عوامل ضعف المسلمين
الطبعة : الطبعة الثامنة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   29
تاريخ النشر :   1993




هل أحسن المسلمون دائمًا تطبيق الإسلام؟

بعد عرضنا عوامل ضعف المسلمين نرغب في الإجابة عن سؤال يطرحه الكثيرون، بعضهم على سبيل الاستعلام، وبعضهم الآخر على سبيل التشكيك، وهو: «هل طبق الإسلام يومًا؟» أي: هل كان المسلمون أقوياء بالإسلام؟، وقد فضلنا أن تكون صيغة السؤال على نحو آخر ليكون أدق وأشمل فتساءلنا: «هل أحسن المسلمون دائمًا تطبيق الإسلام؟» لأن هذا السؤال يحمل جوابًا بديهيًّا عن السؤال الأول بالإيجاب وأن الإسلام قد طبق عمليًّا بلا شك، ولكن ما نريد التوقف عنده من خلاله هو مدى إحسان المسلمين لتطبيقه في مراحل تاريخهم، إذ لا يكفي أن يكون المبدأ أو الحكم حقًّا بنفسه لينال الناس خيره، بل لا بد من تطبيقه تطبيقًا سليمًا لتحقيق الغاية الرشيدة منه. وجوابنا الموجز عن ذلك:
إن الإسلام قد طُبق عمليًّا لكن المسلمين لم يحسنوا دائمًا تطبيقه، وبيانه: أن المسلمين طبقوا الإسلام وحدَهُ في جميعِ العصور مُنذُ أن وصل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة حتى سنة 1336هــــــ، 1918 ميلادية، حين سقطت آخر دولة إسلامية على أيدي أعداء الإسلام من المستعمرين، وكان التطبيقُ شاملًا ونجحوا فيه إلى أبعد حدوده، والدليلُ على ذلك أن الدولة هي التي تطبق النظام، والذي يطبقه في الدولة شخصان: القاضي الذي يفصل الخصومات بين الناس، والحاكمُ الذي يرعى شؤونهم في الداخل والخارج.
أما القاضي فقد رُوي بطريق التواتُر أن القضاة الذين يفصلون الخصومات بين الناس منذ عهود الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حتى نهاية الخلافة في استانبول، كانوا يفصلونها بحسب أحكامِ الشرع الشريف في جميع أمور الحياة، سواءٌ أكان الفصلُ بين المسلمين وحدهم أو بينهم وبين غيرهم.
والمحكمةُ التي كانت تفصلُ جميع الخصومات من حقوق وجزاءٍ وأحوال شخصية وغير ذلك محكمةٌ واحدةٌ، تحكمُ بالشرع الإسلامي وحده، ولم يَرْوِ أحد أن قضية واحدة فُصلت على غير الأحكام الشرعية الإسلامية.
وأقرب دليلٍ على ذلك سجلاتُ المحاكمِ الشرعية المحفوظة في البلدان القديمة كالقدس وبغداد ودمشق ومصر واستانبول وغيرها، فإنها دليلٌ يقيني على أن الشرع الإسلامي هو الذي كان يطبقه القضاةُ وحده. كما أن غير المسلمين من النصارى واليهود كانوا يدرسون الفقه الإسلامي، ويؤلفون فيه، مثل سليم الباز اللبناني شارح مجلة الأحكام العدلية المستمدة من فقه الشريعة الإسلامية على مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله وهو شرح متداول في لبنان بخاصة وغيره ممن ألّفوا في الفقه الإسلامي في العصور المتأخرة.
يتضح من هذا العرض الموجز أن الإسلام طُبّق قضائيًّا، ولم يطبَّق غيرُهُ في جميع عصور الدولة الإسلامية. أما تطبيق الحاكم للإسلام، فإنه يتمثّل في الأحكام الشرعية المتعلّقة بنظام الحكم والنواحي الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعسكرية والسياسة الخارجية. وقد طبقت الدولة الإسلامية أحكام الشرع في كلّ ذلك، فكان من نتيجة هذا التطبيق نجاح الأمة الإسلامية وتقدمها في جميع المجالات بما فيها الفلك والطب، وكذلك الفتوحات الإسلامية التي ملأت شهرتها الآفاق وما أعقبته من نهضة مدنية وحضارية حيث حل المسلمون.
وعليه فالإسلام طبق عمليًّا منذ السنة الأولى للهجرة حتى سنة 1336هـــــــ (1918م) كما أشرنا.
أما إساءة التطبيق فقد حصلت في فترات من تاريخ الأمة الإسلامية، عندما أخذ ولاة الأمور خلالها بعدم الالتزام بالأحكام الشرعية التزامًا كاملًا كما حصل بعد نهاية الخلافة الراشدة حيث أصبح انتقال الولاية بالوراثة والتعيين عن طريق تولية العهد، بدل أن تكون خلافة، وتكون الخلافة نتيجة المبايعة الصحيحة من المسلمين لإمامهم؛ وإذا كان ذلك لم يؤثر في الدولة الإسلامية يوم كانت قوية منيعة، فإن أثره ظهر في ما بعد حين ضعفت الدولة. ولم يقتصر هذا الأثر على أمر بيعة الخليفة، بل تعداه إلى الولاة؛ فمن قبيل ذلك مثلًا سكوت الدولة العباسية على عبد الرحمن الداخل في الأندلس وتركها له يستقل فيها، مما أدّى إلى جعل جزء منها يدار إدارة منفردة من قبل ولاة أطلقوا على أنفسهم في ما بعد اسم «أمير المؤمنين»... ولئن لم تنفصل الأندلس في ذلك الوقت عن جسم الدولة، ولم ينفصل مسلموها عن باقي المسلمين، فإن ذلك لم يمنع كونها منفصلة الإدارة، الأمر الذي أدى إلى تسرّب الضعف لها، وسهل لأعدائها الاستيلاء عليها، وبالتالي أخذهم لها، والمسلمون في عنفوان مجدهم وأوج قوتهم!... هذا في المغرب.
أما في المشرق فإن إعطاء الولاية العامة للولاة وجعل الصلاحيات الواسعة لهم، حرّك فيهم أحاسيس السيادة وأطمعهم، فاستقلوا بالإدارة الداخلية، ورضي الخليفة منهم بذلك، مكتفيًا بالدعوة له على المنابر، وبصدور براءة التعيين منه، وضرب النقد باسمه، وإرسال الخراج له؛ فكانت الولايات في استقلالها الداخلي تشبه الدويلات كما كانت الحال مع السلجوقيين وغيرهم... وهذه الأمور جميعًا كانت سببًا أدى تدريجًا إلى الضعف والانحلال.
على أن إساءة التطبيق هذه لا تمسُّ الإسلام بشيء، لأنها ناجمة عن تصرف الأشخاص المولجين بالتطبيق، وهم بشر قد يصيبون وقد يخطئون؛ فالإنسان ليس كائنًا صناعيًّا آليًّا يعيش على المسطرة، ويطبق النظام بلا تفاوت بالقياس الهندسي الدقيق، بل هو مخلوق مجتمعي تتفاوت في أفراده القوى والخاصيات، وإن في المجتمع ـــــــ كما نعلن ــــــــ فسّاق وفجّار، وكفّار ومنافقون، ومرتدون وملحدون، لكن العبرة تبقى بالمجتمع في مجموعة وليس في أفرادٍ من هذا المجموع.
وإساءة التطبيق لا تعني أن الإسلام لم يطبق، بل المقطوع به أن الإسلام طُبّق كما لم يُطبق غيره من المبادئ والنظم. إن العبرة في التطبيق للقوانينِ والأنظمة التي تأمرُ الدولة بالعمل بها، ولم تأخذ الدولةُ الإسلامية أي شيءٍ مخالف للإسلام، وكل ما حصل أنّ بعضَ الحكام أساؤوا التطبيق.
على أن الشيء الذي ينبغي أن يكونَ واضحًا أن الواجبَ علينا حينَ نستعرضُ تطبيق الإسلام من التاريخ أن نلاحظ شيئين اثنين:
أولهما: ألّا نأخُذَ هذا التاريخ عن أعداء الإسلام وأن نأخذه بالتحقيق الدقيق من علماء المسلمينَ أنفسهم الحريصينَ عليه حتى لا نأخُذ الصورة مشوَّهة.
ثانيهما: لا يجوز أن نستعملَ القياسَ الشموليّ على المجتمعِ لا في تاريخِ الأفرادِ، ولا في تاريخ ناحيةٍ من نواحي المجتمع، فمن الخطأ أن نأخذ الحكم على العصر الأمويّ من تاريخ يزيد مثلًا. أو أن نأخذ واقع العصر العباسيّ من تصرفات بعض خلفائه. كذلك لا يجوز أن نحكم على المجتمع في العصر العباسي من قراءَ كتاب الأغاني الذي جَمَعَ أخبارَ المجّان والشعراء والأدباء، أو من قراءة بعض كُتب التصوّف وما شاكَلَها، فَنَحكم على العصرِ بأنّه عصرُ فسقٍ وفجور أو عصر تواكل وانعزال، بل يجب أن ننظُر إلى المجتمع بأكملِهِ.
وحين ندرسُ المجتمع الإسلامي على هذا الأساس، وبالتحقيق الدقيقِ نجدهُ خير المجتمعات لأنه يقوم على الإسلام عقيدة ونظامًا ومنهجًا للحياة.
ومن ذلك كله نرى أن النظام الإسلامي طُبّق عمليًّا ولم يُطبّق غيره في جميع عصور الدولة الإسلامية. وأما نجاح هذا التطبيق عمليًّا فقد كان نجاحًا منقطعَ النظير على الرغم من الثغرات والعثرات التي حصلت في فترات من تاريخه ولا سيما في نقل الذين أسلموا ـــــــ وخصوصًا العرب ـــــــ من حالة فكرية منحطة إلى عصر نهضة فكرية يتلألأ بنور الإسلام الذي لم يقتصر بزوغ شمسه على العرب وحدَهُم، بل عمّ العالم كلّه. فلقد اندَفَعَ المسلمونَ في الأرض وهم يَحملونَ الإسلام للعالمِ. ففتحوا بلاد فارس والعراق وبلاد الشام ومصر وشمالي إفريقيا. وكانت لكل شعبٍ من هذه الشعوب قوميّة غير قوميّات الشعوب الأخرى، ولغةٌ غيرُ لغاتها وعاداتٌ وتقاليدُ وأديانٌ مختلفةٌ. وما إن استظلّت تلك الشعوب بالحكم الإسلامي وفهمتِ الإسلام حتى دخلت فيه كلّها، وأصبحتْ جميعُ هذه الشعوب أُمّةً واحدةً. كانَ نجاحُ القيادةِ الفكرية الإسلامية في صَهْر هذه الشعوب والقوميّات نجاحًا منقطع النظيرِ.
ولم يكن الفتح الإسلاميّ إلا لإزالة الحواجز المادية بعدما صاروا أحرارًا من تلك القيود حتى يُخلَّى بين الناس والحق الذي يرشدهم إليه العقل السليم وتهديهم إليه الفطرةُ، ولذلك دخلَ الناسُ في دين الله أفواجًا.
amitriptylin 75 mg anmeldelsemedicin.site amitriptylin hund



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB