صفات الداعية وكيفية حمل الدعوة
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   226
تاريخ النشر :   1985




حركة التاريخ

وعلى حامل الدعوة أن يفقه حركة التاريخ
حركة التاريخ
الحركة ضد السكون؛ وهي التغيير المتصل الذي يطرأ على جميع الأجسام والأوضاع، فلا يشغل الجسم المتحرك مكانين في زمان واحد، وتكون لحركته سرعة معينة، هي عادة، النسبة بين المسافة التي يقطعها والزمان اللازم لقطعها.
والتاريخ في اللغة معناه تعريف للوقت. وتاريخ الشيء وقته وغايته - أما في الاصطلاح فإن التاريخ هو العلم الذي يبحث في الوقائع والأحداث الماضية، وإن كان كثير من الباحثين قد أعلنوا أن الحدث التاريخي لا يمكن أن تصنعه قوة واحدة، ولا أن يصدر عن طرف واحد، لأن أي حركة تاريخية يجب أن تكون نتاجًا مشتركًا بين أوامر الله ـــــــ سبحانه ـــــــ والإِنسان والطبيعة، بما فيها الزمن، وأن إغفال أي عنصر منها إنما هو جهل بالأسس الحقيقية لحركات التاريخ.
والتاريخ في حقيقته ليس إلاَّ ما دل على آثار الإِنسان، كفردٍ أو كأمة، إما على شكل مآثر أو على شكل مساوئ، كما أن المأثرة أو السيئة ليست إلاّ ما حفل به عمل الفرد أو الأمة أو الجنس البشري على طول امتداد وجوده الأرضي، فكانت من جراء ذلك تلك الحركة المتواصلة في كل شيء...
والقرآن الكريم يتناول الحركة الدائمة للإِنسان والنتائج المترتبة عليها، سواء صدرت عن الفرد أو عن الجماعة، ويعبِّر عن ذلك بكلمة واحدة هي: «الكتاب» كما في قوله تعالى: {اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإِسراء: 14]؛ وقوله تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49].
وسواء الآية الأولى التي تدلُّ على ثمرة العمل الفردي الواحد، أو الآية الثانية التي تدل على ثمرة العمل الجماعي، فكلتاهما تتعلقان بالإِنسان، وبأفعال الإِنسان؛ وما هذه الأفعال إلاَّ ما يتكوَّن منها تاريخ البشرية. فيكون الإِنسان قد شارك مشاركة فعلية وفاعلة في إنشاء حركة التاريخ ومسارها.. بل هناك ما هو أبعد من ذلك، إذ نجد أن كل نشاط البشر وأعمالهم، وجهدهم وجزاءهم، وكسبهم وحسابهم (التي تمثل في مجموعها وجوهًا متعددة لحركة التاريخ) مرتبطة أشد الارتباط بالنواميس الكونية الكبرى، ومحكومةً لها في مجالات كثيرة، كما في حالة قوانين الكون المتعلقة بالشمس والقمر، والليل والنهار، وهي تدل على الزمان، تمامًا كما هي حالة النبتة التي تتحرَّك وتتفاعل بتأثير الهواء والماء والتراب وغيرها من العوامل الأخرى للحياة.. فهذه النواميس الكونية التي ترتبط بها أفعال الإِنسان، قد أوتيت أنظمة دقيقة جعلتها قائمة على قواعد وسنن تحكمها إرادة الخالق لأنه الصانع العظيم والمدبر الحكيم، فكان أن سارت على ذلك النظام الذي لا يصيبه الخلل ولا يدركه العطل وكان أن انضوت حركة التاريخ إلى مسار هذا النظام، لتعبِّر عن الإِنسان في مختلف مجالات وجوده..
على أنَّ قانونًا سنَّهُ اللَّهُ تعالى، وساهم في مسار حركة التاريخ، يبقى الإِطار العام للاشياء التي يحكمها، بينما يتحرك كل شيء من هذه الأشياء وفقًا للخاصيَّة التي أوجدها الله تعالى فيه، كون الخاصية هي ما ينتجه الشيء نفسه، وأن كل شيء يجب أن تكون له خاصيته. ومن هنا كانت خاصية العين أن تنتج الرؤية مثلًا، وخاصية الأذن أن تنتج السمع، وخاصية النار أن تنتج الإِحراق، وخاصية النور أن تبدّد الظلمة {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 12].
إذن فالخاصيات لا يمكن أن تتحقق إلاَّ بقوانين. وهذه القوانين ليست من صنع الإِنسان، بل هي قوانين سنَّها الله سبحانه ولا مبدّل لها إلاَّ بأمره؛ فعندما شاء الله سبحانه أن يسلب النار خاصيتها مثلًا جعلها بردًا وسلامًا على إبراهيم الخليل (ع)، وعندما يشاء اللَّهُ ينزع عن العين خاصيتها يحلُّ العمى، وهكذا بالنسبة إلى كل شيء، وبالنسبة إلى جميع القوانين التي سنَّها الله تعالى والتي لا مبدِّل، ولا محوِّل لها عن مسارها إلاَّ أنى شاء الله.. وبذلك اقتضى أن تكون كل حركة تاريخية ناجمة عن إرادة الله تعالى وعن مباشرة الإِنسان للفعل، وخضوع هذه المباشرة القوانين المفروضة في الكون والطبيعة والوجود.
والقرآن الكريم يُعدّ التاريخ وحدة زمنية لا ينفصل فيها الماضي عن الحاضر أو المستقبل، فالانتقال السريع، في عرض القرآن، بين الماضي والمستقبل، أو بين الحاضر والماضي، أو بين المستقبل والحاضر، إنما يوضّح حرص القرآن على إزالة الحدود التي تفصل بين الزمن كونه وحدة حيوية متصلة، فتغدو حركة التاريخ التي يتسع لها الكون، حركةً واحدة تبدأ يوم خلق الله السماوات والأرض وتستمرُّ متجهةً إلى يوم الحساب.
ومن هذا المفهوم كان التفسير الإِسلامي للتاريخ، ومن خلال القرآن الكريم بالذات، هو التفسير الذي ينبثق عن إرادة الله تعالى التي تعلو على الزمان والمكان وتتجاوز مواصفات العصر النسبية، وعن علمِهِ اللامتناهي الذي وسع كلَّ شيءً، وأوامره التي صنعت الواقعة التاريخية ووضعتها في مكانها المرسوم من خارطة التاريخ البشري والكوني على السواء. ومن هنا كانت نظرة القرآن إلى الأحداث نظرة واقعية شاملة في امتداداتها الزمنية والحاضرة والمستقبلية، أي فيما كانت عليه، وما هي عليه، وما سوف تكون عليه.. وتكتسب حركة التاريخ أهميتها في القرآن الكريم ليس بإحاطتها لوقائع التاريخ بأبعادها الزمنية فحسب، بل ببعدها الذي يغور في أعماق النفس البشرية فيلامس فطرة الإِنسان وتركيبه الذاتي، والحركة الدائمة في كيانه الباطني، ثم يمتد إلى نموِّ مداركه وقوة أحاسيسه، وإرادته المسبقة، وما تؤول إليه هذه جميعًا من معطيات حتى تعطي حركة التاريخ أبعادها الحقيقية وتجعلها منصهرة في العلاقات الشاملة مع المصير.
والخطوط الأساسية لحركة التاريخ يصوغها القرآن الكريم في أحكام عامة نسميها (سننًا) ولكن مع التأكيد على أن هذه السنن إنما هي من صنع الله، إرادة وعلمًا ومصيرًا، ولكن يبقى للإِنسان دور أساسي في فهمها، والإِفادة منها حتى يكون إنسانًا فاعلًا ومؤثرًا.
من هنا فإن سنن التاريخ هي تلك الضوابط أو القوانين التي تتحكم في عملية التاريخ. وقد أكد القرآن الكريم على أن الساحة التاريخية لها سنن وضوابط مثل سائر الساحات الكونية الأخرى الفيزيائية والكيميائية والفلكية والحيوانية والنباتية..
والمقصود بالساحة التاريخية الساحة التي تحوي تلك الحوادث والقضايا التي يهتم بها المؤرخون ويسجلونها في كتبهم. ولكن هل كل الحوادث والقضايا التي يربطها المؤرخون وتدخل في نطاق مهمتهم التاريخية والتسجيلية محكومة بالسنن التاريخية ذات الطابع النوعي المتميز من سنن بقية حدود الكون والطبيعة، أو أن جزءًا معينًا من هذه الحوادث والقضايا هو الذي تحكمه سنن التاريخ؟ الصحيح أن جزءًا معينًا من هذه الحوادث والقضايا هو الذي تحكمه سنن التاريخ، لأن هنالك حوادث لا تنطبق عليها تلك السنن، بل تنطبق عليها القوانين الفيزيولوجية أو الفيزيائية أو قوانين الحياة أو أي قوانين أخرى لمختلف الساحات الكونية الأخرى.
فمثلًا: موت أبي طالب عم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وموت خديجة أم المؤمنين في سنة واحدة معيَّنة، حادثة تاريخية مهمة بالنسبة إلى الدعوة الإسلامية، وهي تدخل في نطاق ضبط المؤرخين؛ بل أكثر من هذا فهي حادثة ذات بُعدٍ في التاريخ الإسلامي ترتبت عليها آثار مهمة في هذا التاريخ الحافل بالأحداث الكبيرة المهمة، لكنها مع ذلك كله فهي لم تحكمها سنّة تاريخية، بل هي محكومة بقوانين الحياة التي فرضت أن يموت أبو طالب وخديجة في ذلك الوقت المحدد بالذات. إذًا فقوانين الحياة التي تفرض المرض والشيوخة ضمن شروط معينة وظروف معينة، والقوانين الفيزيولوجية التي تخضع لها الأجسام هي التي تحكمت في تلك الحادثة، ولذلك لم تشكل سنّة تاريخية..
ومن يتتبع الآيات القرآنية يجد أن القرآن الكريم عندما جعل للساحة التاريخية سننًا وضوابط فإنه قاوم بذلك النظرة العفوية أو النظرة الغيبية الاستسلامية لتفسير الأحداث. فالإِنسان الاعتيادي قد يفسر أحداث التاريخ بأنها كومة متراكمة من الأحداث التي تتالى وقوعها عبر الزمن، وقد يفسرها على أساس الصدفة. لذلك جاء القرآن يقاوم مثل هذه التفسيرات وينبّه العقل البشري إلى أن للساحة التاريخية سننًا وقوانين، وأن على الإِنسان كي يستطيع أن يكون إنسانًا فاعلًا ومؤثرًا. أن يكشف عن هذه السنن، وأن يتعرف هذه القوانين لكي يستطيع أن يتحكم فيها، وإلاّ تحكمت هي فيه وهو غافل عنها.
إذًا فالفتح القرآني الجليل القائل بأن للساحة التاريخية سننًا وضوابط هو الذي مهّد لتنبيه الفكر البشري. وقد جرت محاولات لفهم التاريخ على هذا الأساس بعد نزول القرآن بنحو ثمانية قرون؛ وبدأت هذه المحاولات على أيدي المسلمين أنفسهم، فقام ابن خلدون بمحاولة لدراسة التاريخ وكشف سننه وقوانينه. ثم بعده بأربعة قرون أو يزيد، اتجه الفكر الغربي في بدايات ما يسميه بعصر النهضة، لكي يجسد ذلك المفهوم الذي ضيَّعه المسلمون عندما لم يتوغلوا في أعماقه. ومن هنا نشأت عند الغرب أبحاث متنوعة ومختلفة حول فهم التاريخ، وفهم سنن التاريخ، ونشات عنها اتجاهات مثالية ومادية ومتوسطة، ومدارس متعددة راحت كل واحدة منها تحاول أن تحدد نواميس التاريخ بحسب آرائها وقناعاتها وقد تكون المادية التاريخية أشهر تلك المدارس وأكثرها تأثيرًا في التاريخ الحديث كله.. وإذا كان ذلك الجهد البشري هو في الحقيقة استمرار للتنبيه القرآني، إلاَّ إنه يبقى للقرآن مجده في أنه طرح هذه الفكرة لأول مرة على ساحة المعرفة البشرية..
وإن الآيات القرآنية التي تتحدث عن السنن التاريخية التي تعطي الفكرة الكلية أي فكرة أن التاريخ له سنن وضوابط هي كثيرة لا تحصى، ومنها على سبيل المثال قول الله تعالى: {لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} [يونس: 49].
وقوله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34].
والأجل في الآيتين الكريمتين قد أضيف إلى الأمة، أي إلى الوجود المجموعي للناس، لا إلى هذا الفرد أو ذاك بالذات، وهذا يعني أن وراء الأجل المحتوم لكل فرد، أجل آخر للأمة بصفتها مجتمعًا ينشئ ما بين أفراده العلاقات والصلات القائمة على المصالح المشتركة في ما بينهم.
إذن فهاتان الآيتان الكريمتان تعطيان فكرة كلية واضحة عن أن للتاريخ سننًا تتحكم به وراء السنن الشخصية التي تتحكم في الأفراد.
ويلتقي مفهوم الآيتين الكريميتن قوله تعالى: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا (58) وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا} [الكهف: 58 ـــــــ 59].
وقوله تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا} [فاطر: 45].
فإنَّ الله تعالى يبيِّن لنا أنه لو كان سبحانه يريد أن يؤاخذ الناس بظلمهم، وبما كسبوا لَمَا ترك على ظهر الأرض من دابة، ولأهلك الناس جميعًا.
لكنها قد وقعت مشكلة في كيفية تصوُّر هذا المفهوم القرآني، إذ إن الناس ليسوا كلهم ظالمين عادة ففيهم الأنبياء، وأولياء الله المخلصون، والمؤمنون الصادقون، فهل يقع العذاب مع هؤلاء أيضًا؟
الحقيقة أن القرآن الكريم يتحدث عن عقاب دنيوي، لا عن عقاب أخروي؛ يتحدث عن النتيجة الطبيعية لما تكسبه أمة عن طريق الظلم والطغيان، وهذه النتيجة لا تصيب الظالمين من أبناء المجتمع وحدهم، بل تعم جميع أبناء المجتمع على اختلاف هوياتهم، وعلى اختلاف أنحاء سلوكهم. فحينما وقع التيه على بني إسرائيل نتيجة ما اكتسب هذا الشعب من ظلمه وطغيانه وتمرُّده لم يُختص هذا التيه بالظالمين من بني إسرائيل وحدهم، بل شمل موسى (ع) الذي بعثه الله تعالى لمواجهة الظالمين والطواغيت، وشمل أخاه هرون (ع) وجميع المؤمنين بالله، لأنهم كانوا جزءًا من تلك الأمة، فلما حكم الله على بني إسرائيل أنْ يتيهوا أربعين عامًا، وقع التيه إذن على موسى وعلى أخيه هارون عليهما السلام.
وحين حلَّ البلاء بالمسلمين في غزوة أحد، نتيجة مخالفة الرماة لأوامر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بعدما وضعهم على «جبل عينين» واندفاعهم وراء المغنم والمكسب، لم يسلم رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذاته من ذلك البلاء، إذ رماه المشرك ابن قميئة الليثي بالحجارة حتى أصيبت رباعيته الشريفة وشُجَّ في وجهه الكريم وكُلمت شفتاه ودخلت حلقتان من المغفر الذي كان يستر به وجهه الرضي في وجنتيه؛ بل تقدم ذلك اللعين يريد أن يقلته لولا أن ذبَّ عنه مصعب بن عمير (رضوان الله عليه).
هذا كله وفق منطق سنّة التاريخ. فالعذاب حين يأتي في الدنيا على مجتمع وفق سنن التاريخ، لا يختص بالظالمين، من أبناء ذلك المجتمع، ولهذا قال الله تعالى في آية أخرى: {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 25]. فالآية تتحدث إذًا عن سنّة التاريخ وأن ما يمكن أن يحصل لأمة من عذاب في هذه الدنيا إنما نتيجة كسب هذه الأمة، وسعيها، وانغماسها في الانحراف عن أوامر الله تعالى ونواهيه.
وبصورة عامة إن القرآن الكريم يبيِّن لنا في مواضع كثيرة ثبات السنن التاريخية ونفاذها وعدم تبادلها أو تحولها. فإنها موجودة أساسًا في صميم التركيب الكوني، وفي قلب العلاقات المتبادلة بين الإِنسان والحياة.. ولم يفعل القرآن سوى أن كشف عنها النقاب وأكد وجودها وثقلها في حركة التاريخ.
وهذه السنن لا تتحدد في القرآن الكريم بتفاصيل وجزئيات موقوته، بل تمتد مرنة، متفتحة، شاملة لكي تضُمَّ أكبر قدر من الوقائع، وتحتوي في سيرها على أكبر عدد من التفاصيل والجزئيات لتبقى الحصيلة النهائية، والدلالات الكبرى لحركة التاريخ. إنها تريد أن تقول لنا ـــــــ باختصار ـــــــ إن حركة أيّ جماعة بشرية في التاريخ ليست اعتباطية، وأنها بما قد ركب فيها من قوى العقل والروح والإِرادة، مسؤولة خلال حركتها تلك، مسؤولية كاملة حيث ينتفي العبث واللاجدوى، وحيث وجب أن يكون عمل الإِنسان مدركًا مخططًا يقف به أمام الله تعالى والعالم، وفق ما جاء به أنبياء الله، وما تفرضه العلائق الإِنسانية، والروابط الأخوية في الأمة الواحدة؛ أما إذا انعدم العمل المدرك الواعي والمخطط، وَتَمَيَّعَتْ القيم الأخلاقية المنبثقة عن قوى العقل والروح والإرادة... فإن الجزاء يكون من جنس العمل، ويؤول الأمر بالجماعة البشرية إلى التدهور والانهيار.
والآيات التي تبين هذه السنن التاريخية العامة كثيرة، فمنها قوله تعالى: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 62]. وقوله تعالى: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} [فاطر: 43]. وقوله تعالى: {سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا} [الإسراء: 77]. وقوله تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ (137) هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (138) وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (139) إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140)‏ وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 137 ـــــــ 141].
وهذه الآيات الأخيرة من سورة آل عمران في القرآن الكريم يمكن اعتمادها مقياسًا لسنن التاريخ الثابتة والدائمة في حياة الناس، وما تنطوي عليه من تقلُّبات وتغييرات في مسار وجودهم الأرضي.
على أنه، ومما تقدم، وإذا ما حاولنا أن نسبر غور المعاني التي تنطوي عليها الآيات القرآنية التي أوردناها كشواهد السنن التاريخية فإننا نستخلص حقائق ثلاثًا:
1 ـــــــ الحقيقة الأولى هي الاطراد في السنَّة التاريخية، وهذا الاطراد يعني أن السنة ليست علاقة عشوائية أو رابطة قائمة على أساس الصدفة، بل هي علاقة ذات طابع موضوعي، لا تختلف في الحالات الاعتيادية التي تجري فيها الطبيعة والكون على السنن العامة.. وطابع الاطراد في السنّة التاريخية يهدف إلى إيجاد شعور في الإِنسان المسلم، يكون شعورًا واعيًا، متبصرًا، لا مستسلمًا ولا ساذجًا، وذلك وفقًا لمجرى أحداث التاريخ بصورة طبيعية. {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} [الأحزاب: 62] {وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا} [الإسراء: 77] {وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ} [الأنعام: 34]. أي إن كلمة الله، تعني أيضًا أنها سنّة من سنن التاريخ التي أوجدها الله تعالى بإرادته التي رسمت القانون العام لقضية لا تقف عند حدود الزمان والمكان، بل تتناول الإِنسان الفرد، أو تتناول الجماعة العامة، إذ تحقق الشروط المفروضة للقضية وفق السنّة أو القانون الذي قامت عليه.
2 ـــــــ والحقيقة الثانية هي أن السنّة التاريخية ربانية، أي إنها من الله سبحانه وتعالى وهي في علمه وبإرادته ومشيئته.
وهذا يعني أن كل قانون من قوانين التاريخ أو سنّة من سننه، هو تدبير رباني، وأن الاستفادة من مختلف القوانين والسنن التي تتحكم في الساحات الكونية بأسرها، لا يمكن أن تكون إلا رهنًا بأمر الله تعالى؛ فالله سبحانه يظهر لنا قدرته من خلال هذه القوانين والسنن، لذلك فهي تمثيل لإِرادته وحكمته، وتدبيره في الكون بأسره. لكنَّ ذلك لا يعني نزع الحادثة التاريخية عن الأسباب والمسبِّبات ولا عن العلاقات والروابط المتعلقة بها على الساحة التاريخية، بل يعني وجود الروابط والعلاقات بين الحوادث التاريخية بحيث تكون هذه الروابط والعلاقات تعبيرًا عن حكمة الله وبنائه التكويني للساحة التاريخية.
والمثال على ذلك ظاهرة سقوط المطر. وتفسير هذه الظاهرة يجب أن يكون على أساس الأسباب والعلاقات التي تجعلها مرتبطة بالدورة الطبيعية للماء، التي تؤدي إلى بيان كيفية نزول المطر، وذلك بأن يتبخر الماء ويتحول إلى غاز ثم يتصاعد الغاز سحابًا، فإذا انخفضت الحرارة في الجو تحول السحاب إلى سائل، وهطل المطر.
وهكذا يتبين أنه وفقًا لهذا المفهوم لا يمكن أن نعزل ظاهرة سقوط المطر عن بقية الحوادث وقطع ارتباطها مع مؤثراتها وأسبابها، إلاَّ إن تسلسل الحوادث وترابط بعضها ببعض منذ حالة التبخر وحتى النزول للمطر، إنما هو تعبير عن حكمة الله التي وضعت القانون العام لسقوط المطر في حال تحقق ظروفه وعوامله كافة.. وهكذا سنن الطبيعة كلها، وسنن التاريخ. فعلى الإِنسان أن يفقه هذه السنن ويتجاوب معها كي يستفيد منها.
3- والحقيقة الثالثة التي يؤكد عليها القرآن الكريم هي حقيقة الاختيار عند الإِنسان بفعل إرادته. أي إن محور تسلسل كثير من الأحداث والقضايا إنما هو ناشئ عن إرادة الإِنسان، وذلك لقوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11].
فلو فكَّرنا قليلًا فيما تشير إليه هذه الآية الكريمة لأدركنا أن إرادة التغير يجب أن تكون نابعةً أولًا من القوم بتغيير ما بأنفسهم، لأن تغيير ما بالنفس يكون من نتائجه تغيير السلوك، وعند تغيير سلوك القوم، سواءٌ من الأسواء إلى الأحسن أو من الأحسن إلى الأسواء، فإن الله سبحانه سيغير الأوضاع التي يعيشها هؤلاء الذين غيَّروا سلوكهم بحسب تصرفاتهم ووفق ما اختاروا لأنفسهم.
فإنْ كان التغيير من الحسن إلى السيّئ لا بد من أن يعمُّهم البلاء، وإن هم أصروا على ما هم عليه من التمادي وعدم التغيير إلى الأحسن نزل في ساحتهم الهلاك مصداقًا لقوله تعالى: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا} [الكهف: 59] وأما إن انتبهوا إلى ما هم فيه من سوءٍ واستغفروا لذنوبهم وسلكوا سُبُلَ الطاعة فإن الله سيأخذ بيدهم، ويمدُّهم بعنايته، ويهديم إلى تغيير أوضاعهم إلى الأحسن.
وهذا واضح في قوله تعالى على لسان نبيه نوح عليه السلام {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10)‏ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا} [نوح: 10 ـــــــ 12].
فتلك الآيات الكريمة وغيرها كثيرٌ في القرآن الكريم، تبين أن سنن التاريخ لا تجري خارج إرادة الإِنسان، ولا من فوق رأسه، بل تجري من تحت إرادته وبحسب ما كسبت يدُه.. وذلك أن للإِنسان دورًا مهمًّا وأساسيًّا في حركة التاريخ.
ولكن كيف يكون ذلك؟
إن حركة التاريخ بمفهومنا هي حركة هادفة، لها علة غائية متطلعة إلى المستقبل، أي إنها ليست حركة سببية فقط ومشدودة إلى سببها، إلى ماضيها، بل هي مشدودة إلى غاية هادفة مستقبلية، بمعنى أن المستقبل هو المحرك لأي نشاط من النشاطات التاريخية، والمستقبل بحقيقته إنما يُحرك من خلال الوجود الذهني للإِنسان، من هنا كان دور الإِنسان في صناعة حركة التاريخ دورًا حاسمًا، إذا ما حرَّكهُ المستقبل الهادف..
إذن هنالك المحتوى الداخلي للإِنسان، وهذا المحتوى الداخلي يتمثل في وجوده الذهني الذي يجسِّد من ناحية جانبًا فكريًّا هو الذي يضم تصورات الهدف، ويمثل من ناحية أخرى طاقة الإِرادة التي تحفز الإِنسان نحو الهدف وتنشطه للتحرك نحو هذا الهدف. وبالامتزاج ما بين الفكر والإرادة تتحقق فاعلية المستقبل. فالوجود الذهني بذلك ـــــــ أي بالفكر والإِرادة ـــــــ هو الحافز والمحرك والمدار لحركة التاريخ بل ولبناء المجتمع بكل ما يضم من أنظمة ومن أفكار وتفاصيل، تتضافر بعضها مع بعض وتتوثق بالعلائق والروابط التي تؤلف كلًّا منسجمًا يكوِّن الإِطار الصحيح لعيش الجماعة البشرية.. وإذا كان المحتوى الداخلي للإِنسان هو الذي يجسد الغايات التي تحرك التاريخ، فإن هذه الغايات يحددها المثل الأعلى للإِنسان في حياته الفردية، أو المثل الأعلى للجماعة البشرية في حياتها. ومن هنا كان المثل الأعلى هو المحور الذي تتمحور فيه كل الغايات وتعود إليه كل الأهداف. وبقدر ما يكون المثل الأعلى للفرد أو للجماعة البشرية صالحًا وساميًا، تكون الغايات الفردية والجماعية صالحة وعالية؛ وبقدر ما يكون ذلك المثل الأعلى محدودًا أو منخفضًا تكون الغايات المنبثقة عنه محدودة ومنخفضة أيضًا.
والمثل الأعلى هنا هو الذي يرتبط بنظرة عامة إلى الكون والإِنسان والحياة، ويتحدَّدُ من قِبَلِ كلِّ جماعة بشرية على أساس وجهة نظرها إلى الحياة والكون. ومن خلال الطاقة الروحية التي تتناسب مع وجهة نظر تلك الجماعة البشرية إلى الحياة والكون يكون فكرها، وتتحقق إرادتها. ويؤول إليه مصيرها. والمثل الأعلى يكون على ثلاثة أنواع:
ـــــــ النوع الأول هو المثل الأعلى الذي يستمد تصوره من الواقع، أي من واقع الجماعة بحدودها وقيودها وشؤونها. وهو يعني في الحقيقة تجميد الواقع على حاله بدلًا من التطلع إلى المستقبل، بحيثُ يكون المستقبل بمقتضاه تكرارًا للواقع، ومن هنا تصبح حركة التاريخ حركة رتيبيَّة، أي تكرارًا لماضيها وتثبيتًا لواقعها.
ويعود هذا النوع من المُثُل العليا إلى سببين:
ـــــــ سبب نفسي داخلي، هو الإلفة لواقع الجماعة الذي تعيشه والركون إلى الخمول.
ـــــــ وسبب اجتماعي خارجي، هو تسلط المستكبرين والطواغيت الذين يتحكمون في شؤون الجماعة ويجعلونها مرتبطة بنظرتهم حفاظًا على مراكزهم ومصالحهم التي تتأثر لمجرد وعي الناس للواقع ومحاولتهم تغيير هذا الواقع الذي يجعلهم أسرى لمطامع أولئك المتسلطين.
ـــــــ النوع الثاني هو المثل الأعلى الذي يشتق من طموح الأمة وتطلعها نحو المستقبل، ولكن بنظرة جزئية محدودة لا تستوعب الطريق الطويل للمستقبل. أي إن هذا الطموح الذي منه انتزعت الجماعة مثلها كان طموحًا محدودًا مقيدًا لم يستطع أن يجتاز المسافات الطويلة، وإنما استطاع أن يكوِّن رؤية مستقبلية محدودة، وهذه الرؤية المستقبلية المحدودة انتزع منها مثله الأعلى.. وبمعنى آخر، إن هذه النظرة الجزئية المستقبلية عندما يحولها الإِنسان إلى مثل أعلى، إنما يحولها إلى شيء مطلق. وهنا يكمن الخطر، لأن هذا المثل الأعلى سوف يخدم الإِنسان في المرحلة الحاضرة بما يهيّئ له من إمكانيات النمو للمستقبل، ولكن سرعان ما يصل هذا النمو إلى حدوده القصوى، وحينئذٍ قد يتحول المثل الأعلى إلى قيد للمسيرة المستقبلية الطويلة أي إلى عائق عن التطور بل إلى مجمّد لحركة الإِنسان. والمثال على ذلك الإِنسان الأوروبي في بدايات عصر النهضة الأوروبية عندما وضع مثلًا أعلى وهو الحرية.. فقد رأى أن الإِنسان الغربي إنسانًا محطمًا مقيدًا، في كل عقائده الدينية وأفكاره العلمية بحكم الكنيسة وتعنتها، تمامًا كما هو مقيد في قوته ورزقه بحكم أنظمة الإِقطاع، فأراد الإِنسان الأوروبي الرائد لعصر نهضته أن يحرر الإِنسان من تلك القيود ليصبح هذا الإِنسان كائنًا مختارًا، يفعل بجوارحه، ويفكر بعقله، ويتصور ويتأمل بذاته لا أن يستمدَّ هذا التصور والتأمل كصِيَغٍ ناجزةٍ عن الآخرين.
ولكن ماذا حصل؟
لقد فات الإِنسان الأوروبي المحتوى والمضمون لقيمة الإِنسان، بحيث جعل الحرية هدفًا، وهذا صحيح فالحرية هدف يسعى إليه ويجاهد في سبيل تحقيقه، لكنّه صيّر من هذا الهدف مثلًا أعلى في حين أن هذا الهدف لا ينبغي أن يكون إلا إطارًا في الحقيقة، وهذا الإِطار في حاجة إلى محتوى وإلى مضمون، وإذا جُرِّدَ من محتواه فسوف يؤدي إلى الويل والدمار، وهو ما تواجهه الحضارة الغربية اليوم التي صنعت للبشرية كل وسائل الرفاهية ولكن حولتها إلى وسائل دمار، لأن الإِطار بقي بلا محتوى أساسي عن الوجود كله، وبلا مضمون روحي متعلق بنهاية هذا الكون..
ومن المقارنة بين النوعين من المُثل العليا اللذين أتينا على ذكرهما سابقًا وهما: المُثل العليا المستمدة من الواقع، والمُثل العليا المشتقة من طموحٍ محدود، نلاحظ أن المُثل من النوع الأول هي امتداد للمُثل من النوع الثاني. أي إن المثل الأعلى يبدأ مشتقًا من طموح محدود، ولكن حين يتحقق هذا الطموح المحدود، يتحول المثل الأعلى إلى واقع محدود، وحينئذٍ يصبح مثلًا تكراريًّا. وعندما يتبدَّدُ هذا المثل التكراري فإن الأمة تتحول إلى شبح أمة، وهذا يعني أن الأمة في هذه الفترة الزمنية تمرُّ عادةً بمراحل أربع:
المرحلة الأولى: هي مرحلة فاعلية لأن فيها يكون عطاء وتجديد بقدر ما يكون له من ارتباط بالمستقبل. لكن هذا العطاء، وهذا التجديد يبقيان قصيري المدى لأن المثل الأعلى محدود وسوف يتحول في لحظة من اللحظات إلى قوة إبادة لكل ما أعطاه من مكاسب.
والمرحلة الثانية: هي مرحلة تجميد، لأن المثل الأعلى حين يستنفد طاقته وقدرته على العطاء، يصبح بلا محرك، فتتوقف فاعليته. والقادة الذين كانوا يعطون ويوجهون على أساسه يتحولون إلى سادة وكبراء تنتفي عنهم صفة القيادة، وجمهور الأمة يتحول إلى مطيعين ومنقادين لا إلى مشاركين في الإِبداع والتطوير.
والمرحلة الثالثة: هي مرحلة الامتداد التاريخي لأولئك الحكام، إذ تتحول السلطة إلى طبقات تتوارث المقاعد عائليًّا أو بأي شكل من أشكال الوراثة، وهذه الطبقة تصبح هي الطبقة المترفة المنعمة الخالية من الأهداف الكبيرة، المنشغلة بهمومها الصغيرة وإشباع غرائزها وحاجاتها العضوية، وهذا ما يؤدي إلى تفتت الأمة.
والمرحلة الرابعة: هي المرحلة التي تفقد فيها الأمة ولاءها حتى للمثال التكراري، فيسيطر عليها مجرموها، الذين لا يرعون عهدًا ولا ذمة، فيحل بها الدمار، وتتمزّق، ويذهب كل ما أنشأته وقامت به...
هذان هما المثالان السائدان في العالم اليوم وهذه هي نتائجهما التي نشاهدها ونتألم من قسوتها، وبُعْدها من إنسانية الإِنسان.
أما النوع الثالث من المُثل العليا فهو الذي يتمثل بالمثل الأعلى الحقيقي، وهو رضوان الله سبحانه وتعالى.. فالمثل الأعلى بالنسبة إلى الإِنسان يجب أن يكون غير محدود، ومن غير نتاج الإِنسان، بل لا ينبغي أن يكون إفرازًا ذهنيًّا للإِنسان، وإنما يجب أن يكون مثالًا أعلى حقيقيًّا، له قدرته المطلقة وله علمه المطلق وله عدله المطلق. وهذا لا يكون إلاّ لله سبحانه وتعالى:
يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} [الانشقاق: 6]. فهذه الآية الكريمة تخاطب الإِنسان، وتنبهِّه إلى ضرورة أنْ يجعل هدفًا أعلى لنفسه، بل وللإِنسانية ككل، وهذا الهدف الأعلى هو كَدْحُه نحو الله سبحانه وتعالى، أي السير المستمر بالمعاناة وبالجهد والمجاهدة لتحقيق نيل مرضاة الخالق عزَّ وجلّ.
وكلَّما تقدم الإِنسان في هذا المسار، واعيًا المثل الأعلى وعيًا موضوعيًّا كان سيرهُ صُعدًا، وسعيُهُ هادفًا لأنه يتوخى فيه الارتقاء والتكامل باستمرار وهذا هو التقدُّم المسؤول، في حين أن التقدم يكون غير مسؤولٍ إذا كان السير غير هادفٍ أو إذا كان التقدم منفصلًا عن الوعي. إذن فالمثل الأعلى في الحقيقة يحدث تغييرًا كيفيًّا في مسيرة الإِنسان لأنه يمنحه الشعور بالمسؤولية، لذا كان دور دين التوحيد الأخذَ بيد الإِنسان لإِزالة العوائق كافة، وكان دعوة صريحة واضحة إلى نبذ كل المُثل المصطنعة، والمنخفضة، والتكرارية التي تريد أن تجمد حركة الإِنسان، وتنتزعه من دخيلته حتى تبعده عن الشعور بالمسؤولية، ومن ثم من الكدح لتحقيق الوصول إلى المثل الأعلى الذي هو رضوان الله تعالى.
ومن هنا كان التأكيد على دور الإِنسان، بما يمكن أن يتحمل من مسؤولية للتأثير في حركة التاريخ، سعيًا وراء هذا المثل الأعلى في حياته. والاختيار عند الإِنسان، بفكره وإرادته وبمشاعره. وكلَّما توافق مع المثل الأعلى تمثل بمواقف إيجابية لهذا الإِنسان، وهي المواقف التي تستتبع ضمن علاقات السنن التاريخية جزاءاتها المناسبة. فالجزاء يأتي من جنس العمل {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطور: 21] كلما قال عزَّ وعلا. بحيث يكون لاختيار الإِنسان موضعه الرئيسي في الساحة التاريخية، ومسؤوليته المهمة على هذه الساحة. وإن العمل التاريخي الذي تحكمه سنن التاريخ هو كلُّ عمل هادف ذي غاية، والذي تكون له في الوقت نفسه أرضية أوسع من حدود الفرد، وأرضية هذا العمل هي عادةً المجتمع أو أرضية الجماعة وبذلك يكون موضوع السنن التاريخية العمل الذي يتوخَّى دائمًا مثلًا أعلى ساميًا يتَّخذ من المجتمع أو الأمة أرضية له، سواء اتسعت هذه الأرضية أم ضاقت..
على أنه، في دراسة حركة التاريخ، لا بد من أن تواجهنا قاعدتان أصيلتان ينبغي أن نتذكرهما دائمًا حتى نضع هذه الحركة في نطاقها الصحيح، ونعطيها مسارها الحقيقي؛ وهاتان القاعدتان هما:
ـــــــ أنَّ خلق الأفعال من الله تعالى، لأنَّ له وحده ـــــــ سبحانه ـــــــ الألوهية والرُّبوبية والخلق.
ـــــــ أن مباشرة الأفعال هي من صنع الإِنسان، لأنه يملك قدرة المباشرة، ولأنه يملك خاصية الإدراك، وهما اللتان تتيحان له أن يفهم حركة التاريخ، كي يستطيع التأثير في واقعه، أو تغيير هذا الواقع انطلاقًا من فهمه لهذه الحركة.
وعلى هذا الأساس يمكن القول بأن حركة التاريخ هي مدار الجهد الإِنساني، منذ فجر الخليقة وحتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها. أي إنها ذلك النتاج الكبير، والتجمع الضخم للأحداث الغامضة منها والواضحة، المستترة منها والمعلنة التي شهدها الإِنسان في مختلف مراحل تطوره، ابتداء من اكتشاف حاجاته الأساسية، وحتى بلوغه أقصى درجات النضوج الفكري الذي أمده، ولا يزال يمدُّه، بعناصر وعوامل التقدم والرقي.. أي إنها ذلك النتاج والتجمع من إرادة البشرية ونضجها، وذكائها وجهودها، بحيث تتكون الحصيلة النهائية للجهد البشري في كل زمان، عند مفترق مرحلة من المراحل، لكي تتوثَّب للانتقال إلى مرحلة أخرى؛ ولذلك فإن هذه الحركة هي التي تعطي لكل مرحلة من مراحل التطور إشارة البدء، من دون أن يكون لديها إشارة للختام، لأنه لا نهاية لها هي مثلما أنه لا ختام ملحوظ أو مرئي للجهد الإِنساني، مادام هو قائمًا على هذه الأرض.. فالمهم أن حركة التاريخ لا تتوقف، فهي إذن لا نهاية لها.. وكذلك تقدم الإِنسان فهو في إطارها وضمن مسارها، لا يتوقف أيضًا.
وتبقى حركة التاريخ مستمرة، ويبقى معها الإِنسان دائرًا في فلكها إلى أن يحين الميعاد، وينتهي كل شيء بأمر الله تعالى، لأنَّ إلى ربك المنتهى.. وإليه المصير، مهما امتدت الأزمان، ومهما تعاقبت الأجيال.
أيها المسلمون الصادقون، المخلصون،
ويا حملة الدعوة الإِسلامية،
عليكم بعد فهمكم لحركة التاريخ ألاَّ تَدْعُوا بعد اليوم، إلاَّ الله الذي لا إله إلاَّ هو.. واعلموا علم اليقين أن كل شيء هالك إلاَّ وجهه، له الحكم، وإليه ترجعون، كما يقرر ذلك ربّ العالمين في محكمٍ كتابه الكريم في آخر سورة القصص.. فوجب أن تكون الدعوةُ إلى الله تعالى، دعوةً خالصة، لا تشوبها المصالح المادية مهما عظم قدرها وارتفعت قيمتها وغلا ثمنها. فلنضعْ جميعنا، كمسلمين، نصب أعيننا دائمًا، أن كل شيء زائل: المال والجاه والسلطان بل والكون كله ما نعلم منه وما نجهل. ولندركْ جميعنا أيضًا أن الحكم دائمًا لله سبحانه، يقضي بما يشاء، من دون أن يشركه أحد في حكمه، ومن غير أن يقدر أحد على رد قضائه.
وهكذا تقرر قاعدةً الدعوة: وحدانية الله سبحانه، وتفرُّده بالألوهية والبقاء والحكم والقضاء.. وليمضِ أصحاب الدعوة في طريقهم على هدى، وعلى ثقة، وعلى طمأنينة، وفي يقين، والله هو الموفِّق والمسدِّد.


التوفيق والتوكل
وعلى حامل الدعوة أن يتوكلَ على الله وأن يكونَ معتقدًا أن التوفيقَ بيد الله:
ـــــــ التوفيق لا يكونُ توفيقًا إلا إذا احتوى على حالتين:
1 ـــــــ الحالة الأولى أن يملك الإِنسان أسبابًا يثق بها أولًا، ويثق أنه قادرٌ على أدائها.
2 ـــــــ والحالة الثانية أن يسهَّلَ له هذا الأداء من الله تعالى، وأما صحة التوكل على الله فهي ربط الأسباب بالمسبباتِ، وترك النتيجة إلى الله سبحانه وتعالى:

الفَرقُ بَين القيَادة الفكرية
والقيَادَة العَسْكرِيَّة
وعلى حامل الدعوة أن يفرقَ بين القيادة العسكرية والقيادة الفكرية:
ـــــــ الفارقُ كبيرٌ بين القيادة العسكرية والقيادة الفكرية، فالقيادة العسكرية تحتاج إلى الحزم والقسوة من القائد، ولا يجوز أن يشعرَ الجندي بأي تسامح على تخاذل، لأن مسؤولية الجندي هي تنفيذ الأوامر بالدرجة الأولى، ومن دون إبطاء أو تلكؤ عن تنفيذها..
وهكذا نزلت الآيات البينات تعنِّف الذين يفرون من وجه العدو، وتتوعدهم بعذاب شديد يوم القيامة.
ومن هنا ترى أن الآيات البينات تتحدث عن الناحية الفكرية، فلا ترى في سياقها ونصها ودلاتها ومفهومها سوى طول الأناة والصبر والرحمة والرأفة بهم والاستغفار عن ذنوبهم، وهذا يعود إلى سبب وجيه جدًّا، لأنه لا يستطيع أن يكون كل فرد نبيًّا وإن كان في استطاعته أن يكون جنديًّا. فانظر إلى قوله تعالى: {انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا} [التوبة: 41]، {إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ} [التوبة: 39]. وإلى قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [أل عمران: 159].

الأسلوبُ وَأهَمّيتُه
وعلى حامل الدعوة أن يهتم بالأسلوب اهتمامًا كبيرًا:
ـــــــ يجب أن نعير الأسلوب التفاتًا كبيرًا، فننظر إليه نظرةً صحيحة، وندرسه دراسة عميقة مستنيرةً، فالأسلوب ليس شيئًا رخيصًا ولا شيئًا ممتهنًا، بل يجب على حامل الدعوة أن يتقن الأسلوب كلّ الاتقان، فبه تُنشرُ الدعوة وتوضَّحُ الطريقة، وبحسن استخدامه تقاد الأمة، وبنجاح تنفيذه تبلغ الغاية المقصودة. كلّ شيء، إذًا، ننشئه نحن، هو أسلوب، لا فكرة ولا طريقة، فالفكرة والطريقة ليستا من صنعنا ولا اجتهادنا، بل هما من القرآن الكريم والسنّة الشريفة.

الأسَاليبُ وَالوَسَائِل وَالخطَط
وَالطَريقَة وَالفِكرة
وأما التفكير بالأساليب فهو التفكير في الكيفية غير الدائمة التي بها يقام بالعمل. والأسلوب يقرره نوع العمل، لذلك يختلف الأسلوب باختلاف نوع العمل، صحيح أن الأساليب قد تتشابه وأن الأسلوب الواحد قد ينفع في عدة أعمال، ولكن عند التفكير في الأسلوب يجب أن يفكر في نوع العمل، صحيح أن الأساليب قد تتشابه وأن الأسلوب الواحد قد ينفع في عدة أعمال، ولكن عند التفكير في الأسلوب يجب أن يفكر في نوع العمل الذي يراد استخدام الأسلوب للقيام به، حتى لو تشابهت الأساليب، لأن التشابهَ قد يضلل عن الأسلوب الفاعل، فمثلًا: أسلوب الدعاية لفكرة يتشابه مع أسلوب الدعوة لهذه الفكرة، كل منهما يعتمدُ على عرض الفكرة على الناس، لكن هذا التشابه قد يضلل حملة الدعوة، وقد يضلل أصحاب الدعاية لفكرة، فأسلوب الدعاية إذا استعمل في أسلوب الدعوة يخفقُ على المدى الطويل، وأسلوب الدعوة إذا استعمل في الدعاية يجعل الدعاية تخفق. فأسلوب الدعوة يعتمد على شرح الحقائق، كما هي، أما أسلوب الدعاية فإنه يعتمد على تزيين الفكرة وبهرجتها. وإن كان كل منهما لا بد فيه من حسن العرض. فمثلًا أسلوب نصب الحاكم في النظام الديمقراطي، وهو جعل الشعب ينتخب الحاكم، هذا الأسلوب ينفع في نصب الحاكم في النظام الإسلامي، فيجعل الشعب ينتخب الحاكم. ولكن حين يراد اتخاذ أسلوب لنصب خليفة للمسلمين يجب أن يفكر في واقع الحكم في نظام الإِسلام بأنه تنصيب حاكم دائم وليس حاكمًا لفترة زمنية محددة كما هو في النظام الديمقراطي، لذلك لا بد من التفكير في نوع الحكم في الإِسلام، عند التفكير في رسم الأسلوب لنصب الخليفة، فيجعل مثلًا في النظام الإِسلامي حصر المرشحين للذين هم أهلٌّ للخلافة، ومنع ترشيح من عداهم. ثم جعل الشعب ينتخب من يريد من هؤلاء المرشحين فقط، تم الطلب من الشعب كله أن يبايع الذي ارتضاه أكثر المسلمين خليفة للمسلمين. صحيح أن البيعة هي طريقة لنصب الخليفة وليست أسلوبًا، ولكن كيفية أداء البيعة، هو أسلوب. لذلك لا يكفي أن يكون الأسلوب نافعًا في العمل الجديد، كما نفع في غيره من الأعمال ولكن حتى يقرر هذا الأسلوب لهذا العمل، لا بد من التفكير في العمل حين التفكير في الأسلوب: فإن التفكير في نوع العمل ضروري عند التفكير في وضع أسلوب للقيام به.
إن الأسلوب هو كيفية الصياغة أو كيفية الاستعمال أو هو كيفية معينة للقيام بالعمل، وهو كيفية غير دائمة، بعكس الطريقة فإنها كيفية دائمة للقيام بالعمل. والطريقة لا تختلف مطلقًا، ولا تتغيرُ، ولا تحتاج إلى عقلية مبدعة حتى تقوم بها. لأنها يقينية، فهي إما أن تكون هي يقينية، وإما أن يكون أصلها يقينيًّا. أما الأسلوب فإنه قد يخفق عند استعماله للقيام بالعمل، وقد يتغيرُ، ويحتاج إلى عقلية مبدعة للقيام به، ومن هنا كان التفكير في الأساليب أعلى من التفكير في الطرق. فالطريقة قد يستنتجها عقل مبدع، ولكن قد يستعملها عقل عادي. أما الأسلوب فإن الوصول إليه يحتاج إلى عقل مبدع، أو عقل عبقري، وإن كان استعماله قد ينتج بالعقل العادي.
ومن هنا يتفاوت الناس في حل المشاكل. لأنهم يحلونها بأساليب. فقد يحاول شخص حل مشكلة ما، فتستعصي عليه، فيهرب منها، أو يعلن عجزه عن حلّها، أو يظن أنها مشكلة لا حل لها. ولكن من يملك عقلية حل المشاكل، فإنه إن عالج مشكلة واستعصت عليه، فإنه يغيّر الأسلوب الذي يستعمله، أو يقوم بعدة أساليب وإذا استعصتْ عليه على الرغمَ من مختلف الأسالسب، فإنه لا يهرب منها، ولا يعلن عجزه عن حلها، ولا ييأس من حلها، وإنما يصبر عليها، ويتركها فترة من الوقت، أي يتركها للزمن على حد قولهم، ثم يعاود التفكير في حلها فترة بعد أخرى حتى يحلها. لذلك فإن من لديه عقلية حل المشاكل، لا توجد لديه مشكلة لا حلّ لها، بل إن كل مشكلة لها عنده حل، والسبب في ذلك اعتماده على قدرته في إيجاد الأساليب التي تحل هذه المشكلة المستعصية. ومن هنا كان التفكير في الأساليب، من ميزات العقول المبدعة أو العبقرية، لذا فإن حل المشاكل متوقف على التفكير في الأساليب.
وأما التفكير في الوسائل، فإنه صنو التفكير في الأساليب ومقارن له، وهو التفكير في الأدوات المادية التي تستعمل للقيام بالأعمال ، فإذا كان التفكير في الأساليب هو الذي يحل المشاكل، إلا إن إجراء التجربة على الوسائل يبقى عنصرًا مهمًا في معرفتها.
لذلك يتحتم على المفكر في الأساليب أن يكون مفكرًا في الوسائل، وإلا فإن جميع الأساليب لا يمكن أن تنتج إذا استعملت وسائل لا تقوى على استعمال هذه الأساليب، ولا سيما أن الوسائل جزء جوهري في إنتاج الأساليب.. فمثلًا رسم خطة لقتالِ العدو هو رسم لأسلوب وإن كان خطة، لأن الخطة نفسها أسلوب، فإذا رسمت الخطة رسمًا صحيحًا مئة في المئة، لكنه استعمل فيها السلاح الذي لا يقوى على مواجهة سلاح العدو، فإن الخطة مخففة قطعًا ولو كان الرجال الذين يحاربون أقوى من رجال العدو، أو كانت قوتهم ضعفيْ قوته، فالخطة الموضوعة للحرب أسلوب، والرجال والأسلحة وسائل لتنفيذ هذا الأسلوب، فإذا لم يكن التفكير في الوسائل موجودًا عند التفكير في الأسلوب، أو كانت الوسائل ليست من النوع الذي ينفذ به هذا الأسلوب فإنه لا قيمة للتفكير في الأساليب ، ولا قيمة للتفكير في الأساليب، ولا قيمة للأساليب التي فكر فيها، لأنها لا تثمر إلا إذا جرى التفكير فيها عند التفكير في الأسلوب، وكانت من النوع الذي يستعمل في هذا الأسلوب، وعليه فإنه لا يصح أن يجري التفكير في الوسائل خارج التفكير في الأساليب، ولا يصح أن يجري التفكير في الوسائل إلا في ضوء الأسلوب الذي يجري التفكير فيه.
وإذا كان من الممكن أن تخفى الأساليب على المفكر، إلا إن الوسائل قد تكون أشد خفاء على كل مفكر، وذلك لأن الأساليب يكفي أن يجري التفكير فيها حتى تقرر، أما الوسائل فلا بد من أن يجري التفكير فيها، وأن نجري تجربتها، لتقرر هذه التجربةُ صحتها أو عدم صحتها، وصلاحها لنوع الأسلوب أو عدم صلاحها، فمثلًا تقوم الدول غير الصناعية بشراء الأسلحة من الدول الصناعية، وتقوم بتدريب جيوشها على هذه الأسلحة بمعرفة خبراء الدول الصناعية. لكنها إن لم تُجر التجارب الكافية على هذه الأسلحة. ولم تختبر تدريب جنودها عليها اختبارًا جديًّا فإنها مهما وضعت من خطط، لا تكون قد اختارت الوسائل التي هي من نوع هذه الخطط. صحيح أنها تتلقى التعليم العسكري من الدول العسكرية، ومن الدول الصناعية. لكن التعليم العسكري، ورسم الخطط وما شابهه من العلوم العسكرية هو أسلوب، ويكفي فيه التفكير، لكن الوسائل، لا يكفي فيها التفكير، إذْ لا بدَّ من التجربة بعد التفكير حتى تأتي الوسائل ملائمة وناجعة.
ومثلًا، تشكيل كتلة على فكرة من أجل نشر هذه الفكرة في الشعب أو الأمة واتخاذ طريقة لتنفيذ هذه الفكرة من خلال تسلم الحكم. فإن هذه الكتلة إذا قصدت العلماء ومن لهم ثقل في وسطهم ليكونوا أعضاء في هذه الكتلة، فإن هذه الكتلة ستخفق في تحقيق غايتها، ذلك أنها نجحت بالعلماء في نشر الفكرة فلن تنجح في تسلم الحكم، وإذا نجحت بالذين لهم ثقل في تسلم الحكم فلن يقوم الحكم على الفكرة. ولن تنشر الفكرة. وتشكيل غالبية الكتلة من أحد الفريقين أو الفريقين معًا، سوف يقصِّر عمر الكتلة، وتخفق في تحقيق غايتها، وتظل سائرة في طريق الفناء حتى تفنى. فإن هذا النوع من الوسائل الذي تمثل بالأشخاص، إنما جاء التفكير فيه عن طريق العقل وحده، ولم يجر عن طريق التجربة إلى جانب العقل، ولكن إذا أخذت حقائق التاريخ في هذا النوع من تشكيل الكتل، فإنه يكون قد جرى التفكير في الوسيلة عن طريق العقل، وعن طريقة التجربة. فأخذ حقائق التاريخ في هذا الأمر واستعمال الوسائل بحسب هذه الحقائق التاريخية يكون تفكيرًا منتجًا بالوسائل، واختبارها من نوع الأساليب. وحقائق التاريخ تحتم على الكتلة التي تقوم على فكرة (لنشر هذه الفكرة وجعل الحكم طريقة لتنفيذها) أن تقصد الشعب أو الأمة بغضّ النظر عن الأفراد، فتقبل أي شخص يقبل هذه الفكرة ويقبل الانخراط في الكتلة كونه فردًا من الشعب، أو فردًا من الأمة، بغض النظر عن درجة تعلمه، وبغض النظر عن مكانته. وأن هذا وحده هو الذي يضمن نجاح الكتلة وتحقيق غايتها التي تهدف إليها.
وعليه فإنّ الوسائل قد تخفى، وقد يضلَّلُ عنها، إذا جرى التفكير فيها في معزل عن التفكير في الأسلوب الذي تنفذه، وقد تخفى ويضلل عنها، إذا لم تجر تجربتها. لذلك لا بدّ من التفكير في الوسائل، وأن يكون هذا التفكيرُ عند التفكير في الأساليب، ولا بدّ من أن تجري تجربة هذه الوسائل إلى جانب التفكير فيها، حتى يضمن نجاح الوسائل ويتحقّق بها الهدف.
مقيَاسُ الأفعَال
وأن يكون مقياس أعمال حامل الدعوة الحلال والحرام:
ـــــــ يسير الكثير من الناس في الحياة على غير هدى، فيقومون بأعمالهم على غير مقياس، لذلك تراهم يقومون بأعمال قبيحة يظنونها حسنة ويمتنعون عن القيام بأعمال يظنونها قبيحةً: فالمرأة المسلمة التي تمشي في شوارع المدن الإِسلامية الكبرى كبيروت وبغداد ودمشق والقاهرة واستنبول وطهران وغيرها، تكشف ساقيها وتبرز محاسنها ومفاتنها، وتظنُّ أنها تقوم بفعل جميل. والرجل الورع الملازم للمساجد يمتنع عن الخوض في تصرفات الحكام الفاسدة، لأنها من السياسة، ويظن أن الخوض في السياسة فعل قبيح، هذه المرأة وهذا الرجل وقعا في الإِثم. فكشفت عن عورتها، ولم يهتم هو بأمر المسلمين، لأنهما لم يتخذا لأنفسهما مقياسًا يقيسان به أفعالهما. ولو فعلا لما تناقضا هذا التناقض في تصرفاتهما مع المبدأ الذي يعلنان بصراحة أنهما يعتنقانه. لذلك كان المقياس ضروريًّا حتى يعرف المرء حقيقة العمل قبل أن يقدم عليه. والإِسلام جعل مقياسًا للأشياء يعرف به الحسن من القبيح أو الخير من الشر. وهذا المقياس هو الشرع وحده.
فما حسَّنه الشرع من الأفعال هو الحسن أي الخير وما قبَّحهُ هو القبيح أي الشر. وهذا المقياس دائمي، فلا يصبح الحسن قبيحًا ولا يتحول القبيح إلى حسن. بل ما قال عنه الشرع حسنًا يبقى حسنًا، وما قال عنه قبيحًا يبقى قبيحًا، وبذلك يكون الإِنسان سائرًا في طريق مستقيم، وعلى هدى من أمر ربه، فيدرك الأمر على حقيقتها، بخلاف ما لو لم يجعل الشرع مقياسًا للحسن والقبح، وترك الأمر للعقل وحده، فإنه يسير متخبطًا لأن الشيء يصبح حسنًا في حال، وقبيحًا في حال أخرى. فيصبح الحكم على الأشياء في مهب الريح، ويصبح الحسن والقبح نسبيًّا لا حقيقيًّا، وعندئذٍ يقع في ورطة القيام بالفعل القبيح، وهو يظنه حسنًا، ويمتنع عن الفعل الحسن، وهو يظنه قبيحًا.

الإنسَان يملك قوى متعددة مُؤثِّرَة دَافِعة لِلعَمَل
وأن يجعل حامل الدعوى القوى الدافعة إلى العمل قُوىً روحية:
ـــــــ يملك الإِنسان قُوىً مادية تتمثل في جسمه وفي الرسائل التي يستعملها لإِشباع شهواته وهي أضعف القوى تأثيرًا.
ويملك قوى معنوية تتمثل في الصفات المعنوية التي يهدف إلى الاتصاف بها وهي أكثر تأثيرًا من القوى المادية.
ويملك قوى روحية تتمثل في إدراكه لصلته بالله سبحانه وتعالى، وهذه القوى الروحية أقواها تأثيرًا وأشدها فاعلية.
وقد حرص الإِسلام على جعل القوى الدافعة للمسلم قوى روحية، حتى ولو كانت مظاهرها ماديَّة أو معنوية. وحتم عليه أن يقوم بأعماله كلها، صغيرها وكبيرها، بحسب أوامر الله ونواهيه. وطلب منه أن يصبر ويصابر إزاء المحن والشدائد حتى لا يأبَه لأي مصيبة إذا كانت في سبيل الله، ولا يفرح بنعمةٍ، إن لم يكن فيها نصيبٌ الله.

الوَعي السياسي
وان يكون حامل الدعوة واعيًا سياسيًّا:
ــــــ حديث شريف: « من أصبح ولم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ». والاهتمام هو التدبر لرعاية الشؤون، ورعاية الشؤون هي السياسةُ، والوعي هو الإدراك المركز، والوعي السياسي هو النظرة إلى العالم من زاوية خاصة، لأن النظرة، إن لم تكن من الزاوية المذكورة، كانت سطحيةً لا وعيًا سياسيًّا. أما النظرة إلى المجال المحلي وحدة فتفاهة لا غير. ووعي الأوضاع السياسية أو الموقف الدولي أو الحوادث السياسية غير الوعي السياسي، لأن وعيَ الأوضاع السياسية أو الموقف الدولي، أو الحوادث السياسية هو تدبرها. أما الوعي السياسي، فهو تدبر الإِنسان لرعاية شؤونه على أساس مركز، وهو يقوم على أمرين اثنين:
أولًا: أن تكون النظرة إلى العالم كله.
ثانيًا: أن تنطلق هذه النظرة من زاوية خاصة محددة.
المقصود بالنظرة إلى العالم هو التركيز في النظرة على الإِنسان الذي يعيش في العالم، والمقصود بالنظرة من زاوية خاصة التركيز في مفهوم الحياة القائمة على فلسفة خاصة محددة مهما كانت هذه الفلسفة، مبدأ معينًا أو فكرة معينة.
لكن الفلسفة الخاصة، إن كانت مبدأ جعلت الوعي السياسي ثابتًا آخذًا طريقه في مسير غاياته كلها نحو غاية واحدة لا يتحول عنها، ويكسب العراقة والتركيز في نفس الأمة لا في نفوس الأفراد فحسب. والوعي السياسي يحتم طبيعيًّا خوض النضال في سبيل تكوين مفهوم معين عن الحياة لدى الإنسان، من حيث هو إنسان في كل مكان، وتكوين هذا المفهوم هو المسؤولية الأولى التي ألقيت على الوعي، ولا تنال الراحة إلا ببذل المشقة في أدائها. والواعي سياسيًّا يتحتم عليه أن يخوض النضال ضد جميع الاتجاهات التي تناقض اتجاهه وضد جميع المفاهيم التي تناقض مفاهيمه إذا أراد غرس اتجاهاته، ولا ينفصل أحدهما عن الآخر في النضال قيد شعرة.
والوعي السياسي لا يعني الإِحاطة بما في العالم، وإنما يعني أن تكون النظرة إلى العالم من زاوية خاصة، مهما كانت معرفته بهذه الزاوية قليلة أو كثيرة، فمجرد تكوين النظرة إلى العالم النابعة من زاوية خاصة يدل على وجود الوعي السياسي، وإن كان يتفاوت هذا الوعي قوة وضعفًا يتفاوت المعارف للعالم وللزاوية.
بناء على ذلك فالوعي السياسي لا يخص السياسيين والمفكرين، وإنما هو عام وممكن أن يكون حتى لدى العامة والأميين كما يمكن إيجاده لدى العلماء والمتعلمين. والوعي السياسي حاجة ملحة لا غنى عن تأمينها لدى الأمة الإِسلامية ومن دون هذا الوعي لا يمكن إدراك قيمة الإسلام في حياة الأفراد والمجتمع، ولا يمكن ضمان سير الأمة مع الذين يكافحون الاستعمار سرًا دائميًّا في جميع الظروف. في الانتصار والهزيمة على السواء.
ومن دونه تتعطل فضائل الإِسلام وتزداد حالة الأمة سوءًا وتنقطع أسباب الرقي عنها، وتهدر كل الجهود التي تبذل في إنهاضها. فوجود الوعي السياسي مسألة في منتهى الضرورة للأمة الإِسلامية وهي، من دون مبالغة، مسألة حياة أو موت ويظهر في الأمة إذا نظرت إلى العالم من زاوية الإِسلام. ولكن لا يظهر هذا الوعي لدى الفرد إلا إذا نما وتفتح.
ومن هنا كان على الواعي سياسيًّا ألّا ينحصر ذهنه في القضايا المهمة وما يقع فيها من أعمال سياسية، بل يجب أن يجعل نظرته نظرة واسعة بحيث تتناول كل عمل سياسي يحصل من أي دولة كبرى.
ومما يجب هنا النظر إليه أن السياسي حين ينظر في الأعمال السياسية يجب أن يبعدها من التجريد والشمول وأن يربط كل عمل بالظروف المحيطة به والملابسات التي تكتنفه، فلا يصح أن يأخذ العمل مجردًا من ظروفه وملابساته، ولا يصح أن يعمم الموضوع تعمميًّا شاملًا، ولا يصح أن يقيس على العمل الواحد أيّ أعمال أخرى، ولا أن يرتب الأعمال ترتيبًا منطقيًّا فيصل إلى نتائج منطقية، بل يجب أن يتجنب ذلك ويبتعد عنه، فلا يوجد أخطر على الفهم السياسي من المنطق والقياس، لأن أعمال الحياة متباينة ومختلفة ولا يشبه بعضها بعضًا، بل كل عمل له ظروفه وله ملابساته، لذلك عليه أن يربط العمل بالمعلومات السياسية المتعلقة به. وأن يأخذه وسط ظروفه وملابساته، وحينئذٍ يفهمه فهمًا أقرب إلى الصواب.
والواعي سياسيًّا يحذرُ دائمًا أن يكون ذهنه فريسة الدعايات والإعلانات، ويتحامى أن يضيع عن الوقائع أو يضل في تحري الحقيقة عن الغاية التي يعمل لها، والميزة التي يتمتع بها الواعي سياسيًّا هي الحذر في تلقي الأنباء والآراء من أن يعلق بها شيء مهما بلغت تفاهته.
ويحذر الواعي سياسيًّا من تسلط ميوله على الآراء والأنباء، فرغبات النفس لشيء ذاتي أو جزئي أو مبدئي قد يفسر الرأيَ والنبِأ، أو قد يضفي عليه ما يجعله يخيل إلى الرائي أنه صدق، وهو كذب، أو يُخيّلُ إليه أنه كذب وهو صدق، ولذلك لا بد من أن يتبين القول الذي يُقال والعمل الذي يعمل، ولا يكفي أن يدرك ذلك. بل إن الواعي سياسيًّا هو الذي يدرك الأشياء ويعلنها للناس ويضعها على بساط البحث والمناقشة حتى يعمل على إيجاد الوعي عند الأمة في مجموعها، حتى لا تؤخذ بعد بالألفاظ والأسماء والألقاب، وتتعود غربلة الأبناء والآراء وتصفيتها، ولا يصح اعتبار المرء واعيًا سياسيًّا إذا كان يقول شيئًا ويعمل بخلافه، أو يرى رأيًا ولا يجهد في تطبيقه. إن إيمان الواعي بمبدأ أو فكرة وعيًا سياسيًّا يتمثل في أفعاله وليس فقط في خطاباته وكتاباته أو في أحاديثه ومناقشاته. فإذا لم تتجسّد أفكاره في أعمال وآثار، حق لغيره أن يشكّ في وعيه أو في صحه وعيه على الأقل. فالواعون، أفرادًا كانوا وجماعات، لا يتأكد وعيهم إلا بالعمل، ولا يظهر صدقهم إلا بالإقدام والتضحية.
وهذه هي العلامةُ الفارقةُ للوعي السياسي الصحيح.
بناء على ذلك لا بُدّ من أن ينفق من الجهد أقصى حد في تكوين الوعي السياسي لدى الأمة، وبقدر ما ينفق من جهد في إيجاد المفاهيم الإِسلامية وإذكاء المشاعر الإِسلامية، يرتفع الوعي ويقوى. فإيجاد الشعور في حاجة العالم إلى الإِسلام يجب أن ينبثق عن الشعور في حاجة الأمة إلى الإِسلام. أي يجب أن ينفق الجهد لأن تنظر الأمة إلى العالم من زاوية الإِسلام حتى تتركز هذه النظرة ولو إجمالًا في جمهرة الناس، وأن يلاحظ هذا الأساس عند بذل الجهد ليفهم الإِسلام وتثار أشواق الناس إليه ما دامت تعاليمه فطرية.

cetirizin netdoktor cetirizin yan etkileri cetirizin hund dosis
ciloxan notice kobhvorlangtid.site ciloxan alkohol



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB