الأساسيةِ والكماليّةِ كما هي حالُ العمّالِ في البلدانِ المتقدّمةِ فكريّاً كأوروبا وأمريكا، وهذا ظُلْمٌ لا يتناسبُ مع واقعِ الأجيرِ.
أمّا الاشتراكيّونَ فقاعدتهمْ في دفعِ الأجرةِ «من كلِّ حسب قوته، أيْ قُدْرَتِهِ، ولكلٍّ بنسبةِ عملِهِ، أي بمقدارِ ما يُنتجُ»، وقدْ فَعَلُوا ذلك لأنّهُمْ بَنَوا الإجارَةَ على بيْعِ الإنتاج، فأعطوا العاملَ بمقدار ما يُنتجُ، وهو ظُلْمٌ على أيٍّ حالٍ، لأنّ إنتاجَهُ إنْ كانَ قليلاً، لانخفاضِ أسعارِ السوق للسلعةِ التي ينتجها فقد ظلم الأجير وقد لا يصل ما يأخذه إلى حد كفايته فيضطرّ إلى ترْكِ العملِ، وإنْ كانَ إنتاجُهُ كثيراً لارتفاعِ أسعار السوق في السلعة التي ينتجها فقد ظلمٍ المستأجر، لأنّ أرباحَهُ ذهبتْ إلى الأجير، بدون أنْ يكونَ له بها حقّ، ولهذا كانَ تقديرُ الأجرَةِ بإنتاجِ العاملِ، أي بالأجرِ الذي يُباعُ بهِ ما ينتجهُ في السوقِ ظُلماً، فوقَ كونهِ خطأ، وذلكَ لمخالفتهِ واقعَ الأجيرِ. وبالرجوعِ إلى واقعِهِ نجدُ أنّهُ إنما يبذلُ جُهْداً للحصولِ على سلعةٍ، أو على جُهْدٍ آخر، فيكونُ جهدهُ الذي يبذُلُهُ هو الأساسَ، ولكنَّ هذا الجُهْدَ لا يُبْذَلُ لأنّهُ جُهْدٌ، بل لما فيهِ منْ منفعَةٍ، فتكونُ منفعةُ الجُهْدِ هيَ الأساسَ أصالةً، لا الجُهْدُ نفسهُ، لأنها محلّ التداوُلِ، والجُهْدُ إنما يُبْذَلُ منْ أجلِها، وعليهِ تكونُ منفَعَةُ الأجيرِ هيَ الأساسَ الذي يُبنى عليهِ تقدير الأجْرِ، وهذهِ المنفعةُ للجهدِ كالسلعة لها سوقٌ عامة تُطْلَب فيها، ويجري التبادل داخلَها، وتُقدّرُ أسعارها بأسعارِ تلكَ السوقِ.
ولهذا نرى أنّهُ كما لا يصحّ وضعُ تسعيرٍ جبريّ للسلعةِ، لما يترتّبُ عليه منْ وجودِ ما يسمّى بالسوقِ السوداءِ، ومنْ ضررٍ على الإنتاجِ، كذلكَ لا يصحّ أنْ تُقدّرَ أسعارٌ جبريّةٌ لمنافعِ الجهودِ، لما يترتّب على ذلكَ من ضررٍ للثروةِ في تحديدِ الإنتاجِ والوقوفِ في وجْهِ النشاطِ.
ولذلكَ لا بدّ أنْ يُتْرَكَ تقديرُ ثمنِ منفَعَةِ الجُهْدِ، أي أُجرَةُ الأجيرِ لما تفرضهُ السوقُ العامّةُ لمنافعِ الأجراءِ، وكما يجري البَيْعُ والشراءُ بتراضي المتبايعينِ، كذلكَ ينبغي أنْ يجريَ استئجارُ منافع الجهودِ بتراضي الأجيرِ والمستأجرِ، مما يتفقان عليهِ من أجرٍ، وهو الأجْرُ المسمّى، ويكونانِ مُلْزَمَيْنِ بهِ، وإذا لم يتّفقا على الأجْرِ أُلزِما بما يقولُهُ الخبراءُ بالسوقِ العامِّ لمنفعةِ الجهودِ، إلاّ أنّ هذا الأجْرَ لا ينبغي أنْ يكونَ أبديّاً، بل مربوطاً بالمدّةِ التي يتفقانِ عليها، أوْ بالعَمَلِ الذي اتفقا على القيامِ بهِ. فإذا انتهتِ المدّةُ أو أُنجزَ العملُ يبدأُ تقديرٌ جديدٌ للأجرةِ حسبَ السوقِ العامِّ لمنافعِ الجهودِ عندَ التقديرِ. هذا هو واقعُ الأجيرِ وهذا هو الأساس الذي يجري عليهِ تقديرُ أُجرةِ الأجيرِ.
التأمينات الاجتماعية في الرأسمالية
الفرقُ هائلٌ بينَ ضمانة الإسلامِ للحاجاتِ الأساسيّةِ ومحاولةِ ضمانةِ المبادىءِ الأخرى. فالرأسماليّةُ حاولتْ إيجادَ ما يسمّى بالضمانِ الاجتماعيّ والعدالةِ الاجتماعيّةِ، وأوجدتِ التأميناتِ الاجتماعيّةَ. وهي اهتمامُ الدولةِ بصنفين من الرعيّةِ التي تحكمها وهما:
1 ـ مُستخدَمو الحكومةِ ومستخدمو المؤسّساتِ العامّةِ والعمّالُ الدائمونَ في المصانعِ والمعاملِ، والعمّالُ الذينَ يشتغلونَ بالآلاتِ الزراعيّةِ من عمّالِ المزارعِ. وبعضهم يُدْخِلُ الكثيرَ منْ عمّالِ المزارعِ، ولاَ يُدخِلُ في ذلكَ عمّالَ المقاولاتِ والشحنِ والتفريغِ والعمّالَ المؤقتينَ. ومنهم من يُدْخِلُ وبعضهمْ لاَ يُدْخِلُ من عمّالِ المزارعِ إلا الذينَ يشتغلونَ بالآلاتِ. والعمّالُ الذينَ يدخلونَ في التأميناتِ الاجتماعيةِ من هؤلاءِ همُ الذينَ يشتغلونَ عندَ غيرِهِمْ بأجْرٍ.
2 ـ الفقراءُ والمحرومونَ: هذان الصنفان فقطْ هما اللذان يدخلان في التأميناتِ الاجتماعيّةِ، وتهتمُّ الدولةُ بهم لمساعدتهم، وما عداهمْ لا يستحقّ الاهتمامَ. أمّا كيفيّةُ اهتمامِ الدولةِ بالعمّالِ فلا يتعدّى إعطاءَ العاملِ تعويضاً. مع معاش شيخوخته؛ فإذا أُصيبَ بضررٍ يمنعُهُ منَ القيامِ بالعملِ عُولِجَ مجّاناً حتى يشفى، ويُعْطَى لهُ تعويضٌ عن إصابتهِ. وإذا منَعَهُ عجزُهُ عنِ العملِ مَنْعاً كليّاً تُعْطَى لهُ مَعونةٌ لا تصلُ إلى حدِّ أجرِهِ اليوميّ: وقد تصِلُ إلى 80 بالمائة من أجرهِ اليوميّ حتى يشفى. وإذا كانَ عجزُهُ دائميّاً يُعطى 60 أو 70 بالمائةِ من أجرهِ الشهريّ الذي كانَ يتقاضاهُ. ويظلّ يأخُذُ هذا التعويضَ إلى أن يبلُغَ سنّ التقاعدِ، وهو سن الستين أو الخامسة والستين حسبَ نصوصِ القوانين. وإذا توفيَ العاملُ أثناءَ العملِ يُعْطَى لهُ تعويضٌ مُعَيّنٌ يُسلّمُ لأهلِه، ويكونُ بنسبة السنوات التي خدمَهَا في المصلحَةِ أو المؤسْسةِ أو المصنع.
هذا بالنسبة للتعويضِ. أمّا معاشُ الشيخوخةِ فيستحقّهُ كلّ مَنْ بَلَغَ سنّ التقاعُد وهو يباشرُ عمَلَهُ، والبلوغُ يتْبَعُ نصوصَ القوانين التي تَعْتَبِرُ الستينَ أو الخامسةَ والستين. فكلّ مَنْ عَمِلَ وبلغَ سنّ التقاعُد في أثناءِ العملِ يُعْطَى إكراميّةً، وهيَ مبْلَغٌ معيّنٌ يتناسبُ معَ سِنيِّ الخدمة أو معاشٌ شهريّ يُقدّرُ بنصف معاشهِ الذي كانَ يتقاضاهُ، أو أقلّ أو أكثر منَ النصف بقليلٍ ويظلّ يأخذهُ إلى أنْ يموتَ. وإذا أُخرجَ قبلَ التقاعُد يُعطى إكراميّة بنسبة سني خدمتِه.
وفي بعضِ البلدانِ التي يُسبّبُ فيها تعطيلُ العمالِ عنِ العملِ أزمةً للمصانعِ وللدولةِ كالولاياتِ المتحدةِ الأمريكيّةِ، يُعْطَى العاطلونَ عنِ العملِ منَ العمّالِ الذينَ أُخْرجوا منْ أعمالهمْ معونة لا تصلُ إلى حدّ أجْرهم اليوميّ ويُعطى العاملُ كذلكَ يوم راحةٍ في الأسبوعِ، وأيّامِ الأعيادِ، ومأذونيّة سنويّة، ويأخذُ أُجرةَ هذهِ الأيّامِ.
هذا مُجْمَلُ التأميناتِ الاجتماعيّةِ للموظفينَ والعمّالِ. أمّا الذي يدفعُ جميعَ هذه التأميناتِ الاجتماعيةِ فهوَ المُسْتخْدمُ سواءٌ كانَ مؤسّسةً أو مصنعاً أو مصلحة خاصّةً، أوْ كانتِ الدولة. واهتمامُ الدولةِ بهمْ ينحصرُ بِسَنِّ القوانينِ فقطْ، ولا تقومُ الدولةُ بالتأميناتِ لغيرِ موظّفيها وعمّالها الذينَ تستخدمهُمْ.
وأمّا مصادرُ هذا المالِ فتعودُ إلى ما قَطَعَتْهُ الدولة من راتبِ العاملِ الذي يبلغُ 5% أو 10% من أجْرِهِ، وتدفعُ منها ما يُقابلُهُ، وتستثمِرُ هذا المبلغَ بالرّبا، وتدفعُ منهُ تعويضاتِ العمّالِ ومعونتهُمْ ومعاشاتهم. أمْا الموظّفونَ فتدفعُ من خزينتها تقاعُدَهُمْ. وأمّا باقي المؤسّساتِ فَتَقْطعُ منْ أُجرَةِ العاملِ نسبةً معيّنةً 3 أو 5 بالمئة أو حوْلَ هذا المقدارِ، وتدفعُ منها ما يُقابلُهُ وتستثمِرُ هذا المالَ بالرّبا، وتجمعُ إعاناتٍ وتبرّعاتٍ للعمالِ. وقد تُساهمُ الدولةُ في ذلكَ. ومن هذا المالِ المتجمّعِ تدفَعُ التأميناتِ الاجتماعيّةَ. ولا يدفعُ صاحبُ العملِ إلاّ مقدارَ ما يدفعُهُ العاملُ منْ أُجرَتِهِ؛ فمصادرُ التمويلِ للتأميناتِ قائمةٌ على مساهمةِ العمّالِ بجزءٍ من أُجورهِم، ومساهمةِ صاحبِ العملِ بمقدارٍ يساوي ذلكَ، واستثمارِ هذهِ الأموالِ ومساهمةِ الأهالي بشيءٍ منَ التبرّعاتِ. وقدْ تساهم الدولةُ في ذلكَ بجزءٍ ضئيلٍ منَ المالِ. هذا بالنسبةِ للعمّالِ، وأمّا الفقراء المحرومونَ فالاهتمامُ بهم لا يتعدّى تأمينَ الخدماتِ الصحيّةِ والتعليمِ المجانيّ والعنايةِ بالعَجَزَةِ والأطفالِ بتوفيرِ الغذاء والكساءِ المستمدّ منَ الصدَقاتِ. أمّا توفيرُ المالِ الذي يسدّ حاجاتِ السكنِ والكساءِ والطعامِ فغيرُ واردٍ في النظامِ الرأسماليّ.
هذهِ هيَ خلاصةُ ضمانِ الحاجاتِ الأساسيّةِ في النظامِ الرأسماليّ، ولا يختلِفُ عنهُ كثيراً نظامُ الاشتراكيّةِ الدوليّةِ، لأنْها نظامٌ رأسمالي مُغَطّى بلفظِ الاشتراكيّةِ، لأنّ اشتراكيّةَ الدولَةِ تقومُ بهذه التأميناتِ نفْسِها، وتزيدُ عليها بمنحِ العمّالِ نصيباً في رأسِ المالِ، وتضَعُ حدّاً أدنى لأجورِ العمّالِ، وحدّاً أقصى للفائدةِ والإجارَةِ، وتقيّدُ الملكيّةَ في كثيرٍ منَ المواطنِ، وتؤمّمُ بعْضَ المصالِحِ العامّةِ؛ فطريقتها في ضمانِ الحاجاتِ الأساسيّةِ طريقةٌ رأسماليّةٌ معَ تغطيتِها بزيادةِ بعْضِ الأحكامِ.
ضمانة الاشتراكية للحاجاتِ الأساسِية
وأمّا الاشتراكيْةُ الحقيقيةُ فإنها لا تُعنى بضمانةِ الحاجاتِ الأساسيّةِ عنايةً خاصّةً بها. وإنما تُعنى بالمساواةِ في الملكيّةِ، بمنعِ ملكيّةِ كلّ ما ينتجُ، وحصْرِ الملكيّةِ بما يُسْتَهْلَكُ فحسب، وتُوَجّهُ عنايَتها للعمّالِ بشكلٍ خاص. وقدْ أدّى عدمُ العنايةِ بضمانةِ الحاجاتِ الأساسيّةِ إلى انخفاضِ مستوى المعيشةِ عندَ كلِّ الشعبِ بشكلٍ هائلٍ في جميعِ البلدانِ التي تطبّقُ فيها الاشتراكيةُ ممّا جَعَلَ الأكثريّةَ الساحقةَ في الشعبِ لا تشْبعُ حاجاتها إلاّ إشباعاً جزئيّاً. وقد اعترفَ بذلكَ خروشوف رئيس وزراء روسيّا أكثر من مرّةٍ، حتى إنّهُ افتخرَ أمامَ نيكسون نائب رئيس الولايات المتحدة السابق ورئيسها الحالي حينَ زار روسيّا عام 1959 بأنّ روسيّا ستصلُ إلى مستوى أمريكا في العيشِ بعدَ عشرينَ عاماً.


التنمية الاقتِصادِيّة أو «زيادة الثروة»
زيادة الثروةِ تكون بإيجادِ المشاريعِ الاقتصاديّةِ، وهي ليستْ متعلّقَةً بوجهةِ النّظَرِ في الحياةِ، وإنما هيَ مبنيّةٌ على معلوماتٍ عالميّةٍ، ولكنّ وجهةَ النظرِ في الحياةِ تؤثّرُ في اتجاهِ السيرِ في إنشاءِ تلكَ المشاريعِ.
ففي البلادِ الرسماليّةِ مثلِ أمريكا، تقومُ مشاريعُ الإنتاجِ على كاهلِ الأفرادِ والشركاتِ، لا على كاهلِ الدولةِ.
وفي البلادِ الاشتراكيّةِ، ومنها الشيوعيّة، مثلِ روسيّا تقومُ مشاريعُ الإنتاجِ على كاهلِ الدولةِ وحدها، ولا يُسْمَحُ للأفراد بالقيام بها.
وبعد أن فشل النظام الاشتراكي الشيوعي في أخر القرن العشرين ميلادي اسْتَتبَّ الأمر للنظامِ الرأسمالي وراح زعماؤه ينادون بالعولمة، ويسعون جاهدين بتطبيقها في بداية الألف الثالث الميلادي.
وفي البلادِ الإسلاميّةِ إذا اتخذتْ سياسةُ الاقتصادِ في الإسلامِ سياستها الاقتصاديّةَ، لا بدّ أنْ تتأثّرَ مشاريعُ الإنتاجِ من حيثُ إنشاؤها بوجهةِ النظرِ الإسلاميّةِ.
ففي المشاريعِ الزراعيّةِ تقضي الأحكامُ الشرعيّةُ المتعلّقةُ بالأرضِ أنْ تكونَ مشاريعُ الإنتاجِ على كاهلِ الأفرادِ لا على كاهلِ الدولَةِ. فلا مكانَ للدولةِ في هذهِ المشاريعِ. بَيْدَ أنها تقومُ بإعطاءِ العاجزِ منَ الفلاحينَ إعانةً ماليّةً.
وأمّا المشاريعُ العمرانيّةُ، كإقامةِ السّدودِ وإيجادِ القَنَواتِ والمزارعِ النموذجيّةِ أو ما شاكلَ ذلكَ فعلى الدولةِ أنْ تقومَ بها، ولكنْ حسبَ أحكامِ الموازَنَةِ. وأمّا المشاريعُ الصناعيّةُ فالأحكامُ الشرعيّةُ المتعلّقَةُ بالمصانعِ تقضي بأنْ تقومَ المصانعُ الدّاخلةُ في الملكيّةِ العامّةِ على كاهلِ الأفرادِ بالطّبْعِ ويجوزُ للدولةِ أنْ تقومَ بها.
وعلى ذلكَ لا يرِدُ ما يقولُهُ البعْضُ، يجبُ أنْ يَغْلِبَ القطاعُ العامّ القطاعَ الخاصّ في الإنتاجِ، أوْ ما يقولهُ الآخرونَ يجبُ أن نُعْطِي المجالَ القطاعِ الخاصّ. لأنّ أحكامَ الشرْعِ حدّدَتْ ما على كاهلِ الدولةِ، وما على كاهلِ الأفرادِ منْ مشاريعِ الإنتاجِ وما يمنعُ الأفراد أنْ يكونَ على كاهِلِهِمْ. وما يجوزُ للدولةِ أنْ يكونَ على كاهِلِها.
فقضيّةُ ما يجبُ أنْ يكونَ منَ القطاعِ العامّ، وما يجبُ أنْ يكونَ منَ القطاعِ الخاصّ، مبْتوتٌ فيهِ شرْعاً. وإنما يَرِدُ في المصانعِ التي ليْسَتْ منَ الملكيّةِ العامّةِ فيمكنُ أنْ تكونَ من القطاعِ العام، ولكنّ الأصْلَ فيها أنْ تكونَ منَ القطاع الخاصّ. ففي هذهِ الحالةِ وحْدَها يأتي الاجتهادُ ويُطْرَحُ سؤالٌ: هَلْ تبقى على أصلِها أمْ يجوزُ أنْ تقومَ الدولَةُ بما ترى أن القيامَ بهِ منْ مصلحةِ البلاد.
وعلى ذلكَ يجبُ أنْ يكونَ القيامُ بمشاريعِ الإنتاجِ سائراً أيضاً من حيث إنشاؤها حسبَ الأحكامِ الشرعيّةِ رغمَ أنّهُ، في إقامتهِ، عالميّ؛ ففي روسيّا كما هوَ الحالُ في أمريكا سواء بسواء منَ الناحيةِ الفنيّةِ والعلميّةِ، ولكنّها تختلِفُ منْ حيثُ الإنشاء أيْ من حيثُ الملكيّة.
وكذلك يجبُ أنْ تكونَ الحالُ في بلادِ الإسلامِ. وعلى هذا الأساسِ يجبُ أنْ يكونَ البحثُ في مواضيعِ التنميةِ الاقتصاديّةِ.


الثقافة الإسْلامية
الذينَ اعتنقوا الإسلامَ وآمنوا بهِ، رأوا أنّ حياتهم متوقّفةٌ على فهمهِ، وحمْلِهِ للناسِ جميعاً، كما أنّهُمْ رأوا أنّ الإسلامَ وحدَهُ أساسُ وحدتهمْ وسببُ نهضتهم وعزّتهمْ ومجدهمْ، لذلكَ أقبلُوا عليهِ يدرسونه ويتفهّمونهُ. ولما كانَ فَهْمُ الإسلامِ لا يتأتى بغيرِ اللغةِ العربيّةِ، أقبلوا عليها يدرُسونَها ويشرَحونَها ويضعونَ قواعدَها، فدرسوا الشعرَ الجاهليّ وعاداتِ العربِ وخُطَبَهُم وأيّامهُمْ حتى يفهموا كتابَ الله وسُنّةَ رسولهِ، كما أقبلُوا على العلومِ العقليّةِ يدرُسونَها ليشرحوا للناسِ عقيدةَ الإسلامِ ويبُيّنوها بالدليلِ العقليّ، وتفرّعتْ أنواعُ المعارِفِ لدى المسلمينَ وتناولتْ أشياءَ كثيرةً، وأخذتْ تُخصِبُ كلّما اتّسعتْ الفُتوحاتُ، وتنمو كلما دخلَ الناسُ في دينِ الله أفواجاً؛ فتكوّنتْ لدى المسلمينَ ثقافةٌ إسلاميّةٌ متعدِّدةُ النواحي أقبلَ الناسُ على تعلّمها جميعاً معَ اهتمامهِمْ بما في الكونِ من علومٍ وصناعاتٍ، وكان كلّ عالمٍ، مهما كانَ نوعُ الثقافةِ التي تخصّصَ بها أدباً أو رياضيات أو صناعة. يتثقّفُ بالثقافةِ الإسلاميّةِ أوّلاً ثمّ يتثقّفُ بغيرها.
والتثقّفُ بالثقافةِ الإسلاميّةِ فرضٌ على المسلمينَ سواءٌ تعلّقتْ بالنصوص الشرعيّةِ أو بالوسائلِ التي تمكّنُ منْ فهمِ هذهِ النّصوصِ وتطبيقِها ولا فرقَ بينَ التثقّفِ بالأحكامِ الشرعيّةِ أوْ بالأفكارِ الإسلاميّةِ. ولكنْ منذُ غزا الغربُ البلادَ الإسلاميّةَ في ثقافتِهِ وحضارتهِ وبسَطَ عليها أحكامَهُ ومفاهيمَهُ وسلطانهُ أعرضَ المسلمونَ عنِ الثقافةِ الإسلاميّةِ لتقلّصِ سلطانِ الإسلامِ وانحرافِ الذوقِ السّليمِ عنْ جادّتهِ منْ جرّاءِ الدعاياتِ المُضَلّلَةِ التي تشنّ حملاتها على الإسلامِ وعلى ثقافتِه.
الفَرق بين العِلْم وَالثقافة
يُقالُ في اللّغةِ: علِمَ الرّجلُ عِلْماً، إذا حصلتْ لهُ حقيقةُ العلمِ، وعلِمَ الشيءَ: عَرَفَهُ، وأعلمهُ الأمرَ: أطلعَهُ عليهِ.
والثقافةُ: الحذقُ؛ يقالُ ثَقِفَ الكلامَ ثقافةً، أي حَذقَهُ وفَهِمَهُ بسرعةٍ، وهذه المعاني اللغويّةُ هيَ الأصلُ في استعمالِ الألفاظِ، إلاْ أنّهُ اصطُلِحَ على وضعِها لمعانٍ أُخرى لها علاقةٌ بالمعنى، اللغويّ، كما اصطلِحَ على كلِمَةِ «فاعل» في النحو مثلاً؛ وفي القديمِ كانوا يُطلِقونَ لفظ «العلم» على كلّ معرفةٍ، مهما كانَ نوعُها، ولا يفرّقونَ بينَ العلوم والمعارفِ، ثمّ أخذَ يتحدّدُ معنى العلم بمعارفَ معيّنة، ومعنى الثقافةِ بمعارفَ خاصّة؛ وصارَ للعلمِ معنى اصطلاحيّ وللثقافةِ معنى اصطلاحيّ غيرُ معناهما اللغويّ.
فالعلم اصطلاحاً: هو المعرفة التي تؤخذُ عن طريق الملاحظة والتجربة والاستنتاج، كعلم الطبيعة، وعلم الكيمياء، وسائر العلوم التجريبية.
والثقافة اصطلاحاً: هي المعرفة التي تُؤخذُ عن طريق الأخبار والتلقي والاستنباط، كالتاريخ واللغة، والفقه، والأدب، والتفسير، والفلسفة، والحديث.
وهنالكَ معارفُ غيرُ تجريبيّةٍ تَلْحَقُ بالعلمِ، وإنْ كانتْ تدخلُ في الثقافةِ، كالحسابِ والهندسةِ والصناعاتِ، لأنها تُعتَبَرُ عامّةً لجميعِ الناسِ.
وأمّا الفنونُ كالقصورِ والنحتِ والموسيقى، فإنّها من الثقافةِ لأنّها تتبعُ وجهةَ نظرٍ معيّنَةٍ.
والفرقُ بينَ العلمِ والثقافةِ، أنّ العلمَ عالميّ، ولا تختصّ به أُمّةٌ دونَ أُخرى، وأمّا الثقافةُ فقدْ تكونُ خاصّةً، تُنسَبُ للأمّةِ التي أَنتجتها أو قد تكونُ من خصوصيّاتها ومميّزاتها، كالأدب وسير الأبطال، وفلسفتها في الحياةِ، وقد تكونُ عامّةً كالتجارةِ والملاحةِ وما شاكلها، ولهذا يُؤخَذُ العلمُ أخْذاً عالميّاً؛ وأمّا الثقافةُ فإنّ الأمّةَ تبدأُ بثقافتها، حتى إذا درسَتْها ووعَتْها، وتمركزَتْ في الأذهانِ، انتقلتْ إلى الثقافاتِ الأخرى.
طريق الإسلام في درس الثقافةِ الإسلامِية
للثقافةِ الإسلاميّةِ طريقةٌ معيّنةٌ في الدرسِ، وهذهِ الطريقةُ تتلخّصُ في ثلاثةِ أُمورٍ:
1 ـ درسُ الأشياءِ بعمقٍ حتى تُدرَكَ حقائقها إدراكاً صحيحاً، لأنّ هذهِ الثقافةَ فكريّةٌ عميقةُ الجذورِ، تحتاجُ دراستها إلى صبرٍ وتحمّلٍ.
2 ـ أنْ يؤمنَ الدّارسُ فيما يدرسُ، حتى يعملَ بهِ، أي أن يصدِّقَ الحقائقَ التي يدرسُها تصديقاً جازماً، دونَ أنْ يتطرّقَ إليها أيّ ارتيابٍ، إذا كانتْ ممّا يتعلّقُ بالعقيدةِ، وأن يغلبَ على ظنِّهِ مطابقتُها للواقع إذا كانتْ منْ غيرِ العقائدِ، كالأحكامِ والآدابِ، ولكنْ يجبُ أنْ تكونَ مُستندةً إلى أصلٍ مُعْتَقَدٍ بهِ اعتقاداً جازماً. لا يتطرقُ إليهِ أي ارتيابٍ. إمّا بما يأخذُ وإمّا بأصْل ما يأخذُ. فكانَ من جرّاءِ جَعْلِ الاعتقادِ أساساً في أخْذِ الثقافةِ إن كانتْ هذهِ الثقافةُ الإسلاميّةُ في وضعٍ ممتازٍ، فهيَ عميقةٌ مستنيرةٌ، وفي نفسِ الوقتِ مثيرةٌ مؤثّرةٌ، بحيثُ تجعلُ المثقفَ طاقةً علميةً تتأجّجُ... تحرقُ الفسادَ، ونوراً يُضيءُ طرقَ الإصلاحِ، إنّ التصديقَ الجازمَ بهذهِ الأفكارِ يجعلُ الارتباطَ الحتميّ الذي يجري طبيعيّاً في داخلِ الإنسانِ بينَ واقعهِ والمفاهيمِ الموجودةِ لديهِ عنِ الأشياءِ مربوطاً بهذهِ الأفكارِ، باعتبارها معانيَ عن الحياةِ، فيندفِعُ بشوْقٍ وحماسةٍ إلى العمل بهذهِ الأفكارِ، فيكونُ التأثيرُ الهائلُ لهذهِ الثقافةِ في النفوسِ إذْ تتحرّكُ المشاعرُ نحوَ الواقِعِ الذي تضمّنهُ الفكرُ، لأنّ الاعتقادَ بها هوَ ربْطُ المشاعرِ بمفاهيمها فيحصُلُ حينئذٍ الاندفاعُ.
3 ـ أنْ يدرُسَها الشخصُ دراسةً عمليّةً تُعالجُ الواقعَ المُدرَكَ المحسوسَ، لا دراسةً مبنيّةً على فروضٍ نظريّةٍ.
ومتى استكملتِ الدراسةُ طريقَتَها، كانَ المسلمُ المُثقّفُ بالثقافةِ الإسلاميّةِ، على هذهِ الطريقةِ، عميقَ الفكرِ مُرْهَفَ الإحساسِ، قادراً على حلِّ مشاكلِ الحياةِ.
نظرة المسْلمينَ إلى الثقافاتِ الأجنبية
معنى الحثِّ على الثقافةِ الإسلاميّةِ هو وجوبُ جعْلِها أُسساً في التثقيفِ والتعليمِ، وإباحةُ غيرِها من الثقافاتِ للمسلمِ بحيث يتثّقفُ بما يشاءُ من الثقافاتِ الأجنبيّةِ؛ إلاّ أنّهُ يجبُ أَنْ تكونَ الشخصيّةُ الإسلاميّة المركزَ الأساسيّ الذي يدورُ حولَهُ اكتساب أيّةِ ثقافةٍ.
كانَ المسلمونَ حريصينَ على أنْ يثقّفوا أبناءَهمْ أوّلاً بالثقافةِ الإسلاميّةِ وبعد أنْ يطمئنّوا إلى تركيزِها في نفوسِهِمْ يفتحونَ أبوابَهُم لمُخْتَلَفِ الثقافاتِ. وهذهِ الطريقةُ في التّعليمِ تُبْقي الشخصيّةَ الإسلاميّة في مكانها الطبيعيّ، ولكنّها تمتازُ بصفاتٍ خاصّةٍ تميّزُها عن باقي شخصيّاتِ بني الإنسانِ.
موقِفهمُ مِنها
فتحَ المسلمونَ فارسَ والعراقَ وبلادَ الشامِ ومصرَ وشماليّ إفريقيةَ وإسبانيا، وكانت هذه البلادُ مختلفةَ اللغاتِ والقوميّاتِ والحضاراتِ والقوانينِ والعاداتِ، ومن ثُمّ كانتْ مختلفَةَ الثقافاتِ، فلمّا دخلَها المسلمونَ حملُوا إليها الدعوةَ الإسلاميّةَ، وطبّقوا عليها نظامَ الإسلامِ، ومعَ أنّهُمْ كانُوا لا يُكْرِهُونَ الناسَ على الإيمانِ، إلاّ أنّ قوّةَ الإسلامِ وصدقه وبساطةَ عقيدتِهِ وفطريّتها أثّرَتْ فيهِمْ، فدخلُوا في دينِ الله أفواجاً.
ولذلكَ صارَتِ البلادُ المفتوحةُ جميعُها معَ البلادِ العربيّةِ بلداً واحداً، بعد ما كانتْ بلاداً متعدّدة، وصارتِ الشعوبُ المتعدّدةً أُمّةً واحدةً، هيَ الأمّةُ الإسلاميّةُ، بعدما كانتْ شعوباً متعدّدة متفرّقةً؛ ومنَ الخطإ الفاحش الذي يعتمّدهُ المستشرقونَ، ويقعُ فيهِ بعضُ علماءِ المسلمين، قولُهُمْ إنّ الثقافاتِ الأجنبيّةَ، من فارسيّةٍ ورومانيّةٍ ويونانيّةٍ وهنديّةٍ وغيرِها، أثّرَتْ في الثقافةِ الإسلاميّةِ؛ ومنَ التضليلِ ذلكَ التعليلُ الذي يُقدّمونَهُ من أنّ كثيراً من هذهِ الثقافاتِ الأجنبيّةِ قدْ دخلَت في الثقافةِ الإسلاميّةِ، والواقعُ أنّ الثقافةَ الإسلاميّةَ دخَلَتِ البلادَ المفتوحَةَ وأثّرَتْ في ثقافاتها تأثيراً تامّاً، ثمّ انمحتْ هذهِ الثقافاتُ، وصارتْ وحدها ثقافةَ هذهِ البلادِ.
الفَرق بيْنَ التأثر والانتِفاع
أمّا شبهةُ تأثّرِ الثقافةِ الإسلاميّةِ بالثقافاتِ غيرِ الإسلاميّةِ، فإنّما جاءَتْ منَ المغالطاتِ المتعمّدةِ التي يَعْمِدُ إليها غيرُ المسلمينَ في تغييرِ مفاهيمِ الأشياءِ، ومنْ قِصَرِ النّظرِ عندَ الباحثينَ.
إنّ الثقافةَ الإسلاميّةَ انتفعَتْ بالثقافاتِ الأجنبيّةِ واستفادتْ منها، وجَعَلَتْها وسيلَةً لخِصْبِها وتنميتِها، ولكنّ ذلكَ لم يكن تأثّراً، وإنما كان انتفاعاً، وهو ما لا بدّ منهُ لكلِّ ثقافةٍ.
والفرقُ بينَ التأثّرِ والانتفاع أنّ التأثّرَ بالثقافةِ هو دراستُها، وأخْذُ الأفكارِ التي تحويها. وإضافتُها إلى أفكارِ الثقافةِ الأولى، لوجودِ شبهٍ بينهما أوْ لاستحسانِ هذهِ الأفكارِ. والتأثّرُ بالثقافةِ يؤدّي إلى الاعتقادِ بأفكارها؛ فلو تأثّرَ المسلمونَ بالثقافةِ الأجنبيّةِ في أوّلِ الفتحِ لنقلُوا الفِقْهَ الرّوماني وترجموهُ وأضافوهُ إلى الفقهِ الإسلاميّ، واعتبروهُ جزءاً منَ الإسلامِ، ولكانوا جعلوا الفلسفَةَ اليونانيّةَ جزءاً من عقائدهمْ، ولكانوا اتّجهوا في حياتهِمْ اتجاهَ الفرسِ والرومانِ، في جعْلِ أُمورِ الدولةِ مُسيّرَةً بما يرونهُ من مصلحةٍ لهُمْ، ولو فعلوا ذلكَ لاتجهَ الإسلامُ من أوّلِ خروجهِ منَ الجزيرَةِ اتجاهاً مضطرباً، ولاختلطتْ أفكارُهُ اختلاطاً أفقدهُ معناهُ؛ وأمّا الانتفاعُ فهوَ دراسةُ الثقافةِ الإسلاميّةِ دراسةً عميقةً ومعرفةُ الفرْقِ بينَ أفكارِها وأفكارِ الثقافةِ الأجنبيّةِ وأخذُ المعاني التي في هذهِ الثقافة، والتشبيهاتِ التي تحويها، لإخصابِ الثقافةِ الأدبيّةِ، وتحسينِ الأداء بهذهِ المعاني وتلكَ التشبيهات. دونَ أنْ يتطرّقَ إلى أفكارِ الإسلامِ أيّ تناقضٍ، ودونَ أنْ يُؤخَذَ من أفكارها الخاصّةِ عنِ الحياةِ، وعنِ التشريعِ وعنِ العقيدةِ أيّ فكرٍ، والاقتصارُ على الانتفاعِ بالثقافةِ دونَ التأثّرِ بها، يجعلُ دراستها معلوماتٍ لا تؤثّرُ على وجهةِ النظرِ في الحياةِ.
فالمسلمونَ منذُ أوائلِ الفتحِ الإسلاميّ حتى العصرِ الذي حصلَ فيهِ الغزوُ التبشيريّ في منتصفِ القرنِ الثامنَ عشرَ الميلاديّ، كانوا يجعلونَ العقيدةَ الإسلاميّةَ أساسَ ثقافتِهم، وكانوا يدرسونَ الثقافاتِ غيرَ الإسلاميّةِ للانتفاعِ بما فيها من معانٍ عنِ الأشياءِ في الحياةِ، لا لاعتناقِ ما فيها منْ أفكارٍ. ولذلكَ لمْ يتأثّرُوا بها، وإنما انتفعوا.
بخلافِ المسلمينَ بعدَ الغزوِ الثقافيّ الغربيّ لهُمْ حيثُ درسوا الثقافةَ الغربيّةَ واستحسنوا ما فيها من أفكارٍ؛ فمنهم منِ اعتنقها. وتخلّى عنِ الثقافةِ الإسلاميّةِ، ومنهمْ منِ استحسنَها، وأضافَ ما فيها إلى الثقافةِ الإسلاميّةِ حتى صارتْ بعضُ أفكارها من الأفكارِ الإسلاميّةِ على الرّغمِ من تناقُضِها معَ الإسلامِ. فكثيرٌ منهمْ، مثلاً، كانَ يجْعَلُ القاعدةَ الديمقراطيّةَ المعروفة «الأمّةُ مصدرُ السلطاتِ» قاعدةً إسلاميّةً، ويعتبرُ أنّ السيادةَ للأمّةِ، وأنّ الأمّةَ هيَ التي تصنعُ التشريعَ وتسنّ القوانينَ، وهذا يتناقضُ معَ الإسلامِ لأنّ السيادةَ فيهِ للشرعِ، لا للأمّةِ؛ والقانونُ منَ الله، لا مِنَ النّاسِ، وكثيرٌ منَ المسلمينَ كانَ يحاولُ أنْ يجعلَ الإسلامَ ديمقراطيّاً واشتراكيّاً، أو شيوعيّاً. مع أنّ الإسلامَ يتناقضُ معَ الديقراطيّةِ؛ فالإسلامُ يجعلُ الحاكمَ منفّذاً للشرعِ، ومقيّداً بهِ لا أجيراً عندَ الأمّةِ، ومنفّذاً لإرادتها، بل راعياً لمصالحها حسبَ الشرعِ؛ وكذلكَ يتناقضُ معَ الاشتراكيّةِ لأنّ الملكيّةَ محدّدةٌ عندَهُ بالكيفِ، ولا يجوزُ أن تُحدّدَ بالكَمِّ.
كما يتناقضُ معَ الشيوعيّةِ، لأنّهُ يجعلُ الإيمانَ بوجودِ الله أساسَ الحياة؛ ويقولُ بالملكيّةِ الفرديّةِ ويعملُ لصيانتِها.
فَجَعْلُ الإسلام ديمقراطيّاً، أو اشتراكيّاً، أو شيوعيّاً، تأثّرٌ بالثقافةِ الأجنبيّةِ، لا انتفاعٌ بها، والأنكى من ذلكَ أنّ القيادةَ الفكريّةَ الغربيّةَ هيَ عقيدةٌ تُناقِضُ عقيدةَ الإسلام. وقدْ تأثّرَ بها بعضُهُمْ حتى صارَ المتعلّمُ يقولُ: يجبُ فصلُ الدينِ عن الدولةِ ويقولُ غيرُ المتعلّمِ منهم: «الدينُ غيرُ السياسةِ»، ولا تُدْخِلُوا الدينَ بالسياسةِ، ممّا يدلّ على أنّ المسلمينَ في العصر الهابطِ، بعْدَ الغزوِ الثقافيّ، درسُوا الثقافةَ غيرَ الإسلاميّةِ وتأثّرُوا بها.
بخلافِ المسلمينَ قبلَ ذلكَ فإنّهُمْ درسُوا الثقافاتِ غيرَ الإسلاميّةِ، وانتفعُوا بها، ولم يتأثّرُوا بأفكارِها.
التّفسِير
لمّا كانتِ الثقافةُ الإسلاميّةُ هي كُلّ شيءٍ أُخِذَ عنْ طريقِ التلقّي والأخبارِ والاستنباطِ، ولمّا كانَ التلقّي والأخبارُ والاستنباطُ يشتملُ على التفسيرِ والحديثِ والسيرَةِ والتاريخِ والفقهِ وأُصولِهِ والتوحيدِ، كانَ لا بُدّ مِنْ إعطاءِ صورَةٍ موجزةٍ عن كلِّ واحدٍ منها.
التفسيرُ هوَ البيانُ، تقولُ: فَسرْتُ الشيءَ بالتخفيفِ، وفسّرْتُهُ بالتشديدِ تفسيراً إذا بيّنْتهُ.
والفرقُ بينَ التفسيرِ والتأويلِ:
إنّ التفسيرَ بيانُ المرادِ باللفظِ.
والتأويلُ بيانُ المرادِ بالمعنى.
وقد اختصَّتْ كلمةُ التفسيرِ عندَ الإطلاقِ ببيانِ آياتِ القرآنِ الذي نزلَ باللغةِ العربيّةِ أمّا الألفاظُ التي أصلُها أعجميّ، مثل: «إستبرق»، فقد عُرّبَتْ في ضوءِ الأصولِ العربيّةِ وأصبحتْ منها. أمّا أساليبُهُ فهيَ أساليبُ العَرَبِ في كلامِهِمْ.
كانَ العربُ يقرأُونَهُ وَيُدْرِكُونَ قوّةَ بلاغتِهِ ويفهمونَ معانيه، إلاّ أنّ القرآنَ الكريمَ لمْ يكنْ في متناولِ الفَهْمِ العربيّ على مستوى شاملٍ بحيثُ يستطيعُ العربُ أن يفهموهُ إجمالاً وتفصيلاً بمجرّدِ سماعهِ، لأنّ نزولهُ بلُغةِ العربِ لا يقتضي أنْ يفهمَهُ جميعُ العربِ، في مفرداتهِ وتراكيبهِ، إذْ ليْسَ كلّ كتابٍ مؤلّفٍ بلغةٍ يستطيعُ أهلُ اللغةِ أنْ يفهموهُ لأنّ الفهمَ لا يتوقّفُ على معرفةِ اللغةِ وحدَها، وإنما يتطلّبُ درجةً عقليّةً خاصّةً. ومستوى معيّناً منَ المعرفَةِ يتناسبُ مع محتوياتِ الكتابِ، ولمْ تكنْ لجميعِ العربِ هذهِ الطاقةُ.
كيف يُفَسَّر القرآن الكريم
يتوقّفُ تفسيرُ القرآنِ الكريمِ بوصفِهِ كلاماً عربيّاً ونصّاً من النصوصِ العربيّةِ على إدراكِ واقعِهِ العربيّ منْ حيثُ اللغة: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا} [يُوسُف: 2]. أمّا من حيثُ الموضوعُ فيتوقفُ على الإلمامِ بالتاريخِ، والعقائدِ، والتشريعِ، والقصصِ، وكثيرٍ منَ الأشياءِ التي انطوى عليها. وهوَ رسالةٌ منَ الله للبشرِ يُبلّغُها رسولٌ منَ الله. ففيهِ كلّ ما يتعلّقُ بالرسالةِ من العقائدِ والأحكامِ والبشارةِ والإنذارِ وقصصِ العِظَةِ والذكرى والوصْف الرّائِعِ لمشاهدِ القيامةِ والجنّةِ والنّارِ. والغايةُ من ذلكَ الزجرُ وإثارةُ الشّوقِ، والقضايا العقليّةِ، والأمورِ الحسيّةِ والغيبيّةِ المبنيّةِ على أصلٍ عقليّ للإيمانِ والعملِ، وغيرِ ذلكَ ممّا تقتضيهِ الرسالةُ العامّةُ لبني الإنسانِ، فالوُقوفُ على هذا الموضوعِ وقوفاً دقيقاً قائماً على معرفةِ التفاصيل لا يمكنُ أن يكونَ إلاّ عن طريقِ الرسولِ الذي جاءَ بهِ، وقد بيّنَ الله تعالى أنّ القرآنَ أُنزِلَ على الرسولِ لِيُبَيّنَهُ للنّاسِ: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النّحل: 44]. وطريقُ الرسولِ هيَ السنةُ. أي ما يُرْوَى عنهُ روايةً صحيحةً منْ أقوالٍ وأفعالٍ وتقاريرَ. ولذلكَ كانَ الواجبُ يفرِضُ الاطلاعَ على سنّةِ الرسولِ قبلَ البدْءِ بتفسيرِ القرآنِ. إذْ لا يمكنُ فَهْمُ موضوعِهِ إلاّ بالاطلاعِ على سُنّةِ الرسولِ؛ على أنّ هذا الاطلاعَ يجبُ أنْ يكونَ اطلاعاً واعياً لمتن السنة بغضّ النظرِ عنِ الاطلاع على سندها. أي يجب أن يكون اطلاع تدبّرٍ على محتواها باعتبارِها مفاهيم لا اطلاعَ حفظٍ لألفاظِها.
الواجبُ على المفسّرِ أنْ يُدركَ مدلولَ الحديثِ، ولا يَضيرُ أن لا يهتمّ بحفظِ الألفاظِ أو معرفةِ السندِ والرّواةِ ما دامَ واثقاً من صحّةِ الحديثِ بمجرّدِ تخريجهِ. لأن التفسيرَ متعلّقٌ بمدلولاتِ السنّةِ لا بألفاظِها وسندها ورُواتها. وعليه يجبُ توفّرُ الوعي للسنّةِ حتى يتأَتى لهُ تفسيرُ القرآنِ. ومنْ هنا يتبيّنُ أنّهُ لا بدّ لتفسيرِ القرآنِ أوّلاً وقبلَ كلِّ شيءٍ من دراسةِ واقع القرآنِ دراسةً تفصيليّةً، ودراسةُ ما ينطبقُ عليه هذا الواقعُ منْ حيثُ الألفاظُ والمعاني، إدراكُ موضوعِ بحثهِ. ويجبُ أنْ يعلمَ أنّهُ لا يكفي الإدراكُ الإجماليّ، بلْ لا بدّ منَ الإدراكِ التفصيليّ للكليّاتِ والجزئيّاتِ، ولو بشكلٍ إجماليّ؛ ولأجلِ تصوّرِ هذا الإدراكِ التفصيليّ نَعْرِض لوْحةً أوْ إشارةً لكيفيّةِ الإدراكِ التفصيليّ لواقعِ القرآنِ من حيثُ مفرداتهُ وتراكيبُهُ وتصرّفه في المفرداتِ والتراكيبِ ومنْ حيثُ الأدبُ العالي في الخطابِ والحديثِ منَ الناحيةِ العربيّةِ، ومنْ حيثُ لغةُ العربِ ومعهودُهُمْ في كلامِهِمْ.
أمّا واقعُ القرآنِ منْ حيثُ مفرداتهُ ـ فإنّا نشاهِدُ فيهِ مفرداتٍ ينطبقُ عليها المعنى اللغويّ حقيقةً ومجازاً.
وقد يُسْتَعْمَلُ المعنى اللغويّ بقسميهِ المجازيّ والحقيقيّ، وتكونُ القرينةُ أداةَ المقصودِ في كل تركيبٍ. وقد يُتناسى المعنى الحقيقيّ ويبقى المعنى المجازيّ فيصبحُ المقصودَ الأساسيّ. وهناكَ مفرداتٌ ينطبقُ عليها المعنى الحقيقيّ فقط. كما أنّ هناك مفرداتٍ ينطبقُ عليها المعنى اللغويّ الحقيقيّ، وينطبقُ عليها معنى شرعيّ جديدٌ غيْرُ المعنى اللغويّ حقيقةً، وغيرُ المعنى اللغويّ مجازاً، واستُعْمِلَتْ في المعنى اللغويّ والشرعيّ في آياتٍ مختلفةٍ. والذي يُعيّنُ المقصودَ منهما تركيبُ الآيةِ. أو ينطبقُ عليها المعنى الشرعيّ فحسب، ولا تُستعملُ في المعنى اللغوي. فكلمة «قرية» ـ مثلاً ـ استُعمِلتْ بمعناها اللغويّ الحقيقيّ فقط في قولهِ تعالى: {حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ} [الكهف: 77] {أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ} [النِّسَاء: 75] واسْتُعْمِلَتْ بمعناها المجازيّ في قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} [يُوسُف: 82] والقريةُ لا تسأل، والمقصودُ أهْلُ القريةِ «وهذا المعنى مجازيّ» وفي قوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا} [الطّلاَق: 8] والمرادُ أهْلُ القريةِ. وفي قولهِ تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ} [المَائدة: 6] فالغائطُ هوَ المكانُ المنخفضُ، وقدِ اسْتُعْمِلَتْ في قضاء الحاجةِ مجازاً، لأنّ الذي يقضي الحاجَةَ يذْهَبُ إلى مكانٍ منخفضٍ. فاسْتُعْمِلَ المعنى المجازيّ وتُنُوسيَ المعنى الحقيقيّ، أمّا في قوله تعالى: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} [المَائدة: 42] وقولهُ: {وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ} [الرَّحمن: 9] فالمقصودُ المعنى اللغويّ ولم يَرِدْ لها معنى آخر، وكذلكَ قولهُ: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ *} [المدَّثِّر: 4] فإنّ المرادَ المعنى اللغويّ. أمّا في قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المَائدة: 6] {لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ *} [الواقِعَة: 79] فالمرادُ المعنى المجازيّ، وهوَ إزالةُ الحَدَثِ لأنّ إزالةَ الحدثِ الأكبرِ والحدَثِ الأصغرِ يُقالُ لهُ في الشرعِ «طهارة»؛ معَ أخْذِ حقيقة أنّ «المؤمن لا ينجُسُ» بعينِ الاعتبارِ. وأمّا في قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى *عَبْدًا إِذَا صَلَّى *} [العَلق: 9-10] فإنّ المرادَ معناها الشرعيّ. وفي قوله تعالى: {يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزَاب: 56]، يُرادُ المعنى اللغويّ وهُو الدّعاءُ. هذاَ منْ حيثُ المفرداتُ. أما مِن حيثُ التراكيبُ فإنّ اللغةَ العربيّةَ من حيثُ هيَ ألفاظٌ دالَّةٌ على معانٍ. وإذا تقصّينا هذهِ الألفاظ، من حيثُ وجودُها في تراكيبَ سواء كانت منْ حيثُ معناها الإفراديّ في التركيبِ أمْ منْ حيثُ المعنى التركيبيّ، فإنّها لا تخرجُ عن نظرتينِ اثنتينِ.
إحداهما أنّ يُنْظَرَ إليها منْ جهةِ كونها ألفاظاً وعباراتٍ مُطلقةً دالّةً على معانٍ مُطلقةٍ، وهيَ الدّلالَةُ الأصليّةُ. والثاني منْ جهةِ كونها ألفاظاً وعباراتٍ دالّةً على معانٍ خادمةٍ للألفاظِ والعباراتِ، المُطَلَقَةِ وهيَ الدّلالةُ التابعةُ. أمّا بالنسبةِ للقسْمِ الأوّلِ وهو كونُ التراكيب ألفاظاً وعباراتٍ مطلقةً دالّة على معانٍ مطلقةٍ، فإنّ في اللغةِ من حيثُ المفرداتُ ألفاظاً مشتركةً؛ مثل: كلمات «العين» «والقدر» «والروح» وما شاكلَ ذلك. وفيها ألفاظٌ مترادفةٌ؛ مثل: كلمتي «جاءَ وأتى». وكلمتي «ظَنّ وزعم» إلى غيره ذلكَ. وفيهِ ألفاظٌ مُضَادّةٌ؛ مثل: كلمةِ «قروء» «للحيضِ والطّهر» وكلمة: «عزر» للإهانةِ والنصرةِ وكذلك للّوْم والتنكيلِ، وما شابهَ ذلك.
ويحتاجُ فَهْمُ المعنى المرادِ من الكلمةِ، إلى فَهْمِ التركيبِ، ولا يمكنُ أن يُفْهَمَ معناها بمجرّد مراجعةِ قواميسِ اللغةِ، بل لا بدّ من معرفةِ التركيبِ الذي وَرَدَتْ فيهِ الكلمةُ؛ لأنّ التركيبَ هوَ الذي يُعيّنُ المعنى المرادَ منها. وكما نقولُ ذلكَ في المفرداتِ بالنسبةِ للتركيبِ، نقولهُ بالنسبةِ للتراكيبِ نفسها.
فإنها من حيثُ هيَ ألفاظٌ وعباراتٌ مُطلَقَةٌ دالّةٌ على معانٍ مطلقةٍ، وهذهِ هيَ دلالَتُها الأصليّةُ، وما لمْ ترد قرينةٌ دالّةٌ على غير ذلكَ فإنّ معناها المطلق هو المراد، وهذا كثير في القرآنِ لا يحتاجُ إلى أمثلةٍ لأنّهُ الأصلُ.
وأمّا بالنسبةِ للقسمِ الثاني، وهو كونُ التراكيبِ ألفاظاً وعباراتٍ دالّةً على معانٍ خادمةٍ للألفاظِ والعباراتِ المطلقةِ، فإنّ كُلّ خبرٍ يقالُ في الجملةِ يقتضي بيانَ ما يُقْصَدُ منها بالنسبةِ لذلكَ الخبر. فتوضعُ الجملةُ في شكلٍ يؤدّي ذلك القصدَ بحسبِ المخبرِ والمُخْبَرِ عنهُ، ونفْسِ الإخبارِ في الحالِ التي وُجِدَ عليها، وفي المساقِ الذي سيقَتْ بهِ الجملةُ. وفي نوعِ الأسلوبِ منَ الإيضاحِ والإخفاءِ والإيجازِ والإطنابِ وغيرِ ذلكَ. تقولُ في ابتداءِ الإخبارِ: «قامَ زيدٌ» إنْ لمْ تكنِ العنايةُ بالمخبرِ بَلْ بالخبرِ، فإنْ كانتِ العنايةُ بالمُخْبَرِ عنهُ قلت: زيدٌ قامَ. وفي جوابِ السؤالِ أو ما هو منزّلٌ منزلةَ السؤالِ قلت: إنّ زيداً قائم، وفي جوابِ المنكرِ: والله إنّ زيداً لقائم! وفي إخبارِ مَنْ يتوقّعُ قيامَ زيد: قامَ زيدٌ، ومثلها في القرآن الكريمِ: قولهُ تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ *إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ *قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَانُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ *قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ *} [يس: 13-16] فإنّ الرّسل حين أحسّوا إنكارَهُمْ في المرّةِ الأولى اكتفوا بتأكيدِ الخبرِ «بأنّ» فقالوا: «إنّا إليكُمْ مُرْسَلُونَ» فلمّا تزايدَ إنكارُهُمْ وجُحودهم قالوا: {رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ *} [يس: 16] فأكّدوا إرسالهم بإنَّ واللام.
وقد رويَ أنّ يعقوبَ بنَ إسحاقَ الكِنديّ ركبَ إلى أبي العباسِ المبرّدِ وقالَ لهُ: «إني لأجِدُ في كلامِ العربِ حشواً!»، فقالَ أبو العبّاسِ: «أينَ وجدتَ ذلكَ؟» فقالَ: «وجدتهُمْ يقولونَ: عبدُ الله قائمٌ» ثمّ يقولون: «إنّ عبدَ الله قائمٌ» ثمّ يقولونَ: «إنّ عبدَ الله لقائمٌ»، فالألفاظُ مكرّرةٌ والمعنى واحد: فقالَ أبو العباسِ: «بلِ المعاني مختلفة».
الأول: إخبارٌ عن قيامِهِ.
الثاني: جوابٌ عنْ سؤال.
والثالث: ردّ على مُنْكِر.
هذه الأمورِ يجبُ أنْ تُلاحَظَ في النّصوصِ العربيّةِ. وقد استوفى القرآنُ هاتين النظريّتينِ؛ فجاءَتِ الألفاظُ والعباراتُ المطلقة الدالّةُ على معانٍ مطلقة، وجاءت الألفاظ والعبارة المقيدة الدالة على معانٍ خادمة للمعاني المطلقة. وفي وجوهٍ متعدّدةٍ من البلاغةِ. ومن أروعِ ما رُوعِيَ فيهِ وجودُ المعاني الخادمةِ التي هيَ الدّلالةُ التابعةُ. والآياتُ وأجزاءُ الآياتِ التي تتكرّرُ في القرآنِ الكريمِ في السورةِ الواحدةِ والسّوَرِ المختلفةِ، وكذلكَ القصَصُ والجملُ التي تتكرّرُ في القرآنِ، وما جاءَ فيهِ من تقديمِ المحمولِ على الموضوعِ، ومنَ التأكيدِ بأنواع من التأكيد، أوْ بنوعٍ واحدٍ حَسْبَ مساقِ الجملةِ، ومنَ الاستفهاماتِ الإنكاريّةِ وغيرِ ذلكَ، ممّا يتضمّنُ أعلى أنواعِ الدّلالةِ التّابعَةِ. إنّكَ تجدُ الآيةَ أو جزءاً منَ الآيةِ أو الجملةِ أو القِصّةِ تأتي في مساقٍ على وجهٍ في بعضِ السورِ، وتأتي على وجهٍ آخرَ في سورٍ أُخرى، وتأتي على وجهٍ ثالثٍ في موضوعٍ آخرَ، وهكذا لا تجدُ تعبيراً حُوِّلَ عنْ وضعهِ الأصليٍّ، كتقديمِ الخبرِ على المبتدإ، وتأكيدِ الخبرِ والاكتفاءِ بذكرِ البعضِ عنِ البعضِ الآخرِ، ممّا يُذْكَرُ عادةً، إلاّ وجدتَ لذلكَ نكتةً بلاغيّةً قائمةً على معنى يخدمُ المعاني المطلَقَةَ التي تتضمنها الألفاظُ والعباراتُ في الآيةِ.
الكلامُ في اللّغةِ العربيّةِ ألفاظٌ دالّةٌ على معانٍ، سواء من حيثُ النظرةُ إلى المفرداتِ في تراكيبها، أوْ من حيثُ التراكيبُ جُمْلَةً.
أمّا من حيثُ التصرّفُ في المفرداتِ وهي في تراكيبها، أو التصرّفُ في التراكيبِ، فإنّ القرآنَ سائرٌ فيها على معهودِ العربِ الذي نزلَ بلسانهم. ومع إعجازه للعربِ فلمْ يحصُلْ فيهِ العدولُ عنِ العُرْفِ المستمرّ.
وواقعُهُ من هذهِ الجهةِ هوَ عينُ واقِعِ معهودِ العرب في ذلكَ، وبالرّجوعِ إلى واقعِ معهودِ العربِ نجدُ أنّ العرَبَ لا ترى الألفاظَ حتميّةَ الالتزام حينَ يكون المقصودُ المحافظةَ على معنى التراكيبِ وإنْ كانتْ تراعيها، وكذلكَ لا ترى جوازَ العدولِ منَ الألفاظِ بحالٍ منَ الأحوالِ بلْ تُوجِبُها حيثُ يكونُ المقصودُ أداءَ المعاني التي تقتضي الدقّة في أدائها التزامَ اللفظِ الذي يكونُ أداؤها بهِ أكملَ وأدَقّ، فليسَ أحَدُ الأمرين عندهم بملتزمٍ، بل تُبنى المعاني على التركيبِ وحدَهُ معَ عدمِ الالتزامِ بالألفاظِ، وقد تُبْنى المعاني على الألفاظِ في التركيبِ عندَ العربِ كاستغنائهمْ ببعضِ الألفاظِ عمّا يرادفُها، أو يُقاربُها إذا دلّ المعنى المقصودُ على استقامتِهِ؛ فقد حكى ابنُ جني عن عيسى بن عمرَ قالَ: سمعتُ ذا أكرمة ينشدُ:
وظَاهِر لها مِنْ يابسِ الشختِ واسْتَعِنْ
عليها الصّبا واجْعَلْ يَدَيْكَ لها سترا
فقلتُ أنشدْتَني من «بائس» فقال: «يابس وبائس واحدٌ». وعن أحمدَ بن يحيى قال: أنشدني ابنُ الأعرابي قال:
وَمَوْضِعِ زيرٍ لا أُريدُ مَبيتَهُ
كأنّي بهِ مِنْ شِدّةِ الروع آنس
فقالَ لهُ شيخٌ من أصحابهِ: ليسَ هكذا أنشدتني بل قلتُ «وموضع ضيق»، فقالَ: سبحانَ الله! أصْبَحْنا من كذا وكذا، ولا تعلمُ أنّ «الزيرَ والضيق» واحدٌ. وقد حصلَ ذلكَ في القرآن، كما حصلَ بالاستغناءِ ببعضِ الألفاظِ عمّا يرادفُها أو يُقارِبُها كالقراءاتِ في القرآن:
{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ *} [الفَاتِحَة: 4] «ملك يوم الدين»، {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ} [البَقَرَة: 9] وما يُخادعونَ إلاّ أنْفُسَهُمْ.
ومنْ شأنِ العربِ الالتزامُ بالألفاظِ بعينها حينَ يكونُ هنالكَ قصْدٌ من التعبيرِ بها، كأن يُروى أن أحدَ الرواة حين أنشد:
لَعَمْرُكَ مَا دَهْرِي بِتَأبِينِ مالكٍ
ولا جزعٍ مِمّا أصابَ فَأوْجَعَا
فوضع كلمة «هالك» بدل مالك فغضب وقال: الرواية «مالك» وليس «بهالك» والمرثيّ «مالك» لا مُطْلَقُ شخصٍ هالكٍ.
والقرآنُ الكريم وردتْ فيهِ ألفاظٌ ملتزمةٌ لا يمكنُ أن يُؤدّى المعنى بدونها فقولهُ تعالى: {تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى *} [النّجْم: 22] فكلمةُ «ضيزى» هنا لا يُمكنُ أنْ تُؤدّي معناها أيّةُ كلمةٍ مرادفةٍ أو مقاربةٍ، فلا «قسمةٌ ظالمةٌ» ولا «جائرة» بقادرةٍ على تأديّةِ المعنى ذاتهِ. ومن أجلِ ذلكَ رُوعيَ لَفْظُها في التركيبِ محافظةً على المعنى. هذا منْ حيثُ المحافظةُ على التعبير باللّفظِ الخاصّ أو عدمِ المحافظةِ.
أمّا من حيثُ المحافظةُ على المعنى الإفراديّ بتبيانهِ أوْ عدمِ المحافظةِ فإنّ من معهودِ العربِ أنْ يكونَ الاعتناءُ بالمعاني المبثوثةِ في الخطابِ هوَ المقصود الأعظمَ بناءً على أنّ عناية العربِ كانت بالمعاني، وإنما أُصلحتِ الألفاظُ من أجلِها.
ولكنْ إذا كانَ مقصودُ الجملةِ المعنى الإفراديّ فيجبُ أنْ تُوجَّهَ العنايةُ إلى معاني المفرداتِ معَ الهيئةِ الاجتماعيّةِ للجملةِ، وإذا كانَ مقصودُ الجملةِ المعنى التركيبي فيُكتفَى بالمعنى الإفراديّ لئَلا يَفْسُدَ على القارىءِ فَهْمُ المعنى التركيبيّ للجملةِ. وقد جاءَ القرآنُ الكريمُ على هذا المعهودِ وسارَ عليهِ في مُخْتَلَفِ الآياتِ ولذلكَ قالَ عمرُ بنُ الخطّابِ حينَ سُئِلَ عن معنى قولهِ تعالى: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا *} [عَبَسَ: 31] نُهِينا عنِ التكلّفِ والتعمّقِ، أي في المعنى الإفراديّ. وفي مثلِ هذهِ الجملةِ يُرادُ المعنى التركيبيّ، ولكنْ إذا كانَ المعنى الإفراديّ يتوقّفُ عليهِ المعنى التركيبيّ، فيجبُ بذلُ العنايةِ للمعنى الإفراديّ.
ولهذا نجدُ عمرَ بنَ الخطّابِ نفسَهُ سألَ وهو على المنبرِ عن المعنى الإفرادي لكلِمَةِ «التخوّفِ» حينَ قرأ {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ} [النّحل: 47] فقالَ رجلٌ من هذيل: التخَوّفُ عندنا التَّنَقّص وأنشدهُ:
تخوّفَ الرِّجْلُ تامكاً قَرَداً
كما تَخَوّف عُودَ النّبعةِ السَّفَن
التامكُ: المُرْتَفعُ من السّنام.
القَرَدُ: المتلبد بعضُه على بعض.
والسّفَنُ: المِبْرَد.
أيْ أنّ الرِّجْلَ في أثناءِ السّيرِ تُنقِصُ النّاقَةَ وتبردُ ظَهَرها كما يُنقِصُ المبردُ الخَشَبَ.
وحينَ أنشدَ الهُذيليّ بيتَ الشّعر وفسّرَ لعُمَرَ التَّخوّفَ، قالَ عُمَرُ: «يا أيّها النّاسُ. تمسّكُوا بديوانِ شِعْرِكُمْ في جاهلِيّتِكُمْ فإنْ فيهِ تَفْسيرَ كِتابكمْ». وأتى أعرابيّ إلى ابنِ عباس فقالَ:
تخوفني مالي أخٌ لي ظَالِمٌ
فلا تَخْذُلني اليومَ يا خيرَ مَنْ بقي
قالَ: نَعَمْ الله أكبر «أوَ يأخُذَهُمْ على تخوّفٍ» أي تَنَقّصٍ مِنْ خِيارِهِمْ.
وفوقَ ذلكَ كانَ القرآنُ يراعي عندَ الكلامِ تعبيراتٍ يُقصَدُ منها مراعاةُ الأدب العالي، فإنّهُ أتى بالنداءِ من الله تعالى للعبادِ ومن العبادِ لله تعالى، إمّا حكايةً وإمّا تعليماً.
فحينَ أتى النداءُ منَ الله للعبادِ جاءَ بحرفِ النداءِ المُقتضي للبُعْدِ ثابتاً غير محذوفٍ، ليُشْعِرَ العبدَ بالبُعْدِ كقولهِ تعالى:
{يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} [العَنكبوت: 56] يا أيّها الناسُ، يا أيّها الذينَ آمنُوا. هذا بالنسبةِ لنداءِ الله. أمّا بالنسبةِ لنداءِ العبادِ لله فقد أتى بالنداء مجرّداً منَ الياءِ كقوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا} [البَقَرَة: 286] {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ} [آل عِمرَان: 193].
قالَ عيسى ابنُ مريمَ: {اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} [المَائدة: 114] فهذهِ كُلّها مجَرّدَةٌ منَ الياءِ المشْعِرَةِ بالبعدِ، لِيَشْعُرَ العبدُ أنّ الله قريبٌ منهُ. ولأنّ الياءَ تُفيدُ التنبيهَ، والعبدُ بحاجةٍ للتنبيهِ عندَ النداءِ. والله سبحانهُ وتعالى لا يحتاجُ لذلكَ.
وهناكَ عنايةٌ بالعباراتِ التي ترْمي لمراعاةِ الأدَبِ العالي جاءَتْ في القرآنِ بالكنايةِ بدَلَ التّصريحِ في الأمورِ التي يُسْتَحَى منْ ذِكْرِها والتصريحِ بها، كما كنى عن الجِماعِ باللّباسِ والمباشرةِ في قوله تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البَقَرَة: 187] وقولُهُ تَعالى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ً ïكَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ} [البَقَرَة: 187]، [المَائدة: 75].
وهناكَ تعابيرُ قائمةٌ على الالتفاتِ الذي يُنْبىءُ عنْ أدَبِ الإقبالِ منْ الغَيْبةِ إلى الحضورِ إذا كانَ مُقْتضى الحالِ يسْتدعيهِ، كقولهِ تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ *مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ *} [الفَاتِحَة: 2-4] ثم عَدَلَ عَنِ الغَيْبَةِ إلى الخِطَابِ فقالَ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *} [الفَاتِحَة: 5] وكقولهِ تعالى: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} [يُونس: 22].
فعدلَ عنِ الخطابِ إلى الغَيْبَةِ. وقولُهُ تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى *أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى *} [عَبَسَ: 1-2] فجرى العتابُ على حالٍ بأُسلوبٍ الغَيْبَةِ، معَ أنّ الآيةَ نَزَلَتْ عليهِ، في ذلك الموضوع، ثمّ انتقلَ إلى الخطابِ فقالَ تعالى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى *} [عَبَسَ: 3] فهذا العدولُ منَ الخطابِ إلى الغَيْبَةِ، ومنَ الغَيْبَةِ إلى الخطابِ قائمٌ على الأدبِ العالي، لِما في الخطابِ بعدَ الغيبةِ منْ تَقْويَةٍ للمعنى الثاني أو تخفيفٍ للمعنى الأوّلِ على النّفسِ حينَ إلقائها. ألا ترى في الشكرِ لله والثناءِ عليهِ، فَقَدْ كانَ الأدبُ يقتضي الغَيْبَةَ، وحينَ العبادةِ وإظْهارِ الضعفِ كانَ الخطابُ أليَقَ بأدبِ الخطابِ ولعلّ العتابَ أخفّ على المعاتَبِ بلفظِ الغيبةِ، والاستفهامُ أليقُ بهِ أنْ يكونَ منْ مُخاطَبٍ. ومن ذلكَ أيضاً ما عَلّمَنا الله تعالى في تَرْكِ التنصيصِ على نسبةِ الشرّ إليهِ تعالى، وإن كانَ هوَ الخالقَ لكلِّ شيء: «بِيَدِكَ الخيرُ» واكتفى بذلكَ واستغنى بها عن ذكْرِ الشّرّ فلم يقلْ «بيدكَ الشر» وقد جاءَ ذلكَ بعدَ قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *} [آل عِمرَان: 26].
معَ أنّ السّياقَ يقتضي أن يقولَ: «وبيدكَ الشرّ» لأن ما نصّ على فعلِ الله لهُ خيرٌ وشرّ، باعتبارِ إطلاقِ الإنسانِ؛ فإتيانُ المُلكِ وعِزّةُ الشّخصِ هيَ خيرٌ بالنّسبةِ للإنسانِ، ونَزْعُ الملكِ وذلّةُ الشّخصِ هيَ شرّ للإنسانِ. وقدْ نَسَبَها الله لنفسِهِ بأنّهُ هو الذي فَعَلَها. وقالَ في ختامِ الآيةِ {إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *} [آل عِمرَان: 26] وهذا القولُ يشملُ الشّرّ كما يشملُ الخيرَ. ومعَ ذلكَ قال: «بيدكَ الخيرُ» واكتفى بذلكَ عنِ الشرّ، تَعْلِيماً لنا بأنْ نَتَأدّبَ بأدَبِ الخطابِ. ويقصِدُ بذلكَ كلّهِ مراعاةَ الأدبِ العالي، وهوَ من معهودِ العربِ في كلامِهِمْ. وقدْ وَرَدَ في الشّعرِ والخطبِ. وهكذا يمضي القرآنُ في ألفاظهِ وعباراتِهِ، على اللفظِ العربيّ وعباراته ومعهودهِ في الكلامِ، لا يخرجُ عن ذلكَ شَعْرَةً، ويحيطُ بكلِّ ما هو في أعلى مرْتبةٍ من بليغِ القولِ، ممّا سارَ العربُ عليهِ. فواقعُهُ أَنّهُ عربيّ محْضٌ ولا علاقَةَ لهُ بما هوَ أعْجميّ. فكانَ حتماً على كلِّ منْ أرادَ تَفَهّمَ القرآنِ أن يأتيه من هذهِ الجهةِ.
ولا سبيلَ إلى فَهْمِهِ من غيرها، ولذلكَ كانَ الواجبُ أن يُفَسّرَ القُرآنُ من حيثُ ألفاظُهُ وعباراتُهُ، ومن حيثُ مدلولاتُ الألفاظِ والعباراتِ. مفرداتٌ وتراكيبُ في اللغةِ العربيّةِ فَقَطْ.
فما تُرْشِدُ إليهِ اللغةُ العربيّةُ وما يقْتضيهِ مَعْهودُها يُفَسّرُ بهِ القرآنُ، ولا يجوزُ أنْ يُفَسّرَ منْ هذهِ النّاحِيةِ إلاّ بما تقتضيهِ اللغةُ العربيّةُ لا غير. وطريقُ ذلكَ النّقلُ الموثوقُ بهِ منْ طريقِ الرّوايةِ التي يرْويها الثّقةُ الضابطُ كما يقولُ عن «فصحاء العربِ الخالصةِ عربيّتُهُمْ». وبناءً على ذلكَ فتفسيرُ المفرداتِ والتراكيبِ، ألفاظاً وعباراتٍ، محصورٌ في اللغةِ العربيّةِ وحدها ولا يجوزُ أنْ يُفَسّرَ بغيرِها مطلقاً. وهذا هوَ واقعُهُ منْ هذهِ الجهةِ.
أمّا واقعُهُ منْ حيثُ المعاني الشرعيّةِ كالصلاةِ والصّومِ والأحكامِ الشرعيّةِ، كتحريمِ الربا وحلِّ البيعِ، والأفكارُ التي لها واقعٌ شرْعيّ، كالملائكةِ والشياطينِ فإنّ الثابتَ أنّ القرآنَ جاءَ في كثيرٍ منْ آياته مُجْمَلاً وجاءَ الرّسولُ وفَصّلَهُ. كما جاءَ عامّاً ولكنّ الرسولَ خَصّصَهُ، ومطلقاً فَقَيّدَهُ. وذكَرَ اللَّهُ فيهِ أنّ الرسولَ هو الذي يُبينهُ. قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النّحل: 44].
فالقرآن منْ هذهِ الجهةِ يحتاجُ فَهْمُهُ إلى الاطّلاعِ على ما يُبَيّنُه الرسول من مفرداتِ القرآنِ وتراكيبهِ ومعانيها كلِّها، سواءٌ كانَ هذا البيانُ تخْصيصاً أو تقْييداً أَو تَفْصيلاً أو غَيْرَ ذلكَ.
ولذلكَ كانَ فَهْم القرآنِ مُتوقفاً على فَهْمِ السنّةِ المتعلّقةِ بالقرآن، أيْ أنّهُ مُتوقّفٌ عليها توقّفاً تامّاً لأنّها بيانٌ للقرآنِ حتى يعرفَ بواسطتها ما في القرآنِ منْ معانٍ وأحكامٍ وأفكارٍ.
ولهذا كانَ الاقتصارُ على فَهْمِ القرآنِ فَهْماً كامِلاً لا يكفي فيهِ الاقتصارُ على اللغةِ العربيّةِ بلْ لا بدّ أنْ يكونَ وفوقَ معرفَةِ اللغةِ العربيّةِ، معرفةُ السنّة، وإنّ كانَتِ اللغةُ العربيّةُ وحدها هيَ التي يُرْجَعُ لها لِفَهْمِ مدلولاتِ المفرداتِ والتراكيبِ، من حيثُ ألفاظُها وعباراتُها.
ولكي نَفْهَمَ القرآنَ كلّهُ فلا بدّ منْ جعلِ السنّةِ واللغةِ العربيّةِ أمْرينِ حتميّينِ، ومنَ المُحتّمِ أيضاً أنْ يسيراً معاً لفَهْمِ القرآنِ، وأنْ يتوفّرا لمَنْ يريدُ أنْ يفسّرَ القرآنَ. أمّا القصَصُ الواردةُ فيهِ عنِ الأنبياء والرّسلِ والحوادِثِ التي قصّها عنِ الأممِ الغابرةِ فيتوقّفُ أمْرُها على الحديثِ، إنْ وَرَدَ فيها حديثٌ، وإلاّ اقتصرَ فيها على ما وَرَدَ عنها في القرآنِ.
ولا يصحّ أنْ تُعْرَفَ عنْ غيرِ هذينِ الطّريقينِ لأنّ اللَّهَ أمَرَنا بالرجوعِ إلى الرّسولِ (ص)، وبيّنَ لنا أنّ الرسولَ هوَ الذي يحقّ لهُ أنْ يُبَيّنَ القرآنَ، ولم يأمرْنا بالرجوعِ إلى غيرهِ. فلا يجوزُ أن نرجعَ إلى الإسرائيليّاتِ وما شاكَلَهَا لِفَهْمِ قِصَصِ القرآنِ وأخْبارِ الأمَمِ الماضيةِ. وليسَ الموضوعُ شَرْحَ قِصّةٍ حتى يُقال: إنّ هذا مصْدَرٌ أوْسَعُ، على فرْضِ صِدْقِهِ، وإنما الموضوعُ شرْحُ نصوصٍ مُعَيّنَةٍ نعْتقِد أنها كلامُ ربِّ العالمينَ؛ فيجبُ الوقوفُ عندَ مدلولاتِ هذه النّصوصِ من حيثُ اللغةُ التي جاءَتْ بها، ومنْ حيثُ الاصطلاحُ الشرعيّ من صاحبِ الاصطلاحِ؛ وهوَ الرسولُ الذي قالَ الله عنهُ: إنّ القرآنُ أُنْزِلَ عليه ليُبيّنهُ للناسِ. ومن هنا يجبُ أنْ يُنفى من التفسيرِ كلّ قولٍ جاءَ عن طريقِ الإسرائيليّاتِ، أوْ كُتُبِ التّاريخِ وغيرِها. ويكونُ منَ الافتراءِ على اللَّهِ أنْ نزعمَ أنّ هذهِ المعاني هيَ كلامُ اللَّهِ ولا يوجدُ دليلٌ أو رائحةُ دليلٍ أنّ لها علاقةً بمعاني كلامِ الله.
وأمّا ما يزعمُهُ الكثيرُ منَ النّاسِ قديماً وحديثاً من أنّ القرآنَ يحوي العلومَ والصّناعاتِ والاختراعاتِ وأمثالها، حتى أضافوا لَهُ كلّ عِلْمٍ مذكورٍ للمُتَقَدّمينَ والمُتأخّرِينَ منْ علُومِ الطبيعيّاتِ والكيمياءِ والمنطقِ وغيرِ ذلكَ، فلا أصْلَ لهُ.
وواقِعُ القرآنِ يكذّبهُمْ، لأنّهُ لمْ يقْصِد بِهِ تقريراً لشيءٍ ممّا زعموا. وكلَ آياتهِ أفكارٌ للدّلالةِ على عَظَمَةِ اللَّهِ وأحْكامٌ لمعالجةِ أعْمالِ عبادِ اللَّهِ.
وأمّا ما حدثَ منَ العلومِ. فلمْ تَردْ بهِ آيةٌ ولا جُزْءُ آيةٍ فيها أدنى دلالةٍ على أن أي علْمٍ مِنَ العُلومِ وما وَرَدَ فيهِ ممّا يمكنُ أنْ ينْطَبِقَ على نظريّاتٍ أو حقائقَ علميّةٍ كآية {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا} [الرُّوم: 48] الآية... فإنها جاءَتْ للدّلالةِ على قُدْرَةِ الله لا لإثباتِ النواحي العلميّةِ. وأمّا قولُهُ تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ} [النّحل: 89] فالمُرادُ منها لِكُلِّ شيءٍ من التكاليف والتعبّدِ وما يَتَعلّقُ بذلكَ؛ بدليل نَصِّ الآية. فإنّها تتعلّقُ بموضوع التكليفِ الذي بلّغَهُ الرسولُ للنّاسِ. ونَصّ الآيةِ:
{وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاَءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ *} [النّحل: 89].
فكونُ الله جاءَ بالرّسولِ شهيداً على أُمّتهِ، يعني شَهِيداً عليها بما بَلّغها. وكونهُ نَزّلَ القرآنَ لِيُبَيّنَ ـ أي القرآن ـ كُلّ شيءٍ يكونُ هدىً ورحمةً وبُشرى للْمُسْلِمِينَ، يُحتّمُ أنّ الشيءَ المقصودَ لا يتعلّق بعِلْمِ الطبيعةِ أوِ المنطقِ أوِ الجغرافيا أوْ غيرِ ذلكَ. بلْ هوَ شيءٌ يتعلّقُ بالرّسالةِ؛ أي أنّ الكتَاب تبيانٌ للأحكامِ والتعبّدِ والعقائدِ، وهدىً يهدي النّاسَ ورحمةٌ لهمْ، يُنقذهُمْ منَ الضّلالِ، وبشرى للمسلمينَ بالجَنّةِ ورضوانِ اللَّهِ، ولا علاقةَ لغيرِ الدّينِ وتكاليفهِ بشيءٍ منْ ذلكَ.
فيتعيّنُ أنْ يكونَ معنى قولِهِ «تِبْياناً لكُلِّ شيءٍ» أُمورَ الإسلامِ.
وأمّا قولُهُ تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعَام: 38] فالمرادُ بـ «الكتاب» اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وهوَ كنايةٌ عنْ عِلْمِ اللَّهِ تعالى. وكلمةُ «كتاب» من الألفاظِ المُشتركةِ يُفَسّرُها التركيبُ الذي وَرَدَتْ فيهِ، فحينَ يقولُ اللَّهُ: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ} [البَقَرَة: 2] يرادُ بهِ القرآنُ. وحينَ يقولُ: {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ} [الشّورى: 52] يَقْصِدُ بهِ الكتابةَ، ولكنْ حينَ يقولُ: {وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ *} [الرّعد: 39] أو {كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا *} [الإسرَاء: 58] أو {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ} [الأنعَام: 38] أو {لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} [الأنفَال: 68] أو {إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ *} [يُونس: 61] أو {كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ *} [هُود: 6] أو {وَلاَ يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ} [فَاطِر: 11]، يَقْصِدُ بذلكَ كلّهِ عِلْمَ اللّهِ؛ فقولُهُ تعالى: {وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ *} [الرّعد: 39] يَقْصِدُ اللّوْحَ المحفوظَ وهو كِنَايَةٌ عنْ عِلْمِ اللَّهِ، فهذا كلّهُ يدلّ على أنّهُ ليسَ المرادُ في هذهِ الآيةِ من كلمةِ الكتاب: «القرآن». بلِ المُرادُ اللوحُ المحفوظُ وهوَ كنَايةٌ عنْ عِلْمِ الله نَفْسهِ.
فلا دلالَةَ في الآيةِ، إذاً، على أنّ القرآنَ يحوي العلومَ وأمثالَها. لأنّ مفرداته وتراكيبَهُ لا تدلّ عليها، ولأنّ الرسولَ لمْ يُبيّنْها، فلا علاقةَ لها بهِ. هذا هو واقعُ القرآنِ وهو يدلّ دَلالةً صريحةً واضحةً أنّهُ نصوصٌ عربيّةٌ جاءَ بها رسولُ الله مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، ولا تُفَسّرُ بِغيرِ اللغةِ العربيّةِ وسنّةِ رسولِهِ. أمّا تفسيرُهُ بالاستنادِ إلى دليلٍ شرعيٍّ وردَ في كيفيّةِ تفسيرِهِ فغيرُ واقِعٍ ولا أصلَ لهُ مطلقاً.
إنّ القرآنَ نفْسَهُ لمْ يُبيّنْ كيفَ تُفَسّرُ آياتُهُ، ولم يصحّ عنِ الرسولِ بيانٌ لِكَيْفَيّةٍ مُعيّنَةٍ للتفسيرِ.
وأمّا تفسيرُ الصّحابةِ رضوانُ الله عليهِمْ فإنْ كانَ مُسْتَنداً إلى سببِ النّزولِ فهوَ منْ قبيلِ الحديثِ الموقوفِ، لا منْ قَبيلِ التفسيرِ، وإنْ كانَ منْ قبيلِ الشّرْحِ والبيانِ، فقد اختلفُوا في الآياتِ ولم يحْصُلْ إجماعٌ منهمْ على كيفِيّةٍ مُعيّنَةٍ للتفسير. ومنهمْ مَنْ كانَ يأخذ مِنْ أهْلِ الكتابِ بعْضَ الإسرائيليّاتِ ويرويها عنهُ التّابعونَ، ومنهمْ مَنْ كانَ يرفُضُ أخْذها.
ولكنّهُمْ جميعاً كانوا يفهمونَ القرآن بما يعرِفُونَهُ منَ اللّغةِ العربيّةِ، وبما يعرفونَ منْ سنّةِ رسولِ اللَّهِ قولاً وفعلاً وسكوتاً ووصفاً بخَلْقِ وخُلُقِ رسولِ اللَّهِ وذلكَ مشهورٌ عنهم جميعاً. ومَنْ كانَ يتحرّجُ عن تفسيرِ بعضِ الكلماتِ أوِ الآياتِ فقدْ كانَ تحرّجُهُ للوثوقِ منَ المعنى لا على ما وَرَدَ به النصّ حتى لا يفتيَ إلا بعدَ علمٍ موثوقٍ. ولكنّ ذلكَ لا يُسَمّى إجماعاً لأنّهُ لا يَكْشِفُ عنْ دليلٍ منَ الرسولِ. فبيانه، كما قلنا، سُنّةٌ لا تفسيرٌ.
ولمّا كانَ الصحابةُ هم أقربَ النّاسِ إلى الصّوابِ في تفسيرِ القرآنِ، لمعرفتِهم العميقةِ بأسرارِ اللغةِ العربيّةِ ومُلازَمتِهِمْ للنبيّ الذي أُنْزِلَ عليه القرآنُ، اتفقوا على جَعْلِ اللغةِ العربيّةِ والشّعرِ الجاهليّ والخُطَبِ الجاهليّةِ وغيرِها الأدواتِ الوحيدةَ لِفَهْمِ مفرداتِ القرآنِ وتراكيبهِ.
وفي وقوفِهِمْ عندَ حدِّ ما وَرَدَ عنِ الرّسولِ، وإطلاقِ عقلِهِمْ في فَهْمِ القرآنِ خيرُ طريقةٍ تُتّبَعُ ويُقْتَدَى بها في فَهْمِ القرآنِ؛ ولذلكَ فإنّا نرى أنّ طريقةَ تفسيرِهِ لا تتعدّى اتّخاذَ اللغةِ العربيّةِ، والسنّةِ النبويّةِ الأداةَ الوحيدةَ لِفَهْمِ القرآنِ وتفسيرِهِ، منْ حيثُ مفرداته وتراكيبُهُ، ومن حيثُ المعاني الشرعيّة والأفكارُ التي لها واقِعٌ شرعيّ. كما نرى أنْ يُطْلَقَ للعَقْلِ فَهْمُ النّصوصِ بقدرِ ما يدلّ عليهِ كلامُ العربِ ومعهودُ تصرّفِهِمْ في القولِ، وبما تدلّ عليهِ الألفاظُ منَ المعاني الشّرْعِيّةِ الواردةِ بنصٍّ شرعيٍّ منْ قرآنٍ أو سُنّةٍ غيرِ مُقيّدٍ بما فَهِمَ الأوّلونَ السابقونَ، لا العلماءُ ولا التّابعونَ حتى ولا الصّحابةُ، نشأتِ اجتهاداتٌ قد تُخطِىءُ وتصيبُ. وربما أرْشَدَ العقلُ إلى فَهْمِ آيةٍ كانَ لها واقعٌ للمفسر من خلالِ كثرةِ مطالعاتِهِ للعربيّةِ والشريعةِ، أو ظهرَ منْ تجدّد الأشياء وتقدّمِ الأشكالِ المدنيّةِ والوقائعِ والحوادثِ؛ فبإطلاقِ العقْلِ بالفَهْمِ لا بالوضع يحْصُلُ الإبداعُ في التفسيرِ وذلكَ في حُدُودِ ما تقتضيهِ كلمةُ التفسيرِ من الحمايةِ والصّوْنِ منَ الوقوعِ في ضلالِ الوضعِ لمعانٍ لا تمتّ إلى النّصّ بِصِلَةٍ منَ الصّلاتِ، وهذا الانطلاقُ في الفَهْمِ وإطلاقِ العنانِ للعقلِ بأقصى ما يَفْهَمُهُ منَ النصّ دونَ التقيّدِ بفهمِ أيّ إنسانٍ ما عدا النبيّ (ص) يُحتِّمُ إبعادَ الإسرائِيليّاتِ كلِّها ويُوجِبُ الاقتصارَ في القصَصِ على ما وَرَدَ به القرآنُ عنْها، يُضَافُ لذلكَ إبعادُ ما يزعمونَ منْ علومٍ تضمّنها القرآنُ. وهنا يجبُ الوقوفُ لننظر في ما تَعنيهِ تراكيبُ القرآنِ منَ الآياتِ الباحثةِ في الكونِ، وما قُصِدَ منها منْ بيانِ عَظَمَةِ الله.
هذهِ هيَ طريقةُ تفسيرِ القرآنِ التي يجب أنْ يلتزمَها المفسّرُ وأن يقوم بأعبائِها مَنْ يريدُ تفسيرَ القرآنِ الكريمِ.


عِلم الحَدِيث
هوَ علمٌ بالقوانينِ التي تُعْرَفُ بها أحْوالُ السّنَدِ والمَتْنِ؛ وغايتُهُ معرِفَةُ الحديثِ الصّحيحِ من غيرِهِ، وينقسِمُ إلى قسمينِ:
علم الحديثِ الخاصِّ بالرّوايةِ.
وعلم الحديثِ الخاصِّ بالدّرايةِ.
أمّا الخاصّ بالروايةِ فيشتملُ على نَقْلِ أقوالِ النبيّ (ص)، وأفعالهِ وتقريراتِهِ وصفاتهِ وروايتها وضبطِها وتحريرِ ألفاظِها، وأمْا الخاصّ بالدّاريةِ فيعرفُ منهُ حقيقةُ الرّوايةِ وشروطُها وأنواعُها وأحكامُها وحالُ الرّواةِ وشُرُوطُهُمْ وأصْنافُ المروياتِ وما يتعلّقُ بها. وتشملُ الدرايةُ معرفةَ المعنى الذي تضمّنَهُ الحديثُ من حيثُ مناقضتُهُ للنصِّ القطعيّ.
الحَدِيث
ينبغي الوقوفُ على معاني الألفاظِ التي تدورُ بينَ المُحدّثينَ؛ وهيَ الحديثُ والأثَرُ والسنّةُ، هذا منْ حيثُ الإطلاقُ العامّ والمَتْنُ والسّنَدُ والمُسْتَنَدُ والمستنِدُ «بكسر النون» من ناحيةِ ألفاظِ الحديثِ وروايتهِ. والمُحدِّث من ناحيةِ الرواةِ. أمّا بيانُ معاني هذه الألفاظِ في اصطلاحِ الحديثِ فهو:
1 ـ الحديث: ما أُضيفَ إلى النبيّ (ص) من أقوالٍ أوْ فعلٍ أو تقريرٍ أو وصْفٍ خَلْقيٍّ ـ بفتح الخاء ـ أي بالخلقةِ يكونُ عليهِ الصلاة والسلامُ ليسَ بالطويل ولا بالقصيرِ، أو خُلُقيّ ـ بضم الخاء ـ أي مُتَعَلّقٍ بالخُلُقِ لكونِهِ (ص) لا يُواجهُ أحداً بمكروهٍ. والخبرُ والسّنّةُ لا يتعدّيانِ هذا المعنى نفسهُ، فهما لفظانِ مرادفانِ للفظِ الحديثِ، وكلّها أي الحديث والخبرُ والسنّةُ بمعنى واحدٍ. وأمّا الأثرُ فهو الحديثُ الموقوفُ على الصّحابةِ رضي الله عنهم.
2 ـ المتن: ما تنتهي إليه غايةُ السّنَدِ منَ الكلامِ. والسَّنَدُ هوَ الطريقُ الموصلَةُ إلى المتنِ، أي الرجالُ المُوصِلُونَ إليهِ، والإسنادُ رَفْعُ الحديثِ لقائِلِهِ. والمُسْتَنَدُ ـ بفتح النون ـ ما اتّصَلَ سَنَدُهُ من أوّلِهِ إلى مُنتهاهُ ولو كانَ موقوفاً.
ويُطلَقُ المسْنَدُ أيضاً على الكتابِ الذي جمعَ مرويّاتِ الصّحابةِ، أمّا المسْنِد ـ بكسر النون ـ فهو راوي الحديثِ بإسنادهِ.
3 ـ المحدِّث: مَنْ يحملُ الحديثَ ويعتني بهِ روايةً ودرايةً.
رِواية الحَدِيثِ وَأقسامه
تجوزُ روايةُ الحديثِ بالمعنى، لأنّ التعبّدَ بمعناهُ لا بألفاظهِ. والوحيَ معنى الحديثِ لا ألفاظهُ.
ينقسمُ الخبرُ المرادفُ للحديثِ والسنّةِ باعتبارِ طُرقِ الخبرِ إلى متواترٍ و«آحادٍ».
المتواترُ ما جمعَ أموراً أربعةً:
1 ـ أنْ يكونَ العددُ أكثرَ من خمسة.
2 ـ أنْ يكونَ تواطُؤُهُمْ على الكذبِ مستحيلاً.
3 ـ أنْ يرْوُوا ذلكَ عنْ مِثْلِهِمْ منَ الابتداءِ إلى الانتهاءِ.
4 ـ أنْ يكونَ مُسْتَنَدُ انتهائِهِمْ إلى الحسِّ، لأنّ العقلَ الصرفَ يمكنُ أنْ يُخْطِىءَ وإذا لم يكنْ مستنداً إلى الحسِّ فلا يُفيدُ اليقينَ.
خبر الآحَاد
ينقسمُ منْ حيثُ عددُ الرّواةِ إلى ثلاثةِ أقسام:
1 ـ الغريب: الرّاوي الذي ينفردُ بروايتِهِ.
2 ـ العزيز: ما رواهُ أكثرُ من واحدٍ وأقلّ منْ أربعةٍ.
3 ـ المشهور: ما زادَ نَقَلَتُهُ عن ثلاثةٍ، ولمْ يصِلْ إلى مستوى المتواتر.
والإسنادُ في خبرِ الآحادِ غريباً كانَ أو عزيزاً أو مشهوراً لهُ نهايةٌ، فإمّا أنْ ينتهي بإسنادهِ إلى النبي (ص)، أو إلى الصّحابةِ، أو إلى التّابعينَ فيكونُ منْ حيثُ انتهاءُ السندِ ثلاثة أنواعٍ:
1 ـ المرفوع: وهوَ ما أُضيفَ إلى النبيّ(ص) خاصّةً، قولاً أوْ فِعْلاً أو تقريراً أو وصفاً.
2 ـ الموقوف: وهو المرويّ عنِ الصحابةِ قولاً وفعلاً، وهذا النوعُ لا تقومُ بهِ حجّةٌ لأنّ الله تعالى يقولُ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحَشر: 7].
3 ـ المقطوع: وهو الموقوفُ عنِ التّابعينَ قولاً وفعلاً.
أقسام خبَر الآحاد
ينقسمُ خَبَرُ الآحادِ عندَ أهلِ الحديثِ منْ حيثُ قبولُهُ أو عدمُ قبولِهِ إلى أربعة أقسامٍ: صحيحٍ وحسنٍ وضعيفٍ وموثق.
1 ـ الصحيح: هو الحديثُ الذي يتصلُ إسنادُهُ بنقلِ العَدْلِ الضابطِ عنِ العدْلِ الضّابطِ إلى منتهاهُ، ولا يكونُ شاذّاً ولا مُعَلّلاً.
2 ـ الحسن: هو ما عُرِفَ مَخْرَجُهُ، واشتهر رجالُهُ وعليهِ يدورُ أكثرُ الحديثِ، وهو الذي يقبلُهُ أكثرُ العلماءِ، ويستعملُهُ أكثرُ الفُقهاءِ، أيْ أنْ لا يكونَ في إسنادِهِ مَن يتّهمُ بالكذبِ ولا يكونُ حديثاً شاذّاً.
3 ـ الضعيف: هو الذي لمْ تجتمِعْ فيهِ صفاتُ الصّحيح ولا صفاتُ الحَسَنِ، ولا يحتجّ بهِ أبداً.
4 ـ الموثقُ: أن يكونَ الراوي ثقةً، أي مأموناً منَ الكذبِ ولو لمْ يكنْ مُسلماً.
الحَديث المَردُود
1 ـ المعلّق: ما سَقَطَ منهُ راوٍ فأكثرُ، كأن يقول: قالَ رسولُ اللَّهِ (ص) كذا أو فعلَ كذا.
2 ـ المعضل: ما سقطَ منهُ اثنانِ فأكثرُ في موضعٍ أوْ مواضعَ.
3 ـ المنقطع: ما سقطَ من رُواتِهِ راوٍ واحدٌ.
4 ـ المعلل: ما كانَ فيهِ علّةٌ، وهو الحديثُ الذي اطلعَ فيهِ على علّةٍ تَقْدَحُ في صحّتهِ.
5 ـ المُنكَر: ما انفردَ به الرّاوي غيرُ الثّقةِ.
6 ـ الموضوع: وهوَ المُخْتَلَقُ ـ لا أصلَ لهُ بتاتاً ـ.
هذه طائفةٌ منْ أنواعِ الأحاديثِ المردودَةِ وما هيَ بكلِّ الأنواعِ، بل هناكَ أنواعٌ كثيرةٌ اكْتُفِيَ بذكرِ بعضها.
الحديث المرسل
وأما الحديثُ المرسلُ فهو ما سقطَ منه الصحابيُّ، كأنّ يقول التابعيُّ: قال رسول الله (ص) كذا وفعلَ كذا أو فُعلَ بحضرتهِ كذا.
وقد اختلف المحدّثونَ والأصوليونَ والأئمةُ في الاحتجاج بالحديثِ المرسلِ. فمنْهم مَنْ لا يحتجُّ بِهِ ويعتبرهُ كالحديثِ المنقطعِ مردوداً. ومنهمْ مَنْ يحتجّ به.
الفرق بين القرآن والحَدِيث القدسي
إنّ القرآنَ ما كانَ لفظُهُ ومعناهُ منْ عندِ الله بوحيٍ جليّ. وأمّا الحديثُ القُدسيّ فهو المعنى المُلْهَمُ منَ الله في اليَقَظَةِ أو المنامِ؛ أمّا لفظُهُ فَمِنَ الرسولِ. والقرآنُ لفْظُهُ معجزٌ ومنزلٌ بواسطةِ جبريلَ سلامُ الله عليهِ.
والحديثُ القدسيّ بدونِ واسطةٍ، وغيرُ مُعْجزٍ.
ضَعف سَندِ الحَديث لا يقتضي رَدّه
فَمَنْ وجدَ حديثاً بإسنادٍ ضعيفٍ فعليهِ أنْ يقولَ إنّهُ ضعيفٌ بهذا السّنَدِ. ولا يحكمُ بضعفِ المتنِ مُطْلقاً من غيرِ تقييد. ولذلكَ لا يقْتضي ردّ الحديثِ؛ على أنّ هناكَ أحاديثَ لا تثبتُ منْ جهةِ الإسنادِ، ولكنْ لمّا تلقتْها العامّةُ عنِ العامّةِ اغتَنَوا بصِحّتِها عندهم عنْ طلبِ الإسنادِ. والأمثلةُ على ذلكَ كثيرةٌ كحديثِ «لا وصيّةَ لوارثٍ» وحديثِ «الديّةُ على العاقِلَةِ».


التـاريخ
ليسَ التاريخُ مصْدراً للنظامِ والفكرِ، بلْ يُؤخَذُ النظامُ من مصادرهِ الفكريّةِ لا مِنَ التاريخِ، فحينَ نريدُ أن نفهمَ النظامَ الشيوعيّ لا نأخذُهُ من تاريخِ روسيا، بلْ نأخُذُهُ من كتبِ المبدإ الشيوعيّ نفسه، وحينَ نريدُ أن نعرفَ الفقهَ الفرنسيّ لا نأخذُهُ من تاريخِ فرنسا، بلْ من مصادرِ اللغةِ الفرنسيّة.
وهذا ينطبقُ على كلِّ نظامٍ أو قانونٍ.
وللتاريخِ ثلاثةُ مصادر:
أحدُها: الكتبُ التاريخيّةُ.
الثاني: الآثارُ.
الثالث: الرواية.
لمْ يكُنْ للمسلمينَ باعٌ في التاريخِ؛ تاريخِهِمْ أو تاريخ الأممِ الأخرى، وإن كانتْ طريقتُهُمْ في كتابةِ التاريخِ هيَ الطريقة الصحيحة كروايةِ الخبَرِ عَمَنْ شاهَدَهُ أو روايةِ الكتّابِ عَمّنْ روى الخبرَ عمّنْ شاهدهُ.
وفي تاريخِ الأمَمِ الأخرى اعتمدُوا على رواياتٍ ضعيفةٍ حُشِيَتْ بالأساطيرِ والقِصَصِ، وفي تاريخِ الإسلامِ لمْ يُدَقّقُوا في الرواية تدقيقَهُمْ في السّيرَةِ والحديثِ، واقتصرُوا على أخبارِ الخلفاء والرواةِ، ولمْ يُعْنَوا بأخبارِ المُجْتَمعِ وأحوالِ النّاسِ. ولذلكَ لا يُعطي التاريخُ الإسلاميّ صورةً كاملةً عنِ المجتمعِ أوْ عنِ الدولةِ وإنما يمكِنُ أخْذُ هذهِ الصورةِ من كُتُبِ السيرةِ بَعْدَ تحقيقها. ومنَ كُتُبِ الحديثِ التي رُوِيَتْ فيها أخبارُ الصّحابةِ والتابعينَ.
والحقّ أنّ التاريخَ الإسلاميّ يحتاجُ إلى إعادةِ نظرٍ في تحقيقِ ما وردَ منْ حوادثَ في كُتُبِهِ، عن طريقِ التّحقيقِ في أمْرِ الرُّواةِ والمُستَنَداتِ، وفي الحوادِثِ نفسِها ومحاكمتِها على ضوءِ الوقائِعِ والرواياتِ.
ولا أهميّةَ لِما حدثَ في غيرِ زمَنِ الصّحابةِ. أمّا ما حصلَ منْ الصحابةِ فإنّهُ موضِعُ البحثِ. لأنّ إجماعَ الصحابةِ دليلٌ شرعيّ. ولأنّ هنالكَ أحكاماً كثيرَةً تجدّدَتْ بتجدّدِ الحياةِ، وعُولِجَتْ مشاكلُ مِنَ الصحابةِ أنفسِهِمْ. فلا بُدّ منْ معرفَتِها من ناحيةٍ تشريعيّةٍ، فتاريخُ الصّحابةِ مادّةٌ منْ موادِّ التشريعِ.
إن كثيراً من شؤونِ الجِهادِ، ومعاملةِ أهلِ الذمّةِ، والخراجِ والعُشْرِ ومعرفةِ كونِ الأرضِ عُشريّةً أمْ خراجيّةً، أي أيها أُخِذَ صُلحاً وأيّها عَنْوَةً. والأمانِ والهدنَةِ، وأحكامِ الغنائمِ، والفيءِ وأرزاقِ الجُنْدِ، كلّها حوادثُ وأحكامٌ صارَتْ عمليّةً في الدولةِ، فلا بُدّ مِنْ معْرِفَتِها لاتخاذِ ما أجْمَعَ عليهِ الصّحابةُ، واعتبارِهِ دليلاً شرعيّاً يُحْتَجّ بهِ. ولا سيّما ما أجْمَعَ عليهِ الخلفاءُ الرّاشدونَ من تسْييرِ الحُكْمِ والإدارةِ والسياسةِ. فإنّهمْ خيْرُ مَنْ آتاهُ اللَّهُ عقليّةَ حُكْمٍ، وخيرُ مَنْ يَفْهَمُ تطبيقَ الأحكامِ في الدولةِ على الرعيّةِ، مسلمينَ كانوا أو ذمّيينَ. ولهذا فلا بُدّ من معرفة التاريخ الإسلاميّ في عصْرِ الصّحابةِ.
نعم إنّ القرآن الكريم قصَّ علينا قِصصَ بعضِ الأنبياءِ، وحدّثنا عن بعضِ الأممِ الأخرى، للعظةِ بالنسبةِ للإيمانِ ولطاعةِ الله وبيانِ عَاقبةِ مَنْ يعصيهِ، لا لنَتَّخِذَ مِنَ الأخطاءِ الشائعةِ ما يزعمهُ الكثيرونَ بأنّ للتاريخِ أهميّةً كبرى في نهضةِ الأمم. وبعضُهمْ يزعمُ بأنّ القرآن تاريخٌ، وهذا كذبٌ وافتراءٌ لسبَبَيْنِ مُهمَّينِ:
الأول: إنّ التاريخ من صُنعِ الإنسانِ وكَتَبَهُ الإنسان، وهذا الكتابُ الكريمُ منزّلٌ من عندِ الله العليِّ الحكيمِ على رسولِهِ الأمينِ محمد (ص).
الثاني: إنّ التاريخ فيهِ الخير والشرُّ، وفيهِ الأفكارُ الصحيحةُ والأفكارُ الفاسدة. أمّا القرآنُ المجِيدُ فلا يوجدُ فيه إلاّ الخيرُ، ولا يوجدُ فيهِ إلاّ الفكرُ الصحيح السليم.
والحقُّ يقالُ إنَّ التاريخَ لا يجوزُ أنْ يُتَّخَذَ أساساً لأيّة نهضةٍ، بلْ ولا لأيِّ بَحْثٍ في سُبُلُ النّهْضَةِ. والنّهضةُ لا تكونُ إلا بجعلِ الواقعِ الذي نعيشُهُ ونحياهُ موضعَ البَحْثِ لأنَّهُ محسوسٌ وملموسٌ، فيدرسُ حتى يُفْهَمَ، ثُمَّ يوضعُ لَهُ علاجٌ، إِمّا مِنَ الشريعةِ إنْ كانَ مُتَعَلّقاً بالأحكامِ الشّرْعيّةِ، وإمّا من مقتضياتِ هذا الواقِع من علاجٍ إذا كانَ من الوسائِلِ والأساليبِ شرط أنْ لا تُخالِفَ هذه الوسائلُ والأساليبُ الشرعَ الإسلاميَّ.
وإذا كانَ لا بُدَّ من دراسةِ أخبار النّاسِ فَلْنَدْرُسْ أخبارَ المجتمعاتِ الحاضرةِ كواقعٍ لمعالجتِه، ولتحديدِ مَوْقِفِنا منْ هذه المجتمعاتِ، ونحنُ في حالةِ كفاحٍ دائمٍ في سَبيلِ نَشرِ الإسلامِ وحمل دعَوتِهِ لتلكَ الأممِ.
وليسَ من المفيدِ أن يُشغَلَ المُسْلِمُ بأخبارِ نابليونَ ولا بأخبارِ هارون الرّشيدِ، بل من المحتَّمِ أن يُشغل المسلمُ بالشريعةِ الإسلاميّةِ أفكاراً وأحكاماً، وبالحياةِ العمليّةِ الواقعيّةِ من ناحيَةِ رفعِ شأنِ الإسلامِ والمسلمينَ واتخاذِ جميعِ الإمكانيّاتِ لنشر الإسلامِ، وحملِ دعوتِهِ إلى العالمِ.


الفِقه
الفقهُ في اللغةِ: الفَهْمُ ومنهُ قولُه تعالى: {مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ} [هُود: 91] أيْ لا نَفْهَمُ. وفي عُرْفِ المُتشرّعينَ: الفقه عِلْمٌ خاصّ بالأحكامِ الشرعيّةِ الفرعيّةِ بالنّظَرِ والاستدلالِ. وقد بدأ مُنذُ بدأتْ هذهِ الأحكامُ وذلكَ بعْدَ الهِجْرَةِ من مكّةَ إلى المدينةِ، لأنّ رسول الله (ص) بُعِثَ وأقامَ في مكّةَ ثلاثَ عشرةَ سنةً، ثمُّ أقامَ في المدينةِ نحو عَشْرِ سنينَ، وكانَ القرآنُ ينزلُ طوَالَ هذهِ المدّةِ، غير أن آياتِ الأحكامِ كانت تنزلُ في المدينة. وكانَ الرسولُ يتحدّثُ بها وبما تنطوي عليهِ منَ الأحكام المُتعلّقةِ بالحوادثِ والمعالجةِ لما يحْصُلُ من مشاكلَ. والقِسْمُ الذي نزلَ بمكة يَقْرُبُ من ثلثي القرآنِ، وسُمّيَتْ آياتُهُ مكّيّةً لأنّها في مجموعِها لا تكادُ تتعرّض لشيءٍ منَ الأحكامِ، بلْ تقتصرُ على بيانِ أُصولِ الدينِ والدّعوةِ إليها؛ كالإيمانِ باللَّهِ ورسولهِ واليومِ الآخرِ، والأمرِ بالصّلاةِ والاتصافِ بالصّفاتِ الخُلُقيّةِ كالصدقِ والأمانةِ، والنّهي عنِ الأعمالِ السّيّئَةِ كالزِّنى والقَتْلِ وَوَأَدِ البناتِ. والتطفيفِ في الكيْلِ والميزانِ وما شابهَ ذلكَ. والقسمُ الثاني الذي نزلَ في المدينةِ يقاربُ ثُلُثَ القرآنِ؛ وسُمّيَتْ آياتُهُ مدنيّةً وهيَ آياتُ الأحكامِ وما فيها من معاملاتٍ كالبيعِ والإجارةِ والرّبا، وحدودٍ كحدِّ الزّنى والسّرِقةِ، ومن جناياتٍ كقتْلِ القاتلِ العَمْدِ وعقوبةِ قُطّاعِ الطّرقِ، ومن بيّناتٍ كشهادةِ الزّنى وسائرِ الشّهاداتِ.
ونزلتْ كذلكَ بقيّةُ أحكامِ العباداتِ، كالصّومِ والزّكاةِ والحجِّ والجهادِ.
نشوء الفِقهِ الإسلامي
الفِقْهُ من أجَلِّ المعارِفِ الإسلاميّةِ وأعْظَمِها تأثيراً على المجتمعِ، وهوَ من أهمِّ فروعِ الثقافةِ الإسلاميّةِ. وهذهِ الثقافةُ هي الكتابُ والسنّةُ وما اسْتُمِدّ منهما وَوُضِعَ من أجْلِ فَهْمهما.
فقد وردَ أنّ النبيّ (ص) بعثَ عليّاً بن أبي طالبٍ سلامُ الله عليهِ إلى اليمنِ قاضياً، وقال لهُ: «إنّ الله سيهدي قَلْبك ويُثَبّتُ لسانَكَ، فإذا جَلَسَ بينَ يديكَ الخَصمانِ فلا تقضِ حتى تَسْمَعَ منَ الآخرِ كما سمعْتَ من الأوّلِ، فإنّهُ أحرى أن يُبيّنَ لكَ القضاءَ».
وأرسلَ (ص) حُذَيْفَةَ بن اليمانِ للقضاءَ بينَ جارينِ اختصما على جدارٍ بَيْنهما، ادّعى كلّ منهما أنّهُ لهُ.
وبوفاةِ الرسولِ (ص) في السنةِ الحاديةَ عشرةَ للهجرةِ ابتدأ عَهْدُ الصّحابةِ، وهوَ عَهْدُ التفسيرِ، وانفتَحَتْ أبوابُ الاستنباطِ فيما لا نصّ فيهِ منَ الوقائعِ، وقد نَقَلَ المؤرخونَ والمحدّثونَ والفقهاءُ كثيراً من اجتهاداتِ الصّحابةِ، ومنها يتبيّنُ مَبْلَغُ تقيّدهم بالشّريعةِ ومَبْلَغُ انطلاقِهِمْ في فَهْمِها. فقد وقَعَتْ لعُمَرَ قصّةُ رجلٍ قَتَلَتْهُ امرأةُ أبيهِ وخَليلُها؛ فتردّدَ عُمَرُ رضي الله عنهُ وتساءلَ: هل يُقْتَلُ الكثيرُ بالواحدِ؟ فقالَ لهُ عليّ سلامُ الله عليهِ: أرأيتَ لوْ أنّ نفراً اشتركوا في سَرِقَةِ جَزُورٍ، فأخذَ هذا عضواً وهذا عُضواً أكُنْتَ قاطِعَهُمْ؟ قالَ: نعمْ، قالَ: فكذلكَ. فَعمِلَ عُمَرُ برأيِ عليّ، وكتبَ إلى عامِلِهِ أن اقْتُلْهُما، فلو اشتركَ فيهِ أهْلُ صنعاءَ لَقَتَلْتُهُمْ. ولما اختلفُوا في المسألةِ المُشتركَةِ وهيَ التي تُوفّيَتْ فيها امرأةٌ عنْ زوجٍ وأُمٍّ وإخوة لأمّ وإخوةٍ أشقّاء، فأعطى عُمَرُ للزوجِ النصفَ، وللأمِّ السدسَ، وللإخوةِ للأمّ الثلثَ، فلا يبقى شيء للإخوةِ الأشقّاءِ. فقيلَ لهُ: هَبْ أنّ أبانا كانَ حِماراً، ألسْنا منْ أُمٍّ واحدةٍ؟ فعدلَ عنْ رأيهِ وأشْرَكَ بينهُمْ.
وكانوا يتعرّفون المصلحةَ التي جاءَ النصّ منْ أجلِها إذا كانتْ تُفْهَمُ منَ النصِّ، وكانت وُجهتُهُمْ جميعاً الحقّ والصوابَ. وكان يرجعُ بعضُهمْ إلى بعضٍ. وإذا اختَلَفَ رأيُهُمْ في بعضِ الأحكامِ كان اختلافاً نادِراً في الفَهْمِ لا في طريقةِ الفَهْمِ. ولما اتّسعَتِ الفتوحاتُ وتفرّقَ الصحابةُ في مُخْتَلَفِ الأمصارِ ولمْ يَعُدْ منَ الميْسورِ أنْ يجتمعَ هؤلاءِ الصحابةُ كُلّما عَرَضَتْ واقعةٌ لا نَصّ فيها، انفردَ كلّ صحابيّ في إعطاءِ رأيهِ دونَ أنْ يرجِعَ لغيرِهِ، لتعذّرِ الاجتماعِ معَ مُباعَدَةِ الأمصارِ وضرورةِ إعطاءِ الرّأيِ في الحادثةِ الواقعةِ في المِصْرِ الذي هوَ قاضٍ فيهِ.
أثر الخلافاتِ بَين المسلمين
لقدْ وقعَ في عهدِ الصّحابةِ والتابعينَ حادثانِ: أحدُهُما فتنةُ عثمانَ، والثاني المناظراتُ التي حصلَتْ بينَ العلماءِ، فنتجَ عن ذلكَ اختلافٌ في أنواعِ الأدلّةِ الشرعيّةِ أدّى إلى وُجودِ أحزابٍ سياسيّةٍ جديدةٍ، كما أدّى إلى وجودِ مذاهبَ فِقهيّةٍ متعددةٍ. وقد نشأ ذلك بوُضوحٍ بعدما قُتِلَ عثمانُ بنُ عفّانَ رضيَ الله عنهُ، وبويعَ بالخلافةِ عليّ بن أبي طالبٍ سلامُ الله عليهِ، ونازعهُ عليها معاويةُ بنُ أبي سفيانَ، واشتعلتِ الحربُ بينَ الفريقينِ، وانتهتْ إلى تحكيمِ الحكَمَيْنِ. وقد نتجَ عن ذلكَ نُشوءُ أحزابٍ سياسيّةٍ جديدةٍ لمْ تكنْ منْ قبلُ، وصارتْ لهذهِ الأحزابِ آراءٌ جديدةٌ. وقد ابتدأ الرأيُ سياسيّاً بشأنِ الخليفةِ والخلافةِ، ثمّ شملَ الأحكامَ، أو كثيراً منها.
نشأتْ جماعَةٌ منَ المسلمينَ شَجَبَتْ سياسةَ عثمانَ في خلافتهِ ونقمَتْ على عليّ قبولَهُ التحكيمَ. وعلى معاوية تولّيهِ الخلافةَ بالقوّةِ؛ فخرجتْ عليهمْ جميعاً. وكانَ رأيُهُمْ أنّ الخلافةَ بيعةٌ اختياريّةٌ يقومُ بها المسلمونَ نحوَ الخليفةِ بمحضِ اختيارِهِمْ دونَ إكراهٍ ولا إجبارٍ، وكلّ مَنْ توفّرَتْ فيه الكفايةُ للخلافةِ يصِحّ أنْ يكونَ خليفةً يبايعهُ المسلمونَ، وعندئذٍ تنعقدُ الخلافةُ لهُ ببيعتهِ ما دامَ رجلاً سياسيّاً مسلماً عدلاً ولو كانَ عبداً حبشيّاً. ومن آرائِهِمْ أنّ طاعةَ الخليفةِ واجبةٌ إذا كانَ أمرُهُ في حدودِ الكتابِ والسنّةِ، وإذا تجاوزَهُما فلا طاعةَ لهُ.
وهؤلاءِ ـ وهم الخوارجُ ـ لا يأخذونَ بالأحكامِ التي وردتْ في الأحاديثِ التي رواها عثمانُ أو عليّ أو معاويةُ أوْ صحابيّ ناصرَ واحداً منهمْ ورَوى أحاديثَهُمْ وآراءهُمْ وفتاويهمْ، ثمّ رجّحوا كلّ ما رُويَ عَمّنْ يرضَوْنَ عنهُ واعتبروا برأيهُ، ووثقُوا بعلمائهِمْ دونَ غيرهم. ولهم فِقْهٌ خاصّ، أمّا الجماعةُ الثانيةُ منَ المسلمينَ ـ وهي الشيعةُ ـ فقد والت عليّاً بن طالبٍ سلامُ الله عليهِ، وتولّت ذرّيّتهُ ورأتْ أنّهُ هو وذرّيّتهَ أحقّ بالخلافةِ من كلِّ أحدٍ. وأنهُ هو الذي أوصى إليهِ الرسولُ بالخلافةِ منْ بعدهِ.
وقد روَوْا أحاديثَ كثيرةً نَقلَها عنِ الرسولِ جمهورُ الصحابةِ. ولم يُعوّلوا على آراءِ بعضِ الصحابةِ، بلْ على الأحاديثِ التي رَواها آلُ البيتِ سلامُ الله عليهم، والذينَ ناصرُوهُمْ واقتدوا بهم من الصحابة (رضوانُ الله عليهِمْ). وعلى الفتاوى التي صدرَتْ عنهم. وكان لهمْ فقْهٌ خاصّ. وأمّا الفِئَةُ الثالثةُ والأخيرةُ فقد رأتْ أنّ الخليفةَ يجبُ أن يكونَ منْ قريشٍ إن وُجدَ، وهمْ يحملونَ كلّ إكبارٍ ومحبّةٍ لجميعِ الصحابةِ دونَ استثناء ويؤوّلونَ ما كانَ بينهُمْ من خصوماتٍ بأنها كانتْ خصوماتٍ اجتهاديّةً في أحكامٍ شرعيّةٍ ظنيّةٍ، لا ترتبطُ بكفرٍ أو إيمانٍ. وكانوا يحتجّونَ بكلّ حديثٍ صحيحٍ رواهُ صحابيّ بلا تفريقٍ بينَ الصحابةِ، لأنّهمْ يعتقدونَ أنّ أصحابَ النبيّ كلهمْ عدولٌ، ويأخذونَ بفتاوى الصحابةِ وآرائِهِمْ.
ويؤخذ على هذهِ النظرةِ أنها قدّمتْ رأيينِ في معنى الصحبةِ ولم تتفقْ على واحدٍ منهما.
إنّ علماءَ الحديثِ يقولونَ: إنّ الصحبةَ تتحقّقُ وتثبتُ للذي عاشَ في زمن رسولِ الله (ص) ورآهُ وسمِعَ حديثَهُ.
لكنّ علماءَ الأصولِ يَشْجبونَ هذا الرأيَ ويستنكرونَهُ ويقولونَ: إنّ الصحبةَ لا تتحقّقُ ولا تثبتُ إلا لمنْ عاشرَ الرسولَ (ص) سنةً أو سنتينِ، وغزا مع الرسولِ غزوةً أو غزوتينِ، وأنسَ الرسولُ من صحبتِهِ.
ولو أخذَتِ الفئةُ الثالثةُ بهذا الرأيِ، وسلَكَتْ هذا الطريقَ لَسَقَطَ العديدُ منَ الذَينَ تُسمّيهِمْ «صحابة» وتأخُذُ عنهمُ الحديثَ.
وهذا الاختلافُ جعلَ أحكامَ الفئاتِ الثلاثِ لا تتفقُ مع بعضِها في عدّةِ موضوعاتٍ لاختلافِها في الحكمِ وفي طريقةِ الاستنباطِ، وفي أنواعِ الأدلّةِ.
ومن ذلكَ يتبيّنُ أنّ الفتنةَ التي حصلتْ، أوْجَدَتْ حالةً سياسيّةً وفِقْهِيّةً أدّتْ إلى اختلافٍ كانَ لهُ أثرُهُ في التاريخِ، ولكنّهُ لم يكنِ اختلافاً على الشريعةِ، وإنما كانَ اختلافاً في فَهْمِ الشريعةِ.
ولذلكَ كانَ المختلفونَ جميعُهُمْ مسلمينَ، وإن تجاوزَ اختلافُهمُ الفروعَ والأحكامَ إلى الأصولِ والأدلّةِ وطريقةِ الاستنباطِ.
وأمّا المناظراتُ التي حصلتْ بينَ العلماء فقدْ أدّتْ إلى اختلافاتٍ فقهيّةٍ ولمْ تؤدِّ إلى اختلافاتٍ سياسيّةٍ، لأنّها لمْ تكنِ اختلافاً في الخليفةِ والخلافةِ ونظامِ الحُكْمِ. وإنّما كانتْ اختلافاً في الأحكامِ وطريقةِ استنباطِها. ولذلكَ كانَ بعضُ المجتهدينَ يرى أنّ الأدلّةَ الشرعيّةَ لا تتعدّى الكتابَ والسنّةَ والإجماعَ والعقلَ. واعتبارُ هذينِ الدليلينِ الآخرينِ: الإجماع والعقل منْ حيثُ رجوعُهُما إلى الكتابِ والسنّةِ كاشفٌ عن وجودِ دليلٍ شرعيّ. وبعضُهُمْ يرى أنّ الأدلّةَ الشرعيّةَ هيَ الكتابُ والسنّةُ والإجماعُ والقياسُ والاستحسانُ ومذهبُ الصحابيّ وشرعُ مَنْ قَبْلَنا، وبعضُهُمْ يرى أنّ الأدلّةِ الشرعيّةَ هيَ الكتابُ والسنّةُ والإجماعُ. ومنهم من يرى أنّ الأدلّةَ هيَ الكتابُ والسنّةُ والإجماعُ والقياسُ والمصالحُ المُرسَلَةُ. وهذا الاختلافُ أدّى إلى اختلافٍ في الأدلّةِ الشرعيّةِ فأدّى ذلكَ إلى اختلافِ طريقةِ الاجتهادِ، وهكذا نشأ بعد طبقةِ التابعينَ الاختلافُ في طريقةِ استنباطِ الأحكامِ، وصارَتْ لكلِّ مجتهِدٍ طريقةٌ خاصّةٌ.
وقد نشأ عن هذا الاختلافِ في طريقةِ الاستنباطِ وجودُ مذاهبَ فِقْهِيّةٍ متعدّدةٍ أدّتْ إلى نموّ الثروة الفقهيّةِ، وجلعتِ الفِقْهَ يزدهِرُ ازدهاراً كبيراً، وذلكَ لأنّ الخلافَ في الفَهْمِ طبيعيّ وهو يساعدُ على نموّ الفكرِ، وقد كان بعضُ الصحابةِ يخالفُ البعضَ الآخرَ، فقد خالفَ عبدُ الله بن عباس عليّاً سلامُ الله عليهِ، وزيداً بن ثابت وعمر رضيَ الله عنهما، معَ أنّهُ أخذَ عنْهُمْ. وخالَفَ كثيرٌ من التابعينَ بعضَ الصحابةِ في الوقتِ الذي أخذوا العلمَ عنهُمْ، وخالفَ مالكٌ كثيراً من أشياخِهِ، وخالفَ أبو حنيفةَ جعفراً الصادقَ في بعضِ المسائلِ معَ أنّهُ تلميذُهُ، وخالفَ الشافعيّ مالكاً في كثيرٍ منَ المسائلِ، وهو تلميذُهُ أيضاً. وهكذا كانَ العلماء يُخالفُ بعضُهُمْ بعْضاً، والتلاميذُ يخالفونَ أشياخَهُمْ وأساتذَتهم؛ وما كانُوا يَعدّونَ ذلكَ سوءَ أدبٍ أو خروجاً عن أشياخِهِمْ؛ وذلكَ لأنّ الإسلامَ حثّ على الاجتهادِ، فكانَ لكلِّ عالم، أنْ يَفْهَمَ ويجتهِدَ وأنْ لا يَتَقَيّدَ بصحابيٍّ أو شيخٍ أو أُستاذ. وقد كانَ لهؤلاءِ التلاميذِ الفضلُ الأوّلُ في نشرِ مذاهبِ أساتذتِهِمْ وأئمّتِهِمْ في شرحِ الفقهِ وازدهارهِ، ويعتبرون عصرَهُمْ أزهرَ من عصرِ الأئمّةِ أنفسِهِمْ، لأنّ هذا العصرَ هو الذي فُصِّلَتْ بهِ الأحكامُ والأدلّةُ. ولأجلِ ذلكَ اندفعَ الفقهاءُ في دراسةِ الفِقْهِ وشرْحِهِ ولا سيّما عِلْمُ أُصولِ الفِقْهِ الذي يُعدُّ الأساسَ الحقيقيّ للفقهِ. وظلّ أمرُ الفِقْهِ يَشعّ حتى ازدهرَ أيّما ازدهار، وكانَ أوجُ ازدهارِهِ في القرنِ الرّابِعِ الهجريّ بَعْدَ القرن الذي تكوّنتْ فيهِ المذاهبُ.
هُبوط الفِقهِ الإسلامي
بعدَ تلاميذِ المجتهدينَ جاءَ أتباعُ المذاهبِ ومُقَلِّدُوها، فلمْ يستمرّوا على الطريقةِ التي سارَ عليها الأئمّةُ وأصحابُ المذاهبِ في الاجتهادِ واستنباطِ الأحكامِ، ولا على الطريقةِ التي سارَ عليها تلاميذُ المجتهدينَ منْ تتبّعِ الدّليل وبيانِ وجهِ الاستدلالِ والتفريعِ على الأحكامِ، وشرحِ المسائلِ، وإنما عُنِيَ أتْباعُ كلِّ إمامٍ، وعلماءُ كلِّ مذْهبٍ بالانتصارِ لمذهبهمْ وتأييدِ فروعهِ وأُصُولهِ بكلِّ الوسائلِ.
فلمْ يُعْنَوا بتتبّعِ صحّةِ الدليلِ وترجيحِ الرّاجِحِ على المرجوح ولو خالفَ مذهبَهُمْ، وإنما كانوا يُعْنَوْنَ بإقامةِ البراهين على صحّةِ ما ذهبوا إليهِ وبطلانِ ما خالفهُ. ومن ثَمّ كانتْ عنايتُهُمْ منصرفةً إلى تأييدِ مذهبِهِمْ بالإشادةِ بالأئمةِ وأصحابِ المذاهبِ. فشغلَ ذلكَ علماءَ المذاهبِ وصرَفَهُمْ عنِ الأساسِ الأوّلِ وهو القرآنُ والحديثُ، وصارَ الواحدُ منهم لا يرجعُ إلى نصٍّ قرآنيٍّ أو حديثٍ إلاّ ليلتمسَ فيهِ ما يُؤيّدُ مذهبَ إمامِهِ. وبهذهِ العنايةِ الخاصّةِ انحصرتْ أبحاثُهُمْ في مذاهِبِهِمْ وفترتْ هِمَمُهُمْ عن الاجتهادِ المطلقِ والرّجُوعِ إلى المصادرِ الأساسيةِ لاستِنْباطِ الأحْكامِ منها. كما انحصرَ هَمّهُمْ في الاجتهادِ المذهبيّ أو في المسألةِ الواحدةِ منهُ أو تقليدِهِ تقليداً دونَ تبصّرٍ. وبلغَ من تقليدِهِمْ أنْ قالوا: كل آيةٍ أو حديثٍ يخالفُ ما عليهِ أصحابُنا أي مَذْهَبَهُمْ فهو مؤوّلٌ أو منسوخٌ، وجعلوا تقليدَ المذهبِ الذي يعتنقونَهُ فرضاً على المسلمِ، بل ذهبَ مُعْظَمُهُمْ إلى إقفالِ بابِ الاجتهادِ على المسلمينَ وقالوا بعدمِ جوازِ الاجتهادِ، حتى صار كثيرٌ من العلماءِ، مِمّنْ همْ أهلٌ للاجتهادِ وتوفّرَتْ فيهِمْ أهْلِيتُهُ، يَخشى الاجتهادَ، وقد بدأ هذا الانحطاطُ في أواخر القرْن الرابعِ الهجريّ إلاّ أنّهُ لمْ يكنْ متطرّفاً، بلْ لمْ يكنْ يخلُو من مرونةٍ، حتى نهايةِ القرن السادسِ الهجريّ.
ومن أوائل القرنِ السابعِ الهجريّ حتى أوائلِ القرنِ الثالث عشر الهجريّ كانَ الانحطاطُ تامّاً، في التفكيرِ، ولكنّ الآراءَ الفقهيّةَ كانتْ آراءً إسلاميّةً.
وبعد أواخرِ القرنِ الثالث عشر، أي منذُ سنة 1274هـ. حتى الآن وصلَ الانحطاطُ إلى حدِّ أنْ خُلِطَتِ الأحكامُ الشرعيّةُ بالقوانينِ غيرِ الإسلاميّةِ، ووصلَ الحالُ إلى أبْعَدِ حدٍّ من حدودِ الانحطاط.
وكانَ من جرّاءِ ذلكَ الانحطاطِ الفِقْهِيّ أن جرّ الناسَ إلى إهمالِ الأحكامِ الشرعيّةِ. فبعدَ أنْ كانتِ الشريعةُ الإسلاميّةُ تَسَعُ العالَمَ بأسرهِ، جعلُوها تضيقُ حتى بأهلِها فاضطرّوا إلى أنْ يتناولوا غيرَها منَ القوانينِ الأخرى التي لا تَرقى إليها.
وأصبحَ كثيرٌ من جهلاء المسلمينَ يتخاصمونَ إلى شريعةٍ غيرِ شريعةِ الإسلامِ.
وكانَ، في أواخرِ الدولةِ العثمانيّةِ، الجهلُ بالإسلامِ وجهلُ الفقهاء هما السببين في تأخّرِ المسلمينَ وزوالِ دولتِهِمْ؛ كانَ هنالكَ فقهاءُ جامِدُونَ مُستعدّونَ للفتوى بتحريمِ كلِّ جديدٍ وتكفيرِ كلِّ مفكّرٍ.
ومن أظرفِ ما وقعَ في ذلكَ مِنَ المضحكاتِ المبكياتِ أنْ ظَهَرَتْ قهوةُ البنّ، فأفتى بعضُ الفقهاء بتحريمِها، وظهر «الدخان» فأفْتوا بتحريمِه، ولبسَ الناسُ الطربوشَ فأفتَوا بتحريمهِ، وظهرتِ المطابِعُ فحرّمَ بعضُ الفقهاء طبْعَ القرآنِ الكريمِ بها، وظهرَ التلفونُ فحرّموا التكلّمَ به، حتى آلَ الأمرُ إلى تجاهلِ الفقهِ الإسلاميّ تجاهلاً تامّاً عندَ المسلمينَ، وقد تحوّلَ الأمرُ من دراسةِ الأحكامِ الشرعيّةِ إلى دراسةِ القوانينِ الغربيّةِ.
وفي أواخر الدولةِ العثمانيّةِ عَمَدوا للفقهِ الإسلاميّ يُقلّدونَ بهِ الفقهَ الغربيّ في التقنينِ؛ فوضعوا المجلّةَ سنة 1286هـ قانوناً مدنيّاً. وصدرتِ الإرادةُ السنيّةُ بالعَمَلِ بها في سنةِ 1293هـ، وكانوا قبلَ ذلكَ قد وضعوا قانونَ الجزاءِ سنة 1274هـ، وجعلوهُ محلّ الحدودِ والجناياتِ والتعزيرِ. ووضعوا قانون التجارةِ سنة 1276هـ، ثم وضعوا الدستورَ لإلغاءِ الخلافةِ سنة 1294هـ، ولكنّهُ أُلغي ثمّ أُعيدَ سنة 1326هـ الموافق سنة 1908م. ثمّ حاولوا التوفيقَ بينهُ وبينَ الإسلامِ، وأبقوا نظامَ الخلافةِ. وهكذا انحطّ الفِقْهُ وتحوّلَ إلى قوانينَ وأُبعِدَتِ الأحكامُ الشرعيّةُ وأُخِذَت الأحكامُ منْ غيرِ الإسلامِ بحجّةِ موافقتِها للإسلامِ. وسادَتْ فكرةٌ خاطئةٌ تتلخّصُ في أنّ كلّ ما يوافقُ الإسلامَ يُؤخَذُ منْ أيّ إنسانٍ، وانحطّتْ هِمَمُ العلماءِ وصارُوا في جملتِهِمْ مُقَلّدينَ.
لكنّ ذلكَ، بالرّغمِ منْ كلِّ مساوئهِ، كانَ فيهِ ظِلّ للإسلامِ، أو كانَ يلوحُ فيه ظلّهُ على الأقلِّ. ولكنْ بعدَ زوالِ الخلافةِ واستيلاء الإنكليزِ والفرنسيّينَ على البلادِ وصيرورةِ البلادِ الإسلاميّةِ دولاً على الأساسِ القوميّ، عربيّاً كانَ أو تركيّاً أو إيرانيّاً أو غيرَهُ. ذابَ الفقهُ الأسلاميّ منَ الوجودِ وحِيلَ بيْنَهُ وبينَ الناسِ في العلاقاتِ وسُدّتْ أبوابُ التعلّمِ والتعليمِ، ولمْ يبْقَ لهُ أساسٌ في المدرسةِ إلاّ في بعضِ البلدانِ كالأزهرِ في مصرَ، والنجفِ في العراقِ وجامعِ الزيتونةِ في تونس.
خرافة تأثير الفِقه الرّومَاني في الفِقهِ الإسْلامي
يزعُمُ بعضُ المستشرقينَ أنّ الفِقْهَ الإسلاميّ، في العصورِ الأولى، حينَ اندفعَ المسلمونَ في الفتوحاتِ، قد تأثّرَ بالفِقْهِ الرّومانيِّ والقانونِ الرّومانيِّ؛ بعدما اندفعَ المسلمونَ في الفتوحاتِ؛ وقالوا إن الفقهَ الرّومانيّ كانَ مصدراً من مصادرِ الفِقْهِ الإسلاميّ، وقدِ استمدّ الفقهُ الإسلاميّ منهُ بعضَ أحكامهِ. وهذا يعني أنّ بعضَ الأحكامِ الشرعيّةِ التي استُنْبِطَتْ في عهدِ التابعينَ وفيما بعد هيَ أحكامٌ رومانيّةٌ أو مستمدّةٌ منَ الفِقْهِ الرّومانيّ. ويستدلّ هؤلاءِ المستشرقونَ على هذا القولِ بأنّ مدارسَ للقانونِ الرّومانيّ كانَتْ في بلادِ الشامِ عندَ الفتح الإسلامي في قيصرة على سواحِلِ فلسطينَ وبيروت، وكانَ في بلادِ الشامِ أيضاً محاكمُ تسيرُ في نظامِها وأحكامِها على القانونِ الرومانيّ، واستمرّتْ هذهِ الأحكامُ في البلادِ بعدَ الفتحِ الإسلاميّ زمناً، وذلك يدلّ على إقرارِ المسلمينَ لها وأخذِهِمْ بها وسيرِهِمْ بمُقتضاها. وأيّدُوا هذهِ النظرةَ بافتراضاتِ منْ عندهِمْ فقالوا: من الطبيعيّ أنّ قوماً لمْ يأخذُوا منَ الحضارةِ بحظٍّ وافرٍ كالمسلمينَ لا بدّ وأنّ يأخذوا من قومٍ سبقوهم في الحضارةِ. ولا بُدّ أن ينظرُوا ماذا يفعلونَ وكيفَ يحكمونَ.
ثم قالوا: إنّ المقارنةَ بينَ بعضِ أبوابِ الفقهِ الإسلاميّ وبعضِ أبوابِ الفِقْهِ الرّومانيّ وقوانينهِ تُرينا التّشابُهَ بينَ الاثنينِ، بلْ تُرينا أنّ بعضَ الأحكامِ نُقِلَتْ بنُصوصِها عنِ الفقْهِ الرّوماني، مثل: «البَيّنَةُ على مَنِ ادّعى، واليمينُ على مَنْ أنْكر»(+) ومثلُ كلمةِ «الفِقْهِ والفقيهِ»؛ فيكونُ الفقْهُ الإسلاميّ على حدِّ زعمِهِمْ أو بعْضُهُ مُسْتَمَدّاً منَ الفِقهِ الرّومانيِّ مباشرةً أيْ منْ مدارسِ الشّامِ ومحاكمِها، هذا ما يزْعُمُهُ المستشرقونَ دونَ أنْ يُقيمُوا أيّ دليلٍ عليهِ سوى الافتراضِ؛ وهذه الأقوالُ فاسدةٌ لعدّةِ أسبابٍ منها:
1 ـ لمْ يروِ أحدٌ عنِ المسلمينَ، لا المستشرقونَ ولا غيرُهُمْ، أنّ أحداً منَ المسلمينَ، فقهاءَ أو غيرَ فقهاء، قد أشارَ أيّةَ إشارةٍ إلى الفقهِ الرّومانيّ أو القانونِ الرومانيّ، لا على سبيلِ النّقْدِ ولا على سبيلِ التأييدِ، ولا على سبيلِ الاقتباسِ، ولم يذكرهُ أحدٌ لا بالقليلِ ولا بالكثيرِ؛ ممّا يدلّ على أنّهُ لمْ يكنْ موضِعَ حديثٍ فضلاً عنْ أنْ يكونَ موضِعَ بحثٍ. وأنّ بعضَ المسلمينَ ترجَمُوا الفلسفةَ اليونانيّةَ، ولكنّ الفقهَ الرّومانيَّ لمْ يُتَرْجَمْ بلْ لمْ تُتَرْجَمْ منهُ أيّةُ كلمةٍ فضلاً عن كتابٍ، الأمرُ الذي يَبْعَثُ على الجزمِ أنّهُ قدْ أُلغيَ وطُمِسَ في البلادِ بمجرّدِ فتحِها.
2 ـ في الوقتِ نفْسِهِ الذي يزعُمُ المستشرقونَ أنّهُ كانَ في بلادِ الشامِ مدارسُ للفقهِ الرّومانيّ ومحاكمُ تحكُمُ بمقتضى قوانينِهِ كانتِ الشّامُ غاصّةً بالمجتهدينَ من علماء وقضاةٍ وحكامٍ فكانَ منَ الطبيعيّ أنْ يحصُلَ التأثّرُ ـ إذا حصلَ ـ عندَ هؤلاءِ القضاةِ.
3 ـ إنّ المسلمينَ حملَةُ رسالةٍ؛ فهمْ يفتحونَ البلادَ لتطبيقِ أحكامِ رسالتِهِم، فكيفَ يفتحونَ البلادَ ليأخذُوا أحكامَ الذي جاؤوا ليزيلوهُ، ويضعُوا مكانهُ حُكمَ الإسلامِ وهُمْ في العصرِ الأوّلِ من عصورِ الفتوحاتِ.
4 ـ وليسَ بصحيحٍ أنّ المسلمينَ حينَ فتحوا البلادَ كانوا أقلّ حضارةً من البلادِ المفتوحةِ، ولو كانَ ذلكَ صحيحاً لتركوا حضارَتهُم وأخذُوا حضارةَ البلادِ المفتوحةِ، لأنّ الفكرَ الأقوى هو الذي يُؤثّرُ، لا الفكرَ الأضعفَ، مع العلمِ أنّ الإسلامَ يمنعُ الإكراهَ في الدينِ.
5 ـ إنّ كلمةَ «فقهٍ وفقيهٍ» قد وردَت في القرآنِ الكريمِ، وفي الحديثِ الشريفِ، ولمْ يكنِ المسلمونَ قد عرفوا أيّ اتصالٍ تشريعيّ بالرّومانِ. قالَ تعالى: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} [التّوبَة: 122] وقالَ (ص): «مَنْ يُرِدِ الله فيهِ خيْراً يفقههُ في الدين»(+).
أمّا كلِمَةُ: «البيّنَةُ على مَنِ ادّعى واليمينُ على مَنْ أنكَرَ»(+) فهي حديثٌ قالهُ الرسولُ (ص)، وورَدَتْ في كتابِ عُمَرَ لأبي موسى في البصرةِ. فكيفَ يُزْعَمُ أنّ المسلمينَ أخذُوا كلمة «فقهِ وفقيهٍ» وقاعدة «البينةُ على مَنِ ادّعى واليمينُ على مَنْ أنكَرَ» عنِ الفقهِ الرّومانيّ، وقد قالوها وَوُجِدَتْ عندهم مُنْذُ فجرِ الإسلامِ. يتبيّنُ من ذلكَ أنّ خُرَافَةَ تأثّرِ الفقهِ الإسلاميّ بالفِقْهِ الرّومانيّ لا أصلَ لها مُطلَقاً، وأنها دسّ منَ المستشرقينَ.
والحقيقةُ والواقعُ المحسوسُ أن الفقهَ الإسلاميّ أحكامٌ مُستنبطةٌ مستندةٌ إلى الكتابِ والسنّةِ، أو إلى ما أرشدَ إليهِ الكتابُ والسنّةُ من أدلّةٍ. وأنّ الحكمَ إذا لمْ يكنْ مُسْتَنداً في أصلِهِ إلى دليلٍ شرعيٍّ لا يُعْتَبَرُ منَ أحكامِ الإسلامِ، ولا يُعْتَبَرُ منَ الفقهِ الإسلاميّ.
الإسْلام ثابت لا يتغيّر ولا يتطوّر بتغيّر الزمان والمكان
التطوّرُ، لغةً، التحوّلُ منْ طَوْرٍ إلى طَوْرٍ، أوْ من حالٍ إلى حالٍ. قالَ الله تعالى: {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا *} [نُوح: 14] أي خَلَقَكُمْ طَوْراً نُطْفَةً، ثمّ طَوْراً عَلَقَةً، ثم مضغة، ثمّ عظاماً ثمّ كَسَا العِظَامَ لَحْماً، ثم أنشأ خَلْقاً آخرَ نَبَتَ لهُ الشعْرُ وكمُلَتِ الصورةِ، ثمّ صبياناً فشبّاناً فشُيُوخاً»، ووقَفَ مفهومُ التطوّرِ عندَ هذا الحدّ، ولمْ يُعْرَفْ عنهُ أكثرُ ممّا فُهِمَ منهُ إلى أنْ غَزَتْ مفاهيمُ النّشوءِ والارتقاءِ، الجيلَ الصّاعِدَ وسادَ الانقلابُ الصناعيّ، ولمَسَ الإنسانُ التحسّنَ في بعضِ الميادينِ ولا سيّما وسائل النقْلِ التي أذْهَلَتْهُ، وجعلتْهُ ينقادُ انقياداً أعمى إلى جميعِ ما نتجَ عنِ الغرْبِ منْ مفاهيمَ، وإذا اعترَضْتَ أحدَ هؤلاءِ وقُلْتَ لهُ: إنّ هذا المهفومَ يُخالِفُ الشريعةَ الإسلاميّةَ أجابَ بسرعَةٍ وبدونِ تروٍّ أوْ تفكيرٍ: أتعودُ بنا إلى الوراءِ؟ وأمّا إذا كانَ منَ الذينَ يؤمنونَ بالإسلام ويغارونَ عليهِ أجابَ: إنّ الإسلامَ مَرِنٌ ومتطوّرٌ يسيرُ معَ الأفكارِ التقدميّةِ.
وقدْ نشأ هذا المفهومُ في أواخرِ القرنِ التاسعَ عشرَ، أيّامَ الانحطاطِ، الفكريّ، فشاعَ عنِ الإسلامِ أنّهُ مرِنٌ ومتطوّرٌ يُسايرُ الأوضاعَ الاقتصاديّةَ والاجتماعيةَ والسياسيّةَ في كلِّ مكان وزمانٍ ووجدَ الاستعمارُ الفرصَة المناسبةَ للْقَضَاءِ على التشريعِ الإسلاميّ وطَمْسِ معالمِهِ؛ فقامَ بتغذيَةِ هذهِ الفكرَةِ حتى طَغَتْ على سلوكِ بعضِ المسلمينَ، وطُبِعَتْ في أذهانهم وأصبحَتْ تتحكّمُ في تصرّفاتهمْ. فإذا ذكّرْتَ هؤلاءِ اليوْمَ بأحكامِ الشرْعِ أجابوا: إنها كانتْ لزمنٍ معينٍ، والإسلامُ يفرضُ على الإنسانِ أنْ يجاري عصرَهُ، ويعملَ بما يُلائمُ زمانَهُ ومكانَهُ. وبدأوا يبرّرونَ وجودَ البنوك الربويّةِ والشركاتِ المساهمةِ والتعامُلَ معها، ويُصدرونَ الفتاوى بأنّ على الإسلامِ أنْ يقبَلَ بهذهِ المصلحةِ الواقعيّةِ، لأنّهُ مَرِنٌ، كما أنّ عليهِ أنْ يُبيحَ للنساءِ الاختلاطَ بالرّجالِ وإنْ كانَ ذلكَ لغيرِ حاجةٍ يقرّها الشرع، لأنّهُ منْ متطلّباتِ الزمنِ وكيفَ يُخالِفُ الإسلامُ العصْرَ، والقاعدة الشرعيّةُ تقولُ: «إنّ الإسلامَ يتغيّرُ بتغيّرِ الزّمانِ والمكانِ»، وإذا نَاقَشْتَهُمْ على أساسٍ إسلاميٍّ أخذوا يُرَدّدُونَ: إنّ تعدّدَ الزوجاتِ انتهى حُكْمُهُ، لأنّ الزمنَ لم يعُدْ يستسيغُ ذلكَ، وقَطْعُ يدِ السّارِقِ ورجْمُ الزاني أوْ جَلْدُهُ لا يجوزُ البحْثُ بهِ لأنها لا تُناسِبُ ذَوْقَ زماننا هذا. والحقيقةُ أنّ الإسلامَ منْ هذهِ القاعدةِ وأمثالِها براءٌ، لأنّهُ لا يُقيمُ وزناً للظروفِ والأحوالِ، فكلّ ما خالَفَهُ لا بدّ منْ إزالتهِ، وكلّ ما أمرَ بهِ لا بدّ منْ تمكينِهِ وجَعْلِهِ موْضعَ التطبيقِ، فواقِعُ المجتمعِ لا بدّ أنْ يكونَ مُقيّداً بأوامرِ اللّهِ ونواهيهِ.
ولا يحلّ للمسلمينَ أنْ يتكيّفوا معَ الزمن، أوِ المكانِ، بلْ عليهمْ أنْ يعالجوا ذلكَ بكتابِ اللَّهِ وسُنّةِ نبيّهِ (ص)؛ لأنّ الإسلامَ طرازٌ خاصّ في الحياةِ متميّزٌ عنْ غيرهِ كلّ التمييزِ، وهو يفرضُ على المسلمينَ عيْشاً ذا لوْنٍ ثابتٍ معيّنٍ. لا يتحوّلُ ولا يتغيّرُ. ويُوجِبُ عليهِم التقيّدَ بِهِ تقيّداً يجعلُهُمْ لا يَطْمَئِنّونَ فكريّاً ونفسيّاً إلاّ لهذا النوعِ المعينِ منَ العيشِ، ولا يشعرونَ بالسعادةِ إلاّ بهِ.
الإسلامُ مجموعةُ مفاهيمَ عنِ الحياةِ، تشكّلُ وُجهَةَ نظرٍ معيّنَة، وجاءَ في خطوطٍ عريضةٍ، أي معانٍ عامّةٍ تُعالِجُ جميعَ مشاكلِ الإنسانِ في الحياةِ، يسْتَنْبِطُ منْها بالفعلِ علاجَ كلِّ مشكلَةٍ إنسانيّةٍ بحيثُ تجعلُهُ مُستنداً إلى قاعدَةٍ فكريّةٍ تنْدَرِجُ تحْتَهَا جميعُ الأفكارِ عنِ الحياةِ وتكونُ مقياساً تُبنى عليهِ جميعُ الأفكارِ الفرْعيّةِ، كما جَعَلَ الأحكامَ من معالجاتٍ وأفكارٍ مُنبثقة عنِ العقيدةِ على أنْ تكونَ مُستنبَطَةً منَ الخطوطِ العريضةِ. وقدْ حدّدَ للإنسانِ الأفكارَ. ولمْ يحُدّ عَقْلَهُ. بلْ أطْلَقَهُ وقيّدَ سلوكَهُ في الحياةِ بأفكارٍ معيّنَةٍ؛ فجاءتْ نظْرَةُ المسلمِ للحياةِ الدنيا نظرَةَ أملٍ باسمٍ، وجدّيةٍ واقعيّةٍ، كما جاءَتْ نظرَةَ تقديرٍ لها مُفصّلَةً على قدرِها منْ حيثُ إنها يجبُ أنْ تُنالَ، ومنْ حيثُ إنها ليستْ غايةً. بلْ ولا يصحّ أنْ تكونَ غايةً. وما سعْيُ الإنسانِ في مناكِبِها والأكلُ منْ رزْقِ الله والتمتّع بزينةِ الله التي أخرجَها لِعِبادِهِ سوى وسيلةٍ لا غايةٍ على أساسِ أنّ الدنيا دارُ ممرٍّ والآخرةُ هيَ الغايةُ، وهيَ دارُ البقاءِ والخلودِ.


الأهداف العُليا لِصيانةِ المجتمع الإسْلاميّ
ليستْ هذهِ الأهدافُ من وضعِ الإنسانِ، بلْ هيَ من أوامرِ اللّهِ ونواهيه، وهيَ ثابتةٌ لا تتغيرُ ولا تتطوّرُ؛ تحافظُ على نسل الإنسانِ (بفرض حدّ الزنى)، وعلى العقلِ (حدّ شارب الخمر)، وعلى الكرامةِ الإنسانيّةِ (حدّ القذف)، وعلى نفسِ الإنسانِ (عقوبة قتل العمد)، وعلى الملكيّةِ الفرديّةِ (حدّ السرقة)، وعلى الدينِ (حدّ المرتد)، وعلى الأمنِ (حدّ قطاع الطرق)، وعلى الدولةِ (حدّ أهل البغي).
وَوَضَعَ للمحافظةِ عليها عقوباتٍ صارمةً. والمحافظةُ على هذهِ الأهدافِ واجب، لأنها أوامرُ ونواهٍ منَ الله لا على أساسِ أنها تحققُ قيَماً ماديّة. كما أنّ الإسلامَ عُنيَ بالفردِ باعتباره جزءاً من هذهِ الجماعةِ غيرَ منفصل عنها بحيثُ تؤدي هذهِ العنايةُ للمحافظةِ على الجماعةِ، وعُنيَ في نفْس الوقْتِ بالجماعةِ، لا بوصْفِها كُلاًّ ليسَ لهُ أجزاءٌ، بلْ بوصْفِها كُلاًّ مكوّناً منْ أجزاء، هُمُ الأفرادُ، بحيثُ تؤدي هذهِ العنايةُ إلى المحافظةِ على هؤلاءِ الأفرادِ، كأجزاء؛ قالَ (ص): «مَثَلُ القائمِ على حدودِ اللَّهِ والواقعِ فيها كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا على سفينَةٍ فَأصابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا وَبَعْضُهُمْ أسْفَلَهَا فكانَ الذينَ في أسْفَلِهَا إذا اسْتَقَوْا مِنَ الماءِ مرّوا على مَنْ فَوْقَهُمْ، فقالوا: لو أنّا خَرَقْنَا في نَصيبِنَا خَرْقاً لمْ نؤذِ مَنْ فَوْقَنَا، فإنْ تَرَكُوهُمْ وما أرَادُوا هَلَكُوا جميعاً، وإنْ أخَذُوا على أيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوا جميعاً»(+).


العقوباتُ في الإسْلام
شرّعَ الله العقوباتِ في الإسلامِ زواجِرَ وجوابِرَ. أمّا الزواجِرُ فلزَجْرِ الناسِ عنِ ارتكابِ الجرائمِ، وأمّا الجوابرُ فلكي تجبرَ عن المسلمِ عذابَ اللّهِ تعالى يومَ القيامةِ.
وكونُ العقوباتِ زواجرَ ثابتٌ بنصِّ القرآنِ؛ قال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الأَلْبَابِ} [البَقَرَة: 179] فتشريعُ القصاصِ في الحياةِ معناهُ أنّ إيقاعَ القصاصِ هوَ الذي أبقى الحياةَ ولا يكونُ ذلكَ في إبقاءِ الحياةِ، فمنْ وقَعَ عليهِ القصاصُ، ففي القصاصِ موتُهُ لا حياتُهُ، بل حياةُ منْ شاهدَ وقوعَ القصاصِ.
وهذه العقوباتُ لا يجوزُ أنْ تُوقَعَ إلاّ بمنْ ثبتَتْ جريمتهُ وأُدينَ؛ ومعنى كونِها زواجرَ أن ينزجرَ الناسُ عنِ الجريمةِ أي يمتنعوا عنِ ارتكابها. والجريمةُ هيَ الفعلُ القبيحُ، والقبيحُ ما قَبّحَهُ الشرعُ، ولذلكَ لا يعتبرُ الفعلُ جريمةً إلاّ إذا نصّ الشرْعُ على أنّهُ فعلٌ قبيحٌ فيعتبرُ حينئذٍ جريمةً.
وقد بيّنَ الشرْعُ الإسلاميّ أنّ على هذهِ الجرائمِ عقوباتٍ في الآخرة والدنيا. أمّا عقوبةُ الآخرة فالله تعالى هو الذي يتولاّها ويُعاقِبُ بها المجرمَ؛ فيعذبهُ يومَ القيامة. قالَ تعالى: {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ *} [الرَّحمن: 41]. وقال تَعالى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وَجُوهِهِمْ} [القَمَر: 47-48]. ومعَ أنّ الله أوعدَ المذنبينَ بالعذابِ إلا أنّ أمْرَ المذنبينَ موكولٌ إليهِ تعالى إن شاءَ عذّبهمْ وإنْ شاءَ غَفَرَ لهُمْ، قالَ تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النِّسَاء: 48] وتوبتهم مقبولة لعمومِ الأدلّةِ.
وأمّا عقوبات الدنيا فقد بيّنَها الله تعالى في القرآن والحديثِ مجمَلَةً ومفصّلَةً، وجعلَ الدولةَ هي التي تقومُ بها. فَعُقوبةُ الإسلامِ التي بيّنَ إنزالها بالمجرمِ في الدنيا، يقومُ بها الإمامُ أو نائبهُ، أي تقومُ بها الدولةُ فيما يُوجِبُ الحدودَ، وما دونَ الحدودِ منَ التعزيرِ والكفارات. وهذه العقوبةُ في الدنيا تُسْقِط عنِ المذنب عقوبةَ الآخرةِ وتجبرُها. فتكون بذلكَ العقوباتُ زواجرَ وجوابرَ. قالَ رسول الله (ص): «تُبَايعُونني على أنْ لا تُشْرِكُوا بالله شيئاً ولا تسْرِقوا ولا تَزْنُوا ولا تَقْتُلوا أولادكُم ولا تأتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أيديكُم وَأرْجُلِكُمْ ولا تَعْصوا في معروفٍ. فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فأجرُهُ على الله وَمَنْ أَصَابَ منْ ذلكَ شيئاً فَعُوقِبَ في الدنيا فهوَ كَفّارَة لهُ. وَمَنْ أَصَابَ شيْئاً فَسَتَرَهُ اللَّهُ فأمْرُهُ إلى اللَّهِ إنْ شاءَ عاقَبَهُ وإنْ شاءَ عَفَا عَنْهُ»(+).
العقوبَاتُ والبيّنات
والجريمةُ ليستْ فطريّةً ولا مكتسبَةً يكتسبُها الإنسانُ، ولا عَرَضاً يُصابُ بهِ بَلْ مخالَفَةً للنظامِ الذي ينظّمُ أفعالَهُ في علاقتهِ بربّهِ وبنفسهِ وعلاقاتِ الناسِ ببعضهِمْ.
إنّ الله خَلَقَ الإنسان وخَلَقَ فيهِ غرائزَ وحاجاتٍ عضويّةً، وهي طاقاتٌ حيويّةٌ تدفَعُ الإنسانَ لإشباعِها. فيقومُ بالأعمالِ التي تُشْبِعُها، أوْ تحاولُ إشباعَهَا. وينبغي أنْ يكونَ ذلكَ قائماً على التنظيمِ وإلا أدّى إلى الفوْضى والاضطرابِ، أو إلى الإشباعِ الخاطىءِ الشاذِّ.
وارتبطَ تنظيمُ الإشباعِ بتنظيمِ الغرائزِ والحاجاتِ العضويّةِ بعْدَ ارتباطهِ بالأحكامِ الشرعيّةِ. وقدْ بيّنَ الشرْعُ الإسلاميّ الحكمَ في كلِّ حادثة بَشَريّةٍ، وشرّعَ الحلالَ والحرامَ بأوامرَ ونواهٍ معروفةٍ في أماكِنها الخاصّةَ، فإذا خالفَ ذلكَ ارتكبَ جريمةً.
لهذه الجرائمِ عقوباتٌ، ولولاها لما كانَ للأوامرِ والنّواهي معْنى. وترْكُ الفَرْضِ، وارتكابُ الحرامِ، ومخالَفَةُ ما أصدرَتْهُ الدولَةُ منْ أوامرَ ونواهٍ جازمةٍ أفعالٌ يُعاقِبُ الشرْعُ عليها، ولا عقابَ فيما عدا هذهِ الثّلاثة.
إنّ تنفيذَ الدولةِ للعقوباتِ التي قدّرَها الشّارِعُ أمرٌ لا جدالَ فيهِ، وكلّها عقوباتٌ على فِعْلٍ حرامٍ أوْ تَرْكِ فَرْضٍ.
وقيامُ الدولةِ بالعقوباتِ غير المَقدّرَةِ محدّدَةٌ بالتعزيرِ.
والتعزيرُ عُقوبةٌ غيرُ مُقدّرَةٍ على مَعْصِيَةٍ لا حدّ فِيها ولا كفّارَةً؛ فهوَ محْصورٌ بالمعاصي ولا يدْخُلُ تحْتَهُ المندوبُ والمكروهُ والمُباحُ؛ لأنها ليْسَتْ منَ المعاصي. وأمّا المخالفاتُ فمعاصٍ، لأنّ الرسولَ (ص) يقولُ: «مَنْ يَعْصِ الأميرَ فقدْ عصاني»(+) فتكونُ عقوبةً على معْصِيَةٍ، وعليهِ فلا عقوبَة إلاّ بمعصيَةٍ.
أنواعُ العقوبات
العقوباتُ أربعةُ أنواعٍ: الحدودُ والجناياتُ والتعزيرُ والمخالفاتُ.
الحدود: أصلُ الحَدّ ما يُقامُ بينَ شيئينِ، فَيَمْنَعُ اختلاطهما. وحدّ الدارِ ما يميّزها، وحدّ الشيء ما يحيطُ به ويميزُه به ويميزهُ عن غيره. وسميّتْ عُقوبةُ القذْفِ «حدّاً» بتقديرٍ منَ الشرْعِ. وقدْ تُطْلَق الحُدودُ ويُراد بها المعاصي كقولِهِ تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا} [البَقَرَة: 187] وتُطْلَقُ على شرائعِ اللَّهِ ومحارِمِهِ كقولِهِ تَعالى: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطّلاَق: 1] وحُدودُ الله محارمُهُ.
والحُدُودُ اصطلاحاً عُقُوبَةٌ مُقَدّرَةٌ شَرْعاً في معْصِيَةٍ لِتَمْنَعَ منَ الوقوعِ في معصِيَةٍ مثلها. والمعاصي التي تَسْتَوْجِبُ الحدودَ أي يتعيّنُ بها الحدّ ثمانيَةٌ: اللّواطُ والزّنى والقَذْفُ وشربُ الخمْرِ والسَّرقَةُ والردّةُ والبَغْيُ وقَطْعُ الطّرقِ. وهذهِ العقوباتُ التي تعني إقامةَ الحُدُودِ لا تُطلَقُ إلاّ على المعاصي الخاصّةِ التي للَّهِ تعالى حقّ فيها، ولا تُطْلَقُ على غيرِها كما لا يصحّ فيها العفوُ لا منَ الحاكمِ ولا منَ الذي اعتُدِيَ عليهِ، لأنها حقّ اللَّهِ، فلا يملكُ أحَدٌ منَ البشَرِ إسْقاطَهُ بحالٍ منَ الأحوالِ.
اللِّواط
الحُكْمُ الشرعيّ في عُقوبةِ اللّواطِ القتْلُ سواءٌ كانَ محصناً أمْ غيرَ مُحصنٍ، فكلّ مَنْ ثَبَتَ عليهِ اللّواطُ سواءٌ كانَ فاعلاً أو مفعولاً به يُقْتَلُ حدّاً. قالَ رسولُ الله (ص): «مَنْ وَجدتمُوهُ يَعْمَلُ عَمَل قوم لوطٍ فاقْتلُوا الفاعلَ والمفعولَ فيهِ»(+). وأمّا الصحابةُ فقدِ اختلَفُوا في أُسلُوبِ قَتْلِ اللّوطيّ،. ولكنّهُمْ أجمَعُوا على القتْلِ نفسِهِ، فقدْ أخرجَ البَيْهَقيّ عنْ عليٍّ عليهِ السلامُ أنّهُ رَجَمَ لوطيّاً، وعنْ ابنِ عبّاسٍ أنّهُ سُئِلَ عنْ حدِّ اللّوطيّ فقالَ: يُنْظَرُ أعلى بناءٍ في القرْيَة فيرمى بهِ مُنَكّساً ثمّ يتبعُ الحجارة. ورُوي عن عليّ عليهِ السلام، أنّه يُقْتَلُ بالسّيْفِ ثمُّ يُحْرَقُ لعظمِ المعصيَةِ.
وبيّنَةُ اللّواطِ كبيّنَةِ الزّنى.
ومَنْ كابَرَ امرأةً على فرْجِها أو غُلاماً فلهُما دفْعُهُ، فإنْ قتلاهُ فَهَدْرٌ.
حَدّ الزِّنى
قالَ الله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [النُّور: 2] وهو عامّ، فإنّ كلمةَ «الزّانية» وكلمةَ «الزّاني» منَ الألفاظِ العامّةِ. فهوَ يشمُلُ المحصنَ وغيرَ المحصنِ. وقد ثبتَ أنّ رسولَ الله (ص) رَجَمَ «ماعزاً»، بعدما سألَ عنْ إحْصانهِ، ورَجَمَ الغامديةَ، وورَدَتْ في ذلكَ أحاديثُ صحيحةٌ. والحديثُ مخصّصٌ للآيةِ، فهذهِ الأحاديثُ خصّصَتِ العامّ الذي في الآيةِ في غيرِ المحصنِ واستثنَتْ منهُ المحصنَ. ويثبُتُ الزّنى بأحدِ ثلاثةِ أُمورٍ: أحدها: الإقرارُ، وهوَ إقْرَارُ الزاني أربعَ مرّاتٍ إقْرَاراً صريحاً. ولا يرْجِعُ عنْ إقرارِهِ حتى يتم عليهِ الجَلْدُ، فإنْ رَجعَ عنْ إقرارِهِ أوْ هَرَبَ كُفّ عنهُ. والدليلُ على ذلكَ ما رُويَ عنْ عبدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ عنْ أبيهِ أنّ ماعزاً بنَ مالكٍ الأسلميّ أتى رسولَ الله (ص) فقالَ: «يا رسولَ اللَّهِ: إني زنَيْتُ وإني أُريدُ أنْ تطهّرني» فردّهُ، فلمّا كانَ الغَدُ أتاهُ فقالَ: يا رسولَ الله إني قدْ زنَيْتُ فردّهُ الثانيةَ، فأرسلَ رسولُ اللَّهِ (ص) إلى قومِهِ: «هلْ تعلمونَ بعقْلِهِ بأساً تُنكرونَ منهُ شيئاً؟» قالوا: «ما نَعْلمهُ إلاّ وفي العقلِ منْ صالِحينا فيما نرى»، فأتاهُ الثالثةَ فأرسلَ إليهمْ أيضاً فسألَ عنهُ فأخبروهُ أنّهُ لا بأسَ بهِ ولا بعقلهِ. فلمّا كانتِ الرّابعَةُ حَفَرَ لهُ حُفْرَةً ثمّ أمَرَ فَرُجِمَ. وثَبَتَ الجَلْدُ مرّةً أُخرى بالإقرارِ، فعنْ سهلِ بنِ سعْدٍ أنّ رجلاً جاءَ إلى النبيّ (ص) فقالَ: إنّهُ قدْ زنى بامرأةٍ سمّاها. فأرسلَ النبيّ (ص) إلى المرأةِ فدعاها، فسألها عمّا قالَ؛ فأنكَرَتْ فحدّه وتركَها، وهذا الحديثُ يدُلّ على أنّ الجَلْدَ يثبتُ بالإقرارِ.
ثانيها: أنْ يشْهَدَ عليهِ في مجلسٍ واحدٍ بالزنى أربعَةُ رجالٍ منَ المسلمينَ أحرارٌ عدولٌ يصِفُونَهُ بالزنى وصْفاً صريحاً. واشتراطُ الأربَعَةِ لا خلافَ فيهِ لقولِ الله تعالى: {وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} [النِّسَاء: 15] وقال تعالى: {لَوْلاَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ *} [النُّور: 13].
ثالثها: الحَبَلُ أي ظُهورُ الحبَلِ عليها إلاّ أنّهُ في حالَةِ الحَبَلِ يُدْرَأُ الحَدّ عنِ المرْأةِ إذا بيّنَتْ سبَباً للحَبَلِ لأنّهُ يكونُ حينئذٍ شُبْهَةً: «الحُدودُ تُدْرَأُ بالشّبهاتِ» هذهِ هيَ بيّنةُ الزنى ولا يثبُتُ بغيرها مُطلَقاً وليستْ داخلةً في نصوصِ الشّهاداتِ، ولا في نصوصِ البيّناتِ، بلْ هيَ بيّنَةٌ خاصّةٌ لأمْرٍ خاصٍّ وتُعْتَبَرُ جُزءاً لا يتجزّأُ منْ أحكامِ حدِّ الزاني، فهيَ نصّ ويجبُ التقيّدُ بهذا النصِّ. وعليهِ لا يَثبُتُ الزّنى بشهادةِ طبيبٍ على بكرٍ بأنها ثَيِّبٌ، أو بأنها زَنَتْ، أو بأنها قدْ وُطِئَتْ، أو ما شاكلَ ذلكَ. وكذلكَ لا يَثبُتُ بشهادةِ قابلَةٍ. ولا يثبُتُ بأيّ شيءٍ سوى واحدٍ منَ الثلاثَةِ المتقدّمَةِ حتى لوْ تحقّقَ القاضي منَ الزّنى، لأنّ بيّنَةً معيّنَةً عيّنَها الشرْعُ لا مُطْلَقَةً. وليسَ المقصودُ إقامَة الأماراتِ والأمور التي تُثبِتُ للقاضي وُقوعَ الزّنى أو تؤدّي إلى قناعةِ القاضي بأنّ الزنى قد وقَعَ، بلِ المقصودُ ثُبوتُهُ بهذهِ البيّنَةِ المخصوصَةِ لا ثُبوتُهُ فقطْ، ولهذا لمْ يَحدّ الرسولُ (ص) امرأةً معروفةً زانيةً لعَدَمِ وُجودِ البيّنَةِ، فَعَنِ ابنِ عباسٍ قال: قالَ رسولُ الله (ص): «لو كنتُ راجماً أحداً بغيرِ بيّنَةٍ لرَجْمَتُ فلانة، فَقَدْ ظَهَرَ فيها الريبَةُ في مَنْطقها وهيْئَتِها ومنْ يدخُلُ عليها»(+).
حَدّ القَذْف
القَذْفُ هوَ الرَّمْيُ بالزنى. وقَذْفُ المؤمناتِ الغافلاتِ المُحصناتِ هو المحرّمُ، وإلاّ فَمَنْ قَذَفَ زانيَةً وأتى بِشُهَدَاءَ لا يُعَدّ قاذفاً. والقذْفُ المحرّمُ حُرّمَ بالكتابِ والسنّةِ، قالَ تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ *} [النُّور: 4] وقالَ سبحانَهُ: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ *} [النُّور: 23] ورُويَ عنِ النبيّ (ص) أَنّهُ قالَ: «اجتنبوا السّبْعَ الموبقاتِ! قالوا: يا رسولَ الله! وما هنّ؟ قالَ: الشّرْكُ باللَّهِ والسحْرُ وقتْلُ النفسِ التي حرّمَ اللَّهُ إلاّ بالحقِّ، وأكْل الرِّبا، وأكْلُ مالِ اليتيمِ، والتّولي يوْمَ الزّحْفِ، وقذْفُ المُحْصناتِ الغافلاتِ»(+) وكلمةُ «المُحصَناتِ» في القرآنِ جاءَتْ بأربعَةٍ معانٍ: أحدها العفائِفُ ـ هنا في الآيتين والحديث، والثاني بمعنى المتزوّجاتِ كقولِهِ تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النِّسَاء: 24] وقولهُ تعالى: {مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} [النِّسَاء: 25] والثالث بمعنى الحرائرِ، مقابلُ الإماءِ، كقولهِ تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المَائدة: 5] وقوله تعالى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [النِّسَاء: 25] والمعنى الرابع بمعنى «الإسلام» كقوله تعالى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ} [النِّسَاء: 25] قالَ ابن مسعودٍ: «إحْصانُها إسلامُها». فكلِمَةُ المحصَناتِ منَ الألفاظِ المشتركةِ ككلمةِ «رُوح» تُطْلَقُ على عدّةِ معانٍ، والمرادُ هنا معنى واحدٌ فيها وهو العفائفُ ـ ومنْ قذفَ المسلِمَةَ مُحْصَنَةً جُلِدَ الحدّ ثمانينَ جلدةً على أن يكونَ القاذِفُ مكلّفاً مختاراً، وأنْ تكونَ المحصنَةُ ـ وقد جمعتْ شرائطَ الإحصان الخمسة العَقْل والحريّة، أي بمعنى حرة، أي ليست عبدة مملوكة. والإسلام والعِفّة عنِ الزّنى وأنْ تكونَ كبيرةً بحيثُ يجامَعُ مثلها. ويُعْتَبَرُ لإقامةِ الحدِّ بعدَ تمامِ القذْفِ بشروطهِ الخمسةِ، شرْطٌ واحدٌ أساسيّ وهوَ: أن لا يأتيَ القاذفُ ببيّنَةٍ على قذفهِ لقولِ الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ} [النُّور: 4] فَيُشترَطُ في جَلْدِهِمْ عدَمُ البيّنَةِ. وكذلكَ يُشْترطُ عَدَمُ الإقرارِ منَ المقذوفِ، لأنّهُ في قوّةِ البيّنَةِ أو أقوى منها، فإنْ كانَ القاذفُ زَوجاً اعتبرَ شرطٌ آخرُ وهوَ امتناعُ المقذوفِ عنِ اللعانِ.
حدّ شارِب الخمر
حُرّمَتِ الخمْرَةُ بآيةِ المائدةِ وهيَ قولهُ تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسَرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ *} [المَائدة: 90-91] فلما نزلتْ هذه الآيةُ قال رسولُ الله (ص): «حُرّمَتِ الخَمْرُ» وفي حديثِ أُبيّ أنّ النبيّ (ص) قالَ: «إنّ الله حَرّمَ الخَمْرَ فَمَنْ أدْرَكَتْهُ هذهِ الآيةُ وعندهُ شيءٌ فلا يشْرَب ولا يَبع، قال فَاستَقْبَلَ الناسُ بما كانَ عندَهُمْ منْها طُرُق المدينةِ فسفَكُوها» وعَنِ النبيّ (ص) قالَ: «كلّ شرابٍ أسْكَرَ فهوَ حرامٌ»(+) وعنهُ: «وكُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وكلّ مُسْكِرٍ حرامٌ»(+) وهناكَ أحاديثُ كثيرةٌ تنصّ على أنّ الشرابَ الذي يُتّخَذُ منْ أيّ شيءٍ إذا أسْكَرَ فهوَ خمْرٌ. وبناءً عليهِ فإنّ للخمْرَةِ معنًى شرعيّاً غيرَ معناها اللّغويّ. وهو الذي نطقَ بهِ رسولُ الله (ص) وجاءَ في الأحاديثِ، فالحُرْمَةُ للخمرِ الواردِ في الآيةِ هيَ حُرْمَةُ كلِّ شرابٍ مُسْكِرٍ سواءٌ اتّخِذَ من العنَبِ، أوْ منْ غيرِهِ، لأنّهُ كلّهُ خَمْرٌ.
عقوبة شاربِ الخمر
يجبُ الحدّ على مَنْ شَرِب الخمْرَ، لما روِيَ عَنِ النّبيّ (ص) قال: «مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فاجْلِدُوهُ»(+) وقد ثَبَتَ أنّ كلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ ومعنى ذلك أنّ الحديثَ يتناوَلُ قليلَهُ وكثيرَهُ. وقدِ انْعَقَدَ إجْماعُ الصّحابَةِ على أنّ للشرابِ حَدّاً. وعلى جَلْدِ شارِبِ الخَمْرِ. وقَدِ اتّفَقُوا على ثُبُوتِ حَدّ الشّارِبِ، وأجْمَعُوا على أنّهُ لا يَنْقصُ عَنْ أَرْبَعينَ ولا يزيدُ على الثّمانينَ. والأحادِيثُ دالّةٌ على أنّ الرّسولَ (ص) جَلَدَ أرْبَعينَ، فقدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ في حديثِ حُصين بن المُنذِرِ في جَلْدِ الوليدِ أنّ عليّاً أمِيرَ المُؤمنينَ سلامُ اللَّهِ عليهِ قال: «جَلَدَ النبي (ص) أربعينَ، وأبو بكرٍ أربعينَ وعُمَرُ ثمانينَ» وعن أبي سعيدٍ قال: «جُلدَ على عَهْدِ رسولِ الله (ص) في الخمر بنعلين أربعين» فهذهِ الأحاديثُ صريحةٌ في الدّلالَةِ على أنّ شارِبَ الخمْرِ يُجْلَدُ أربعينَ، وكلّها تدلّ على الأربعينَ نصّاً فيكْفي فيها حديثُ عليٍّ سلام الله عليه وهو قوله: «جَلَدَ النبيّ (ص) أربعين» وأمّا ما رُوِيَ عن عليٍّ سلام الله عليه في شربِ الخمْرِ قولُهُ: «إنّهُ إذا شربَ سَكِرَ، وإذا سَكِرَ هَذَى، وإذا هَذَى افترى، وعلى المُفتري ثمانُونَ جَلْدَةً، أيْ حَدّ القَذْفِ وهو ثمانونَ، ولو تكرّرَ الحدّ ثلاثاً قُتِلَ في الرابعةِ، ولو شرِبَ الخمْرَ مُسْتَحِلًّا فهو مُرْتَدّ ولو باعَ الخمْرَ مُسْتَحِلاًّ اسْتُتِيبَ فإنْ تابَ وإلاّ قُتِلَ. هذا ما سارَ عليهِ الصحابةُ رضْوانُ الله عليهم فيكونُ حدّ شارِبِ الخَمْرِ أرْبَعِينَ أوْ ثمانينَ جَلْدَة. ولا يُقامُ إلاّ على الذي كانَ عالماً أنّ كثيرَهُ مُسْكِرٌ وقِليلَهُ حرامٌ. فأمّا غيرُهُ فلا حدّ عليه لأنّهُ غيرُ عالم بتَحْرِيمها، ولا يجبُ الحَدّ حتى يَثْبُتَ شرْعاً بأحَدِ شَيْئَيْنِ: الإقْرارِ أوِ البيّنَةِ ويكفي أنْ يَشْهَدَ أحَدُ الشاهِدين على شرْبِ الخمْرِ، والآخَرُ على القَيْءِ.
السَّرقَة
السّرِقَةُ أخْذُ مالٍ على وجهِ الاخْتِفاءِ مِنْ مالِكهِ أوْ نائِبِهِ على شَرْطِ أنْ يكونَ نِصاباً يُقْطَعُ عليه، وأنْ يُخْرِجَهُ مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ، وأنْ لا تكونَ في هذا المالِ شُبْهَةٌ سواءٌ كانَ أخْذُ المالِ لَيْلاً أَوْ نهاراً، وسواءٌ دخَلَ إلى المَكانِ بالخلْعِ أوْ بغيرِهِ مُقَنّعاً أوْ ظاهِراً مُسلّحاً أوْ أعْزَلَ فكلّ أخْذٍ للمالِ على وَجْهِ الاختِفاء يُعْتَبَرُ سرقةً ولكن لا يجِبُ القَطْعُ على السرقةِ إلاّ بسبْعَةِ شروطٍ:
1 ـ أنْ يَنْطَبِقَ على الأخْذِ تَعْرِيفُ السّرِقَةِ، وهو أخْذُ المالِ على وَجْهِ الاختفاء والاسْتِتارِ. فإنْ اخْتَطَفَ واخْتَلَسَ أوِ انْتَهَبَ أوْ خانَ لم يكُنْ سارِقاً ولا قَطْعَ عليهِ، لقولِ رسول الله(ص): «وليْسَ على خائِنٍ ولا مُنْتَهِبٍ ولا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ»(+).
فالخِيانَةُ هُنا جحود الوَدِيعَةِ. ويُسْتَثْنى جاحِدُ العارِيةِ الذي تُقْطَعُ يَدُهُ للنصّ الوارِدِ فيه. والاخْتِلاسُ نَوْعٌ مِنَ الخطْفِ والنّهْبِ فالمُخْتَلِسُ يَسْتَخْفِي في ابْتِداءِ اخْتِلاسِه. وأمّا النّشّالُ فَيُقْطَع، لأنَّ تَعْرِيفَ السرقَةِ يَنْطَبِقُ عليه لأنّهُ يأخُذُ المالَ على وجْهِ الاخْتِفاء.
2 ـ أنْ يكونَ المسْرُوقُ نِصاباً. والنِّصابُ رُبْعُ دينارٍ لقول رسول الله (ص): «تُقْطَعُ يَدُ السّارِقِ في رُبعِ دينارٍ فصاعِداً»(+) وقال: «لا تُقْطَعُ يَدُ السّارِقِ إلاّ في رُبْعِ دينارٍ فصاعِداً»(+) وفي روايةِ قال: «واقْطعوا في رُبْعِ دينارٍ ولا تَقْطَعُوا فيما أدْنى مِنْ ذلك»(+) فهذِهِ الرّواياتُ صريحةُ الدّلالَةِ في النصّ على النّصابِ وتُعْتبرُ مخصّصةً لعُمُومِ الآيةِ.
ورُوِيَ عَنْ عليٍّ أميرِ المؤمنينَ سلامُ الله عليه أنهُ قَطَعَ يَدَ السارِقِ في بَيْضَةٍ مِنْ حدِيدٍ ثمنُها رُبْعُ دينارٍ، فلو سَرَقَ اثنانِ نِصاباً لا حدّ عليهما حتى يَبْلُغَ نَصِيبُ كلّ واحِدٍ النّصابَ.
3 ـ أنْ يكونَ المسْرُوقُ مالاً مُحْترَماً أذِنَ الشّارِعُ بتَمَلّكِهِ. فلا قَطْعَ في سرقةِ الخمْرِ والخنزيرِ من المُسْلِم، لأنها ليْست مالاً مُحْتَرَماً، أمّا سرقتُها مِنْ غيرِ المُسْلِمِ ففيها القَطْعُ، لأنّ الشّارِعَ أذِنَ لهم بتملُّكِ الخمْرِ والخنزيرِ، فهيَ بالنّسْبَةِ لهم مالٌ محترَمٌ.
4 ـ أنْ يَسْرقَهُ مِنْ حِرْزٍ ويُخْرِجهُ منه، فإنْ وجَدَ باباً مَفْتوحاً أوْ حِرْزاً مَهْتُوكاً فلا قَطْعَ عليهِ، لما رُوِيَ عنْ رسولِ الله (ص) عندما سألهُ رجُلٌ من مزينة عن الثّمارِ فقال: «ما أُخِذَ في غيرِ أكمامِهِ فاحْتُمِلَ ففيهِ قيمتُهُ، ومِثْلُهُ مَعَهُ وما كانَ في الخزائِنِ ففيهِ القَطْعُ إذا بَلَغَ ثمنَ المجنّ»(+).
وسُئِلَ عن الثّمَرِ المعلّقِ فقال: «مَنْ أصابَ مِنْهُ بَقِيةً مِنْ ذِي حاجَةٍ غير مُتَّخِذٍ شيئاً خبنة فلا شيءَ عليه، ومَنْ خَرَجَ بشيء فعليهِ غرامَةُ مِثْلَيْهِ والعُقُوبَة. ومَنْ سَرَقَ منهُ شيئاً بَعْدَ أنْ يؤويهِ الجرين فبلَغَ ثمنُ المجنّ فَعَلَيْهِ القَطْعُ(+)» كلّ ذلك يدُلّ على أنّ الحرزَ شرْطٌ في القَطْعِ. فالماشِيَةُ إذا أُخِذَتْ مِنَ المَرْعى فلا قَطْعَ بأخْذِها، لأنها لم تُؤخَذْ مِنْ حِرْزِ مِثلِها، فإذا أُخُذِتْ مِنْ زَرِيبَتِها، أوْ ما شاكلَ ذلكَ بما هو حِرْزُ مِثْلِها ففيها القَطْعُ. والثّمَرُ إذا أُخِذَ عَنِ الشّجَرِ فلا قَطْعَ بِأخْذِهِ، فإذا أُخِذَ مِنَ المكانِ الذي يحفَظُ فيهِ، وهو الجرين، ففيهِ القَطْعُ. وهكذا كلّ شيءٍ لا قَطْعَ فيهِ إذا أُخِذَ مِنْ غَيرِ حِرْزِ مثلِهِ وفيهِ القَطْعُ إذا أُخِذَ مِن حِرزِ مثلهِ، وبَلَغَ ثمنُهُ رُبْعَ دينارٍ ذَهَباً أو ثلاثةَ دراهم فِضّةً. والحرْزُ يَرجِعُ إلى اصطِلاحِ الناسِ، لا إلى نُصُوصِ اللّغةِ ولا إلى نُصُوصِ الشّرْعِ لأنّهُ وَصْفٌ لوَاقِعٍ.
5 ـ الشرْطُ الخامِسُ: أنْ تَنْتَفي الشُّبْهَةُ عَنِ المالِ المَسْرُوقِ، مِنْ حَيْثُ إنّ لهُ حقّاً فيه، أو إنّ له أنْ يأخُذَ منهُ وعليه، فلا قَطْعَ بالسرقَةِ من مالِ أبيهِ، ولا مِنْ مالِ ابْنِهِ، ولا مِنْ مالٍ له فيه شراكةٌ، ولا مِنْ بَيْتِ المالِ لقَوْلِ النبيّ (ص): «أنتَ ومالُكَ لأبيكَ»(+) وقوله: «إنّ أطْيَبَ ما أكلَ الرّجلُ من كَسْبِهِ وإنّ ولدَهُ مِنْ كسْبِهِ»(+).
وعنِ ابن عبّاسٍ أنّ عبْداً من رقِيقِ الخُمْسِ سرَقَ مِنَ الخُمْسِ فَرُفِعَ ذلك للنبيّ (ص)، فلم يَقْطَعْهُ، وقال: «مالُ الله سَرقَ بَعْضُهُ بَعْضاً»(+) وعَنِ الشعبيّ عن عليّ سلام الله عليه أنّهُ كان يقول: «وليْسَ على مَنْ سرَقَ مِنْ بَيْتِ المالِ قَطْعٌ» وكذلك لا يُقْطَعُ أحَدُ الزّوْجينِ إذا سرَقَ مِنْ مالِ الآخرِ، لأنّ أحَد الزّوْجينِ يتصرّفُ في مال الآخر بغيابهِ، فتكونُ هذه شبهةً فلا قَطْع. وكلّ مالٍ فيه شُبْهةُ الأخْذِ لا يجرِي فيه القطْعُ إذا سُرِقَ لأنّ الحدُودَ تُدْرأ بالشُّبُهاتِ.
6 ـ كَوْنُ السّارِقِ بالغاً عاقِلاً مُلْتَزِماً أحْكامَ المُسلمينَ مُسلماً كانَ أمْ ذمِّيّاً. فإذا كانَ صبيّاً أوْ مجنوناً فلا قَطْعَ، لقَوْلِ الرسول (ص): «رفع القلم عن ثلاثٍ: النائم حتى يَسْتَيْقِظِ والصبيّ حتى يَبْلُغَ والمُبْتلى حتى يعقل»(+) يعني أنهمْ غيرُ مُكلّفينَ شرْعاً.
7 ـ أنْ تَثْبُتَ السرقةُ بالإقْرارِ أوِ البيّنَةِ العادلَةِ. الإقْرارُ يجبُ أنْ يكونَ مَقْرُوناً بالوَصْفِ، أي أنْ يَصِفَ السّارِقُ الشيء الذي سَرَقَهُ لاحْتِمالِ أنْ يكونَ سرَقَ مالاً لا قَطْعَ فيهِ، وهو يَظُنّ القَطْعَ.
وأمّا البيّنَةُ فتَثْبُتُ برَجُلَينِ عَدْلَينِ أوْ رجُلٍ وامْرَأتينِ، وأنْ يَصِفَ السرِقَةَ وَصْفاً يميّزُها إنْ كانتْ غائبةً، أو يُشيرُ إليها إنْ كانتْ حاضرَةً، وأنْ لا يخْتَلِفا في الشهادَةِ اخْتِلافاً يُؤدّي إلى التّناقُضِ التّامِ.
هذه هي شُروطُ القَطْعِ في السرقَةِ، فإذا تمّتِ الشُّروطُ المذْكورَةُ قُطِعَ السّارِقُ. ولا يُكْتَفَى بِقَطْعِ يَدِه، بل يجبُ إعادَةُ المالِ المسروقِ لصاحبهِ. والقَطْعُ يتمّ بِقَطْعِ أصابِعِهِ الأرْبَعَةِ مِنْ يَدِهِ اليُمْنى، فإنْ عادَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ اليُسرى مِنْ مفصلِ القدَمِ، ويُترَكُ له العقبُ، فإن عادَ ثالثاً خُلّدَ في السّجنِ، فإنْ سَرَقَ فيه قُتِلَ.
حدّ السرقة
حَدّ السّرِقَةِ لله تعالى، ولو كانَ فيه حقّ لآدَمِيٍّ. ولذلك لا يَسْقُطُ بإسْقاطِ صاحبِ الحقّ. والآيةُ عامّةٌ كآيةِ حَدّ الزّنى، فاللَّهُ تعالى يقولُ: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا} [المَائدة: 38] ولأنّ مُوجِبَ القَطْعِ ثَبَتَ، فَوَجَبَ مِنْ غيرِ مُطالبة كحدّ الزّنى بدَليلِ حديثِ المَخْزُوميّةِ فإنّ الرسولَ (ص) غضِبَ من شَفَاعةِ أُسامة بحدّ السرقَةِ وقال: «إنما أهْلكَ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ أنّهُ إذا سَرَقَ فيهمُ الشريفُ تركُوهُ، وإذا سرَقَ فيهم الضّعِيفُ قَطَعُوهُ، والذي نفسي بِيَدِهِ لو كانَتْ فاطمةُ بِنْتُ محمّدٍ لَقَطَعْتُ يَدَها»(+) أي أنّ هلاكهم كان مِنْ تضْييعِ الحدُودِ.
ما لا يُقطَعُ فيه
هنالك حالاتٌ وأحوالٌ لا قَطْعَ فيها لوُرودِ الأحاديثِ الدالّةِ على ذلكَ، لأنها لا تدْخُلُ فيما يجِبُ القَطْعُ بأخْذِهِ. فعَنِ الحسنِ سلامُ الله عليهِ قال: قال رسولُ الله (ص): «لا قَطْعَ في الطّعامِ المُهيّإ للأكْلِ» ولا فَرْقَ في ذلكَ بينَ الطّعامِ الذي يُهيّئُهُ صاحِبُ المَطْعَمِ للبيْعِ والطّعامِ الذي يُهيّئُهُ أهْلُ البَيْتِ لأكْلِهِمْ ولا قَطْعَ في عامِ القَحْطِ، كما رُوِيَ عن رسولِ الله (ص) أنّهُ قالَ: «لا قَطْعَ في مجاعَةِ مُضْطَرٍّ»(+) ومثلُ ذلك سرقةُ الجائعِ الذي لا يجدُ ما يأكُلُهُ فإذا سرَقَ لِيُشبِعَ جوعتَه، فلا قَطْعَ عليه لأنّهُ يَنْطَبِقُ عليه قولُ الرّسول (ص)».
حدّ المُرتَدّ
المُرْتدّ مَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِ الإسلامِ؛ فَمَنِ ارْتَدّ مِنَ الرّجالِ والنساءِ، وكانَ بالغاً عاقلاً دُعِيَ إلى الإسلامِ ثلاثَ مرّاتٍ، وضُيّق عليهِ، فإنْ رجعَ نجا وإلاّ قُتِلَ. قال الله تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ *} [البَقَرَة: 217] وقال رسولُ الله (ص): «مَنْ بَدّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ»(+) والتّوْبَةُ تُقْبَلُ مِنَ المُرْتَدّ إذا لم تَتَكَرّرْ رِدّتُهُ، والذي تكرّرَتْ رِدَّتُهُ لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، بلْ يُقْتَلُ سواءٌ تابَ أم لم يَتُبْ لقولِ الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً *} [النِّسَاء: 137].
فقولُ الله تعالى: {لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} [النِّسَاء: 137] مَعْناهُ لا يَقْبَلُ تَوْبَتَهُمْ. وكذلك الدّولةُ لا تَقْبَلُ تَوْبَتَهُمْ. والمُرْتدّ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ إسْلامِهِ. فكلّ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ إسلامِهِ يكونُ مُرْتداً. ويكْفُرُ المُسلِمُ بأربعٍ: بالاعْتِقادِ، والشّكِّ، والقَوْلِ، والفِعْلِ.
وفي الاعتقادِ ناحِيتَانِ إحداهما: التّصديقُ الجازِمُ بما جاء النّهيُ الجازِمُ عنه، أوِ الأمْرُ الجازمُ بخلافِهِ، كالاعْتِقادِ أنّ القرآنَ ليسَ كلامَ الله.
ثانيها: إنْكارُ ما هو مَعْلومٌ مِنَ الدّينِ، كإنكارِ وُجوبِ الصّلاةِ، وإنْكارِ تحْرِيمِ الرّبا وما شاكَلَ ذلكَ. الشّكّ في العَقَائِدِ وكلّ ما كانَ دليلهُ قَطْعِيّاً؛ فَمَنْ شكّ أنّ محمّداً رسولُ الله، أو شكّ بِقَطْعِ يَدِ السّارِقِ، أو ما شَابَهَ ذلكَ فَقَدْ كَفَرَ.
القَوْل: والمُرَادُ به القولُ الذي لا يحتَمِلُ أيّ تأوِيلٍ فَمَنْ قال: لا عَلاقَةَ لله بالإسلام وإنما جاءَ به محمّدٌ مِنْ عِنْدِهِ، ومَنْ قالَ إنّ المسيحَ ابنُ الله، أوْ ما شاكلَ ذلكَ كَفَرَ بكُلّ تأكِيدٍ. وأمّا القَوْلُ الذي يحْتَمِلُ التّأوِيل فلا يَكْفُرُ قائِلهُ، ولو كانَ يحْتَمِلُ الكُفْرَ تِسْعَةً وتِسْعِينَ بالمائةِ، ويحتمِلُ الإيمانَ واحِداً في المائةِ فيُرَجّحُ جانِبُ الواحِدِ على التّسْعةِ والتّسْعِينَ، لأنّ الواحدَ أوْجَدَ احْتِمالَ التأوِيلِ، وعندئذٍ تتحَقّقُ الشّبْهَةُ، ويأتي القَوْلُ المأثُورُ: «ادْرأوا الحدودَ بالشُّبُهاتِ»(+).
الفِعْلُ: والمُرادُ به ما لا يحتَمِلُ أيّ تأويلٍ بأنّهُ كُفْرٌ كالسّجودِ للصّنمِ فإنّهُ كُفْر وارْتِدادٌ عَنِ الإسلامِ. وأمّا الفِعْلُ الذي يحتَمِلُ التّأويلَ فلا يَكْفُرُ فاعِلُهُ كما لا يكونُ مُرْتدّاً إذا فَعَلَهُ. وَتَثْبُتُ الردّةُ بما تَثْبُتُ بهِ الحدُودُ غيرُ الزّنى، وهي شهادَةُ رجُلينِ عدلينِ، أو رجلٍ وامرأتينِ أيّ البَيّنَة الشرعيّةُ لأنّهُ لم يَرِدْ نصّ خاصّ بها.
أموال المُرتَدّ
المُرْتدّ قَبْلَ اسْتِتابتهِ يملكُ مالَهُ ويملكُ ما يكسبهُ، فإذا عُرِضَ عليهِ الإسلامُ وأبى وقُتِلَ أو ماتَ بَعْدَ الردّةِ مِنْ غيرِ قَتْلٍ يُبْدَأُ بقضاءِ دَيْنِهِ وأرش جنايتهِ ونَفَقَةِ زَوجَتِهِ ومَنْ تجبُ نَفَقَتُهُمْ عليه، لأنّ هذهِ الحقوقَ لا يجوزُ تَعْطِيلُها، فإنْ بَقِيَ مِنْ مالِهِ شيءٌ فهوَ فيءٌ.
والدّليلُ على ذلكَ ما فَعَلَهُ أبو بَكْرٍ بالمُرْتدّينَ، فإنّهُ قاتَلَهم وقتلهم واسْتباحَ دماءهُم وأمْوالهم على ارْتِدادِهِمْ، وكانتْ أموالهم غنائمَ، ووافَقَهُ على ذلك أكثر الصّحابةِ رضوانُ الله عليهم...
حدّ أهلِ البَغي
أهْلُ البغْيِ همُ الذينَ خرجوا على الدولةِ الإسلاميّةِ، ولهمْ شوْكَةٌ ومَنعَةٌ. وبعبارةٍ أُخرى همُ الذينَ شقّوا عصا الطاعةِ على الدولةِ وشهروا في وجهها السلاح وأعلنوا حرباً عليها؛ ولا فرْقَ في ذلكَ بينَ أن يخرجوا على خليفةٍ عادلٍ أو خليفةٍ ظالمٍ، سواء خرجوا على تأويلٍ في الدينِ، أو أرادوا لأنفسهِمْ ديناً؛ فكلّهُمْ بُغاةٌ، لأنهم شهروا السيفَ على سلطان الإسلامِ. وعلى الخليفةِ، أو مَنْ يُنيبُهُ عنهُ في الولايةِ، أنْ يُراسلهُمْ، فيسألهُمْ ما يَنقمونَ منَ السلطانِ، فإنْ ذكروا مَظْلَمَةً أزالها، وإن ادّعوا شُبْهَةً كشَفَها، وإنْ أُلْبِسَ عليهمْ فاعتقدوا أنّ ما فَعَلَهُ مخالفٌ للحقِّ، فَعَلَيْهِ أنْ يُبَيّنَ لهمْ دليلهُ، ويُظْهِرَ لهمْ وجْهَ الحقِّ، لأنّ الإسلامَ أمَرَ المسلمينَ أنْ يشهروا السيْفَ في وجْهِ الحاكمِ إذا رأوا كفراً بواحاً عندهمْ فيهِ من الله برهانٌ، أو لم يُطبّقْ أحكامَ الإسلامِ. فإنْ خرجوا بشيءٍ من ذلكَ إجابةً لطلبِ الشرعِ فعليهِ أنْ يُبيّنَ لهمْ وجهَ ما يشتبهونَ فيهِ، فإن رَجعوا عنِ البغْيِ تركهمْ، ولا يجوزُ بقاؤهمْ على خروجهمْ، وإنْ لم يرجعوا قاتَلَهُمْ وجوباً، ولكن لا قتالَ حرْبٍ، بلْ قتالَ تأديبٍ، ولذلكَ يحرمُ قتالهمْ بما يؤدّي إلى إتلافهِم إلاّ لضرورةٍ. ويحرمُ قتْل ذريّتهمْ أو قَتْل الهاربِ فيهمْ، ومَنْ تركَ القتالَ منهمْ تُرِكَ، وإذا قَتَلوا أحداً لا يُقْتَلُونَ بهِ، وإذا أُسِرَ منهمْ أحدٌ حُبِسَ وعوملَ معاملةَ المذنبِ لا معاملةَ الأسيرِ، لأنّهُ ليسَ بأسيرٍ. ولا يحلّ أخْذُ شيءٍ منْ أموالهمْ، لأنهمْ رعيّةٌ اقتضى تأديبهمْ اتباع أسلوبِ القتالِ معهُمْ، ولذلكَ لا يُعتبَرُ قتالُهُمْ حرباً ولا جهاداً. والأصلُ في حدِّ البُغاةِ قولُ الله سبحانهُ وتعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ *} [الحُجرَات: 9] فهذهِ الآيةُ قد اعتبرتْ هذا النوعَ منَ البُغاةِ مؤمناً ولا يخرجُ بالبغيِ عنِ الإيمانِ، وهيَ صريحةٌ بوُجوبِ قتالهمْ وفي إسقاطِ قتالهمْ إذا فاءوا إلى آخرِ الآيةِ. وأُسقطتْ عنهم التّبِعَةُ فيما أتلفوهُ في قتالهمْ سواء كانَ مالاً أوْ نَفْساً.
وقولهُ: «فأصلِحوا بينهما» يدلّ على وُجوبِ مراسلتهِم قبلَ قتالهم. والآيةُ الكريمةُ تُثْبِتُ الحدّ على البُغاةِ وتفرضُ قِتالهمْ حتى يرجِعوا، ولكنْ بعْدَ مراسلتهمْ، ومحاولةِ إزالةِ ما دفعهُمْ إلى الخروجِ منْ مَظْلَمَةٍ أو شُبْهَةٍ أوْ خطإ منهمْ أو ما شاكلَ ذلكَ، ويحرمُ على أهْلِ البغْيِ كما يحرمُ على سائرِ المسلمينَ الاستعانةُ بالكفّارِ على قتالِ المسلمينَ سواءٌ كانوا أفراداً أمْ دولةً. لأنّهُ إذا كانَ يحرُمُ قتالُ المسلمِ للمسلمِ. فحرْمةُ استعانةِ المسلمِ بالكافرِ لقتالِ المسلمِ أشدّ. وإذا اعتبرَ اللَّهُ قتالَ المسلمِ للمسلمِ كالكفرِ في عظمِ الذنْبِ في قولِ النبيّ (ص): «سبابُ المسلمِ فُسوقٌ وقتالهُ كفْرٌ»(+) فإنّ الاستعانةَ بالكافرِ على المسلمِ أشدّ. ومعَ حُرْمَةِ ذلكَ لا يخرجُ أهْلُ البغْيِ عنْ كونهِمْ مؤمنينَ. ولا يتغيّرُ حكمُ اللَّهِ في حقّهمْ. ويعتبرونَ بُغاةً ويعاملونَ مُعامَلَتَهُمْ، ولوِ استعانوا بالكفّارِ. أمّا الذينَ استعانوا بهمْ منَ الكافرينَ فحكمهُمْ يختلِفُ باختلافِ أحوالهمْ. فإن استعان البغاةُ بالكفّارِ أهلِ الحربِ وأَمّنوهمْ، أو عقدُوا لهمْ ذمّةً فيظلّونَ كفّاراً محاربينَ في نَظَرِ الإسلامِ ولا يُعتبَرُ تأمينُ البُغاةِ ولا عقدُهُمْ للذمّةِ، لأنها خاصّةٌ بالخليفةِ المُبايعِ بيعَةً شرْعيّةً، وهمْ لا يملكونَ ذلكَ. ولهذا يُقاتلُ المسلمونَ البُغاةَ قتالَ تأديبٍ، أمّا الكفّارُ المحاربونَ الذينَ مَعَهمْ فيُقاتلونَ قتالَ حرْبٍ، يجاهدون جهاداً شرعيّاً، ويحاربون حرْباً لا هَوادةَ فيها، وتنطبقُ في حقّهِم حالةُ الحرْبِ، فيكونُ أسيرُهمْ أسيراً، ويُعامَلُ معامَلَةَ الأسرى وتُؤخَذُ أموالهم غنائمَ، وتُطبّقُ في حقّهِم أحكامُ الجهادِ كلّها. وجميعُ ما يُطبّقُ على أهْلِ الحرْبِ. والحالُ كذلكَ إذا كانوا مستأمنينَ لأنهمْ نقضوا عَهْدَهمْ. إلاّ أنّ هذا يُطبّقُ عليهِمْ إذا فَعَلوا ذلكَ مختارينَ طائعينَ. أمّا إذا أعانوهُمْ مُكرَهينَ خوفاً منْ أذاهُمْ وبطْشهِمْ، فإنهمْ حينئذٍ يُعامَلونَ معاملةَ البُغاةِ لا معاملةَ المحاربينَ. وَإنْ كان الكفّارُ الذين اسْتعانَ بهم البغاةُ منْ أهلِ الذمّةِ فإعانتهمْ لهمْ لا تخرجهمْ عنْ كونهمْ منْ أهلِ الذمّةِ، سواءٌ أعانوهمْ مختارينَ أو مُكرَهينَ، لأنهم رعيّةٌ منْ رعايا الدولةِ الإسلاميّةِ؛ فيُطبّقُ في حقهمْ حكمُ البُغاةِ، ويُقاتلونَ قتالَ تأديبٍ لا قتالَ حرْبٍ؛ ولا يُقالُ إنهمْ نقضوا عهدَهُمْ فإنّ نقْضَ العهدِ لا يتمّ إلاّ بإعانةِ كَفّارٍ، أو دولةٍ كافرةٍ على الدولةِ الإسلاميْةِ. أمّا إعانتهمْ مسلمينَ على الدولةِ الإسلاميَّةِ فلا يُعَدّ نقْضَ عهْدٍ لأنّ عهْدَهُمْ عقدُ ذمّة لهمْ في أعناقِ المسلمينَ، وعهدُهمْ ليْس عَهْداً مؤقّتاً كالمستأمنينَ، بلْ هوَ عهدٌ مؤبّدٌ ولا يجوزُ نقْضُهُ لخوْفِ الخيانةِ منهمْ، فلا يجوزُ نقضُهُ لإعانتهمْ مسلمينَ على مسلمينَ. أمّا إذا خرجَ أهْلُ الذمّةِ وحدهمْ على الدولةِ وحاربوها، فإنهمْ حينئذٍ يكونونَ قد نقضوا عهدهمُ المؤبّدَ، وصاروا أهلَ حرْبٍ فيُقاتلونَ قتالَ حرْبٍ وتُطبّقُ في حقهمْ جميعُ أحكامِ الحرْب.
وإنما اختلفَ الحكمُ معَ الذميّينَ باختلافِ الواقعِ الذي يكونونَ فيهِ..
حدّ قُطَّاعِ الطرق
الأصلُ في حكمِ قطّاعِ الطريقِ قولُهُ تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ} [المَائدة: 33] وقدْ نزَلَتْ في قطّاعِ الطريقِ مسلمينَ كانوا أو غيرَ مسلمينَ، لأنها عامّةٌ ولم نجدْ ما يخصّصُها بالمسلمينَ. وأمّا قولُهُ تعالى: فيما بعد {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} [المَائدة: 34] فلا يدلّ على أنها خاصّةٌ بالمسلمينَ؛ لأن التوْبَةَ هنا هي التوبةُ عنْ قَطْعِ الطريقِ. وتكونُ في المسلمينَ وغيرهمْ، ولذلكَ كانتْ عامّةً. وقد حدّثَ ابنُ عبّاسٍ أنّ أناساً أغاروا على إبْلِ رسولِ الله (ص)، وارتدّوا عنِ الإسلامِ، وقتلوا راعي رسولِ الله (ص) مؤمناً، فبعثَ في آثارهمْ فأخِذُوا، فَقَطَعَ أيديهم وأرجُلَهُمْ، وسَمَلَ أعيُنَهُمْ. فأنزلَ الله في ذلكَ: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ} [المَائدة: 33] الآية.
إيقَاعُ الحَدّ
مَنْ قَتَلَ وأخذَ المالَ قُتِلَ وصُلِبَ، ومنْ قَتَلَ ولمْ يأخُذِ المالَ قُتِلَ، ومنْ أخَذَ المالَ ولمْ يَقْتُلْ قُطِعَتْ يدهُ ورجلهُ من خِلافٍ، وإذا أخافَ السّبيلَ ولمْ يأخذْ مالاً يُنْفى منَ الأرضِ. هذهِ هيَ عقوبةُ قطّاعِ الطرُقِ، فالعقوبةُ بحسبِ الذنْبِ المرتَكَبِ، لكنّ الذَّنْبَ محصورٌ في الثلاثةِ: القَتْلِ، وأخذِ المالِ، وإخافةِ السبيلِ، فإذا فعلوا غيرَها، كأنْ جرَحُوا فقطْ، أو كسَرُوا الأيدي، أوِ الأرجُلَ، أوِ الأضلاعَ أوِ الأنفَ أي فَعلوا ما دونَ القتل فلا حدّ عليهم، لأنّ الحدّ عُقوبةٌ مُقدّرَةٌ فتكونُ بحسبِ النصِّ، والنصّ إنما قدّرَ العقوبةَ على هذه الثلاثِ، فلا حدّ في غيرِها، ولكنْ تُطبّقُ في حقّهِمْ أحكامُ التعدّي على البَدَنِ فيما دونَ النّفسِ.
شرُوط قطّاع الطرق ثلاثة
1 ـ أن يكون خارجَ المدُنِ، لأنّ قَطْعَ الطريقِ يُبْعِدُ حُضورَ النجدةِ أوِ الغوْثِ فإذا اسْتَوْلوا على مدينةٍ وقَتَلُوا أو أخذوا المالَ وأخافوا السّبيلَ حالَ استيلائِهِمْ عليها، اعتُبِروا قُطّاع طُرقٍ وأُقيمَ الحدّ عليهم.
2 ـ أنْ يكونَ مَعَهُمْ سلاحٌ قاتلٌ فإنْ لمْ يكُنْ معهُمْ سلاحٌ مطلقاً. أو كانَ غيْرَ قاتِلٍ كالعصيّ والكرابيجِ ونحوِها. لا يُعتَبَرُونَ قُطّاعَ طرُقٍ.
3 ـ أنْ يأتوا مجاهرةً ويأخذوا المالَ قَهْراً ويثبتوا في أماكنِهِمْ. أمّا إذا أخذوهُ خفْيَةً فهمْ سرّاقٌ، وإنِ اختطفوهُ وهربوا فهمْ مُنهِبون، وإنْ جاءَ واحدٌ أوِ اثنانِ إلى آخرِ القافلةِ فاستَلَبوا منها شيْئاً بالحيلةِ مثلاً لَمْ يكنْ قاطِعَ طَريقٍ، لأنّ قُطّاعَ الطّرُقِ يَستندونَ إلى قوّةٍ ومَنعَةٍ.
فإذا استوفوا هذه الشروطَ الثلاثةَ أُقيمَ عليهم الحَدّ، وإذا اختلّ شرْطٌ منْها لمْ يعودوا قُطّاعَ طُرُقٍ ولا حدّ عليهِمْ، فإنْ تابوا قبلَ أنْ تقْدرَ عليهمُ الدولةُ سقطتْ عنهمْ حدودُ اللَّهِ تعالى وأخذوا بحقوقِ الآدميّينَ منَ الأنْفُس والجراحِ والأموالِ لقولهِ تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *} [المَائدة: 34].


الجنـايـات
الجناياتُ، جمْعُ جنايةٍ، وهيَ التعدّي على بدَنٍ أو مالٍ أو عِرْضٍ لُغَةً. والتعدّي على البدنِ اصطلاحاً، وذلكَ يوجِبُ قِصاصاً أو مالاً. وأطلق على العقوبات المُطبَّقَةِ على الجاني هذا التعبيرُ، فالجنايةُ تُطلَقُ على الجريمةِ والعقوبةِ الموقّعَةِ عليها، وتُطلَقُ على كَسْرِ السنّ، كما تُطلَقُ على القتْلِ عَمْداً، وتُطلَقُ على الجرحِ كما تُطلَقُ على القَتْلِ شبهِ العَمْدِ، وهكذا فكلّ واحدةٍ منها يُقالُ لها: «جنايةٌ» وعقوبةُ كلّ واحدةٍ منها جنايةٌ. ومنْ أعظَمِ الجناياتِ القَتْلُ وعقوبةُ القتْلِ. ومنْ أبزرِ الأحكامِ المعلومةِ منَ الدينِ بالضرورةِ تحريمُ القتْلِ بغيرِ حقٍّ. وتحريمُ القتْلِ ثابتٌ بالكتابِ والسنّةِ. أمّا الكتابُ فقدْ قالَ اللَّهُ تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ} [الأنعَام: 151]، {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً} [الإسرَاء: 33]، وقال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا *} [النِّسَاء: 93]، فهذهِ الآياتُ قطعيّةُ الثبوتِ، قطعيّةُ الدّلالةِ في تحْريمِ القتْلِ، فهوَ منَ الأحكام القطعيّةِ. وأمّا السنّةُ فَعَنِ ابنِ مسعودٍ قال: قالَ رسولُ اللَّهِ (ص): «لا يحلّ دمُ امرىءٍ مُسْلِمٍ يشهَدُ أنْ لا إلهَ إلاّ الله وأني رسولُ الله إلاّ بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنّفس بالنّفسِ، والتّارك لدينهِ المُفارق للجماعةِ»(+) فهذا نصّ في تحريمِ القتْلِ وحُرْمَتِهِ ممّا هوَ معلومٌ منَ الدينِ بالضرورَةِ..
القَتل
والقَتْلُ على أربَعَةِ أوْجُهٍ: عَمْدٌ، وشبهُ العَمْدِ، وخطأ وما أُجريَ مجرى الخطإ.
القتل العَمد
القتلُ العمْدُ أنْ يضربَ شَخْصٌ شخصاً بشيءٍ منْ شأنهِ أنْ يَقتُل على الأغلبِ، أوْ يفْعَلَ شخصٌ بشخْصٍ فعْلاً يقتُلُ على الغالبِ. وحكُمُ القتْلِ العمْدِ بجميعِ أنواعهِ قَتْلُ القاتلِ، أي في القَتْلِ العمْدِ القَوَدُ، وهو قَتْلُ القاتلِ جزاءً على ارتكابهِ القتْلَ العمدَ، إذا لمْ يَعْف أولياءُ المقتول. فإنْ عَفَوْا فَدِيَةٌ مُسلّمَةٌ إلى أهلِهِ إلاّ أنْ يصدّقوا. والدليلُ على ذلكَ قولهُ تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البَقَرَة: 178] وقولهُ تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البَقَرَة: 179] والقِصاصُ المُماثلَةُ أي قَتْلُ القاتلِ. وقالَ (ص): «العَمْدُ قَوَدٌ إلاّ أن يعفو وليّ المقتول»(+) والمسلمُ يقتَلُ بالذمّيّ. وقدْ أخرجَ الطبراني أنّ عليّاً عليهِ السلامُ أتيَ برجلٍ منَ المسلمينَ قَتَلَ رجلاً منْ أهْلِ الذمّةِ، فقامتْ عليهِ البَيّنَةُ فأمَرَ بِقتْلِهِ فجاءَ أخوهُ، فقالَ: إني قدْ عَفَوْتُ، قالَ: فَلَعَلّهُمْ هدّدُوكَ وفرقوكَ وقرّعوكَ، قالَ: «لا، ولكنْ قَتْلُهُ لا يردُّ عليّ أخي، وعرَضوا لي ورَضيتُ». قالَ: «أنت أعْلَمُ مَنْ كانَ لهُ ذمّتُنا، فَدَمُهُ كدَمِنا، وديتُهُ كديتِنا» ورُويَ أن رسولُ الله (ص) قَتَلَ مسلماً بمُعاهدٍ وقالَ: «أنا أكْرَمُ مَن وفى بذمّتِهِ»(+).
القتل شِبه العَمد
القتْلُ شبْهُ العمْد أنْ يقصِدَ ضربَهُ بما لا يقْتلُ غالباً، إمّا بِقصد العُدوانِ عليهِ، أو بقصدِ التأديبِ لهُ، فيُسرِفُ فيهِ، كالضرْبِ بالسّوطِ، والعصا والحجر الصغيرِ والضربِ باليَدِ وسائرِ ما لا يقتلُ غالباً. فإذا قَتَلَ بهذهِ الأشياءِ وأمثالها، فهو شبْهُ عمدٍ، لأنّهُ قَصَدَ الضرْبَ دونَ القتْلِ. ويسمّى «عَمْد الخطإ وخطأ العَمْدِ» لاجتماعِ العَمْدِ والخطإ فيهِ، فإنّهُ تَعَمّدَ الفِعْلَ وأخطأ فيهِ. وأمّا حكْم القَتْلِ شِبْهِ العمْدِ فَديَة مغلظةٌ وهيَ مائةٌ منَ الإبلِ، ولا يُقتَلُ صاحبُهُ. وذلكَ لما رُويَ أن النبيّ (ص) قالَ: «قتْلُ شبْه العَمْدِ مغلظٌ مثل العمْدِ»(+) ولا يقتلُ صاحبه وذلكَ أن ينزو الشيطان بين الناسِ فتكون دماء في غير ضغينة ولا حمل السلاح».
القتلُ الخطَأ
القتْلُ الخطأ على ضربين:
أحدُهما أنْ يفعَلَ فعْلاً لا يُريدُ بهِ إصابةَ المقتولِ فيُصيبهُ ويقتُلُهُ كما لو رمى صَيْداً فأصابَ إنساناً فَقَتَلَهُ، أو يَفعَلَ فِعْلاً فيؤولُ إلى قَتْلِ شخْصٍ لمْ يكنْ قاصداً قَتْلَهُ.. الضرب الثاني: أنْ يَقْتُلَ شخصاً يظنّهُ كافِراً حربيّاً وتبيّنَ أنّ هذا الرجُلَ قدْ أسلَمَ وكَتَمَ إسْلامَهُ..
هذان النوعانِ يمثّلانِ القَتْلَ الخطَأ، فكلّ ما دخلَ تحتَهُما فهوَ قَتْل خطأ. وحكمُ هذا النوعِ يحتاجُ إلى تفصيلٍ: فإنْ كانَ من النوعِ الأولِ منَ الخطإ وجبتْ فيهِ الديّةُ وهي مائةٌ منَ الإبلِ وعتقُ رقَبَةٍ في الكفّارةِ، فإنْ لمْ يجدْهُ فصيامُ شهرينِ متتابعينِ، وإنْ كانَ من النوعِ الثاني وجَبَت فيهِ الكفارةُ فقطْ لا الديّةُ. ودليلُ ذلكَ قولهُ تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا *} [النِّسَاء: 92].
ما أُجرِي مَجرى الخطأ
ما أُجرِيَ مجرى الخطإ أنْ يصدرَ منَ الشخصِ فِعْلٌ بغيرِ إرادتهِ فيتسبّبُ عنْهُ قَتْلُ شَخْصٍ. كما لوْ لَعِبَ شَخْصٌ بالسّلاحِ ففلتَ منهُ جَبراً فَقَتَلَ إنساناً. أو انكسرَ شيءٌ في السيّارةِ ففلتَتْ منَ السائقِ وقتَلَتْ شخصاً أو ما أشْبَهَ ذلكَ منَ الأفعالِ ـ فمِثْلُهُ يجرى مجرى الخطإ وإنْ أجبرَ الفاعل على الفعلِ. لأنّهُ يشبهُ النوعَ الأوّلَ منَ القتْلِ الخطإ. والرّجوعُ في السيّارَةِ إلى الخَلْفِ قَتْلُ خطإ، فيُشبِهُهُ في ذلكَ كَسْرُ شيءٍ في السيّارَةِ وانفلاتها منهُ فيكونُ قَتْلاً خطأ. ومثلهُ اللعبُ بالسّلاحِ الذي يؤدّي إلى قَتْلِ إنسانٍ، فمثلهُ يُعَدّ قَتْل خطإ. أمّا الشّبَهُ بينهما فواضحٌ، بَيْدَ أنّ الخطأ حصلَ في الفعلِ بإرادة من الفاعل.. أمّا ما أُجريَ مجْرى الخطإ فَلَمْ تحصُلْ بهِ إرادَةٌ منَ الفاعلِ مُطلقاً. ولهذا لمْ يكنْ خطأ بلْ أُجريَ مجْرى الخطإ.
أمّا حُكمُهُ فَكَحُكْمِ القسمِ الأوّلِ منَ الخطإ أي أنّ الدّيةَ فيهِ مائةٌ منَ الإبلِ. وتجِبُ فيهِ الكفّارَةُ وهيَ عتْقُ رَقَبَةٍ، فَإنْ لم يجدْ فصِيامُ شهرينِ متتابعينِ.
والقَتْلُ يَثْبُتُ بالإقرارِ والبينةِ...
التعزير
التعزيرُ في اللغةِ المنعُ، واصطلاحاً التأديبُ والتنكيلُ. وتعريفُهُ الشرعيّ الذي يُستَنْبَطُ من النّصوصِ التي وردتْ فيها عقُوبَةٌ تعزيريّةٌ: هو العقوبةُ المشروعةُ على معْصِيَةٍ لا حدّ فيها ولا كفّارة.
وقدْ فَعَلَهُ رسولُ الله (ص)، وأمرَ بهِ، فَعَنْ أنَسٍ: «أنّ رسولَ الله (ص) حَبَسَ في تهمَةٍ» ورُوي أنّه (ص) حَبَسَ رجُلاً في تهمةٍ ساعةً منْ نهارٍ، ثمّ أخلى سبيلَهُ وأنّهُ حَكَمَ بالضرْبِ وبالسجنِ. والتعزيرُ مشروعٌ لكلِّ ما لمْ يُعيّنِ الشارعُ لهُ عُقوبةً مُقدّرَةً. أمّا ما أورَدَ فيهِ عقوبةً فيعاقبُ مُرتكِبُهُ بالعقوبةِ المُقدّرَةِ، فكلّ ما لمْ يُقدرْ لهُ الشارعُ عقوبةً ترك أمرهُ للحاكمِ في أنْ يقدّرَ له ما يراه مناسباً وقد أطلق على هذهِ العقوبةِ اسم «التعزير» ومنَ الصعبِ حَصْرُ وقائِعِهِ في أنواعٍ معيّنَةٍ فالذنوبُ كثيرةٌ متشعّبَةٌ، وتجدّدُ وقائعِ الحياةِ يجْعَلُ الجرائمَ متجدّدَةً، ومنْ هنا جاءتْ صعوبةُ حَصْرِ أنواعِ الجرائمِ. ولمّا كانَ التعزيرُ مقابلَ الحدودِ وهو في الغالبِ يحصُلُ فيما لمْ تُذْكَرْ لهُ عُقوبةٌ مُقَدرَةٌ في نَوْعِ الحدِّ المُقدّرِ. كانَ منَ الأفضلِ أنْ يعمدَ إلى وضْعِ العقوباتِ على وقائع الأنواعِ التي جاءتْ حدودٌ منْ جنسِها، ثمّ ما يمكن إدْخالها تحتها، وإلاّ فالأفْضَلُ تَرْكُها لِلْقُضاةِ.
المخالفات
المخالفاتُ عَدَمُ امْتثالِ ما تُصدرُهُ الدولةُ منْ أوامرَ ونواهٍ؛ ومعلومٌ أنّ الخليفةَ لا يحلّلُ حراماً ولا يحرّمُ حلالاً، وإنما يقومُ برعايةِ شُؤونِ الأمّةِ وتصريفِ مصالحِ النّاسِ، يُصرّفُها بحسبِ أحْكامِ الشّرْعِ وإنْ جَعَلَ الشارِعُ لهُ تصريفَ كثيرٍ منَ الشؤونِ برأيهِ واجتهادهِ كتصرّفهِ في بيْتِ المالِ، واجتهادهِ في تجهيزِ الجيشِ وتعيينِ الوُلاةِ وإدارةِ مصالحِ النّاسِ، وتمصيرِ المُدُنِ وشقِّ الطرقِ ودَفْعِ النّاسِ بعْضهمْ عنْ بَعْضٍ وحمايَةِ الحُقُوقِ العامّةِ وغيرِ ذلكَ. فهذهِ الأمورُ وأمثالها تركتْ للخليفةِ في أنْ يصدرَ بشأنها الأوامرَ التي يراها. وتنفيذُ ما يُصدِرُهُ فَرْض على المسلمينَ، ومخالَفَتُهُ مَعْصِيَةٌ.
فالذي لا يُنفّذُ ممّا أُلْزِمَ الناسُ بهِ أو نُهُوا عنْهُ يُعْتَبَرُ عَدمُ تنفيذِهِ مخالَفَةً، أيْ جُرْماً يُعاقَبُ عليهِ. وهذهِ الجرائمُ وأمثالها تسمى مخالفات.
والمخالفاتُ لا تحتاجُ إلى مُدّعٍ، فالقاضي يملكُ الحكْمَ في المخالَفَة حالَ العِلْمِ بها في أيّ مكانٍ.
والخليفةُ يُقَدّرُ أنواعَ العقوباتِ التي يراها مناسبةً للمخالفاتِ التي تحصُلُ، فساحاتُ البَلْدَةِ مثلاً والطّرقُ العامّةُ تعودُ لهُ في تعيينِ المسافَةِ والحدودِ. ويستطيعُ أنْ يمْنَعَ الناسَ منَ البناءِ أوِ الغَرْسِ على جوانبها للمسافَةِ التي يُعَيّنُها، فإذا خالفَ أحَدٌ ذلكَ عاقَبَهُ بالغرامةِ أوِ الجَلدِ أو الحَبْسِ أو ما أشْبَهَ. ولهُ أنْ يُعيّنَ أيضاً مكاييلَ وموازينَ ومقاييسَ مخصوصةً لإدارةِ شؤونِ البيْعِ والتجارةِ، ولهُ أنْ يُعاقِبَ مَنْ يخالفُ أوامرَهُ في ذلكَ، ولَهُ أنْ يجْعَلَ للمقاهي وللفنادقِ ولدورِ السينما ولميادينِ الألعابِ وغيرِ ذلك منَ الأمكِنَةِ العامّةِ أنظِمَة خاصّةً يُنظّمُ بها شؤونها، فيعاقبُ مَنْ يخالفُ هذهِ الأنظمةَ وهكذا.
أحكام البيّنات
البيّناتُ إمّا أن تكونَ على المعاملاتِ أو على العقوباتِ، وهيَ أحكامٌ إسْلاميّةٌ شرْعيّةٌ مُسْتَنْبَطَةٌ منْ أدلَّتِها التفصيليّةِ.
والبيّنَةُ كلّ ما يُبيّنُ الدعوى، وهيَ حجّةُ المدّعي على دعواهُ، فَعَنِ النبيّ (ص) قال: «البيّنَةُ على المدّعي، واليمينُ على المدعَى عليه»(+) وقال: «البيّنَةُ على المدّعي واليمينُ على مَنْ أنكرَ»(+).
فالبيّنَةُ حجّةُ المدّعي التي يُثبِتُ بها دعواهُ، وهي البرهانُ لإثباتِ الدعوى، فلا تكونُ بيّنةً إلاّ إذا كانتْ قطْعيّةً يقينيّةً. وكونُ البيّنَةِ مبْنِيّة على اليقينِ لا يَعْني أنّ الحكمَ بها مبْنيّ على اليقينِ، ولا يَعْني أنّ الحكمَ بها واجبٌ على القاضي، وإنما يعني ذاتها فقطْ، أي لا يصحّ أنْ تكونَ إلاّ يقينيّةً. أمّا الحكمُ بها فَلَيْسَ كذلكَ. لأنّ الحكمَ مبنيّ على غَلَبَةِ الظنِّ لا على اليقينِ. والله سبحانهُ وتعالى يقولُ للرسول (ص): {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [النِّسَاء: 105] أي بما تراهُ منَ الرأي وهو يشملُ الرأيَ الصادرَ عنْ يقينٍ أو ظنٍّ. وقدْ حَكَمَ في قضيّةٍ وقالَ ما يدلّ على أنّ حكْمَهُ كانَ بناءً على غَلَبَةِ الظنِّ. عنْ أُمِّ سلمةَ أنّ النبيّ (ص) قالَ: «إنما أنا بَشَرٌ وإنّكُمْ تختصمونَ إليّ، ولعلّ بَعْضَكُمْ، أنْ يكونَ ألحنَ بحجّتِه منْ بَعْضٍ، فأقضي بنحوٍ ممّا أسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لهُ منْ حقِّ أخيهِ شيْئاً فلا يأخُذْهُ فإنما أقْطَعُ لهُ قِطْعَةً مِنَ النّارِ»(+) وقال: «إذا حَكَمَ الحاكم فاجْتهدَ، ثمّ أصابَ فَلَهُ أجرانِ، وإذا حَكَمَ فاجْتَهَدَ ثمّ أخطأ فَلَهُ أجْرٌ»(+).
فهذا كلّهُ دليلٌ على أنّ الشهادةَ يجبُ أنْ تكونَ يقينيّةً، ولا يَعْني أنّ الحكْمَ مبنيّ على اليقينِ بل على الظنِّ.
أنواع البيّنات
البيّناتُ أربَعَةُ أنواعٍ فقطْ هيَ: «الإقرارُ، واليمينُ، والشّهادةُ، والمُستَنَداتُ الخطيّةُ المقطوعُ بها».
الإقرار: جاءَ دليلُهُ في القرآنِ والحديثِ، قالَ اللَّهُ تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ *} [البَقَرَة: 84] أي ثمّ أقررتمْ بمعرفةِ هذا الميثاقِ وصحّتهِ، فالله قدْ أخذَهُمْ بإقرارهِمْ فكانَ حُجّةً عليهمْ. وفي الحديث قال النبي (ص): «واغدُ يا أنس ـ لرجلٍ منْ أسلم ـ إلى امرأةِ هذا فإنِ اعترفَتْ فارجمها».
اليمين: جاءَ دليلُهُ في القرآن والحديثِ، قالَ الله تعالى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المَائدة: 89] وقالَ (ص): «واليمينُ على مَنْ أنكَرَ»(+).
الشهادةُ: وقد جاءَ دليلُها في القرآنِ والحديثِ، قالَ الله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} [البَقَرَة: 282]. وعنه (ص) أنّهُ قال: «شاهداكَ أو يمينهُ»(+) ولا يصحّ لأحدٍ أنْ يَشْهَدَ إلاّ بناءً على يقينٍ مقْطوعٍ بهِ لقولِ رسول الله (ص) للشاهدِ: «إذا رأيْتَ مِثْلَ الشّمْسِ فاشْهَدْ»(+).
المستندات الخطيّة: جاء دليلُها في القرآنِ الكريمِ، قالَ تعالى: {وَلاَ تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا} [البَقَرَة: 282] فإنها تدلّ على المستنداتِ الخطيّةِ بما في ذلكَ دفاترُ التجّارِ والإقراراتُ وغيرُ ذلكَ. هذهِ هيَ البيّناتُ ولا توجَدُ بيّنَةٌ غيرُ البيّناتِ الأربعِ المذكورة.
وأمّا القرائنُ فَلَيْسَتْ منها شَرْعاً إذْ لمْ يأتِ أيّ دليلٍ شرعيٍّ يدلّ على أنها منْها. صحيحٌ أنّ القرائنَ وتقصي الأثر وكلابَ الأثرِ وما شاكلَ ذلكَ يُؤتَنَسُ بها، ولكن الائتناسَ شيءٌ والبيّنَةُ شيءٌ آخر. والرسولُ (ص) حينَ سألَ الجاريةَ مَنْ قَتَلَكِ وسمّي لها فلانٌ وفلانٌ أشارَتْ إلى اليهوديّ، لمْ يأخذْ قوْلَهَا بيّنَةً، ولكنّهُ ائتنسَ به، فجيءَ باليهوديّ فاعترفَ فقُتِلَ، وكذلكَ القرائنُ وأمثالُها يُؤتَنَسُ بها ولا تكونُ بيّنَةً.
وأمّا أخبارُ المُخبرينَ وشهادةُ أهلِ الخبرَةِ وتقاريرُ الكشفِ والمُعايَنَةُ وما شاكلَ ذلكَ فإنّها لا تُعَدّ بيّناتٍ، بل هي أخبارٌ فيصحّ أن تكونَ مبنيّةً على الظنِّ ويكفي فيها المخبرُ الواحدُ، ولا تكونُ لإثباتِ دَعوى، وإنما لكشْفِ أمْرٍ منْ أُمورِ الدعوى كبيانِ قيمةِ الأرضِ أو ثمنِ العَرَبَةِ أو نَفَقَةِ الأولادِ وعَقْلِ المدّعى عليهِ أو مَرَضِ المُدّعي أو ما شاكلَ ذلكَ، فإنّ هذهِ وأمثالها تثبتُ بالإخبارِ، ولا تحتاجُ إلى بيّنَةٍ، فيصحّ للمخبرِ فيها أن يُبيّنها على الظن، ويكفي فيها المخبرُ الواحد.


العقيدة والحكم الشرعي
العقيدة: التصديقُ الجازمُ المطابقُ للواقع عن دليلٍ، فَخَبَرُ الآحادِ لا يَصحّ أنْ يكونَ دليلاً على العقيدةِ لأنّهُ ظنيّ، والعقيدةُ يجبُ أن تكون يقينيّةً. وقدْ ذمّ اللَّهُ تعالى في القرآنِ الكريمِ اتّباعَ الظنّ فقالَ: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ} [الأنعَام: 116] وقالَ: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ} [النّجْم: 23] وقالَ: {وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا *} [النّجْم: 28].
وهذهِ الآياتُ قدْ حُصِرَتْ في العقائدِ خاصّةً دونَ الأحكامِ الشرعيّة، لأنّ اللَّهَ سبحانهُ وتعالى اعتبرَ اتّباعَ الظّنِّ في العقيدةِ ضلالاً، وأوردها في موضِعِ العقائدِ واعتبرَ اتّباعَ الظن في ذلكَ ضلالةً.
الفَرق بين العقيدةِ والحكم الشرعي
العقيدةُ في اللّغَةِ ما عُقِدَ عليهِ القلْبُ، ومعنى «عقدَ عليهِ» جُزِمَ بهِ، أي صُدِّقَ يقيناً، وهذا عامّ يشملُ التصديقَ بكلِّ شيء. غير أن التصديقَ بالشيءِ يُنْظَرُ فيهِ إلى ما يُصَدّقُ بهِ، فإن كانَ أمراً أساسيّاً أو متفرّعاً عن أمرٍ أساسيٍّ، فإنّهُ يصِحّ أنْ يُسَمّى عقيدةً، لأنّهُ يَصِحّ أنْ يُتّخَذَ مقياساً أساسيّاً لغيرهِ، فيكونُ لانعقادِ القَلْبِ عليهِ أثرٌ ظاهرٌ. وإن كانَ ما يُصدّقُ بهِ غيرَ أساسيّ أو غير متفرّع عن أمرٍ أساسيّ فلا يكونُ منَ العقائدِ، لأنّ انعقادَ القلبِ عليه لا يكونُ لهُ أيّ أثرٍ؛ فليسَ في الاعتقادِ بهِ أيّ واقعٍ أو أيّ فائدةٍ. أمّا إنْ كانَ لانعقادِ القَلْبِ عليهِ أثَرٌ يَدْفَعُ لتعيينِ موقفٍ تجاههُ منَ التصديقِ والتكذيبِ فيكون منَ العقيدةِ.
العقِيدة
هيَ الفكرةُ الكليّةُ عنِ الكونِ والإنسانِ والحياةِ، وما قَبْلَ الحياةِ الدّنيا وما بعدَها، وعلاقَتها بما قبلَها وما بعدها، وهذا تعريفٌ لكل عقيدةٍ.
الحكم الشرعي
أمّا الأحكامُ الشرعيّةُ فهيَ خطابُ الشّارعِ المتعلّقِ بأفعالِ العبادِ، كالإجارةِ والبيْعِ والرّبا والكفالةِ والوكالةِ والصّلاةِ وإقامةِ حاكمٍ وإقامةِ حدودِ اللَّهِ، وكونُ الشاهدِ عَدْلاً، وكونُ الحاكمِ رجلاً وما شاكلَ ذلكَ، وتُعْتَبَرُ كلّها مِنَ الأحكامِ الشرعيّةِ. أمّا التوحيدُ والرسالةُ والبَعْثُ وصدقُ الرسولِ وعصمةُ الأنبياءِ وكونُ القرآنِ كلامَ اللَّهِ، والحسابُ والعذابُ وما شاكلَ ذلكَ فكلّها منَ العقيدةِ. فالعقائدُ أفكارٌ تُصَدّقُ والأحكامُ الشرعيّةُ خطابٌ يتعلّقُ بفعلِ الإنسانِ. فركعتا الفجْرِ حكمٌ شرعيّ من حيثُ إنهما صلاةٌ. والتصديق بكونهِما منَ الله عقيدةٌ. وعليه فهناكَ فَرْقٌ بينَ العقيدةِ والحكمِ الشّرْعيّ.
فإدراكُ الفكر والتصديقُ بوجودِ واقعِهِ أو عدمِ وجودهِ عقيدةٌ، وإدراكُ الفكرِ واعتبارهُ معالجةً لِفِعْلٍ منْ أفعالِ الإنسانِ أوْ عَدَمُ اعتبارهِ معالجةً هو حكمٌ شرعيّ، فلأجلِ اعتبارِ الفكرِ معالجةً يكفي الدليلُ الظنيّ. أما التصديقُ بوجودِ واقع الفكرِ فلا بُدّ لهُ منَ الدليلِ القطعيّ.
أنواعُ الحكم الشرعيّ
لمّا كانَ الحكمُ الشرعيّ هو خطابَ الشارعِ المتعلّقِ بأفعالِ العبادِ، بالاقتضاءِ(+) أو التخّييرِ(+) أو الوضعِ(+)، كانَ منَ الواجبِ أن يثبتَ الخطاب. ويتبيّنَ ما هوَ بِتَبَيّنِ معنى الخطابِ، وخطابُ الشارعِ ما جاءَ في الكتابِ والسنّةِ منْ أوامرَ ونواهٍ، ولذلكَ كانَ فَهْمُ الحكمِ الشرعيّ متوقّفاً على فَهْمِ الكتابِ والسنَّةِ. فإنهما أصْلُ التشريعِ ومصدرُ الأحكامِ.
وخطابُ الشارع يُفْهَمُ بالنّص وبالقرائنِ التي تُعيّنُ معنى النصّ، فليسَ كُلّ أمْرٍ للوجوبِ، ولا كلُّ نهي للتحريم، فقدْ يكونُ الأمرُ للندبِ، أو الإباحةِ، وقدْ يكونُ النهي للكراهيةِ، ويَظْهَرُ منْ تَتَبّعِ جميعِ النصوصِ والأحكامِ أنّ الأحكامَ الشرعيّةَ خمسةٌ:
أولاً: الفرضُ على نوعينِ: فرضُ عَيْنٍ كالصّلاةِ والصّومِ، وفرْضُ كفايةٍ وهو الذي إذا أقامَهُ البعضُ سَقَطَ عنِ الباقينَ كالجهادِ وحمْلِ الدعوةِ إلى الإسلامِ. والصلاةِ على الجنازةِ.
والفرضُ: معناهُ الوجوبُ، والحرامُ، معناهُ المحظورُ، والمندوبُ، معناهُ المستحبّ. والمكروهُ معناهُ: المنهِيّ الذي لا ذَمّ على فِعْلِهِ. والمباح معناه المتخير بفعله أو تركه، لأن خطاب الشارع إما أن يكون طلباً للفعل، أو طلباً للتركِ أوْ تخْييراً بينَ الفعلِ والتركِ.
والطلبُ إمّا أنْ يكونَ جازماً فهو الفرضُ أو غيرَ جازمٍ فهو المندوبُ، وإن كانَ طلبُ التركِ جازماً فهو الحرام، وإن كان غيرَ جازمٍ فهو المكروهُ، وطلبُ التخييرِ هوَ المُباحُ.
ما لا يتمّ الواجبُ إلاّ بهِ فهوَ واجب
إنّ ما لا يتمّ الواجبُ إلا بهِ قسمانِ:
أحدهما: أن يكونَ وجوبهُ مشروطاً بذلك الشيءِ.
الثاني: أن يكونَ وجوبهُ غير مشروطٍ به.
أمْا ما يكونُ وجوبُهُ مشروطاً به فإنَّ تحصيلَ الشرطِ ليس واجباً، فالواجبُ هو ما أتَى الدليلُ بوجوبِهِ وذلكَ كوجوبِ صلاةٍ معيّنةٍ فإنّهُ مشروطٌ بوجودِ الطهارةِ، فالطهارةُ ليستْ واجبةً من حيثُ الخطابُ بالصلاةِ وإنما هيَ شرطٌ لأداءِ الواجبِ، والواجبُ في الخطابِ إنما هو الصلاةُ إذا وُجدَ الشرطُ ـ وأما ما يكونُ وجوبُهُ مطلقاً فهذا ينقسمُ إلى قسمين:
أحدهما: أن يكونَ بِوُسعِ المكلّفِ أنْ يَقومَ بهِ.
الثاني: أنْ يكونَ غيرَ مستطيعٍ القيامَ بهِ.
أمّا الذي هُوَ بِوُسعِ المكلّف فإنّهُ واجبٌ بِنفس الخطابِ الذي طلبَ بِهِ الواجبُ، وَوُجوبُهُ كوجوبِ الشّيءِ الذي جاءَ خطابُ الشارعِ به تماماً منْ غيرِ فَرقٍ. وذلك كَغَسلِ المرفقينِ فإنّهُ لا يتمّ القيامُ بالواجبِ وهو غسلُ اليدينِ إلى المرفقينِ إلا بغسلِ جزءٍ منهما لأنَّ الغايَةَ تدخلُ في المُغَيّا ويتوقّفُ حصولُ هذا الواجبِ على حصولِ جزءٍ من الغايةِ، ولذلكَ كانَ غَسلُ جزءٍ من المرفقينِ واجباً ولو كان الخطابُ لم يأتِ بهِ، ولكنّهُ أتَى بما يتوقّفُ وجودُهُ عليهِ، فيكونُ خطابُ الشّارعِ شاملاً الواجبَ ما لا يُمكِنُ القيام إلا بهِ، وتكونُ دلالةُ الخطابِ عليه دلالةَ التزامٍ ولذلك كانَ واجباً. وهكذا كلّ شيءٍ لا يتمُّ القيامُ بالواجبِ إلا بهِ ولم يكنْ شرطاً فيهِ فهو واجبٌ، وهذا إذا كانَ باستطاعةِ المكلّفِ أن يقومَ بهِ. وأمّا إذا لم يستطع المكلّف أن يقومَ بهِ فإنه غير واجبٍ، وذلكَ لقولهِ تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البَقَرَة: 286]، ولقولهِ (ص): «وإذا أمرتكمْ بأمرٍ فأتُوا منهُ ما استطعتُمْ»(+)، لأنّهُ لا يجوزُ التكليفُ بما لا يطاقُ لأنّ التكليفَ بهِ يقتضي نسبةَ الظلمِ إلى اللَّهِ سبحانهُ وتعالى وهوَ لا يجوزُ. والحاصلُ أن الأمرَ بالشيءِ يكونُ أمراً بما لا يتمُّ ذلكَ الشّيءُ إلا بهِ.
خطابُ الوضع
إنّ الأفعالَ الواقعةَ في الوجودِ قد جاءَ خطابُ الشّارعِ وبيّنَ أحكامَها ووضعَ لهذهِ الأحكامِ ما تقتضيهِ من أمورٍ يتوقّفُ عليها تحقّقُ الحكمِ أو يتوقّفُ عليها إكمالُهُ أي أنها وُضعتْ لما يقتضيهِ الحكمُ الشرعيّ. فخطابُ الاقتضاء والتخييرِ أحكامٌ لفعلِ الإنسانِ، وخطابُ الوضعِ أحكامٌ لتلكَ الأحكامِ فَتُكسبُها أوصافاً معيّنةً، وكونُها كذلكَ لا يُخرجُها عن كونِها مُتعلقةً بأفعالِ الإنسانِ، لأنّ المتعلقَ بالمتعلّقِ بالشّيءِ متعلّقٌ بذلكَ، فيكونُ الاضطرارُ سبباً في إباحةِ الميتةِ، وزوالُ الشّمسِ أو غروبُها أو طلوعُ الشّمسِ سبباً في إيجابِ الصلاةِ.
كلُّ ذلكَ خطابٌ من الشّارعِ متعلقٌ بالحكمِ وهو إباحةُ الميتةِ، وإيجابُ الصلاةِ. أمّا ما جاءَ منَ الأحكامِ الكليّةِ ابتداءً كالصلاةِ والصومِ والجهادِ مِنْ حيثُ هيَ، فإنّ خطابَ الوضع في هذه الأحكامِ هو وصفُها من حيثُ كونُها أحكاماً كلّيةً ومِنْ حيثُ إنّها شُرعتْ ابتداءً فكانَ هذا الوصفُ خطاب الوضعِ، ولذلك كانتِ العزائمُ من أحكامِ الوضعِ، وتعتبرُ هيَ والرّخَصُ قسماً واحداً، لأن العزائمَ أصلٌ ويتفرعُ عنها الرخصُ. وأما ما يتعلّقُ بآثارِ العملِ في الدنيا فإنّ خطابَ الوضعِ يظهرُ من حيثُ هذه الآثارُ، فمثلاً نقولُ: الصلاةُ صحيحةٌ إذا استوفتْ جميعَ أركانِها، ونقولُ: البيعُ صحيحٌ إذا استوفى جميعَ شروطِهِ، ونقولُ: الشركةُ صحيحةٌ إذا استكملتِ الشروطَ الشرعيّةَ، فهذا وصفٌ للحكمِ من حيثُ أداؤهُ لا من حيثُ تشريعُهُ، وقد جاءَ الشارعُ بذلكَ فاعتبرَ البيعَ صحيحاً والصلاةَ صحيحةً وكذلكَ إذا فَقَدَ البيعُ الإيجابَ أو فقدتِ الصلاةُ الركوعَ أو فقدتِ الشركةُ القبولَ فإنها تكونُ حينئذٍ باطلةً، فبُطلانُها وصفٌ للحكمِ من حيثُ أداؤهُ لا من حيثُ تشريعُهُ، وقد جاءَ الشارعُ بذلكَ فاعتبرَها باطلةً، ومن هنا كانتِ الصّحةُ والبطلانُ قسماً واحداً، لأنّ خطابَ الشارعِ فيهما يتعلّقُ بحكمٍ واحدٍ إما صحيحاً أو باطلاً لأن الصحة أصلٌ، والبطلانَ مترتبٌ على أحكامِ الصحةِ.
هذا هو خطابُ الوضعِ وهو متعلقٌ بأمر يقتضيهِ الحكمُ وهو خمسةُ أقسام: السببُ، الشرطُ، المانعُ، الصحةُ والبطلانُ، والعزائمُ والرخصُ.
السَّبَب
السببُ في اصطلاحِ المتشرّعينَ هوَ كلّ وصفٍ ظاهرٍ منضبطٍ دلَّ الدليل السمعيُّ على كونهِ معرّفاً لوجودِ الحكمِ لا لتشريعِ الحكمِ، كجعلِ زوالِ الشمسِ أمارةً معرّفةً لوجودِ الصلاةِ في قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسرَاء: 78] وفي قوله (ص): «إذا زالتِ الشمسُ فصلّوا»(+) وليسَ هوَ أمارةً لوجوبِ الصلاةِ، وكجعلِ طلوعِ هلالِ رمضانَ أمارةً معرّفةً لوجوبِ الصلاةِ، وكجعلِ طلوعِ هلالِ رمضانَ أمارةً معرّفةً لوجودِ صومِ رمضانَ في قولهِ تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البَقَرَة: 185] وقولهِ (ص): «صومُوا لِرؤيتِهِ»(+). وهكذا فالسّببُ ليس موجباً للحكم وإنما هو معرّفُ لوجودهِ. وواقعُ السببِ هو أنّهُ وُضعَ شرعاً للحكمِ الشرعيِّ لحكمةٍ يقتضيها ذلكَ الحكمُ. فحصولُ النّصابِ سببٌ في وجودِ الزّكاةِ، والعقود الشرعيّةُ سببٌ في إباحةِ الانتفاعِ أو انتقالِ الأملاك فالشّارعُ شرّعَ الحكمَ الشّرعيَّ للمكلّفِ وكلّفَ بهِ ووضعَ أماراتٍ تدلّ على وجودِ ذلكَ الحكمِ. فهذهِ الأماراتُ هيَ الأسبابُ الشّرعيّةُ، فالسّببُ هو إعلامٌ ومعرّفٌ لوجودِ الحكمِ لا غيرَ لأنَّ الذي أوجبَ الحكمَ هو الدليلُ الذي وردَ فيهِ والذي عرفَ وجودَ هذا الحكمِ الذي دلّ عليهِ الدليلُ هو السّببُ. وهذا بخلافِ العلّةِ، فإنَّ العلةَ هيَ الشّيءُ الذي مِنْ أجلهِ وُجدَ الحكمُ، فالحكمُ شرع بها فهيَ الباعثُ عليهِ وهيَ سببُ تشريعهِ لا سببُ وجودهِ. فهيَ دليلٌ من أدلةِ الحكمِ، مثلها مثلُ النصّ في تشريعِ الحكمِ. فهيَ ليستْ أمارةً على الوجودِ بل هيَ أمارةٌ معرّفةٌ لتشريعِ الحكمِ وذلك كالإلهاءِ عن الصلاةِ المستنبطِ من قولهِ تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجُمُعَة: 9] فإنّ الإلهاءَ قد شُرّعَ من أجلهِ الحكم وهوَ تحريم البيعِ عند أذانِ الجمعةِ، ولذلكَ كانَ علةً وليسَ سبباً بخلافِ دلوكِ الشمسِ فليسَ علةً، لأنّهُ لم تُشرَّعْ صلاة الظّهرِ من أجلهِ، وإنما هوَ أمارةٌ على أنَّ الظهرَ قد وجبَ وجوده.
الشرط
الشرطُ ما كانَ وصفاً مكمّلاً لمشروطِهِ في ما اقتضاهُ الحكمُ في ذلكَ المشروطِ، فالإحصانُ في رجمِ الزّاني المُحْصِنِ مكمّلٌ لوصفِ الزّاني، فهو شرطٌ في الزّاني حتى يجبَ رجمُهُ فيكونُ ممّا اقتضاهُ المشروطُ.
والوضوءُ مكمّلٌ أيضاً لفعلِ الصلاةِ، وهكذا، سائرُ الشروطِ. وهوَ ـ أي الشرطُ ـ مغايرٌ للمشروطِ لأنّه وصفٌ مكمّلٌ له وليسَ جزءاً من أجزائهِ، وبهذا يختلفُ عن الركنِ لأنّ الركنَ جزءٌ من أجزاءِ الشّيءِ. وليس بمنفصلٍ عنه، وقد عُرِّفَ الشّرطُ بأنّهُ ما يلزمُ من عدمهِ العدمُ، ولا يلزم من وجودهِ وجودٌ.
المَانِع
المانعُ هو السببُ المقتضي لعلّةٍ تُنافي علّةَ ما منعَ. أي هوَ كل وصفٍ منضبطٍ دلّ الدليلُ السمعيُّ على أنّ وجودَهُ اقتضى علّةً تنافي علّةَ الشيءِ الذي مَنَعَهُ وذلكَ مثل «الدَّين». فإنّهُ مانعٌ منْ وجوبِ الزّكاةِ معَ اكتمالِ النصابِ وحلولِ الحولِ. ومثلُ قتلِ العمدِ العدواني فإنّهُ مانعٌ من الميراثِ مع وجودِ سببِ الإرْثِ وهو القرابة.
وعلى هذا يكونُ المانعُ نقيضَ السببِ. والموانعُ قسمانِ:
1 ـ ما لا يتأتى وجودُهُ معَ الطلَبِ، أي أنّهُ يمنَعُ منَ الطّلَبِ ومنَ الأداءِ كزوالِ العقلِ بنومٍ أو جنونٍ؛ فإنّهُ يمنعُ طلبَ الصلاةِ والصومِ والبيعِ وغيرِها منَ الأحكامِ كما يمنَعُ من أدائها. والحيضُ والنفاسُ أيضاً، فإنّهُ يمنَعُ منَ الصلاةِ والصومِ ودخولِ المسْجِدِ ويمنعُ منْ أدائهِ، فهو مانعٌ من أصلِ الطّلبِ لأنّ النقاءَ منَ الحيضِ والنفاسِ شرطٌ في الصلاةِ والصومِ ودخولِ المسجِدِ.
2 ـ ما يمكنُ اجتماعُهُ معَ الطلبِ أي أنّه يمنعُ منَ الطلبِ ولا يمنعُ من الأداءِ كالأنوثةِ بالنسبةِ لصلاةِ الجمعةِ، والبلوغِ بالنسبةِ للصومِ. فإن الأنوثةَ مانعٌ من طلبِ صلاةِ الجمعةِ والصغر مانعٌ من طلبِ الصلاةِ والصومِ على الصبِّي، لأن صلاةَ الجمعةِ لا تجبُ على المرأةِ، والصلاةَ والصومَ لا تجبُ على الصبيِّ، فإن قامتِ المرأةُ بصلاةِ الجمعةِ، وقامَ الصبيّ بالصلاةِ والصومِ صحت منهما لأن المانعَ مانعٌ من الطلبِ لا من الأداءِ. وجميعُ أسبابِ الرخصِ موانع من الطلبِ لا منَ الأداءِ.
الصِّحة والبُطلانُ وَالفساد
الصحّةُ موافقةُ أمرِ الشارعِ. وتُطلَقُ ويرادُ بها ترتّبُ آثارِ العملِ في الدنيا، كما تُطلقُ ويُرادُ بها ترتُّبُ آثارِ العملِ في الآخرةِ.
فاستيفاءُ الصلاةِ لأركانها وشروطِها عندَ المُصَلِّي، والواقع تكونُ صلاةً صحيحةً، فتقولُ: الصلاةُ صحيحةٌ بمعنى مُجزيَةٍ ومبرئةٍ للذمّةِ ومسقطَةٍ للقضاءِ.
واستيفاءُ البيعِ جميعَ شروطهِ يُكوّنُ البيعَ الصحيحَ فتقولُ: البيعُ صحيحٌ، بمعنى أنّهُ محصلٌ شرعاً للملكِ، ويُباحُ الانتفاعُ والتصرفُ في المملوكِ. هذا منْ حيثُ ترتّبُ آثار العملِ في الدنيا. أمّا من حيثُ ترتّبُ آثار العملِ في الآخرةِ فتقولُ: هذه الصلاةُ صحيحةٌ بمعنى أنّهُ يُرجى عليها الثوابُ في الآخرةِ.
البُطْلان
البطلانُ ما يقابلُ الصحّةَ، وهو عدمُ موافقة أمْر الشارع. ويُطلَقُ ويُرادُ به عدمُ ترتبِ آثار العملِ عليه في الدنيا، والعقاب عليه في الآخرة، بمعنى أن يكونَ العملُ غيرَ مُجْزٍ ولا مبرّىءٍ للذمّة ولا مُسقِطٍ للقضاء، فالصلاةُ إذا تُركَ ركنٌ من أركانها كانت صلاةً باطلةً. والبيعُ إذا فقدَ شرطاً من شروطه كانَ بَيعاً باطِلاً، ويترتّبُ على البطلان حرمةُ الانتفاع، ويستحِقّ عليه العقابَ في الآخرة، ولذلكَ كانتْ للبُطلان آثارٌ في الدنيا، يترتّبُ عليها آثارٌ في الآخرة.
الفَسَاد
وأمّا الفسادُ فيختلفُ عن البُطلان، لأنّ البطلانَ عدمُ موافقَة أمر الشارع من حيثُ أصلُهُ، أي أنّ أصلَهُ ممنوعٌ كبيع الملاقيح، أو أنَّ الشرطَ الذي لم يستوفه مُخِلّ بأصل الفعل، بخلاف الفساد فإنّه في أصلِه موافقٌ لأمْر الشارع، ولكنّ وصفَهُ غيرَ المخلّ بالأصل هو المخالفُ لأمر الشارع.
فبيعُ الملاقيح ـ مثلاً ـ باطلٌ من أساسه، لأنّهُ منهيّ عنْ أصلِه بخلافِ بيعِ الحاضرِ لبادٍ، فإنّهُ بَيْعٌ فاسدٌ لجهالةِ البادي للسعر، ويُخيّرُ حينَ يرى السوقَ، فلهُ إنفاذُ البيعِ ولهُ فَسْخُهُ.
العَزيمَة والرّخصَة
العزيمةُ ما شُرّعَ من الأحكام تشريعاً عامّاً وألزم العبادُ بالعمل به.
والرخصةُ ما شُرّعَ من الأحكام تخفيفاً للعزيمةِ لِعُذْرٍ مع بقاءِ حكم العزيمة ولا يلزمُ العبادَ أن تعمل به.
والرخصةُ حتى تعتبر رخصةً شرعاً لا بدّ أن يدلَّ عليها دليلٌ شرعيّ، فإنها حكم شرعه الله سبحانه وتعالى لعذرٍ.
فالصومُ مثلاً عزيمةٌ، والفطرُ للمريضِ رخصةٌ، وغَسلُ العضو في الوضوء عزيمةٌ، والمسحُ على العضو المجروح رخصةٌ، والصلاةُ قائماً عزيمةٌ، والقعودُ في الصلاةِ عند العجزِ رُخصةٌ. وهكذا فالعزيمةُ ما كانَ تشريعُهُ عامّاً فلا تختصُّ ببعضِ المكلفينَ دونَ البعض الآخر، ولا يخيّرُ بينَ العملِ بها والعملِ بغيرها بل يُلزم بالعملِ بها وحدها.
والرخصةُ ما كانَ تشريعُهُ طارئاً لعذرٍ فيكونُ تشريعهُ معتبراً ما وُجِدَ العذرُ ولا يُعتَبَرُ إذا زالَ العذرُ.
والرخصةُ من حيثُ تشريعُها رخصةٌ حكمها الإباحةُ فإذا استمرّ على العمل بالعزيمة انتهى العملُ إلى الحرم.


بعض الأحكام الشرعية
البَيع
البيع: لغةً، مطلقُ المُبادَلَةِ، وهو ضدّ الشراءِ، ويُطْلَقُ البَيْعُ على الشراءِ، كما يُطْلَقُ الشراءُ على البيعِ. فيُقالُ: باعَهُ منهُ بمعنى اشتراهُ، شرَوه: بمعنى باعوه، وذلك يُوَضّحُ أنّ كلًّا منهما يُطْلَقُ على الآخَرِ، والقرينةُ تُعيّنُ المرادَ.
والبَيْعُ شرْعاً مبادلةُ مالٍ بمالٍ تمليكاً وتملّكاً على سبيلِ التراضي، والبيعُ جائزٌ بالكتابِ والسنّةِ، قالَ تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البَقَرَة: 275] وقالَ: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البَقَرَة: 282] وقالَ: {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النِّسَاء: 29]، وقالَ (ص): «البَيِّعانِ بالخيارِ ما لمْ يتفرّقا»(+). وقالَ: «التاجرُ الصدوقُ الأمينُ مع النبيينَ والصديقينَ والشّهداء»، ويُشتَرَطُ في البَيْعِ الإيجابُ والقبولُ بلفْظٍ يدلّ على كلِّ واحدٍ منهما(+) أو ما يقومُ مقامَ اللّفْظِ كإشارةِ الأخرسِ، أمّا الكتابةُ فتُعتبرُ منَ اللّفْظِ.
حكم الخِيَارِ في رَدِّ المَبيع
لَقَدْ طَغَتِ النفعيّةُ الرأسماليّةُ على النفوسِ، وصارَ لها أثَرٌ بارزٌ في معاملاتِ المسلمينَ. وهيَ ملْموسَةٌ في مُعاملاتِ البيْعِ في التّجارةِ الداخليّةِ والخارجيّةِ. أمّا التجارةُ الداخليّةُ فإنها واضحةٌ في تجارةِ الخضارِ كوضوحها في تجارةِ القُماشِ وبارزةٌ لدى البقّالينَ وأصحابِ الحِرَفِ والصناعاتِ. فكثيراً ما يضَعُ الفلاّحُ، أو تاجرُ الخضْرَةِ على وجْهِ الصندوقِ الجِنْسَ الجيّدَ منَ الفاكِهَةِ، كما يَضَعُ الخضرَةَ الرديئَةِ أوِ المختَلِطَةَ منَ الجيِّد والرديء، محاولاً بذلكَ تَغْطِيَةَ العَيْبِ الموجودِ حتى يبيعَ الخضرَة والفاكهَةَ بسرْعَةٍ وبسعْرٍ جَيّدٍ. فصندوقُ الخُضْرَةِ أوِ الفاكِهَةِ المُوَجّه بالجنْسِ الجيّدِ تَغَطّى على النّاسِ، بلْ زُوِّرَ في الحقيقةِ منْ أجلِ زيادةِ الرّبح، والنّفْعِيَّةُ هيَ الأساسُ، وقَدْ يبيعُ التاجرُ ثَوْبَ قماشٍ دَبّتْ فيهِ العِثّةُ التي لا تَظْهَرُ ولا يَعْرِفُها إلاّ الخَبيرُ بالقماشِ.
وقدْ يبيعُ ثوْبَ صوفٍ مخلوطٍ بقطنٍ على وجْهٍ لا يَظْهَرُ خَلْطُهُ ويخفى ذلكَ على المشتري، وقدْ يشتري ثوْبَ حريرٍ أصليّ مخلوطٍ بحرير نباتيٍّ ولكنّهُ خفي على المشتري، وقدْ يبيعُ البقّالُ سَمْنَ غَنَمٍ مخلوطاً بسمْنٍ نباتيٍّ وهذا الخَلْطُ خافٍ على المشتري.
وهكذا تسيرُ التجارةُ الداخليّةُ في المبيعاتِ بِبَيْعِ السلَعِ المحتويةِ على عَيْبٍ أوْ عُيُوبٍ إمّا عنْ تدْليسٍ على المشتري، أوْ عنْ عَدمِ عِلْمِ البائعِ بالعيبِ؛ فينتجُ عنْ ذلكَ ضرر المشترينَ وإلزامهُمْ بالسلَعِ المُشتراةِ على ما فيها منْ عيْبٍ ولمْ يقتصرِ الأمْرُ على التجارةِ الداخليّةِ بلْ تعدّاهُ للتجارةِ الخارجيّةِ، فقدْ يشتري بضاعةً منَ الخارجِ، ويدفَعُ ثمنَها وتُرْسَلُ لهُ، ثمّ يَظْهَرُ لهُ حينَ استلامِها عيْبُ أثوابِ الصوفِ التي أكَلَتْها العثّةُ مثلاً، أوْ دبّتْ فيها. وقد يشترطُ في البضاعةِ أوصافاً معيّنةً أو شروطاً خاصّةً، ثمّ تأتي البضاعةُ على خلافِ الشروطِ والأوصافِ. وقدْ يُريهِ البائعُ نماذجَ منَ البضاعةِ ثمّ يجدُ حينَ تسلّمها أنها غيرُها. وفي هذه الأحوالِ تَقَعُ المنازعاتُ بينَ البائعِ والمشتري، وقدْ يُفضي هذا النزاعُ إلى اضطرابٍ في معاملاتِ الناسِ.
وقدْ عالجَ الإسلامُ هذهِ النَّاحيةَ التجاريّةَ بأحكامٍ شرعيّةٍ ترفَعُ المُنازعاتِ، وتُسيّرُ التجارةَ في أقْوَمِ سبيلٍ؛ فبيّنَ أحكامَ الخيارِ في البيْعِ، وجَعَلَ للبائعِ ردّ الثمَنِ، وفَسْخَ العقْدِ في بعْضِ الأحيانِ أيضاً؛ فكان خيارُ التدليسِ والعيْبِ والغَبْنِ، وخيارُ الوصْفِ والرؤيةِ، وخيارُ الشرْطِ والمجلسِ. وخيارُ المجلسِ ثابتٌ في الحديثِ. قال رسول الله (ص): «البيعانِ بالخيارِ ما لمْ يتفرّقا، فإن صدَقا وبيّنا بُورِكَ لهما في بيعهِما وإن كَذبا وكَتَما مُحِقَتْ بركَةُ بيعهما»(+)، وقالَ: «إذا تَبَايَعَ الرّجُلانِ فكلّ واحدٍ منهما بالخيارِ ما لمْ يتفرّقا»(+) وخيار المجلس هذا يختصّ بالبيْعِ ويَثْبُتُ بعدَ العقْدِ وقبْلَ التفرّقِ في كلِّ مبيعٍ، وهو ثابتٌ للبائعِ والمشتري ما داما في المجلس. فإن افترقا فقد تمّ العَقْدُ ووجبَ البَيْعُ وبَطَلَ الخيارُ، وأصبحَ العَقْدُ لازماً، لأنّ الأصلَ في البيْعِ اللزومُ، وذلكَ متى تمّ العقْدُ بالإيجابِ والقبولِ بينَ البائعِ والمشتري لأنّ مجلِسَ البيْعِ عندئذٍ ينتهي. ولكنْ لما كانَ عقْدُ المعامَلَةِ واجبَ الإتمامِ على وجْهٍ يرْفَعُ المنازَعاتِ بينَ الناسِ، جَعَلَ الشارعُ للمتبايعينِ أو لأحدهما الخيارَ في فَسْخِ هذا العَقْدِ، فقدْ يكونُ البائعُ غيرَ منتبه فيسْتَغْفِلُهُ المُشتري، ويَبْتَاعُ مِنْهُ السّلعةَ بأقلّ ممّا تساوي، ولا يَفْطَنُ البائعُ لذلكَ إلاّ بعْدَ انفضاض مجلسِ البيْعِ، وقدْ يكونُ المشتري غافلاً فيغتنم البائعُ غَفْلَتَهُ ويبيعُهُ السلعَة بأكثرَ ممّا تساوي، ولا يَفْطَنُ إلاّ بَعْدَ انفضاضِ مجلسِ البَيْعِ وتفرّقِ المتبايعينِ، وفي هذه الحال تَقَعُ المنازَعةُ بين المتبايعين، كذلكَ كان من الواجبِ أنْ يكونَ العقْدُ على وجْهٍ يَرْفَعُ المُنازَعَةَ، ومنْ هنا جعلَ الشارعُ للبائعِ الخيارَ إذا غُبِنَ في ثمنِ السّلعَةِ، كما جعلَ للمشتري الخيارَ أيضاً إذا غُبِنَ بثمنِ السلعَةِ، وجعَلَ لكلِّ منهما فَسْخَ البَيْعِ في حالةِ الغَبْنِ، فقدْ رُويَ أنّ رجُلاً ذُكرَ للنبيّ (ص) يُخدعُ في البيوعِ فقالَ: «إذا بايعت فَقُلْ لا خلابَة»(+) وعن أنَسٍ أنّ رَجُلاً على عَهْدِ رسولِ الله (ص) كانَ يبْتاعُ، وكانَ في عقْدتِهِ (يعني في عقله) ضَعْفٌ، فأتى أهْلهُ النبيّ (ص)، فقالُوا يا رسولَ اللَّهِ احجُرْ على فلانٍ فإنّهُ يبْتاعُ وفي عُقدَتِهِ ضَعْفٌ، فَدَعاهُ ونهاهُ فقالَ: يا نبيّ اللَّهِ: إني لا أصْبِرُ عنِ البَيْعِ. فقالَ: «إنْ كُنْتَ غيرَ تاركٍ للبيْعِ فَقُلْ ها وها ولا خِلابة»، والخِلابَةُ: الخديعةُ والمرادُ أنّهُ إذا ظَهَرَ غَبْنٌ جازَ للمغبونِ أنْ يَرُدّ الثمنَ إنْ كانَ بائعاً وأنْ يردّ المبيعَ إنْ كانَ مشترياً. وعلى ذلك فالمغبونُ يثْبُتُ لهُ الخيارُ إلاّ أنّ هذا الخيارَ يثبُتُ بشرطَينِ أحدهما عَدَمُ العلْمِ وقْتَ العقْدِ، والثاني الزيادةُ أوِ النقصانُ الفاحِشُ الذي لا يتغابنُ الناسُ بمثلِهِما وقْتَ العَقْدِ.
هذا من ناحيةِ الغَبْنِ بالثّمَنِ. أمّا منْ ناحيةِ التدليسِ فقد يحصُلُ في البَيْعِ أنْ يُدلّسَ البائعُ على المشتري السّلعةَ. ومعنى تدليسِ البائعِ السلعةَ هوَ أنْ يكتمَ العَيْبَ عنِ المشتري معَ عِلْمِهِ بهِ أو يُغطّي العَيْبَ عنهُ بما يُوهِمُ المُشتري عَدَمَهُ، أو يغطّي السلعةَ بما يُظْهِرُها كلّها جيِّدةً، وقدْ يختلِفُ الثمَنُ باختلافِ المبيعِ، لأجْلِ التدليسِ، وقد يرْغَبُ المشتري بالسلعَةِ بسببِ التدليسِ، فقدْ يغطّي البائع صندوقَ البرتقالِ بالجيّدِ منهُ، ويضَعُ في قَلْبِ الصندوقِ برتقالاً رديئاً أو مختلطاً، وقدْ يقولُ عنْ بضاعتهِ بأنها ألمانيّةٌ وهي إيطاليّةٌ، إنّ ذلكَ كلّهُ تدليسٌ يجعَلُ الخيارَ للمشتري، وعليهِ فإمّا أنْ يَفْسَخَ العَقْدَ أو يمضيَهُ وليسَ لهُ غيرُ ذلكَ. وإذا أرادَ المشتري إمساكَ السلعَةِ المَعيبةِ أوِ المدلّسةِ وأخْذَ الأرْشِ، أي الفرْق بينَ ثمنِها منْ غيرِ عيبٍ، وثمنِها بالعيبِ فليسَ لهُ ذلكَ لأنّ النبيّ (ص) لمْ يجعَلْ لهُ أرْشاً، وإنما خيّرَهُ في شيئينِ: «إنْ شاءَ أمْسَكَهَا وإنْ شاءَ ردّها»، ولا يُشترَطُ أنْ يكونَ البائعُ عالماً بالتدليسِ أوِ العيْبِ حتى يَثْبُتَ الخيارُ في العَيْبِ كما يَثْبُتُ في التدليسِ سواءٌ بسواءٍ.
والعيْبُ هو الخروجُ عنِ المجرى الطبيعيّ لزيادةٍ أو نَقْصٍ مُوجبٍ لنقصِ الماليّةِ، لأنّ المبيعَ إنما صارَ محلًّا للعَقْدِ باعتبارِ صفةِ الماليّةِ. فما يُوجِبُ نَقْصاً فيها يكونُ عَيْباً.
وأمّا خيارُ الشرطِ فإنهُ ثابتٌ بقولهِ (ص): «المسلمونَ عندَ شروطهِمْ»(+) والمراد أن يشترط المشتري في المبيعِ صفةً مقصودةً، ممّا لا يُعَدّ فَقْدُهُ عَيْباً، فإنّهُ يصحّ اشتراطُهُ، ويصيرُ الشّرْطُ مُستحقّاً ويَثبتُ لهُ خيارُ الفَسْخِ عندَ عَدَمِ وجودِ الشرْطِ سواءٌ كانَ ما شُرِطَ أقلّ ممّا وجَدَهُ أو أكثرَ منهُ، فيَثْبُتُ لهُ الخيارُ للحديثِ المذكورِ.
هذهِ أحكامُ الخيارِ، ومنها يتبيّنُ أنها أحكامٌ تُزيلُ الضرَرَ عنِ البائعِ والمشتري، وتَرْفَعُ النزاعَ بينهُما. ومنْ ذلكَ يتبيّنُ أنّ على المسلمِ أنْ يكونَ بَيْعُهُ نَقيّاً. فكلّ مَنْ عَلِمَ أنّ بسلعَتِهِ عَيْباً يجبُ عليهِ أنْ يبيّنَ العَيْبَ للمشتري فإنْ لمْ يُبيّنهُ فهو آثمٌ عاصٍ، لما رُويَ عنِ النبيّ (ص) قالَ: «مَنْ باعَ عَيْباً لمْ يُبيّنهُ لمْ يَزَلْ في مَقْتِ الله، ولمْ تزَلِ الملائكَةُ تَلْعَنُهُ»(+)، وقالَ: «ليسَ منّا مَنْ غَشَّ»(+) وهذا كلّهُ يجعَلُ المسلمَ المتقيّدَ بأحكامِ اللَّهِ بعيداً عنِ الغشِّ بدافعِ تقوى الله.
معَ ذلكَ فإنّ الشّرْعَ لمْ يجعَلِ المعاملاتِ مبنيّةً على الدافعِ الذاتي وحدهُ، بلْ جَعَلَهَا مبنيّةً عليهِ وعلى أحكامٍ أُخرى تَرْفَعُ المنازعاتِ فهو في الوقتِ الذي طالبَ بهِ المسلمَ ببيانِ العَيْبِ وبتقوى الله، جعلَ للمشتري الخيارَ، وجَعَلَ للبائعِ الخيارَ في بعْضِ الأحيانِ ليُقيمَ المعاملاتِ بينَ الناسِ على أُسُسٍ ثابتةٍ تَرْفَعُ النّزاعَ، وتَرْفَعُ الضرَرَ عنِ المتبايعينِ سواءٌ كانا مسلمَيْنِ أو غيرَ مسلمينِ، لأنّ أحكامَ المعاملاتِ تُطبّقُ على جميعِ النّاسِ.
بيَع الثِّمارِ على أصُولها
بَيْعُ الثمارِ وهيَ على شجرها كضمانِ الليمونِ والزيتونِ والكرومِ وما شابهَ ذلكَ. فمِنَ النّاسِ مَنْ يضمَنُ كَرْمَ الزيتونِ لسنتَينِ أو ثلاث أو أكثرَ، فيحرثهُ ويُثقّفُهُ ويُعْنَى بهِ كلّ سنةٍ، ويأكلُ ثمَرَهُ أكثرَ منْ سنةٍ. والسببُ في هذا الضمانِ أنّ الزيتونَ مثلاً لا يُثْمِرُ كلَ سنةٍ ثمراً جيّداً، بلْ يُثْمِرُ على الأغلبِ ثمراً جيّداً في سنةٍ، وفي سنَةٍ أُخرى يُثمِرُ أقلّ منْ ذلكَ لأنّهُ ينمي أغصاناً في سنةٍ وثمراً في أُخرى. ولكي يُثمِرَ ثمراً جيّداً يحتاجُ إلى عنايةٍ منْ حرثٍ وتثقيفٍ وتشْذِيبٍ، فيأخذُهُ الذي يضمنهُ لعدّةِ سنواتٍ حتى يتمكّنَ منَ العنايةِ بهِ، وخدمتِهِ خدمةً كافيةً لِيُعطي ثمراً كثيراً جيداً. وكما يجري ذلكَ في الزيتونِ يجري في اللّيمونِ وما شاكَلَهُ منَ الشجرِ. ومنَ النّاسِ مَنْ يضمنُ الزيتونَ والليمونَ والعنَبَ لسنةٍ واحدةٍ فيُقدّرُ ضمانُهُ بتقديرِ ما على الشجرِ من ثمرٍ، بغضِّ النّظَرِ عمّا إذا كانَ الثمرُ قليلاً أو كثيراً، جيّداً أو رديئاً. والضمانُ منْ حيثُ هوَ شراءٌ للثمرِ لسنَتَيْنِ، أو ثلاثٍ أو أكثرَ. فضمانُ الشجرِ لسنتينِ أو أكثرَ شراءٌ لثمرٍ معدومٍ، لأنّهُ غيرُ موجودٍ فعلاً، وبَيْعُ المعدوم لا يجوزُ، وهو منْ بابِ بَيْعِ الغررِ. علاوةً على أنّ بَيْعَ ثمرِ الشجَرِ لسنتينِ، أو ثلاثٍ أو أكثرَ يعني بَيْعَ ما ليسَ عندَكَ. وقد نهى رسولُ اللَّهِ (ص) عنْ هذا البيْعِ قال: «لا تَبِعْ ما ليسَ عندَكَ»(+) وأمّا الضمانُ لِثَمَرِ شَجَرٍ ظاهرِ الثمرِ، فإنهُ بَيْعُ ثَمَر مَوْجودٍ عَلَى الشّجَرِ، والحكْمُ الشرعيّ في هذا الضمانِ أي في شراءِ الثمَرِ الموجودِ على الشجرِ فيهِ تفصيلٌ حيثُ يُنْظَرُ فيهِ للثمَرِ فإنْ كانَ صلاحُهُ بادياً أي يمكِنُ الأكْلُ منْهُ فإنّهُ يجوزُ الضّمانُ، أي يجوزُ بَيْعُ الثّمرِ في هذهِ الحالةِ. وإنْ لمْ يكنْ صلاحُهُ بادياً أي لمْ يبدأ بالإطعامِ بعد، فلا يجوزُ بيْعُه، وذلكَ لما رُويَ عنْ جابرٍ رضيَ الله عنهُ قالَ: «لقدْ نهى النبيّ (ص) عنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حتى يطيبَ»، ولِما رُوِيَ عنْهُ أيضاً: «إنّ النبيّ (ص) نهى عنْ بَيْعِ الثّمَرِ حتى يبدوَ صلاحُهُ» وعن أنس بن مالكٍ، عنِ النبيّ (ص): «أنّهُ نهى عنْ بَيْعِ الثمرةِ حتى يبدوَ صلاحُها»، وقالَ رسولُ اللَّهِ (ص): «أرأيتَ إذا مَنَعَ الله الثمرةَ بمَ يأخُذُ أحدكُمْ مالَ أخيهِ؟»(+) فهذهِ الأحاديثُ كلّها صريحةٌ في النهيِ عنْ بيْعِ الثمرَةِ قبْلَ النضْجِ، ويُسْتدَلّ بمنطوقِ هذهِ الأحاديثِ على عَدَمِ جوازِ بَيْعِ الثمرَةِ قَبْلَ أنْ يبدوَ صلاحُها. ويستدلّ بمفهومِها على جوازِ بَيْعِها إذا بدا صلاحُها وعلى ذلكَ فإنّ ضمانَ الشجرِ الذي ظَهَرَ ثمرُهُ يجوزُ إنْ بدأ يُطْعِمُ، ولا يجوزُ إذا لمْ يبْدأ بالإطعامِ. ولكنْ إذا بيعَتِ الثمرَةُ على الشجرةِ وأصابتْها عاهةٌ منَ العاهاتِ فيجبُ على البائِعِ أن ينزلَ منْ ثمنِ الثمَرِ ما أصابَتْه العاهةُ لما روِيَ أنّ رسولِ اللَّهِ (ص) قال: «مَنْ بَاعَ ثمراً فأصابتْه جائحةٌ فلا يأخذ منْ أخيهِ شيئاً. على ماذا يأخذُ أحدُكُمْ مالَ أخيهِ؟»(+) والمرادُ بالجائحةِ الآفة التي تُصيبُ الثمارَ فَتهْلِكُها. والآفاتُ السماويّةُ كالبردِ والعَطَشِ والرّياحِ والقَحْطِ. وأمّا إذا كانتِ المصيبةُ غيرَ سماويّةٍ كالعَطَشِ الناشىءِ عنْ خرابِ ماكينةِ السّقْيِ والسّرقَةِ والحريقِ وما شاكلَ ذلكَ، فلا يُعْتَبَرُ جائحةً، ولا يدفع البائع عن المشتَري شَيْئاً إذْ لا يدخُلُ تحتَ مدلول الجائحة.
هذا حُكْمُ اللَّهِ في بَيْعِ الثّمَرِ، فيجبُ على المسلمينَ أنْ يَتَقَيّدُوا بهذا الحكْمِ فلا يقومُ أصحابُ البساتينِ ببَيْعِ ثمارِ بساتينهِمْ قَبْلَ أن يبدو صلاحُهَا، ولا يجوزُ لمنْ يضمنونَ الثمارَ أنْ يضمنوها إلاّ في حالةٍ واحدةٍ وذلكَ حينَ يبْدو صلاحُ الثمرةِ وهيَ على الشجرِ.
بَيْع السَّلَم
قالَ رسولُ الله (ص): «مَنْ أسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ في كَيْلٍ معلومٍ وَوَزْنٍ معلومٍ إلى أجَلٍ معلومٍ»(+). والسّلَمُ: السّلَفُ وزْناً ومعنًى. وهو أنْ يُسْلِمَ عِوَضاً حاضراً في عِوَضٍ مَوصوفٍ في الذمّةِ إلى أجَلٍ، أي أنْ يُسْلِفَ مالاً ثمَنَ السلعَةِ، ثمّ يَقْبِضها بعدَ مدّةٍ في الأجَلِ المعيّنِ.
والسّلَمُ نَوْعٌ منَ البَيْعِ يَنْعقِدُ بما يَنْعَقِدُ بهِ البَيْعُ بلفْظِ السّلَمِ والسّلفِ. يُقالُ: أسْلَمَ وأسْلَفَ وسَلَفَ. ويُعْتَبَرُ فيهِ منَ الشروط ما يُعْتَبَرُ في البَيْعِ. وقدْ جرى تعامُلُ الناسِ بالسلَمِ أو التسليفِ لأنهم في حاجةٍ إليهِ. ولاسيّما الفلاحينَ والتجار. فإنّ أربابَ الزروعِ والثمارِ يحتاجونَ إلى النَّفَقَةِ على أنفسِهِمْ وعليها. لِيُتِمّوا ما تحتاجُ إليهِ تلكَ الزّروعُ والثمارُ منْ أعمالٍ. وقدْ يعوزُهمُ المالُ فلا يجدونَهُ فَيَبيعونَ محاصيلهمْ قبْلَ خروجِها بثمَنٍ معجّلٍ يقبِضُونَهُ حالاً في مجلِسِ العقْدِ ويُسلّمونَ السلعةَ للمشتري عندَ حلولِ الأجَلِ المضروبِ. إنّ التجّارَ قدْ يبيعونَ بضاعةً غيرَ موجودةٍ فعْلاً إلى أجَلٍ معلومٍ يعيّنونَهُ، ويقبضونَ الثّمَنَ في مجلسِ العَقْدِ على أنْ يسلّموا البضاعةَ عندَ حلولِ الأجَلِ المضروبِ. وجوازُ السّلمِ ثابتٌ بالسنّةِ؛ فَعَنِ ابنِ عبّاسٍ قال: «قَدِمَ النبيّ (ص) المدينةَ، وهمْ يُسْلِفُونَ في الثمارِ السنَةَ والسنتَينِ، فقالَ: «مَنْ أسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ في كَيْلٍ معلومٍ وَوَزْنٍ معْلومٍ إلى أجَلٍ معْلومٍ»(+)، وعنْ عبْدِ الرحمنِ بنِ أبي أبْزَى وعبْدِ الله بن أبي أوْفى. قالا: «كُنّا نُصيبُ المغانمَ معَ رسولِ الله (ص) وكانَ يأتينا أنْباطُ الشّامِ فَنُسْلِفُهُمْ في الحنطةِ والشّعيرِ والزيْتِ إلى أجْلٍ مُسمّى، قيل: أكانَ لهُمْ زَرْعٌ أوْ لمْ يكُنْ؟ قالا: ما كنّا نَسْألهُمْ عنْ ذلكَ»، وعنْ رسولِ الله (ص) قال: «مَنْ أسْلَفَ سَلَفاً فَلْيُسْلِفْ في كَيْلٍ معلومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلومٍ إلى أجَلٍ معْلومٍ»(+)، فهذهِ الأحاديثُ كلّها دليلٌ ظاهرٌ على جَوَازِ السّلَمِ. أمّا ما هيَ الأشياء التي يجوزُ فيها السّلَمُ، والأشياءُ التي لا يجوزُ فيها السّلَمُ؛ فإنّهُ واضحٌ في الحديثِ والإجماعِ، وذلكَ أنّ السّلَمَ بَيْع ما لا يملكُ وبَيْعُ ما لمْ يَقْبِضْ وهما ممنوعانِ.
وقد اسْتُثْنِيَ السّلَمُ منها بالنصِّ فخصّصَ المَنْع في غيرهِ، ولذلكَ لا بدّ أنْ يكونَ الشيءُ الذي يصحّ فيهِ السّلمُ منصوصاً عليهِ. وبالرّجوعِ إلى النصوصِ نجِدُ أنّ السّلَمَ يجوزُ في كلِّ ما يُكالُ ويُوزن لقولِ رسولِ الله (ص): «في كَيْلٍ معْلومٍ ووزْنٍ معلومٍ»(+) كما يجوزُ في كلِّ معدودٍ. وقد انعَقْد الإجماعُ على أنّ السّلَمَ في الطعامِ جائزٌ. والطّعامُ لا يخلو منْ كونهِ مكيلاً أو موزوناً أو معدوداً فَتَعَلّقُ الحكمِ بكلِّ ما يقدّرُ بهِ الطعامُ منْ كيْلٍ أو وزْنٍ أو عَدَدٍ كَتَعَلّقِ القبْضِ بهِ منْ كوْنِه ممّا يحتاجُ إلى قبْضٍ. إلاّ أنّهُ لا بدّ أنْ تكونَ الأشياءُ المسلّمُ بها مضبوطةَ الصّفَةِ كَقَمْحٍ حَورانيّ، وتمْرٍ عراقيٍّ، وقطْنٍ مصريٍّ، وحريرٍ هنديٍّ، ومضبوطةَ الكَيْلِ أوِ الوزْنِ كصاعٍ شاميٍّ، ورطل عراقيّ، وكالكيلو، والليتر. أي لا بدّ أن يكونَ الكيْلُ والميزانُ معروفَينِ موصوفَينِ، وكما تجبُ معرفَةُ جِنْسِ المسلّمِ بهِ، وجنْسِ ما يُكالُ وما يُوزَنُ، كذلكَ يجبُ أنْ يكونَ البَيْعُ لأجَلٍ، وأنْ يكونَ الأجَلُ معْلوماً فلا يصحّ السّلَمُ في الحال. بلْ لا بدّ أنْ يُشْتَرَطَ الأجَلُ لقولِ النبيّ (ص): «إلى أجَلٍ معلومٍ» فدلّ على أنّ الأجَلَ شرْطٌ في صحّةِ السّلَمِ. على أنّهُ إذا كانَ حالاً ولمْ يُعيّنْ لهُ أجَلٌ فلا يسمّى سَلفاً، لأنّ الذي يجعلهُ سَلَماً وسَلَفاً هو تعجيلُ أحَدِ العِوضَينِ، وتأخيرُ العِوَضِ الآخَرِ. ولا بدّ أنْ يكونَ الأجَلُ معْلوماً، لقولِ النبيّ (ص): «إلى أجَلٍ معلومٍ» وتعيينُ الأجَلِ إنما يكونُ بِشَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ مثلاً، أو إلى تاريخِ كذا، بحيثُ لا يتفاوتُ فيهِ تفاوُتاً كثيراً. وكذلكَ لا بدّ أنْ يكونَ الثّمَنُ معْلوماً لِقَوْلِهِ (ص): «فيسلفُ في ثمَنٍ معْلُومٍ» ولا يجوزُ أنْ يكونَ الثمنُ إلاّ مقْبوضاً حالاً في مجلسِ العَقْدِ فإنْ تفرّقَ المتبايعانِ قَبْلَ قَبْضِ الثّمَنِ جميعِهِ بَطَلَتِ الصّفقَةُ كلّها، لأن التسْليفَ في اللّغَةِ العربيّةِ التي خاطَبَنَا بها رسولُ اللَّهِ (ص) هو أن يُعْطي شَيئاً في شيءٍ. فَمَنْ لمْ يدْفَعْ ما أسْلَفَ فإنّهُ لَمْ يُسْلِفْ شيئاً، وإنما وعدَ بأنْ يُسْلِفَ. فلوْ دفَعَ البَعْضَ دونَ البعْضِ، أكْثَرَهُ كانَ أوْ أقلّهُ، صحّ السّلَمُ فيما قَبَضَ وبطلَ فيما لمْ يقْبض.
فَقَبْضُ البائعِ الثّمَنَ منَ المُشترِي شَرْطٌ لصحّةِ السّلَمِ. أمّا وجودُ السلعةِ المباعةِ حينَ البيعِ فَلَيْسَ بشرْطٍ.
فالسّلمُ جائزٌ فيما لا يُوجَدُ حينَ عَقْدِ السّلَمِ، وفيما يوجَدُ، وإلى مَنْ عندَهُ شيءٌ ولمَنْ ليسَ عندَهُ شيءٌ، لأنّ النبيّ (ص) حينَ قَدمَ المدينةَ كانوا يُسلفونَ في الثمارِ السنتينِ والثلاث، ومنَ المعلومِ أنّ الثمارَ لا تبقى هذهِ المدّة، والرسولُ لمْ يَنْهَهُمْ عنِ السّنَةِ والسنَتَينِ، بلِ أقَرّهُمْ على ذلكَ، وعليهِ فيجوزُ أنْ يُدْفَعَ ثمنُ سِلَعٍ تُسلّمُ بَعْدَ مدّةٍ معيّنَةٍ، كانَتْ موجودةً أمْ لمْ تكنْ. ولكنْ يُشترَطُ أنْ لا يكونَ في الثمنِ غَبْنٌ فاحشٌ، بلْ يجبُ أنْ يكونَ الثّمَنُ ثمنَ المِثْلِ بحسبِ سعرِ السّلَمِ في السّوقِ عنْدَ عَقْدِ البَيْعِ لا عندَ استلامِ السلعةِ. فكما يحْرُمُ أنْ نَبيعَ سلعةً مُعجّلَةَ القَبْضِ بثمَنٍ مُؤجّلِ بِغَبْنٍ فاحشٍ كذلكَ لا يجوزُ أنْ نَبيعَ سلعةً مُؤجّلَةَ القبْضِ بثمنٍ مُعَجّلٍ القَبْضِ بغَبْنٍ فاحشٍ. والغَبْنُ في السّلَمِ حرامٌ، وإذا ظَهَرَ غَبْنٌ في بَيْعِ السّلَمِ كانَ حُكْمُهُ كَحُكْمِ الغَبْنِ في البَيْعِ فإنّ للمغبونِ فَسْخَ البَيْعِ برَدِّ الثمَنِ واسْتردادِ المبيعِ، ولهُ أنْ يأخُذَ منَ البائعِ المبْلَغَ الذي غُبِنَ بهِ. والغَبْنُ الفاحِشُ يُقدّرُ بتقديرِ التجّارِ الأمناءِ فما يعتبرونه غَبْناً يكونُ غَبْناً.
وعلى هذا فإنّ ما يفْعَلُهُ المسلمونَ منَ السّلَفِ والتسليفِ جائزٌ في كلِّ ما يكونُ مكيلاً أو موْزوناً، أو معدوداً، سواءٌ كان طعاماً أو غيرَهُ وغير جائزٍ في غيرِ ذلكَ.
بيع السلع قبل تمام ملكها حرام
يُلاحَظُ على المسلمين بعدَ أن احتلّ المستعمِرُ بلادَهُمْ، وطبّقَ عليهِم النظامَ الرأسماليّ، أنهم ألِفوا هذا النظامَ، واندَفَعُوا في تطبيقِهِ على أنفُسِهِمْ، مع أنّهُ نظامٌ يخُالِفُ عقيدتهُمْ، ولمْ يقتصِرِ الأمْرُ على ذلكَ، بلْ تجاوزُوه إلى نسيانِ تطبيقِ أحكامِ الشّرْعِ عليهِمْ وإهمالِ ملاحظتِها عندَ القيامِ بأعمالِهِمْ. وتراهُمْ على العمومِ حينَ يباشرونَ أعْمالهم في عَلاقاتهِم معَ الناسِ، لا يدورُ بخلدهِمْ سوى هذهِ المنافعِ، وما في المعاملاتِ منْ أرباحٍ. ولا يمتنعونَ عن القيامِ بعَمَلٍ، لأنّ الشرْعَ حرّمَهُ، ولا يأتونَ عملاً لأنّ الشّرْعَ حَلّلَهُ، بلِ المَمْنُوعُ عندَهُمْ ما مَنَعَهُ القانونُ، أوْ ما كانَ عَيْباً في عُرْفِ النّاسِ، والجائزُ ما أجازهُ القانونُ. وما اصطلحَ الناسُ على التعامُلِ بهِ. وقدِ اندفعوا في المعاملاتِ على هذا الأساسِ، وتركوا أحكامَ الشرْعِ وراءهم ظهريّاً بالرّغْمِ من محافظتِهِمْ على الصّلاةِ واعتقادهِمْ بالإسلامِ، وقدْ أدّى الإهمالُ في تطبيقِ الأحكامِ إلى نسيانها لأنّها لمْ تَعُدْ لازمةً في حياتهم العامّةِ. ويكفي أنْ يحْفَظَها الفُقَهَاءُ ويَطلع عليها المشايخُ، ومن هنا كانتِ المهمّةُ التي يَضْطَلِعُ بها حَمَلَةُ الدعوّةِ الإسلاميّةِ هيَ: التذكيرُ بأحكامِ اللَّهِ، والإنذار بوُجوبِ تطبيقِها، وشرْحُ هذهِ الأحكامِ، وبيانُ الرأيِ الإسلاميّ فيها. ولمّا كانَ المالُ منْ أهمِّ ما يسعى الناسُ للحصولِ عليهِ لمْ يَكُنْ بُدٌّ منْ دوامِ تذكيرِ المسلمينَ بأنّ حيازَتَهُ لا يجوزُ أنْ تكونَ إلاّ بسببٍ منَ الأسبابِ التي أباحَهَا الشّرْعُ للمسلمِ، وما اعتادَهُ المسلمونَ في معاملاتِ البَيْعِ وإقدامِهِمْ على بَيْعِ ما يملِكُونَ على أمَلِ أنْ يملِكُوهُ، فكثيرٌ من الباعةِ الذينَ لا يملكونَ السلعةَ حالَ طَلَبِها، يذهبونَ لمَنْ يملكُها ويشترونها منهُ، ثمّ يسلّمونها لمنْ طلَبَها منهُمْ. وهذا الأسلوبُ غيرُ جائز شَرْعاً، وكثيرٌ منَ الناسِ مَن يشتري الحبوبَ أوِ الفاكهَةَ منَ الفلاّحِ ثمّ يبيعُها قبْلَ أنْ يقبضَها لاعتقاده بأنّهُ باع ما يملكُهُ، دونَ أنْ يفكّرَ بأحكامِ الشرْعِ، ودونَ أنْ يَعْلَمَ ما إذا كانتِ الصّفْقَةُ التي اشتراها تمّتْ أمْ لا».
وهكذا دأبَ الناسُ على بَيْعِ سِلَعٍ لا يملِكونها بعد، كما دأبوا على بَيْعِ ما مَلَكُوا منَ السّلَعِ، دونَ أنْ يفكّرُوا بأحكامِ الشرعِ أو يعلموا ما إذا كانَ ذلكَ حلالاً أمْ حراماً. ولذلكَ كانَ لا بدّ منْ بيانِ حُكْمِ الشرْعِ في مثْلِ هذهِ البُيُوعِ.
والحكْمُ الشرعيّ فيها يختلِفُ باختلافِ بَيْعِ ما لا يملِكُهُ أو يمْلِكُهُ وَلمْ يقْبِضْهُ، ولكلِّ واحدٍ حُكْمٌ. أمّا بالنسبةِ لبيْعِ ما لا يملِكُهُ فلا يجوزُ مُطلقاً في شيءٍ، لأنّ عَقْدَ البَيْعِ إنما يَقَعُ على المُلْكِ، وما لمْ يَكُنْ ممْلوكاً بَعْدُ لا يَقَعُ عليهِ عَقْدُ البَيْعِ لأنّ ما وقَعَ عليهِ العَقْدُ غيرُ موجودٍ، وقد نهى رسولُ الله (ص) عَنْ بَيْعِ ما لا يملِكُهُ البائعُ. رُوِيَ عنْ حكيمِ بنِ حزامٍ قالَ: «قلْتُ يا رسولَ الله يأتيني الرجلُ فيسألُني عن البيعِ وليسَ عندي ما أبيعُهُ منهُ، ثم أبتاعُهُ منَ السّوقِ، فقالَ: «لا تَبِعْ ما لَيْسَ عندَكَ»(+) وعنْ عمرو بنِ شُعَيْبٍ عنْ أبيهِ عَنْ جَدّهِ قالَ: «قالَ رسولُ الله (ص): «لا يحلّ سلَفٌ وبيْعٌ ولا بَيْعُ ما ليسَ عندَكَ»(+) وهذا يدُلّ على أنّ كلّ ما كانَ غائباً خارجاً عنِ المُلْكِ لا يجوزُ بَيْعُهُ مُطلقاً، فَبَيْعُ التاجرِ السلعةَ قبلَ أنْ يشتريها، وبَيْعُ المُسْتَوْرِدِ البضاعةَ قَبْلَ أنْ يَعْقِدَ صَفْقَتَها لا يجوزُ مُطلقاً لأنّ البائعَ لا يملكُ ما باعَهُ، وللنّهي الواردِ في الحديثِ الشريفِ.
وأمّا بالنسبةِ لِبَيْعِ ما مَلَكَهُ ولم يَقْبِضْهُ، ففيهِ تفصيلٌ فإنْ كانَ ممّا يحتاجُ إلى قَبْضِهِ كالطّعَامِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ بَيْعِ ما لا يملِك، لقولِ النبيّ (ص): «مَنِ ابتاعَ طعاماً فلا يبيعُهُ حتى يستوفِيَهُ»(+) ولِما رُوِيَ: أنّ النبيّ (ص) لما بَعَثَ عتّاب بن أُسَيْد إلى مَكّةَ قال: «انهَهُمْ عنْ بَيْعِ ما لمْ يَقْبضُوهُ» وذلكَ لأنّهُ إذا وقعَ البَيْعُ على مَكيلٍ، أو على موزونٍ أو على معْدودٍ فَتَلِفَ قَبْلَ قبضهِ فهو منْ مالِ البائعِ، ولا شيءَ على المشتري ويبْقى حَقّهُ كاملاً، وبذلكَ لا يكون قدْ تمّ عليهِ مُلْكُهُ فلا حقّ لهُ ببَيْعِهِ قبلَ قبْضِهِ.
إلاّ أنّ هذا كلّهُ إذا لمْ يكنْ مُتعيّناً، كما لو اشترى ذراع قماشٍ من ثوْبٍ، أو قنطارَ قُطْنٍ منْ مخزنٍ، أو رِطْلَ زَيْتٍ منْ جَرّةٍ. أمّا إذا كانتِ السلعةُ متعيّنَةً بالإشارةِ إليها كما لو باعَهُ جرَّةَ الزيْتِ هذهِ، أوْ صندوقَ التفّاحِ هذا، أو هذا القطنَ، فإنّهُ يجوزُ لهُ بَيْعُهَا قَبْل قبضِها، لأنها تَتْلَف على المشتري إذا تَلِفَتْ على على البائعِ. وهذا كلّهُ إذا كانتِ السلعَةُ ممّا يحتاجُ إلى قَبْضِهِ. أمّا إذا كانتِ السلعةُ ممّا لا يحتاجُ إلى قبضِهِ، وهو ما كانَ غيرَ مكيلٍ ولا موزونٍ ولا معدودٍ فإنّهُ يجوزُ بَيْعُها قبْلَ قبضِها، لأنها مِنْ مالِ المشتري إذْ لوْ تَلِفَتْ عندَ البائعِ تلفتْ على المشتري لا على البائعِ، لما روى ابنُ عمرَ: أنّهُ كانَ على بَكْرٍ صَعْب ـ يعني جَمَلاً صعباً لعمر ـ فقال النبي (ص) لعمر: «بِعْنِيهِ» فقالَ: «هوَ لكَ يا رسولَ الله»، فقالَ النبيّ (ص): «هوَ لكَ يا عبدَ الله بنَ عُمَر فاصنعْ بهِ ما شئتَ» فاشترى الرسولُ (ص) الجمَلَ منْ عُمَرَ، ووهبهُ لعبْدِ الله بنِ عمرَ قبْلَ أنْ يقبضهُ، وهذه ظاهرةُ التصرّفِ في المبيعِ بالهِبَةِ قبلَ قبْضِهِ.
وبناءً على هذا فإنّ ما سارَ عليهِ التجارُ منْ بَيْعِ البضاعة قَبْل أنْ يشتروها كما يحصلُ عادةً منْ أنهمْ يبيعونَ السّلْعَةَ ثمّ يذهبونَ لشرائها وإحضارِها للمشتري، أوْ منْ بَيْعِهِمْ بضاعةً، ثمّ شرائها منْ تاجرٍ آخر على الهاتف. ثمّ إحضارها وتسليمها للمشتري يخالفُ الشّرْعَ، وهو بَيْعٌ باطلٌ لا ينعقِدُ فيحرمُ عليهِمْ مُلْكُهُ كما يحرمُ عليهِمْ ربحُهُ.
وكذلكَ ما اعتادُوهُ منْ بَيْعِ البضاعةِ التي اشتروها قبلَ أنْ يتسلموها، وكانت ممّا يحتاجُ إلى قبْضٍ.
البَيْع بالتقسِيطِ والدَّيْن
قالَ رسولُ الله (ص): «إنما البيعُ عن تراضٍ»(+) ولصاحبٍ السّلعةِ أنْ يبيعَها بالسعرِ الذي يرضاهُ، ولهُ أنْ يمتنعَ عن بيعِها بالسّعرِ الذي لاَ يرضاهُ. ولهذا يجوزُ لصاحبِ السّلعةِ أن يجعلَ لسلعتِهِ ثمنينِ، ثمناً حالاً وثمناً مؤجلاً، أو ثمناً بالتقسيطِ لعدّةِ آجالٍ. ولذلك يجوزُ أن يساوِمَ البائعُ المشتريَ بأيِّ الثّمنينِ يقبلُ الشراءَ، ويجوزُ أنْ يساومَ المشتري البائعَ بأيِّ الثمنينِ يقبلُ البيعَ. وهذهِ كلّها مساومةٌ على الثمنِ وليستْ بيعاً، فإذا اتفقا على سعرٍ معينٍ وباعَ البائعُ المشتريَ بالسعرِ الحاليِّ فقبلَ المشتري، أو باعهُ بالسعرِ المؤجّلِ فقبلَ المشتري، فإنّ ذلكَ صحيحٌ، لأنّهُ مساومةٌ على البيعِ وليستْ بيعاً. والمساومةُ جائزةٌ، فإنّ الرسولَ (ص) ساومَ، فقدْ رُوِيَ عن أنسٍ (رضي) «أنَّ النبيّ (ص) باعَ قدحاً وحلساً بثمنٍ يزيد» وبيع المزايدةِ هو المساومةُ. وكذلكَ يجوزُ للبائعِ أن يبيعَ سلعتَهُ بثمنينٍ أحدهما يكونُ نقداً والآخرُ نسيئةً. فلو قالَ شخصٌ لآخرَ: بعتكَ هذهِ السّاعةَ بثلاثينَ ليرةً لبنانيةً نقداً. وبأربعينَ نسيئةً، فقالَ: اشتريتُ نقداً بثلاثينَ، أو نسيئةً بأربعينَ، صحَّ البيعُ. ففي هذا المثالِ حصلتِ المساومةُ على ثمنينِ ولكنَّ البيعَ تمَّ على ثمنٍ واحدٍ. قال الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البَقَرَة: 275]. وهذا عام. فإذا لم ينصّ الشرعُ على تحريمِ نوعٍ معيّنٍ من البيعِ، فإنَّ البيعَ يكونُ حلالاً، لعمومِ قولِهِ تعالَى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البَقَرَة: 275] هذا النصّ فيشمَلُ جميعَ أنواعِ البيعِ ويدلُّ على أنّها حلالٌ، إلا الأنواعَ التي وردَ نصٌّ في تحريمها، فإنّها تصبحُ حراماً بالنصِّ مستثناةً من العمومِ. ولم يَرِدْ نصٌّ في تحريمِ جعلِ ثمنينِ للسلعةِ، ثمنٍ معجّلٍ وثمنٍ مؤجّلٍ فيكون حلالاً أخذاً من عمومِ الآيةِ. وأيضاً فقد قال (ص): «إنّما البيعُ عن تراضٍ»(+) والمتبايعانِ هنا كانا بالخيارِ وتمَّ البيعُ برضاهما. وقد نصَّ جمهرةُ الفقهاءِ على أنَّهُ يجوزُ بيعُ الشيءِ بأكثرَ من سعرِ يومِهِ لأجلِ تأخيرِ دفعِ الثّمنِ. وقال عليٌّ (ع) «من ساومَ بثمنينِ أحدهما عاجلٌ والآخرُ نَظِرَةٌ فليسمِّ أحدَهُما قبلَ الصّفقةِ» ومن ذلَك يتبيّنُ أنَّ ما يفعلُهُ التّجارُ من بيعِ سلعٍ بثمنينِ، ثمنٍ معينٍ إذا دُفعَ نقداً، وثمنٍ أزيدَ إذا دُفعَ تقسيطاً، فإنّ هذا مبيعٌ جائزٌ، والحكمُ الشرعيُّ فيهِ أنّهُ حلالٌ، وما يفعلُهُ بعضُ الفلاحينَ وأصحابُ البساتينِ من شراءِ البذارِ أو الماشيةِ أو الآلاتِ، وما شابَهَهَا واشتراطِ دفعِ ثمنِهَا مؤجّلاً إلى الموسمِ بزيادةِ الثّمنِ مقابلَ تأجيلِ الدّفعِ فذلكَ جائزٌ، إلا أنّهُ يُشترطُ في زيادةِ الثمنِ المؤجلِ محلّ الثمنِ الحاليِّ للسلعةِ الواحدةِ أنْ لا يكونَ هنالكَ غبنٌ فاحشٌ كما يفعلُهُ المرابونَ، فإذا كانَ في هذا البيعِ غبنٌ كانَ الغبنُ هو الحرامُ وليس البيعُ مؤجلاً بثمنٍ أزيدَ عن الثّمنِ الذي يُدفعُ نقداً.
التسعِير
إنّنا نسمع الكثيرَ من النّاسِ يُلِحُّونَ على الدَّولةِ أنْ تُبادِرَ بتسعيرِ السّلَعِ نظراً لما يلمسونَهُ منَ الواقِعِ السيّىء في ظلِّ النّظامِ الرأسماليِّ الذي يحمي الغبنَ والغشَّ والتّدليس وظنّاً منهم أنّ التّسْعيرَ يكونُ لمصلحةِ المستهلكِ وجهلاً منهم بالحكمِ الشرّعيِّ، ولكنْ الله سبحانَهُ وتعالى جعلَ لكلِّ شخصٍ أنْ يبيعَ سلعتَهُ بالسّعرِ الذي يرضاهُ هُوَ نَفْسُهُ، قالَ الرُّسُولُ (ص): «إنّما البيعُ عن تراضٍ»(+) وقد حَرَّمَ الله سبحانَهُ وتعالى على الدولةِ أنْ تَضَعَ أسعاراً معيَّنَةً للسّلَعِ تُجْبِرُ الناسَ على البيعِ والشراءِ بحسبها.
والتسعيرُ هو أَنْ يأمر الحاكمُ أوْ نُوّابُهُ أوْ موظفوهُ أهلَ السّوقِ أن لا يَبيعوا السّلعَ إلا بسعرٍ معيَّنٍ فيُمنعوا من الزيادَةِ عليه حتى لا يغلوا الأسعارَ، أو ينقصوا عنه حتى لا يضاربوا غيرَهُمْ، أيْ يُمنعونَ من الزّيادَةِ أو النقصِ عن السّعرِ المقرّرِ لمصلحةِ النّاسِ.
وقد حرَّمَ الإسلامُ التّسْعيرَ مطلقاً لما رويَ عن أنسٍ قال: غلا السّعرُ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ (ص) فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ لو سعَّرْتَ. فقال: «إنَّ الله هو القابِضُ الباسطُ الرّازِقُ المُسَعِّرُ وإنّي لأَرْجُو أَنْ ألقى الله عزَّ وجلَّ ولا يطلبني أحدٌ بمظلَمَةٍ ظَلَمْتُها إِيّاهُ في دمٍ ولا مالٍ(+)». وجاءَ رَجُل إلى رسولِ الله (ص) فقال: يا رسولَ الله سعِّر، فقال: «بل أدعو اللَّهَ»، ثم جاء آخرُ فقالَ يا رسولَ الله سعّرْ فقال: «بل الله يخفضُ ويرفعُ». هذه الأحاديثُ تدلُّ على تحريمِ التّسعيرِ وأنّهُ مظلمةٌ من المظالمِ التي ترفع الشكوى على الحاكم لإزالتِها وإذا فَعَلَها الحاكمُ أَثِمَ عندَ اللَّهِ لأنّهُ فَعَلَ حراماً، وكانَ لكلِّ شخصٍ من رعيَّتِهِ أنْ يَرْفع الشكْوى إلى محكمةِ المظالمِ على هذ الحاكِمِ الّذِي سعَّرَ لِتَحْكُمَ عَلَيْهِ وتقومَ بإزالةِ هذه المَظْلَمَةِ. وتحريمُ التّسْعِيرِ عامٌّ لجميعِ السّلعِ لا فرقَ في ذلك بينَ ما كانَ قوتاً وما لمْ يكنْ كذلك، لأنَّ الأحاديثَ تنهى عنِ التّسْعِيرِ مُطلقاً فهيَ عامَّةٌ ولا يوجدُ ما يخصّصُهُ بالقوتِ أوْ بغيرِهِ، فكانتْ حرمةُ التّسْعِيرِ عامَّةً تشملُ تسعيرَ كلِّ شيءٍ.
والتّسعيرُ ضررٌ من أشَدِّ الأضرارِ على الأمّةِ في جميعِ الظروفِ سواء أكانَ ذلكَ في حالةِ الحربِ أمْ في حالَةِ السّلْمِ، لأنّهُ يَفْتَحُ سوقاً خفِيّةً يبيعُ النّاسُ فيها بَيْعاً مَسْتوراً عنِ الدّولةِ بعيداً عن مراقبتِها وهي ما يُسَمُّونَها السّوق السوداء، فترتفعُ الأسعارُ ويحوزُ السّلعةَ الأغنياءُ دونَ الفقراء، ولأنَّ تحديدَ الثّمنِ يؤثِّرُ على الاستهلاكِ فيؤثر على الإنتاجِ، وربمّا سبَّبَ أزمةً اقتصاديّةً وفوقَ ذلكَ فإنَّ النّاسَ مُسلّطونَ على أموالِهِمْ لأنّ معنى ملكيّتِهِمْ لها أنْ يكونَ لَهُمْ سلطانٌ عليها والتّسْعِيرُ حجر عَلَيْهِم وهو لا يجوزُ إلا بنصٍّ شرعيّ ولم يردْ نصٌّ بذلك، فلا يجوزُ الحَجْرُ على النّاسِ بوضعِ ثمنٍ مُعَيَّنٍ لِسِلَعِهِمْ ومنعهم من الزيادَةِ عليه أو النقصِ عنه أمّا ما يحصلُ من غلاءِ الأسعارِ في أيّامِ الحروبِ أو الأزماتِ السّياسيَّةِ فإنّهُ ناتجٌ إمّا مِنْ عدمِ توفيرها في السّوقِ بسببِ احتكارِها أو بسببِ نُدْرَتِها فإنْ كانَ عدمُ وجودها ناتجاً عن الاحتكارِ فقد حَرّمَهُ الله، وإنْ كانَ ناتجاً عن نُدْرتها فإنَّ الخليفَةَ مأمورٌ برعايةِ مصالحِ الناسِ، فعليه أنْ يسعى لتوفِيرها في السّوقِ في جَلْبِها من أمكِنَتِها، وبهذا يكونُ قد منعَ الغلاءَ، وعمرُ بنُ الخطَّابِ رضي الله عنه في عامِ المجاعةِ الذي سُمّيَ عامَ الرّمادةِ إنّما حصلتِ المجاعةُ في الحجازِ فقط لندرةِ الطعامِ في تلكَ السّنَةِ وقَدْ غلا من جَرّاءِ نُدْرَتِهِ فَلَمْ يَضَعْ أسعاراً معيّنَةً للطّعامِ بلْ أرسلَ وجلب الطّعامَ من مِصْرَ وبلادِ الشّامِ إلى الحجاز، فرخصَ دونَ حاجةِ إلى التّسْعيرِ.


الاحْتِكـار
يُقالُ في اللّغَةِ حكِرَ حكْراً بالشّيء: استبدّ بِهِ واسْتَقَلَّ وَأصْلُ المعنى: الجمعُ والإمساكُ.
ويُقالُ احتكَر وتحكر الطّعامَ: جَمَعَهُ وَحَبَسَهُ عَنِ البيعِ ليقلَّ فَيَغْلُوَ سِعرُهُ. والاحتكارُ حرامٌ شَرْعاً لورودِ النّهْيِ الجازمِ عَنْهُ في الحديثِ الشّريفِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ سعيد بن المسيّبِ أنَّ النَّبِيَّ (ص) قال: «لا يحتكرُ إلا خاطىءٌ»(+) وقالَ: «من احتكرَ فهو خاطىءٌ»(+) ورُوِيَ عَنْ أبي أمامَةَ قالَ: «نَهَى رسولُ الله (ص) أنْ يُحْتَكَرَ الطّعام».
فالنّهيُ في الحديثِ يفيدُ طلبَ التَّرْكِ وذمَّ المحتكر بوصفِهِ أنَّهُ خاطىءٌ والخاطىءُ هو المُذْنِبُ العاصي.
والمحتكرُ هُوَ مَنْ يَجْمَعُ السّلَعَ انتظاراً لِبَيْعِها بِسِعرٍ غالٍ بحيثُ يَضِيقُ على المواطنِ شراؤها فبناءً على هذا يكونُ الاحتكارُ: هو الاستبداد بحبسِ البضاعةِ كيْ تباعَ بالكثيرِ من الأموالِ، وأما كونُ شرطِ انطباقِ الاحتكارِ كونه يبلغُ حدّاً يضيقُ على أهلِ البلدِ شراءُ السّلْعَةِ المحتكرةِ، فَلَوْ لَمْ يَضِقْ على النّاسِ شراءُ السّلْعَةِ لا يحصلُ جمعُ البضاعةِ ولا الاستبدادُ بها كي تباعَ بالأسعارِ المرتفعة وليسَ شرطُ الاحتكارِ أنْ تُشْترى السلعةُ فَقَطْ بلْ شراؤها وجَمْعُها انتظاراً للغلاءِ يعتبرُ احتكاراً، وسواء جمعَها بالشراءِ أو جمعَها من غلّةِ أراضيهِ الواسعةِ لانفرادِهِ بهذا النّوْعِ من الغلّةِ أو لِنُدْرَةِ زراعَتِها، أو جَمَعَها مِنْ مصانِعِهِ كما هيَ حالُ الاحتكاراتِ الرأسماليّةِ، فإنهم يحتكرونَ صناعةَ شيءٍ بقصدِ قَتْلِ جميعِ المصانعِ إلاّ صناعَتَهُمْ ثمَّ يتحكّمونَ مستبدينَ بالسّوقِ. وبناءً على هذا الفهمِ اللَغَويِّ والشرعيِّ لمنطوقِ ومفهومِ كلمةِ الاحتكارِ، يكونُ الاحتكارُ حراماً في جميعِ الأشياءِ من غيرِ فَرْقٍ بينَ قوتِ الآدمِيِّ أو قوتِ الحَيوانِ ومِنْ غيرِ فَرْقٍ بينَ ما هوَ من ضروريّاتِ النّاسِ أو من كماليّاتِهِمْ. وذلكَ لأنَّ معنى احتكرَ في اللّغَةِ جمع الشّيء مُطلقاً ولم تأتِ بمعنى جمعِ الطّعامِ أو القوتِ أو ضروريّاتِ النّاسِ بلْ جمع الشيءِ فلا يجوزُ أنْ تخصصّ بغيرِ معناها اللّغَويِّ، لأنَّ الأحاديثَ جاءت مطلقةً من غيرِ قيدٍ وعامةً من غيرِ تخصيصٍ فتبقى على إطلاقِها وعُمومِها.
وأمّا ما وردَ في بعضِ الرواياتِ لأحايث الاحتكارِ من تَسْليطِ الاحتكارِ على الطّعامِ فَقَطْ، فإنَّ ذِكْرَ الطّعامِ في الحديثِ لا يجعلُ الاحتكارَ خاصّاً بالطّعامِ لأنَّ ذكر الطّعامِ في بعضِ الأحاديثِ تنصيصٌ على نوعٍ من أنواعِ الاحتكار كمثالٍ عَلَيْهَا وَلَيْسَتْ هِيَ قيداً ولا مُخصِّصاً للاحتكارِ ولاَ وَصْفاً لهُ مَفْهُوماً يُعْمَلُ به، بَلْ هُوَ اسمٌ جامِدٌ لِمُسَمًّى مُعَيَّنٍ ولَيْسَ نَعْتاً بَلْ هُوَ لَقَبٌ.
لذا فَلاَ يُعْمَلُ بِمَفْهُومِهِ والذي يصلحُ قيداً أو مُخَصّصاً هو حالةُ مفهومٍ يُعْمَلُ بهِ فدلَّ على أن الرواياتِ التي نَهتْ عن الاحتكارِ، حتى الرواياتِ التي ذكرتِ الطعامَ هي أحاديثُ مطلقةٌ وعامّةٌ فَتَشْمَلُ النّهيَ عَنِ احتكارِ كلِّ شيء مُطْلَقاً. وواقعُ المحتكرِ أنَّهُ يَتحكَّمُ في السُّوقِ ويفرضُ على النّاسِ ما يشاءُ من أسعارٍ باحتكارِهِ السّلْعَةَ عِنْدَهُ فيضطرّ الناسُ لشرائِها مِنْهُ بالثّمنِ الغالي لعدمِ وُجُودِها عندَ غيرِهِ. فالمحتكِرُ إذنْ يكونُ في حقيقتِهِ مَنْ يُريدُ أن يُغْليَ الأسْعارَ على المواطنِينَ، وهذا حرامٌ لما رُوِيَ عن معقلِ بن يسار قالَ: قال رسولُ الله (ص): «مَنْ دخلَ في شيءٍ مِنْ أسعارِ المُسْلِمينَ ليُغْلِيَهُ عَلَيْهِمْ كانَ حقّاً على الله أنْ يُقْعِدَهُ بعُظْمٍ مِنَ النّارِ يومَ القيامةِ»(+).
السَّمْسَرةُ
قالَ رسول الله (ص): «دعُوا النّاسَ يرزق الله بعضَهم من بعضٍ فإِذا استنصحَ الرجلُ أَخاه فَلْينصح له»(+) وباستعراض التجارةِ وأحوالِ البيعِ والشّراءِ نجدُ النّاسَ فيهَا يرزقُ اللَّهُ بعضَهُمْ من بعضٍ، فكثيراً ما نجدُ تجاراً كباراً يقومونَ بشراءِ بضائعَ لصغارِ التجّارِ على أن يأخذُوا نسبةً مئويةً منَ الرّبحِ على ما يشترونَهُ لهم، كواحدٍ في المائة مثلاً. وغالباً ما يكونُ هؤلاءِ من تجارِ الجملةِ ويسمّونَ ذلكَ «كومسيوناً» ويجري هذا في البضائعِ كافّةً، كالأقمشةِ والحلوياتِ والورقِ والماكناتِ وما شابهَ ذلكَ.
ويجري أيضاً بينَ الشركات الكبيرةِ وبينَ بائعي الجملةِ ويسمّوْنَ متعهدينَ أو وكلاءَ بيعٍ. فيتعهّدُ هؤلاءِ ببيعِ ما تُنتجهُ الشركاتُ ويأخذونَ منها ربحاً معلوماً هو نسبةٌ معيّنةٌ بالمائةِ على ما يبيعونَ. وتجري بيوعٌ بواسطةِ أشخاصٍ يعملونَ عند التّاجرِ أو المصنعِ، فهؤلاءِ يعرضونَ البضاعةَ على النّاسِ ويبيعونَها لهمْ. وينفذُ بيعُهمْ ولهمْ منَ التاجرِ أو المصنعِ الذي يعملونَ عندهُ أجرةٌ معيّنةٌ على عمليةِ عرضِ البضاعةِ سواءٌ باعُوا أم لم يبيعُوا. ولهمْ أُجرةٌ معينةٌ على كلِّ صفقةِ بيعٍ يبيعونَها هيَ نسبةٌ مئويةٌ معيّنةٌ من الثمنِ الذي يبيعونَ فيه. وهكذا تجري وساطةٌ بينَ البائعِ والمشتري في المصانعِ والشركاتِ ولدى التجّارِ والزبائنِ في كلِّ شيءٍ. وتجري في الخضارِ والفواكهِ، كما تجري في القماشِ والحلوياتِ وغيرِها. ففي سوقِ الخضرةِ يبيعُ التاجرُ الخضرةَ لحسابِ الفلاحِ لقاءَ عمولةٍ يأخذُها من الفلاّحِ.
وهذه الأعمالُ كلُّها سمسرةٌ والقائمونَ بها سماسرةٌ، لأنّ السمسارَ هو القيّمُ بالأمرِ والحافظُ لهُ. ثم استعملَ في الشخصِ الذي يتولّى البيعَ والشّراءَ، وقد عرّفَ الفقهاءُ السمسارَ بأنّهُ اسم لمن يعمل للغيرِ بأجرٍ بيعاً وشراءً. وهو يصدُقُ على الدلاّلِ. فإنّهُ يعملُ للغيرِ بأجرٍ بيعاً وشراءً. والسمسرةُ والدلالةُ حلالٌ شرعاً، وتعتبرُ من الأعمالِ التجاريةِ. فقد رَوَى قيسُ بنُ أبي غرزةَ الكنانيُّ قال: كنا نبتاعُ الأوساقَ في المدينةِ ونسمّي أنفسَنا سماسرةً فخرجَ علينا رسولُ الله (ص) فسمّانا باسمٍ هو أحسنُ من اسمنا قالَ: «يا معشرَ التّجارِ، إن البيعَ يحضرُهُ اللغو والحلفُ فشوبوه بالصدقة»(+) ومعناهُ أنّه قد يبالغُ في وصفِ سلعتهِ حتى يتكلمَ بما هو لغوٌ أي زيادة عما يجبُ من القولِ وقد يجازفُ في الحلفِ لترويجِ سلعتهِ فيندبُ إلى الصدقةِ ليمحوَ ذلكَ. هذا دليلٌ على أنّ السمسرةَ حلالٌ شرعاً. إلا أنه لا بد من أن يكونَ العملُ الذي استؤجرَ عليهِ للبيعِ والشراءِ معلوماً، إما بالسلعةِ وإما بالمدةِ، وأن يكونَ الربحُ أو العمولةُ أو الأجرةُ معلومةً. وعلى ذلك فالسمسرةُ بمعناها المعروف بينَ التجار وبينَ الناسِ منذ عهدِ الرسولِ (ص) حتى اليومِ يعتبرُ كسبُ أصحابها من الكسبِ الحلال.


الإجَـارة
الإجارةُ: عقدٌ على المنفعةِ بعوضٍ، ويدخلُ تحتها ثلاثةُ أنواعٍ:
1 ـ عقدٌ على منفعةِ العينِ.
2 ـ عقدٌ على منفعةِ العملِ.
3 ـ عقدٌ على منفعةِ الشخصِ.
والإجارةُ بأنواعِها الثلاثةِ جائزةٌ شرعاً. قالَ الله تعالى: {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ً ïفَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الزّخرُف: 32]، [الطّلاَق: 6]، وقال (ص): «منِ استأجرَ أجيراً فَلْيعلِمْهُ أجرَه»(+) وقالَ: «أَعطُوا الأجيرَ أجرَهُ منْ قبل أنْ يجفَّ عرقُهُ»(+).
الأَجِيرُ
عقدُ الإجارةِ الذي يردُّ على منفعةِ العملِ وعلى منفعةِ الشّخصِ هو الذي يتعلّقُ بالأجيرِ، والأجيرُ هوَ الذي أَجّرَ نفسَهُ. وقد أجازَ الشّرعُ إجارةَ الشّخصِ لمنفعةٍ تحصلُ منه، كالخدمةِ في المنازلِ والمكاتبِ والحقولِ إجارةَ الشّخصِ لمنفعةٍ تحصلُ منه، أو لمنفعةٍ تحصلُ من عملهِ كالهندسةِ ونحوِها. وحتى تنعقدَ الإجارةُ فإنّهُ يُشترطُ لانعقادِها أهليةُ العاقدَيْنِ بأن يكون كلٌّ منهما عاقلاً مميزاً. فلا تنعقدُ إجارةُ المجنونِ ولا إجارة الصبيّ غير المميِّز. ولو انعقدتِ الإجارةُ فإنّهُ يُشترطُ لصحَّتها رضا العاقدين، وكونُ المعقودِ عليهِ ـ وهو المنفعةُ ـ معلوماً على وجهٍ يمنعُ المنازعةَ. وهذا العلمُ بالمنفعةِ بالنسبةِ للأجيرِ تارةً يكون ببيانِ المدةِ، وتارةً يكونُ بتحديدِ المنفعةِ أو وصف العملِ المطلوبِ وصفاً تفصيلياً، وتعيينِ ما يعملُ الأجيرُ أو تعيينِ كيفيةِ عملِهِ. وعلى ذلك لا تصحّ إجارة المكرهِ ولا تصحُّ إجارةُ المنفعةِ المجهولةِ.
الأجرةُ
يُشترطُ أن يكونَ مالُ الإجارةِ معلوماً بالمشاهدةِ أوِ الوصفِ الرافعِ للجهالةِ. قال (ص): «من كانَ يؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ فلا يستعملنَّ أجيراً حتى يُعلِمَهُ أجرَهُ»(+) إلا أنه لا تُشترطُ القيمةُ في الأجرةِ كما لا تُشترطُ القيمةُ في ثمنِ المبيعِ. والفرقُ بين القيمةِ والثمنِ أنَّ القيمةَ هيَ ما توافقُ مقدارَ ماليةِ الشيءِ وتعادلُهُ بحسبِ تقويمِ المقوّمينِ، وأما الثمنُ فهو ما يقعُ به التراضي وفقَ القيمةِ أو أزيدَ أو أنقصَ. ولا يُشترطُ أن تكونَ أجرةُ الأجيرِ قيمةَ العملِ، لأنّ القيمةَ لا تكونُ بدلاً في الإجارة فيجوزُ أن تكونَ الأجرةُ أكثرَ من قيمةِ العملِ ويجوزُ أن تكونَ أقلّ من قيمتِهِ، فلو استأجرَ شخصٌ أجيراً بأجرةٍ معلومةٍ ليصوغَ له قطعةَ ذهبٍ أو فضةٍ صياغةً معلومةً فهوَ جائزٌ، لأنهُ استؤجرَ لعملٍ معلومٍ فلا تُشترطَ المساواةُ بين الأجرةِ وبينَ ما يعملُ فيه من الفضةِ أو الذهبِ، لأن ما يُشترطُ له من الأجرةِ هو مقابلُ العملِ فقط. وما صلحَ لأن يكونَ بدلاً في البيعِ كالنقودِ ونحوِها صلحَ لأن يكونَ بدلاً من الإجارةِ أي ما صلحَ لأن يكونَ ثمناً صلحَ لأن يكونَ أجرةً. وأمّا ما لا يصلحُ أن يكون ثمناً في البيعِ فيجوزُ أن يكونَ بدلاً في الإجارةِ. فإنه لا يجوزُ أن يبيعَ دابةً بسكنى دارٍ سنةً مثلاً ولكن يصحُّ أن يستأجرَ بستاناً بسكنى دار. لأنَّ البيعَ هو مبادلةُ مالٍ بمالٍ، فمعادلةُ المالِ بالمنفعةِ لا تعتبرُ بيعاً، بخلافِ الإجارةِ فهي عقدٌ على المنفعةِ بعوضٍ، وهذا العوضُ لا ضرورةَ لأن يكونَ مالاً بل قد يكونُ منفعةً.
تقديرُ الأجرةِ
عُرّفتِ الإجارةُ بأنّها عقدٌ على المنفعةِ بعوضٍ. وهذا العقدُ يَرِدُ على ثلاثةِ أنواعٍ كما ذكرنا سابقاً، أحدها نوعٌ يرِدُ على منافعِ الأعيانِ كاستئجارِ الدّورِ والدّوابِ والسّياراتِ وما أشبهَ ذلكَ. فالمعقودُ عليهِ هوَ منفعةُ العينِ.
وثانيها: نوعٌ يردُ على منافعِ الأعمالِ كالخياطةِ والهندسةِ وما أشبهَ ذلكَ، فالمعقودُ عليه هو منفعةُ العملِ.
وثالثُها: نوعٌ يَرِدُ على منافعِ الأشخاصِ كالخادمِ والحصادِ وما أشبهَ ذلكَ، فالمعقودُ عليهِ هو الانتفاعُ بجهدِ الشّخصِ، فهذهِ الأنواعُ الثلاثةُ كانَ المعقودُ عليهِ فيها هوَ المنفعةُ التي في كلِّ واحدٍ منها، فيكونُ الشّيءُ الذي جرَى عليهِ العقدُ هو المنفعة، والمالُ المسمّى هوَ مقابل هذهِ المنفعةِ. وعليهِ فإنّ الأساسَ الذي يُبنى عليهِ تقديرُ الأجرةِ هوَ المنفعةُ التي تُعطيها تلكَ العينُ أو يعطيها ذلكَ العملُ أو ذاكَ الشخصُ، وليست هي بالنسبةِ للعملِ قيمةَ الشّيءِ الذي يعملُ فيه ولا ثمنَهُ، وليستْ هيَ بالنسبةِ للأجيرِ إنتاجَهُ كما أنّها ليست سدادَ حاجةِ الأجيرِ، ولا دخلَ لارتفاعِ مستوى المعيشةِ وانخفاضها في تقديرِ الأجرةِ وإنما يرجعُ تقديرُها لشيءٍ واحدٍ فقط هوَ المنفعةُ، لأنها عقدٌ على المنفعةِ بعوضٍ. وتُقدَّرُ الأجرةُ بحسبِ تقديرِ المنفعةِ التي جرى عقدُ الإجارةِ عليها، وحينَ الاختلافِ على مقدارِ الأجرةِ لا تُقدَّرُ بالبينةِ والحجةِ، إذ لا شأنَ للبيّنةِ في ذلكَ، لأنهُ لا يُرادُ إثباتُ الأجرةِ، وإنّما يرادُ معرفةُ مقدارِها، وتُقدّرُ بتقديرِ الخبيرينَ بالمنفعةِ التي جرَى عليها عقدُ الإجارةِ، والخبيرينَ بتقديرِ عوضِها.
هذا من ناحية أساسِ الأجرةِ أو بعبارةٍ الاقتصاديّينَ الوحدةِ التي يجري عليها تقديرُ الأجرةِ. أمّا مِنْ ناحيةِ تفاوتِها فإنّها تتفاوتُ بتفاوتِ المنفعةِ في الأشخاصِ، وفي العملِ الواحدِ، وفي الأعمالِ المختلفةِ، وفي الزمانِ والمكانِ، فتتفاوتُ أجرةُ الخدمِ الذين وَرَدَ العقدُ على منافعِ أشخاصِهمْ بتفاوتِ الجهدِ الذي يبذلونَهُ، فتقدرُ الأجرةُ للقويِّ كذا وللضعيفِ كذا، أو ساعاتٍ معينةٍ من العملِ بمقدارٍ معينٍ من الأجرةِ، وللساعاتِ الأكثرِ أجرةٌ أكثر، وللساعاتِ الأقلِّ أجرةٌ أقلُّ وهكذا.. ويجري تقديرُ الأجرةِ للعملِ الواحدِ الذي وَرَدَ عقدُ الإجارةِ فيه على منفعةِ العملِ بمقدارٍ معينٍ، وتتفاوتُ بينَ الأشخاصِ من الذينَ يعملونَ في هذا العملِ بتفاوتِ إتقانِهِم له كالمهندسينَ مثلاً، فَتُعطى للمهندسِ أجرةٌ معلومةٌ، وتتفاوتُ بين المهندسينَ بتفاوتِ إتقانِهِم. وكذلكَ يجري تقديرُ الأجرةِ للأعمالِ المختلفةِ بحسبِ المنفعةِ المقصودةِ منها عندَ الاستئجارِ. وتتفاوتُ الأجرةُ لهذهِ الأعمال بتفاوتِ منفعتِها عندَ المجتمعِ، فيكونُ أجرُ المهندسِ كذا وأجرُ البنّاءِ كذا، وهكذا..
ويجري تقديرُ الأجرةِ للأشخاصِ وللعملِ الواحدِ وللأعمالِ المختلفةِ في زمانٍ غيرَ تقديرِها في زمانٍ آخرَ فيُعطى العاملُ في اللّيلِ أكثرَ من عاملٍ يعملُ في نفسِ العملِ في النهارِ. ويُعطى العاملُ في الصحراءِ أكثرَ منْ عاملٍ يعملُ في نفسِ العملِ في المدينة، ويجوزُ تقديرُ الأجرةِ مؤقتةً بوقتٍ معينٍ كالسّاعةِ واليومِ والشّهرِ والسّنةِ.
مقدارُ الأجرةِ
أجرُ الأجيرِ يكونُ أجراً مسمّى، ويكونُ أجرَ المثلِ، أمّا الأجرُ المسمّى فهوَ الأجرةُ التي ذُكرتْ وتعيّنتْ وقتَ العقدِ. ويُعتبرُ من الأجرِ المسمّى أجرةُ العَمَلةِ الذين عُرفتْ أجرةُ كلٍّ منهم كالموظفينَ في درجةٍ معينةٍ أو كعمّالٍ في مصنعٍ معيّنٍ معروفةٍ أجرةُ العاملِ فيهِ. ولذلكَ إذا استخدمتَ عمّالاً أو موظفين وسمّيتَ لهم أجرتهُمْ فيكونُ المسمّى هو أجرَهُم. وإن لم تسمِّ أجرتَهُمْ يُنظرُ إن كانت معلومةً فتُعطى لهم وتُعتبرُ أجراً مسمّى وإن لم تكنِ الأجرةُ معلومةً فيُعطى لهم أجرُ المِثلِ، وأجرُ المِثلِ هوُ أجرُ مثلِ العملِ ومثلِ العاملِ، أو أجرُ مثلِ العاملِ فقط. ويلزمُ تقديرُ أجرِ المثلِ منْ قبلِ ذوي الخبرةِ، ويلزمُ أهلُ الخبرةِ بتعيينِ الأجرةِ بالنظر إلى شخصِ الأجيرِ وعندَ تقديرِ أجرِ المثلِ ينبغي أن يُنظَرَ إلى ثلاثةِ أمورٍ:
الأول: إذا كانتِ الإجارةُ واردةً على المنفعةِ أن يُنظرَ إلى الشّيءِ الذي تساوي منفعتُهُ منفعةَ المأجورِ.
الثاني: إذا كانتِ الإجارةُ واردةً على العملِ أن يُنظرَ إلى الشّخصِ المماثلِ للأجيرِ بذلكَ العملِ.
الثالث: أن يُنظرَ إلى زمانِ الإيجارِ مكانِهِ، لأنّ الأجرةَ. تتفاوتُ بتفاوتِ المنفعةِ والعملِ والزمانِ والمكانِ.
وأجرُ المثلِ تتوقفُ معرفتُهُ على أهلِ الخبرةِ، فلا تجوزُ إقامةُ البيّنةِ عليهِ من المدّعي، بلْ يجبُ أن يقدّرَهُ أهلُ الخبرةِ غيرُ المتحيِّزينَ، فينتخبهم الخصمانِ بالاتفاقِ، وإن لم يتّفقا فينتخبهم الحاكمُ.
دفعُ الأجرةِ
يجوزُ تعجيلُ الأجرةِ ويجوزُ تأجيلُها. فإذا اشترطَ العاقدانِ تعجيلَ الأجرة أو تأجيلَها يراعَى شرطُهما. قال (ص): «المسلمونَ عندَ شروطِهِمْ»(+) فَيُعْتَبَرُ ويراعَى كلّ ما اشْتَرَطَ العاقدانِ، وأمّا إنْ لمْ يشترطا شيئاً في تعجيلِ الأجرةِ أو تأجيلِها يُنظرُ، فإذا كانتِ الأجرَةُ مؤقتةً بوقتٍ معيّنٍ كالشهريةِ والسنويةِ، يلزمُ إيفاؤها عند انقضاءِ ذلكَ الوقتِ، فلو كانت مشاهرةً تؤدَّى عندَ نهايةِ الشهر، وإنْ كانتْ مسانهةً ففي ختامِ السّنة. أمّا إذا كانت الإجارةُ على عملٍ، مثل خياطةِ ثوبٍ أو تصليحِ سيارةٍ أو صنعِ خزانةٍ أو ما شاكلَ ذلكَ، فإنه يلزمُ إيفاؤها عندَ الانتهاءِ من العملِ، لقولِ رسولِ الله (ص): «أَعطُوا الأجيرَ أجرَهُ قبلَ أن يجفَّ عرقُهُ»(+) ومعناهُ بعد أنْ ينتهيَ من عملِهِ مباشرةً.
ويجبُ إعطاءُ الأجرةِ على موجبِ الصورةِ التي تَظهرُ فعلاً. فمثلاً لو قيلَ للنجارِ: إن صنعتَ حفراً فلكَ كذا أو صنعتَ خزانةً من دون حفرٍ فلكَ كذا، فأيَّ الصورتينِ صنعَ فلهُ أجرَتُهَا.
أنواعُ الأجرةِ
ينقسمُ الأجيرُ إلى خاصٍّ ومشتركٍ.
فالأجيرُ الخاصُّ هو الذي يعملُ لواحدٍ معيّنٍ، أو أكثرَ، عملاً مؤقتاً مع التّخصيصِ أي هو الذي يختصُّ بالمؤجِّر وحدهُ ويُمنعُ منْ أنْ يعملَ لغيرهِ طوالَ مدةِ الإجارةِ. فلو استأجرَ شخصٌ أو أكثرُ طاهياً ليطبخَ لهم خاصةً مع تعيينِ المدةِ كانَ ذلكَ الطاهي أجيراً خاصّاً.
والأجيرُ المشتركُ هو الذي يعملُ لواحدٍ عملاً غيرَ مؤقتٍ أو عملاً مؤقتاً بلا اشتراطِ التّخصيصِ عليه. أي هوَ الذي لا يختصُّ بصاحبِ العملِ، بل يجوز لهُ أن يعملَ عندَ غيرهِ. فلو استأجرتَ دهّاناً غيرَ مشترطٍ عليهِ أن يدهنَ لسواكَ، فهوَ أجيرٌ مشتركٌ..
والأجيرُ الخاصُّ يستحقُّ الأجرةَ بتسليم نفسهِ في المدةِ لتأديةِ ما كُلِّفَ بهِ مع تمكنهِ من العملِ، سواءٌ قام بالعملِ أم لم يقمْ، فاستحقاقُهُ للأجرِ يكونُ بحسبِ المدةِ لا بحسبِ العملِ. ولذا لا يجوزُ لهُ أن يعملَ في مدةِ الإجارةِ عملاً لغيرِ مستأجرِهِ. فإن عملَ لغيرهِ نقصَ من الأجرِ بقدرِ ما عملَهُ. والأجيرُ المشتركُ يستحقُّ الأجرةَ على نفسِ العملِ كالدّهانِ والنجّار والخيّاطِ الخ..
فاستحقاقُهُ للأجر يكونُ بحسبِ العملِ لا بحسبِ المدةِ. والفرقُ بينَ الأجيرِ الخاصِّ والأجيرِ المشتركِ منْ حيثُ الضمانُ، هو أنّ الأجيرَ الخاصَّ أمينٌ فإن هلكَ الشيءُ في يدهِ دونَ تعمدٍ ودونَ تقصيرٍ وإهمالٍ فلا ضمانَ عليه. والأجيرُ المشتركُ إما أن يهلكَ الشيءُ بفعلِهِ أو لا. فإن هلكَ الشيءُ بفعلِهِ سواءٌ أكانَ هلاكُهُ بالتّعَدِّي أم لم يكن، وإن هلكَ الشيءُ بغيرِ فعلِهِ يُنظرُ، فإن كانَ مما لا يُمكنُ الاحترازُ عَنْهُ لا يضمنُ. أما إنْ كانَ يمكنُ الاحترازُ عنه ولم يحترزْ يضمنُ. وذلكَ لأنَّ الشيءَ الذي يعملُ فيهِ الأجيرُ الخاصّ، وإن كانَ تحتَ يدهِ، فإنّهُ تحتَ تصرّفِ المستأجر لا تحتَ تصرّفِ الأجيرِ. ومن هنا كانت يدُهُ يدَ أمانةٍ، بخلافِ الأجيرِ العامِّ فإنّ الشيءَ الذي يعملُ فيهِ هو تَحتَ تصرّفِهِ لا تحتَ تصرّفِ المستأجرِ ولذلكَ لم تكنْ يدُهُ يدَ أمانةٍ بل كانَتْ يدَ متصرّفٍ.
والفرقُ بينهما من حيثُ استحقاقُ الأجرةِ أنَّ الأجيرَ الخاصَّ يستحقُّ الأجرةَ إذا كانَ في مدةِ الإجارةِ حاضراً للعملِ ولا يشترطُ عملُهُ بالعملِ، والأجيرُ المشتركُ لا يستحقُّ الأجرةَ إلا بالعملِ.
ومدةُ الإجارة للأجيرِ الخاصِّ إمّا أن تكونَ معينةً في العقدِ أو غيرَ معينةٍ، فإنْ كانتْ غيرَ معينةٍ فسدَ العقدُ لجهالتِها، فلكلٍّ من العاقدَيْنِ فسخُها في أيّ وقت أرادَ، وللأجيرِ أجرةُ مِثلهِ مدةَ خدمتِهِ. وإن كانتْ معينةً في العقدِ وفسخَ المستأجرُ الإجارةَ قبلَ انقضاءِ المدةِ بلا عذرٍ ولا عيبٍ في الأجيرِ يوجبُ الفسخَ كمرضِهِ أو عجزهِ عن العملِ، فإنّهُ يجبُ على المستأجر أن يؤدّيَ إلى الأجيرِ الأجرةَ إلى تمامِ المدةِ سواءٌ أكانَ الأجيرُ خادماً أم مزارعاً أم غيرَ ذلكَ. أمّا إنْ فسخَ الإجارةَ لعذرٍ أو عيبٍ ظهرَ في الأجيرِ يوجبُ الفسخَ فإنّهُ ليسَ عليهِ أن يؤدّيَ الأجرةَ إلاّ إلى الوقتِ الذي فُسِخَتْ فيهِ الإجارةُ.
استئجارُ الأعيانِ
إذا وردَ العقدُ على منافع الأعيان كاستئجارِ الدورِ والسياراتِ وما شابهَ ذلكَ، فإنّ المعقودَ عليهِ يكونُ منفعةَ العينِ، ومتى تمَّ استئجارُ العينِ فقد صارَ للمستأجرِ أنْ يستوفيَ منفعةَ العينِ التي استأجرها فإذا استأجرَ داراً، فلهُ سكناها أو سيارةً فلهُ أن يستقلّها، وللمستأجرِ أن يؤجِّرَ بمثلِ ما استأجرَ أو بأزيدَ أو بأنقصَ، لأنّ قبضَ العينِ المستأجرةِ قامَ مقامَ قبضِ المنافعِ، بدليلِ أنهُ يجوزُ التصرفُ فيها فجازَ العقدُ عليها، ولأنّهُ عقدٌ يجوزُ برأس المالِ فجازَ بزيادةٍ أو بنقصانٍ. إلاّ أنهُ إذا استأجرَ العينَ لمنفعةٍ فلهُ أنْ يستوفيَ مثلَ تلك المنفعةِ وما دونَها في الضررِ، وليسَ لهُ أنْ يستوفيَ أكثرَ مِنْ مثلِ تلكَ المنفعةِ، لأنّهُ لا يجوزُ لهُ أنْ يستوفيَ أكثرَ من حقّهِ أو غيرَ ما يستحقُّهُ، فإنِ استأجرَ سيارةً لمسافةٍ معينةٍ، لم يجزْ لهُ أن يستقلّها مسافةً أكبرَ من المسافة التي استأجرها لها، وإنِ استأجر داراً يسكنُها، فليسَ لهُ أن يجعلَها مستودعاً، مما يكونُ أكثرَ ضرراً على الدارِ من السكنى. والحاصلُ أن العقدَ إذا وردَ على العينِ بعوضٍ كان بيعاً وإذا وردَ على منفعةِ العينِ بعوضٍ كان إجارةً. وكما أن المشتريَ للعينِ يملكُ العينَ، ويتصرفُ بها سائرَ التصرفاتِ، فكذلكَ يملكُ المستأجر المنفعةَ التي ملكها بالاستئجارِ، وله أن يتصرفَ بها سائرَ التصرفاتِ. وعليهِ فإنهُ يجوزُ للمستأجِرِ أن يؤجّرَ العينَ المستأجرة إذا قبضها، لأن قبضَ العينِ حينَ الاستئجارِ قائمٌ مقامَ قبضِ المنافعِ، بدليلِ أنّهُ يجوزُ التصرفُ فيها فجازَ العقدُ عليها. ومتى تمَّ استئجارُ العينِ وقبضُ منفعتها ملكَ المستأجرُ جميعَ التصرّفاتِ الشرعيةِ في منفعةِ العينِ التي استأجرها لأنّها ملكهُ، فلهُ أن يؤجّرها بالأجرةِ التي يراها مهما بلغتْ، فلو استأجرها بمائةٍ وأجّرها بثلاثمائةٍ جازَ، لأنهُ يملكُ المنفعةَ فيملكُ تأجيرها بما يراهُ هو لا بما استأجرَها.
وعلى هذا فإن ما يسمّى بالخلوِّ للمخازنِ والدورِ وغيرِها جائزٌ لأنّ المستأجرَ يؤجّرُ الدارَ أو المخزنَ بمبلغٍ زائدٍ عليها يُدفعُ لهُ، وهذا تأجيرٌ للعينِ التي استأجرَها بزيادةٍ على الأجرةِ التي استأجرها بها، وهو كالبيعِ بعدَ قبضهِ يجوزُ بيعُهُ بزيادةٍ عما اشتراهُ. وهناكَ مسألةُ تسليمِ المأجورِ للمالكِ عندَ انتهاءِ العقدِ هل هي واجبةٌ عليهِ أم لا؟
والجوابُ على ذلكَ هوَ أنَّ إعادةَ المأجورِ للمستأجرِ واجبةٌ عليهِ، إنْ كانَ المأجورُ تحتَ يدِهِ، لما رُويَ عنْ رسولِ الله (ص)، قالَ: «على اليدِ ما أخذتْ حتّى تؤدّيَهُ»(+)، أمّا إنْ لمْ يكنِ المأجور تحتَ يدِهِ يُنظرُ، فإنِ اغتصِبَ منه غصباً فإن على الغاصبِ أن يُرجِعَ العينَ المأجورةَ لصاحبها وليس على المستأجرِ لأنّ الغاصب هو المأمورُ بردِّ العينِ، قالَ رسولُ الله (ص): «لا يأخذنَّ أحدُكُم متاعَ أخيهِ جادّاً ولا لاعباً، وإذا أخذ أحدُكم عصا أخيه فَليردَّها عليه»(+) وهذا عامٌّ سواءٌ أخذها من صاحبها أم من غيره. أما إن أعادَ المأجورَ لغيرِهِ أو أجّرهُ لهُ فإنّهُ بعد انتهاءِ العقدِ الذي بينهُ وبينَ صاحبِ الملكِ يجبُ عليهِ تسليمُ المأجورِ لمالكهِ وذلكَ لعمومِ حديثِ الرسول (ص): «على اليدِ ما أخذتْ حتى تؤدّيَهُ»(+) ولم يأتِ نصٌّ آخرُ في الإجارةِ يستثنيهِ كما وَرَدَ في الغصبِ ولذلكَ يبقى على عمومهِ.
وعلى ذلكَ إذا أجّرَ شخصٌ داراً لآخرَ ثم أجّرَها المستأجرُ لغيره بأجرة أزيدَ وانتهتْ مدةُ الإجارةِ للمستأجرِ الأولِ انتهى العقدُ وصارَ لزاماً عليهِ أن يسلِّمَ الدارَ لصاحِبها، إلاّ أنْ يُجدّدَ صاحبُها العقدَ معهُ فتظلّ تحتَ سلطانهِ، أو يجدِّدَ صاحبُها العقدَ معَ المستأجر الثاني ويعتبر نفسهُ قد تسلّمَ الدارَ من المستأجرِ الأولِ. وإذا أجّرَ أحدٌ دارَهُ فعلى المؤجِّرِ إتمامُ ما يتمكنُ به المستأجرُ من الانتفاعِ، كتسليمِ مفاتيحِ الدارِ وتبليطِها، ومجرى الماءِ، وكلِّ ما يحتاجُ إلى إصلاحهِ أو إيجادِهِ ليتمكن منَ الانتفاعِ بالدارِ، أمّا إن كانَ لاستيفاءِ المنافعِ كالسلّمِ المتنقّلِ وساعةِ الماءِ وساعةِ الكهرباءِ فعلى المستأجرِ. أمّا ما يجبُ لزخرفةِ البيتِ فلا يلزمُ واحداً منهما لأنَّ الانتفاعَ ممكنٌ بدونهِ، أمّا طرشُ الدارِ وفتحُ مجاري المياهِ، فهما عندَ الإيجارِ على المؤجّر، لأنّ ذلكَ مما يُتمكنُ بهِ من الانتفاعِ، أمّا نقلُ النفاياتِ فهوَ على المستأجرِ، فإذا شَرَطَ المؤجّرُ على المستأجرِ في عقدِ الإجارةِ دفعَ نفقاتِ ما أوجبهُ الشّرعُ عليه مما يمكنُ به منَ الانتفاعِ فالشرطُ فاسدٌ لمخالفتهِ مُقتضى العقدِ. وكذلكَ لو شَرَطَ المستأجرُ على المؤجّرِ دفعَ نفقاتِ العقدِ، وإذا ماتَ المؤجّرُ والمستأجرُ أو أحدُهما فالإجارةُ تبقى على حالِها. لأنّ الإجارة عقدٌ لازمٌ لا ينفسخُ بالموت مع سلامةِ المعقودِ عليهِ.


الرشوةُ والهديةُ
كلّ منْ يتوجّبُ عليهِ قضاءُ مصلحةٍ منْ مصالحِ الناسِ ويأخذُ مالاً من أجلِ قضاءِ هذه المصلحةِ، لا يكونُ المالُ الذي أخذهُ أجرةً ولا بحالٍ من الأحوالِ، بل يكونُ رشوةً. فالرشوةُ هي المالُ الذي يُعطى من أجلِ قضاءِ مصلحةٍ يجبُ على الآخذِ قضاؤها، أو يُعطى لكي لا يقومَ الآخذ بتنفيذِ ما يجبُ عليهِ القيامُ به.
ويقالُ لدافعِ الرشوةِ الرّاشي، وللقابضِ لها المرتشي، وللوسيطِ بينهما الرائش.
والرشوةُ حرامٌ بصريحِ النصوصِ. قال رسولُ الله (ص): «لعنةُ الله على الراشي والمرتشي»(+). وروى أحمدُ عن ثوبان قالَ: «لعنَ رسولُ الله (ص) الراشيَ والمرتشيَ والرائش». وهذهِ الأحاديثُ عامةٌ فتشملُ كلّ رشوةٍ سواءٌ أكانت لطلبِ حقٍّ أم باطلٍ، وسواء أكانت لدفعِ أذى أم لجلْبِ منْفعة، لرفعِ ظلمٍ أم لإيقاعِ ظلمٍ، فكلُّها حرامٌ. ولا يقالُ الرشوةُ حرامٌ لأنها طلبُ باطلٍ أو إضاعةُ حقٍّ، فإن كانتْ كذلكَ فهيَ حرامٌ، أمّا إنّ كانتْ لطلبِ حقٍّ أو رفعِ ظلمٍ فهيَ حلالٌ، لا يقالُ ذلكَ لأنّ هذا يعني أنّ تحريمَ الرشوةِ جاءَ معللاً بعلةٍ، فإذا وُجدتْ وُجدَ الحكمُ، وإذا ذهبتْ ذهبَ الحكمُ. وهذا غيرُ صحيحٍ، لأنّ جميعَ النصوص التي جاءتْ في تحريمِ الرشوةِ لم تُعلّلْ.
ولا يُقالُ إن قضاءَ الحقِّ، ولو أُخذَ مِنْ صاحبهِ رشوةٌ، جازَ لأنّهُ أخْذُ مالٍ للقيامِ بعملٍ حلالٍ وهوَ قضاءُ الحقِّ؛ لا يُقالُ ذلكَ لأنّ النصوصَ التي حرّمتِ الرشوةَ جاءت عامّةً فتبقَى على عمومها تشملُ جميعَ أنواعِ الرشوةِ. فإذا أُريدَ تخصيصُها واستثناءُ بعضِ أنواعِ الرشوةِ احتاجَ الأمرُ إلى نصٍّ آخرَ يخصّصُها؛ لأنّ النصَّ لا يخصّصُهُ إلا نصٌّ منْ كتابٍ أو سنّةٍ، ولم يردْ نصٌّ فتبقى عامّةً دونَ تخصيصٍ.
ولا فرقَ في تحريمِ الرشوةِ بينَ أن تكونَ للحاكمِ أو للموظّفِ أو للقاضي أو غيرِ ذلكَ، فكلُّها حرامٌ.
ومثلُ الرشوةِ في الحرمةِ الهديةُ تهدَى للحكامِ والقضاةِ وغيرِهم من أصحابِ النفوذِ، حتّى عدّها بعضُ الفقهاءِ من الرشوةِ لأنّها تُشبهُها من حيثُ كونُها مالاً يُؤخذُ من أجلِ القيامِ بعملٍ يجبُ القيامُ بهِ. والفرقُ بينَ الرشوةِ وبينَ الهديةِ التي تُهدى للحكامِ والقضاة وأمثالِهِمْ هوَ أنّ الرشوة يُعطى فيها المالُ مقابلَ قضاءِ المصلحةِ، أمّا هدايا الحكّامِ والقضاةِ وغيرهم مِن أصحابِ النفوذِ فإنّ المالَ الذي يُهدى لهم من صاحبِ المصلحةِ لا مقابلَ قضاءِ مصلحةٍ معينةٍ بل لأنهم يتولّونَ فعلاً قضاءَ المصالحِ بأنفسهم وبواسطتهم.
ومِنْ هنا كانتِ الرّشوةُ والهديةُ التي تهدى للقاضي وأمثالهِ متشابهتينِ وتُقاسُ إحداهما على الأخرى ولكنَّ واقعَهما فيهِ شيءٌ من الاختلافِ، وقد جاءَ تحريمُ الهديةِ صريحاً في الأحاديثِ، فقد روى أبو حميدٍ الساعديُّ أن النبيَّ (ص) استعملَ رجلاً على صدقاتِ بني سليمٍ فلما جاءَ إلى رسولِ الله (ص) قالَ: هذا لكم وهذهِ هديةٌ أهديت لي، فقالَ رسول الله (ص): «فهلْ جلستَ في بيتِ أبيكَ وأمّكَ حتى تأتيَكَ هديتُكَ إن كنتَ صادقاً؟» ثم قامَ رسولُ الله (ص) فخطبَ في الناسِ وحمدَ الله وأثنَى عليه ثمَّ قالَ: «أما بعدُ فإني أستعملُ رجالاً منكم على أمورٍ مما ولاّني اللَّهُ فيأتي أحدُكم فيقول: هذا لكم وهذهِ هديةٌ أهديت لي. فهلاّ جلسَ في بيتِ أبيهِ وأمهِ حتى تأتيَهُ هديتُهُ إن كانَ صادقاً. فوالله لا يأخذُ أحدُكم منها شيئاً بغيرِ حقّهِ إلا جاءَ الله يحملُهُ يومَ القيامة»(+). وعن بريدةَ عنِ النبيّ (ص) قال: «منْ استعملناهُ على عملٍ فرزقناهُ رزقاً فما أخذهُ بعدَ ذلك فهو غلولٌ»(+) فهذه الأحاديثُ كلُّها صريحةٌ في أنّ الهدايا التي تُهدى لمن يتولَّونَ الأعمالَ العامّة حرامٌ سواءٌ أُهديت بعدَ القيامِ بعملٍ معين أو قبلَ القيامِ بهِ أو أُهديت له لأنّهُ صاحبُ صلاحيةٍ في أمرٍ من الأمورِ، أو أُهديتْ لهُ لأنّ لهُ وجاهةً عندَ مَنْ بيدهِ قضاءُ المصلحةِ فهذهِ كلّها حرامٌ. إلاّ أنَّ الهديّةَ لهؤلاءِ تكونُ حلالاً إن كانَ من عادةِ المُهدي أن يُهديَ لهم، سواءٌ أكانوا يتولَّونَ قضاءَ مصالحِ الناسِ أم لا، فإنّهُ تجوزُ الهديةُ لهم ولا غبارَ عليها. لأنَّ الرسولَ (ص) يقولُ في الحديثِ: «فهلاَّ جلستَ في بيتِ أبيكَ وأمكَ حتى تأتيَكَ هديتُكَ إن كنتَ صادقاً» وهذا يعني أن الهديةَ التي من شأنِ مُهديها أنْ يهديَها فهيَ جائزةٌ في حالِ توليةِ قضاءِ المصالحِ كما هيَ جائزةٌ في حالِ عدمِ توليةِ قضاءِ المصالحِ، ولا تنطبقُ عليها أحاديثُ النهي فهيَ مستثناةٌ منها بمفهومِ الحديثِ.


الرَّهن
كثيراً ما يقترضُ الناسُ من بعضهِم نقداً لأجَلٍ، أو يشترونَ سلعةً مُعَجّلَةَ القبضِ بثمنٍ مُؤجّلٍ، أو يستأجرونَ داراً أو سيّارةً أو دابةً بأجرةٍ مؤجّلةٍ، أو يطبعونَ كتاباً بأجرةٍ مؤجّلةٍ، أو يستصنِعونَ شيئاً كخزانةٍ أو حذاءٍ مثلاً بثمنٍ مؤجّلٍ، على أن يكونَ ديناً لصاحبِ السلعةِ أوِ الدارِ أوِ السيّارةِ أوِ المطبعةِ أوِ المصنَعِ أو غيرِ ذلكَ. ولأجْلِ أن يستوثقَ الدائنُ أوِ البائعُ أوِ المؤجّرُ الخ.. من سدِّ دَينِهِ يطلبُ رَهناً فيرهَنُ المدينُ عندَ الدائنِ شيئاً يأمَنُ بهِ على دَينِهِ. ونظراً لرغبةِ النّاسِ في الربحِ، فإنهم يحرصونَ على أن ينتفعَ المرتهنُ بالعينِ المرهونةِ فيشترطونَ عندَ الرّهنِ الانتفاعَ بالعينِ المرهونةِ. وقد يتفِقُون منْ غيرِ شرطٍ، وقد يكونُ ذلكَ بإذنِ الرّاهنِ، وقد يكونُ بغيرِ إرادتهِ، وكثيراً ما يُقدِمونَ على هذا العمَلِ دونَ أن يفكّروا في جوازِ ذلكَ شَرعاً. أو عدَمِ جوازهِ حيثُ تركّزَتْ في أذهانهم النّفعيّةُ الرأسمالية مَعَ أنّ الواجبَ على المسلمِ أن يُوَفّقَ بينَ أعمالِهِ وأوامرِ اللَّهِ ونواهيهِ. ويتقيّدَ بالأحكامِ الشرعيّةِ؛ فما كانَ حلالاً فَعَلَهُ، وما كانَ حراماً تركَهُ، لأنّ مقياسَ المسلمِ في أعمالهِ طاعةُ أوامرِ الله ونواهيهِ؛ وغايتُهُ من هذهِ الحياة نَيْلُ رضوانِ اللَّهِ لا كسْبُ المالِ كَيْفَما كانَ الكسْبُ.
والرّهْنُ منَ الأحكامِ الشرعيةِ، والانتفاعُ بالمرهونِ حُكْمٌ مِنْ أحكامِ الرّهْنِ. والحكْمُ الشرعيّ أنّ الرهْنَ جائزٌ بنصِّ القرآنِ والحديثِ قالَ تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البَقَرَة: 283]، ورُويَ أنّ رسولَ الله (ص) اشترى منْ يهوديٍّ طعاماً وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ» والرّهْنُ في الشّرْعِ مالٌ بمثابةِ وثيقةٍ بالدّينِ ليستوفيَ الدّائنُ منْ ثمنِهِ إذا تعذّرَ استيِفاؤهُ منَ المدينِ. ولا بُدّ أنْ يقْبِضَ المُرْتَهِنُ الرهنَ ولا يصحّ الرهْنُ، إلاّ أنْ يكونَ مقبوضاً. ولكنْ تختلِفُ كيفيّةُ القَبْضِ باختلافِ نوْعِ العَينِ، فإنْ كانتِ العَيْنُ المرهونَةُ ممّا يُنْقَلُ كالدّابّةِ والسيّارَةِ فَقَبْضُ المُرتَهنِ للرهْنِ أخْذُهُ إيّاهُ منْقولاً، وإن كانَ الرّهْنُ ممّا لا يُنْقَلُ كالدّارِ والأرضِ فَقَبْضُهُ تخْلِيَةُ راهنهِ بَيْنَهُ وبينَ مرتهِنِهِ بدونِ حائلٍ فَيَفْتَحُ لهُ بابَ الدّارِ أو يسلّمُهُ المفاتيحَ، أو يخلّي بَيْنَهُ وبينَ الأرضِ، ولكنْ لا يعني ذلكَ أنّ تَسَلّمَ المُرتَهِنِ الرّهْنَ وَجَعْلَهُ تحتَ يدهِ، أنْ يَنْتَفِعَ بهِ، بلْ هوَ لمجرّدِ اطمئنانهِ على دينهِ فَقَطْ؛ ويبْقى الرّهنُ لمالكهِ، ولوِ استحقّ المُرْتَهِنُ الدّينَ على الراهنِ.
وقدْ كانَ المُرتَهِنُ في الجاهليّةِ يتملّكُ الرّهْنَ، إذا لمْ يؤدِّ الراهنُ إليهِ ما يستحقّهُ في الوقْتِ المضروبِ فأبْطَلَهُ الإسلامُ. قال (ص): «لا يغلقُ الرّهْنُ منْ صاحبهِ الذي رهَنَهُ لَهُ غنمُهُ وعليهِ غُرْمُهُ»(+). فقولُ الرسولِ: «لا يغلقُ الرهنُ من صاحبهِ»، أي لا يستحقّ المُرتَهِن الرّهْنَ، إذا لمْ يفكّهُ صاحبهُ في الوقْتِ المشروطِ. فتبقى العينُ المرهونةُ مُلْكاً للرّاهنِ، وتبْقى مَنْفَعَتُها مُلكاً لهُ، لأنّها غنمهُ كما دلّ على ذلك قولُ النبيّ (ص).
وعلاوةً على ذلكَ فإنّ المنفَعَةَ نماءٌ للعينِ المرهونَةِ سواءٌ كانتْ منفعةً كسُكنى الدّارِ أو عَيْناً كثمرِ الشّجَرِ، فهيَ ملكٌ للراهنِ لمْ يُعْقَدْ عليها عَقْدُ الرّهْنِ فلمْ تكنْ رهْناً.
وما دامَتِ المنفَعَةُ ملكَ الرّاهنِ فإنّ لهُ أنْ يستوفيَها، فلهُ أنْ يؤجّرَ الدّارَ المرهونَةَ وأنْ يستوفيَ أُجرَتَهَا سواءٌ أجّرَها للمرتَهِنِ أو لغيرِهِ، ولا تكونُ هذهِ الأجرةُ رَهْناً، بلْ تكونُ مُلْكاً للرّاهنِ، ولا تَتْبَعُ الرّهْنَ، لأنها ليستْ من توابِعِ العقارِ التي تدخلُ في البَيْعِ دونَ ذكْرِ مفاتيح الدّار. وبناءً عليهِ فليسَ للمرتهِنِ الانتفاعُ بالعينِ المرهونَةِ بحجّةِ أنها مرهونةٌ لهُ، أو أنها تحْتَ يدهِ، بلْ تبقى مَنْفَعَتُها لصاحبِها. ولمّا كانتْ مَنْفَعَةُ العينِ لمالِكِها فإنّ لهُ أنْ يهبَ هذهِ المنفَعَةَ، كما لهُ أنْ يهبَ العينَ، ولهُ أنْ يأذَنَ مَنْ يشاءُ بالانتفاعِ بالعينِ. والسؤالُ الذي يرِدُ هنا:
هلْ يجوزُ للمرتهنِ أنْ يَنْتَفِعَ بالعينِ بإذنِ الرّاهنِ أمْ لا؟
والجوابُ على ذلك فيهِ تفصيلٌ، وهو أَنّهُ إنْ كانَ الرهْنُ بثمَنِ بَيْعٍ، أو أُجرَةِ دارٍ أوْ أيّ دَينٍ غيرِ القَرْضِ جاز للمرتهِنِ الانتفاعُ بالعَيْنِ المرهونَةِ بإذنِ الرّاهنِ، وذلكَ لأنّهُ مُلكهُ ولهُ أنْ يأذَنَ لمَن يشاءُ الانتفاعَ به ـ ويشملُ ذلكَ المرتهنَ ـ ولا يوجدُ نَصّ يمنَعُ ذلكَ، ولأنّهُ يجوزُ للبائعِ أنْ يزيدَ الأجرةَ إذا كانتْ لأجَلٍ، فيجوزُ أنْ يأذَنَ بالانتفاعِ بالعينِ، زيادةً على ثمنِ المبيعِ أو أُجرةِ العينِ المُستأجَرَةِ.
أمْا إذا كانَ الدّينُ قَرْضاً، كأَنْ يقرضَ إنسانٌ لآخرَ ألْفاً لسنة، ويرهنَ عندهُ دارَهُ ويأذنَ لهُ بالانتفاعِ بالرّهْنِ، فإنّهُ لا يجوزُ للمُرْتَهِنِ في هذه الحالةِ الانتفاعُ بالعَيْنِ المرهونة ولو أذنَ الرّاهِنُ. لأنّ رسولَ الله (ص) يقولُ: «كلّ قَرْضٍ جَرّ نَفْعاً فهوَ رِبا»(+) وهذا القرْضُ جرَّ مَنْفَعَةً للمُقرِضِ بانتفاعهِ بالعينِ المرهونَةِ فهوَ رِبا. والرّبا حرامٌ. وعليهِ فإنّ الرّهْنَ في حالةِ القرْضِ يحرُمُ على المرتَهِنِ فيهِ الانتفاعُ بالعينِ المرهونةِ ما دامَ الانتفاعُ بها دونَ عِوَضٍ.
أمّا إنْ كانَ الانتفاعُ بِعِوَضٍ، كما لوْ أجّرَ الرّاهنُ المرتهِنَ الدّارَ بعوَضٍ، فإنّهُ يجوزُ الانتفاعُ بها في القرْضِ وغيرِهِ. لأنّهُ لمْ ينْتَفِعْ بالقَرْضِ بل بالإجارةِ على شرْطِ أنْ يكونَ ذلكَ بأجرَةٍ منْ غيرِ محاباةٍ. وإنْ حاباهُ في ذلكَ فحكمهُ حُكْمُ الانتفاعِ بغيرِ عِوَضٍ، وهو لا يجوزُ في القَرْضِ، ويجوزُ في غيرِهِ. وهذا كلّهُ فيما لا يحتاجُ إلى نَفَقَةٍ يتوقّفُ عليها بقاءُ حياتهِ. أمّا إنْ كانَ الرّهْنُ عيْناً تحتاجُ إلى نَفَقَةٍ يتوقّفُ عليها بقاءُ حياتهِ كالدابّةِ التي تُركبُ والبقرَة أوِ الشّاة التي تُحْلَبُ فحُكْمُها كحُكْمِ ما لا يحتاجُ إلى نَفَقَةٍ في إذْنِ الرّاهنِ. إنّ المُرتهنَ يستطيعُ أنْ ينتفِعَ برُكُوبِ الدابّةِ وحليبِ الشّاةِ، أوِ البقرةِ بإذْنِ الرّاهنِ بغيرِ عِوَضٍ في غيرِ القرْضِ. وأما الانتفاعُ بِعِوَضٍ كاستئجارِ الدابّةِ أوِ البقَرَةِ فجائزٌ في القرْضِ وغيرهِ على شرْطِ عدمِ المحاباةِ.
وأمّا الانتفاعُ بما لا يحتاجُ إلى نَفَقَةٍ وهو الدابّةُ التي تُرْكَبُ والشاةُ التي تُحْلَبُ بغيرِ إذْنِ الرّاهنِ، فإنّ للمرتَهِنِ أنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ ويركَبَ ويحْلُبَ بقَدَرِ نَفَقَتِهِ، متحرّياً العَدْلَ في ذلكَ، لوُجودِ النصّ الشرعيّ في هذا، قالَ (ص): «الظّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إذا كانَ مرهوناً، وعلى الذي يرْكَبُ ويشْرَبُ النّفَقَةُ»(+) وفي روايةٍ: «إذا ارتَهَنَ شاةً شرِبَ المرتَهِنُ منْ لبنِها بِقَدَرِ عَلَفِها فَإن استُفْضِلَ مِنَ اللّبَنِ بَعْدَ ثمَنِ العَلَفِ فهوَ رِبا»(+)، ويُقاسُ على هذا كُلّهِ ما تحقّقَتْ فيهِ النّفَقَةُ ممّا يتوقَف بقاءُ حياتهِ عليهِ كالثورِ والشّجَرِ.
أمْا ما لا يتوقّفُ بقاءُ حياتهِ على النّفَقَةِ كالسيّارةِ في البنزينِ، والدّار في إصلاحها والأرضِ في حَرْثِها وما شاكلَ ذلكَ ممّا يحتاجُ إلى مؤونةٍ، فإنّهُ لا يُقاسُ على ما يُرْكَبُ وما يُحْلَبُ، لانعدامِ وجودِ النّفَقَة التي يتوقّفُ عَلَيْها بقاءُ حياتهِ بلْ هوَ داخلٌ في حكمِ المرهونِ الأوّلِ، وهو غيرُ ما يُرْكَبُ ويُحْلَبُ.
هذا حكمُ الرّهْنِ، ومنهُ يتبيّنُ أنّ ما اعتادَ الناسُ فِعْلَهُ منْ إقْراضِ المالِ وأخْذِ رهنٍ للانتفاعِ بهِ بإذنِ الرّاهنِ أوْ بغيرِ إذْنهِ بشرْطٍ أو بغيرِ شرْطٍ حرامٌ شرْعاً لقولهِ (ص): «كلّ قرضٍ جرّ نَفْعاً فهو رِبا»(+).


المفلِسُ
المفلسُ لُغَةً هوَ الذي لا مالَ لهُ ولا ما يَسُدُّ بهِ حاجَتَهُ أي أنّهُ وصلَ إلى حالةٍ ليسَ مَعَهُ فلسٌ واحدٌ فَهُوَ مُفْلِسٌ. ولهذا لما قالَ النبيُّ (ص) لأصحابهِ: «أتدرونَ مَنِ المفلسُ؟» قالُوا: يا رسولَ الله، المفلِسُ فينا مَنْ لا درهمَ لَهُ ولا مَتَاع.
قالَ (ص): «لَيسَ ذلكَ المفلِسَ، ولكنَّ المفلسَ مَنْ يَأتي يومَ القيامةِ بحسناتٍ أمثالِ الجبال ويَأتي وَقَدْ ظَلَمَ هذا ولَطَمَ هذا وأخَذ مِنْ عِرْضِ هذا، فيأخُذُ هذا مِنْ حسناتِهِ وهذا مِن حسناتِهِ فإنْ بَقِيَ عليه شيء أخَذَ مِن سيّئاتِهِمْ»(+) فَقولُهُمْ ذلكَ إخبارٌ عَنْ حقيقةِ المفلِسِ، وقولُ النبيِّ (ص): «ليسَ ذلكَ المفلسَ» لمْ يُرِدْ به نفْيَ الحقيقةِ بَلْ أرادَ أن مُفْلِسَ الآخرةِ أشدُّ وأعْظَمُ بحيثُ يَصيرُ مُفلِسُ الدنيا بالنسبةِ إليهِ كالغنيّ. والمفلِسُ في عُرْفِ الفقهاءِ مَنْ دَيْنُهُ أكثرُ من مالِهِ ومصروفه أكثرُ من مدخولِهِ، وسَمّوهُ مفلساً وإنْ كانَ ذا مالٍ لأنَّ مالَهُ مُستَحِقُّ الصّرفِ في جهةِ دينهِ فكأنّهُ معدومٌ.
ومتى لَزِمَ الإنسان ديون حالة لا يَفِي مالُهُ بها فَسَألَ غُرماؤهُ الحاكمَ الحَجْرَ عَلَيْهِ لَزِمَتْهُ إجابتُهُم، ويُسْتَحَبُّ أنْ يُعْلِنَ الحجرَ عليهِ ليتجنّبَ الناسُ معاملتَهُ فإذا حُجِرَ عَلَيْهِ ثبتَ بذلكَ أربعةُ أحكامٍ:
أحدُها: تَعَلّقُ حقوقِ الغرماء بعينِ مالِهِ.
الثاني: مَنْعُ تصرّفهِ بعينِ مالِهِ.
الثالثُ: أنّ مَنْ وَجَدَ عينَ مالِهِ عندَهُ فَهُوَ أحقُّ بها مِنْ سائرِ الغُرماءِ.
الرابعُ: أنَّ للحاكمِ بيعَ مالِهِ بالمزادِ العلنيّ، وإيفاءَ الغُرماءِ. والدليلُ على الحَجْرِ على المفلسِ ما رُوِيَ عن رسولِ الله (ص) أنّهُ حَجَرَ على معَاذِ بْنِ جَبَلٍ رباعَ ماله. وعنْ عَبدِ الرحمنِ بْنِ كعبٍ قالَ: «كانَ معاذُ بنُ جبلٍ مِنْ أفضلِ شبابِ قومهِ ولَمْ يكنْ يُمْسِكُ شيئاً فَلَمْ يَزَلْ يُدَانُ حتّى أغْرَقَ مَالَهُ في الدّينِ فكلّمَ النبيّ (ص) غُرَمَاءَهُ، فَلو تُرِكَ أحَدٌ من أجلِ أحدٍ لتركوا معاذاً من أجلِ رسولِ الله (ص) فباعَ لهم رسولُ الله (ص) مالَهُ حتى قامَ معاذٌ بغيرِ شيءٍ.
والمفلسُ إذا ثبتَ للناسِ عَليهِ حقوقٌ من مالٍ، بِبَيّنَةِ عَدْلٍ، أو إقرارٍ منهُ صحيحٍ، بِيعَ كُلُّ ما يوجَدُ لَهُ وأُنصِفَ الغُرماءُ، ولا يَحِلُّ أنْ يُسجَنَ أصلاً، كما لا يَحِلُّ أن يُحْبَسَ المدينُ المعْسِرُ مطلقاً، لِقَوْلِ الله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البَقَرَة: 280] ولما رُويَ عَنْ أبي سعيدٍ الخدري قالَ: «أُصيبَ رجُلٌ في ثمارٍ ابتاعها في عهدِ رسولِ اللّهِ (ص) فَكَثُرَ دَينُهُ فقالَ رسولُ الله لغرمائهِ: «خذُوا ما وجدتُم وليسَ لَكُمْ إلاَّ ذلكَ». وَرُويَ أنّهُ (ص) قَسَمَ مَالَ المفلسِ بَيْنَ الغُرماءِ ولمْ يسجنْهُ أبداً، وقالَ عَلِيٌّ أميرُ المؤمنين (ع) : «حَبْسُ الرّجلِ في السجنِ بعدما يُعرفُ ما عَليهِ منِ دينٍ ظلْمٌ». وعَنْ عُمَرَ بنِ عَبْدِ العزيزِ رضي الله عَنْهُ أنّهُ قَضَى في المفلسِ بأن يُقْسَمَ مَالُهُ بَيْنَ الغُرماءِ ثُمَّ يُتركَ حتُّى يَرْزُقَهُ اللَّهُ.
ويُقسمُ مالُ المفلِسِ الذي يوجَدُ لَهُ بينَ الغُرماءِ بالحِصَصِ بالقيمةِ عَلى الحاضرينَ الطّالبينَ الذينَ حلّت آجالُ حقوقِهِمْ فَقَط، ولا يَدخُلُ فيهِمْ حاضرٌ لا يَطلُبُ ولا غائبٌ لم يوكلْ ولا حاضرٌ أو غائبٌ لم يَحُلَّ أجَلُ حقِّهِ، طَلَبَ أم لم يطلب، لأنّ مَنْ لم يَحُلَّ أجَلُ حقّهِ فلا حقَّ لهُ بَعْدُ، ومَنْ لم يطلُبْ فلا يلزمُ أنْ يُعطى ما لم يَطلُبْ. هذا إذا كانَ المفلِسُ حيّاً، أما الميتُ المفلِسُ فإنّهُ يُقضى لِكُلِّ مَنْ حَضَرَ أوْ غابَ، طَلَبَ أمْ لَمْ يَطلبْ، ولكلِّ ذِي دَيْنٍ سواءٌ كانَ حالاًّ أم إلى أجلٍ مُسمّى، لأنَّ الآجالَ كلّها تَحُلُّ بِمَوتِ الذي لهُ الحقُّ والذي عَليهِ الحقُّ. وإن اجتمعتْ عَلى المفلسِ حقوقُ الله وحُقُوقُ العِبادِ فَحُقُوقُ الله تَعَالى مُقَدَّمَةٌ عَلى حقوقِ النّاسِ فَيُبدأ ممّا فَرّطَ فيهِ مِنْ زكاةٍ أو كفّارةٍ، ويُقسّمَ ذلكَ على كلِّ هذهِ الحقوقِ بالحِصَصِ لا يبدّى فيها شيء على شيءٍ. وكذلكَ ديونُ النّاسِ إن لم يَفِ مالُهُ بجميعِها أخَذَ كُلُّ واحدٍ بِقَدْرِ مالِهِ مما وُجدَ. ودليلُ أنَّ حُقُوقَ الله مقدمةٌ على حقوقِ العبادِ مَا ثبتَ عَن رسولِ الله (ص) أنّهُ قالَ: «دَيْنُ اللَّهَ أحقُّ أنْ يُقْضَى»(+) وقولُهُ: «واقضوا اللَّهَ فهُوَ أحَقُّ بالقضاءِ»(+) وحينَ يُباعُ مالُ المفلِسِ يُنْظَرُ في نفقتِهِ ونفقةِ مَنْ تلزمُهُ نفقتُهُ، فلا تُباعُ دارُهُ التي لا غِنى لهُ عَن سكناها. أمّا إن كانَ لهُ دارانِ يَستغني بإحداهما عَنِ الأخرى فتُباعُ التي يَسْتَغني عنها. وإن كانَ المفلِسُ يَكْسبُ مَا يَقُومُ بأوَدِهِ وأوَدِ مَنْ تلزَمُهُ نفقَتُهُ أو كانَ يقدرُ أن يَكْتَسِبَ ذلكَ بالفعلِ بأنْ يُؤَجّرَ نَفْسَهُ فإنّهُ في هذهِ الحالِ يُباعُ كلّ مالِهِ ما عَدَا دارَهُ التي تَلزمُهُ لسُكناها، وإنْ لم يَقْدِرْ عَلى شيءٍ مِنْ ذلكَ تُرِكَ لهُ مِنْ مالِهِ ما يكفيهِ ليُنْفِقَ عَلَيهِ وعلى مَنْ تلزمُهُ مؤونَتُهُ بالمعروفِ مِنْ مالِهِ إلى أن يفْرَغَ مِنْ قِسْمَتِهِ بين غُرمائِهِ.


الحوَالَةُ
الحَوالَةُ مأخوذَةٌ مِنْ تحويلِ الحقِّ مِنْ ذِمّةٍ إلى ذِمّةٍ، وَهِيَ تحويلُ مَنْ عليهِ الحقُّ عَلَى آخرَ لَهُ عِنْدَهُ حقٌّ. والحوالةُ ثابتةٌ بالسّنةِ عَنْ رسولِ الله (ص) قالَ: «مَنْ أحيلَ بحقّهِ عَلى مُحيلٍ فَلْيَحْتَلْ»(+) وهيَ جائزةٌ في الحالّ والمؤجّلِ لأنّها إحالةُ حقٍّ لآخرَ عَلى آخرَ وهُوَ عامٌّ يَشملُ كلَّ حقٍّ. وواقعُ الحوالةِ ومنطُوقُ الحديثِ يَدُلُّ على أنّهُ لا بدَّ في الحوالةِ من مُحيلٍ ومحالٍ له ومُحالٍ عليه، ويُشترطُ في صحّة الحوالةِ أربعةُ شروطٍ:
أحدُها: تماثُلُ الحقّيْنِ جِنساً وحُلولاً وتَأجيلاً، لأنّها تحويلٌ للحقِّ ونقلٌ لَهُ فَيُنْقَلُ عَلَى صِفَتِهِ، ولِذَلكَ يَصِحُّ أنْ يُحيلَ مَنْ عَليهِ ذَهَبٌ بِذَهَبٍ وَمَنْ عَليهِ فضَّةٌ بِفضَّةٍ، ولا يَصِحُّ أنْ يُحيلَ مَنْ عَليهِ ذَهَبٌ بِفِضَّةٍ أوْ مَنْ عليهِ فضّةٌ بذهبٍ. ويصحُّ أنْ يُحيلَ مَنْ عَليهِ دَيْنٌ إلى شَهْرٍ بِدَيْنٍ إلى شَهرٍ؛ ويَصِحُّ أنْ يُحيلَ مَنْ عَلَيهِ دَيْنٌ مُسْتَحَقٌّ بِدَيْن مُستحقٍّ، وأن يُحيلَ حالًّا بحالٍّ ومؤجّلاً بمؤجّل. أمّا إن كانَ أحدُ الديْنَيْنِ حالًّا والآخرُ مؤجّلاً أو أُجِّلَ أحدُهُما إلى شهرٍ والآخرُ إلى شَهْرَيْنِ لم تصحَّ الحوالةُ.
ثانيها: أن تكونَ الحوالةُ دَيناً مُستقِرّاً. فَلَوْ أحالَتِ المرأةُ عَلى زَوْجِها بِصَداقِها قَبلَ الدُّخولِ لم يصحَّ لأنّهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، ولو أحالَ الموظّفُ بأجرتهِ قبلَ الانتهاءِ من عملهِ أو قبلَ نهايةِ مدّةِ إجارتهِ لم يصحّ لأنّهُ دينٌ غَيْرُ مُستقرٍّ. أمّا لو أحالَ مَنْ لا دينَ عَليهِ رجلاً على آخرَ لَهُ عَليهِ دَيْنٌ فَلَيْسَ ذلكَ بحوالَةٍ، بَلْ هيَ وكالَةٌ تَثْبُتُ فيها أحكامُ الوكالةِ لا أحكامُ الحوالةِ. وإنْ أحالَ مَنْ عليهِ دَيْنٌ على مَنْ لا دينَ عَليهِ فَلَيْسَتْ حوالةً أيضاً فلا يُلزَمُ المحالُ عَليهِ الأداءَ ولا يُلزَمُ المحتالُ قبولَ ذلكَ لأنَّ الحوالةَ مُعاوَضَةٌ.
ثالثُها: أن تكونَ بمالٍ معلومٍ فلا تصحُّ بمالٍ مجهولٍ.
رابعُها: أن يُحيلَ المُحيلُ برضائهِ ولا يُجبرَ عَلى الحوالةِ لأنَّ الحقَّ عَلَيه فلا يلزمُهُ أداؤهُ مِنْ جهةٍ معيّنةٍ، إذْ لا يلزمُهُ أداؤهُ مِنْ جهةِ الدَّينِ الذي على المُحالِ عَليهِ بَلْ لَهُ أن يؤدّيَهُ مِنْ أيةِ جهةٍ أرادَ.
ولا يُشْتَرَطُ رِضَا المحالِ لهُ والمحالِ عَلَيْهِ بَلْ لا يُعتَبَرُ رضاهُما مطلقاً فالمحال له مجبورٌ أن يَقْبَلَ الحوالةَ والمحالُ عَلَيْهِ مجبورٌ أن يَقْبَلَ الحوالةَ. أمّا إجبارُ المحالِ لهُ فلِقَوْلِ النبيّ (ص): «إذا أُتْبِعَ أحدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ»(+) والمليءُ هُوَ القادرُ عَلى الوفاءِ، ويَقتَضي أنْ يكونَ غَيرَ جاحدٍ ولا مُماطلٍ. ولأنَّ للمُحيلِ أن يُوفيَ الحقَّ الذي عليه بنفسهِ وبوكيلهِ، وقَدْ أقامَ المحالَ عَليهِ مقامَ نفسهِ في التقبيضِ فَلَزِمَ المحالَ القبولُ. وأمّا عَدَمُ رضا المحالِ عَليهِ فلأنَّ الدّائنَ أقامَ المحال لهُ مقامَ نفسِهِ في القبضِ فَلَمْ يفتقرْ إلى رضا مَنْ عليهِ الحقّ كالتّوكيلِ.
وعلى ذلكَ فالحوالةُ في السّنداتِ التي تتضمنُ مبالغَ حالّةً كالشيكاتِ أو مبالغَ مؤجّلةً استحقَّ أجلُها وهُوَ ما يُسمّى بحوالةِ العينِ، جائزةٌ برضا المحيلِ فَقَط ولا يُشترطُ فيها رضا المحال له والمحالِ عَليهِ؛ وكذلك حوالةُ السّنداتِ التي تتضمّنُ مبالغَ مؤجّلةً لم يستحقَّ أجلُها كالكمبيالاتِ، وهُوَ ما يسمّى بحوالةِ الدَّينِ سواءٌ رَضيَ المحال لهُ أمْ لم يَرْضَ، ورَضِيَ المحالُ عَليهِ أمْ لم يَرْضَ. والحوالةُ ليست عَقداً حتى يشترطَ فيها الرّضا فَلَيسَ فيها إيجاب ولا قَبول، وإنّما هيَ تصرّفٌ منَ الشّخصِ نَفسهِ كالضّمانِ والكفالةِ والوصيّةِ وما شاكلها منَ التصرفاتِ التي لا تُعتبرُ عَقداً مِنَ العُقودِ.


تحديدُ النسْل
تحديدُ النسلِ يرتكزُ على موضوعين:
أحدهما: النّسلُ، هل يباح تحديدُهُ أم هو حرام؟
الثاني: هل يحلّ للرجلِ والمرأةِ منعُ الحمل أم يحرم عليهما ذلك؟
الموضوع الأول: النصوصُ الشرعية التي جاءت بشأنه قد جعلت الموضوع داخلاً تحت المندوبات وليس تحت المحرماتِ أو المباحات فجاء الطلبُ من الشارع بتكثير النسلِ لا بتقليله وبإطلاقهِ لا بتحديده، واقترن الطلب بما يفيد مدحَ فاعِلِه. فكان طلب فعل مقروناً بقرينة تدل على ترجيحِ الفعل على الترك فكان بذلك مندوباً وليس مباحاً. وبالطبع بما أنه طلب فعل لا طلب ترك فهو ليس بحرام ولا بمكروه، ومن هنا كان تكثيرُ النسلِ مندوباً من المندوبات، وفعلُ المندوبِ يثابُ فاعلهُ ولا يعاقب تاركهُ لا في الدنيا من الدولة ولا في الآخرة من الله تعالى.
أما النصوصُ فعن أنس (رض) أن النبيّ (ص) قال: تزوجوا الودود الولود فإني مكاثرٌ بكم الأنبياءَ يومَ القيامةِ، وقال (ص) وانكحوا أمهاتِ الأولاد فإني أباهي بكم يومَ القيامة(+) وقال: «تناكحوا تكاثروا»(+).
فهذه النصوصُ صريحةُ الدلالةِ في الأمرِ بتكثيرِ النسلِ: فالرسولُ طلب تزوجَ الودودِ الولود، وأمهات الأولاد، وعلّلَ ذلكَ بأنه مكاثر بالمسلمين ومباهٍ بهم، فهذا هو ما جاء به الوحيُ في شأنِ تكثيرِ النسلِ: أي هذا هو الحكمُ الشرعيُّ في النسلِ، وهو أنه مندوبٌ من المندوبات.
الموضوع الثاني: وهو منعُ الحملِ فإنه غيرُ تحديد النسلِ بل هو أعمُّ من ذلك، إذ قد يمنع الحمل حفظاً لصحةِ المرأةِ، وقد يمنع الحمل لأن الرجلَ لا يستطيعُ تعليمَ أبناء كثيرين وهو يريد أن يعلّمَ أولادَه كلَّهم فيقوم بمنع الحمل بعد أربعةِ أولادٍ أو أكثر إلى غير ذلك من الأسباب، لذلك كان منع الحمل أعم وأشمل من تحديد النسل، فكان موضوعاً آخرَ غيرَ تحديدِ النسلِ وإن كان يمكن أن يكون تحديد النسل سبباً من أسبابِ منعِ الحمل.
إلا أنه لما كانت نصوصُ الشرعِ قد جاءت بخصوصِ النسلِ بحكم معين، فجاءت تحثُّ على تكثيرِ النسل، فكان وحدَهُ موضوعاً معيَّناً إذا كان الأمر يتعلق بالنسل من حيثُ هو.
ومنع الحمل قد جاءت النصوصُ الشرعيّة صريحةً بإباحتِهِ، فجاء الطلب من الشّارعِ بإباحة منع الحمل، وجعلت للرجل وكذلك للمرأةِ أن تفعل ما يمنع الحملَ بغضِّ النظرِ عن أسبابِهِ حتى لو كان لمنعِ إنجابِ الأولاد.
وطلب الفعل إذا لم يقترنْ بقرينة تفيد ترجيحَ الفعلِ على التركِ لذلك يستوي فيه الفعلُ والتركُ فكان مباحاً، وبالطبع هو طلبُ فعلٍ وليس بطلب ترك فهو ليس بحرام ولا بمكروهٍ، لذلك كان منعُ الحملِ حلالاً، وهو مباحٌ من المباحات.
أما النصوصُ: فقد أخرج مسلم عن جابر قال: «أن رجلاً أتى النبي (ص) فقال: إن لي جاريةً هي خادمتنا وأنا أطوفُ عليها وأكره أن تحمل فقال: «اعزل عنها إن شئت، فإنهُ سيأتيها ما قدّر لها». وعن أبي سعيد قال: خرجنا مع رسول الله (ص) في غزوة بني المصطلق فأصبنا بسبيٍ من العربِ، فاشتهينا النساءَ واشتدتْ علينا العزبةُ وأحببنا العزلَ فسألنا عن ذلك رسول الله (ص) فقال: «ما عليكم أن لا تفعلوا، فإن اللَّهَ، عزّ وجلّ، قد كتبَ ما هو خالق إلى يومِ القيامة» وعن جابر قال «كنّا نعزلُ على عهدِ رسول الله (ص) فبلغه ذلك فلم يَنْهَنا».
فهذهِ النصوصُ صريحةُ الدلالةِ في الأمرِ بالعزلِ، وفي الإذنِ بالعزلِ، وفي إقرارِ العزلِ وعدمِ النهيِ عنه. هذا هو ما جاء به الوحيُ في شأن منعِ الحملِ أي هذا هو الحكم الشرعي في منع الحمل، وهو أنهُ حلالٌ ومباح من المباحات ولا يقال إن هذا في العزلِ خاصّة. وليس في منعِ الحملِ، لأن النصوصَ لم تأتِ بالعزل من أجلِ منعِ الحملِ، فالرجلُ قال للرسولِ وأكره أن تحمل، فقال له الرسولُ: «اعزل عنها» والسؤالُ داخلٌ في الجواب، أي اعزلْ عنها إن كنتَ تكرهُ الحمل. والصحابةُ حين أحبوا العزلَ وسألوا الرسول (ص) أجابهم جواباً يتعلق بالأولادِ مما يدلُّ على أن الموضوعَ في العزل هو منع الحمل وليس العزل من حيثُ هو عزلٌ إذ قال لهم «ما عليكم أن لا تفعلوا فإن الله، عزّ وجلّ، قد كتب ما هو خالق إلى يوم القيامة». وهذا يعني أن الجواب هو عن العزل من حيث عدم الحمل، ولذلك يصدق على كل ما يمنع الحمل سواء أكان عزلاً أم شيئاً آخر، فتكون النصوصُ دليلاً على إباحةِ كلِّ ما يمنعُ الحملَ وليس على إباحةِ العزلِ من حيثُ هو عزل.
هذا هو الحكمُ الشرعيُّ في النسلِ وفي منعِ الحملِ وهو أن السنّةَ تكثيرُ النسلِ وأن منعَ الحملِ حلالٌ. ونظراً لأن هذا الموضوعَ هو مما تقومُ للدعاية له الدولُ الغربيةُ في البلادِ التي يعتبرونها بلاداً متخلّفةً ويطلقون عليها البلادَ النامية، ولما ثبت من تأثر المسلمين بالدعاية له، فكان لزاماً أن يبيّنَ الحكم الشرعي في ذلك.
والحكمُ الشرعيُّ هو ما أخذ من الكتابِ والسنّةِ وما أرشد إليه الكتابُ والسنّةُ وليس رأي العقلِ ولا مصلحة الناس. فحكمُ الشرعِ هو ما جاء بهِ الوحيُ ليس غير..


الاستِرقاق
كانتْ أبوابُ الاسترقاقِ في النّظُمِ القديمةِ التي كانَ معْمولاً بها في العالمِ حينَ جاءَ الإسلامُ كثيرةً. فكانَتْ تقضي باسترقاقِ المدين المفلس. فالدّائنُ إذا أعْسَرَ مدينُهُ وأفْلَسَ كانَ لهُ أنْ يَسْتَرِقَّهُ وكانتْ تقضي باسترقاقِ الإنسانِ عقوبةً على بعْضِ ما يَرْتَكِبُهُ منَ الجرائم والخطايا، وكانتْ تتيحُ للحُرِّ أن يَقْبَلَ الرقّ على نفسهِ فيبيعُ نفسهُ لغيرهِ بشرطِ أنْ يعتقهُ بعدَ زمَنٍ يتّفِقانِ عليهِ.
وكانتِ القبائلُ القويّةُ تُبيحُ لنفسِها استرقاقَ أفْرادِ القبيلة الضعيفةِ، كما كانتِ الحروبُ والغزواتُ بوجْهٍ عامٍّ تقضي باسترقاقِ الأسرى، وتبيحُ استرقاقَ أهلِ البلادِ كلِّهم إذا استولوا عليهم. وكانَ بعْضُها يحْصُرُ الاسترقاقَ بمنْ يُؤخَذُونَ أَسرى في الحربِ منَ الرّجالِ والنساءِ والأطفالِ، فمَنْ أُخِذَ أسيراً في حرْبٍ مشروعةٍ استُرِقّ واعتُبِرَ رقيقاً واعترفَ بكونهِ رقيقاً.
فلمْا جاءَ الإسلامُ وضعَ للأحوالِ التي كانَ يحصُلُ فيها الاسترقاقُ أحكاماً شرعيّةً غيرَ الاسترقاقِ.
في الحرب: بَيّنَ حالةَ الأسرى في قولهِ تعالى: {فَإِذَا لَقِيْتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} [محَمَّد: 4].
بالنسبة للمدينِ المُفلسِ: قولهُ تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البَقَرَة: 280].
وبيّنَ العقوبات على الذنوبِ مُفصّلَةً، ولاسيّما عُقوبةُ السارقِ التي كان جزاؤها الاسترقاقَ، والتي أشارَ إليها اللّهُ في القرآنِ: {قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} [يُوسُف: 75].
لكنّ الإسلامَ بَيّنَ عقوبةَ السّارقِ. قالَ تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا} [المَائدة: 38].
وجعلَ العَقْدَ بيْنَ العَبْدِ والمولى على العتْقِ لا على الاسترقاقِ، وحرّمَ استرقاقَ الأحرارِ تحريماً قاطعاً وقد جاءَ في حديثٍ قُدسيٍّ: «ثلاثةٌ أنا خَصْمُهُمْ يومَ القيامةِ: رجلٌ أعطى بي ثمّ غدرَ، ورجلٌ باعَ حُرّاً فأكَلَ ثمنَهُ، ورجلٌ استأجرَ أجيراً فاستوفى منهُ ولمْ يُعْطِهِ(+)» فالله تعالى خصمٌ لبائعِ الحرِّ، وبهذا يكونُ الإسلامُ قَدْ منَعَ الاسترقاقَ.
وأمّا بخصوصِ الرّقِّ الذي كانَ موجوداً قبْلَ الحكمِ الإسلاميِّ، فإنّ الإسلامَ قدْ عالجهُ بأحكامٍ واضِحةٍ في القرآنِ الكريمِ، حتى أنهاهُ بالنسبةِ لمَنْ قَتَلَ خطأ أوِ ارتَكَبَ إثماً. ولقدْ شَرَطَ الإسلامُ، أوّلاً، على المُرتَكِبِ أنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً، فإنْ لمْ يجِدْ فصيامٌ، وإلاّ فإطعامُ مسكينٍ. كما أنّ الإسلامَ وضعَ نصيباً في أموالِ الزكاةِ لما بقيَ منَ الرقيقِ، وعدّهم منَ الأشخاصِ الثمانيَةِ الذينَ يجبُ أنْ تُدْفَعَ الزكاةُ في سبيلِ عتْقِهِمْ. قالَ تعالى في سورةِ التوبَةِ: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ *} [التّوبَة: 60] ورُبّ مُعترِض يقولُ: بالرغمِ من هذهِ الأحكامِ الواضحةِ فكلّ الحكّامِ المسلمينَ استرقّوا في بعض العصورِ. والجوابُ أنّ الإسلامَ في الوقتِ الذي مَنَعَ الاسترقاقَ ظَلّتْ أوروبا وغيرُها من دول العالم تسيرُ على نظامهِ. وهكذا كانَ الحاكمُ المسلمُ عندما يأخذُ أسيراً منْ هذهِ الدولِ التي استرقّتْ بعض رعاياهُ يُطبّقُ عليهم قاعدةَ المعامَلَةِ بالمِثْلِ، لا نظامَ الاسترقاقِ، وهذهِ القاعدةُ مُسْتَنْبَطَةٌ من قولِهِ تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البَقَرَة: 194].


القِمَـار
مَنَعَ الشُّرْعُ القمارَ مَنْعاً باتّاً. واعتبرَ أموالَهُ محرّمَةً، قالَ الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسَرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ *} [المَائدة: 90-91] أكّدَ تحريمَ الخمْرِ والمَيْسرِ وجوهاً منَ التأكيدِ منها تصديرُ الجُمْلَةِ «بإنما»، ومنها أنّهُ قَرَنَهُما بعبادةِ الأصْنامِ، ومنها أنّهُ جَعَلَهُمَا رِجْساً، قالَ تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ} [الحَجّ: 30] ومنها أنّهُ جَعَلَهُمَا منْ عملِ الشيطانِ، ولا يصدُرُ منَ الشيطانَ سوى الشرّ البَحْتِ. ومنها أنّهُ أمرَ بالاجتنابِ. ثمّ جَعَلَ الاجتنابَ منَ الفلاحِ. وإذا كانَ الاجتنابُ فَلاحاً كانَ الارتكابُ خَيْبَةً. ثمّ ذكرَ ما يَنْتُجُ عنْهُما منَ الوبالِ وهوَ وقوعُ التعادي والتباغض منْ أصحابِ الخمْرِ والقمارِ. وما يؤدّيانِ إليهِ منَ الصدِّ عن ذكْرِ الله، وعنْ مراعاةِ أوقاتِ الصلاةِ «فهَلْ أنتمْ مُنتهون» مِنْ أبلَغِ ما ينهى به! كأنّهُ قيل: قَدْ تُلِيَ عَلَيْكُمْ ما فيها من أنواعِ الصّوارِفِ والموانعِ، فهلْ أنتم مَعَ هذهِ الصّوارِفِ والموانعِ مُنْتَهُون. ومن القمارِ أوراقُ اليانصيبِ، مهما كانَ نوعُها، ومهما كان السبَبُ الذي وُضعتْ لَهُ. ومنَ القِمارِ الرّهانُ في سباقِ الخَيْلِ. ومالُ القِمارِ حرامٌ لا يجوزُ تملّكُهُ.


الإسلام طُبِّقَ عمليّاً
إنّ كثيراً منَ الحاقدينَ على الإسلامِ والمسلمينَ، يسألونَ سؤالاً لا يبتغونَ من ورائِهِ سوى التّشويهِ والتضليلِ.
أمّا سؤالهم فهوَ: هل طبّقَ المسلمونَ الإسلامَ، أمْ أنهُمْ كانوا يعتنقونَ عقيدتَهُ ويُطبّقونَ غيرَهُ منَ الأنظمَةِ والأحكامِ؟
والجوابُ أنّ المسلمينَ طبّقوا الإسلامَ وحْدَهُ في جميعِ العصورِ مُنْذُ أنْ وصَلَ الرّسولُ (ص) إلى المدينةِ حتى سنة 1336هـ، 1918 ميلادية، حينَ سقطتْ آخرُ دولةٍ إسلاميّةٍ على يدِ الاستعمارِ، وكانَ التطبيقُ شاملاً حتى نجحوا في هذا التطبيقِ إلى أبْعَدِ حدودِه، والدليلُ على ذلكَ أنّ الدولةَ هيَ التي تُطبّقُ النظامَ، والذي يُطبّقُهُ في الدولةِ شخصان: القاضي الذي يفصلُ الخصوماتِ بينَ الناسِ، والحاكمُ الذي يحكمُ بينهم.
أمّا القاضي فقد رُويَ بطريقِ التواتُرِ أنّ القُضاةَ الذينَ يفصلونَ الخصومات بينَ النّاسِ منذُ عهْدِ الرسولِ (ص) حتى نهايةِ الخلافةِ في اسطنبول كانوا يفصلونها حَسْبَ أحكامِ الشرْعِ الشريفِ في جميعِ أُمورِ الحياةِ، سواءٌ كانَ الفصْلُ بينَ المسلمينَ وحدَهُمْ أوْ بينهُمْ وبينَ غيرهِمْ.
والمحكمةُ التي كانتْ تفصلُ جميعَ الخصومات منْ حقوقِ وجزاءٍ وأحوالٍ شخصيّةٍ وغيرِ ذلكَ محكمةٌ واحدةٌ، تحكُمُ بالشرْعِ الإسلاميِّ وحدَهُ، ولمْ يَرْوِ أحدٌ أنّ قضيّةً واحدةً فُصلَتْ على غيرِ الأحكامِ الشرعيّة الإسلاميّةِ.
وأقربُ دليلٍ على ذلكَ سجلاتُ المحاكمِ الشرعيّةِ المحفوظةِ في البلدانِ القديمةِ كالقدْسِ وبَغدادَ ودمشقَ ومصرَ واسطنبول وغيرها، فإنها دليلٌ يقينيّ بأنّ الشرْعَ الإسلاميّ هو الذي كانَ يطبّقهُ القُضاةُ وحدهُ. وغيرُ المسلمينَ منَ النصارى واليهودِ كانوا يدرسونَ الفِقْهَ الإسلاميّ، ويؤلّفونَ فيهِ، مثل سليم الباز شارح المجلّةِ وغيرهِ ممّنْ ألّفوا في الفِقْهِ الإسلاميّ في العصورِ المتأخّرَةِ.
وأمّا ما دخلَ منَ القوانينِ فقدْ كانَ بناءً على فتوى العلماءِ بأنها لا تُخالِفُ أحكامَ الإسلامِ، وهكذا أُدخِلَ قانونُ الجزاءِ العثمانيّ سنة 1857م، وأُدخلَ قانونُ الحقوقِ والتجارةِ 1858م. وفي سنة 1870م قُسّمَتِ المحاكِمُ قسمينِ: محاكمَ شرعيّةً ومحاكمَ نظاميّةً وَوُضعَ لها نظامٌ. وفي سنةِ 1877 وُضِعَتْ لائحَةُ تشكيل المحاكمِ النظاميةِ، وقانون أُصولِ المحاكماتِ الحقوقيّةِ والجزائيّةِ.
ولمّا لمْ يجدِ العلماءُ ما يبرّرُ إدخالَ القانونِ المدنيِّ في نظامِ الدولةِ وَضَعَتِ المجلّةُ قانوناً للمعاملاتِ، واستُبْعِد القانونُ المدنيّ سنة 1868م. والقوانينُ التي وُضِعَتْ لمْ تتعدَّ الأحكامَ التي يجيزُها الإسلامُ ولمْ تُنَفّذْ إلا بعد أنْ أُخِذَتْ الفتوى بإجازتها. وبعْد إذْنٍ منْ شيْخِ الإسلامِ، كما تبيّنَ منَ المراسيمِ التي صدرَتْ بها. ولكنْ أخَذَ الاستعمارُ منْذُ سنة 1918 أي منذُ احتلالهِ البلادَ، يفصلُ الخصومات في الحقوقِ والجزاءِ على غيرِ الشريعةِ الإسلاميّةِ. أمّا البلدانُ التي لم يدخلْها الاستعمارُ بجيوشِهِ، وإنْ دَخَلَهَا بنفوذِهِ فلا تزالُ تُحكَمُ قضائيّاً بأحْكامِ الإسلامِ، فجزيرةُ العربِ كلّها: الحجازُ، نجْدُ، الكويتُ وبلادُ الأفغانِ أيضاً لا تزالُ تطبّقُ الإسلامَ قضائيّاً معَ أنّ الحكّامَ في هذه البلادِ لا يُطبّقونَ الأحكامَ الإسلاميةَ في حياتهم العمليّة.
يتضحُ من هذا العَرْضِ الموجَزِ أنّ الإسلامَ طُبّقِ قضائياً، ولم يطبّقْ غيرُهُ في جميعِ عصورِ الدولةِ الإسلاميّةِ. أمّا تطبيقُ الحاكمِ للإسلامِ، فإنّهُ يتمثّلُ في خمْسَةِ أشْيَاءَ. في الأحكامِ الشرعيّةِ المتعلّقَةِ بالاجتماعِ والاقتصادِ والتعليمِ والسياسةِ الخارجيّةِ والحكمِ. وقد طبّقَتِ الدولة الأشياءَ الخمسةَ جميعَها.
وعلى ذلكَ فالإسلامُ طُبّقَ عمليّاً منذُ السنةِ الأولى للهجرَةِ حتى سنة 1336هـ 1918م. أمْا إساءةُ التطبيق فتعودُ إلى أنّ الإنسانَ لا يُعتبَرُ كائناً صناعيّاً يعيشُ على المِسْطَرَةِ، ويطبّقُ النظامَ بلا تفاوُتٍ بالقياسِ الهندسيّ الدقيقِ، بلْ يُعتبَرُ كائناً اجتماعيّاً تتفاوَتُ فيهِ القوى والخاصيّاتِ ولذلكَ كانَ من الطبيعيّ أنْ يُقارِبَ منْ جهَةٍ بينَ الناسِ ولا يُساوي مساواةً دقيقةً. ومنَ الطبيعي، منْ جهةٍ أُخرى، أنْ يشذّ بناءً على هذا الاعتبار عن تطبيقِ هذا النظامِ أفرادٌ فيخالفونهُ. وأنْ لا يستجيبَ لهُ أفرادٌ، وأنْ يتولّى عنْهُ أفرادٌ. وفي المجتمَعِ ـ كما نَعْلَمُ ـ فُسّاقٌ وفجّارٌ وكفّارٌ ومنافقونَ ومرتَدّونَ ومُلْحِدُونَ. لكنّ العبرَةَ بالمجتمَعِ بمجموعهِ، منْ حيثُ كونُهُ أفكاراً ومشاعرَ وأنظمةً وناساً. والمجتمعُ الإسلاميّ يُطبّقُ الإسلامَ حينَ تبدو هذه الأشياءُ إسلاميّةً. والدليلُ على ذلك أنّهُ لا يمكنُ لأحدٍ أنْ يُطبّقَ نظاماً كما طَبّقَ محمّدٌ رسولُ الله (ص) نظامَ الإسلامِ، ومعَ ذلكَ فقدْ كانَ في أيامهِ كفّارٌ ومنافقونَ وفُسّاقٌ وفُجّارٌ ومرتدّونَ ومُلْحِدونَ، ولا يستطيعُ أحَدٌ أنْ يقولَ جازماً: إنّ الإسلامَ كانَ مطبّقاً تطبيقاً كاملاً، وأنّ المجتمَعَ كانَ إسلاميّاً مئة بالمئة. وهذا التطبيقُ كان على الإنسانِ الكائنِ الاجتماعيّ لا الصناعيّ. ولذلكَ كانتْ إساءَةُ تطبيقِ الإسلامِ في بعْضِ العصورِ تؤدّي بالمجتمعِ الإسلاميّ إلى الانحدارِ أحياناً ولا يخلو من ذلكَ أيّ نظامٍ، لأنّهُ يعتمدُ في تطبيقِهِ على البشرِ.
وإساءةُ التطبيق لا تعني أنّ الإسلامَ لمْ يطبّقْ، بلِ المقطوعُ بهِ أنّ الإسلامَ طُبّقَ كما لمْ يُطبّقْ غيرُهُ منَ المبادىء والنّظُمِ. إنّ العبرَةَ في التطبيقِ للقوانينِ والأنظمة التي تأمرُ الدولةُ بالعَمَلِ بها، ولم تأخذِ الدولةُ الإسلاميّةُ أيّ شيءٍ مخالفٍ للإسلامِ، وكلّ ما حصلَ أنّ بَعْضَ الحكّامِ أساؤوا التطبيقَ.
على أن الشيءَ الذي ينبغي أنْ يكونَ واضحاً أنّ الواجبَ علينا حينَ نستعرضُ تطبيقَ الإسلامِ منَ التارِيخِ أنْ نلاحِظَ شيئينِ اثنينِ.
أولهما: أنْ لا نأخُذَ هذا التاريخَ عنْ أعداءِ الإسلامِ وأنْ نأخُذَهُ بالتحقيقِ الدقيقِ منَ المسلمينَ أنفسِهِمْ الحريصينَ على روحهِ وجوْهرِهِ حتى لا نأخُذَ الصورَةَ المشوّهَةَ.
الثاني: لا يجوزُ أنْ نستعملَ القياسَ الشموليّ على المجتمعِ لا في تاريخِ الأفرادِ، ولا في تاريخِ ناحيةٍ منْ نواحي المجتمَعِ، فَمِنَ الخطَإ أنْ نأخُذَ العصْرَ الأمويّ منْ تاريخ يزيدَ مثلاً. وأنْ نأخذَ العصْرَ العباسيّ منْ بعْضِ حوادِثِ خُلَفَائهِ، كذلكَ لا يجوزُ أن نحكُمَ على المجتمعِ في العصرِ العبّاسيّ من قراءَةِ كتابِ الأغاني الذي جمَعَ أخبارَ المُجّانِ والشعراءِ والأدباءِ، أو منْ قراءةِ كتُبِ التصوّف وما شاكَلَها؛ فَنَحْكُمَ على العصرِ بأنّهُ عصْرُ فسقٍ وفجورٍ أو عصْرُ زُهْدٍ وانعزالٍ، بلْ يجبُ أنْ نَنْظُرَ إلى المجتَمَعِ بأكمَلِهِ.
على أنّ تاريخَ المجتمعِ الإسلاميّ كمجتَمَعٍ لمْ يكتَبْ في أيّ عصرٍ، وإنما الذي كُتِبَ، أخبارُ الحكّامِ، وبعضُ المتَنَفِّذِينَ، والذينَ كتبوا ذلكَ ليسوا منَ الثقاتِ، وكلّهُمْ، إمّا قادحٌ أو مادحٌ، وذلكَ غيرُ مقبولٍ، وأقوالهم موْضعُ شكٍّ كبيرٍ.
وحينَ ندرُسُ المجتمَعَ الإسلاميّ على هذا الأساسِ، ينبغي أنْ ندرسَهُ منْ جميعِ نواحيهِ، وبالتحقيقِ الدقيقِ نجدهُ خير المجتمعاتِ.
الإسلامُ مبدَأ لهُ عقيدةٌ ونظامٌ فحينَ نريدُ معرفتهُ وأخْذَهُ لا يجوزُ أنْ نجعَلَ التاريخَ مصدراً لهُ مطلقاً، لا منْ حيثُ معرفتُهُ ولا منْ حيث استنباطُ أحكامهِ، أمّا مصدَرُ معرفتِهِ فَكُتُبُ الفِقْهِ الإسلاميِّ، وأمّا مصدرُ استنباطِ أحكامهِ، فالأدلّةُ التفصيليّةُ.
ومن ذلكَ كلّهُ نرى أنّ النظامَ الإسلاميّ طُبّقَ عمليّاً ولمْ يُطبّقْ غيرهُ في جميعِ عصورِ الدولةِ الإسلاميّةِ. وأمّا نجاحُ هذا التطبيقِ عمليّاً فقدْ كانَ نجاحاً منقطعَ النظيرِ ولاسيّما في الأمرين التاليينِ: القيادَة الفكريّة الإسلاميّة التي نَقَلَتِ الشعْبَ العربيُّ من حالةٍ فكريّةٍ منحطّةٍ إلى عَصْرِ نهضةٍ فكريّةٍ يتلألأ بنورِ الإسلامِ الذي لمْ يقتصرْ بُزوغُ شمْسِهِ على العربِ وحدَهُمْ، بلْ عمِّ العالمَ كلّهُ. لقدِ اندفَعَ المسلمونَ في الكرةِ الأرضيّةِ وحَمَلُوا الإسلامَ للعالمِ. استولوا على فارسَ والعراقِ وبلادِ الشامِ ومصرَ وشمالي إفريقيا. وكانتِ لكلِّ شعبٍ منْ هذهِ الشعوب قوميّةٌ غيرُ قوميّاتِ الشعوبِ الأخرى، ولغةٌ غيرُ لغاتها وعاداتٌ وتقاليدُ وأديانٌ مختلفةٌ. وما إن استظلّتْ بالحُكْمِ الإسلاميِّ وفَهِمَتِ الإسلامَ حتى دخلتْ فيهِ كلّها، وأصبحتْ جميعُ هذهِ الشعوبِ أُمّةً واحدةً. ولذلكَ كانَ نجاحُ القيادةِ الفكريّةِ الإسلاميّةِ في صَهْرِ هذهِ الشعوبِ والقوميّاتِ نجاحاً منقطِعَ النظيرِ معَ أنّ وسيلَةَ المواصلاتِ في حملِها لمْ تتعدّ النّاقَةَ والجمَلَ كما أنّ وسيلَةَ نشرِها اقتصرْت على اللّسانِ والقلم.
ولم يكنِ الفتْحُ الإسلاميّ إلاّ لإزالةِ الحواجزِ الماديّةِ حتى يُخلّى بينَ الناسِ، وما يرشدهمْ إليهِ العقل أو تهديهمْ إليهِ الفطرَةُ، ولذلك دخلَ الناسُ في دينِ الله أفواجاً. أمّا الفتْحُ الجائرُ فإنّهُ يباعدُ بينَ الغالبِ والمغلوبِ، والدليلُ على ذلكَ استعمارُ الغرْبِ للشرْقِ عشرَاتِ السنينَ دونَ أنْ يظفَرَ بنائلٍ.
الأمر الثاني: الأمّةُ الإسلاميّةُ ظلّتْ أعْلى أُمّةٍ في العالمِ حضارةً ومدنيّةً وثقافةً وعِلْماً، وظلّتِ الدولةُ الإسلاميّةُ أعظمَ الدوَلِ في العالمِ وأقدرَها مدة 12 قرناً؛ ممّا يؤكّدُ نجاحَ هذهِ القيادةِ ونجاحَ الإسلامِ في تطبيقِ نظامه وعقيدتهِ على الناسِ.
ولكن السؤال الذي يجب أن يرد هنا:
إذا كان الإسلام نجح هذا النجاح المنقطع النظير بحيث أخذ بيد المسلمين فجعل منهم أقوى دولة في العالم فكرياً ومادياً. فما هي العوامل التي أدت إذاً إلى ضعفهم على هذا النحو الذي نراه اليوم؟


عَوامِلُ ضعفِ المسْلمين
تقوم قوةُ المسلمينَ على مبدإ الإسلامِ ففيه وحدَهُ بقاؤهُم، وبه وحدَهُ ارتقاؤهم، فهو، إذاً، قوامُ وجودِهم.
وقد أدرك ذلك أعداؤُهم، وعَرَفُوا أنّهم لن يستطيعوا إضعافهم ما دام الإسلامُ قويّاً في النفوسِ، فعمدوا إلى إيجادِ الوسائلِ التي تضعف فهمَ المسلمين له، وتضعف تطبيقهم لإحكامِهِ.
أما الوسائلُ التي استعملوها لإضعاف فَهْمِهِ فكثيرةٌ، منها ما يتعلّق بنصوصهِ، ومنها ما يتعلّق باللغةِ التي يؤدى بها، ومنها ما يتعلّق بانطباقِهِ على وقائعِ الحياة.
عمدوا إلى الأحاديث النبويةِ يدسّون فيها أحاديثَ مكذوبةً لم يقلها الرسول (ص)، ولكنهم زوروها وضمنوها معانيَ غيرَ إسلاميةٍ ومفاهيمَ تناقضُ الإسلامَ لكي يأخذَها المسلمون ويعملوا بما فيها، فيبعدوا عن الإسلام.
غير أن المسلمينَ فطنوا لهؤلاءِ الزنادقة وقَضَوْا على مؤامراتِهِمْ، فهبّ العلماءُ ورواةُ الحديثِ يجمعونَ الحديثَ، ويضعون تاريخَ رواتِهِ وأوصافَهُمْ، ويبيّنون الحديثَ الصحيحَ من الضعيفِ المكذوبِ حتى حُفظ الحديثُ فَحُصِرَتْ روايتهُ في تابعي التابعين عن التابعين عن الصحابةِ، ولم تقبل بعدهم أي رواية، وحصر الرواة، وعرف كل واحدٍ منهم، وبينت طبقات كتبِ الحديث، حتى أصبح بإمكان المسلمِ إذا تتبع الحديثَ أن يعرف صحّته من ضعفه ومن كذبه، بمعرفة سنده ومتنه، وبذلك لم يكن لهذه المؤامرةُ أثرٌ يذكر. ثم عمدوا إلى اللغةِ العربيةِ التي يؤدى بها الإسلام، وأخذوا يحاولون فصلَها عن الإسلام، ولكنهم لم يستطيعوا في أولِ الأمر، لأنّ المسلمينَ اندفعوا في الفتوحاتِ وهم يحملون الكتابَ والسنةَ واللغةَ العربية، وكانوا يواجهون مشاكلَ جديدةً في البلادِ المفتوحة فيستنبطون لها حلولاً أي أحكاماً شرعية، فأدى تطبيقُ هذهِ الأحكامِ على المشاكلِ الجديدةِ التي وقعت في فارسَ والعراقِ والشامِ ومصرَ وإسبانيا والهند والقفقاس وغيرها إلى أن يدخل أهلُ هذه البلادِ جميعها في جملتهم في حظيرة الإسلامِ، مما يدلّ على صدقِ الاستنباطِ وقوةِ الإبداع والاجتهاد. وإذ الإسلام مقطوعٌ بصحتِهِ وفَهمِهِ فهماً صحيحاً هو الذي يؤدي إلى رؤية الناس له مشرقاً في تطبيقِهِ وفي تعليمِ أحكامِهِ.
وكانوا يعلِّمون النَاسَ اللغة العربية كما يعلِّمونهم القرآنَ والحديثَ. فحذق الناسُ اللغة العربية وأتقنوها، وكان حرصُهم عليها شديداً، لأنها جزءٌ جوهريٌّ في الإسلام، وشرط من شروط الاجتهاد فيه، ولا يتأتى فهمُ الإسلام من مصادِرِهِ واستنباط الأحكامِ منه إلا باللغةِ العربية.
غير أن هذه العنايةَ فقدت بعد القرنِ السادسِ الهجريّ حين تولى الحكم من لا يعرف للغة العربية قيمتَها، فأهمل أمرها وبذلك وقف الاجتهاد وأصبح لا يمكن استنباطُ الأحكامِ لمن لا يعرِفُ هذه اللغةَ، فانفصلت اللغةُ العربية عن الإسلامِ واضطرب على المسلمين فهمُ الأحكام. وبالطبعِ اضطربَ عليهم تطبيقها.
فكان من أثرِ ذلك شرٌّ على الدولةِ أضعفها وأضعف فَهْمَ الحوادثِ المتجدِّدةِ، مما جعل المشاكل المعقدة تتراكمُ إلى أن سببت الهزال والاضمحلال.
هذا كلّه بالنسبة لنصوص الإسلامِ واللغة التي يفهم بها.
أما بالنسبةِ لانطباقِ الإسلامِ على وقائعِ الحياةِ فقد عمدوا في القرون الأولى إلى محاولة التوفيق بين الفلسفة الهندية والإسلام. وفسَّر الزهد في الدنيا وطلب الآخرة بالتقشّفُ وتعذيبِ الجسدِ حتى صرف الكثيرين عن مباهجِ الحياة وعن خوضِ غمارِها، فكانوا غير عَاملين في معتركِ الحياةِ. كلُّ هذا حدَّ من جهدِ أبناءِ الأمةِ التي كان عليها أن تستخدم كلّ جهدها في الدعوة إلى الإسلام بدل أن تبذل قوتها في تعذيب الأجساد.
ثم كان الغزوُ الثقافي من المغرب لبلاد المسلمين، حاملاً حضارةً تناقضُ حضارةَ الإسلام، موهماً المسلمين أنه أخذها عنهم. ويعطيهم قوانينَ تناقضُ الأحكامَ الشرعيةَ ويظهر لهم أنها لا تخالفُ الإسلامَ فكان أن أثّرَ ذلك في المسلمين تأثيراً كبيراً، ممّا أدى إلى أن تتحكم فيهم الحضارة الغربية، حتى أخذوا يرون أن الحياة منفعة ليس إلاَّ ومنفعة أنانية تقوم على الأثرة والتحكم العدواني.
وأدى ذلك إلى أن يأخذوا ببعض الأنظمةِ الغربيةِ في الدولةِ العثمانيةِ، فأوّلوا الرّبا، وفتحوا المصارف، فعطّلوا الحدود الشرعية. ثم أخذوا عن الغرب قوانينَ العقوباتِ، فكان من جرّاء هذا أن أُبعدوا عن الحكم بالإسلامِ. هذا من ناحية الفهم، أما من ناحية التطبيقِ فقد تضافرت عدةُ عواملَ أدت إلى إساءة التطبيقِ، منها أنّ الأحزابَ السياسيةَ التي كانت ترى أن رأيَها هو الذي يجب أن ينفذ قد اتخذت الأعمال الحربية طريقة للوصول إلى الحكم لتطبق رأيها، ولم تتخذ الأمة طريقة لذلك، فقام العباسيون واستولوا على فارس والعراق واتخذوها نقطة ارتكاز انتقلوا منها حتى استولوا على الدولة ليكون الحكم في بني هاشم، ثم كان الفاطميون الذين أخذوا مصرَ وأقاموا بها خلافة، ليتخذوا منها نقطة ارتكاز ينتقلون منها ليستولوا على الدولة الإسلامية فيكون الحكم في أبناء فاطمة (ع) فأوجدوا في الحالةِ الأولى صدمةً أوقفت الفتوحاتِ عند حدّ، وشغلت الدولة. وأوجدوا في الثانية خلافتينِ في آنٍ واحدٍ، مع أنّ الدولةَ الإسلاميةَ واحدةٌ، ولا يجوزُ أن يكون للمسلمين خليفتانِ. فكان لذلك أثرٌ في إضعافِ الدولةِ، وفي وقوفِها عن الفتحِ وعن حملِ الدعوة. إلا أن الذي أدى إلى اتباع الأحزاب السياسية هذه الطريقة، هو ما حصل من الأمويين من اتباع طريقة العهدِ بالقوةِ ثم البيعة، مما أضعف الأمل، في انتظار البيعة، والاعتماد عليها في الوصول إلى الحكمِ؛ فهذا معاوية قد استولى على الخلافةِ بالخديعةِ والقوة وعهد إلى ابنه يزيد بالقوة وأخذ البيعة له. ثم صار كل واحد منهم يعهد إلى من بعده، ثم يبايعه الناس. وهذا هو ما حمل الأحزاب السياسية لأن تتخذ القوةَ طريقة للوصولِ إلى الحكم. غير أن هذا لم يؤثر يومَ كانت الدولةُ قويةً، ولكنه ظهر أثرُه فيما بعد، حين ضعفتِ الدولةُ. على أنَّ الأمرَ في الدولةِ لمْ يقتصرْ على أمر بيعةِ الخليفة، بل تعدى ذلك إلى الولاة، فإن سكوت الدولة العباسية على عبد الرحمن الداخل في الأندلس وتركها له يستقل فيها، قطع جزءاً منها يدار إدارة منفردة من قبل ولاة أطلقوا على أنفسهم فيما بعد اسم أمير المؤمنين، وإنه وإن كانتِ الأندلس لم تنفصل عن جسم الدولة، ولم ينفصل المسلمون فيها عن باقي المسلمين، فإنها مع ذلك كانت منفصلة الإدارة، فأدى ذلك إلى تسرّبِ الضَّعْفِ إليها مما سهل استيلاءَ أعدائهم عليها. وأخذهم لها والمسلمون في عنفوانِ مجدِهِمْ وأوْجِ قوتهم.
هذا في المغرب، أما في المشرقِ فإن إعطاءَ الولايةِ العامةِ للولاةِ وجعل الصلاحيات الواسعة لهم حرّك فيهم أحاسيس السيادة وأطمعهم، فاستقلوا بالإدارة الداخلية، ورضي الخليفة منهم ذلك، واكتفى بالدعوةِ له على المنابرِ، وفي صدور براءة التعيين منه، وفي ضرب النقد باسمِهِ، وإرسالِ الخراجِ له، فكانتِ الولاياتُ في استقلالها الداخلي تشبه الدويلات، كما كان الحال مع السلجوقيين والحمدانيين وغيرهم، فكانت جميع هذه الأمور سبباً أدى إلى الضعف والانحلال، إلى أن جاء العثمانيون، وتسلموا حكم أكثر العالم الإسلاميّ في القرن التاسع الهجري، وفي القرن العاشر ضموا البلاد العربية وامتدّ سلطانُهم امتداداً كبيراً وعنوا بقوةِ السلطان وتنظيمِ الجيوش، وأبَّهة الحكم، واشتغلوا بالفتوحاتِ، وأهملوا اللغة العربيةَ، ولم يهتموا بأمر الإسلام من حيث الفكر ولا من حيث التشريع، فانخفض مستوى الدولة الفكري والتشريعي، وبسبب ذلك كانتِ الدولةُ قويةً قوةً ظاهريةً، ولكنها في الحقيقة ضعيفةٌ ضعفاً بيّناً، بسببِ الضَّعْفِ الفكريّ والتشريعي، إلا أن هذا الضعف لم تلاحظه الدولة الإسلامية حينئذ، لأنها كانت في أوْج عظمتِها، وفي منتهى قوتها العسكرية.
ولأنها كانت تقيسُ فكرَها وتشريعَها وحضارتها بأفكارِ أوروبا وتشريعها وحضارتها، فتجد نفسها خيراً من أوروبا فكراً وتشريعاً وحضارة، فترتاحُ لذلك وترضى بهذا الضعف، لأن أوروبا كانت تتخبط في دياجير الجهالة وظلامِ الفوضى والاضطراب، وتتعثر في محاولاتِ النهضةِ وتفشل في كل محاولة تقوم فيها. ولذلك كان قياس حال الدولة العثمانية بحال أوروبا يريها أنها في وضعٍ حسن، وعلى نظامٍ صالحٍ، وذات حضارة فائقة، وقد عميت عن حالتها الداخلية، فلم تشاهد الهزال، والجمود الفكري والتشريعي، وتفكك الأمة. وقد أعماها عن رؤية ذلكَ انتصارُها على أوروبا واستيلاؤها على البلقانِ والجزء الجنوبي الشرقي منها، مما أثار الرعب في جميع دول أوروبا، وظهرت المسألة الشرقية للوجود، وكان معناها حينئذٍ الخطر من زحف المسلمين تحت قيادةِ محمّد الفاتح في القرن التاسعِ الهجري، ومن خلفه من السلاطين، ذلك الزحف الذي استمرّ إلى أواخر القرن الحادي عشر الهجري على يدِ سليمانَ القانونيِّ، وتركز تركزاً قوّياً حتى أواسطِ القرن الثاني عشر الهجري. وفي هذه المدةِ كانتْ قوةُ الاستمرارِ عاملاً فعالاً في إعطاءِ الدولةِ هذه القوةَ، فقد كانت قوة العقيدة عند المسلمين، ووجود مفاهيمَ معيّنةٍ عن الحياةِ رغم عدم بلورتها في أذهانهم، ووجود نِظام الإسلام في الحياةِ رغم إساءةِ تطبيقِهِ، كلُّ ذلكَ سند الدولة ومكنها من الاستمرارِ والقوة. وساعدها على ذلك، الحال المضطربة فكرياً وتشريعياً في أوروبا.
وما إن أتى النصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجري حتى تحول الأمرُ وبدأ الضعف الداخلي يبرزُ، لأن كيان الدولةِ كان قائماً على بقايا النِّظامِ الإسلاميّ الذي يساء تطبيقُهُ، وعلى أفكارٍ مضطربة منها الإسلامية ومنها الدخيلة على الإسلام. وما إن جاء القرن الثالث عشر الهجري حتى كان ميزان التاريخ بين الدولة الإسلامية والدول الأوروبية في تأرجُحٍ فأخذت كفةُ العالم الإسلامي تخف، وكفةُ الدول الأوروبية ترجح شيئاً فشيئاً. لأن اليقظةَ في أوروبا، بدأت تظهرُ نتائجُها، وبدأت تظهر على المسلمين نتائجُ الجمودِ الفكري، وسوء التطبيق للإسلام. وذلك أن القرن التاسع عشر الميلادي شاهد انقلاباً خطيراً في الأفكارِ الأوروبية على أثر المجهودِ الكبيرِ الذي بذله الفلاسفةُ والكتّابُ والمفكرون والتغيير الشامل الذي طرأ على الفكر الأوروبي لإحياء الشعوب، فنشأت الحركاتُ المتعددةُ التي كان لها أثر في إحداث آراء جديدة في وجهةِ النظر في الحياة. وكان من أهمّ ما وقع تعديل الأنظمة السياسية والتشريعية. فقد زال شبح الملكية المستبدة تدريجياً في أوروبا، وحلت محلها أنظمةٌ حكومية جديدة قائمةٌ على الحكم النيابي وسيادة الأمة، فكان لهذا أثرٌ كبير في توجيه النهضة الأوروبية، كما كان للانقلابِ الصناعي الذي ظهر في هذا القرن في أوروبا الأثر الفعال. فكان من جرّاء هذه القوى المادية، والتقدم العلمي والفكري أن رجحت كفةُ العالم الأوروبي على كفةِ العالم الإسلامي، في الموقفِ الدولي، رجحاناً بيناً، فتغير مفهومُ المسألةِ الشرقيةِ، فلم تعد مسألة اتقاءِ الأخطارِ الإسلامية على أوروبا، وإنما صارت مسألةَ الإبقاءِ على الدولةِ العثمانية أو تقسيمها، حيث اختلفت عليها الدول نظراً لاختلاف المصلحة، وكان هذا الانقلابُ في مفهومِ المسألة الشرقيةِ وما طرأ على أحوالِ أوروبا من الارتفاعِ الفكري، والتقدم العلميّ، والثورةِ الصناعية، وما طرأ على العثمانيين من الضَّعْفِ والتفككِ، كلُّ ذلك أدى إلى هذا الانقلابِ السياسيّ، فرجحت كفة الأوروبيين. وخفت كفة المسلمين.
وكان سبب هذا الانقلاب السياسي في حالة أوروبا محاولة المفكرين فيها الوصول إلى نظام للحياة.
وقد كان اتخاذهُم وجهةَ نظرٍ معينةً في الحياةِ، واعتناقهم عقيدة معينة، وبناء النظام على أساسها، هو الذي قلب مفاهيم الأشياء عندهم وقلب مراتب القيم لديهم، مما أدى إلى الانقلابِ العام في الحياة، ومما ساعدَ على وجودِ الانقلابِ الصناعي.
بخلاف الحالِ في العالمِ الإسلامي الذي كانت الدولةُ العثمانيةُ تتزعمه، فإنها بدل أن تنظر لأوضاعها النظرة الصحيحة، وتفكر في مبدئها التفكيرَ العميقَ، وتثير الأفكار وتعمل على إيجاد الاجتهادِ، وتعالج مشاكلها حسب الأحكام المنبثقةِ عن عقيدتها، وتقبل على العلم والصناعة، بدل أن تفعلَ كلَّ ذلك أصابتها حَيْرَةٌ وقلق مما حصل من تقدم أوروبا، ووقفت جامدةً من جرّاء هذه الحيرةِ، فنتج عن ذلك الجمود أن تخلفتْ في الرقيّ المادي عن باقي الدول.
وتخلَّفت المعارفُ الإسلامية، وبقيت الكتب والثروات العلميةُ محفوظةً في خزائِنِها، ولم يَعُدْ هنالكَ علماءُ مفكرون إلا قليلون، وقلت الرغبة في البحث والتنقيب عن الحقائق، وصارت المعارف لا تطلب للعمل بها؛ لأن الدولة لا تشجعها، بل صار العلماء يطلبون العلم والثقافة للترف العقلي ويطلقون عليه «إنه طلب العلم للعلم»، أو يطلبون العلم للارتزاق. وقلَّ منهم من يطلب العلم لنفعِ الأمة والدولة، فكان من جراء ذلك أن المسلمين صاروا يفهمون الإسلام فهماً روحياً أكثر منه فهماً فكرياً وسياسياً وتشريعياً، إذ غمضت عليهم فكرته الأصلية، وطريقته التي تنفذ بها هذه الفكرة، فعمي عليهم فهم الكتاب والسنة، فصاروا يفهمون الإسلام مجرد دين روحي فحسب، ويقارنون بينه وبين باقي الأديان السماوية. بدل أن ينظروا إليه عقيدةً ونظاماً لجميعِ شؤونِ الحياة، ولذلك لم يكن غريباً أن تقفَ الأمَّةُ الإسلامية تحت قيادةِ الدولة العثمانيةِ موقفَ الجمود والحَيْرَةِ والقلقِ من الحركة الانقلابية التي حصلت في أوروبا، وأن تظل متأخرة ظاهراً دون أن تتأثر بالرقيّ الاقتصادي الذي شمل أوروبا، اللهم إلا تأثراً جزئياً بشكلٍ مضطربٍ لم تكن له فائدة ثم لم يمكنها ذلك من التقدمِ المادي، بل لم يمكنها من وقفِ عجلة التأخر التي كانت تهوي بها إلى الانخفاض والضَّعْف. وسببُ ذلك يرجع إلى أنهم لم يفرقوا بين العلمِ والثقافةِ، وبين الحضارةِ والمدنية، ولذلك وقفوا تجاهها وقفة الحائر، أيأخذونها أم يتركونها؟ فكثيرون كانوا يرونها أنها جميعها تتعارض مع الإسلام، ولذلك نادوا بتحريم الأخذ بها، حتى إنه حين ظهرت المطابع وعزمت الدولة على طبع القرآن الكريم حرم الفقهاء حينئذٍ طبعه، وصاروا يفتون بتحريم كل جديد، وتكفير كل من يتعلّم العلوم الطبيعية، واتهام كل مفكر بالزندقة والإلحاد، وكان هناك جماعةٌ ترى ضرورةَ الأخذ بكل شيء من الغربِ، من علم وثقافة وحضارة ومدنية، وهؤلاء كانوا من الذين تعلّموا في أوروبا أو في المدارس التبشيرية التي كانت قد دخلت البلاد، ولم يكن لهم تأثير في أول الأمر، وجمهرة الناس كانت تحمل فكرة محاولة التوفيق بين الإسلام وبين الثقافة والعلوم والحضارة والمدنية التي يحملها الغرب، فقد سادت في أواخر الدولة العثمانية فكرة مؤداها أن الغرب أخذ حضارته من الإسلام، وأن الإسلام لا يمنع أخذَ ما يوافقه والعملَ بما لا يخالِفُهُ، وقد نجح الغربُ في نشرِ هذه الفكرةِ حتى سادت، وحملها جمهرةُ الناس ولاسيما المتعلمون، وكثير منهم كان من الفقهاء والعلماءِ، وكانوا يسمّونهم علماء عصريين، وأطلق عليهم أنهم مصلحون. ونظراً للتناقضِ الحقيقيّ بين الحضارةِ الغربيةِ والحضارةِ الإسلامية، وللتباينِ الواضحِ بين الثقافةِ الغربيةِ وما تتضَّمنُهُ من معانٍ تتعلَّقُ بوجهةِ النظرِ في الحياة، وبين الثقافةِ الإسلاميةِ وما تتضمَّنُهُ من معانٍ تتعلَّق بطريقةِ الحياة، فأدى ذلك إلى إبعادِ هؤلاء عن الإسلام. وإدنائهم من الأفكارِ الغربية، بشكلٍ مضطربٍ، فعجزُوا عن فهم أفكار الغرب، مع ابتعادهم عن الإسلام، فكان لذلك أثر كبير في إهمال الاختراعات والعلوم والصناعات، وأثر كبير في سوء فهم الإسلام، أدى كل ذلك إلى تحويل الأمة إلى هذه المجموعة المتناقضة في الأفكار، وإلى عدم استطاعة الدولة أن تجزم في فكرٍ معين، كما أدى إلى إعراضِ الأمةِ عن الأخذ بوسائلِ الرقيّ المادي من العلومِ والاختراعاتِ والصناعاتِ، فضعفتْ ضَعْفاً ظاهراً حتى أصبحت غيرَ قادرةٍ على الوقوفِ، وعاجزةً عن حمايةِ نفسها، فكان من جرّاء هذا الضعف أن أخَذَ الغربُ يَقْتَطعُ أجزاءَ الدولة الإسلامية جزءاً جزءاً وهي عاجزةٌ مستسلمةٌ.
وهذه روسيا في عهد كاترين سنة 1762 ـ 1796م حاربت العثمانيينَ وتغلّبت عليهم واقتطعت بعضَ أراضيهم، وأخذت منهم مدينة آزوف وشبه جزيرةِ القرمِ، واستولت على جميع الحوض الشمالي للبحر الأسود، وأنشأت مدينة سباستبول قاعدة لها في شبهِ جزيرةِ القرم، كما أنشأت ميناء أوديسا التجاري على البحر الأسود، وأصبحت روسيا عاملاً هاماً في سياسةِ الدولة العثمانيةِ الخارجيةِ، وصارت صاحبةَ السيادةِ في الإمارات الرومانية واعتبرت نَفْسَها حاميةَ المسيحيّةِ في الدولةِ العثمانية.
ثم اقتطعت التركستان، ثم أكملت احتلالها للقفقاس جميعِهِ. ولم يقتصر الأمر على روسيا وحدها، بل شمل ذلك بقيةَ الدولِ الغربيةِ ففي أول تموز سنة 1798م هاجم نابليون مصر واستولى عليها. وفي شباط سنة 1799م هاجم الجزء الجنوبي من بلادِ الشامِ واستولى على غزة والرملة ويافا، ووقف على حصون عكا، إلا أن حملتَهُ هذهِ لم توفق، فرجع إلى مصرَ ثم إلى فرنسا وفشلت الحملة سنة 1801م. ومع فشلِ هذه الحملةِ فقد أثرت في كيانِ الدولة العثمانية وكانت هزة عنيفة لها، وتتابعت سائر الدول تهاجم العالمَ الإسلامي وتستولي على أَجْزَائِه، فقد احتل الفرنسيون سنة 1830م الجزائر، وعملوا حتى احتلوا تونس سنة 1881م ثم احتلّوا مراكش سنة 1912م. كما احتلت إيطاليا ليبيا سنة 1911 فتم بذلك اقتطاعُ شمال إفريقيا. كما احتلت بريطانيا عدن سنة 1839 وبسطت حمايتها على لحج والمحميات التسع من حدود اليمنِ الجنوبية إلى شرق الجزيرة. وكان الإنكليزُ قد استولَوْا على الهندِ قبلَ ذلكَ التاريخِ بمدةٍ طويلةٍ، وانتزعوا باستعمارهم لها سيادةَ المسلمين، وأخذوا يعملون على إضعافِ موقفِ المسلمين فيها بوجه عام. ثم في سنة 1882 استولت بريطانيا على مصر، وفي سنة 1898 استولت على السودان. كما كانت هولندا تسيطر على جزر الهند الشرقية، وحصرت أفغانستان تحت الضغط الإنكليزي والروسي، كما حصرت إيران، واشتدت حملةُ الغربيين في كلِّ مكانٍ على العالمِ الإسلامي. حتى شعر جميعُهُ بتعرّضِهِ للسقوط نهائياً تحت نيرِ الغربِ، وشعر أن الحملةَ الصليبية تجددت تحرز الانتصار تلوَ الانتصارِ، وصار يتشبثُ بأعمال لوقفِ هذا الزحفِ الغربي عند حدِّهِ، أو للتخفيف من ثقلِ كابوسِهِ. ثم حدثَتْ حركاتٌ من المقاومةِ للغربيين في أكثر من مكانٍ، فنشبت ثورة في الجزائر، وهب المسلمون في الصين، وقام المهديون في السودان. واشتعلت الثورة السنوسية فكان كل ذلك دليلاً على الحيوية الكامنة في العالم الإسلامي رغم ركوده وضعفه، إلا أن هذه المحاولات كلَّها أخفقت نهائياً، وأخذ الغرب يعمل للقضاء على الدولة العثمانية باعتبارها الدولةَ الإسلاميةَ التي تمثل المسلمين، فقد أقام في داخلها الحركات القومية، إذ أخذت الدول الأجنبية تحرض شعوب البلقان على الثورة منذ سنة 1804م وتمدهم لهذه الثورات، حتى انتهت ثوراتهم بالاستقلال سنة 1878م، كما حرضت اليونان على الثورة منذ سنة 1820م حتى انتهت ثورتهم بسبب تدخل الأجنبي باستقلال اليونان عن تركيا سنة 1830م حتى تقلص ظلُّ الدولة العثمانية عن البلقان وعن كريت وقبرص وأكثر جزرِ البحرِ الأبيضِ المتوسط، فأجلوا الكثيرين منهم عن ديارهم ولجأوا إلى بلاد العرب بوصفها بلاداً إسلامية، وما هؤلاء الجركس وأمثالهم إلا أبناء أولئك الأبطال من المسلمين الذين فرّوا بدينهمْ إلى ديارِ الإسلام. ولم يقتصرِ الأمرُ على ذلكَ، بل قام الغربيون بوسائِلِهِم الخفية بتشجيع الحركاتِ الانفصالية عند المسلمين أنفسهم في داخل كيان الدولة بين الترك والعرب فشجعوا الحركات القومية وساعدوا على قيامِ الأحزاب السياسية التركية والعربية، كحزب تركيا الفتاة، وحزب الاتحاد والترقي، وكحزب الاستقلال العربي، وحزب العهد، الخ...
مما جعل كيان الدولة داخلياً في اضطراب واهتزاز، فأخذ يميلُ تحتَ هذهِ الأحداث الداخليةِ مع الغزواتِ الخارجية، وما إن جاءتِ الحربُ العالميةُ الأولى حتى وجد الغرب الفرصةَ مواتيةً لغزوِ العالمِ الإسلامي والاستيلاء على ما تبقى من بلاده. فدخلت الدولة العثمانية الحربَ العالميةَ الأولى التي انتهت بانتصارِ الحلفاءِ وهزيمتها. فتقاسم الغربيون جميعَ العالمِ الإسلامي غنيمة لهم، ولم تبق منها إلا بلادُ الترك التي صار يطلقُ عليها اسم تركيا وبقيت تحت رحمتهم منذ انتهاء الحرب سنة 1918 حتى سنة 1921 حيث استطاعت الاستقلال بعد تأمينها للحلفاء القضاءَ على الخلافةِ وعلى دولةِ الإسلامِ على يدِ مصطفى كمال.
والظاهرُ من تتبعِ خطواتِ مصطفى كمال أن موافقة الحلفاء على طردِ اليونانيين من تريس وجلائهم هم أنفسهم عن القسطنطينية وتركيا بأسرها كانت مقابل أن يقضي مصطفى كمال على الحكم الإسلامي، ولذلك تجده حين ناقشته الجمعية الوطنية في أمر تركيا بعد الانتصاراتِ التي أحرزها، خاطبها بقوله: (أنا لست مؤمناً بعصبةٍ من الدول الإسلاميةِ، ولا حتى بعصبةِ من الشعوبِ العثمانيةِ، ولكل منا أن يعتنق الرأيَ الذي يراه. أما الحكومةُ فينبغي أن تلتزم سياسيةً ثابتةً مرسومةً مبنيّةً على الحقائقِ لها هدفٌ واحد فقط، أن تحمي حياةَ الوطنِ واستقلالَهُ داخلَ نطاق حدودِهِ الطبيعيةِ، فلا العاطفةُ، ولا الأوهامُ ينبغي أن تؤثّر في سياستِنا وسحقاً للأحلامِ والخيالات لقد كلفتنا غالياً في الماضي).
وهكذا أعلن أنه إنما يريد استقلالَ تركيا بوصفِها شعباً تركيّاً، لا أمةً إسلاميةً.
بَعْث القوميّات عَن طريق الغزو التبشيريّ
أَخَذَتْ أوروبا تَغْزُو العالمَ الإسلامي غزواً استعمارياً عن طريق التبشيرِ باسمِ العلمِ والإنسانيةِ، ورصدت لذلك الميزانياتِ الضخمةَ. وذلك لتمكين دوائر الاستخباراتِ السياسية، ودوائرِ الاستعمارِ الثقافي، وبهذا فتح باب العالم الإسلامي على مصراعيه، وانتشرت الجمعيات التبشيرية في كثيرٍ من البلدان الإسلامية. وكان معظمها جمعيات إنكليزية وفرنسية وأمريكية. فتغلغل النفوذ البريطاني والفرنسي عن طريقها، وأصبحت هذه الجمعيات مع الزمن هي الموجهة للحركات القومية، وأصبحت هي المسيطرة على توجيه المتعلمينَ من المسلمين، أو توجيه القوميةِ العربية والقومية التركية لغرضين رئيسيين: الأول فصل العرب عن الدولةِ العثمانيةِ المسلمة للإجهازِ عليها، وأطلقوا عليها اسم (تركيا) لإثارةِ النعرةِ العنصرية.
الثاني: إبعاد المسلمين عن الرابطة الحقيقية التي لم يكونوا يعرفون سواها وهي رابطة الإسلام.
وقد انْتَهَوْا من الغرضِ الأول، وبقي الثاني قائماً. ولذلك سيظل التوجيهُ إلى القوميةِ عند الترك والعرب والفرس والأكراد وغيرهم هو الإسفين الذي يفرق وحدة المسلمين، ويعميهم عن مبدئهم الإسلامي. وقد مرت هذهِ الجمعياتُ التبشيريةُ بأدوار عديدة، وكان أثرها بليغاً في العالم الإسلامي، ومن نتائجه ما نعانيه اليوم من ضعف وانحطاط، لأنها كانت اللبنة الأولى التي وضعت في السد الذي أقامه الاستعمار بيننا وبين النهوض، والذي حملهم على إنشاء هذه الجمعيات التبشيرية ما عانوه في الحروب الصليبية من صلابة المسلمين وصبرهم على الجهاد، وذلك أن الغربيين حين لاقوا المسلمين في ساحة القتال، كانوا يعتمدون على أمرين حسب رأيهم:
أولهما: اعتمادهم على النصارى الذين كانوا يسكنون العالمَ الإسلاميَّ إذ كان في البلادِ الإسلاميةِ نصارى كثيرون، وخاصة في بلادِ الشام. وكان هؤلاء النصارى ممن يتمسكونَ بدينِهِمْ، فكانوا يعتبرونهم إخواناً في الدين وظنوا أنهم سيكيدون للمسلمينَ. وسيكونون عوناً لهم عليهم، بحجة أنهم أثاروا حربَهم هذه حرباً دينية.
ثانيهما: كانوا يعتمدون على كثرةِ عددِهِمْ، وعظم قوتهم، على حين كان المسلمونَ متقاطعين متدابرين، قد بدأ الانحلال يدب في كيانهم فظنوا أنهم إذا هزموهم أول هزيمة أخضعوهم إلى الأبد، وسهل القضاءُ عليهم، ولكن خاب فألهم ولم يصدقْ حدسُهُمْ. وكم كانت دهشتُهم عظيمةً حين رأوا في أثناءِ الحروبِ أن النصارى العربَ وقفوا بجانبِ المسلمينَ، وحاربوا معهم، ولم تؤثر فيهم الدعايات، لأنهم كانوا يعيشون معهم، ويطبق عليهم نظامٌ واحدٌ، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، يأكل المسلمون من طعامِهِمْ، ويخوضون معتركَ الحياةِ معاً، فالإسلامُ ضمن لهم جميعَ حقوقهم، وسار على العملِ بذلك الخلفاءُ والحكامُ، وقد قال الفقهاء: «يجب إخلاص النصح لهم في جميع أمورهم، ودفع من تعرض لإيذائهم، وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم ومصالحهم، وأن يفعل معهم كلَّ ما يحسن بكريمِ الأخلاق أن يفعلهُ». وهذا كلُّهُ جعل النصارى يدافعون طبيعياً مع المسلمين.
وكانت دهشةُ الصليبيين أعظمَ حين رَأَوْا أن الأمرَ الثاني لم يحققْ ظنّهم. ثم إنهم استولوا على بلادِ الشام وهزموا المسلمين شر هزيمة، واستعملوا أشد الفظائع، وكانوا أول من ابتدع عملية إجلاء المسلمين عن ديارهم. وساروا على ذلك أيضاً في جميعِ حروبهم مع المسلمين. وظلت هذهِ طريقَتَهُمْ حتى الآن، كما حصلَ في فلسطين، وكانوا يظنون أن الأمرَ قد استتبّ لهم، وأنه لن تقومَ للمسلمينَ قائمةٌ. ولكن المسلمين ظلوا مصممين على إخراجهم من بلادهم، وبالرغم من مكثهم مدة تقرب من قرنين، أقاموا فيها ممالك وإمارات في بلاد الشام، فإن المسلمين استطاعوا في النهايةِ أن يتغلّبوا عليهم ويطردوهم من ديارهم.
وقد بحثوا عن السرِّ في ذلك كله فوجدوه في الإسلام، لأن عقيدته هي منشأ هذه القوة العظيمة في المسلمين، وأحكامه بالنسبة لغير المسلمين ضمنت لهم حقوقهم، فنتج هذا التماسك بين الرعية، ولذلك فكروا بطريقة يغزون بها العالم الإسلامي، فوجدوا أن خيرَ طريقٍ هو سلوكُ الغزوِ الثقافي عن طريقِ التبشير ليكسبوا النصارى إلى جانبهم، وليثيروا شكوك المسلمين في دينهم، ويزعزعوا عقيدتَهُمْ.
ونفذوا ذلك بالفعلِ، فأسسوا في أواخر القرن السادس عشر مركزاً كبيراً للتبشير في مالطة، وجعلوها قاعدة هجومهِمِ التبشيري على العالم الإسلامي إذ منها كانت ترسل قواتُ التبشير، فإنهم بعد أن استقر بهم المقامُ ومكثوا مدّة، شعروا بضرورةِ مدِّ نشاطِهِمْ، فانتقلوا لبلادِ الشام سنة 1625م، وحاولوا إيجاد الحركات التبشيرية، غير أن نشاطهم كان محدوداً جداً، لم يتعدَّ تأسيس بعض المدارس الصغيرة، ونشر بعض الكتب الدينية. وعانوا مشقات كبيرة من اضطهاد، وإعراض، ومحاربة من الجميع. إلا أنهم ثبتوا حتى سنة 1773م، حيث ألغيتِ الجمعياتُ التبشيريةُ لليسوعيين، وأغلقتْ مؤسساتهُم ما عدا بعض الجمعياتِ التبشيرية الضعيفة كجمعيةِ المبشرين العازاريين. وبالرغم من وجودها انقطع أثرُ المبشرين والتبشير، ولم يعد لهم وجودٌ إلا في مالطة حتى سنة 1820م، حيث أسس أولُ مركزٍ للتبشير في بيروت، وبدأ نشاطُهُمْ فيها فلاقَوْا صعوباتٍ كثيرةً، وبالرغم من هذه الصعوباتِ استمروا في عملهم. وكانت عنايتهم الأولى منصرفةً إلى التبشيرِ الديني والثقافة الدينية، وعنايتهم بالتعليم ضعيفة، وفي سنة 1834م انتشرتِ البعثاتُ التبشيرية في سائر بلادِ الشام، ففتحت كلّية في قرية عينتورة في لبنان، ونقلت الإرساليةُ الأميركيةُ مطبعتها من مالطة إلى بيروت، لتقوم بطبع الكتب ونشرها. ونشط المبشر الأمريكي المشهور (إيلي سميث) نشاطاً ظاهراً، وفتح هو وزوجته مدرسة للإناث، واتسع المجال أمامه، وكان قيام إبراهيم باشا بتطبيق برنامج للتعليمِ الابتدائي في سوريا ـ مستوحى من برنامجِ التعليمِ الموجودِ في مصر، المأخوذِ عن برامجِ التعليمِ في فرنسا ـ فرصة لهؤلاء المبشرين، فاغتنموها وساهموا في الحركة التعليميةِ من وجهةِ النظر التبشيريةِ، ثم شملت حركةَ الطباعة. وبذلك نشطَت الحركة التبشيرية، وشاركت في الحركة التعليمية مشاركة ظاهرة. وقد استطاعوا بنشاطِهِم هذا أن يوغروا الصدورَ بين الرعايا باسم الحرية الدينية. وأوجدوا بين المسلمين والنصارى نشاطاً دينياً يتّصل بالعقيدة. وحين انسحب إبراهيم باشا سنة 1840م من بلاد الشام انتشر القلقُ والفوضى والاضطرابُ فيها، وانقسم الناسُ على أنفسِهِمْ واغتنم الموفدون الأجانبُ فرصة ضَعْفِ نفوذ الدولةِ العثمانيةِ في البلادِ وأخذوا يُشْعِلونَ نارَ الفتنةِ وما مرَّ عام واحد وحلت سنة 1841م حتى وقعت اضطراباتٌ خطيرةٌ في جبل لبنان بين النصارى والدروز استفحل شرها، حتى اضطرت الدولة العثمانية بتأثير ضغط الدولِ الأجنبية أن تضع للبنان نظاماً جديداً تقسمه فيه إلى قسمين: يسود النصارى في قسم منه، ويسود الدروز في القسم الآخر، وتعين حاكماً للقسمين: وأرادت بذلك أن تتفادى الاحتكاكَ بين الطائفتين. غير أن هذا النظام لم ينجح، لأنه لم يكن طبيعياً. وقد تدخلت كل من إنجلترا وفرنسا في هذا الخلاف، وكانتا تشعلان نار الفتنة كلما حاول القائمون على الأمر إخمادها. وأخذ الإنكليز والفرنسيون يتخذون هذا الاحتكاكَ بين الطوائف ذريعةً للتدخلِ في شؤونِ بلادِ الشام.
في شهر تموز سنة 1860م هبت موجة شديدة من البغضاء بين المسلمين والنصارى أدت إلى مذابح كبيرة. وقد صاحبَ تلك المذابحَ شيءٌ من التخريبِ والتدميرِ والاضطراب، مما اضطر الدولة أن توقف الفتنة بالقوةِ. وبالرغم من أن الاضطراباتِ خمدت وكادت تنتهي، إلا أن الدولَ الغربيةَ رأت أن لا تضيع هذه الفرصة التي تتيح لها التدخلَ، فأرسلت البوارجَ الحربية. وفي شهر آب سنة 1860 أرسلت فرنسا حملة برية من الجيش الفرنسي، نزلت في بيروت، وأخذت تعمل لإخماد الثورة، كما أنهم خلقوا فتنةً في سوريا، لتكون باباً لتدخلهم، فتدخلوا وأجبروا الدولة العثمانية، على أن تخضع لوضع نظام خاص لسوريا، يقسمها إلى ولايتين، وأن تمنح لبنانَ امتيازاتٍ خاصةً، ففصلت لبنانَ عن سائرِ أجزاءِ البلادِ الشامية ومنحته استقلالاً ذاتياً، يتمتّعُ فيه بنِظامٍ محليّ للإدارةِ، على رأسهِ حاكمٌ مسيحيٌّ، ويعاونه مجلسٌ إداري يمثل السكان. وفي هذه الأثناء اتخذت أعمالُ التبشيرِ مظهراً آخرَ لم يكن موجوداً من قبلُ، فلم يكتفوا بحركةِ المدارسِ ودورِ التبشيرِ والمطابعِ والمستوصفات بل تعدَّوْا ذلك إلى تأسيس الجمعيات، ففي سنة 1842م تشكلت لجنة لتأسيس جمعية علمية تحت رعاية الإرسالية الأمريكية وفق برنامجها. وقد سارت هذه اللجنة في طريقها مدة خمس سنوات، حتى تمكنت في سنة 1847م من تأسيسِ جمعيةٍ سمّتها (جمعية الفنون والعلوم) وكان أعضاؤها ناصيف اليازجي، وبطرس البستاني من لبنان، إيلي سميث وكورنيليوس فان ديك من الأمريكان، والكولونيل تشرشل من الإنكليز، وبالرغم من نشاط رجالِ هذهِ الجمعيةِ وبذلِ جهودهم الجبارةِ فيها، فإنه لم ينتسب لها خلالَ عامين سوى خمسين عضواً عاملاً من جميعِ بلاد الشام، كلّهم نصارى، وأكثرهم من سكان بيروت، ولم يدخل في الجمعيةِ من المسلمين أي عضو مطلقاً. وماتت الجمعية بعد خمس سنوات من تأسيسها، دون أن تترك إلا أثراً واحداً، هو الرغبةُ عند المبشرين في تأسيسِ الجمعيات. ولذلك أسست جمعية أخرى سنة 1850م باسم (الجمعية الشرقية) أسسها اليسوعيون تحت رعاية الأب اليسوعي الفرنسي (هنري دوبرونير) وسارت على منهاج جمعية العلوم والفنون، وماتت بعد موت الجمعية الأولى بقليل. ثم تأسست عدةُ جمعيات كانت كلها تصاب بالإخفاق التام. حتى تشكلت سنة 1857م جمعية على أسلوب جديد، روعي فيها أن لا يدخلها أحدٌ من الأجانب مطلقاً، فقد كان مؤسسوها كلهم من العرب. وبذلك أتيح لها أن توفق إلى أن تضم بين أعضائها بعض المسلمين أخذتهم بوصفِهِمْ عرباً. وتأسستْ باسم (الجمعية العلمية السورية) واستطاعت بفضلِ نشاطِها وظهورِها بالمظهرِ العربي، وعدمِ وجودِ أيِّ عضوٍ فيها من الغربيين، أن تؤثر في الناسِ، حتى انتسب إليها عددٌ كبيرٌ بلغ مئةً وخمسين عضواً. وكان بين أعضاء إدارتها شخصياتٌ بارزة من العرب، منهم محمد أرسلان من الدروزِ، وحسين بيهم من المسلمين، وانضم إليها كذلك من كل طائفةٍ من نصارى العرب. ومن أشهرهم إبراهيم اليازجي وابن بطرس البستاني. وهذه الجمعيةُ عاشت مدةً أطولَ من الجمعياتِ التي سبقتها. وكان من برنامجها التوفيقُ بين الطوائفِ. وبعثُ القومية العربية في النفوس.
ثم في سنة 1875م تألفت في بيروت الجمعية السرية، وأخذت هذه الجمعية تركز نفسها على فكرة سياسية، فأخذت تبعث فكرة القومية العربية. والذين قاموا بتأسيسها هم خمسة شبان من الذين تلقوا العلم في الكلية البروتستانتية في بيروت، وبعدَ مدةٍ استطاعوا أن يضموا إليهم عدداً قليلاً، وبدأت تدعو هذه الجمعية عن طريق المنشورات وغيرها إلى استقلالِ العرب السياسي، وخاصة في سوريا ولبنان. وإلى القوميةِ العربيةِ، وتثير العداء للدولةِ العثمانية وتسميها (التركية) وتعمل على فصلِ الدين عن الدولةِ وجعلِ القومية العربية هي الأساس. والذي يجزم به من تتبع تاريخ هذه الحركات أن الغربيين همُ الذين أنشأوها، وأنهم كانوا يراقبونَها، ويُشْرِفُونَ عليها، ويهتمون بها، ويكتبون تقاريرَهُمْ عنها. ما كتبه قنصل بريطانيا في بيروت بتاريخ 28 تموز سنة 1880م برقية بعثها إلى حكومته، ونصها: (ظهرت نشرات ثورية يشتبه أن يكون مدحت مصدراً لها، مع ذلك يسود الهدوء. التفاصيل بالبريد). وكانت هذه البرقيةُ إثر توزيع الجمعية المذكورة منشورات لها في الشوارع ولصقها على الجدران في بيروت. وقد تبعت هذه البرقيةَ عدةُ رسائلَ من القناصل البريطانيين في بيروت ودمشق. وكانت هذه الرسائلُ ترفق بنسخٍ من النشرات التي كانت توزعها الجمعية. وكانت بمثابةِ تقاريرَ عن هذه الحركةِ التي ولدت في الكلية البروتستانتية، وأخذت تعمل في بلاد الشام.
وكان العمل بارزاً في بلاد الشام وإن كان موجوداً في جهة أخرى من البلاد العربية، يدل على ذلك أن المعتمد البريطاني في جدة كتب إلى حكومته سنة 1882م كتاباً عن الحركةِ العربية جاء فيه: (إلا أنه قد وصل إلى علمي أن بعض الأذهان حتى في مكة نفسها، أخذت تتحرك بفكرة الحرية. ويلوح لي بعد الذي سمعته من تلميحٍ، أن هنالك خطة مرسومة، ترمي إلى توحيد نجدٍ مع بلادِ ما بين النهرين أي جنوبِ العراقِ وتنصيب منصور باشا عليها، وتوحيد عسير مع اليمن وتنصيب علي بن عابد عليها) ولم يقتصرِ الاهتمامُ بها على إنكلترا، بل إن فرنسا كذلك كان مهتمة إلى حد بعيد، ففي سنة 1882م كتب أحد الفرنسيين الذين كانوا في بيروت ما يدل على مبلغِ اهتمامِ فرنسا فقد قال: (إن روح الاستقلال منتشرةٌ انتشاراً كبيراً. وقد رأيت شباب المسلمين خلال إقامتي في بيروت منهمكين بتشكيل الجمعيات العاملة على تأسيسِ المدارسِ والمستشفيات والنهوض بالبلاد، ومما يلفت النظرَ في هذهِ الحركةِ أنها محررةٌ من أيِّ أثر للطائفية، فإن هذه الجمعيةَ تستهدفُ قَبولَ النصارى بين أعضائها، والاعتمادَ على معاونتِهِمْ في العمل القومي، وكتب أحد الفرنسيين من بغداد: «لقد كان يواجهني في كلِّ مكان، وبنفس النسبة، ذلك الشعور العام المستقر «كراهية الترك» ويلوح في الأفقِ البعيدِ طيفُ حركةٍ عربية ولدت حديثاً وسيقومُ هذا الشعب الذي كان مغلوباً على أمْرِهِ حتى الآن بالمطالبةِ عما قريب بمركزه الطبيعي في عالم الإسلام، وفي توجيه مصيرِ هذا العالم».
ولم يقتصر أمر الاهتمام بالغزوِ التبشيريّ باسم الدين والعلم على أمريكا وفرنسا وبريطانيا، بل شمل روسيا القيصرية، فقد أرسلتْ بعثاتِ تبشيريةً، كما أمَّت بلاد الشام بعثة بروسية (ألمانية) مؤلفة من راهبات (كابزرودت) ساهمت مع باقي البعثات. وبالرغم من تباين وجهات النظر السياسية بين البعثات التبشيرية، بالنسبةِ لمنهجها السياسيّ، باعتبارِ مصالحهم الدولية، فقد كانت متفقةً في الغاية وهي بعثُ الثقافةِ الغربيةِ في الشرقِ، وتشكيك المسلمين في دينهم، وحملهم على الامتعاض منه، وعلى احتقار تاريخهم، وتمجيد الغرب وحضارته. كل ذلك مع بغض شديد للإسلام والمسلمين، واحتقارهم واعتبارهم برابرةً متأخرِين، كما هو رأيُ كلِّ أوروبي وقد وصلوا إلى نتائجَ كانت هي السببَ بما نراه من تركيزِ الاستعمارِ الثقافي والاقتصادي والسياسي في البلاد.
وإليكم ما شهد به بعضُ العلماءِ الأوروبيين أنفسهِمْ:
يقولُ العالمُ الفرنسيُّ الكونت هنري دكاستري في كتابه (الإسلام) سنة 1896م ما نصه: (لست أدري ما الذي يقولُهُ المسلمون لو علموا أقاصيصَ القرونِ الوسطى، وفهموا ما كان يأتي في أغاني المغنين المسيحيينَ، فجميعُ أغانينا حتى التي ظهرت قبلَ القرنِ الثاني عشر ميلادي صادرة عن فكر واحد، كان السبب في الحروب الصليبية. وكلّها محشوة بالحقدِ على المسلمينَ للجهلِ الكلي بديانتهم، وقد نتج عن تلك الأناشيد تثبيت هاتيك القصص في العقولِ ضد ذلك الدين، ورسوخ تلك الأغلاط في الأذهان. ولا يزالُ بعضها راسخاً إلى هذهِ الأيام. فكلُّ منشد كان يَعُدّ المسلمين مشركين غير مؤمنين وعبدة أوثان مارقين).
ويقول الأستاذ ليبولد فايس في كتابه «الإسلام على مفترق»: (إن النهضةَ أو إحياءَ العلومِ والفنون الأوروبية باستمدادِها الواسعِ من المصادرِ الإسلاميةِ والعربيةِ على الأخصّ كانت تعزى في الأكثر إلى الاتصال المادي بين الشرق والغربِ، لقد استفادت أوروبا أكثرَ مما استفاد العالمُ الإسلامي، ولكنها لم تعترف بهذا الجميلِ، وذلك بأن تنتقص من بغضائها للإسلام، بل كان الأمرُ على العكس، فإن تلك البغضاءَ قد نمت مع تقدمِ الزمن، ثم استحالت عادةً، ولقد كانتْ هذه البغضاءُ تغمر الشعورَ الشعبي كلما ذكرت كلمة (مسلم)، ولقد دخلت في الأمثالِ السائرةِ عندهم حتى نزلت في قلبِ كل أوروبي رجلاً كان أمْ امرأة. وأغربُ من هذا كلِّهِ أنها ظلّتْ حيّةً بعد جميع أدوارِ التبدلِ الثقافيّ، ثم جاء عهدُ الإصلاحِ الديني حينما انقسمت أوروبا شيعاً، ووقفت كل شيعةٍ مدجّجةً بسلاحها في وجهِ كلِّ شيعة أخرى. ولكن العداءَ للإسلام كان عاماً فيها كلها. وبعدئذٍ جاء زمنٌ أخذ الشعورُ الديني فيه يخبو، ولكن العداءَ للإسلام استمر، وإن من أبرزِ الحقائقِ على ذلك أن الفيلسوفَ والشاعرَ الفرنسي فولتير، وهو من ألدِّ أعداءِ النصرانية وكنيستها في القرن الثامن عشر، كان في الوقتِ نفسه مبغضاً مغالياً للإسلام ولرسولِ الإسلام، وبعد بضعةِ عقود جاء زمن أخذ علماءُ الغربِ يدرسون الثقافات الأجنبية ويواجهونها بشيءٍ من العطف. أما فيما يتعلق بالإسلام فإن الاحتقارَ التقليديّ أخذ يتسلل في شكل تحزب غير معقول إلى بحوثهم العلمية، وبقي هذا الخليج الذي حفره التاريخ بين أوروبا والعالم الإسلامي غير معقود فوقه بجسر، ثم أصبح احتقار الإسلام جزءاً أساسياً في التفكير الأوروبي.
ويقول فايس أيضاً: «والواقع أن المستشرقين الأولين في الأعصر الحديثة كانوا مبشرين نصارى، يعملون في البلاد الإسلامية، وكانت الصورةُ المشوهة التي اصطنعوها من تعاليمِ الإسلام وتاريخِهِ مدبرةً على أساسٍ يضمنُ التأثيرَ في موقفِ الأوروبيين من الوثنيين ـ يعني المسلمين ـ غَيْرَ أنَّ هذا الالتواءَ العقليَّ قد استمر، مع أن علومَ الاستشراقِ تحررت من نفوذِ التبشيرِ ولم يبقَ لعلومِ الاستشراقِ هذه عذر من حميّةٍ دينيّة جاهليةٍ تسيء توجيهها. أما تحاملُ المستشرقين على الإسلام فغريزة موروثة تقوم على المؤثراتِ التي خلقتها الحروب الصليبية».
هذا العداءُ الموروثُ لا يزال هو الذي يؤجّجُ نارَ الحقدِ في نفوسِ الغربيين على المسلمينَ، ولا يخفى على أحدٍ الدعم والتأييد التام لإسرائيلَ منذ زرعِها من قبل بريطانيا في فلسطينَ حتى نشأتها التي أحرزت التأييد العالمي على أشلاء مئات ألوف المسلمين وبؤسهم. وأخيراً ما حصل في الخامس من حزيران سنة 1967 من دعم وتأييد حكومات وشعوب أوروبا بأسرها، لا حباً بإسرائيل وباليهود، بل كرهاً للإسلام والمسلمين.
وإنك لَتَجِدُ الغربي يبحث المجوسية والهندوكية والشيوعية فلا تجد في بحثه أي تعصبٍ أو بغضاء، في حين أنك تجدُهُ حين يبحثُ الإسلامَ تظهرُ عليه علاماتُ الحقدِ والكراهيةِ، بعكس النصارى العرب، فإنهم أقبلوا على الإسلامِ يدرسونه دراسةً عميقةً، وعلى اللغةِ العربيةِ يجتهدون فيها.
نتائج الغزو التبشيريّ
كانت هذهِ الغزواتُ التبشيريةُ هي الطلائع التي مهدت الطريقَ للاستعمارِ الأوروبي ليفتح العالم الإسلامي فتحاً سياسياً بعد أن فتحه فتحاً ثقافياً، فالاستعمارُ في مدارسِهِ قبلَ الاحتلالِ وبعدَهُ قد وضع بنفسه مناهجَ التعليمِ والثقافةِ على أساس فلسفته وحضارته. ثم جعل الشخصية الغربية الأساس الذي تنتزعُ منه الثقافةُ، كما جعل تاريخهُ ونهضتَهُ وبيئتَهُ المصدَر الأصليّ لما نحشو به عقولَنا. ولم يكتفِ بذلك، بل تدخل في تفصيلات المناهجِ حتى لا تخرج جزئية من جزئياتها عن فلسفته وحضارته. وكان ذلك عاماً حتى في دروسِ الدينِ الإسلامي والتاريخ، فإن مناهجهما بنيت على الأساسِ الغربي، فالدينُ الإسلامي يعلمُ في المدارس الإسلاميةِ مادةً روحيةً أخلاقيةً، كما هو مفهومُ الغرب عن الدينِ، فحياةُ الرسول (ص) تدرس لأبنائِنا منقطعةَ الصلةِ عن النبوةِ والرسالةِ، وتدرس كما تدرّس حياةُ بسمارك ونابليون مثلاً، ولا تثير في نفوسِهِمْ أية مشاعرَ أو أفكار. ومادة العباداتِ والأخلاقِ، تعطى من وجهة النظر النفعيةِ، والتاريخُ الإسلاميُّ تلصق به المثالبُ التي يخترعُها سوءُ القصد، وسوء الفهم، ويوضعُ بإطارٍ أسودَ تحتَ اسمِ النزاهةِ التاريخيةِ والبحث العلميّ. ونبت من غرس المدارس التبشيرية نابتة من المسلمين المثقفين تعلم التاريخ وتؤلّف فيه على الأسلوب والمنهج التبشيري. وبذلك صار أكثر المثقفين أبناء الثقافةِ الغربيةِ وتلاميذها. وصار المسلمون يستمرئونَ هذه الثقافةَ ويتعشقونها ويتجهون في الحياةِ طبق مفاهيمها، حتى صار الكثيرون منهم يستنكرون الثقافةَ الإسلاميةَ إذا تناقضت مع الثقافةِ الغربيةِ، وصاروا يعتقدون أن الإسلام والثقافةَ الإسلاميةَ هي سببُ تأخرِهِمْ كما أوحي إليهم.
وبهذا نجحت الحملاتُ التبشيريةُ نجاحاً منقطع النظير حين ضمت إليها الفئة المثقفة من المسلمين وجعلتها في صفوفها تحاربُ الإسلامَ وثقافَتَهُ.
وقد تجاوز الحالُ أمرَ المثقفين في المدارسِ الأجنبيةِ إلى أولئك الذين يحملونَ الثقافةَ الإسلاميةَ. فقد هالهم أن يهاجِمَهُمُ الاستعمارُ الغربيُّ في الطعنِ على دينِهِمْ فصاروا يردون هذا الطعن مستعملين كل ما تصل إليه أيديهم سواء أكان هذا الردُّ صحيحاً أم فاسداً، وسواء أكان ما يطعن به الأجنبي إسلامهم صحيحاً ، أم مكذوباً عليه، وكانوا في ردِّهِم قد سلموا بجعل الإسلام متهماً ثم أوَّلوا نصوصَهُ بما يتفقُ مع مفاهيم الغربِ، وهكذا صاروا يردون الهجماتِ رداً مضطرباً كان مساعداً للغزوِ التبشيري أكثرَ مما كان راداً له. والأنكى من ذلك أن الحضارةَ الغربيةَ المناقضةَ لحضارتِهِمْ صارت من مفاهيمهم التي يتقبلونها وينسبونها زوراً وبهتاناً للإسلام، وغلب على الكثيرين منهم أن يقولوا إن الغرب أخذ حضارتَهُ عن الإسلام، وصاروا يؤوّلون أحكامَ الإسلامِ وَفْقَ هذهِ الحضارةِ مع التناقضِ المطلقِ الذي بين الإسلام وبين الحضارةِ الغربيةِ، هذا بالنسبة لجمهورِ الشعبِ وللمثقفين ثقافةً إسلامية وأجنبية.
أما بالنسبة لرجالِ السياسةِ فإن البلاءَ أعمُّ، والمصيبةَ أكبرُ، إذ إن هؤلاءِ الساسةَ منذ أن جمعهم الاستعمارُ، وأغراهم بالقيامِ ضد الدولة العثمانية ومنّاهم ووعدهم ـ وما يعدهم الشيطان إلا غروراً ـ فإنهم منذ ذلك الحين يسايرون الأجنبيّ ويسيرون وفق ما يرسمُ لهم من خططٍ، ففي أيام الدولةِ العثمانية، انحازوا إلى الأجنبيّ، وظاهروه على دولتهم، وهو أمرٌ لا يجيزُهُ الإسلامُ ولكنهم فعلوه، وإنهم في ذلك الوقتِ بدل أن يحاربوا الفئة الحاكمةَ لإصلاحِ الدولةِ، ساروا مع عدوّها وعدوّهِم، حتى كانت النتائجُ المريرة في استيلاء المستعمرِ على بلادهم. ثم صاروا بدل أن يستعينوا بالشعب على هذا المستعمر، استعانوا به على الشعب. وقد تأثروا به إلى حدٍّ أفقدهم شخصيتهم الإسلامية، وسمّمت أفكارهم بآراء سياسية وفلسفية مما أفسد عليهم وجهةَ نظرِهم في الحياةِ وفي الجهاد، وترتب على ذلك إفساد الجو الإسلامي برمَّته، وبلبلة الأفكار بلبلة ظاهرة في مختلف نواحي الحياة.
فقد جعلوا بدل الجهادِ المفاوضة، وآمنوا بقاعدةِ «خُذْ وطالبْ» ـ التي تعتبر أنفع للاستعمارِ من جيوشٍ جرّارة في البلاد ـ وجعلوا قِبْلَةَ أنظارِهِمْ الاستعانةَ بالمستعمرِ والاتكال عليه، دون أن يعوا أن كل استعانة بالمستعمرِ تعتبر انتحاراً سياسياً، ورضوا أن يعملوا للإقليمية الضيقة، ويجعلوها مجالَ عملهم السياسيّ، ولم يتبينْ لهم أن هذهِ الإقليميةَ هي التي تجعلُ العمل السياسيّ مستحيلَ الإنتاجِ، لعدمِ إمكانِ الإقليمية ـ مهما اتسعتْ بلادُ الإقليمِ أن تنهضَ بالأعباءِ السياسيةِ والاقتصادية. والعسكريةِ التي تتطلبها الحياة الصحيحة.
ولم يكتفوا بذلك كلِّهِ، بل جعلوا مركزَ تَنَبُّهِهِمْ الفرديّ مصالحهم الفردية ومركز تنبههم العام هو الدول الأجنبية، وبذلك فقدوا مركز التنبهِ الطبيعي وهو مبدؤهم ـ وبفقدانِهم مركز التنبهِ الطبيعي، فقدوا إمكانية نجاح مسعاهم، مهما أخلصوا فيه، وبذلوا من مجهود. ولذلك صارت جميع الحركات السياسية حركات عقيمة، وصارت كل يقظة في الأمة تتحول إلى حركة مضطربة متناقضة تشبه حركة المذبوح تنتهي بالخمود واليأس والاستسلام. وذلك لأن قادةَ الحركاتِ السياسيةِ فقدوا مركز تنبهِّهِمْ الطبيعيّ، فصار طبيعياً أن تفقدَ الأمةُ هذا المركزَ التنبهي لها. وهكذا سممت أفكارُ السياسيين بالآراءِ المغلوطة، والمبادىء الأجنبية، إذ قامت في البلادِ الإسلاميةِ حركات باسم القومية والاشتراكية، وباسم الوطنية والشيوعية، وباسم الدين الروحي والأخلاق، وباسم التعليم والإرشاد، وكانت هذه الحركاتُ عقدةً جديدةً في المجتمعِ تضافُ إلى العقدِ الأخرى التي يرزح تحت عبئِها. وكانت نتيجتُها الإخفاقَ والدورانَ حولَ نفسِها، لأنها سارتْ وَفْقَ مفاهيمِ الحضارةِ الغربيةِ، متأثرةً بالغزوِ التبشيريِّ فضلاً عن أنّها نفست عواطف الأمةِ فيما لا ينفع، ولا يأتي بخيرٍ، ومكنت للاستعمار من التركّزِ والبقاء.
وهكذا كان نجاحُ الغزوِ التبشيري نجاحاً منقطعَ النظيرِ.
الحَيلولة دُونَ رُجوعِ الإسْلام إلى معتركِ الحَياة
فمنذ أن احتلّ المستعمرُ بلاد المسلمين، قام بتثبيت حكمه لها على الأسس التي رسمها فقد احتل البلاد التي كانت تحت حكم الدولة العثمانية سنة 1918 وأقام فيها الأحكام العسكرية حتى سنة 1922 فركّز حكمَهُ باسم الانتدابِ في بعضها، وباسمِ الاستقلالِ الذاتي في البعضِ الآخرِ. حتى جاءت سنة 1924، وفي تلك السنة قامت أعمالٌ عدّةٌ أجهز بها المستعمر ولا سيما بريطانيا على كل ما فيه شبهة تمتُّ إلى رجوع الإسلام، ففي تلك السنة ألغى مصطفى كمال الخلافة من الدولة العثمانية بتأثير من المستعمر، وجعل تركيا جمهورية ديمقراطية، فقضى على الخلافة حتى يقضي على آخر أمل في رجوع الدولة الإسلامية. وفي تلك السنة أُخرج الحسين بن علي من الحجاز وحبس في قبرص لأنه كان يطمعُ في الخلافةِ، وفي تلك السنة تدخّلَ الإنكليز بواسطة عملائِهم في مؤتمرِ الخلافة الذي كان معقوداً في القاهرةِ وعملوا على فضِّه وإخفاقِه. وفي تلك السنةِ أخذ الإنكليز يعملونَ لإلغاءِ جمعيةِ الخلافةِ في الهند، ولإحباطِ مساعيها، وتحويل تيارها إلى الناحية الوطنية والقومية.
وفي تلك السنة وما يليها قامت في البلادِ العربيةِ مجادلاتٌ بيزنطية حولَ موضوعين هما: هل الجامعة العربية أصلح وأكثر إمكانية أم الجامعة الإسلامية؟
واشتغلت الصحف والمجلات مدة في هذا الموضوع. مع أن كلاًّ من الجامعة الإسلامية والجامعة العربية لا تتفق مع المبدإ الإسلامي، لأنها تحول دون وَحْدَة المسلمين، وتصرف أذهانهم عن فكرةِ الخلافةِ، وفكرةِ حكمِ الإسلام. وكان الاستعمارُ قبلَ احتلالِهِ، قد أخذَ يُشِيعُ بينَ شبابِ التركِ ألفاظَ القوميةِ التركيةِ، وأن تركيا تحمل عبءَ الشعوب غير التركية، وأنه آن لها أن تتخلى عن هذه الشعوب. وأُلّفَتْ أحزابٌ سياسية للعمل من أجل القومية التركية واستقلال تركيا عن البلاد الأخرى. وأخذ يشيع بين شبابِ العربِ ألفاظَ القوميةِ العربيةِ، وأن تركيا دولةٌ مستعمرة، وأنه آن الأوان للعربِ لأن يتخلصوا من نير الاستعمار التركي، وقد ألّفت الأحزاب السياسية للعمل من أجل الوحدة العربية واستقلال العرب.
وما إن جاءَ الاحتلال، حتى أخذ المستعمر المحتل يشيع ألفاظ القومية، وأخذت تحل محل الإسلام، فاستقل الأتراك، على أساس قومي وطني، وأخذَ العربُ يعملون للحكم الذاتي على أساسٍ قوميٍّ وطني، وشاعت كلمةُ القومية والوطنية وملأت الأجواء، وصارت هي موضعَ الفخرِ والاعتزاز.
ولم يكتفِ الاستعمارُ بذلك بل أشاع المفاهيم المغلوطةَ عن الحكمِ في الإسلامِ وعن الإسلامِ. حتى صار المسلمون يخجلون من ذكرِ كلمة خليفة. ووجد بين المسلمين عرف عام بأن أمرَ المطالبة بالخلافة تأخّرٌ وجمود، لا يجوز أن يصدرَ من مثقف ولا يقول به مفكر.
وفي هذه الأجواءِ القوميةِ والوطنيةِ قسم البلاد الإسلامية إلى دويلات، وجعل أهل كل بلد يركزون هذا التقسيم. وعلى هذا الأساسِ قامت الدولة التركيةُ، والدولة العراقية والدولة المصرية والدولة السورية الخ. ثم أقام في فلسطين وطناً قومياً لليهود تحول فيما بعد إلى كيانٍ مستقلٍّ تحت اسمِ الدولةِ، ليكونَ رأسَ جسرٍ له ويُشْغَلَ به المسلمون عن الدول الغربية كبريطانيا وأمريكا وفرنسا. وبذلك ركز الوضع الجغرافي، والأجواء العامة، تركيزاً يحولُ دونَ تحريرِ المسلمين.
وقام بتطبيقِ النِّظام الرأسمالي في الاقتصاد، والنِّظام الديمقراطي في الحكمِ، والقوانين الغربية في الإدارة والقضاء. ولم يكتف بذلك بل جعل في نفوسِ أهلِ البلادِ المحافظةَ على النِّظام الذي أقامه، إذ اعتبر أهل كل إقليم من هذه الأقاليم إقليمهم فقط دولة، وصاروا يفهمون وجوب استقلاله عن غيرهِ من الأقاليم، وصار العراقي في تركيا أجنبياً، والسوري في مصر أجنبياً. الخ.
وقامت إلى جانب ذلك المناهجُ السياسيةُ الغربيةُ في البلاد الإسلاميةِ كافّةً، وصار العرف العام عند المثقفين هو فصلَ الدينِ عن الدولة. وعند عامة الشعب فصلَ الدينِ عن السياسةِ، وكان من جراءِ ذلك أن وجدت فئاتٌ من المثقفين تزعمُ أن سببَ تأخر المسلمين هو تمسكُهم بالدينِ، وأن الطريقَ الوحيدَ للنهضةِ هو القوميةُ والعمل لها. كما وجدت فئات تدعي أن سببَ تأخّرِ المسلمين هو الأخلاق. فقامت على الأساسِ الأولِ تكتلاتٌ حزبية سياسياً تعمل اسمياً للقوميةِ والوطنيةِ، وتعتبرُ العملَ على أساسِ الإسلامِ دسيسةً استعمارية، وتعتبرها رجعية وجموداً يؤدي إلى التأخر والانحطاط. كما قامت على الأساس الثاني تكتلات جمعية على أساس الأخلاق والوعظ والإرشاد، وصارت تعمل للفضيلةِ والخلق واشترطت على نفسها أن لا تتدخل في السياسة.
وبذلك كانت هذه الأحزابُ والجمعيات الحائلَ العمليّ الذي صرف الأذهانَ عن العمل السياسي الواجب شرعاً إلى العمل الأخلاقي فقط الذي هو نتيجة حتمية لتطبيق المسلم أحكامَ الإسلام.
وقامت إلى جانبِ المناهجِ السياسيةِ القوانينُ التي تحفظ هذه المناهجَ وتؤمن تنفيذَها، فقد سنت قوانين تحول دون قيامِ أحزابٍ أو حركاتٍ سياسية إسلامية، واعتبرت تلك القوانين، في مجموعِها، المسلمين طائفةً من الطوائفِ، ثم تضمنت تلك القوانينُ نصوصاً مؤدّاها أنه يشترط في الأحزاب والحركات السياسية أن تكونَ نظمُها ديمقراطيةً، وأن لا تحصر عضويتها عملياً في طائفة. ومعنى ذلك أنّه لا يجوزُ أن تنشأ في البلادِ الإسلامية أحزابٌ أو حركات سياسية إسلامية. وأن المسلمين لا حق لهم إلا بالجمعيات الخيرية وما إليها، واعتبرت بعضُ القوانينِ القيامَ بالأحزابِ السياسيةِ الإسلاميةِ جُرماً يعاقب عليه.
ولم يكتفِ الاستعمارُ بذلك، بل شجع المؤتمراتِ الإسلاميةَ لتكونَ أُلهيات للأمة الإسلامية، فكانت هذه المؤتمرات تتخذ القراراتِ وتنشرُها بالصحفِ ودُورِ الإذاعة لمجرّدِ النشرِ دون أن ينفذ شيء منها، بل دون أن يسعى لتنفيذ شيء منها، بل تبقى مقرراتُها حبراً على ورق.
الصّعُوبات التي تحولُ بين المُسلِمينَ وبَيْن تطبيق الإسْلام عمليّاً
إن قوةَ الفكرةِ الإسلاميةِ المقرونةِ بطريقتِها كافيةٌ لاستئنافِ الحياةِ الإسلاميةِ، إذا غرست هذه الفكرة في القلوبِ، وتغلغلت في النفوس، وتجسدت في المسلمين، فأصبحت إسلاماً حيّاً يعمل في الحياةِ، إلاّ أنّه على الرغم من ذلك لا بدَّ من أن تتم أعمالٌ عظيمةٌ وأن تبذل جهود جبارة، فمجرد الرغبة والتفاؤل، والحماسة والأمل، لا يحقق تطبيق الإسلام عملياً.
فكان من أوجبِ الواجباتِ أن تقدر العوائق الضخمة التي تقف في وجه الإسلام حق التقدير، للتمكن من إزالتها، وكان من ألزم الأشياءِ أن ينبه حاملو الدعوة إلى ثقل التبعة التي تنتظرهم، وأن يلفت نظر المفكرين بوجهٍ خاص إلى المسؤولية الكبرى لكلِّ رأي يعطى في مثل هذا الأمرِ الهامِّ، حتى يكونَ القولُ والعملُ سائراً في طريقِهِ السويِّ بوعيٍ وإرادةٍ وحزمٍ وإقدامٍ. ولا بد أن يعلم السائرون في هذه الطريق، أنهم ينحتون طريقَهم في الصخرِ الأصمِّ، ولكن معاولهم مرهفة ضخمة كفيلة بتكسيرِ صخورِهِ وأنهم يعالجون أمراً دقيقاً، ولكن رفقهم كفيل بحسن معالجته، وأنهم يصطدمون بالأحداث الكبار ولكنهم سيتغلبون عليها بعون الله ولا يحيدون عن طريقهم لأنها الطريق التي سار عليها رسولُ الله (ص) ونحن عندما نسلكُها سلوكاً صحيحاً تكون النتائج قطعية لا ريب فيها، والنصر محققاً لا شك فيه، شرط أن يكون الاقتداءُ بالرسول دقيقاً، والسيرُ حسب خطواتِه، حتى لا يتعثّر السائرُ، لأن كلَّ خطأٍ بالاقتداء، وكلَّ حيد عن الطريقِ، يسبّبُ التعثُّرَ بالسيرِ والعقم في العمل. ومن أهمّ الصعوباتِ التي تعترضُ السائرينَ في الوقتِ الحاضر الأمورُ التالية:
1 ـ وجودُ الأفكارِ غيرِ الإسلاميةِ وغزوُها للعالمِ الإسلامي. وذلك أن العالمَ الإسلاميّ قد مرّ في العصرِ الهابطِ وكان ضحلَ التفكيرِ، عديمَ المعرفةِ، ضعيفَ العقليةِ، بسببِ انحطاطِهِ العامِّ، وقد غزي وهو على هذه الصورةِ بالأفكارِ غيرِ الإسلاميةِ المناقضةِ لأفكار الإسلام، والقائمة على أساس مغلوط وعلى فهم خاطىء للحياة ولما قبلها وما بعدها. فوجدت هذه الأفكار تربةً خصبة خالية من المقاومةِ فتمكنت منها، ولذلك تشبعت عقليةُ المسلمين ولاسيّما فئة المثقفين بهذهِ الأفكارِ، فكوّنت عقلية سياسية مشبعة بالتقليد، بعيدة عن الابتكار، غير مستعدّةٍ لقَبولِ الفكرةِ الإسلامية سياسياً، وغير مدركة لحقيقة هذه الفكرةِ، وعلى الأخصّ من الناحية السياسية، ولذلك كان لزاماً أن تكون الدعوة الإسلامية: دعوة للإسلام، ودعوة إلى استئناف حياةٍ إسلامية، فيدعى غير المسلمين للإسلام بشرحِ أفكاره ويدعى المسلمون إلى العملِ لاستئنافِ الحياةِ الإسلامية بتفهمهم الإسلام. وهذا يقضي بأن يبينَ ما في الأفكار الأخرى غير الإسلامية من زيف، وما في نتائجها من أخطارٍ، وأن تأخذ الدعوة طريقَها السياسيَّ، وأن يسعى لتثقيف الأمةِ ثقافةً إسلاميةً تبرزُ فيها الناحية السياسيةُ، وبهذا يمكن التغلُّبُ على هذهِ الصعوبة.
2 ـ وجود البرامجِ التعليميةِ على الأساسِ الذي وضعه المستعمر والطريقة التي تطبق عليها هذه البرامجُ في المدارس والجامعاتِ. وتخريجها لمن يتولى أمورَ الحكم والإدارةِ والقضاءِ والتعليمِ وسائرِ شؤونِ الحياةِ بعقليّةٍ خاصّةٍ، وطريقُ التغلّبِ على هذه الصعوبةِ هو كشفُ هذه الأعمالِ لهؤلاء الحكامِ والموظفين، وللناس جميعاً حتى تبرز بشاعةُ الناحية الاستعمارية الموجودة فيها، ليتنازل هؤلاءِ عن الدفاعِ عنها حتى تجد الدعوةُ طريقَها إلى هؤلاء الناس.
3 ـ البرامج التعليمية جعلت جمهرة الشباب من المتخرجين وممن لا يزالون يتعلمون، يسيرون باتجاه يناقض الإسلام. ولا أقصد البرامج العلمية والصناعية فإن هذه البرامجَ عالميةٌ، وإنما أقصد البرامجَ الثقافيةَ التي تؤثّر في سلوكِ الإنسانِ في الحياةِ. والثقافة تشملُ التاريخَ، والأدبَ، والفلسفةَ والتشريع. وذلك لأن التاريخ هو التفسير الواقعي للحياةِ، والأدب هو التصوير الشعوري لها، والفلسفة هي الفكر الأصيل الذي تبنى عليه وجهةُ النظرِ في الحياة، والتشريع هو المعالجاتُ العمليةُ لمشاكلِ الحياةِ، والأداةُ التي يقوم عليها تنظيمُ علاقاتِ الأفرادِ والجماعاتِ، وهذهِ كلُّها قد كوَّن بها المستعمر عقلية أبناء المسلمين تكويناً خاصاً جعلَ بعضَهُمْ لا يشعرُ بضرورةِ وجودِ الإسلامِ في حياتهِ وحياةِ أمّتِهِ، وجعل بعضهم يحملُ عداءً للإسلامِ منكراً عليه صلاحيتَهُ لمعالجةِ مشاكلِ الحياةِ، ولذلك لا بد من تغييرِ هذهِ العقلية، وذلك بتثقيف الشبابِ ثقافةً مركّزةً، وثقافةً جماعيّةً، بالأفكارِ الإسلامية والأحكام الشرعية، حتى يمكن التغلب على هذه الصعوبة.
4 ـ وجود إكبار عام لبعضِ المعارفِ الثقافيةِ واعتبارها علوماً عالمية. وذلك كعلمِ الاجتماعِ، وعلم النفسِ، وعلوم التربية، فإن الناس يعتبرون هذه المعارف علوماً، وأن الحقائق التي جاءتْ بها هي نتيجة تجارِبَ، ويحملون لها إكباراً عاماً، ويأخذون ما تأتي به قضايا مسلمة يحكمونها في أمور الحياة. وهي تعلّم في مدارسنا وجامعاتنا كعلوم، ونطبقها، ونستعين بها، في أمور الحياة. ولذلك يستشهدُ بما قالهُ علماءُ النفسِ والاجتماعِ والتربيةِ أكثرَ مما يستشهدُ بالقرآنِ والحديثِ، ولهذا وجدت عندنا أفكارٌ ووجهاتُ نظرٍ خاطئةٌ من جرّاءِ تعلّمِ هذهِ العلومِ: من جرّاءِ إكبارها، وتحكيمها في أمورنا في الحياة. وصار من الصعوبة بمكان أن يُقبل الذي يخالفها.
والحقيقة أن هذه المعارف هي ثقافة وليست علماً، لأنها لا تأتي عن طريق الملاحظة والتجربة والاستنتاج. وتطبيقها على الناس لا يعتبر تجارب، وإنما هو ملاحظات متكررة على أشخاصٍ مختلفين، وفي ظروف وأوضاعٍ مختلفة؛ فهي ملاحظةٌ واستنتاجٌ وليست تجربةً كتجربةِ المختبر حين يجرب فيه الشيء أو يجرب عليه، ولذلك تدخل في الثقافةِ لا في العلم وفوق ذلك فهي ظنية قابلة للخطإ والصواب لأنها مبنية على أساس مغلوط؛ ومبنية على النظرة الفردية، ولهذا تنتقل نظرتها من الفردِ إلى الأسرةِ، إلى الجماعة، إلى المجتمع، على اعتبارِ أنّ المجتمع مكوّنٌ من أفرادٍ ولهذا تعتبر المجتمعات منفصلةً. وأن ما يصلح لمجتمع لا يصلح لآخر. والحقيقةُ أنَّ المجتمعَ مكوَّنٌ من الإنسان والأفكار والمشاعر والأنظمة، وأن ما يصلح للإنسان من أفكار ومعالجات في مكان ما، يصلح للإنسان في كل مكان، ويحول المجتمعات المتعددة إلى مجتمع واحد.
ولذلك يجبُ أن يبين أنها معارف ثقافية وليست علوماً، وأنها ظنية وليست حقائق قطعية، وأنها مبنية على أسس خاطئة؛ ولذلك لا تحكم في الحياة وإنما يحكم الإسلام.
5 ـ كون المجتمع في العالم الإسلامي يحيا حياة غير إسلامية ويعيشُ وَفْقَ طراز من العيش يتناقضُ مَعَ الإسلام، وذلك لأن أنظمة الحكم، وقواعد الحياة التي يقومُ عليها المجتمع بكل مقوّماتها، والاتجاه النفسي الذي يتجه إليه المسلمون، والتكوين العقلي الذي يقوم عليه تفكيرهُم. كلُّ ذلك يقومُ على أساس مفاهيمَ عن الحياةِ تناقضُ المفاهيمَ الإسلامية.
فما لم تتغير هذه الأسسُ، وتصحح هذه المفاهيم المغلوطة، يكون من الصعبِ تغييرُ حياة الناس في المجتمع.
6 ـ بُعد الشقة بين المسلمين والحكم الإسلامي، ولاسيّما في سياسةِ الحكمِ وسياسة المال، يجعل تصور المسلمين للحياةِ الإسلاميةِ ضعيفاً، ويجعلُ تصوُّرَ غيرِ المؤمنين بالإسلامِ للحياةِ الإسلاميةِ تصوُّراً عكسياً لا سيما وقد عاش المسلمون مدَّةً يساءُ فيها تطبيق الإسلام عليهم من قبلِ الحكام، كما عاشوا مدة نصف قرن يحكمون بنظام يناقض الإسلام، ولهذا كان لا بد من أن يرتفع الناس من الواقعِ السيىءِ الذي يعيشونَ فيه، وأن يتصوروا الحياةَ التي يجب أن يحيوها، والتي يجبُ أن يغيّروا واقِعَهُمْ ويحولوه إليها. وكان لا بدّ أن يتصوروا أن هذا التحول إلى الحياةِ الإسلاميةِ، لا بد أن يكونَ تحوّلاً كاملاً غيرَ مجزّإ، وأن تطبيق الإسلام لا بد أن يكونَ شاملاً، لا تدريجياً بالتجزئة والترقيع، حتى يقرب إليهم تصور واقعِ الحياةِ يومَ كان عزُّ الإسلام.
7 ـ وجود رأي عام من الوطنيةِ والقوميةِ والاشتراكية، وقيام حركات سياسية على الأساسِ الوطني والقومي والاشتراكي. وذلك أن استيلاءَ الغربِ على بلادِ المسلمين، وتسلّمه زمامَ الحكم فيها وتطبيقه النظام الرأسمالي عليها أثار في النفوسِ الميلَ للدفاعِ عن النفسِ، فنتجت عنها العاطفة الوطنيةُ للدفاع عن الأراضي التي يعيشُ عليها، وأثار العصبيةَ العنصريةَ للدفاعِ عن النفسِ والعائلةِ والقومِ، والعملِ لجعلِ الحكمِ لهم، فنشأتْ عن ذلكَ حركاتٌ سياسيةٌ باسمِ الوطنيةِ لطردِ العدو من البلادِ، وباسمِ القوميةِ لجعل الحكم عليها لأهلِها، ثم تبين للناس فساد النظامِ الرأسمالي وعدم صلاحيته وانتشرت بينهم دعاية للاشتراكية فقامت تكتّلاتٌ باسمِ الاشتراكيةِ لترقيعِ الرأسمالية، ولم يكن لهذهِ الحركاتِ أي تصوُّرٍ لنِظَامِ الحياةِ إلا التصور الارتجالي مما أبعدهم عن الإسلام بوصفِهِ مبدأً عالمياً. وأبعدهم عن الكفاحِ السياسيّ الصحيحِ القائم على أساسِ المبدإ.


السّياسَة والسّياسَة الدَّوليّة
السياسةُ هي رعايةُ الشؤونِ داخلياً وخارجياً، وتكونُ من قبل الدولةِ والأمةِ، فالدولةُ هي التي تباشر الرعاية عملياً، والأمة هي التي تقومُ بمحاسبةِ الدولة.
ورعايةُ الشؤونِ داخلياً من قبلِ الدولةِ تكون بتنفيذ المبدإ في الداخل، وخارجياً، تكون بتحديد العلاقات مع الدولِ والشعوب على أساسِ نشرِ المبدإ في الخارج.
فالأولى هي السياسة الداخلية.
والثانية هي السياسةُ الخارجية.
وفهمُ السياسةِ الخارجيةِ أمرٌ جوهريٌّ لحفظِ كيانِ الدولةِ والأمةِ، وأمرٌ أساسيٌّ للتمكن من حمل المبدإ الذي تعتنقه الأمةُ إلى العالم، وهو عملٌ لا بدّ منه لتنظيمِ علاقةِ الأمةِ بغيرها على وجهٍ صحيح.
ولما كانت الأمةُ الإسلاميةُ مكلّفةً بحملِ الدعوةِ الإسلاميةِ إلى الناس كافّة، كان لزاماً على المسلمين أن يتصلوا بالعالم اتصالاً واعياً لأحوالِهِ، مدركاً لمشاكلِهِ، عالماً بدوافعِ دولِهِ وشعوبه، متتبعاً الأعمالَ والخططَ والمناوراتِ السياسية التي تقومُ بها هذه الدولُ، ولذلك كان لزاماً على المسلمين أن يدركوا حقيقةَ الموقفِ في العالمِ الإسلاميّ على ضوءِ فهمِ الموقفِ الدوليِّ العالميِّ، ليتسنى لهم أن يتبيّنوا أسلوبَ العملِ لحملِ دعوتِهم إلى العالم.
ومن هنا أصبح من المحتم عليهم معرفةُ الموقف الدوليّ معرفةً تامةً، ومعرفةُ التفاصيلِ المتعلقةِ بالموقفِ الدولي، والإحاطةُ بموقفِ الدولِ القائمةِ في العالم والتي لها شأنٌ يُذْكَرُ في الموقفِ الدوليِّ العام.
غير أنه يجبُ أن يُعْرَفَ أنَّ الموقفَ الدوليَّ لا يلزم حالةً واحدةً، وإنما هو متغيرٌ ومتبدلٌ في العالمِ حسب أوضاعِهِ، وأحواله، وأحداثِه، ومع ذلك، يمكن رسمُ صورةٍ واضحةٍ له، ويمكن إعطاءُ خطوطٍ عريضةٍ عنه، ويمكن إعطاءُ تفصيلاتٍ عن أحوالِهِ، إلا أن ذلك كلّهُ، إنما يدلّ على حالته حين يظهرُ للناسِ وقتَ وصفِهِ، فيصدقُ الوصفُ على واقعٍ موجودٍ، فحين يتغيّرُ الموقفُ الدوليُّ لا يكونُ الوصفُ الذي أُعطي غيرَ صحيح، وإنما يكونُ وصفاً لشيءٍ قد وُجِدَ، ثم ذهبَ، فيصبحُ في عدادِ التاريخِ ويصير من المتحتّم إعطاءُ الوصفِ للواقعِ الدوليِّ الجديد، وعلى ذلك، فإن الوصفَ الذي سأسوقُهُ للموقفِ الدولي في رسم صورته، أو إعطاءِ خطوطٍ عريضةٍ عنه، أو التعرضِ لتفصيلاتٍ. إنما هو وصفٌ لواقعٍ شُوهدَ من قبلُ، أو هو مُشَاهَدٌ الآن، أو متوقّعٌ حدوثُهُ، ومع ذلك، لا يعتبرُ أمراً ثابتاً، ولهذا يجبُ على السياسيّ أن تكونَ لَدَيْهِ معلوماتٌ عن الموقفِ الدوليّ، وعن السياسةِ الدوليةِ، يربطُها بما يراهُ حقيقةً حتى تتضحَ له الأمورُ ويُصْدِرَ حكمَهُ عليها.
إنّ واقعَ الموقفِ الدّوليِّ الذي نتحدثُ عنهُ في هذا الكتابِ كانَ سياسةً إِبّانَ وجودِ الاتحادِ السوفياتيّ. وعندما تفكك الاتحادُ السوفياتيُّ تغيَّرَ الموقفُ الدّوليُّ. فإذاً، كانَ ذلكَ الواقعُ سياسةً، وعندما تغيَّرَ الموقفُ الدَّوليُّ أصبحَ تاريخاً. فالتاريخُ يَستفيدُ منه السياسيُّ كمعلومات. وإليكم هذهِ المعلوماتِ السياسيّةَ عنِ الموقفِ الدّولي سابقاً.
الموقفُ الدّولي
تنقسم مراكز الدول في العالمِ إلى أربعةِ أقسام:
1 ـ الدولة الأولى في العالم.
2 ـ الدولة المستقلة عن الدولة الأولى.
3 ـ الدولة التي تدور في فلك الدولة الأولى.
4 ـ الدولة التابعة: إما للدولة الأولى أو للدولة المستقلة.
أمّا الدولةُ التابعةُ: فهي الدولةُ التي تكونُ مقيّدةً بدولةٍ أخرى في سياستِها الخارجيةِ، وفي بعضِ المسائلِ في السياسةِ الداخلية.
والدولةُ التي تدورُ في الفلك: هي الدولةُ التي تكونُ مرتبطة في سياستها الخارجيةِ مع دولةٍ أخرى ارتباطَ مصلحةٍ لا ارتباطَ تبعية.
والدولةُ المستقلةُ: هي الدولةُ التي تتصرفُ في سياستها الخارجيةِ والداخليةِ كما تشاءُ حسب مصلحتِها مثل بريطانيا في المعسكر الغربي، والصين في المعسكر الشرقي.
والدولة الأولى في العالم: هي الدولة التي تعتبر في حالة السلم صاحبة الكلمة دولياً، وتستوي فيه بعد ذلك الدولة الثانية، أي المستقلة. وأخيراً الدولة التي تدخل في فلك الدولة الأولى. مثلاً: لا تستطيعُ مجموعة من الدول الآسيوية، أو الدول الأوروبية، أو أي دولة أخرى أن تؤثّرَ في السياسةِ العالميةِ من ناحيةٍ دوليّةٍ، كما تؤثّرُ أي دولةٍ بمفردها، إذا كانت في فلك الدولة الأولى كتركيا مثلاً، بما لها من واقع جغرافي وغيرِهِ من الوسائل التي مكنتها أن تؤثرَ في التوازنِ الدولي.
ولذلك وجب على كلِّ دولةٍ تملكُ إمكانيةَ التأثيرِ في الموقفِ الدولي أن تسلكَ أحدَ طريقين: إما تهديدُ المصالحِ الحقيقيةِ للدولةِ الأولى تهديداً فعّالاً، وإما تأمين مصالحِ الدولةِ الأولى عن طريقِ المساومةِ لمصلحتِها، والتهديدُ الفعالُ المؤثرُ، هو الطريقُ المنتجُ حتماً، وهو الذي يليقُ بالدولةِ السليمةِ التي تنشد ضمانَ تأثيرِها، وسماعَ صوتِها في الموقفِ الدولي.
وأما تأمينُ المصالحِ فإنه طريقٌ مظلم غيرُ مأمونِ العثارِ قد يوصلُ للغايةِ وقد يؤدي إلى التهلكةِ، إذ هو مقامرةٌ بكيانِ أمةٍ، ومغامرة حمقاء بمصيرِ دولةٍ، لأن تأمينَ مصلحةِ الدولةِ الكبيرةِ من قبلِ أي دولةٍ مهما كان مركزها، لا يمنعُ الدولةَ الكبيرةَ من المساومةِ على مصالحِ الدولة التي أمّنت لها مصالحَها مع أي دولةٍ أدنى منها مركزاً أو إمكانيات.
والسبيلُ الصحيحُ لتهديدِ المصالحِ وإيجادِ التأثيرِ الفعالِ في الموقفِ الدوليّ، هو في أن تتوفر للدولةِ الإمكاناتُ التاليةُ:
أ ـ السيطرة الكاملة داخلياً.
ب ـ إمكانيات الدفاع.
ج ـ أن تكون سائرة في الطريق الارتقائي التصاعدي من حيثُ التصنيع وغيره.
د ـ أن تكون صاحبةَ مبدإٍ، وهذا هو الأهم، تحمله دعوة عالمية وتبدأ بمن جاورها، حتى تحميَ نفسَها من حربِ التدخلِ داخلياً ولا تقتصرُ على حمايةِ حدودها، بل تتوسع بمبدئِها ونفوذِها، حتى تزاحمَ الدولةَ الأولى في الموقفِ الدولي.
ولكي تتمكن أي دولة من زحزحةِ الدولةِ الأولى عن مركزها الرئيسي، عليها أن تقومَ بتحويلِ الجوِّ السياسيِّ لجهتِها، وجر الدول الأخرى سياسياً لها ولفكرتِها، كما حصل لألمانيا قبلَ الحربِ العالميةِ الثانيةِ، وعندما تتمكنُ أي دولةٍ من ذلك، يصبح الموقفُ الدوليُّ متأرجحاً، حتى تتسنمَ إحدى الدولِ مركزَ الدولةِ الأولى، وفي الغالبِ لا يتأتى ذلك، إلا إذا وقعت حربٌ غيّرَتِ الموقفَ، سواءٌ أكانتْ هذه الحربُ عالميةً أو محصورةً جزئيةً، أو إذا كان خطرُ وقوعِ الحربِ على الدولةِ الأولى أمراً راجحاً، وتحتاجُ في هذهِ الحربِ إلى الدولةِ المزاحمةِ في معسكرِها.
ومركزُ الدولةِ الأولى يتنقل بين الدولِ، فقد كانتْ بريطانيا تمثل مركزَ الدولةِ الأولى قبلَ الحربِ العالميةِ الثانيةِ، فزاحمتها ألمانيا، وصارت هي الدولةَ الأولى، حتى اشتركت أمريكا في الحرب العالميةِ الثانيةِ، ودخلتْ في المجالِ الدولي، فأصبحت هي الدولةَ الأولى، وظلتْ مسيطرة على الموقفِ الدولي، لا تَنَفِّذُ إلا الأحداثَ السياسيةَ التي تتفقُ مع صالِحِها، غير أن بريطانيا لما بدأتْ تستفيقُ، أخذت تحاولُ زحزحةَ أمريكا، وتقومُ بأعمالٍ سياسية، حتى استطاعت في سنة 1954 وما بعدها أن تؤثر بعضَ التأثيرِ في موقفِ أمريكا، باعتبارها تحتلُّ مركزَ الدولةِ الأولى، إذ جعلت أمريكا تخفقُ في منع مؤتمر جنيف أن يعقدَ، وتولّتْ بريطانيا المركزَ الرئيسيَّ للمعسكرِ الغربي فيه، واستطاعت أن تعرقلَ مساعيَ الجيشِ الأوروبي، حتى تحول النشاط الديبلوماسيُّ من واشنطن إلى لندن، وتولى إيدن بدل دالاس هذه المهمةَ، فعقدت اتفاقاتُ باريس، وكانت بريطانيا صاحبةَ الموقفِ السياسيّ الأولِ فيها، ثم نشطت بريطانيا في جنوبي شرقي آسيا حتى وقفت بجانب أمريكا سياسياً. وبذلت أيضاً في الشرق الأوسطِ جهداً قوياً استطاعت به أن تقف بجانبِ أمريكا سياسياً، وهي ساعيةٌ لأن يكونَ لها الموقفُ الأوَّلُ فيه، وهكذا يشتدُّ نشاطُ بريطانيا في السياسةِ العالميةِ، لزحزحةِ أمريكا عن مركزِ الدولةِ الأولى في المعسكرِ الغربيّ، ولكنها حتى الآن لم تفلِحْ.
وأما روسيّا، فإنها حاولت أن تأخذَ زمامَ المبادرةِ من المعسكرِ الغربيّ، وعملت لزحزحةِ أمريكا عن مركزِ الدولةِ الأولى، لتكونَ هي، صاحبةَ المبادرَة....
وقد نجحت في عدةِ أعمالٍ، فاستطاعتْ أن تنقلَ البحثَ في حل المشاكلِ من هيئةِ الأمم، إلى بحثها في مؤتمراتٍ تُعْقَدُ خارجَ الهيئةِ، إلاّ أنّ هذا النجاحَ لم يصلْ إلى حدِّ زحزحةِ أمريكا عن مركزِ الدولةِ الأولى، وإنما كان انتصاراً جزئياً في بعضِ المسائلِ السياسيةِ دوليّاً، وأما الأحداثُ الأخرى التي وقعتْ في الشرقِ الأقصى، فإنها وإن كانت قد سارت في غير الطريقِ التي تريدُها أمريكا، وانتصرت فيها روسيا، غير أنها أحداثٌ تقعُ في الدائرةِ الخاصَّةِ للمعسكرِ الشرقي، وليست في الدائرةِ العامةِ للسياسةِ الدوليةِ. وعليه لا تزالُ أمريكا هي الدولةَ الأولى وأكثرَ الدولِ إمكانيّةً لأن تؤثرَ في الموقفِ الدولي، والذي يقوي مركزّها هو هيئةُ الأممِ، والأحلافُ التي أنشأتها، وقد أصبحت هيئةُ الأممِ، والأحلافُ الجماعيةُ، من أهمَّ العواملِ لدى الدولة الأولى في المحافظةِ على مركزها.
ولقد أصبح معلوماً أنه بعدَ الحرب العالميةِ الأولى، وبعد الحربِ العالميةِ الثانيةِ حصر الموقفُ الدوليُّ في مجموعة الدولِ التي انتسبت إلى جمعيةٍ واحدةٍ كانت تسمى عصبةَ الأممِ بعد الحربِ العالميةِ الأولى، وهيئة الأممِ المتحدةِ بعد الحربِ العالميةِ الثانيةِ، وصارت هذه الهيئةُ، أو تلكَ العصبةُ، تنظر في القضايا العامةِ للشعوبِ والدولِ، وتحصرُ الموقفَ الدوليَّ في أعمالِها، ومن الطبيعي أن تصبحَ هيئةُ الأممِ وسيلةً تجعل ظلمَ الدولةِ الأولى مشروعاً، وتلبسه ثوبَ العدالةِ، وتقيها سخطَ الرأي العامِ العالميّ، وتحميها من زعزعةِ مركزِها دوليّاً، وتحولُ بين الموقفِ الدولي وبين الأحداثِ السياسيةِ التي قد تغيّر مركزها دون حرب، وتجعل الموقف الدولي بجانبِ القوّةِ، حقاً كان ذلك أم باطلاً. ولم تكتفِ الدولةُ الأولى ومن شايعها بهيئةِ الأممِ، بل عمدت، بعدَ الحربِ العالميةِ الثانية إلى إقامة أحلافٍ إقليميةٍ هي جمعُ دولٍ متقاربةٍ جغرافياً في حلفٍ ضمنَ ميثاقَ هيئةِ الأممِ، كحلفِ الأطلسيّ للدفاعِ عن أوروبا، وحلفِ مانيلا للدفاعِ عن الشرقِ الأقصى، وحلفِ تركيا ـ الباكستان الذي عقد نواة لحلفِ الدفاعِ عن الشرقين الأوسطِ والأدنى؛ والظاهر، من هذهِ الأحلافِ، أنها تجميعٌ احتياطيٌّ، يهيأ ليحلَّ محل هيئةِ الأممِ في حالةِ الحربِ؛ ذلك أن عصبةَ الأممِ بعد أنِ انهارت، أصبح الموقفُ الدوليُّ مائعاً، وتحوَّل الأمرُ إلى ألمانيا، فجعلها الدولةَ الأولى، بعد أن كانت بريطانيا هي التي تتسنّمُ هذا المركز، فتلافياً لما قد ينجم عن وقوعِ أزمةٍ سياسيةٍ، أو حربٍ عالمية تعصفُ بهيئةِ الأممِ، كان لا بدَّ من منظّمات صغيرةٍ تقبضُ على زمامِ الموقفِ الدوليّ في حالةِ الحربِ، وتجعلُ العالم كلَّهُ يقفُ بجانبِ الدولةِ الأولى إذا وقعتْ حرب.
وقد فطنتِ الدولُ المزاحمةُ للدولةِ الأولى مثل روسيا وبريطانيا لأثر هيئةِ الأممِ والأحلافِ في تثبيتِ الدولةِ الأولى في مركزِها، فأخذتْ كلُّ واحدةٍ منهما على تناقضِهِما تعملُ لحلِّ المشاكلِ خارجَ هيئةِ الأممِ، وباتت بريطانيا لا تتحمّس للأحلافِ التي تحاولُ أمريكا عقدَها، وتعملُ من جانبها وحدَها لدعم قوةِ الكومنولث ولعقدِ المعاهداتِ الثنائيةِ مع دولِ العالمِ، وأخذت روسيا تبذلُ كلَّ جهدِها لمنع عقد الأحلاف في أيِّ مكان، ومع أنَّ ذلك أثّر في هيئةِ الأممِ وأضعف هيبتَها وأثّر في مركزِ الدولةِ الأولى، فخفَّفَ من غطرستِها، ولكن لا تزالُ هيئةُ الأمم لها المركزُ الدوليُّ الأول، ولا تزالُ الأحلافُ تسندُ الدولة الأولى وتقوي مركزها، ولا يزالُ الموقفُ الدوليُّ، بوجه عام، يتمثّلُ في التنافسِ على مركز الدولة الأولى، والتسابقِ على قيادةِ العالمِ وتوجيهه.
إلاَّ أنّهُ طَرأَ على الموقفِ الدوليّ، بعد الحرب العالميةِ الثانيةِ، عاملٌ جديد وهو انقسامُ العالمِ دوليّاً إلى معسكرينِ، ممّا ضاعف حدَّةَ النزاعِ الدولي، وعقّدَ الموقفَ. نعم كان الموقفُ الدوليُّ قبلَ الحربِ العالميةِ الأولى مؤلّفاً من كتلٍ، ولكنها لم تكن معسكرات. وكان، قبلَ الحربِ العالميةِ الثانيةِ. منقسماً إلى جبهةِ الديمقراطياتِ وجبهةِ الدكتاتورياتِ النازيةِ والفاشيةِ، ولكنّ انقسامه، مع ذلك، لم يكن ليشكّلَ معسكراتٍ مبدئيةً؛ لأن النازية والفاشية ليستا مبدأً ولا ترقيان لأن تصلا إلى «مبدأ»، ولذلك لم تكن، قبلَ الحرب العالمية الثانية، معسكرات بالمعنى المبدئي.
أما بعد الحرب العالمية الثانية فقد أصبح العالم ينقسم دولياً إلى معسكرين، هما المعسكرُ الغربي والمعسكُر الشرقي، وتعتبر أمريكا الدولة الأولى في المعسكر الغربيّ. وتعتبر روسيا الدولة الأولى في المعسكرِ الشرقيّ. وإنه وإن كان المعسكرانِ يتصارعانِ على أساسٍ مبدئيّ، ويتنازعانِ على المصالحِ المتضاربة بينهما، إلاّ أنّهما قاما على أساسٍ دوليّ، إذْ لم يكنْ المبدأُ وحدَهُ هو مركز الانقسامِ إلى معسكرينِ، بل كانت معه المصالحُ الدوليةُ أيضاً، غير أنَّ هذهِ المصالحَ الدوليةَ تسيرُ في المعسكرِ الشرقيّ وفقَ المبدأ الشيوعيّ، وحسب المقتضياتِ التي يستوجبها نشرُهُ. وتسير في المعسكرِ الغربيّ حسب سياسةِ نشرِ المبدإ، وفق المصالحِ القوميةِ والوطنيةِ على أساسِ المبدإ الرأسمالي الذي يجعلُ النفعيةَ مقياساً لكافةِ الأعمالِ في الحياة، ولذلك تجد في المعسكرِ الغربيّ دولاً على غيرِ مبدئِهِ، ولكن مصالحها مرتبطة بمصالِحِهِ، ولا تجدُ ذلك في المعسكرِ الشرقيّ؛ ولهذا كان المعسكرُ الشرقيُّ وحدةً متماسكةً، في حين أنك تجد المعسكرَ الغربيَّ مفكَّكاً. لذلك كان بالإمكان إحداثُ ثغراتٍ في المعسكرِ الغربيّ وإخراج دولٍ منه إلى المعسكرِ الشرقيّ. وكان بالإمكانِ أن يتكوَّنَ من المعسكرِ الغربيّ معسكرٌ آخرُ غير المعسكرين يقفُ وَحْدَةً لها تأثيرُها في الموقفِ الدولي، في حالتي السلمِ والحربِ.
ولذلك كان التفكُّكُ في المعسكرِ الغربي فرصةً لتحريرِ العالمِ الإسلاميّ من سيطرتِهِ ونفوذِهِ.
والناظرُ إلى المعسكرِ الغربيّ يجدُ أن فيه انقساماً داخلياً ناتجاً عن تسنم أمريكا مركز الدولةِ الأولى. بعد أن كان هذا المركزُ لبريطانيا، وبعدَ أن كانتْ أمريكا في عزلة عن الموقفِ الدولي. وهذا الانقسامُ ظاهرٌ غير خفيّ، وهو الذي يؤخر قيامَ حربٍ عالمية. ويرجع ذلك إلى سياسةِ أمريكا نفسِها، فإنها بعد انتصارها في الحرب العالميةِ الثانيةِ صممتْ على انتزاعِ السيادةِ من جميعِ الدولِ كما صممتْ على فرضِ سيادتِها على العالمِ، واعتراها الغرور أمامَ قوتِها وضخامةِ ثروتِها، حتى رأت أنَّ من حقّها أن تسودَ العالمَ، وأن الشعوبَ والدولَ بحاجةٍ إلى عَوْنِها، ولذا غزت أوروبا بما فيها بريطانيا وفرنسا؛ وهي، بدل أن تهاجمَ المستعمراتِ، هاجمت الدولَ المستعمِرَةَ في مشروعِ «مارشال»، وفي بذلِ العونِ والقروضِ، حتى إذا تمكنت من هذهِ الدولِ هاجمتِ المستعمراتِ وأخذَتْ تضمّها إلى سيطرتِها شيئاً فشيئاً حتى تنتزعَ منها المستعمراتِ جميعَها. كلُّ ذلك، بأسلوبٍ يختلفُ عن الأسلوبِ الذي هاجمت به الدولَ الأوروبية. وبذلك استحكَمَ الخلافُ بين الدولِ الغربية. وليس هذا الخلافُ جديداً، بل خلافٌ قديم. فقد بدأ هذا الخلافُ قبلَ الحربِ العالميةِ الثانيةِ؛ وتعود أسبابُهُ إلى المشاكلِ الاقتصاديةِ، ولاسيما مشكلةُ البترولِ لأن الاتفاقياتِ المتعلقةَ به بين بريطانيا وأمريكا، وحاجةَ بريطانيا إلى مساندةٍ أمريكا لها، هي التي أدت إلى الخلافِ بين هاتينِ الدولتين، وبالتالي بين دولِ المعسكرِ الغربي. وذلك أنَّ بريطانيا بعد أن ركَّزت الموقفَ بعد الحربِ العالميةِ الأولى، كانت فرنسا تزاحمها، مزاحمةً ظاهرةً، فكانت تعملُ، لإضعافِ فرنسا، في تقوية ألمانيا من جهةٍ وفي تشجيعِ الحركاتِ الوطنيةِ والقوميةِ في المستعمراتِ الفرنسيةِ من جهةٍ أخرى، فأوجدت متاعبَ لفرنسا، وشغلتها بالعملِ لاتّقاءِ خطرِ ألمانيا. غير أنه نبت في الموقفِ الدوليّ حينئذٍ أمرُ إيطاليا، وظهر أمرُ ألمانيا في قوةٍ تهدّدُ موقفَ بريطانيا وفرنسا معاً. وظهر محور روما برلين. فكان لا بدَّ لبريطانيا من أن تخرجَ أمريكا من عزلتِها، فأطمعتها في بترولِ الشرقِ، فكانت اتفاقياتُ البترول. وبخروجِ الشركات الأمريكية إلى الشرقِ، خرجتْ أمريكا من عزلتها، ثم كانت الحربُ العالميةُ الثانيةُ، فانتقلت أمريكا إلى منزلةِ الدولةِ الأولى وهبطتْ انكلترا وفرنسا. وأما فرنسا فقد حاولتْ بقيادةِ ديغول أن تعيدَ مركزَها الدولي. وكانت بريطانيا بدأت تحاولُ استرجاعَ نفوذِها في الدولِ التي كانت تستعمرُها. ومهما يكنْ من أمرٍ فإنّ أمريكا بعد أن صَفَّتَ نفوذَ فرنسا، لا تزالُ تلاحقُ بريطانيا لتصفيةِ نفوذِها أيضاً، ولا تزالُ بريطانيا وفرنسا تعملانِ ضدَّها في الخفاءِ، وبالجملةِ لا يزالُ الخلافُ مستحكماً بين دولِ المعسكرِ الغربي، ولم تبدرْ حتى الآن أيُّ بادرة تدلُّ على إمكانيةِ زوالِ هذا الخلاف. إلا أنَّ هذا الخلافَ لا يبلغُ درجةً تحصل عندها حربٌ بينَ دولِ المعسكرِ الغربيّ، كما يتوهّمُ ساسةُ المعسكرِ الشرقيّ، لأنه خلافٌ مقيّدٌ بالمبدإ الرأسمالي ومحدودٌ في حدودِ المعسكرِ الغربيّ. فإذا تجاوزه إلى مواجهةِ المعسكرِ الشرقي، زال الخلافُ وظَهَرَ المعسكرُ كلُّهُ صفاً واحداً. وهذا ما يجبُ الانتباهُ إليه حينَ يُبْحَثُ الانقسامُ الداخلي في المعسكر الغربي، وحين يُبْحَثُ التزاحمُ بين دُوَلِهِ. إنّهُ تزاحم يأخذ شكلَ المناوراتِ السياسيةِ، ويسلك أساليبَ اللّفِّ والدورانِ، ولا يأخذُ شكلَ الحربِ والكفاحِ الظاهِرِ العنيف، لذا كان المعسكرُ الغربيُّ، باعتبارِهِ وحدةً، مفكّكاً متنازعاً يسود الشقاقُ والخلافُ دولَهُ كلّها، وتتسابقُ فيما بينَها على المنافعِ، ويَكيدُ بعضُها لبعضٍ. وهو، مقابلاً للمعسكر الشرقيُّ يُعْتَبَرُ وَحْدَةً متماسكةً ضد العدوِّ المشترك.
أمّا المعسكرُ الشرقيُّ: فإنه يقوم على الأساسِ المبدئي وحده، تقوده روسيا قيادة فكريةً وعسكريةً، فهي بمقامِ المعلمِ والوصيِّ من جهة، وبمقامِ الحارسِ والقائدِ من جهةٍ أخرى، لذا لا يوجد بين دولِهِ مَنْ ينافسُ روسيا على القيادةِ الفكريةِ والسياسيةِ.
إلا أنه نظراً لأن المبدأ الشيوعي لم يحل مسألة القومية حلًّا جذرياً، فإنَّ ذلك أثّر في تماسكِ المعسكرِ الشيوعي، وأحدث تفكّكاً بين دولهِ، أدّى ذلك إلى خروجِ بعضِ الدولِ عنه، ثم أدّى إلى ما يشبه انقسامه إلى معسكرين.
أما موضوع مسألة القومية فإنه في 24 نيسان 1917 عقد المجلسُ العامُّ البلشفيُّ السابع، وكان من أهم المسائل التي ناقشها مسألة القومية، فقد قدّم لينين تقريراً للمؤتمر ضمّنه رأيه في مسألةِ القوميةِ، وكان لينين وستالين قد وضعا قواعد سياسة الحزب البلشفي في المسألة القومية. وكانا يقولان بأنّ من واجب الحزبِ البروليتاري أن يؤيدَ حركة التحرير الوطني التي تقومُ بها الشعوب المظلومة ضدّ الاستعمار، وبذلك كان الحزب البلشفي يدافعُ عن حقِّ الشعوب في التصرف بنفسها بما في ذلك حقها في الانفصال، وتأسيسها في دول مستقلة.
وقد تضمن تقرير لينين هذا الرأي وناقشه المجلسُ، وكان ستالينُ هو مقرّر اللجنة المركزية، فدافعَ عن وُجهةِ النظر هذه أمامَ المجلس العام للحزب. فقرّر المجلسُ هذا الرأي وصار من يومئذٍ هو رأي المبدإ الشيوعي في المسألة القومية، وقد قرر المجلس ما نصه:
«يجبُ أن يُعترَف لكل الشعوب الداخلة في تكوين روسيا بحق الانفصال بحرية وتشكيل دولة مستقلة. فإن إنكارَ هذا الحق وعدم إقرار التدابير التي تضمنُ تطبيقه عملياً، معناه تأييد سياسة الفتح والإلحاق، إن اعتراف البروليتاريا بحق الشعوب في حرية الانفصال هو وحده الذي يؤمن التضامن التام بين عمال مختلف الشعوب، ويساعدُ على تقارب الشعوب تقارباً ديمقراطياً حقاً».
إلا أن المجلس لم يقتصر على ذلك، بل أعطى حق منح الانفصال، فقد جاء في القرار نفسه ما نصه:
«ولا يجوز المزج بين مسألة حق الشعوب في الانفصال الحر، ومسألة الفائدة من انفصال هذا الشعب أو ذاك، فهذه المسألة الأخيرة يجب على حزب البروليتاريا أن يفصل فيها في كلّ حالةٍ خاصةٍ بصورةٍ مستقلةٍ تماماً، وفقاً لما تقتضيه مصالح التطور الاجتماعي بمجموعه، ومصالح نضال البروليتاريا الطبقي في سبيل الاشتراكية».
فهذان النصان في المبدإ الشيوعي قد جعلا مسألة القومية شوكة في جنب الحزبِ الشيوعي، والمعسكرِ الشيوعي، فأدّى ذلك إلى ما حصل في المعسكرِ