عوامل ضعف المسلمين
الطبعة : الطبعة الثامنة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   29
تاريخ النشر :   1993




عوامل ضعف المسلمين

قبل أن نفصل القول في أهم عوامل ضعف المسلمين نرى من المفيد أن نستعرض محاولات أعداء الإسلام منذ أيامه الأولى للقضاء عليه بالمواجهة العسكرية كما فعل كفار العرب زمن البعثة النبوية، أو بالخداع والتضعيف من الداخل كما فعل المنافقون زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو بتدبير المؤامرات وبث الفتن كما فعل اليهود في الميدنة وضواحيها وفي خيبر، وكما فعل أمثال أولئك جميعًا حتى انتهاء آخر خلافة إسلامية في الربع الأول من القرن العشرين الميلادي: وهذه الخلافة ـــــــ أو انتهاء هذه الخلافة ـــــــ هو بيت القصيد من هذا الكتاب حيث سنبين ـــــــ إن شاء الله ـــــــ أهم العوامل التي أدت إلى جعل الخلافة الإسلامية ضحية مؤامرات أعداء الإسلام، وضعف المسلمين أمام تلك المؤامرات...
إن مما لا شك فيه أن قوة المسلمين تقوم على مبدأ الإسلام، ففيه وحده بقاؤهم أعزّة كرماء، وبه وحده ارتقاؤهم وتقدُّمهم. فهو، إذًا، قوام وجودهم، وعماد أمرهم، وقد أدرك ذلك أعداؤهم منذ ظهور الإسلام، وعرفوا أنهم لن يستطيعوا إضعافهم ما دام الإسلام قويًّا في النفوس؛ فعمدوا إلى إيجاد السبل والوسائل التي تُضعف فَهم المسلمين له، وتُضعف تطبيقهم لأحكامه، وتؤدي بالتالي إلى وهنهم هم، والسيطرة عليهم.
وهكذا ظل المسلمون في صراع مع أعدائهم يصدُّون مؤامراتهم ويُفشِّلون خططهم في أكثر الأحيان، إلا إن أولئك الأعداء تمكنوا من غرس بذور شرِّهم، وتابعوا تعهُّدها وتغذيتها حتى حققوا غايتهم بإيصال المسلمين إلى ما هم عليه اليوم من ضعف وتخلف وتفرقة وتمزُّق... أما الأساليب والوسائل التي استعملها أعداء الإسلام في الماضي لإضعاف فهمه لدى المسلمين والتشويش عليهم فكثيرة، منها ما يتعلق بجانب من نصوصه، ومنها ما يتعلق بانطباقه على وقائع الحياة؛ وهُمْ قد نجحوا في بعض تلك الوسائل والأساليب، لكنهم فشلوا في بعضها الآخر فشلًا ذريعًا.
ولعل أخطر محاولاتهم التي فشلوا فيها ـــــــ ولله الحمد ـــــــ هو دسُّهم في الأحاديث والأخبار المرويَّة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتي تعرف في الإسلام بـــــــ «السنَّة النبويَّة» حيث عمد بعض من الزنادقة والمندسِّين في صفوف المسلمين، وأصحاب الآراء الزائفة إلى الأحاديث النبويَّة يدسّون فيها أحاديث مكذوبة لم يقلها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قطّ؛ لكنهم زوَّروها وضمَّنوها معاني غير إسلامية ومفاهيم تناقض الإسلام، وذلك لترويج ضلالاتهم ونصرة أهوائهم، ولكي يأخذها المسلمون ويعملوا بما فيها، فيبتعدوا عن الإسلام، أو يناهض بعضهم بعضًا...
غير أن المسلمين فطنوا لهؤلاء الزنادقة والمضلِّلين، وقضوا على مؤامراتهم؛ فهبَّ العلماء ورواة الحديث يجمعونه ويضعون تاريخ رواته وأوصافهم، ويبيِّنون الحديث الصحيح السليم من الضعيف والمكذوب، حتى حُفظ الحديث الشريف، وصنِّف في مؤلفات معروفة مشهورة كصحيحَيِ الإمامين مسلم والبخاري.
وقد حُصر أيضًا رواة الحديث وعرف كل واحد منهم، وأُلِـّـــفَت كتب كثيرة في هؤلاء الرواة وأحوالهم، وأقوال علماء الحديث في كل واحد منهم من حيث توثيقه أو تضعيفه، كما بُــــيِّنت طبقات كتب الحديث، حتى أصبح في إمكان المسلم إذا ما تتبع الحديث أن يعرف صحته من ضعفه، بمعرفة سنده ومتنه. وبذلك لم يكن لهذه المؤامرة أثر يذكر، ولم يتمكن أحد بعد ذلك من العبث بالسنَّة النبويَّة، أو الدس فيها بفضل الله تعالى، ثم بسبب يقظة علماء الحديث المستمرة المتواصلة، حتى فوجئنا في السبعينيات من هذا القرن (العشرين ميلادي) بحملات مأجورة، يقولها عملاء زنادقة ومأجورون مرتزقة تجدِّف على الأحاديث النبويَّة، وتشكك في أصلها وثبوتها، وصحة نقلها وروايتها. والهدف من هذا الطعن بالسنَّة النبويَّة معروف، فهو ليس خدمة الإسلام كما يزعمون ويضلِّلون، بل القضاء عليه كون السنَّة النبويَّة تفسيرًا للقرآن وبيانًا لآياته وأحكامه، فإبعاد السنَّة عن أصالتها، والقضاء على صحة الاستدلال بالحديث النبويّ في الأحكام الشرعية، من شأنه أن يؤدي إلى تعطيل أكثر الأحكام في الشريعة الإسلامية وإلى عدم فهم القرآن، كما كان يوضح مدلولاته النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو المبلِّغ والمبيِّن لآياته... وهكذا لم يفلح هذا التشكيك الجديد حيث أتى، ولم يؤثر في مكانة السنَّة الشريفة، ولا في الثقة بها، بل زاد، ويزيد، في حرص المسلمين عليها وحذرهم من أعداء الإسلام والعملاء المندسّين بينهم...
أما بالنسبةِ إلى انطباقِ الإسلامِ على وقائعِ الحياةِ. فقد عمدوا في القرون الأولى إلى التشويش على الإسلام وإعطائه وجهًا غير وجهه الحقيقي كتفسيرهم بعض الآيات والأحاديث الواردة في «الزهد» على غير معناها الصحيح، في محاولة لخلط الفلسفة الهندية بالإسلام، ففسروا الزهد في الدنيا وطَلَبَ الآخرة بالتقشّف وتعذيبِ الجسدِ، فانصرف بعض ضعاف النفوس من المسلمين، الذين هم في الواقع جاهلون في الإسلام، عن العمل من أجل الحياة وعن خوض غمارها إلى العزلة والخمول والتواكل، وهم يظنون أنهم قد أصبحوا بذلك زهادًا عبادًا، مما أدى إلى ضياع جهود كثيرة لأبناء هذه الأمة كان عليهم أن يستخدموها في الدعوة إلى الإسلام بدل هدرها في ما لا فائدة فيه، لكن ذلك لم يؤثر في مسيرة هذه الأمة التي تابعت طريقها طبقًا لأحكام الإسلام محقِّقة تقدمًا تلو الآخر وانتصارًا إثر انتصار، لكننا لا نعني بكلامنا هذا أن المسلمين كانوا دائمًا هكذا في تقدم وازدهار، بل كانت هناك فترات عصيبة حزينة تخللت مراحل تاريخهم المجيد كالغزوَيْن التتاري والصليبي فضلًا عن بعض التناقضات التي برزت أحيانًا بين المسلمين أنفسهم كتلك التي حصلت بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورضي عنهم بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، أو كتلك الصراعات المذهبية التي شقَّت وحدة المسلمين وألهتهم عن واجبهم في نشر الإسلام ونقله للناس، جميع الناس.
أما عوامل ضعف المسلمين في الفترة الأخيرة من تاريخهم وخصوصًا في القرن العشرين فإننا سنبيِّن أهمها وأخطرها تحت العناوين التالية مقدِّمين لذلك عرضًا لحالة الخلافة الإسلامية في عهدها الأخير:
أولًا: الغزو التبشيري وبعث القوميات.
ثانيًا: الجمعيات والحركات السرية.
ثالثًا: جعل السلطة بأيدي العملاء لمصلحة العدو.
رابعًا: إضعاف اللغة العربية.


1 ـــــــ الخلافة الإسلامية في عهدها الأخير:
لقد شهد القرن التاسع عشر الميلادي انقلابًا خطيرًا في الأفكار الأوروبية على أثر المجهودِ الكبيرِ الذي بذله الفلاسفةُ والكتّابُ والمفكرون والتغيير الشامل الذي طرأ على الفكر الأوروبي لإحياء الشعوب، فنشأتِ الحركاتُ المتعددةُ التي كان لها أثر في إحداث آراء جديدة في وجهةِ النظر في الحياة. وكان من أهمّ ما وقع تعديل الأنظمة السياسية والتشريعية. فقد زال شبح الملكية المستبدة تدريجًا في أوروبا، وحلت محلها أنظمةٌ حكومية جديدة قائمةٌ على الحكم النيابي وسيادة الأمة، فكان لهذا أثرٌ كبير في توجيه النهضة الأوروبية، كما كان للانقلاب الصناعي الذي ظهر في هذا القرن في أوروبا تأثير كبير. فكان من جرّاء هذه القوى المادية والتقدم العلمي والفكري أنْ رجحت كفةُ العالم الأوروبي على العالم الإسلامي، في الموقف الدولي، رجحانًا بينًا، فتغير مفهومُ المسألةِ على أوروبا، وإنما صارت مسألةَ الإِبقاءِ على الدولةِ العثمانية أو تقسيمها، حيث اختلفت عليها الدول نظرًا إلى اختلاف المصلحة، وكان هذا الانقلابُ في مفهومِ المسألةِ الشرقيةِ وما طرأ على أحوالِ أوروبا من الارتفاعِ الفكري، والتقدم العلميّ، والثورةِ الصناعية، بسبب إبعادهم سلطة الكنيسة وأنظمتها عن نظام حياتهم العام وما طرأ على الدولة العثمانية من الضَعْفِ والتفككِ، كلُّ ذلك أدى إلى هذا الانقلابِ السياسيّ، فرجحت كفة الأوروبيين، وخفت كفة المسلمين.
وقد رافق ذلك أن تخلّفت المعارفُ الإسلامية، وبقيت الكتب والثروات العلميةُ محفوظةً في خزائِنِها، ولم يَعُدْ هنالكَ علماءُ مفكرون إلا قليلون، وقلّت الرغبة في البحث والتنقيب عن الحقائق، وصارت المعارف لا تطلب للعمل بها؛ لأن الدولة لا تشجعها، بل صار العلماء يطلبون العلم والثقافة للترف العقلي ويطلقون عليه «أنه طلب العلم للعلم»، أو يطلبون العلم للارتزاق. وقلَّ منهم من يطلب العلم لنفع الأمة والدولة، فكان من جراء ذلك أن المسلمين صاروا يفهمون الإسلام فهمًا روحيًّا أكثر منه فهمًا فكريًّا وسياسيًّا وتشريعيًّا، إذ غمضت عليهم فكرته الأصلية، وطريقته التي تنفذ بها هذه الفكرة، فعمي عليهم فهم الكتاب والسنّة، فصاروا يفهمون الإسلام مجرد دين روحي فحسب، ويقارنون بينه وبين باقي الأديان، بدل أن ينظروا إليه عقيدةً ونظامًا لجميعِ شؤونِ الحياة، لذلك لم يكن غريبًا أن تقفَ الأمّة الإسلامية موقفَ الجمود والحَيْرَةِ والقلقِ من الحركة الانقلابية التي حصلت في أوروبا، وأن تظل متأخرة تأخرًا ظاهرًا من دون أن تتأثر بالرقي الاقتصادي الذي شمل أوروبا، اللّهم إلا تأثرًا جزئيًّا بشكل مضطربٍ لم تكن له فائدة. ثم لم يمكنها ذلك من التقدمِ المادي، بل لم يمكنها من وقفِ عجلة الآخر التي كانت تهوي بها إلى الانخفاض والضَعْف... وهكذا وقف المسلمون تجاه الحركة الانقلابية في أوروبا وقفة الحائر، أيأخذونها أم يتركونها... فكثيرون كانوا يرونها أنها جميعها تتعارض مع الإسلام، لذلك نادوا بتحريم الأخذ بها، في حين رأى آخرون في المقابل ضرورة الأخذ بكل شيء من الغرب: من علم وثقافة وحضارة ومدنية، وهؤلاء كانوا من الذين تعلّموا في أوروبا أو في المدارس التبشيرية التي كانت قد دخلت البلاد، ولم يكن لهم تأثير في أول الأمر... أما جمهرة الناس فقد كانت تحمل فكرة محاولة التوفيق بين الإسلام والثقافة والعلوم والحضارة والمدنية التي يحملها الغرب، لذلك سادت في أواخر الدولة العثمانية فكرة مؤداها أن الغرب أخذ حضارته من الإسلام، وأن الإسلام لا يمنع أخذ ما يوافقه والعملَ بما لا يخالِفُهُ، وقد نجح الغربُ في نشرِ هذه الفكرةِ حتى سادت، وحملها جمهرةُ الناس ولا سيّما المتعلمون، الذين كان كثيرون منهم يُعَدُّون من الفقهاء والعلماء، فسموا علماء عصريين، وأطلق عليهم أنهم مصلحون. ونظرًا إلى التناقض الحقيقيّ بين الحضارةِ الغربيةِ والحضارةِ الإسلامية، وللتباينِ الواضحِ بين الثقافةِ الغربيةِ وما تتضمّنُهُ من معانٍ تتعلّقُ بوجهةِ النظرِ في الحياةِ، والثقافة الإسلاميةِ وما تتضمّنُهُ من معانٍ تتعلّق بطريقةِ الحياة، كل ذلك أدى إلى إبعادِ هؤلاءِ عن الإسلام، وإدنائهم من الأفكار الغربية ولكن بشكلٍ مضطربٍ أعجزهم عن فهمِ أفكار الغرب مع ابتعادهم عن الإسلام، فكان لذلك أثر كبير في إهمال الاختراعات والعلوم والصناعات، وأثر كبير في سوء فهم الإسلام، مما جعل الأمة تتحول إلى هذه المجموعة المتناقضة في الأفكار، وإلى عدم استطاعة الدولة أن تجزم في فكرٍ معيّن، ومما أدى إلى الإعراض عن الأخذِ بوسائلِ الرقيّ المادي من العلومِ والاختراعاتِ والصناعاتِ، وبذلك ضعفت الأمة ضَعْفًا ظاهرًا حتى أصبحت غيرَ قادرةٍ على الوقوفِ، وعاجزةً عن حمايةِ نفسها، فكان من جراء هذا الضعف أن أخَذَ الغربُ يَقْتَطِعُ أجزاءَ الدولة الإسلامية جزءًا جزءًا وهي عاجزةٌ مستسلمةٌ.
فهذه روسيا في عهد كاترين سنة 1762 ـــــــ 1796م حاربت العثمانيينَ وتغلّبت عليهم واقتطعت بعضَ أراضيهم، وأخذت منهم مدينة آزوف وشبه جزيرة القرمِ، واستولت على جميعِ الحوض الشمالي للبحر الأسود، وأنشأت مدينة سباستبول قاعدة لها في شبهِ جزيرةِ القرم، كما أنشأت ميناء أوديسا التجاري على البحر الأسود، وأصبحت روسيا عاملًا مهمًّا في سياسةِ الدولةِ العثمانيةِ الخارجيةِ، وصارت صاحبةَ السيادةِ في الإمارات الرومانية وعدَّت نَفْسَها حاميةَ المسيحيّةِ في الدولةِ العثمانية.
ثم اقتطعت بلاد التركستان، ثم أكملت احتلالها للقفقاس جميعِهِ. ولم يقتصر الأمر على روسيا وحدها، بل شمل ذلك بقيةَ الدولِ الغربيةِ؛ ففي أول تموز 1798م هاجم نابليون مصر واستولى عليها. وفي شباط 1799م هاجم الجزء الجنوبي من بلادِ الشامِ واستولى على غزة والرملة ويافا، ووقف على حصون عكا، إلا إن حملَتَهُ هذهِ لم توفق، فرجع إلى مصر ثم إلى فرنسا وفشلت الحملة سنة 1801م. ومع فشل هذهِ الحملةِ فقد أثرت في كيانِ الدولةِ العثمانية وكانت هزة عنيفة لها. وتتابعت سائر الدول تهاجم العالم الإسلامي وتستولي على أجْزَائِهِ، فقد احتل الفرنسيون سنة 1830م الجزائر، وعملوا حتى احتلوا تونس سنة 1881م، ثم احتلوا مراكش سنة 1912م، كما احتلت إيطاليا ليبيا سنة 1911م فتم بذلك اقتطاعُ شمال أفريقيا. كما احتلت بريطانيا عدن سنة 1839 وبسطت حمايتها على لحج والمحميات التسع من حدودِ اليمنِ الجنوبية إلى شرقِ الجزيرةِ. وكان الإنكليزُ قد استولَوْا على الهندِ قبلَ ذلكَ التاريخِ بمدةٍ طويلةٍ، وانتزعوا باستعمارهم لها سيادةَ المسلمين، وأخذوا يعملون على إضعافِ موقفِ المسلمين فيها بوجه عام. ثم في سنة 1882 استولت بريطانيا على مصر، وفي سنة 1898، استولت على السودان. كما كانت هولندا تسيطر على جزر الهند الشرقية، وحوصرت أفغانستان تحت الضغط الإنكليزي والروسي، كما حوصرت إيران، واشتدت حملةُ الغربيين في كلِّ مكانٍ على العالمِ الإسلامي، حتى شعر جميعُهُ بتعرّضِهِ للسقوطِ نهائيًّا تحت نيرِ الغربِ، وشعرَ أن الحملةَ الصليبية تجددت تُحرز الانتصار تلوَ الانتصار، وصار يتشبثُ بأعمال لوقفِ هذا الزحفِ الغربي عند حدِّهِ، أو للتخفيف من ثقلِ كابوسِهِ. ثم حدثتْ حركاتٌ من المقاومةِ للغربيين في أكثر من مكانٍ، فنشبت ثورةٌ في الجزائر، وهب المسلمون في الصين وقام المهديون في السودان. واشتعلت الثورةُ السنوسية فكان كل ذلك دليلًا على الحيوية الكامنة في العالم الإسلامي على الرغم من ركوده وضعفه، إلا إن هذه المحاولات كلّها أخفقت نهائيًّا، وأخذ الغرب يعمل للقضاء على الدولة العثمانية كونها الدولة الإسلامية التي تمثل المسلمين فقد أقام في داخلها الحركات القومية، إذ أخذت الدول الأجنبية تحرض شعوب البلقان على الثورةِ منذ سنة 1804م، وتمدهم لهذه الثورات، حتى انتهت ثوراتهم بالاستقلال سنة 1878م، كما حرضت اليونان على الثورة منذ سنة 1820 حتى انتهت ثورَتهم بسبب تدخل الأجنبي باستقلال اليونان عن تركيا سنة 1830م، حتى تقلص ظلُّ الدولة العثمانية عن البلقان وعن كريت وقبرص وأكثرِ جزرِ البحر الأبيضِ المتوسط، فأجلوا الكثيرين منهم عن ديارهم ولجأوا إلى بلادِ العرب بصفتها بلادًا إسلامية، وما هؤلاء الجركس وأمثالهم إلا أبناء أولئك الأبطال من المسلمين الذين فروا بدينِهِمْ إلى ديارِ الإسلام.
ولم يقتصرِ الأمرُ على ذلكَ، بل قام الغربيون بوسائِلِهِم الخفية بتشجيعِ الحركاتِ الانفصالية عند المسلمين أنفسهم في داخل كيان الدولة بين الترك والعرب فشجعوا الحركات القومية وساعدوا على قيامِ الأحزاب السياسية التركية والعربية، كحزب تركيا الفتاة، وحزب الاتحاد والترقّي، وكحزب الاستقلال العربي، وحزب العهد إلخ...
مما جعل كيان الدولة داخليًّا في اضطراب واهتزاز، فأخذ يميلُ تحتَ هذهِ الأحداث الداخليةِ مع الغزوات الخارجية، وما إن جاءت الحَربُ العالميةُ الأولى حتى وجد الغرب الفرصةَ مواتيةً لغزوِ العالمِ الإسلامي والاستيلاء على ما تبقّى من بلاده، فدخلت الدولة العثمانية الحربَ العالمية الأولى التي انتهت بانتصار الحلفاء وهزيمتها. فتقاسم الغربيون جميع العالم الإسلامي غنيمة لهم، ولم تبق منها إلا بلادُ الترك التي صار يطلقُ عليها اسم «تركيا» وظلّت تحت رحمتهم منذ انتهاء الحرب سنة 1918 حتى سنة 1921 حيث استطاعت الاستقلال بعد تأمينها للحلفاء القضاءَ على الخلافةِ وعلى دولةِ الإسلامِ على يدِ مصطفى كمال .
والظاهرُ من تتبعِ خطواتِ مصطفى كمال أن موافقة الحلفاء على طردِ اليونانيين من تريس وجلائهم هم أنفسهم عن استانبول وتركيا بأسرها كانت مقابل أن يقضي مصطفى كمال على الحكم الإسلامي، ولذلك تجده حين ناقشته الجمعية الوكنية في أمر تركيا بعد الانتصارات التي أحرزها، خاطبها بقوله: (أنا لست مؤمنًا بعصبةٍ من الدولِ الإسلاميةِ، ولا حتى بعصبة من الشعوب العثمانية، ولكل منا أن يعتنق الرأيَ الذي يراه. أما الحكومة فينبغي أن تلتزم سياسةً ثابتةً مرسومةً مبنيّةً على الحقائقِ لها هدفٌ واحد فقط، أن تحميَ حياةَ الوطنِ واستقلالَهُ داخلَ نطاقِ حدودِهِ الطبيعيةِ، فلا العاطفةُ ولا الأوهامُ ينبغي أن تؤثّر في سياستِنا وسحقًا للأحلامِ والخيالات لقد كلفتنا غاليًا في الماضي).
وهكذا أعلن أنه إنما يريد استقلالَ تركيا بصفتها شعبًا تركيًّا، لا أمةً إسلاميةً.

2 ـــــــ بَعْث القوميّات عَن طريق الغزو التبشيريّ:
أَخَذَتْ أوروبا تَغْزُو العالمَ الإسلامي غزوًا استعماريًّا عن طريق التبشيرِ باسمِ العلمِ والإنسانيةِ، ورصدت لذلك الميزانياتِ الضخمةَ. وذلك لتمكين دوائر الاستخباراتِ السياسية، ودوائر الاستعمار الثقافي من القيام بالدور المرسوم لها.وبهذا فُتِح باب العالم الإسلامي على مصراعيه، وانتشرت الجمعيات التبشيرية في كثيرٍ من البلدان الإسلامية. وكان معظمها جمعيات إنكليزية وفرنسية وأميركية. فتغلغل النفوذ البريطاني والفرنسي عن طريقها، وأصبحت هذه الجمعيات مع الزمن هي الموجهة للحركات القومية، وأصبحت هي المسيطرة على توجيه المتعلمينَ من المسلمين، أو توجيه القوميةِ العربية والقومية التركية لغرضين رئيسيين: الأول فصل العرب عن الدولةِ العثمانيةِ المسلمة للإجهاز عليها، وأطلقوا عليها اسم (تركيا) لإثارةِ النعرةِ العنصرية.
الثاني: إبعاد المسلمين عن الرابطة الحقيقية التي لم يكونوا يعرفون سواها وهي رابطة الإسلام.
وقد انْتَهَوْا من الغرضِ الأول، وظلّ الثاني قائمًا. ولذلك سيظل التوجيهُ إلى القوميةِ عند الترك والعرب والفرس والأكراد وغيرهم الإسفين الذي يفرق وحدة المسلمين، ويعميهم عن مبدئهم الإسلامي. وقد مرت هذهِ الجمعياتُ التبشيريةُ بأدوار كثيرة، وكان أثرها بليغًا في العالم الإسلامي، ومن نتائجه ما نعانيه اليوم من ضعف وانحطاط، لأنها كانت اللبنة الأولى التي وضعت في السد الذي أقامه الاستعمار بيننا وبين النهوض. والذي حملهم على إنشاء هذه الجمعيات التبشيرية ما عانوه في الحروب الصليبية من صلابة المسلمين وصبرهم على الجهاد، ذلك أن الغربيين حين لاقوا المسلمين في ساحة القتال، كانوا يعتمدون على أمرين بحسب رأيهم:
أولهما: اعتمادهم على النصارى الذين كانوا يسكنون العالمَ الإسلاميَّ، إذ كان في البلادِ الإسلاميةِ نصارى كثيرون، وخصوصًا في بلادِ الشام. وكان هؤلاء النصارى ممن يتمسكونَ بدينِهِم، فكانوا يعدّونهم إخوانًا في الدين وظنوا أنهم سيكيدون للمسلمينَ، وسيكونون عونًا لهم عليهم، بحجة أنهم أثاروا حربَهم هذه حربًا دينية.
ثانيها: كانوا يعتمدون على كثرةِ عددِهِمْ، وعظم قوتهم، في حين أن المسلمينَ كانوا متقاطعين متدابرين، قد بدأ الانحلال يدب في كيانهم فظنوا أنهم إذا هزموهم أول هزيمة أخضعوهم إلى الأبد، وسهل القضاءُ عليهم، ولكن خاب فألهم ولم يصدقْ حدسُهُمْ. وكم كانت دهشتُهم عظيمةً حين رأوا في أثناءِ الحروبِ أن النصارى العربَ وقفوا بجانبِ المسلمينَ، وحاربوا معهم، ولم تؤثر فيهم الدعايات، لأنهم كانوا يعيشون معهم، ويطبق عليهم نظامٌ واحدٌ، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، يأكل المسلمون من طعامِهِمْ، ويخوضون معتركَ الحياةِ معًا، فالإسلامُ ضمن لهم جميعَ حقوقِهم، وسار على العملِ بذلك الخلفاءُ والحكامُ، وقد قال الفقهاء: «يجب إخلاص النصح لهم في جميع أمورهم، ودفع من تعرض لإيذائهم، وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم ومصالحهم، وأن يفعل معهم كلُّ ما يحسن كريمِ الأخلاق أن يفعلهُ». وهذا كله جعل النصارى يدافعون طبيعيًّا مع المسلمين.
وكانت دهشةُ الصليبيين أعظمَ حين رَأَوْا أن الأمرَ الثاني لم يحققْ ظنّهم. لقد استولوا فعلًا على بلاد الشامِ وهزموا المسلمين شر هزيمة، واستعملوا أشد الفظائع، وكانوا أول من ابتدع عملية إجلاء المسلمين عن ديارهم. وساروا على ذلك أيضًا في جميعِ حروبهم مع المسلمين. وظلت هذهِ طريقتَهُمْ حتى الآن، كما حصل في فلسطين... وكانوا يظنون أن الأمرَ قد استتبّ لهم، وأنه لن تقومَ للمسلمين قائمةٌ. لكن المسلمين ظلوا مصممين على إخراجهم من بلادهم، وعلى الرغم من مكثهم مدة تقرب من قرنين، أقاموا فيها ممالك وإمارات في بلاد الشام، فإن المسلمين استطاعوا في النهايةِ أن يتغلّبوا عليهم ويطردوهم من ديارهم.
وقد بحثوا عن السر في ذلك كله فوجدوه في الإسلام, لأن عقيدته هي منشأ هذه القوة العظيمة في المسلمين، وأحكامه بالنسبة إلى غير المسلمين ضمنت لهم حقوقهم، فنتج هذا التماسك بين الرعية، لذلك فكروا في طريقة أخرى يغزون بها العالم الإسلامي، فوجدوا أن خير طريقٍ هي سلوكُ الغزوِ الثقافي عن طريقِ التبشير ليكسبوا النصارى إلى جانبهم، وليثيروا شكوك المسلمين في دينهم، ويزعزعوا عقيدتَهُمْ.
ونفَّذوا ذلك بالفعلِ، فأسسوا في أواخر القرن السادس عشر مركزًا كبيرًا للتبشير في «مالطة»، وجعلوها قاعدة هجومِهم التبشيري على العالم الإسلامي، إذ منها كانت ترسل قواتُ التبشير، فإنهم بعد أن استقر بهم المقامُ ومكثوا مدّة، شعروا بضرورةِ مدِّ نشاطِهِمْ، فانتقلوا إلى بلادِ الشام سنة 1625م، وحاولوا إيجاد الحركات التبشيرية، غير أن نشاطهم كان محدودًا جدًّا، لم يتعد تأسيس بعض المدارس الصغيرة، ونشر بعض الكتب الدينية. وعانوا مشقات كبيرة من اضطهاد، ولا إعراض ومحاربة من الجميع. إلّا إنهم ثبتوا حتى سنة 1773م، حيث ألغيتِ الجمعيات التبشيريةُ لليسوعيين، وأغلقتْ مؤسساتُهم ما عدا بعض الجمعياتِ التبشيريةِ الضعيفةِ كجمعيةِ المبشرين العازاريين. وعلى الرغم من وجودها فإن أثرَ المبشرين والتبشير انقطع، ولم يعد لهم وجودٌ إلّا في مالطة حتى سنة 1820م، حيث أسس أول مركز للتبشير في بيروت، وبدا نشاطُهُمْ فيها فلاقَوْا صعوباتٍ كثيرةً، وعلى الرغم من هذه الصعوباتِ فإنهم استمروا في عملهم. وكانت عنايتهم الأولى منصرفةً إلى التبشير الديني والثقافة الدينية، وعنايتهم بالتعليم ضعيفة، وفي سنة 1832م انتشرتِ البعثاتُ التبشيرية في جميع بلادِ الشام، ففتحت كليّة في قرية عينطورة في لبنان، ونقلت الإرساليةُ الأميركيةُ مطبعتها من مالطة إلى بيروت، لتقوم بطبع الكتب ونشرها. ونشط المبشر الأميركي المشهور (إيلي سميث) نشاطًا ظاهرًا، وفتح هو وزوجته مدرسة للإناث، واتسع المجال أمامه، وكان قيام إبراهيم باشا بتطبيق برنامج للتعليمِ الابتدائي في سوريا ـــــــ مستوحى من برنامج التعليمِ الموجودِ في مصر، المأخوذِ عن برامجِ التعليمِ في فرنسا ـــــــ فرصة لهؤلاء المبشرين، فاغتنموها وساهموا في الحركة التعليميةِ من وجهةِ النظر التبشيريةِ، ثم شملت حركةَ الطباعة. وبذلك نشطَت الحركة التبشيرية، وشاركت في الحركة التعليمية مشاركة ظاهرة.وقد استطاعوا بنشاطِهِم هذا أن يوغروا الصدورَ بين الرعايا باسم الحرية الدينية. وأوجدوا بين المسلمين والنصارى نشاطًا دينيًّا يتّصل بالعقيدة. وحين انسحب إبراهيم باشا سنة 1840م من بلاد الشام، انتشر القلقُ والفوضى والاضطرابُ فيها، وانقسم الناسُ على أنفسهِمْ واغتنم الموفدون الأجانبُ فرصة ضَعْفِ نفوذ الدولة العثمانية في البلادِ وأخذوا يُشْعِلونَ نارَ الفتنة. وما إن مرَّت سنة وحلت سنة 1841م حتى وقعت اضطراباتٌ خطيرةٌ في جبل لبنان بين النصارى والدروز استفحل شرها، حتى اضطرت الدولة العثمانية بتأثير ضغطِ الدولِ الأجنبية أن تضع للبنان نظامًا جديدًا تقسمه فيه قسمين: يسود النصارى في قسم منه، ويسود الدروز في القسم الآخر، وتعين حاكمًا للقسمين: وأرادت بذلك أن تتفادى الاحتكاك بين الطائفتين. غير أن هذا النظام لم ينجح، لأنه لم يكن طبيعيًّا. وقد تدخلت كل من إنكلترا وفرنسا في هذا الخلاف، وكانتا تشعلان نار الفتنة كلما حاول القائمون على الأمر إخمادها. وأخذ الإنكليز والفرنسيون يتخذون هذا الاحتكاكَ بين الطوائف ذريعةً للتدخلِ في شؤونِ بلادِ الشام.
في شهر تموز 1860م هبت موجة شديدة من البغضاء بين المسلمين والنصارى أدت إلى مذابح كثيرة. وقد صاحبَ تلك المذابحَ شيءٌ من الخريبِ والتدميرِ والاضطراب، مما اضطر الدولة لوقف الفتنة بالقوةِ. وعلى الرغم من أن الاضطراباتِ خمدت وكادت تنتهي، فإن الدولَ الغربيةَ رأت ألّا تضيع هذه الفرصة التي تتيح لها التدخلَ، فأرسلت البوارجَ الحربية. وفي شهر آب 1860 أرسلت فرنسا حملة برية من الجيش الفرنسي، نزلت في بيروت، وأخذت تعمل على إخماد الثورة، كما أنهم خلقوا فتنةً في سوريا، لتكون بابًا لتدخلهم، فتدخلوا وأجبروا الدولة العثمانية، على أن تخضع لوضع نظام خاص لسوريا، يقسمها ولايتين، وأن تمنحَ لبنانَ امتيازاتٍ خاصةً، ففصلت لبنانَ عن سائرِ أجزاءِ البلادِ الشامية ومنحته استقلالًا ذاتيًّا، يتمتّعُ فيهِ بنظامٍ محليّ للإدارةِ، على رأسهِ حاكمٌ مسيحيٌّ، ويعاونه مجلَسٌ إداري يمثل السكان.
ولم يقتصر أمر الاهتمام بالغزوِ التبشيريّ باسم الدين والعلم على أميركا وفرنسا وبريطانيا، بل شمل روسيا القيصرية، فقد أرسلتْ بعثات تبشيريةً، كما أمت بلاد الشام بعثة بروسية (ألمانية) مؤلفة من راهبات (كابزرودت) ساهمت مع باقي البعثات. وعلى الرغم من تباين وجهات النظر السياسية بين البعثاتِ التبشيرية، بالنسبةِ إلى منهجها السياسيّ، باعتبارِ مصالحهم الدولية، فإنها كانت متفقةً في الغاية وهي بعثُ الثقافةِ الغربيةِ في الشرقِ، وتشكيك المسلمين في دينهم، وحملهم على الامتعاض منه، وعلى احتقار تاريخهم، وتمجيد الغرب وحضارته. كل ذلك مع بغض شديد للإسلام والمسلمين، واحتقارهم واعتبارهم برابرةً متأخرينَ، كما هو رأيُ كلّ أوروبي، وقد توصلوا إلى نتائج كانت السبب بما نراه من تركيزِ الاستعمارِ الثقافي والاقتصادي والسياسي في البلاد.
وإليكم ما شهد به بعضُ العلماءِ الأوروبيين أنفسهِمْ:
يقولُ العالمُ الفرنسيُّ الكونت هنري دكاستري في كتابه (الإسلام) سنة 1896م ما نصه: (لست أدري ما الذي يقولُهُ المسلمون لو علموا أقاصيصَ القرونِ الوسطى، وفهموا ما كان يأتي في أغاني المغنين المسيحيينَ، فجميعُ أغانينا حتى التي ظهرت قبلَ القرنِ الثاني عشر ميلادي صادرة عن فكر واحد، كان السبب في الحروب الصليبية. وكلّها محشوة بالحقد على المسلمينَ للجهلِ الكلي بديانتهم، وقد نجم عن تلك الأناشيد تثبيت هاتيك القصص في العقولِ ضد ذلك الدين، ورسوخ تلك الأغلاط في الأذهان. ولا يزالُ بعضها راسخًا إلى هذهِ الأيام. فكلُّ منشد كان يعد المسلمين مشركين غير مؤمنين وعبدة أوثان مارقين).
ويقول الأستاذ ليبولد فايس في كتابه «الإسلام على مفترق»: (إن النهضةَ أو إحياءَ العلومِ والفنون الأوروبية باستمدادِها الواسعِ من المصادرِ الإسلاميةِ والعربيةِ على الأخصّ كانت تعزى في الأكثر إلى الاتصال المادي بين الشرق والغرب، لقد استفادت أوروبا أكثرَ مما استفاد العالمُ الإسلامي، لكنها لم تعترف بهذا الجميلِ، وذلك بأن تنتقص من بغضائها للإسلام، بل كان الأمرُ على العكس، فإن تلك البغضاءَ قد نمت مع تقدمِ الزمن، ثم استحالت عادةً، ولقد كانتْ هذه البغضاءُ تغمر الشعورَ الشعبي كلما ذكرت كلمة (مسلم)، ولقد دخلت في الأمثال السائرةِ عندهم حتى نزلت في قلبِ كل أوروبي رجلًا كان أمْ امرأة. وأغربُ من هذا كلِّهِ أنها ظلّتْ حيّةً بعد جميع أدوارِ التبدلِ الثقافيّ، ثم جاء عهدُ الإصلاحِ الديني حين انقسمت أوروبا شيعًا، ووقفت كل شيعةٍ مدجّجةً بسلاحها في وجهِ كلِّ شيعة أخرى. لكن العداءَ للإسلام كان عامًّا فيها كلها. وبعدئذٍ جاء زمنٌ أخذ الشعورُ الديني فيه يخبو، لكن العداءَ للإسلام استمر وأن من أبرزِ الحقائقِ على ذلك أن الفيلسوف والشاعرَ الفرنسي فولتير، وهو من ألدِّ أعداءِ النصرانية وكنيستها في القرن الثامن عشر، كان في الوقتِ نفسه مبغضًا مغاليًا للإسلام ولرسولِ الإسلام، وبعد بضعةِ عقود جاء زمن أخذ علماءُ الغربِ يدرسون الثقافات الأجنبية ويواجهونها بشيءٍ من العطف. أما فيما يتعلق بالإسلام فإن الاحتقارَ التقليديّ أخذ يتسلل في شكل تحزب غير معقول إلى بحوثهم العلمية، وبقي هذا الخليج الذي حفره التاريخ بين أوروبا والعالم الإسلامي غير معقود فوقه بجسر، ثم أصبح احتقار الإسلام جزءًا أساسيًّا في التفكير الأوروبي).
ويقول فايس أيضًا: «والواقع أن المستشرقين الأولين في الأعصر الحديثة كانوا مبشرين نصارى، يعملون في البلاد الإسلامية، وكانت الصورةُ المشوهة التي اصطنعوها من تعاليمِ الإسلام وتاريخِهِ مدبرةً على أساسٍ يضمنُ التأثيرَ في موقفِ الأوروبيين من الوثنيين ـــــــ يعني المسلمين ـــــــ غَيْرَ أنَّ هذا الالتواء العقليِّ قد استمر، مع أن علومَ الاستشراقِ تحررت من نفوذِ التبشيرِ ولم يبقَ لعلومِ الاستشراقِ هذه عذر من حميَّةٍ دينيّة جاهليةٍ تسيء توجيهها. أما تحاملُ المستشرقين على الإسلام فغريزة موروثة تقوم على المؤثراتِ التي خلقتها الحروب الصليبية».
هذا العداءُ الموروثُ لا يزال هو الذي يؤجّجُ نارَ الحقْدِ في نفوسِ الغربيين على المسلمينَ، ولا يخفى على أحدٍ الدعم والتأييد التام لإسرائيلَ منذ زرعِها من قبل بريطانيا في فلسطين حتى نشأتها التي أحرزت التأييد العالمي على أشلاء مئات ألوف المسلمين وبؤسهم. وأخيرًا ما حصل في الخامس من حزيران 1967 ولا يزال من دعمٍ وتأييد حكومات وشعوب أوروبا بأسرها، لا حبًّا بإسرائيل وباليهود، بل كرهًا بالإسلام والمسلمين.
وإنك لَتَجِدُ الغربي يبحث المجوسية والهندوكية والشيوعية فلا تجد في بحثه أي تعصبٍ أو بغضاء، في حين أنك تجدُهُ حين يبحثُ الإسلامَ تظهرُ عليه علاماتُ الحقد والكراهية، بعكس النصارى العرب، فإنهم أقبلوا على الإسلام يدرسونه دراسةً عميقةً وعلى اللغة العربيةِ يجتهدون فيها.


3 ـــــــ نتائج الغزو التبشيريّ:
كانت هذهِ الغزواتُ التبشيريةُ هي الطلائع التي مهدت الطريق للاستعمارِ الأوروبي ليستولي على العالم الإسلامي سياسيًّا بعد أن تمكن منه ثقافيًّا، فالاستعمارُ في مدارسِهِ قبلَ الاحتلالِ وبعدَهُ قد وضع بنفسه مناهجَ التعليمِ والثقافةِ على أساس فلسفته وحضارته. ثم جعل الشخصية الغربية الأساس الذي تنتزعُ منه الثقافةُ، كما جعل تاريخهُ ونهضتَهُ وبيئتَهُ المصدَر الأصليّ لما نحشو به عقولَنا. ولم يكتفِ بذلك، بل تدخل في تفصيلات المناهجِ حتى لا تخرج جزئية من جزئياتها عن فلسفته وحضارته. وكان ذلك عامًّا حتى في دروس الدينِ الإسلامي والتاريخ، فإن مناهجهما بنيت على الأساس الغربي، فالدينُ الإسلامي يعلمُ في المدارس الإسلاميةِ مادةً روحيةً أخلاقيةً، كما هو مفهوم الغرب عن الدينِ، فحياةُ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم تدرس لأبنائنا منقطعةَ الصلةِ عن النبوةِ والرسالةِ، وتدرس كما تدرّس حياةُ بسمارك ونابليون مثلًا، ولا تثير في نفوسِهِمْ أي مشاعرَ أو أفكار. ومادة العبادات والأخلاق تعطى من وجهة النظر النفعيةِ المادية الدنيويَّة فقط كتعليل الصيام بما فيه من منافع صحية بعيدًا عن الأمر الرباني بذلك، والتاريخُ الإسلاميُّ تلصق به المثالبُ التي يخترعُها أعداء الإسلام بدافع من سوءِ القصد، وسوءِ الفهم، ويوضعُ ذلك بإطارٍ أسودَ تحت اسمِ «النزاهةِ التاريخيةِ والبحث العلميّ» ونبت من غرس المدارس التبشيرية تلك نابتة من المسلمين المثقفين تُعلم التاريخ وتؤلِّف فيه على الأسلوب والمنهج التبشيريين. وبذلك صار أكثر المثقفين أبناء الثقافةِ الغربيةِ وتلاميذها. وصار المسلمون يستمرئونَ هذه الثقافةَ ويتعشقونها ويتجهون في الحياةِ طبق مفاهيمها، حتى صار الكثيرون منهم يستنكرون الثقافةَ الإسلاميةَ إذا تناقضت مع الثقافةِ الغربيةِ، وصاروا يعتقدون أن الإسلام والثقافةَ الإسلاميةَ هما سببُ تأخرِهِمْ وتخلُّفهم عن ركب الحضارة التي يقودها الغرب، وسبب اعتقادهم هذا أن الغزو الثقافي الغربي لبلاد المسلمين جاءهم بهذه المفاهيم التي تنطبق على واقع المجتمع الغربي المقيد بقيود الكنيسة وتعاليمها الجامدة، فتلقفوها من دون فهم أو إدراك وقاسوا الإسلام على غيره فوصلوا إلى هذه النتيجة المنكرة.
وبهذا نجحت الحملاتُ التبشيريةُ نجاحًا منقطع النظير حين ضمت إليها الفئة المثقفة من المسلمين وجعلتها في صفوفِها تحاربُ الإسلامَ وثقافَتَهُ.
وقد تجاوزت الحالُ أمرَ المثقفين في المدارسِ الأجنبيةِ إلى أولئك الذين يحملونَ الثقافةَ الإسلاميةَ. فقد هالهم أن يهاجِمَهُم الاستعمارُ الغربيُّ في الطعنِ على دينِهِمْ فصاروا يردون هذا الطعن مستعملين كل ما تصل إليه أيديهم سواء أكان هذا الردُّ صحيحًا أم فاسدًا، وسواء أكان ما يطعن به الأجنبي إسلامهم، أم مكذوبًا عليه، وكانوا في ردِّهم قد سلموا بجعل الإسلام متهمًا ثم أوَّلوا نصوصَهُ بما يتفقُ مع مفاهيم الغربِ، وهكذا صاروا يردون الهجماتِ ردًّا مضطربًا كان مساعدًا للغزوِ التبشيري أكثرَ مما كان رادًّا له. والأنكى من ذلك أن الحضارة الغربية المناقضة لحضارتِهِم صارت من مفاهيمهم التي يتقبلونها وينسبونها زورًا وبهتانًا للإسلام، وغلب على الكثيرين منهم أن يقولوا إن الغرب أخذ حضارتَهُ عن الإسلام، وصاروا يؤوّلون أحكامَ الإسلامِ وَفْقَ هذهِ الحضارةِ مع التناقضِ المطلقِ الذي بين الإسلام والحضارةِ الغربيةِ، هذا بالنسبة لجمهورِ الشعبِ وللمثقفين ثقافةً إسلامية وأجنبية.
أما بالنسبة لرجالِ السياسةِ فإن البلاء فيهم أعمُّ، والمصيبةَ أكبرُ، إذ إن هؤلاء الساسةَ منذ أن جمعهم الاستعمارُ، وأغراهم بالقيام ضد الدولة العثمانية ومنَّاهم ووعدهم ـــــــ وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا ـــــــ فإنهم منذ ذلك الحين يسايرون الأجنبيّ ويسيرون وفق ما يرسمُ لهم من خططٍ، ففي أيام الدولةِ العثمانية، انحازوا إلى الأجنبيّ، وظاهروه على دولتهم، وهو أمرٌ لا يجيزُهُ الإسلامُ لكنهم فعلوه، وأنهم في ذلك الوقتِ بدل أن يحاربوا الفئة الحاكمةَ لإصلاحِ الدولةِ، ساروا مع عدوّها وعدوّهِم، حتى كانت النتائجُ المريرة في استيلاء المستعمرِ على بلادهم. ثم صاروا بدل أن يستعينوا بالشعب على هذا المستعمر، استعانوا به على الشعب. وقد تأثروا به إلى حد أفقدهم شخصيتهم الإسلامية، وسمّمت أفكارهم بآراء سياسية وفلسفية مما أفسد عليهم وجهةَ نظرِهم في الحياةِ وفي الجهاد، وترتب على ذلك إفساد الجو الإسلامي برمَّته، وبلبلة الأفكار بلبلة ظاهرة في مختلف نواحي الحياة.
فقد جعلوا بدل الجهادِ المفاوضة، وآمنوا بقاعدةِ «خُذْ وطالبْ» ـــــــ وجعلوا محطَّ أنظارِهِم الاستعانةَ بالمستعمر والاتكال عليه، من دون أن يعوا أن كل استعانة بالمستعمر تُعدّ انتحارًا سياسيًّا، ورضوا أن يعملوا للإقليمية الضيقة، ويجعلوها مجالَ عملهم السياسي، ولم يتبينْ لهم أن هذهِ الإقليمية هي التي تجعلُ العمل السياسيّ عقيمَ الإنتاجِ، لعدم إمكانِ الإقليمية ـــــــ مهما اتسعتْ بلادُ الإقليمِ ـــــــ أن تنهضَ بالأعباءِ السياسيةِ والاقتصاديةِ والعسكريةِ التي تتطلبها الحياة الصحيحة.
ولم يكتفوا بذلك كلِّهِ، بل جعلوا مركزَ تَنَبُّهِهِمُ الفرديّ مصالحهم الفردية ومركز تنبههم العام الدول الأجنبية، وبذلك فقدوا مركزَ التنبه الطبيعي وهو مبدؤهم ـــــــ وبفقدانِهم مركز التنبهِ الطبيعي فقدوا إمكانية نجاح مسعاهم، مهما أخلصوا فيه، وبذلوا من مجهود. لذلك صارت جميع الحركات السياسية حركات عقيمة، وصارت كل يقظة في الأمة تتحول إلى حركة مضطربة متناقضة تشبه حركة المذبوح تنتهي بالخمود واليأس والاستسلام. وذلك أن قادةَ الحركاتِ السياسيةِ فقدوا مركز تنبهِهِمُ الطبيعيّ، فصار طبيعيًّا أن تفقدَ الأمةُ هذا المركزَ التنبهي لها.وهكذا سممت أفكارُ السياسيين بالآراء المغلوطة، والمبادئ الأجنبية، إذ قامت في البلادِ الإسلاميةِ حركات باسم القومية والاشتراكية، وباسم الوطنية والشيوعية، وباسم الدين الروحي المفصول عن مجالاته الأخرى، وباسم التعليم والإرشاد، وكانت هذه الحركاتُ عقدةً جديدةً في المجتمع تضافُ إلى العقدِ الأخرى التي يرزح تحت عبئِها. وكانت نتيجتُها الإخفاق والدورانَ حولَ نفسِها، لأنها سارتْ وَفْقَ مفاهيمِ الحضارةِ الغربيةِ، متأثرةً بالغزوِ التبشيريِّ فضلًا عن أنّها نفَّست عواطف الأمةِ فيما لا ينفع، ولا يأتي بخيرٍ، ومكَّنت للاستعمار من التركّزِ والبقاء.
وهكذا كان نجاحُ الغزوِ التبشيري نجاحًا منقطعَ النظيرِ...


4 ـــــــ الجمعيات والحركات السرية:
تُعدّ الجمعيات والحركات وجهًا من وجوه العمل المعادي للإسلام، إذ لم يكتف أعداء الإسلام بموجات الغزو التبشيري عن طريق إنشاء المدارس ودور التبشير والمطابع ودور الاستشفاء بل تعدَّوْا ذلك إلى تأسيس الجمعيات، ففي سنة 1842م تشكلت لجنة لتأسيس جمعية علمية برعاية الإرسالية الأميركية وفق برنامجها. وقد سارت هذه اللجنة في طريقها مدة خمس سنوات حتى تمكنت في سنة 1847م من تأسيس جمعية سمّتها (جمعية الفنون والعلوم) وكان أعضاؤها ناصيف اليازجي، وبطرس البستاني من لبنان، إيلي سميث وكورنيليوس فان ديك من الأميركان، والكولونيل تشرشل من الإنكليز، وعلى الرغم من نشاط رجال هذه الجمعيةِ وبذلِ جهودهم الجبارة فيها، فإنه لم ينتسب إليها خلال عامين سوى خمسين عضوًا عاملًا من جميع بلاد الشام، كلّهم نصارى، وأكثرهم من سكان بيروت، ولم يدخل في الجمعية من المسلمين أي عضو مطلقًا. وماتت الجمعية بعد خمس سنوات من تأسيسها، من دون أن تترك إلا أثرًا واحدًا، هو الرغبةُ عند المبشرين في تأسيسِ الجمعيات. لذلك أسست جمعية أخرى سنة 1850م باسم (الجمعية الشرقية) أسسها اليسوعيون برعاية الأب اليسوعي الفرنسي (هنري دوبرونير) وسارت على منهاج جمعية العلوم والفنون، وماتت بعد موت الجمعية الأولى بقليل، ثم تأسست عدةُ جمعيات كانت كلها تصاب بالإخفاق التام. حتى تشكلت سنة 1857م جمعية على أسلوب جديد، روعي فيها ألّا يدخلها أحدٌ من الأجانب مطلقًا، فقد كان مؤسسوها كلهم من العرب. وبذلك أتيح لها أن توفق في أن تضم بين أعضائها بعض المسلمين الذين أخذتهم بصفتهم عربًا. وتأسستْ (الجمعية العلمية السورية) واستطاعت بفضل نشاطها وظهورها بالمظهر العربي، وعدمِ وجود أيِّ عضو فيها من الغربيين، أن تؤثر في الناس، حتى انتسب إليها عددٌ كبيرٌ بلغ مئة وخمسين عضوًا. وكان بين أعضاءِ إدارتها شخصياتٌ بارزة من العرب، منهم محمد أرسلان من الدروز، وحسين بيهم من المسلمين، وانضم إليها كذلك من كل طائفة من نصارى العرب. ومن أشهرهم إبراهيم اليازجي وابن بطرس البستاني. وهذه الجمعيةُ عاشت مدةً أطول من الجمعيات التي سبقتها. وكان من برنامجطها التوفيقُ بين الطوائف، وبعثُ القومية العربية في النفوس.
ثم في سنة 1875م تألفت في بيروت جمعية سرِّية، وأخذت هذه الجمعية تركز نفسها في فكرة سياسية، فأخذت تبعث فكرة القومية العربية. والذين قاموا بتأسيسها هم خمسة شبان من الذين تلقوا العلم في الكلية البروتستانتية في بيروت، وبعد مدة استطاعوا أن يضموا إليهم عددًا قليلًا وبدأت تدعو هذه الجمعية عن طريق المنشورات وغيرها إلى استقلال العرب السياسي، وخصوصًا في سوريا ولبنان. وإلى القومية العربية، وتثير العداء للدولة العثمانية وتسميها (التركية) وتعمل على فصل الدين عن الدولة وجعلِ القومية العربية هي الأساس. والذي يجزم به من تتبع تاريخ هذه الحركات أن الغربيين همُ الذين أنشأوها، وأنهم كانوا يراقبونها، ويُشرفون عليها، ويهتمون بها، ويكتبون تقاريرهم عنها. من قبيل ذلك ما كتبه قنصل بريطانيا في بيروت بتاريخ 28 تموز 1880م برقية بعثها إلى حكومته، ونصها: (ظهرت نشرات ثورية يشتبه أن يكون مدحت مصدرًا لها، مع ذلك يسود الهدوء. التفاصيل بالبريد). وكانت هذه البرقيةُ إثر توزيع الجمعية المذكورة منشورات لها في الشوارع ولصقها على الجدران في بيروت. وقد تبعت هذه البرقية عدة رسائلَ من القناصل البريطانيين في بيروت ودمشق. وكانت هذه الوسائلُ ترفق بنسخٍ من النشرات التي كانت توزعها الجمعية. وكانت بمنزلة تقاريرَ عن هذه الحركةِ التي ولدت في الكلية البروتستانتية، وأخذت تعمل في بلاد الشام...
وكان العمل بارزًا في بلاد الشام وإن كان موجودًا في جهة أخرى من البلاد العربية، يدل على ذلك أن المعتمد البريطاني في جدة كتب إلى حكومته سنة 1882م كتابًا عن الحركةِ العربية جاء فيه: (إلا إنه قد وصل إلى علمي أن بعض الأذهان حتى في مكة نفسها، أخذت تتحرك بفكرة الحرية، ويلوح لي بعد الذي سمعته من تلميحٍ، أن هنالك خطة مرسومة، ترمي إلى توحيد نجد مع بلاد ما بين النهرين أي جنوب العراق وتنصيب منصور باشا عليها، وتوحيد عسير مع اليمن وتنصيب علي بن عابد عليها) ولم يقتصرِ الاهتمامُ بها على إنكلترا، بل إن فرنسا كذلك كانت مهتمة إلى حد بعيد، ففي سنة 1882م كتب أحد الفرنسيين الذين كانوا في بيروت ما يدل على مبلغ اهتمام فرنسا فقد قال: (إن روح الاستقلال منتشرةٌ انتشارًا كبيرًا. وقد رأيت شباب المسلمين خلال إقامتي في بيروت منهمكين بتشكيل الجمعيات العاملة على تأسيس المدارسِ والمستشفيات والنهوض بالبلاد، ومما يلفت النظر في هذه الحركة أنها محررة من أيِّ أثر للطائفية، فإن هذه الجمعيةَ تستهدفُ قبولَ النصارى بين أعضائها، والاعتمادَ على معاونتهم في العمل القومي).وكتب أحد الفرنسيين من بغداد: «لقد كان يواجهني في كل مكان، وبالنسبة نفسها، ذلك الشعور العام المستقر «كراهية الترك» ويلوح في الأفقِ البعيد طيفُ حركة عربية ولدت حديثًا وسيقومُ هذا الشعب الذي كان مغلوبًا على أمره حتى الآن بالمطالبة عما قريب بمركزه الطبيعي في عالم الإسلام، وفي توجيه مصير هذا العالم».
وكذلك نشطت «الحركة الماسونية» أي: «جمعية البنائين الأحرار» وفروعها مثل ناديي «الروتاري» و«الليونز» التي عملت على استدراج عدد كبير من أبناء المسلمين وأغرتهم بالمال والجاه وجندتهم في صفوفها واستخدمتهم بالتالي لضرب الإسلام وشق المسلمين من الداخل، ومن هؤلاء أكثر الحكام في بلاد المسلمين ـــــــ والعرب بخاصة ـــــــ الذين تعاملوا مع الدولة اليهودية بأسلوب مكّن لها عدوانها على جزء من بلاد المسلمين في فلسطين وأظهر اليهود بمظهر القوي الغالب الذي لا يقهر. والواقع أن اليهود لا عزيمة لهم في الحرب ولا شجاعة لديهم في القتال وخصوصًا في مواجهة المسلمين، وبالعودة إلى كتب الماسونية وناديَي الروتاري والليونز يظهر جليًّا الهدف المعادي للإسلام الذي تعمل هذه التجمعات من أجله، ويظهر أيضًا الأشخاص ـــــــ وهم من علية القوم ـــــــ الذين جنّدتهم لتحقيق أهداف اليهود والقضاء على كيان الأمة الإسلامية ووحدتها وفكرها.
5 ـــــــ جعل السلطة بأيدي العملاء:
منذ أن احتل المستعمر بلاد المسلمين، قام بتثبيت حكمه لها على الأسس التي رسمها، فقد احتل البلاد التي كانت تخضع لحكم الدولة العثمانية سنة 1918، وأقام فيها الأحكام العسكرية حتى سنة ،1922 فركّز حكمَهُ باسم الانتداب في بعضها، وباسم الاستقلال الذاتي في بعضها الآخر، حتى جاءت سنة 1924، وفي تلك السنة قامت أعمالٌ عدةٌ أجهز بها المستعمر ولا سيما بريطانيا على كل ما فيه شبهة تمتُّ إلى رجوع الإسلام، ففي تلك السنة ألغى مصطفى كمال الخلافة من الدولة العثمانية بتأثير من المستعمر، وجعل تركيا جمهورية ديمقراطية، فقضى على الخلافة حتى يقضي على آخر أمل في رجوع الدولة الإسلامية. وفي تلك السنة أُخرج الحسين بن علي من الحجاز وحبس في قبرص لأنه كان يطمعُ في الخلافة، وفي تلك السنة تدخُل الإنكليز بوساطة عملائهم في مؤتمرِ الخلافة الذي كان معقودًا في القاهرة وعملوا على فضّه وإخفاقه. وفي تلك السنةِ أخذ الإنكليز يعملون على إلغاء جمعية الخلافة في الهند، وإحباط مساعيها، وتحويل تيارها إلى الناحية الوطنية والقومية.
وفي تلك السنة وما يليها قامت في البلاد العربية مجادلاتٌ عقيمة حول موضوعين هما: هل الجامعة العربية أصلح أم الجامعة الإسلامية؟
واشتغلت الصحف والمجلات مدة في هذا الموضوع. مع أن كلًّا من الجامعة الإسلامية والجامعة العربية لا تتفق مع المبدأ الإسلامي، ولأنها تحول دون وَحْدَة المسلمين، وتصرف أذهانهم عن فكرةِ الخلافة، وفكرةِ حكمِ الإسلام، وكانت أخيرًا «جامعة الدول العربية» التي هي في الواقع إسفين خطير فرّق بين بلاد العرب، وفتت الشعب العربي نواة الأمة الإسلامية، ولم تكن «جامعة الدول العربية» جامعة للشمل كما توهم بعضهم، بل كانت تكريسًا للانقسام وتعميقًا للهوة بين العرب أنفسهم. وكان الاستعمارُ قبل احتلالِهِ، قد أخذ يُشيعُ بين شبابِ الترك ألفاظَ القومية التركيةِ، وأن تركيا تحمل عبء الشعوب غير التركية، وأنه آن لها أن تتخلى عن هذه الشعوب. وألّفَتْ أحزاب سياسية للعمل من أجل القومية التركية واستقلال تركيا عن البلاد الأخرى. وأخذ يشيع بين شباب العرب ألفاظَ القومية العربية، وأن تركيا دولةٌ مستعمرة، وأنه آن الأوان للعربِ لأن يتخلصوا من نير الاستعمار التركي، وقد ألّفت الأحزاب السياسية للعمل من أجل الوحدة العربية واستقلال العرب.
وما إن جاء الاحتلال، حتى أخذ المستعمر المحتل يشيع ألفاظ القومية، وأخذت تحل محل الإسلام، فاستقل الأتراك، على أساس قومي وطني، وأخذ العربُ يعملون للحكم الذاتي على أساس قومي وطني، وشاعت كلمةُ القومية الوطنية وملأت الأجواء، وصارت هي موضع الفخرِ والاعتزاز.
ولم يكتفِ الاستعمار بذلك بل أشاع المفاهيم المغلوطةَ عن الحكمِ في الإسلام وعن الإسلام، حتى صار المسلمون يخجلونَ من ذكرِ كلمة خليفة. ووجد بين المسلمين عرف عام بأن أمر المطالبة بالخلافة تأخّرٌ وجمود، لا يجوز أن يصدرَ من مثقف ولا يقول به مفكر.
وفي هذه الأجواءِ القومية والوطنية قسم العدو البلاد الإسلامية دويلات وأقام على كل دويلة نظامًا وحاكمًا تابعًا لنفوذه يأتمر بأمره ويصدر عن رأيه ويطبق ما من أجله جيء به إلى سدة الحكم ألا وهو: «القضاء على الإسلام» بمختلف الوسائل ومختلف الأساليب، وعلى هذا الأساس قامت الدولة التركيةُ، والدولة العراقية والدولة الإيرانية والدولة المصرية والدولة السورية إلخ. ثم أقام في فلسطين وطنًا لليهود تحول في ما بعد إلى كيان قومي مستقلٍّ باسْمِ «دولة إسرائيل» ليكون رأس جسرٍ له ويُشْغلَ به المسلمون عن الدول الغربية كبريطانيا وأميركا وفرنسا. وبذلك ركز الوضع الجغرافي، والأجواء العامة، تركيزًا يحولُ دونَ تحريرِ المسلمين.
وقام العدو من خلال عملائه في قسم من بلاد المسلمين بتطبيق النِّظام الرأسمالي في الاقتصاد، والنِّظام الديمقراطي في الحكم، والقوانين الغربية في الإدارة والقضاء وقام في القسم الآخر بتطبيق مظاهر أنظمة اشتراكية أو شبيهة بالنظام الاشتراكي. ولم يكتف بذلك بل جعل في نفوسِ أهلِ البلادِ المحافظةَ على النِّظام الذي أقامه، إذ عدّ أهل كل إقليم من هذه الأقاليم إقليمهم فقط دولة، وصاروا يفهمون وجوب استقلاله عن غيره من الأقاليم، وصار العراقي في تركيا أجنبيًّا، والسوري في مصر أجنبيًّا.. إلخ.
وقامت إلى جانب ذلك المناهجُ السياسيةُ الغربيةُ في البلاد الإسلامية كافةً، وصار العرف العام عند المثقفين هو فصلَ الدين عن الدولة، وعند عامة الشعب فصل الدين عن السياسة، وكان من جرّاء ذلك أن وجدت فئاتٌ من المثقفين تزعمُ أن سبب تأخر المسلمين هو تمسّكهم بالدينِ، وأن الطريقَ الوحيدَ للنهضة هو القوميةُ والعمل بها. كما وجدت فئات تدعي أن سبب تأخر المسلمين هو الأخلاق. فقامت على الأساسِ الأولِ تكتلاتٌ حزبية سياسيًّا تعمل اسميًّا للقوميةِ والوطنية، وتُعدّ العمل على أساس الإسلام دسيسةً استعمارية، وتُعدّها رجعية وجمودًا يؤدي إلى التأخر والانحطاط. كما قامت على الأساس الثاني تكتلات جمعية على أساس الأخلاق والوعظ والإرشاد، وصارت تعمل للفضيلة والخلق، واشترطت على نفسها ألّا تتدخل في السياسة.
وبذلك كانت هذه الأحزابُ والجمعيات الحائِلَ العمليّ الذي صرف الأذهان عن العمل السياسي الواجب شرعًا إلى العمل الأخلاقي فقط الذي هو نتيجة حتمية لتطبيق المسلم أحكامَ الإسلام.
وقامت إلى جانب المناهج السياسية القوانينُ التي تحفظ هذه المناهجَ وتؤمن تنفيذها، فقد سنت قوانين تحول دون قيامِ أحزابٍ أو حركات سياسية إسلامية، وعدّت تلك القوانين، في مجموعها، المسلمين طائفةً من الطوائفِ، ثم تضمنت تلك القوانين نصوصًا مؤدّاها أنه يشترط في الأحزاب والحركات السياسية أن تكون نظمها ديمقراطية، وألّا تحصر عضويتها عمليًّا في طائفة. ومعنى ذلك أنه لا يجوزُ أن تنشأ في البلاد الإسلامية أحزابٌ أو حركات سياسية إسلامية. وأن المسلمين لا حق لهم إلا بالجمعيات الخيرية وما إليها. وعُدّت بعضُ القوانين القيامَ بالأحزاب السياسية الإسلامية جُرمًا يعاقب عليه.
ولم يكتف الاستعمار بذلك، بل شجع المؤتمرات الإسلامية لتكونَ إلهيات للأمة الإسلامية، فكانت هذه المؤتمرات تتخذ القرارات وتنشرها بالصحف ودُور الإذاعة لمجرّدِ النشر من دون أن ينفذ منها شيء، بل من دون أن يسعى لتنفيذ شيء منها، بل تبقى مقرراتُها حبرًا على ورق.


6 ـــــــ إضعاف اللغة العربية:
لقد اختار الله تعالى خاتم أنبيائه ورسله محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم عربيًّا صميمًا وهاشميًّا قرشيًّا من أكرم العرب وأصفاهم ذهنًا وأزكاهم نسبًا، وأنزل عليه القرآن الكريم بلسانٍ عربيٍّ مبين، فكان بديهيًّا أن ترتبط اللغة العربية بالإسلام لأنها لغة نبيِّه وبها نزل كتابه، ولا يُفْهَمُ الإسلام فهمًا صحيحًا إلا من خلال فهم اللغة والعلم الواسع بها.
من هنا أدرك أعداء الإسلام أن «اللغة العربية» أكبر أداة لفهم الإسلام، وأنه بحسن المعرفة بها يتمكن الإنسان من فهم الإسلام فهمًا أسلم وأوضح، وأن الجهل باللغة العربية يعني بالبديهة انعدام الفهم الصحيح للإسلام أو على الأقل تدنّي مستوى ذلك الفهم وضعفه. فعمدوا من خلال عملائهم في الداخل الذين سلّموهم زمام أمور المسلمين إلى برامج تعليم اللغة العربية وآدابها فضيّقوا المجال الذي ينبغي أن يحيط به الطالب منها، وألقوا في عقول الجيل أن اللغة العربية معقدة لا تفهم، وأنها صعبة عسيرة على العقل والذهن، بخلاف سائر اللغات في العالم، فتولّد لدى هذا الجيل نفور من اللغة العربية فاحتقروا مؤلفاتها المعتمدة ووصفوها بالكتب الصفراء المعقّدة إلخ... وباتت اللغات الأجنبية في نظرهم أهون وأجمل وأنفع لارتباط بعض وجوه الكسب بها، وانطلقت في بعض بلاد العرب دعوات إلى الاستغناء عن الإعراب الذي وضعه علماء اللغة المعتمدون، وإلى تغيير بعض المصطلحات، بل إن منهم من طالب بإلغاء نون النسوة من اللغة ومخاطبة النساء بما يخاطب به الرجال.
ومنهم من دعا إلى اعتماد اللهجات العاميّة بديلًا عن اللغة العربيّة الفصحى، وقد قويت هذه الدعوة في لبنان في السنوات الأخيرة، كما انطلقت دعوات إلى كتابة اللغة العربية بالحرف اللاتيني، وابتدعت أساليب عجيبة في الشعر سموها «الشعر المنثور» إلى غير ذلك من أساليب التخريب والعبث في أصول لغة عريقة تُعدّ من أكبر لغات العالم وأعظمها وأعرقها وأبقاها.
فترتب على ذلك إهمال عام في تلقّي علوم اللغة العربية فتدنّى مستوى العلم بها لدى السواد الأعظم من الناس، وهذا بلا شك انعكس سلبًا على فهم هؤلاء للقرآن والسنّة، وعلى إدراكهم لعظمة هذا الدين ومكانته السامية الرفيعة.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB