صفات الداعية وكيفية حمل الدعوة
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   226
تاريخ النشر :   1985




كيفيّة حمَل الدَّعْوة الإِسْلامِيَّة

قالَ رَسُول الله صلى الله عليه وآله وسلم
«يَحْمِلُ هذا الدّينَ في كُلِّ قَرْنٍ عُدُولٌ يَنْفُونَ عَنْهُ تَأوِيل المُبْطِلينَ وتَحْرِيفَ الغَالِينَ وَانْتِحالَ الجَاهلينَ كَمَا يَنْفي الكِيُر خَبَثَ الحَديد».






على حَامِل الدّعَوة أن يَكونَ عارفًا لأِمّتِه
مُطَّلِعًا عَلى خَفَايَاها
واقِفًا على أسْرَارِ نَفْسِيَّتِها
خَبيرًا بِطُرُقِ تَوْجيهِهَا
يَعْرفُ كَيْفَ يُخَاطِبُها بِلُغَتِهَا
وَكَيْفَ يَتَمَلَّكُ زِمَامَهَا
وَكَيْفَ يَكُونُ مَوْضِعَ تَقْدِيرِهَا وَاحْتِرامِهَا
وَلا يَكُونُ لَهُ ذلِكَ
إِلاّ إِذَا حَاوَلَ أَنْ يُكَمِّلَ نَفْسَه.


محَاولاَتُ التوفيق

على حامل الدعوة الإِسلامية أن يطلع على محاولات التوفيق بين الإسلام والأفكار والأحكام الغريبة عن هذا الدين:
ـــــــ إن ميول معظم المسلمين قد جاوزت محاولة التوفيق بين الإسلام والأحكام والمعالجات الرأسمالية. ووصلت إلى حد الشعور بعجز الإسلام عن إيجاد معالجات لمشاكل الحياة المتجددة، وبالتالي الشعور بضرورة أخذ الأحكام والمعالجات الرأسمالية، كما هي، أي من دون أي حاجة إلى توفيق، بحيث لم يعد يرى المسلم ضيرًا في ترك أحكام الإسلام وأخذ غيرها من الأحكام ليتمكن من السير قدمًا في معترك الحياة في العالم المتمدن، ويلحق بقافلة الأمم الرأسمالية أو الشعوب التي تطبق الاشتراكية وتسير نحو الشيوعية كونها الشعوب الراقية في نظره. وأما البقية الباقية من المتمسكين بالإسلام فلديهم الميل نفسه للأفكار الرأسمالية، لكنهم لا يزالون يأملون في إمكانية التوفيق بينها وبين الإسلام. لكن هؤلاء الذين يحاولون التوفيق بين الإسلام وغيره لا أثر لهم في معترك الحياة، ولا وجود لهم في المجتمع، أي في العلاقات الدائرة فعلًا بين الناس.
من هنا كان إعطاء الأفكار الإسلامية والأحكام الشرعية دفعًا لمعالجة مشاكل الحياة، لا يمر بسهولة، بل يصطدم بعقول عقيمة بائسة مجردة من كل تفكير. ويصطدم بالميول الموزعة بين الأفكار الرأسمالية أو الاشتراكية، كما يصطدم بواقع الحياة العملية التي يتحكم فيها النظام الرأسمالي. فما لم يكن الفكر قويًّا إلى درجة إحداث رجة في النفوس والعقول، فإنه عاجزٌ عن أن يهزّ الناس، بل لا يمكن أن يصل إلى حالة تلفتُ النظر. لأن واجب هذا الفكر أن يحمل العقول الخاملة السطحية على التعمق في التفكير، وأن يهز الميول المنحرفة، والأذواق المريضة، حتى يوجد الميل الصادق للأفكار الإِسلامية والأحكام الشرعية.
ومن هنا كان لزامًا على حامل الدعوة الإسلامية أن يتعرض للأسس التي تقوم عليها جميع المعالجات والاحكام المخالفة للإسلام وأن يبين زيفها بإظهار واقعها وأن يعمد إلى وقائع الحياة المتجددة المتعددة، فيبين علاج الإسلام لها كونه أحكامًا شرعية مستنبطة من الكتاب والسنّة أو مما أرشد إليه الكتاب والسنّة من أدلة، لا من حيث صلاحيتها للعصر أو عدم صلاحيتها. ومن أعظم ما فتن به المسلمون وأشد ما يعانون من بلاء في واقع حياتهم الأفكار المتعلقة بالحكم والاقتصاد. فهي من أكثر الأفكار التي وجدت ترحيبًا لدى المسلمين ومن أكثر الأفكار التي وجدت ترحيبًا لدى المسلمين ومن أكثر الأفكار التي يحاول الغربُ تطبيقها عمليًّا ويسهر على تطبيقها في دأب متواصل. وإذا كانت الأمة الإسلامية محكومة بنظام ديمقراطي من حيث الشكل، فإنها محكومة بالنظام الاقتصادي الرأسمالي عمليًّا.
لذلك كانت أفكار المسلمين عن الاقتصاد من أكثر الأفكار المؤثرة في واقع الحياة الاقتصادية في العالم الإسلامي من حيث إنها ستقلبها رأسًا على عقب، وستكون من أكثر الأفكار التي يحاربها الاستعمار وعملاؤه والمفتونون به من الظلاميين.
لذلك لم يكن بد من إعطاء صورة واضحة عن الاقتصاد في النظام الرأسمالي والاشتراكي الشيوعي والأسس التي يقوم عليها كل منهما حتى يلمس عشاق هذين النظامين تناقضهما مع الإسلام.
ثم يرون الأفكار الإسلامية الاقتصادية، وهي تعالج مشاكل الحياة الاقتصادية المعالجة الصحيحة، وتجعلها طرازًا خاصًّا من العيش يتناقض مع الحياة الرأسمالية والاشتراكية الشيوعية في الأسس والتفاصيل.

الخَوفُ «مَظهر منْ مَظاهِر غَريزة حُبّ البقَاء»
وعلى حامل الدعوة ألّا يخاف إلا من الله سبحانه وتعالى:
ـــــــ الخوف مشكلة من المشكلات الخطيرة التي تكابدها الشعوب المختلفة والأمم الضعيفة.
وإذا سيطر الخوف على شخص وشلّ ذاكرته وقابلية التمييز فيه، أفقده لذة العيش، وأنبل الصفات، وأربكه ذهنيًّا حتى يفقد القدرة في الحكم على الأشياء.
وأخطر أنواع الخوف، الخوف من الأوهام والأشباح. كما لو رأى المرء شجرة فتوهمها حيوانًا مفترسًا، وإذا رأى عمودًا تخيله شبحًا فأسرع في الهرب منه. ولا يكون ذلك إلا عند ضعاف العقول إما لأن نموهم العقلي لم يكتمل كالأطفال، أو لعدم معرفة المعلومات الكافية بالواقع. ويعالج الخوف لدى هؤلاء إما بالتعمق في البحث وتقريب الأشياء لإدراكهم، وإما بإعطائهم أفكارًا متصلة بما يخافون منه على أن يكون لهذه الأفكار واقع محسوس لديهم، وبهذا العلاج يتخلصون من سيطرة الخوف إما بإزالته أو تخفيفه تدريجًا إلى أن تنقلع بقاياه...
وهناك نوع من الخوف شائع ناجم عن عدم الموازنة بين ما ينجم عن القيام بالعمل، وما ينجم عن عدم القيام به. وكلاهما يسبب أذى، فيؤدي الخطأ في هذه الموازنة إلى الخوف من بسائط الأمور والوقوع في المخاطر، وذلك كالخوف من الحاكم الظالم، في أن يوقع الأذى بالفرد الذي يؤدي بدوره إلى إيقاع الأذى بالأمة، وكخوف الجندي في ساحة القتال من الموت الذي يؤدي إلى إبادة الجيش كله، وهو واحد منه، وكالخوف من السجن في سبيل العقيدة التي يحملها المرء، مما يؤدي إلى ضياع العقيدة، وهو أكثر ألمًا من السجن.
وهذا الخوف خطير جدًّا على الأمة يؤدي إلى المخاطر، بل ربما إلى الدمار والهلاك.
لكن الخوف نافع ومفيد في بعض الأحيان، فالخوف من الأخطار الحقيقية أمر مفيد أحيانًا، وهو واجب، والاستهتار به ضارّ، ولا يجوز، سواء كانت الأخطار على الفرد نفسه أو على أمته، فالخوف في هذه الحالة هو الحارس والحامي.
لذلك لم يكن بد من شرح الأخطار المحدقة بالأمة حتى تحسب حسابها وتعمل للدفاع عن نفسها وتقضي على الأخطار المذكورة.
والخوف من الله ومن عذابه أمر مفيد وواجب وهو الحارس الأمين.
لذلك كان هذا النوع من الخوف أروع أنواعه في النفوس. إنه نافع ومفيد. ويجب أن يكون وأن يعمل على تكوينه، لأنه هو الحارس الأمين، وهو الذي يضمن سير الإنسان على الصراط المستقيم.
وبناء عليه، فإن الخوف جزء من فطرة الإنسان...
والمفاهيم التي تثيره فيه، أو تبعده عنه. وهو كما رأينا من أخطر الأمور على الإنسان من نواحٍ، كما أنه من أكثرها فائدة في نواح أخرى.
فلكي يتقي الإِنسان أخطاره ويتمتع بمنافعه عليه أن يخضع للمفاهيم الصادقة وحدها، ألا وهي مفاهيم الإسلام.
وذلك بالنسبة إلى جميع مظاهر الغرائز التي فطر عليها الإِنسان.

الحَقيقَة
وعلى حامل الدعوة أن يلتزم دائمًا بالحقيقة:
إن جميع الأفكار الموجودة في الدنيا والتي توجد، لا يعني كونها فكرًا إنها حقيقة، بل لا بد من أن ينطبق الفكر على الواقع حتى يكون حقيقة. ولأجل معرفة أن الفكر حقيقة أم لا، لا بد من تطبيق هذا الفكر على الواقع الذي يدل عليه، فإن انطبق عليه كان حقيقةً وإن لم ينطبق عليه لم يكن حقيقة. فالتفكير في الحقائق لا يعني القيام بالعملية العقلية فحسب، بل يعني القيام بالعملية العقلية، وتطبيق الفكر الذي نجم عن العملية العقلية على الواقع الذي يدل عليه، فإذا انطبق عليه كان حقيقة، وإن لم ينطبق عليه لم يكن حقيقة. ولا يقال إن هناك أشياء لا يمكن معرفة انطباق الواقع عليها، لأنها لا تحس، لا يقال ذلك لأن شرط التفكير الإحساس بالواقع، فما لم يكن واقعًا يحس لا يكون فكرًا وبالتالي لا يكون حقيقة. فوجود الله مثلًا، ليس فكرة، بل هو حقيقة. فإن الحس قد نقل أثره إلى الدماغ قال تعالى: {فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ} [الروم: 50]، وهي المخلوقات من عدم، وهذا جعلنا نحكم على وجود. فوجود الله حقيقة قوله تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} [الذاريات: 20 ـــــــ 23]. أما ذات الله فإنها لا تقع تحت الحس لذلك لا نستطيع الحكم عليها. فلا يوجد شيء من الحقائق التي توصل أو يتوصل إليه العقل، إلا ويقع عليه الحس. فالحقيقة لا بد من أن يقع عليها الحس، ولا بد من أن يجري التفكير فيها عن طريق العقل.
فالتفكير في الحقيقة هو تطبيق الفكر على الواقع الذي يدل عليه، فإن انطبق عليه كان حقيقة، وإن لم ينطبق عليه لم يكن حقيقة. والتفكير في الحقيقة أمر لا بد منه للناس جميعًا من أفرادٍ وشعوبٍ وأمم، ولا سيّما من يتحملون مسؤوليات مهما كانت صغيرة، لأن الأفكار كثيرًا ما تكون سببًا للخطأ، وسببًا للضلال، فلا يصح أخذ الفكر أي فكر، على أنه حقيقة، بل يؤخذ على أنه فكر فقط، ثم يجري تطبيقه على الواقع الذي يدل عليه، فإن انطبق عليه كان حقيقةً، وإلا لم يكن حقيقة وإن كان فكرًا. فالتفكير في الحقيقة، سواء أكان ابتداء، مثل القيام بالعملية العقلية للوصول إلى الفكر، تم تطبيق هذا الفكر على الواقع حتى ينطبق عليه، فإذا انطبق عليه كان حقيقةً، وإلا فيجب أن يجري البحث عن الحقيقة، أي عن الفكر الذي ينطبق على الواقع الذي يدل عليه، أو لم يكن ابتداء، بل كان عن طريق أخذ الأفكار الموجودة والبحث عن الحقائق منها. مثل القيام بتطبيق الأفكار الموجودة على الواقع، للوصول إلى الحقيقة.
وهنا لا بد من لفت النظر إلى أمرين: أحدهما المغالطات التي تحصل في الحقائق، والثاني المغالطات التي تصرف عن الوصول إلى الحقائق. أما المغالطات التي تحصل عن الحقائق، فإنها تحصل من جراء التشابه الذي يحصل بين الحقائق أو الأفكار فيتخذ هذا التشابه أداة لطمس الحقائق، أو يكون باستعمال حقيقة من الحقائق لطمس حقيقة أخرى، أو يكون بالتشكيك في حقيقة من الحقائق، من أنها ليست حقيقة، أو كانت حقيقة في ظرف وتغيَّر هذا الظرفُ. إلى غير ذلك من الأساليب. فمثلًا كون اليهود أعداء للمسلمين حقيقة، وكون اليهود أعداء لأهل فلسطين حقيقة، وهاتان حقيقتان متشابهتان أو متداخلتان، لكن المغالطة جعلت حقيقة العداء بين اليهود وأهل فلسطين هي البارزة بل هي الملاحظة، فاتخذ هذا التشابه أو التداخل أداة لطمس حقيقة العداء بين اليهود والمسلمين. وكون الفكر القائل: (إن الحرية موجودة عند أميركا حقيقة) وكون الفكر القائل: (إن أميركا إنما يختار رؤساءها الرأسماليون حقيقة)، هما فكران متشابهان، من حيث إن كلًّا منهما يدل على واقع أميركا، ولكن اتخذت حقيقة الحرية أداة لطمس حقيقة كون الرأسماليين هم الذين يختارون رؤساء أميركا. فطمست هذه الحقيقة، وصار المعروف أن الذي ينجح رئيسًا في أميركا هو من له شعبية أكثر. ومثلًا كون إنكلترا ضد الوحدة الأوروبية حقيقة، وكون إنكلترا تريد تقوية نفسها بأوروبا الموحدة حقيقة. فاتخذت الحقيقة الثانية أداة لطمس الحقيقة الأولى، وبذلك دخلت إنكلترا السوق المشتركة. ومثلًا، كون الإسلام قوة لا تغلب حقيقة، ولكن جرى التشكيك في هذه الحقيقة حتى أصبح الرأي بأن هذا ليس حقيقة، أو كان حقيقة في أول الإسلام، ثم تغير الزمن فلم تعد حقيقة. وهكذا تجري المغالطات في الحقائق فتطمس إما بحقائق أخرى أو بالتشكيك في تلك الحقائق. وهذا ما حذق فعله الغرب في الحقائق الموجودة عند المسلمين.
وأما المغالطات التي تصرف عن الحقائق، فإنها تحصل بإيجاد أعمال تصرف عن الحقائق، أو إيجاد أفكار تصرف عن الحقائق. فمثلًا كون الأمة لا تنهض إلا بالفكر حقيقة، ولكن لصرف المسلمين عن الفكر، شجعت الأعمال المادية من مظاهرات واضطرابات وثورات لصرف الناس عن الفكر، وانشغالهم بالعمل، فطمست الحقيقة الأساسية وهي أن الأمة لا تنهض إلا بالفكر وحل محلها أن الأمة لا تنهض إلا بالثورة. وكذلك لصرف المسلمين عن حقيقة النهضة وُجِدت أفكار تدعي أن النهضة تكون بالأخلاق، وأن النهضة تكون بالعبادات، وأن النهضة تكون بالاقتصاد إلى غير ذلك من الأفكار. وهكذا تجري المغالطات لصرف الناس عن الوصول إلى الحقائق.
لذلك لا بد من الانتباه إلى المغالطات، ولا بد من التمسك بالحقائق والقبض على الحقيقة بيد فولاذية، ولا بد من العمق في الفكر والإخلاص في التفكير للوصول إلى الحقائق. ومن أخطر ما يحصل لعدم الانتفاع بالحقائق، هو اهمال حقائق التاريخ، ولا سيما الحقائق الأساسية فيه، ذلك أن التاريخ فيه حقائق ثابتة، وفيه آراء وليدة ظروف، فالأراء التي هي وليدة ظروف ليست حقائق، وإنما هي حوادث،ـ فلا يصح أن ينتفع بها، ولا يصح أن تطبق في ظروف مختلفة عن ظروفها. ولكن يبدو أنهم جعلوا النظر إلى التاريخ كله من خلال نظرة واحدة، بينما أهملوا حقائق التاريخ. ولم يجر التمييز بين الحقائق والوقائع، لذلك لم يلتفت إلى الحقائق. فمثلًا كون الغربيين اتخذوا الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط وخصوصًا سواحل مصر وبلاد الشام لغزو الدولة الإسلامية حقيقة، لكن انتصار الغربيين على المسلمين حادث تاريخ وليس حقيقة. فاختلطت الحوادث بالحقائق، وأهملت فيه الحقائق، حتى تنوسيَ كون الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط هو ثغرةٌ يَنْفذُ منها العدو إلى داخل بلاد الشام. ومثلًا كون فكرة القومية هي التي زعزعت كيان الدولة العثمانية، وكون المسلمين حاربوا الغرب كعثمانيين مسلمين لا كمسلمين فحسب حقيقة. لكن انهزام العثمانيين في أوروبا ثم انهزامهم في الحروب العالمية حدث من أحداث التاريخ، ولكن جعل النظر إلى تاريخ الحروب بين العثمانيين والأوروبيين، وتاريخ الحروب العالمية على أنه شيء واحد وينظر إليه نظرة واحدة مما أهملت معه الحقائق في هذه الحروب، وأهملت معه حقائق التاريخ، فاختلطت الحقائق بالحوادث، ثم تُنوسِيَت الحقائق، حتى تُنوسِيَ كون الفكرة هي سبب الانهزام للعثمانيين في أوروبا وفي الحروب العالمية الأولى. وهكذا جميع حوادث التاريخ قد جرى فيها إهمال الحقائق، فلم ينتفع بحقائق التاريخ، مع أن حقائق التاريخ هي أغلى ما لدى الإنسان، وأعلى أنواع الأفكار.
فالتفكير في الحقائق، سواء بالوصول إليها، أو بتمييزها من غير الحقائق، أو بالقبض عليها بيد من حديد، والانتفاع بهذه الحقائق، هو التفكير المجدي، والتفكير الذي يكون له آثار هائلة في حياة الأفراد والشعوب والأمم، وما فائدة التفكير إذا لم يؤخذ للعمل به، وإذا لم يقبض على الحقائق ويتمسك بها، وإذا لم يميز بين الحقيقة وغير الحقيقة؟
على أن الحقائق هي أمر قطعي، وهي ثابتة لا تتغير، وهي يقينية قطعية، لا يؤثر فيها اختلاف الظروف ولا تغير الأحوال. صحيح أن الفكر لا يصح تجريده من ظروفه، ومن الأحوال التي تكتنفه، ولا يقاس عليه قياسًا شموليًّا، لكن هذا هو الفكر من حيث هو فكر إذا لم يكن حقيقة. أما إذا كان الفكر حقيقة، فإنه لا يصح أن ينظر فيه إلى الظروف والأحوال مهما تغيرت أو تبدلت. بل يجب أن يؤخذ كما هو بغض النظر عن الظروف والأحوال. ولا سيما أن الحقائق لا تؤخذ بالطريقة العلمية التي هي طريقة ظنية، بل تؤخذ بالطريقة العقلية وبالجانب اليقيني منها. لأنها أي الحقائق تتعلق بالوجود، لا بالكُنْه ولا بالصفات. فإن انطباق الفكر على الواقع الذي يدل عليه يجب أن يكون انطباقًا يقينيًّا، حتى يكون حقيقة. لذلك لا بد من التفكير في الحقائق، ولا بد من القبض على الحقائق بيد من حديد.

صِدْقُ المُعَامَلة
وعلى حامل الدعوة أن يكون صادق المعاملة:
ـــــــ العاطفة القوية الصادقة المخلصة قادرة على التأثير، بعد الانتهاء من جميع الوسائل الممكن أن يكون من ورائها الصلاح، فعلى الإنسان أن يأخذ غيرة الأب بالنسبة إلى ولده فيراه أقوى على إصلاحه، ويراه يستعمل جميع الوسائل، التي تؤدي إلى نتيجة يرغبها، ويرضى عنها حتى إذا فرغ منها، وتملكه اليأس، تركه وحاول نسيانه. مع العلم أن العاطفة تخف، لكنها سرعان ما تعود بقوة أكثر مما كانت عليه، إذا رجع هذا الولد إلى صوابه واهتدى إلى طريقه... فعلى حملة الدعوة الإسلامية أن يصبروا على عباد الله ومخلوقاته، ويستعملوا جميع الوسائل الممكنة، على ألّا تخالف الشرع ولا تتعدى حدود الله، وليعلموا أن هذه المخلوقات عزيزة على الله ولها شأنٌ يذكر إذا رجعت إلى هداها، وأبصرت طريقها، وثابت إلى بارئها، وأدركت حقيقة وجودها، وعليهم ألّا يروا شيئًا مستحيلًا، وإذا حاول اليأس أن يتملكهم، فعليهم أن يبعدوه بالصبر والتقوى والمصابرة، {اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ} [آل عمران: 200].
إذ عندما يكون العمل لله، والقول صادرًا عن أشياء تتعلق بثواب الله أو عقابه، يترك حكم ذلك لله، ولا يجوز لاي عبد أن يصدر أي حكم عليها، لأنها ليست من خصائصه، فإذا حكم لا يكون حكمه مقطوعًا به.
والأمة بالنسبة إلى أيّ حركة تقف منها موقفين لا ثالث لهما:
1 ـــــــ موقف اللامبالاة: وهو يميتها.
2 ـــــــ موقف الاهتمام: كرهًا أو تأييدًا، وهو يحييها.
الصَبر
وعلى حامل الدعوة أن يتحلى بالصبر:
1 ـــــــ على كل مؤمن بحركة أن يتحلى بالصبر.
2 ـــــــ على كل مؤمن بحركة أن يقوم بالأعمال التالية:
ـــــــ أن يتصل بالجمهور اتصالًا وثيقًا.
ـــــــ أن يوضح فكرته ويشرح الطريقة التي توصل إلى تنفيذ الفكرة.
3 ـــــــ أن يصبر على جميع التقلبات التي تقع عليه من جميع الجهات لأن الله تعالى يقول: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 35] ويقول: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا} [المعارج: 5] ويقول على لسان لقمان سلام الله عليه يوصي ابنه: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17]. فإن طاعة الله بإقامة الصلاة وشروطها، وحمل الدعوة الإسلامية والصبر على مشاكل الحياة، وما ينجم عنها من متاعب يُعدّ من عزم الأمور. وأولو العزم الذين ذكرهم الله سبحانه وتعالى هم الأنبياء الخمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد سلام الله عليهم جميعًا فمن أراد أن يتشرف بهذا الشرف العظيم فعليه أن يطبق مفهوم هذه الآية الكريمة.
الجهَاد
وعلى حامل الدعوة أن يكون دائمًا مستعدًا للجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله:
ـــــــ الجهاد بذل الوسع بساحة القتال في سبيل الله لإعلاء كلمته مباشرة أو معاونة بمال أو رأي أو تكثير سواد، أو غير ذلك. وهو خاصٌّ بالقتال وما يتصل به مباشرة، كخطبةٍ في الجيش لتحميسه عند المعركة، أو كتابة للحثِّ على القتال. والجهاد فرض على جميع المسلمين بنص القرآن والحديث قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ} [البقرة: 193] وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 123] وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة». وفي حديث الحسن سلام الله عليه قال: «غدوةٌ أو روحة في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما فيها». والجهاد فرضُ كفاية ابتداء، وفرض عين إن هجم العدو. ومعنى كونه فرض كفاية ابتداء أن نبدأ بقتال العدو وإن لم يبدأنا، فإن لم يقم بالقتال ابتداء أحد في زمن ما أثم جميع المسلمين بتركه، ولا تسقط فريضته عن أهل إيران وباكستان بقيام أهل سوريا والأردن به مثلًا، بل يفرض على الأقرب فالأقرب من العدو إلى أن تقع الكفاية بمن قاموا بالقتال بالفعل، فلو لم تقع الكفاية إلا بكل المسلمين لصار الجهاد فرض عين على كل مسلم. وذلك كإقامة دولة تحكم بما أنزل الله على المسلمين، فإن قيامها فرضٌ عليهم جميعًا فإن أقامها بعضهم سقطت فريضتها، وإن لم يقمها المسلمون، ظلت فريضتها عليهم جميعًا، حتى تحصل الكفاية بإقامتها بالفعل. وكذلك الجهاد إن بقي العدو في الساحة ظل فرضًا على المسلمين حتى يدفع العدو. ومن هنا جاء الخطأ في تعريف الفقهاء لفرض الكفاية بأنه إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين، لأن هذا التعريف يقضي بأنه إذا قام أهل عمان بالجهاد ضد بريطانيا بالفعل سقط عن باقي المسلمين، ويقضي بأنه قام أهل فلسطين بالجهاد ضد إسرائيل بالفعل سقط عن باقي المسلمين. لأنه بحسب تعريفهم، قام بعضهم بالفرض، وهو الجهاد، فيسقط عن الباقين. وهذا خطأ بلا خلاف بين المسلمين منذ عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى اليوم، ويناقض نص القرآن القطعي في فرضه الجهاد حتى يخضع العدو.

الهَدَف
وعلى حامل الدعوة أن يتصور دائمًا الهدف الذي يسعى إليه.
ـــــــ علينا أن نغسل هذا الثوب الإسلامي الذي وسخته العصبية، ولطخته الأهواء الشخصية، وأسدلت عليه الثقافة الأجنبية ستارًا من الظلام. علينا أن نكرس حياتنا لغاية نبيلة، تأخذ بيد البشرية جمعاء. يجب أن نعيش لهدف معين، وهل يوجد حاليًّا لدى الأمة الإسلامية هدفٌ سامٍ تسعى لتحقيقه؟
إن الأمة التي تعيش على هامش الحياة يؤول أمرها إلى الخنوع والذل وستصير إلى التمزيق والتشتيت.
وبلوغ الهدف لا يكون إلا إذا سلكنا سبيل الطريقة العملية القائمة على أربعة أمور:
1 ـــــــ تصور الهدف.
2 ـــــــ الطريقة الموصلة إليه.
3 ـــــــ معرفة العوائق التي تقف بيننا وبين الهدف.
4 ـــــــ معرفة ما يبنى وما يهدم، حتى نبني ما يجب بناؤه ونهدم ما يجب هدمه.


الغَاية والهَدَف

وأما التفكير في الغاية والهدف، فإنه يكون أولًا: بتحديد ما يريده، أي تحديد ما يهدف إليه. وهذا التحديد ضروري للوصول إلى التفكير المثمر. وتحديد ما يريده ليس بالأمر السهل، فإن الأمم والشعوب المنحطة لا تعرف ما تريد، وقلما تستطيع معرفة ما تريد. والأفراد المنخفضو التفكير، وحتى الكثيرون من مرتفعي التفكير لا يحددون ما يريدون ومنهم من لا يستطيع تحديد ما يريد. أما الشعوب والأمم، فإنها لوجود مظهر القطيع بشكل بارز ومكون للتجمع، فإنه يتحكم فيهم التقليد،ويغلب عليهم عدم تمحيص الأفكار، لذلك تتكون عندهم أفكار مغلوطةٌ، فتوجد لديهم معلومات غير صادقة، ويندفعون من دون تحديد غاية، أو من دون أن يقصدوا تحديد غاية. لهذا يغلب عليهم عدم تحديد الغاية، أما الأفراد، فإنه لعدم وجود القصد لديهم، فإنهم لا يعنون أنفسهم بالغاية والهدف، لذلك يسيرون في تفكيرهم إلى غير غاية، فلا يكون لتفكيرهم ثمرة، ولا يسيرون نحو غاية محددة. مع أن التحديد في التفكير أمر لازم لجعل التفكير مثمرًا. ذلك أن التفكير أو العمل إنما يوجد من أجل شيء معين، أي من أجل غاية معينة، ومن أجل ذلك نرى أن كل إنسان يفكر، ولكن ليس كل إنسان قادرًا على تحقيق هدفه.
والغاية تختلف باختلاف الناس. فالأمة المنحطة غايتها أن تنهض، والأمة المتقدمة، غايتها أن تحقق جميع أنواع الأشباع. والشعب البدائي، غايته أن يظل محتفظًا بأوضاعه التي هو عليها، والشعب المتقدم غايته أن يحسن حاله وأن يحدث التغيير. والفرد المنخفض التفكير، غايته أن يشبع طاقته الحيوية، والشعب المرتفع التفكير، غايته أن يحسن نوع الإشباع لديه. وهكذا تختلف الغايات والأهداف باختلاف الناس، ومستواهم في التفكير، إلا إنه مهما تكن الغايات والأهداف، لدى الشعوب والأفراد، فإن الصبر على تحقيق الأهداف، والجد في ملاحقتها، إنما يكون في الغايات القريبة، والأهداف السهلة، فإشباع الجوعات، من حيث هو إشباع، غاية سهلة، حتى لو كانت غير قريبة، لذلك فإن طاقة الصبر عليها تكاد تكون موجودة عند كل إنسان، وإن كانت تتفاوت لدى الناس. فأنت تسعى لتأكل، أو تسعى لإطعام عيالك، أو تسعى لتملك، أو تسعى في طلب الأمان، وما شاكل ذلك، فإن تحقيق هذه الغايات موجودة لدى جمهرة الناس. أما أن تسعى لتنهض، أو لإنهاض شعبك، أو تسعى لرفع منزلتك، أو لرفع منزلة شعبك أو أمتك، فإنها غايات يحتاج تحقيقها إلى الصبر، وإلى ملاحقة جادة، وهذا ليس في مقدور كل إنسان فقد تبدأ الطريق، ولكن قد تُقَصِّر من دون تحقيق الغاية لما ينالك من تعب، ولفقدان الصبر. وقد تبدأ السعي، ولكن تبدأه غير جاد، وتسير به غير جاد، فتظل تسير، ولكن لن تحقق غاية، مع أنه لم ينلك التعب، ولم تفقد الصبر. لكنك غير جاد في السير، وتحقيق الغايات البعيدة يحتاج أول ما يحتاج إلى جدِّية، ثم إلى الصبر والملاحقة.
والأفراد أقدر على الصبر من الجماعات، أي من الشعوب والأمم. لأن الرؤية عندهم أكثر وضوحًا، وأقوى من عند الجماعات، لأن تَجَمُّعَ الناس يضعف لديهم التفكير، ويضعف لديهم الرؤية، لذلك كانت رؤية الواحد أقوى من رؤية الاثنين، وكلما كبر العدد قلّت الرؤية. لذلك لا يصح أن توضع للشعوب غايات بعيدة، فإنهم لا يسيرون لتحقيقها، وإن ساروا، فإنهم لا يسيرون بجدية، ولا يبلغون الغاية. ومن هنا كان لا بد من أن تكون الغاية التي توضع للشعوب غاية قريبة ممكنة التحقيق، ولو أدى إلى وضع غايات قريبة كمرحلة من المراحل، حتى إذا جرى تحقيقها انطلقوا إلى غاية أخرى وهكذا. لأن الجماعة، أقرب من الفرد لرؤية الممكن وأقل احتمالًا للمصاعب الكبيرة. فالممكن عقلًا لا تستطيع الشعوب، أن تجعله غاية، بل الممكن فعلًا هو الذي يمكن أن تراه وتسعى لتحقيقه. أما الأفراد فإنهم بشكل عام قادرون على رؤية «أن الممكن عقلا» ممكن فعلًا، وقادرون على الرؤية البعيدة، وهم أكثر صبرًا على المشقات وأكثر احتمالًا للمصاعب، وأقدر على السير في المرحلة البعيدة.
فالهدف أو الغاية من التفكير يجب أن تحدد، والهدف أو الغاية من العمل يجب أن تحدد، وأن تكون مرئية للبصر أو غاية للبصيرة وأن تكون ممكنة التحقيق عقلًا وفعلًا، وإلا فقدت كونها غاية. وإذا كان الأفراد لا بد من أن يكون لتفكيرهم وعملهم غاية، فإن الشعوب والأمم، لا بد من أن تكون لديها غاية، أو غايات. إلا إن غاية الشعوب والأمم لا يصح أن تكون بعيدة، بل لا بد من أن تكون قريبة، وكلما كانت أقرب، وأكثر تحقيقًا كانت أحسن وأقرب للإثمار، وأكثر إمكانية للتفكير والعمل. صحيح أن الشعوب والأمم لا تتصور أن تضع لنفسها غايات، ولا أن ترسم بمجموعها أهدافًا. لكن هذه الشعوب والأمم تشيعُ بينها أفكار، وتتخذ آراءَ، وتعتنق عقائد، كون هذه الأفكار هي أفكارها، وهذه الآراء هي آراءها، وهذه المعتقدات هي معتقداتها. وكذلك تطغى عليها غايات، إما من جراء أفكار وآراء ومعتقدات، وأما من جراء تجارب الحياة، وأما من جراء ما تكون فيه من حرمان أو إشباع. فتتكون لديها غايات: إمّا للقضاء على الحرمان، وإمّا لتحسين الإشباع.
وأخيرًا مما يجب أن يلفت النظر إليه هو التفريق بين الغاية والمثل الأعلى. فالمثل الأعلى هو غاية الغايات، ولا يشترط فيه إلا السعي لنواله وتحقيقه، فلا يشترط فيه أن يكون ممكن التحقيق فعلًا، ولكن يشترط فيه أن يكون ممكن التحقيق عقلًا. فالمثل الأعلى هو غير الغاية، وإن كان هو نفسه غاية. إلا إن الفرق بينه وبين الهدف والغاية هو أن الغاية لا بد من معرفتها قبل القيام بالعمل، ودوام معرفتها في أثناء القيام بالعمل، والسعي الحثيث لتحقيقها. والدأب حتى تُحقق فعلًا. أما المثل الأعلى فإنه يلاحظ مجرد ملاحظة في أثناء التفكير وفي أثناء الأعمال، وتكون جميع الأفكار والأعمال من أجل تحقيقه. فمثلًا رضوان الله هو المثل الأعلى للمسلمين، ولكل مسلم. وقد يَتّخِذُ بَعْضُهُمْ دخولَ الجنة مثلًا أعلى، وقد يتخذ بعضهم اتقاء دخول النار مثلًا أعلى، لكن هذين الأمرين وما شاكلهما، وإن كان يصح أن تكون غاية الغايات، لكنها لا يطلق عليها المثل الأعلى، فهي غايات لغايات قبلها ولكن توجد غاية بعدها. والمثل الأعلى وإن كان غاية الغايات لكنه لا تكون غاية بعده. وغاية الغايات التي لا غاية بعدها، هي رضوان الله تعالى.

الارتقاءُ المستمر
وعلى حامل الدعوة أن يسعى للأحسن بتصحيح مفاهيمه:
ـــــــ الحيوية في الحياة التي تدفع الإِنسان دائمًا إلى الأمام. ومهما صار الإِنسان المفكر مكتفيًّا من كل شيء، ومهما اعتقد الناس بأنه الشخص المثالي، فإن شعورهُ الصادق يدفعه للإيمان بأن الكمالَ لا حد له. والإِنسان يتميزُ بعقله، وسلوكه هو الذي يدل على ارتفاعه أو انخفاضه.

السلوك الإنساني
إنّ الإنسان إذا سلك طريقًا قويمة معينة، وربط نفسه إلى عجلة العربة السائرة على هذه الطريق وأعلن عن نفسه أنه لا يحيد قيد أنملة عنها، ثم سَوّلتْ له نفسه الابتعاد عن الطريق التي يسير عليها، أو فاجأه مرض أو انتابه ملل أو قصر ولو قليلًا، وجّه له اللوم والانتقاد ممن يعرفه، ولو كان من الذين لا يسيرون على الطريق نفسها، أو كان أقل منه سرعة في السير عليها: عندئذٍ يكون الإِنسان إذًا مربوطًا بالحبل الذي رَبَطَ نفسَهُ به، ويصعب عليه الإِفلات، حتى أمام مؤيديه ومخالفيه.
والسلوك الإِنساني مربوط بالمفهوم الإنساني، فعندما تجد شخصًا يُغيرُ سلوكه، ويُصرّ على هذا التغيير، فكن على يقين من أن مفهومه قد تغير، وصدق الله العظيم حيث يقول: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11].

الجدية في التفكيرُ والعَمَل
وعلى حامل الدعوة أن يكون جادًّا في تفكيره وعمله:
ـــــــ إن أكثر تفكير الناس خالٍ من الجدية، فهم يقومون بأعمالهم عن طريق العادة وبحكم الاستمرار. والجدية لا بد من أن تقصد قصدًا، والقصد أساسٌ لها، والجدية التي نعني هي الجدية التي تكون في مستوى ما يفكر فيه المرء فإن كانت الجدية دون مستوى التفكير لا تُعدّ جدية.
والجدية في التفكير لا تستلزم قصر المسافة بين الفكر والعمل ولا تقتضي طولها لأن العمل هو نتيجة للفكر، فقد يفكر المرء في السفر إلى أوروبا وقد تطول المسافة بين هذا التفكير وبين السفر إلى أوروبا، وقد يفكر في تناول الطعام ويطول الوقت بين التفكير وتناول الطعام. وقد يفكر في أن ينجح في تجارته أو يرتقى في وظيفته وقد تقصر المسافة بين تفكيره ونجاحه في تجارته أو ترقيته في وظيفته. وقد يفكر في إنهاض أمته وقد تقصر المسافة بين تفكيره ووجود النهضة. فالمسألة ليست بطول المسافة أو قصرها، لأن المسافة بين التفكير والعمل قد تكون قصيرة وقد تكون طويلة وهذا ليس مهمًّا بل المهم هو أن يوجد عملٌ من جراءِ التفكير، سواء أوجده المفكر نفسه أو أوجده سواه.
فالتفكير يجب أن يترجم إلى إنتاج معين سواء أكان كلامًا: كالشعر والأدب، أو كان أعمالًا كتلك التي يقوم بها العلماء في العلوم التجريبية، أو كان خططًا كتلك التي يقوم بها علماء السياسة وقادة الحروب. أو كان فعلًا ماديًّا كالطعام والتعليم والبناء، إلى غير ذلك من الأفعال...
وعليه فالجدية أمرٌ ضروري في التفكير، سواء أنتجَ أم أخفق في الإنتاج، ومن دون الجدية يكون التفكير عبثًا أو لهوًا أو رتيبًا يسير على وتيرة واحدة، بحكم العادة وبحكم التقليد. والتفكير الرتيب يستمرئ الحياة التي عليها المفكر والحياة التي عليها الناس، ويبعد من الأذهان فكرة التغير والتفكير في التغيير.
وعلى حامل الدعوة أن يكون دائب التفكير في التغيير لكل ما يخالف عقيدته:

التغيير
سبق أن ذكرنا أن واقع المسلمين في أواخر القرن العشرين أصبح واقعًا سيِّئًا جدًّا، إذ وصلوا إلى الحضيض في الهبوط الروحي، والانحطاط الفكري والتخلف المادي، لأنهم ضُلِّلوا وضلُّوا سياسيًّا إلى حدِّ القطيعة والاقتتال في ما بينهم، ننبِّه أن هذا الواقع الأليم يفرض ويؤكد ضرورة تغييره لاستعادة دَورهم الفاعل على الصعيد العالميِّ والإِنساني، ولكن عن طريق التغيير الإِسلامي المنشود الذي هو وحده الكفيل باستعادة ذلك الدور.. بل نُنَبِّهُ إلى أن القيام بمهمة التغيير يُعدّ تكليفًا شرعيًّا لا يجوز القعود عنه ولا التهاون فيه حتى لا نكون مأثومين عند الله سبحانه وتعالى..
وعندما نقول بضرورة التغيير الإِسلامي فذلك لأن المنهج الإِسلامي هو بطبيعته منهج تغييري يتناول الإِنسان والحياة والكون بنظرة شاملة متكاملة، لا مجال فيها للترقيع أو الاقتباس عن غيرها، إذ إن الإِسلام كلٌّ متكامل لا يحتاج إلى غيره في شيء سواء في المفاهيم والتعاليم والأحكام والأصول، أو في الفكرة والطريقة والمنهج والأساليب التي تكفل جميعها عملية التغيير. فالإِسلام عقيدة كاملة متكاملة، وتطبيقها يجب أن يكون كاملًا متكاملًا، بحيث تؤخذ كلًّا بلا أدنى تجزئة، إذْ لا يمكن تطبيق أحكامها أو منهجها مثلًا في بعض المجالات من دون مجالات أخرى، فإمَّا أن تكون القاعدة، ويكون المنهج، ويكون الكلُّ إسلاميًّا صرفًا، وإمَّا أن يكون غير الإِسلام ولا هوادة في ذلك.. ومن المعلوم أنه ما وصل المسلمون إلى واقعهم المأساوي اليوم إلا عندما أرادوا أَنصاف الحلول أو الاستعارة من المنهاهج الأرضية لتطبيقها في مجتمعاتهم الإِسلامية، فضاعوا وتاهوا عن الحقيقة، وقعدوا عن السبيل السويِّ حتى ابتعدوا عن منهجهم الأصيل، أي المنهج الرباني الذي لا يستوي معه منهج آخر، ما دامت جميع المناهج الأخرى هي من صُنعٍ الإِنسان. وكم تظلُّ هذه المناهج مقصرةً وناقصة وبعيدةً من بلوغ منهج الله تعالى الذي يبقى وحدَه الحق والصواب مهما كذب الناس على أنفسهم حين يضعون مناهج لهم تناهض مناهج السماء. فالمنهج الربانيُّ هو وحدهَ الذي يحقق العدل والقسط بين الناس ويحقق حاكمية الله تعالى في الأرض. فهل يريد الناس حاكمية أخرى غير حاكمية الله تبارك وتعالى؟... نعم، لقد أرادوا ذلك وابتدعوا نظمًا وتشريعات وضعية أقلُّ ما يقالُ فيها إنها لم تُراع قوانين الله سبحانه، ولم تتناسق مع قواعد حاكميته فسيطروا فيها على المجتمعات البشرية، وكانت النتائج التي لم تخفَ على كل ذي بصيرة: تخبُّطًا في الفوضى والمشاكل، وضياعًا وتياهًا، وسيطرةً للمادية والإِلحاد، وتنكُّرًا لقواعد العدل والإِنصاف، وهدرًا لحقوق الإِنسان وقيمه. وتجاهلًا لكلِّ المعاني التي تشرِّف الإِنسان وتقوده نحو الكمال والسعادة.. من هنا كان على المسلمين، وهم يحملون شريعة الله الكاملة، ويعتنقون مبدأه الحقّ، أن يدركوا قبل غيرهم، بُعدهم هم أنفسهم أولًا من إحقاق حاكمية الله تعالى في الأرض، وأن يلاحظوا بعد ذلك تنكُّر غيرهم لهذه الحاكميَّة.. وبهذا الإدراك يبرز العبء الثقيل الذي ينبغي أن يكون على عواتقهم بضرورة المبادرة إلى التغيير واستئناف الحياة الإسلامية امتثالًا لقوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} [آل عمران: 19]. وقوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} [النساء: 65]. وقوله تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [الشورى: 10].
إذًا فالتغيير يجب أن يقوم على المنهج الإسلامي والقاعدة الإِسلامية.. والتغيير الإسلامي ليس مجرد تغيير جانب من جوانب الحياة الإنسانية: الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية أو العقائدية.. بل هو بحكم طبيعته منهج كاملٌ وشاملٌ، يتناول جوانب الحياة الإِنسانية كلَّها، وجوانب الكون كلِّه، وجوانب الوجود كلِّه، فلا يترك صغيرة ولا كبيرة إلاَّ ويكون مَعْنِيًّا بشأنها، لأنَّ المصدر الذي يستقي منه المنهج هو مصدرٌ كاملٌ شاملٌ لم يترك شاردةً ولا واردةً إلاَّ أحصاها، وكان لها حكمها فيه..
والتغير المنشود سواء كان تغييرًا لنفوس الأفراد أو حالهم، أو تغييرًا للمجتمعات، أو تغييرًا لأوضاع الشعوب فإنه يجب أن ينطلق دائمًا من الأساس الذي تقوم عليه حياة الإِنسان، وأن يبدأ بالمجتمعات التي لا قواعد ولا أُسس تقوم عليها حياتها، أو التي تقوم على أساسٍ خاطئ، وأن يتناول الأوضاع غير المستقيمة وغير المستقرَّة، وينظر أولًا إلى هذا الأساس، فإن كان عقيدة عقليةً تتجاوب مع فطرة الإِنسان، فإنه حينئذٍ لا يحتاج إلى تغيير، بل ولا يطرأ تغييرها على قلبٍ بشريٍّ ولا يخطر في ذهن إنسان، ذلك أن التغيير إنما يُفترض حيث لا تكون الأشياء صحيحة، وحيث لا تكون الأمور مستقيمة، أو في كل مرة يكون الخطأ ماثلًا للعقل، أو بارزًا لمشاعر طاقة الإِنسان الحيوية.. أما إذا كان العقل موقنًا يقينًا جازمًا بصحة الشيء، واستقامة الأمر، وكانت الطاقة الحيوية مشبعة ومرتاحة.. فإن فكرة التغيير تنعدم كليًّا، ولا يعود يتأتَّى التفكير بالتغيير ما دام أساس الحياة عقيدة تتجاوب مع فطرة الإِنسان.
من هنا فإن المسلمين وقد نعموا بالعقيدة العقلية التي تتجاوب مع فطرة الإِنسان السليمة. كان غريبًا منهم أن يقعوا فيما وقع به غيرهم ممَّن ليس عندهم هذه العقيدة الحقة، فكان لزامًا عليهم أن يُحدثوا التغيير أولًا عن نفوسهم حتى تبقى أفكارهم ومشاعرهم متوافقة مع عقيدتهم، ثم كان عليهم أن يُحدثوا التغيير عند الناس الذين لا عقائد لهم، أو الذين لهم عقائد فاسدة لا تستقيم مع أحكام العقل، ولا تتجاوب مع فطرة الإِنسان.. وإحداث التغيير عند الناس يستدعي حمل الدعوة الإِسلامية إليهم حتى تصبح لديهم العقيدة العقلية التي تتجاوب مع فطرة الإِنسان وبذلك تتحقق حاكمية الله تعالى على الأرض، وتنعم البشرية بالعدالة التي يؤمِّنها لها الإِسلام..
فالتغير يجب أن يبدأ بالأساس، أي العقيدة التي يعتقدها الناس، أو بالعودة إلى هذه العقيدة عند من يؤمنون بها ولكن لا يعملون بحسبها. فإذا جرى تغيير هذا الأساس وحلَّ محله الأساسُ المقطوع بصحته وصدقه، فعندئذٍ يتحوَّل التفكير إلى تغيير المجتمعات والأوضاع، أي تغيير للمقاييس والمفاهيم والقناعات، لأنه إذا وجد الأساس الصحيح الصادق فإنه يكون هو المقياس الأساسي لجميع المقاييس، والمفهوم الأساسي لجميع المفاهيم، والقناعة الأساسية لجميع القناعات، وبه تتغير القيم كلُّها: قيم الأشياء، وقيم الأفكار؛ وبالتالي تتغير مقوِّمات الحياة.
فالتفكير بالتغيير لا بد من أن يكون عند الإِنسان، أو لا بد من أن يوجد عند الإِنسان. وكل من يملك عقيدة عقلية متجاوبة مع فطرة الإِنسان يوجد لديه التفكير في التغيير إما بالقوة، أي بأن يكون كامنًا فيه، وإما بالفعل كأن يباشر التفكير في التغيير أثناء خوضه معترك الحياة...
والتفكير في التغيير لا يعني أنه موجود فقط عند الذين يشعرون بضرورة تغيير أحوالهم أو أفكارهم، بل هو موجود ما دام في الكون حالة تقتضي التغيير، لذلك فإن التفكير في التغيير لا يقتصر على تغيير المرء لحاله، ولا تغييره لذهنية شعبه وأمته، بل يتعدى ذلك كله لتغيير الغير، لتغير الناس الآخرين، لأوضاع مجتمعه والمجتمعات الأخرى الأجنبية. وأما السبب في ذلك فهو أن الإنسان فيه خاصية الإِنسانية، ولا يمكن لفرد من البشر أن يسمَّى إنسانًا ما لم تكن لديه هذه الخاصية التي تقضي بالنظر للإِنسان أينما كان، سواء في بلده أم في غير بلده، وفي دولته أم في دولة غيرها، وفي أمته أو في أمة أخرى، فالإِنسان يحاول إحداث التغيير في كلِّ مكان وفي كل شيء يحتاج إلى التغيير، حتى تتناسق أمور الحياة، وتتناغم مسيرتها، فلا يعود التنافر أو التنابذ قائمًا بين الأفراد والمجتمعات والدول، وليحلَّ التعاون والتضامن والتكافل التي ترتبط بها جميع الجهود، وتتلاقى عليها جميع الإِرادات من خلال عمليات التغيير...
والتفكير في التغيير ينبع من قرارة النفس، وتدفع إليه وقائع الحياة، بل يوجده مجرد الشعور بالحياة الكريمة التي تقرِّبنا من العدل والإِنصاف، ومن الحقّ والخير عندما نفهم معنى الحياة.. وهو وإن كانت تقاومه القوى التي تشعر بأنه خطرٌ عليها، فإنه موجود حتى لدى هذه القوى. وإن الخطط والبرامج والتعاليم التي تضعها هذه القوى، بل والأفكار والشعارات التي تطرحها، هي مظاهر للتفكير في التغيير، لأن وجود الحاجة إلى التغيير حتميَّةٌ عند الإِنسان، وإن كان جعلُ الناس يفكرون في التغيير يأتي إما بطريقة الإِقناع أو بالقوة التي تحققه وتوجده...
حتى إذا حصل نوعٌ من التغيير بالفعل، أو إدراكٌ لقيمة التغيير، أصبح التفكير في التغيير سهلًا ميسورًا، لأنه يعيد إلى الناس شعورهم بضرورة التغيير، وبالتالي يوجد لديهم التفكير فيه. لذلك كان لزامًا على كل مسلم أن يكون لديه التفكير في التغيير طلبًا للأحسن والأصوب ممَّا يعالج كبوة المسلمين التي يعانونها في أيامنا هذه وينهض بهم.
والمسلمون من أشد الناس حاجة في الوقت الحاضر إلى التغيير، حتى يتمكنوا من تغيير الأساس الذي يعيش عليه الإِنسان كونهم وحدهم يملكون وجهة النظر الصحيحة عن الحياة المتقفة مع فطرة الإِنسان. ولكن عليهم أن يتنبهوا إلى واقعهم الحالي الذي تتعدد فيه الانقسامات الفكرية التي تتلخص في ثلاثة أقسام رئيسية:
1 ـــــــ قسم مرتد عن الإِسلام ويُحسب على المسلمين، وهو عامل هدم في صفوفهم.
2 ـــــــ وقسم مسلم: لكنه موزعٌ بين يائسٍ وشاكٍّ، وتائهٍ ومهادنٍ للكفر، أو محاولٍ للتوفيق بين الأفكار الإِسلامية والأفكار الغريبة البعيدة من الإِسلام.
3 ـــــــ وقسم راغب في العمل الإِسلامي.. وعليه وحده تقع مهمة التغيير الإِسلامي على أساس العقيدة العقلية التي تتجاوب مع فطرة الإِنسان السليمة التي فطره الله تعالى عليها.
أما الركائز التي يقوم عليها التغيير الإِسلامي، بصفته تغييرًا انقلابيًّا شاملًا فهي التالية:
1 ـــــــ معرفة الهدف أو الغاية التي يسعى إليها كلُّ مسلم، والتي هي إعلاء كلمة الله تعالى وجعلها هي العليا. وترمي هذه الغاية إلى إِقامة أمر الله تعالى وتنفيذ حاكميته والامتثال لأوامره ونواهيه. فإذا كان التغيير لا يضمن تحقيق هذه الغاية، فلا حاجة لنا به في الأصل.. ذلك أن التغيير الإسلامي ليس غاية بنفسه، بل هو وسيلة لتحقيق الغاية التي من أجلها أراد الله تعالى الإِسلام دينًا للناس كافَّة، فإذا لم يعمل المسلمون من أجل هذه الغاية، فإنهم قد يتسبَّبون بإساءة بالغة إلى الإِسلام نفسه، كما تسببوا بالإِساءة إلى أنفسهم ولا يزالون..
2 ـــــــ تغيير طريقة التفكير حتى يتغير ما بالأنفس، إذ {لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11].
3 ـــــــ معرفة الواقع والعمل على تغييره ما دام هذا الواقع يستدعي التغيير، وعندما نقول الواقع فإنما نعني واقع المسلمين أولًا، ثم واقع الآخرين من خلال النظرة الشاملة إلى تغيير الأساس الذي تقوم عليه العقيدة العقلية المتجاوبة مع فطرة الإِنسان.
4 ـــــــ اعتماد الخطط والوسائل والأساليب السليمة، وضمان مشروعيتها وموافقتها للمفاهيم الإِسلامية كما تتحقق صيانة التغيير الإِسلامي من كل انتكاس أو ارتكاس..
5 ـــــــ بناء المجتمع الإِسلامي، وإقامة الدولة الإِسلامية، وفقًا لكتاب الله وسنَّة رسوله..
وانطلاقًا من هذه الركائز وجب أن يكون التغيير الإِسلامي إنسانيًّا في خصائصه، أخلاقيًّا في طبيعته عقائديًّا في غايته ووسائله وأساليبه، وبذلك فهو يمتاز من غيره في المنهج والأسلوب، ويختلف عن مفهوم التغيير لدى الاتجاهات العقائدية الأخرى التي لا تراعي مزايا التغيير إنْ في الخصائص أو في الطبيعة أو في أوقات التنفيذ.. فالشيوعية مثلًا تستبيح في مفهومها التغييري كلّ الوسائل والأساليب من أجل تحقيق المجتمع الماركسي، ولا يهمها أن تكون الأساليب التي تتبعها منحرفةً، أو الوسائل التي تستخدمها بعيدةً من الأخلاق.. يقول لينين: «يجب على المناضل الشيوعي أن يتمرَّسَ بمختلف ضروب الخداع والغش والتضليل.. فالكفاح من أجل الشيوعية يبارك تحقيق الشيوعية.. يجب أن يكون مفهومًا أن الشيوعية غاية نبيلة، وإن تحقيق الغاية النبيلة يتطلب في كثيرٍ من الأحيان استخدام وسيلة غير نبيلة. ولهذا فإن الشيوعية تبارك مختلف الوسائل المناهضة للأخلاق ما دامت هذه الوسائل تساعد على تحقيق أهدافنا الشيوعية».. تأمَّلْ.. واحكُم..
أما في الغرب فإن الدعوات لاستعمال الوسائل والأساليب غير المشروعة في التغيير كانت ولا تزال قائمة.. فأبطال الثورة الفرنسية التي كانت انتفاضة في وجه الظلم الاقتصادي والاستبداد السياسي اتبعوا وسائل وأساليب مخالفةً كلَّ المخالفة للشعارات التي رفعوها.. لذلك فإن بعضهم لم يتأخر في اللجوء إلى تصفية بعضهم الآخر عن طريق الإِعدام مثلًا، ناهيك عن المذابح التي رافقتها والمظالم التي وقعت إبَّانها.. يقول (مارا): «ما هذا الظلم.. من الذي لا يستطيع أن يشهد بأنني أريد قطع الرؤوس حبًّا بخلاص الكثيرين؟». ويحرض (لوثر) لإِخماد الثورة الفرنسية فيقول: «من يستطع فليقتل، فليذبح سرًّا أو علانية. إذن فاقتلوا واذبحوا واخنقوا ما طاب لكم من هؤلاء الفلاحين الثائرين»!..
وأما عن المفهوم الصهيِّوني للتغيير فحدِّث ولا حرج.. فكل الفظائع والمفاسد مباحةٌ بل واجبة من أجل قيام مملكة يهوذا كما تؤكد عليه البروتوكولات الصهيونية. ففي البروتوكول الأول «إن السياسة لا تتفق مع الأخلاق في شيء، والحاكم المقيَّد بالأخلاق ليس بسياسيٍّ بارع».. «إن الغاية تبرر الوسيلة. وعلينا ونحن نضع خططنا ألاَّ نلتفت إلى ما هو خير وأخلاقي بقدر ما نلتفت إلى ما هو ضروري ومفيد». وفي البروتوكول الثالث: «ينبغي أن نحكم الطوائف باستغلال مشاعر الحقد والبغضاء التي يؤججها الضِّيق والفقر. وهذه المشاعر هي وسيلتنا التي تكتسح بها بعيدًا من يصدُّوننا عن سبيلنا».
وإسرائيل الصهيونية، دولة العدوان والظلم، ما قامت إلاَّ على أساس البروتوكولات الصهيونية؟ وها هي تنفذ البروتوكولات بحذافيرها، ولنا من الأمثلة على السياسة اللاأخلاقية واللاإنسانية التي تتبعها مشاهد حية تظهر للعيان كل شهر وحتى كل يوم منذ احتلالها للأراضي اللبنانية، عدا ما تمارسه ضد البلدان العربية ولا سيما البلاد الواقعة تحت احتلالها المباشر.. فهي لم تتورع قطّ عن ارتكاب المجازر البشرية الفظيعة بقتل الشيوخ والنساء والأطفال، أو قذف المدارس بقنابل النابالم المحرقة (وهي من الأسلحة المحرمة دوليًّا) فضلًا عن استلابها للحقوق والأرزاق، وتهديمها للمساكن وقصفها للمنشآت الحيوية وما إلى ذلك.. ولعلَّ موقفها من منظمة الأمم المتحدة، وضربها عرض الحائط بالقرارات التي تصدر عن هذه الهيئة الدولية خير ما يجب أن يستدل به الرأي العام العالمي على سياستها العدوانية البعيدة كل البعد من القيم الرفيعة والمثل العليا والمعاني الإِنسانية.
من هذه الأمثلة يظهر بوضوحٍ كم يكون الاختلاف بيِّنًا بين مفهوم التغيير الإِسلامي والمفاهيم الأخرى للتغيير.. ولأن هذا التباين قائمٌ فلا بد من تحديد مفهوم التغيير الإِسلامي تحديدًا دقيقًا يبعد منه ما علق به، أو ما أُدخل عليه من تصورات مغلوطة.
يعطي الأستاذ فتحي يَكَن تحديدًا للتغيير الإِسلامي بقوله: «يكون التغيير الإِسلامي بنقض أسس المجتمع الجاهلي التشريعية والفكرية وإحلال أفكار الإسلام وأحكامه وتشريعاته محلّها».
ثم يضيف قائلًا:
«لذا فإن التغيير الإِسلامي يعني تحقيق تعبيد الناس لله في شؤونهم الخاصة والعامة.. يعني أن يكون ولاء المجتمع حاكمًا وشعبًا لله ربِّ العالمين. وهو تغيير جذري كلي للكيانات الجاهلية وليس ترقيعًا لها أو إصلاحًا لجانب من جوانبها. وبهذا التحديد يكون التغيير الإِسلامي فريضة شرعية أولًا، ثم هو ضرورة بشرية ثانيًا».
أما أنه فريضة شرعية فلأجل إقامة المجتمع الإِسلامي، لأنَّ هنالك واجبات وأحكامًا شرعية لا يمكن تنفيذها من دون دولة إِسلامية. ومنطوق القاعدة الشرعية هو (أن ما لا يتم الواجب إلاَّ بِهِ فهو واجب).
وأما أنه ضرورة بشرية، فلكثير من الأسباب والمبررات يجملها الأستاذ (يكن) على الشكل التالي:
ـــــــ إنقاذ البشرية من البؤس والضياع اللذين خلفتهما الحضارة الغربية.
ـــــــ إفلاس الحضارة الغربية نفسها يجعل التغيير الإِسلامي ضرورة بشرية ملحَّة.
ـــــــ انهيار الكيانات العقائدية في العالم، وآخرها الصين، يؤكد الحاجة إلى التغيير الإسلامي والحل الإسلامي..
ـــــــ إن نظرة فاحصة إلى الأوضاع التي تعيشها أقطار العالم الإِسلامي تؤكد الحاجة إلى التغيير الإِسلامي.
فهنالك أقطار تدعي الإِسلام في حين هي تشوِّه حقيقته بممارساتها النائية عن الإِسلام!!
وهناك أقطار أخرى من العالم الإسلامي تشكو من تسلط أحزاب يسارية أو يمينية عليها تحكم شعوبها بالحديد والنار وتحارب الإسلام حربًا سافرة لا هوادة فيها..
وهناك أقطار في العالم الإِسلامي باعت نفسها للشرق أو الغرب، ولهذا المعسكر أو ذاك، ووضعت شعوبها ومقدرات بلادها في خدمة الاستعمار..
ويضيف الأستاذ يكن:
«إن الواقع المرير الذي عليه الأمة والذي عليه العالم يجعل التغيير الإسلامي واجبًا ـــــــ بالضرورة ـــــــ لاستنقاذ العالم الإسلامي أولًا من الحال التي عليها، ليحتلَّ مكانته الرائدة في هداية العالمين، وبالتالي لإنقاذ البشرية من الضياع والتيه الذي آلت إليه {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143].
«ويعتقد فريق من الناس أن التغيير الإِسلامي لا فائدة منه إلا في الآخرة بنيل ثواب الله والنجاة من عقابه. وهذا الجانب له أهميته، لكن للتغير الإِسلامي مكاسب في الدنيا قبل الآخرة».
ثم يتابع تعداد الأسباب والمبررات بما يلي:
ـــــــ تحقيق إيمان المسلمين ووجودهم وعقيدتهم وأخلاقهم.
ـــــــ تحقيق وحدة المسلمين عن طريق وحدتهم يمكِّنهم من حلِّ مشكلاتهم السياسية والعسكرية..
ـــــــ تحقيق الكفاية والعدل في حياتهم الاقتصادية..
ـــــــ تحقيق الاستقرار والسلام في حياتهم اليومية المعيشية..
ـــــــ تحقيق قيام الفرد الصالح والأسرة الصالحة والمجتمع الصالح والدولة الصالحة...
ـــــــ تحقيق حمل الإِسلام إلى العالم كرسالة هادية..
ـــــــ تحقيق ترجمة الإسلام وتشريعاته إلى ممارسة فعلية ممَّا يؤكد واقعيتها..
ـــــــ إقامة القوة الثالثة بين المعسكرين المتصارعين ممَّا يحقق التوازن في العالم، ويوقف تصارع القوى الشرقية والغربية واعتداءاتها المستمرة على أمن الشعوب المستضعفة وحقوقها في الحياة الحرة الكريمة.
ـــــــ تحقيق زيادة الفكر الإِسلامي وقوامه المنهج الإِسلامي بعد إفلاس الحضارة الغربية وانهيار العقائديات في العالم..»...
ولأنَّ التغيير الإِسلامي فريضة شرعية، وضرورة بشرية، فهو سيطرح الإِسلام عقيدة لا تدانيها عقيدة أخرى في الأرض.. وسيطرح الإِسلام نظامًا ومنهاجًا لا يماثلهما أي نظام أو منهج في الكون.. وسيطرح الإِسلام قوة جديدة فاعلة يمكنها أن تعدِّل موازين القوى في العالم، وقد تمنع الانفجار المرتقب في إبادة غالبية البشرية بوساطة الحرب النووية..
من أجل ذلك نجد أن أهم القوى في العالم هي التي تحارب الإِسلام اليوم، فتقف اليهودية العالمية والصليبية العالمية، والشيوعية العالمية ضده وضد شعوبه، محاولة طمس تعاليمه الصحيحة وتشويهها وضرب هذه الشعوب بأساليب خادعة، زائفة ولا سيما من داخلها عن طريق الحركات الفكرية المشبوهة، والأحزاب السياسية العميلة، حتى بات الطريق إلى التغيير الإِسلامي خطيرًا وصعبًا للغاية، لكنه على الرغم من ذلك يبقى وحده طريق الحق، وَألْحَقُّ {أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ} [يونس: 35] تصديقًا لقوله تعالى {وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] وقوله تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ}؟ [يونس: 32].
وبما أن التغيير الإِسلامي صعب إلى هذا الحد، ومعوِّقاته كثيرة وقويَّة وخطيرة في آن، فلا بد من أن يأتي الإِعداد له متكافئًا مع ضخامة العبء وجسامة المسؤولية، وخطورة المهمة التي ستُلقى على عاتق الدعاة المؤهَّلين للتغيير.. ذلك أن المسلم الداعية يجب أن يكون متكامل الشخصية، وأن يكون لديه الاستعداد الذهني والنفسي للتقيُّد والالتزام أولًا، ثم روح العمل والاندفاع بحيث تتوافر فيه صفة العطاء والبناء ثانيًا، وأخيرًا أن يكون صاحب مبادرة ذاتية.. ولا يمكن لمسلم أن تجتمع فيه هذه الصفات إلاَّ وتجعل منه طليعيًّا في مجتمعه، نشيطًا،عاملًا، متفاعلًا وليس كسولًا، خاملًا، غير مبالٍ ولا مهتمِّ بقضاياه وقضايا مجتمعه وأمته.. فحاجة الإِسلام اليوم ملحة إلى من يحملون الإِسلام، وليس إلى من يحملهم الإِسلام..
فالتغيير الإِسلامي مهمة رئيسية مُلقاة على عاتق كلِّ مسلم تتوافر فيه تلك الصفات، لأن الركود والاستسلام إلى المشاق والصعاب من أخطر الآفات التي تجعل الشعوب تنقرض وتندثر مع الأيام والأحداث، لذلك كان مجرد التفكير في التغيير مما لا يستسيغه الخاملون ولا يقبله الكسالى، لأن هؤلاء يرون في التغيير ضررًا عليهم ونقلًا لهم من حالٍ إلى حال، وكذلك فإنه لا يرغب به المنحطون الذين لا يريدون أن يغيِّروا العجلة التي تجرهم، وبالتالي سوف يحاربه المحافظون الحاذقون الذين يتحكَّمون برقاب العباد وأرزاقهم. فالاهتمام إذًا يجب أن ينصبَّ على تكوين شخصية المسلم الذي يُعَدُّ للتغيير، وتلافي المعوِّقات التي تشوِّه شخصيته؛ أو بطريقة أخرى بناء الشخصية الإِسلامية القادرة على العمل الإِسلامي الصحيح وإبعاد كل ما يعوِّق هذه الشخصية والقضاء عليها.
ولعل أبرز العوامل التي تشوِّه شخصية المسلم تكمن في غلبة المثالية السلبية على العمل والحركة بحيث نرى كثيرًا من المسلمين يتعلقون بالنظريات المثالية ويطرحونها ويؤكدون عليها من دون السعي إلى تحقيقها.. وهذا التعلق بالمثاليات غير القابلة للتطبيق أو التي يعجز أصحابها عن تحويلها إلى واقع يعيشونه، أو إلى واقع يعملون على تحقيقه، يجعلهم عديمي الفائدة وليس لهم أي فاعلية في ميادين الإنتاج، لا بل ويعطلون بطروحاتهم تلك الطاقة التي يفترض أن تتفاعل مع الشخصية لتتفجَّر إنتاجًا وعطاءً. فالانقياد إلى نمطٍ معَّينٍ من التفكير يقعد صاحبه عن العمل هو هروب من أداء الواجب مهما كان التفكير ساميًا ونبيلًا، وفي السيرة النبويَّة الشريفة أمثلة وشواهد لا تُعدُّ ولا تحصى على أفضليَّة العمل الحقّ على التواكل في الواجبات، والاضطلاع بالمهمات والقيام على تدبير الشؤون، سواء ما تعلَّق منها بالشأن الخاص أو بالشأن العام.. فالمسلم، من منطلق إيمانه، يجب أن يعرف قيمة العمل وأن يمارس هذا العمل على وجهه الصحيح والأكمل، وإلاَّ فإنَّ إيمانه يكون مشكوكًا فيه بدليل أن كل آيةٍ من كتاب الله تعالى أشارت إلى الإِيمان أعقبتها بالإِشارة إلى العمل، وخير دليل على ذلك قوله تعالى: {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ} [النساء: 114].. و الصدقة هنا هي كلُّ عمل خير يأتيه المسلم، فلا مجال بعده للاكتفاء باعتناق نظريات مثالية أو أفكار عقائدية، والاكتفاء بها من دون الالتزام العملي في مختلف ميادين الإنتاج النافعة.
إن من تغلب عليهم المثالية لا يبعدون عن العمل فحسب بل يبتعدون عن الواقع. وهذه نتيجة حتمية لعدم الممارسة الفعلية أو لعدم معايشة الواقع، ممَّا يؤدي إلى عزلهم عن واقع الحياة وفشلهم في تغيير هذا الواقع.. وقد يحتجُّ هؤلاء بأن لا طاقة لهم على التغيير لأنَّ أحدًا لا يأخذ أفكارهم أو لا يستمع إلى أقوالهم، بل يتذرّعون بأن مشيئة الله تعالى لا تريد لهم أن يكونوا من دعاة التغيير والعاملين عليه، من دون أن يدركوا بأنهم لم يأخذوا بأسباب التغيير، ولم يوطِّدوا النية والعزم عليه حتى يوفِّقهم الله تعالى إلى تحقيقه، بل لم يحاولوا الاهتداء إلى القوانين والقواعد التي شرعها الله تعالى للتغيير حتى يهيّئ الله تعالى لهم السُّبل التي تدفعهم إلى الالتزام بالتغيير..
إن ربط الأسباب بالمسبِّبات، والأخذ بالأسباب كلها وبخاصة في مهمة صعبة كمهمة التغيير الإِسلامي، قاعدةٌ أصليةٌ في دين الله لا يجوز إِغفالها أو إهمالها أو التهاون فيها.. كما يشير إلى ذلك كثيرٌ من الآيات القرآنية، ومنها قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الأنفال: 53].
1 ـــــــ غلبة التطرف على الاعتدال.
إن الدين الإسلامي دين كامل، أتمَّه اللَّهُ تعالى يوم أنزل على رسوله الكريم الآية المباركة: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة: 3].. وبذلك فإنه لا يمكن لأيّ قوة في الأرض أن تنتقص من هذا الدين شيئًا، لكنَّ النقص الذي نلاحظه ونشهده هو في عمل المسلمين، وأحد مظاهر هذا النقص الغلوُّ عند بعض المسلمين، وتطرُّفهم في التزامهم الشخصي للإِسلام حتى نسب إليه أعداؤه التحجُّر وعدم مسايرة الأوضاع والظروف المستجدة، مع أنه دين العقل والمعرفة والشعور، والتفاعل مع كل شيء، بحيث لا تنتصب مشكلة إنسانية إلاّ ونجد لها حلًّا في الإِسلام.. فالالتزام الشخصي من المسلم الذي يرافقه تطرفٌ وتنطُّعٌ يخالف الإِسلام بدليل قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «أَلاَ هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» وقوله في الدعوة إلى الاعتدال في الدِّين: «إِنَّ هذا الدين متينٌ فأَوغلوا فيه برفق» .
وقد تبرز ظاهرة التطرف هذه أيضًا في حمل الدعوة، فيرى بعض الدعاة فرض آرائهم بطرق قاسية أو ملتوية، بدل اتباع سُبل اللُّيونة والإِقناع، فتكون النتيجة عكس ما يتوخَّى، ويحصل النفور ممن نوجه إليهم الدعوة، فيبتعدون عن الإِسلام بدلًا من الإِقبال عليه مع أن المؤمن كيِّسٌ فَطِنْ، هين لين، يألف ويُؤلف..
ولعلَّ مثل هؤلاء الدعاة لا يفقهون المفاهيم الإِسلامية فهمًا جيدًا فيأتي تصرفهم على تلك الشاكلة بدليل أن الله تعالى عندما أمَرَ رسولَهُ الكريم بحمل الدعوة بيَّن له اعتماد سبيل اللُّيونة والحكمة بقوله تعالى له: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] وقوله تعالى: {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]، وقوله تعالى: في مخاطبة الناس: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128] وقد تبرز هذه الظاهرة أيضًا إلى إزالة المنكر كليًّا أو جزئيًّا قبل إعداده العدَّة الكافية لذلك، فنرى مثلًا بعض المسلمين يستعملون أساليب القوة لإِزالة ذلك المنكر قبل أن يهيِّئوا الظروف التي تقنع الناس بشرِّ هذا المنكر، فَيُقدمون على إزالته عنوةً مما يتسبَّب في توريطهم بمشاكل أقلُّ ما فيها تحدِّي الآخرين لهم بوسائل وأساليب تؤدي إلى إِثبات المنكر بدلًا من القضاء عليه. فهذه الظواهر من متطرف يكون ضررها كبيرًا على الإِسلام والمسلمين على حد سواء، ولسنا نغالي إن قلنا بأنها أهم العوامل التي أدَّت إلى إضعاف الشخصية الإِسلامية وعدم تمكُّنها من حمل الدعوة بالطريق الصحيح.
2 ـــــــ غلبة الشخصانية على العقائدية:
وهذا يعني التعلق بالأشخاص والمبالغة في التبعية لهم أكثر من فهم العقيدة فهمًا صحيحًا والتمسك بأواصرها المتينة.. فقد يبرز عالمٌ أو فقيهٌ في بعض النواحي فينجذب جمع من المسلمين إليه تستهويهم آراؤه وأفكاره، حتى إذا ظهر غيره وكانت له هو الآخر توجهاته ونظراته انشدَّ إليه جمعٌ آخر، فيكثر بذلك أصحاب المذاهب والنزعات وتشتدَّ التفرقة بين الصفوف حتى تصل إلى حدِّ التعصُّب عند كل فريق أو جمع، وحتى تكون لهذه التعددية آثارها السلبية السيئة التي تؤدي إلى ضياع العمل الإِسلامي، إذ إن ما يصيب بعض الأتباع الذين يتمثلون ببعض الأشخاص من المساوىء والانحراف الضارّ بهم وبغيرهم، فإنما يكون نتيجة لانحراف هؤلاء الأشخاص أنفسهم عن الخط السويّ، وانحراف الذين يقتدون بهم من بعدهم. وهذا ما يضرب العمل الإِسلامي في توجهاته السليمة ويُبقي المسلمين ضائعين في متاهات من التشرذم والتفرقة التي تقضي على عزتهم ومنعتهم وتُبعد وحدتهم التي أرادها لهم اللَّهُ تبارك وتعالى.
والحقيقة أنَّ أيّ أفكار لا بد من أن يكون منطلقها من منظور إسلامي صِرْف، واعتمادها على الكتاب والسنَّة بشكل أساسيٍّ ورئيسي، فإن حصل ذلك فلا يعود هنالك مجال للأهواء، أو الالتفاف حول الأشخاص، بل يكون التمسك بالحقائق والقيم الإِسلامية فقط، وهذه هي وحدها كفيلة بتربية المسلمين تربية صحيحة تمكنهم من التمسك بمبدأهم، والحفاظ عليه، بعد فهمه فهمًا عميقًا.
هذه بعض المعوِّقات التي تشوِّه الشخصية الإِسلامية، وتمنعها من تحقيق ذاتها كي تتأهَّل بعد ذلك إلى العمل الإِسلامي، وتُعدَّ الإِعداد الكافي لحمل الدعوة والسير فيها على الوجه الذي يقربها إلى مفاهيم الناس، ويجعلها لصيقةً بنفوسهم، فيقبلون على حملها طائعين، قانعين، ومختارين، وفق ما يُرضي الله تعالى ورسولُه الأمين..
فالمطلوب إذن إعداد الشخصية الإِسلامية من خلال العمل على تغيير كل ما علق بهذه الشخصية من رواسب الماضي، وآفات الماضي، حتى تنطلق في ما بعد، بعد تنقيتها وصفائها، إلى العمل الإِسلامي على أساس المنهج الإِسلامي وحَدَه من دون سائر المناهج الأخرى.. فكان لا بدَّ من أجل ذلك إيجاد الشخصية الإِسلامية السوية غير المعقَّدة، وغير المشوَّهة وغير المتطرفة، وحتى يتوافر لنا مثل هذه الشخصية المميزة علينا أن نعد المسلم فكريًّا، ونفسيًّا، وحركيًّا قبل أيِّ تَحرُّكٍ في مجال العمل والإصلاح.
ـــــــ أما الإِعداد الفكري للمسلم فيقوم على بناءٍ فكريِّ كامل يتناول أساسًا الثقافة الإِسلامية من مختلف جوانبها، أي عن طريق دراسة القرآن الكريم وتفسيره، والسنَّة النبويَّة الشريفة وعلومها، والسيرة النبويَّة، وحياة الصحابة، ودراسة الفقه وأصوله، وعلم العقيدة، ودراسة النظم الإِسلامية القائمة وما فيها من قيم إسلامية أو ما يشوبها من اعتوار..
وإلى جانب الثقافة الإِسلامية لا بد للمسلم من أن يكون مطَّلعًا ـــــــ بقدر ما يمكنه ـــــــ على الثقافات الأخرى التي تتناول العلوم والاتجاهات المختلفة.
والغاية من هذا الاطِّلاع معرفة أفكار الآخرين وفهمها حتى يمكنه مناقشتُها والردُّ عليها، ونقض ما يخالف الحقيقة التي أمَره الله تعالى باتِّباعها، وإلاَّ فإنَّه لن يقدر على حمل الدعوة بل سوف يفشل في مهمته كداعية، لأنَّ بإمكان الآخرين أن يجبهوه بآرائهم ومعتقداتهم ويحاولون إقناعه بدلًا من إقناعهم؛ فما لم يتسلح المسلم بالمقوِّمات الفكرية والثقافية الأساسية التي يمكن أن يجابه بها الآخرين، فإنه سينهزم ولو كان الحقّ بجانبه، لأنه حتى لو استطاع أن يبين الحقّ، لكنه لن يستطيع الدفاع عنه..
من هنا كان الإِعداد الفكري للمسلم بما يجب أن يقف عليه من ثقافة إسلامية شاملة، مركزة وثابتة الأصول والقواعد، وبما يجب أن يعرفه من الثقافات الأخرى التي تمكنه من الانتفاع بها ودحض الأفكار المبنية عليها.
ـــــــ والإعداد النفسي المقصود به تكوين النفسية الإِسلامية لدى المسلم. والنفسية الإِسلامية هي النفسية التي تقوم على إشباع الغرائز والحاجات العضوية وفقًا لأحكام الشرع . لذلك كان الإعداد النفسي يهدف إلى ترويض النفس على التقيد بشرعية الإِشباع المذكور، وذلك بفهم أحكام الشرع لحدود الإشباع أولًا، ثم بترويض النفس بالتكاليف العبادية والتربوية؛ فكان لزامًا أن يدرك الأهل والمربُّون وجميع القائمين على شؤون التربية والتنشئة أن الإِعداد النفسي هو حجر الزاوية في بناء الشخصية المسلمة.. وكان لزامًا على الفرد المسلم بصورة خاصة أن تكون عنايته بتزكية نفسه تفوق كل عناية لأنها هي مصدر التفكير، ومصدر الشعور ومصدر الطاقة الحيوية في الإِنسان، وتزكيتها هي التي تجعل الإنسان مؤمنًا بالله تعالى، وبألوهيته القدسيَّة، وربوبيَّته المطلَقة على جميع خلائقه، لذا فإنَّ المسلم إنْ لم يكن توحيديَّ العقيدة، ربانيَّ التكوين، فلا خير فيه كائنًا ما كانت ثقافته وعلمه، لأنهما لم يؤسسا على تقوى من الله، ولا على السعي الدائب لنيل رضاه سبحانه... ومن أجل ذلك يجب على المسلم أن يتقيَّد بالقواعد التالية:


أولًا ـــــــ ذكر الله:
إنَّ ذكر الله تعالى من أهم الأواصر التي تربط الإِنسان المسلم بخالقه، وقد ركَّز القرآن الكريم في أهمية الذكر وفضل الذاكرين، حتى لَيتبدَّى لنا ذكرُ الله تعالى من أعظم وأجلِّ مقومات حياتنا بحيث لا تقصِّر أيّ جارحة من جوارحنا عن المشاركة بذكر الله، ولا يستقيم أمرٌ من أمور حياتنا ما لم يقترن بذكر الله.. أو ليس الله سبحانه وتعالى ينبِّهنا، ويحذِّرنا، ويأمرنا بألاَّ ننوي شيئًا إلاَّ إذا قرنَّاه بمشيئة الله، أي عن طريق ذكر هذه المشيئة المقدَّسة، وذلك بقوله تعالى: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف:23 ـــــــ 24].. ثم أليس هذه الآية الكريمة منهاجًا متكاملًا في بناء شخصيات المسلمين الذين عليهم أن يذكروا الله ويفكروا في خلقه، وذلك بقوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} [آل عمران: 190 ـــــــ 192].
ومن أحق بذكر الله تعالى من مسلم خاشع، يقرأ كتاب الله فيتفكر، ويعي، فيعمل من أجل إرضاء الله العزيز القدير، حتى لا يقع في عذاب النار الأليم، ويفوز بجنة الخلد والنعيم؟ والرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) يقوّي في نفوسنا منهج الله تعالى في الخلق عن طَريق الذكر، وذلك بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إن لكل شيء صقَالَة، وصقالةٌ القلوب ذكرُ الله. وما من شيء أنجى من عذاب الله من ذكرِ الله». ثم يؤكد لنا قوامه المنهج بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا ذكر الإِنسانُ خنس شيطانُه، وإذا أغفل وسوس».. فهنيئًا لمن طابَ نفسًا بذكر الله، فوقاه الله عذابه...
ثانيًا ــــ التعلق بكتاب الله:
إن كتاب الله هو الحقّ، ولا يمكن للإِنسان أن يقارب الحقيقة، ويُعْلِيَ شأنَ الحقِّ ما لم يكن مع القرآن، يدور معه كيفما دار، قائمًا على قراءته وترتيله، متدبرًا لمعانيه، فاهمًا لمقاصده ومراميه، حتى يوطد الإِيمان في قلبه، ويهتدي بنورانيته، فيحقق الغاية من وجوده، ويعيش السعادة التي يطمح إليها في حياته ويترجم ذلك كلِّه إلى فهمٍ لمراميه وتدبُّرٍ لمعانيه، ثم يسعى جاهدًا كي يطبِّقهُ بسائر قواعده وأصوله، لأنّ في تطبيق معاني القرآن الكريم رحمةً وشفاءً للناس أجميعن..
لقد جاء في وصية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي ذرٍّ الغفاريِّ (رض): «عليك بتلاوة القرآن، فإنه نورٌ لك في الأرض، وذخرٌ لك في السماء». وفي حديث عبد اللَّه بن مسعود (رض) عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «إن هذا القرآن مأدبة الله، فاقبلوا مأدبته ما استطتعم»..
ثالثًا ــــ الإيمان بمراقبة الله:
إن على المسلم أن يعلم أن الله تعالى قريب منه أبدًا؛ يراقبه في كل ما تبثُّهُ جوارحه، وفي كل ما تنطلق به أعضاؤه، لا تخفى عليه ـــــــ سبحانه ـــــــ خافيةٌ من عبدٍ، ولا يغيب عنه أمر من مخلوق؛ وهو حاضر دائم مع الإِنسان، لا يُدْرِكُ قربَهُ أيُّ تصوُّر لولا أن هدانا سبحانَهُ وتعالى إلى ذلك بقوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16].. وقوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة: 7]. وقوله تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف: 80].
فهل تفكَّر الإِنسان حقًّا وقدَّر عظمة هذه الآيات، التي تبيِّن له باليُسرُ، والرحمة، والعطف كيف أن الله خالقه يرقبُهُ من عليائه، فتأتي هذه المراقبة لتشمل كل شيء في كيانه ووجوده، سواءٌ كان وحدَه أم مع غيره؟ فهل يجوز للإِنسان بعد ذلك أن يأتي مُنْكرًا أو أن يرتكب معصية؟ فإذا كان الإِنسان يخجل من إنسان مثله في أي قول أو عمل لا يأتلف مع الحقّ، وإذا كان يخشى رؤية الناس الآخرين أو معرفتهم بسوء يأتي به، فما باله وخالقه يرقبه، ورقابته عليه أقرب من كل شيء آخر؟ لأنَّ هذا الخالق العظيم أقرب إليه من وريده الذي يوزع الدم في جسمه.. فسبحان الله تبارك وتعالى كم هو رؤوف بعباده الذين يفعلون المنكرات والسيئات، ويرتكبون المعاصي وهم غافلون عن قرب الله تعالى منهم، وعن رقابته لهم!...
ثم ما أعظم عدالة الخالق، فهو بعد أن يبيِّن لنا سبحانه قربَهُ منَّا، ورقابتَهُ لنا، يعود ويحذِّرنا من أن كلَّ ما نفعل سوف يُكتب علينا، يَكتبه رسُلٌ مكلِّفون بكل واحدٍ منّا، حيثُ يُنشرُ كتابُ كلّ واحد يوم القيامة، بين يدي الله تعالى، ويكون على أساسه الحساب {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7 ـــــــ 8] أفبعد عدالة الله تعالى ماذا الإِنسانُ حتى يكون على بصيرة من أمره، ويهتدي إلى عمل الخير، ويبتعد عن عمل الشر؟.
يا أخي المسلم، إن كتاب الله يبين لك ذلك، فلا تبخلَنَّ على نفسك باتِّباع هذا الكتاب، والاسترشاد بآياته العظمى حتى يمكنك أن تحمل مهمة التغيير، وتكون كفوًا لهذه المهمة الجليلة؟ وإلاَّ فإنَّ كتابك سوف ينبئك إذا تقاعست عن حمل الدعوة، وأداء الواجب المقدس، بأنك سوف تكون من الأخسرين.
بعدما أتينا على ذكر ما يتوجب على المسلم إتِّباعه حتى يكوِّنَ إعداده الفكري والنفسي إعدادًا سليمًا، علينا أن نبين أهمية الإعداد الحركي في إيجاد الشخصية الإسلامية التي نتوخاها.

ــــ الإِعداد الحركي:
والحركة هنا تعني ميدان العمل الإِسلامي الفسيح في مهمة التغيير، فالعمل الإِسلامي في الحقيقة هو ساحة جهاد لكثرة الاتجاهات والأفكار، ولكثرة السبل والوسائل والأساليب التي يستخدمها الناس في مختلف الميادين، وفي مختلف المجتمعات. فالمسلم في ميدان الدعوة هو كالجندي تمامًا في ساحة المعركة، وما لم يكن عنده إعداد ميداني يقوم على الممارسة والتطبيق لأحكام عقيدته، وتعاليمها ومفاهيمها، فإنه لن يستطيع الثبات في العمل الإِسلامي، ولن يمكنه الصمود في مواجهة التيارات العاتية..
من هنا كانت أهمية الإِعداد الحركي أو العملي، إذ لا يكفي أن تكون لدى المسلم الثقافة التي تُعِدُّه فكريًّا، ولا القواعد والأسس التي تُعِدُّهُ نفسيًّا، بل لا بد من أن يقترن ذلك بإعداد عمليٍّ حتى يمكنه المشاركة في عملية التغيير، وإلاّ كان شأنه شأن عالم فذٍّ، قبع وراء علومه وأفكاره من دون أن يطلقها للانتفاع بها، وقد يكون السبب في ذلك عدم جرأته، أو عدم ممارسته للخبرة العملية، أو عدم قدرته على إيصال أفكاره إلى غيره نتيجة عدم الخبرة تلك. فالإعداد العملي مهم جدًّا لمن أراد أن يتحمل عبء التغيير..
ويكون هذا الإِعداد للمسلم عن طريق التزامه وقيامه بالعبادات أولًا؛ ثم معرفة الطرق والأساليب والوسائل التي يتوجب عليه اعتمادها واتِّباعها، وبالتالي أن تكون له القدرة على تحمل المسؤولية والقيادة، وعلى اتخاذ الموقف المناسب في الوقت المناسب، بحيث لا يكل إلى الظروف أن تقدِّم له الحلول، بل يؤثِّر هو في هذه الظروف، ويقدِّم له الحلول وفق مقتضياتها والعوامل المحيطة بها، وبحيث يكون كلُّ ذلك طبعًا وفق أحكام كتاب الله وسنّة رسوله.
ذلك هو التغيير في المفهوم الإِسلامي.. بحيث يتناول الفرد المسلم في فكره ونفسه وعمله، كما يتناول المجتمع الإِسلامي بكل صفاته وأوضاعه، حتى يكون الانطلاق منه إلى المجتمع الإِنساني برمَّته.. فالتغيير لا يكون إلاَّ بالصفات والأوضاع.. فعندما نقول إن هذا الشخص صفاته كذا وكذا ثم أصبحت بعد إعداده إعدادًا كاملًا صفاته وأوضاعه كذا وكذا، نقول إن هذا الشخص قد تغيَّر.. وكذلك الأمر بالنسبة إلى المجتمع، فعندما نقول إنَّ أوضاع هذا المجتمع مضطربة، أو هو مجتمع متخلِّف، فإننا عندما نصحِّح مفاهيمه، ونحسِّن أوضاعه، ونجعل أموره مستقيمة، نقول بأن هذا المجتمع قد طرأ عليه التغيير، وانتقل من حالة الاضطراب أو التخلف إلى حالة التنظيم والتقدّم، فنكون قد عنينا بالتغيير الأوضاع التي كانت تسوده، والصفات التي كان يتميَّز بها من غيره من المجتمعات الأخرى، أي إن صفاته تغيَّرت من مجتمع مفكَّك مضطرب إلى مجتمع متماسك مستقيم..
لكن التغيير الإِسلامي المطلوب ليس عملًا سهلًا، بل لعله من أصعب الأمور وأخطرها؛ ولذا فإن من أراد التغيير هو من قرَّر التحدي، ومن عزم على التحدِّي، عليه أن يعوِّد نفسه على المشقات، والصعاب، ومواجهة الأخطار.. ومن هنا كانت مهمة الداعية المسلم في وقتنا الحاضر مهمةً عسيرةً فعلًا وصعبة، وطريقها محفوفًا بالمخاطر والمهالك، بل إن مجرد التفكير في التغيير قد يكون خطيرًا على صاحبه، وقد يحاربُ حربًا لا هوادة فيها، فكان من الضروري من أجل إقامة الإسلام في واقع حياة الناس إيجاد جيلٍ من المسلمين القادرين على التغيير، فهؤلاء سيكونون جيلًا قرآنيًّا جديدًا على غرار الجيل القرآني الرساليِّ القديم الشريف.
وهذا الجيل وحده يكون أمل الأمة الإسلامية، بل أمل الإنسانية، وهو وحده يتذوَّقُ حلاوة التغيير، ويفوز بالنصر بإذن الله القدير «ويومئذٍ يفرحُ المؤمنون بنصر الله».
وخلاصة ما تقدم من القول: أنَّ التغيير لا يتم إلا على مرحلتين حتى يكون تغيرًا انقلابيًّا شاملًا:
أولاهما: تغيير طريقة التفكير حتى يتغير ما في النفس.
والثانية: تغيير الواقع إذا كان الواقعُ سيئًا.
ولا يجوز بدء العمل بالتغيير للواقع من قبل أن يبدأ التغيير بما في النفس أي التغيير بالمفاهيم لأنه إذا غيِّرت المفاهيم غيّرت المقاييس والقناعات والدوافع، وأصبحت الرؤيا واضحة للواقع، وبدأ الذي غيَّر ما في نفسه يرى المنكر واستطاع أن يحكمَ عليه أنه منكر فيباشر في تغييره بيده إن استطاع أو بلسانه، وإن لم يستطع أنكره في قلبه، ومال إلى الذين يعملون لتغييره.
وعليه يكون في المرحلة الأولى العمل بمفهوم الآية الكريمة: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11] وفي المرحلة الثانية يكون العمل بمفهوم الحديث الشريف: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإِيمان».

التحدي
التحدّي يعني لغة: المباراة والمغالبة، ويقال: تحدَّى الرجلَّ يعني باراه وغالبه، ومنه الحُدَيَّا التي هي المنازعة والمباراة. وهي كلُّها من مادَّة حَدِيَ، يَحْدَى الشيءُ يتعمَّد فعله، ومنه قولهم: هو حُدَيَّا الناس، أي يتحدَّاهم ويتعمَّدهم، وقولهم الصريح الواضح في معناه: أنا حُدَيَّاك في هذا الأمر يعني: أنا مُعارِضُك فأبرزْ لي فيه وَجَارِني. والمسلم عندما يلتزم بإسلامه ويحمله إلى الآخرين يُعدّه المخالفون لأحكامه المناهضون لعقيدته تحديًا لهم. فيكون التحدّي تبعًا للمفهوم اللغوي: المباراة والمغالبة في النزاع في المواضيع الماديَّة والمعنوية. وفي المفهوم الإِسلامي عندما نقول: إن الإِسلام يتحدى، فمعنى ذلك أنه يجعل بينه وبين الذين لا يؤمنون به حُججًا وبراهين تُبطل أوهامهم وتقضي على باطلهم ويقيم الدليل الحسي والبرهان العقلي على صدق ما جاء به، لذلك فإنه يحاسب الملتزمين إن هم تجاوزوا. ويغاضب أولئك المنحرفين لأنهم لا يؤمنون به دينًا حقًّا؛ وبالتالي فهو يعادي ويغالب كلَّ من لا يتلزم بأومراه ونواهيه التي هي أوامر الله تعالى ونواهيه، والتي تشكِّل حدود منهجيته الشاملة والكاملة، ويباريهم بما عنده من حقٍّ يقضي على باطلهم وضلالاتهم.
وفي واقع الحياة لا يختلف التحدِّي عن هذه المفاهيم فهو يرمي إما إلى إثبات حقيقة أو مناصرة حقّ وإِما إلى مجانبة حقيقة أو اعتماد باطل؛ ويصدر في ذلك عن الفرد كما يصدر عن الجماعة، كما أنه يكون بين الأمم وبين الدول على حدٍّ سواء..
وقد يكون التحدي فكريًّا مع ما يستتبع من إمكانيات وطرق وأساليب ووسائل، كما قد يكون ماديًّا مع ما يتوجب أن يتوافر له كذلك من إمكانيات وطرق وأساليب ووسائل.. ولا شيء يحول دون اجتماع هذين النوعين من التحدِّي في القضية الواحدة أو أحدهما فقط على أن تتهيأ الاستعدادت كافة لإِعماله وتحقيق الأغراض المتوخاة منه...
مما يستنتج معه أن أيّ أمر من الأمور أو مسألة من المسائل يمكن للإِنسان أن يواجه فيها تحديًا قد يُفرض عليه فرضًا أو يختاره هو بنفسه، بحسب الظروف والمعطيات التي تفرض ذلك التحدِّي.. على أن التحدّي بصوره وأشكاله المادية والمعنوية كافة لم يكن ليحصل لو لم يعمد الإِنسان إلى مجافاة فطرته التي فطره الله تعالى عليها، فكان لا بد من وجود الدين السماوي الذي يراعي فطرة الإِنسان، وطبيعة تكوينه، والغاية من وجوده لكي يتمكن الإِنسان من إقامة العلاقة الصحيحة مع خالقه، وأن يحقق إنسانيته الصحيحة مع بني جنسه. من هنا كان خطأ النظرة التي شاعت في كثير من الأوساط والتي مفادها، وفق ما يذهب إليه أصحابها، أنَّ العلوم التي أوجدها الإِنسان عن طريق الاكتشاف أو الاختراع إنما جاءت تحدِّيًا للأديان السماوية، لأنها لا يمكن أن تتوافق مع الدين في البحث عن تقدم الإِنسان وتطور حركته نحو الأفضل والأحسن، فابتُدعت المقولات الفاسدة التي تُعدّ أن تخلُّف الإِنسان جعله يعاني من المظالم التي وقعت عليه والتي لم تكن لتحيق به لولا الدين الذي كان له بمنزلة المخدّر، لذلك قال الملاحدة: «إن الدين أفيون الشعوب»!!.
ولا تختلف نظرة هؤلاء الماديين عن غيرهم في الصف الآخر من أصحاب الإيديولوجيات التي لم تجعل للدين، في أي مجال من مجالاتها الفلسفية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية، أثرًا في حياة الناس، بل عملت على إبعاد القيم الروحية، والقضاء على المفاهيم الإِيمانية، بما ابتدعت من ادِّعاءات حول الحفاظ على حقوق الإِنسان وصون كرامته، وتأمين طرائق عيشه وكفالة وجوده.. في حين أثبت الواقع أن كل ما عملته لم يكن في مصلحة الإِنسان، بل أدَّى إلى هدر حقوقه والقضاء على كرامته، وخنق مجالات إنسانيته، حتى صار الإِنسان كالآلة المسيرَّة، لا خيار له فيما يُفرض عليه من قوانين وأنظمة، أو فيما يخضع له من سياسات وأحكام لا تهدف في النهاية إلاَّ إلى حماية تلك الأنظمة وتأمين مصالح أدواتها، لذلك فهي تحمل في طياتها المظالم والمفاسد والاحتكارات وما شاكل ذلك مما يعاني منه الناس على الصعيد الداخلي... أما على الصعيد الخارجي فإنَّ الهمَّ الأكبر يتجسَّد في حماية المصالح الحيوية للنظام مع كل ما تفترض هذه المصالح من استغلال وسيطرة وتحكّم بمقدرات الآخرين ومصائرهم!!
وهكذا، وتحت ستار التقدّم العلمي واكتشافات مجالات جديدة لخير البشر وقعت المظالم في الأرض، ممَّا أدَّى حُكمًا إلى الابتعاد عن الدين والتنكُّر له، فكان طبيعيًّا أن يستشري الإلحاد،، ويعم الفساد، وأن يضيع الإِنسان في دوامة الوعود التي منَّوه بها، والرفاهية التي جعلوها ينتظرها، والسعادة التي يؤمِّل الوصول إليها... والتي لم يتحقق شيء منها، بل حصل عكسه تمامًا كما يثبت واقع المجتمعات البشرية اليوم!!.
إذًا فالعلّة ليست في الدين كما قال الماديَّون الملحدون، ولا هي تزول في حال عزله عن طريق المسرح الحياتي والسياسي كما قال الإِيديولوجيون الآخرون، ولا يمكن أن يكون الدين سببًا لشقاء الإِنسان. كما أنه لا يمكن أن تكون العلة في العلم النافع، لأن العلم النافع لا يمكن أن يكون سببًا لتعاسة الإِنسان.. بل إن كلًّا منهما يعمل ضمن أُطُره وحدوده لخدمة الإِنسان وتحقيق إنسانيته... ومن هنا كان للعمل مجالاته، وللدين مجالاته، وأنَّ كلًّا منهما يجب أن يتوافق مع الآخر حتى يحقق أغراضَهُ.. ففي الوقت الذي يعمل فيه العلم على اكتشاف آفاق جديدة تؤمن للإِنسان العيش الكريم، والكرامة الموفورة، وتنمِّي نزعته الفكرية وتدعِّم قواه العقلية، فإن الدين يعمل من ناحيته على إغناء النفس الإنسانية عن طريق إشباع الغرائز والحاجات العضوية إشباعًا شرعيًّا، متوازنًا، كما يعمل على تنقية الضمير، وصفاء القلب، وطهارة البدن، ومن غير أن ينسى أن للعقل حقًّا عليه في التفتح والوعي، وبالتالي في إعماله حتى يكون قادرًا على النظر والتفكُّر بكل شيء، إذ لا بد للإنسان من أن تتفاعل جميع قواه العقلية والجسدية من أجل تحقيق قيمه المعنوية والمادية على أن تكون قاعدةُ هذا التفاعل الإِيمانَ بحقيقة الدين والحقّ والإِقرار بتعاليمه الصادقة، وفي طليعتها الاهتداء إلى حقيقة وجود الله تعالى والامتثال إلى أوامره ونواهيه.. ومتى أمكن للإِنسان ذلك فقد جَمَعَ بين ما يجب عليه القيام به في هذه الدنيا، وما يتعيّن عليه تأخيره للآخرة، فيكون حينئذٍ ذلك الإِنسان السويَّ، العاقل المدرك، الحركيَّ النافع، والفاعلَ المؤثر الذي أراده الله تعالى خليفةً له على الأرض يُقيم ميزان العدل.
فأين التناقض بين العلم والدين؟ أو ليس الأولى، بل الواجب أن يقال: إنهما يتداخلان ويتناسقان مع بعضهما حتى تتكامل شخصية الإِنسان، وتحقق وجودها، وفقًا لما أراده الله تعالى لها، عن طريق أفضل السبل وأيسرها.
ولو نحن أخذنا الإِسلام خاصة، كونه الدِّين الحقّ، فإنَّ أي ادِّعاء بوجود تناقضٍ بينه (وفقًا لما نصَّ عليه القرآن الكريم وما آتاه الرسول الأمين) وبين سائر علوم الأرض (وما أنشئ حولها من نظريات أو ما انبثق عنها من أفكار) لَهُوَ ادِّعاء باطل، ما دامت هذه العلوم تهدف إلى نفع الإِنسان وخيره، وتبتعد عن إلحاق الضرر به.. ولا سيما أن أحدًا لا يستطيع أن يثبت حتى الآن، وجود مثل هذا التناقض، إن لم يكن العكس، حيث قام علماء كثيرون يبحثون في مشارق الأرض ومغاربها ـــــــ ولم يعتمدوا في أبحاثهم إلاَّ الحقيقة ـــــــ يؤكدون في مؤلفاتهم أنَّ ما وصلوا إليه من علوم نافعة لا يخالف القرآن بشيء، أبدًا.. وإن كان القرآن، في أيّ حال، لا يحتاج إلى إثبات حقائقه، لأنه يشهد على نفسه بنفسه، إذ إنه لا يحضُّ الإِنسان على التعليم والمعرفة فحسب، بل كانت أولى آياته التي أنزلها اللَّهُ تعالى عنوانها العلم والمعرفة وذلك قولهُ عزَّ وجلَّ، مخاطبًا الرسولَ الأميَّ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق 1 ـــــــ 5].. ثم تلتها آيات بيَّنات أخرى: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} [القلم: 1]... إلى غيرها من الآيات والشواهد التي تأخذ بيد الإِنسان في طريق التعلُّم وتلقِّي المعرفة حتى تصل به إلى حدّ المواجهة، وهي كلها تعني أن يشتد الإِنسان في طلب العلم والاكتشاف، وأن يذهب بعيدًا في الآفاق لأنه كلما أمكنه ذلك، استطاع أن يعرف أسرار هذا الكون، وكانت معرفته هذه هي السبيل الحقّ إلى معرفة حقيقة وجود الله ، وعظمته، وقدرته، وتقديره: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} [الرحمن: 33].
أو ليس هذا التحدي بعينه، تحدي الإِنسان بأن يقتلع جذور العماية والجهل، والكسل والعجز، وينطلق في رحاب العلم، فيجوب أقطار السموات والأرض حتى يهتدي إلى الحقائق المطلقة؟ بلى والله، لكنَّ هذا التحدِّي مشروط دائمًا بالسلطان، والسلطان هنا هو القوة، قوة الفكر والعقل، وقوة النفس والإِرادة، وقوة الوسائل والأساليب، قوة الصبر والثبات وقوة الحركة والاستمرار.. وهنا تتجلَّى عظمة القرآن عندما يتحدَّى الجنّ والإِنس، ولكنْ بالتحدِّي الذي يتناول «الاستطاعة» عندهم، أي تلك القدرة التي أوجدها الخالق تعالى فيهم، حتى يحفز الهمم، ويشدّ العقول ويجذب الأنفس لأن تعمل، وتوجد، وتحقِّق.. لا لأن تستكين وتقنع وتقعد..
وإلى جانب القرآن، تبرز السيرة النبوية الشريفة وهي على منهج القرآن في طلب العلم والمعرفة، كما يظهر الدليل القاطع في حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما يقول: «العلمُ فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ ومسلمة»..
وعندما يحثُّ الناس على طلب العلم بقوله: «أُطلُبوا الْعِلْمَ من الْمَهد إلى اللَّحد».. وهي الدعوة النبوية الكريمة التي تحمل في طياتها أهمَّ البواعث على طلب العلم والمعرفة وأجلَّها، لأنها تجعل العلمَ فريضةً كالصلاة والصوم، عل الرغم مما تحمل هذه الفريضة من مشاقّ ومتاعب، وعلى الرغم مما تنطوي عليه من استمرارية وديمومة بحيث لا يجوز للإِنسان تركها، بل عليه متابعتها في جميع أحواله مهما طرأ عليه من تقلبات، أو وقع عليه من تغييرات، وذلك منذ فجر تفتّحه على الحياة إلى حين إغماض عينيه ومواراته تحت التراب.
فهل تجد ـــــــ سواءٌ في القرآن الكريم، أو في أحاديث الرسول العظيم ـــــــ أعظم شأنًا في حياة الإِنسان من طلب العلم والمعرفة؟ وهل بعد أجلَّ من هذا التحدِّي الذي فيه خيرُ الدنيا والآخرة؟
والتحدّي إنْ في القرآن الكريم أو في السنّة النبوية الشريفة هو التحدِّي البنَّاء، لأنَّ فيه الدعوة لامتلاك الأسباب كافة التي تمكن من الوقوف على ما في أقطار السماوات والأرض.. ومن يدري ما في تلك الأرض من عظائم وخلائق وعوالم؟ إنّه لا يعلمها إلاَّ خالقُها وحدَهُ، لأنه الواسع العليم..
ثم إنَّ التحدِّي يمكن وصفه بالإيجابية، لأنَّ هدفه مصلحةُ الإِنسان وخير الإِنسان: ماديًّا ومعنويًّا.. فمن الناحية المادية إنَّ خير الاكتشاف ما أوجَدَ للإِنسان موارد جديدة ينتفع بها. ومن الناحية المعنوية إنَّ معرفة النظام الذي تقوم عليه الأرض، ومعرفة غيره من أنظمة الكون الشاسع البديع، تؤكد على حقيقة وجود الله الصانع، الحكيم، المدبّر، وهي المعرفة التي توطِّد الإِيمان في نفس الإِنسان حتى تترسَّخ عقيدة التوحيد في نفسه، فيطمئن إلى ما يقوم به في دنياه، وما ينتظره في آخرته، والنتيجة دائمًا عند هذا الإِنسان العاقل الفاعل العملُ كأنه يموتُ غدًا..
على أن هذا التحدِّي الإِيجابي البنَّاء الذي دعا إليه الإِسلام، لا يقابله اليوم إلاَّ التحدِّي السلبي الهدَّام.. فبدل أن يؤمن الإِنسانُ بالله الواحد الأحد، اصطنع آلهةً صمَّاء بكماء لا تضرُّ ولا تنفع.. وبدل أن يهتدي إلى طُرق الخير أوغل في طُرق الشر، وبدل أن يستخدم مختلف أنواع العلوم لفائدته وترقِّيه وإسعاده، نجد كثيرًا من هذه العلوم تشكِّل مصادر مخاوفه، وقلقه على مصيره، ولا سيما ما أنتجته هذه العلوم من أسلحة فتَّاكة مدمَّرة وضعت البشرية بأسرها على شفا حفرة تكاد تنهار فتنزلق فيها البشرية حيث ينتهي الأمر بها إلى تفجير الأرض والقضاء على مَنْ فيها، وما فيها.. وهذه أبشع مظاهر التحدِّي السلبي الذي افتعله الإِنسان وامتشق سلاحه وهو على نقيض التحدِّي القرآنيِّ الذي أنزل اللَّهُ تعالى لقوامة هذه الحياة وليتمَّ على أساس هذه القوامة الفوز في الآخرة..
من هنا كان تحدِّي الإِسلام تحديًا إيجابيًّا رائدًا في كل شيء، وريادته هي إعلاء الحق وإزهاق الباطل..
وتحدِّي الإِسلام ليس تحديًا سطحيًّا ولا آنيًا؛ وليس تحدّي أهواء ومصالح متضاربة ومتنازعة، بل هو التحدِّي لأهمِّ القضايا التي تتناول الإِنسانَ في وجوده منذ فجر الخليقة الأولى وحتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها.. وفي كلٍّ من هذه القضايا حدَّد الإِسلام موقفه الثابت والنهائي الذي يُعدّ الأصح والأقوم حتى إثبات العكس، وإن كنا على يقين بأنه لن يحصل مثل هذا الإِثبات ما دام أن الموقف إسلاميًّا، ومنطلقه الإِسلام..
ولقد ظهر التحدّي الأول مع خلق آدم (ع) عندما أمر اللّهُ تعالى الملائكة أن يسجدوا له، فسجدوا، إلاَّ إبليس فقد أبى واستكبر. .فمثل هذا الموقف من إبليس هو التحدِّي بعينه، لكنه ليس تحدِّيًّا لقدرة الله العزيز ـــــــ التي لا يمكن لمخلوق أن يتحدَّاها ـــــــ بل كان تحديًا لشخصية آدم (ع) وقدرته على مواجهة التحدِّي.. فقد ظنّ إبليس أن خلقه من نار يخوِّله أن يكون هو الأقوى، وبالتالي فهو أفضل من آدم الذي خلق من طينٍ: ولذلك رفض السجود له بعد أن غابت عنه حكمةُ الله جلَّ وعلا في خلقه، كما ستظهر هذه الحكمة السنية في المعركة التي ستنتصب بين الخير والشر، وبين الإِيمان والكفر.. لذلك فقد دعا إبليس ربَّه أن يتركه إلى يوم يُنْظَرُونَ ـــــــ أي بني آدم وذريته ـــــــ حتى يكون لديه مجالٌ واسع لغوايتهم فيثبت بأنه عندما تحدَّى آدم إنما كان تحدِّيه منطلقًا من قوته التي يمكن أن يتغلب بها على الخلق الآدمي الضعيف.
وحقّتْ حكمةُ الله تعالى فأُعطي إبليس المجال الذي طلب، بينما أعطيَ آدمُ العلمَ {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا} [البقرة: 31]. حتى يمكنه بخصائصه الإِنسانية أن يثبت أمام التحدِّي الذي فُرض عليه، وأنه جدير بأن يقوم بالمهمة التي أوكلت إليه..
وهكذا برز التحدِّي منذ الأزل في أعظم معانيه: موقف إبليس السلبي بعدم الرضوخ لأمر ربِّه استكبارًا على آدم، وموقف الملائكة الإِيجابي، بطاعتهم لأمر الله والسجود كما أمروا. ووقف آدم يشهدُ ناحيتَين متضادتَين متنازعتَين: إبليس ونزعتَه الشريرة، والملائكة وطاعتهم وولاءهم.. لكنَّ التحدي كان منصبًّا على آدم ذاته، من دون أن تبدر منه أيّ بادرة تجاه إبليس وسائر الملائكة، إلاَّ ما يتلقّاه من ربِّه، ويتوطَّد في أعماق نفسه.. لذلك كان لا بد من أن يعود ويظهر تحدِّي إبليس لآدم بعد أن أخذ إبليس العهد على نفسه بإغوائه وإغواء ذريته.. وينتصب هذا التحدِّي منذ الأزل وحتى اليوم في المعركة الدائرة بين الخير والشر؛ فمن استجاب لغواية الشيطان وضلَّ عن هداية الحقّ، فقد انهزم في معركة التحدِّي وخسر خسرانًا مبينًا، لأنه لم يستجب لأمر ربِّه الذي حذَّره من عداوة إبليس بقوله تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر: 6] ومن حَذَوْا حَذْو الملائكة في الامتثال لأوامر الله ونواهيه وهم المؤمنون المهتدون، فقد انتصروا في معركة التحدِّي وفازوا فوزًا عظيمًا..
فمعاني ذلك التحدِّي تبرز في وجودنا البشري لأنها تتناول طبيعة الخلق الآدمي والخواصَّ التي أوجدها الله تعالى فيه.. منذ جعل في خلق كلِّ واحدٍ منا الطاقة العقلية التي تمكِّنه من الحكم على الأشياء والاختيار في ما بينها؛ والطاقة النفسية التي تنزع بها النفس نحو الخير فتتزكَّى {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} أو التي قد تنزع بها نحو الشر فتخيب {وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}.. ثم الطاقة الجسدية لتؤمن الحركة المتصلة بالأفكار المنبثقة عن الشريعة الإِسلامية التي هي الناحية الروحية عند المسلم، وباجتماع هذه الطاقات: العقلية والنفسية والجسدية، يتحدد سلوك الإِنسان الذي يقبل التحدِّي أو لا يقبله.. أي السلوك الذي يُقبل به الإِنسان على الخير فيتحدَّى إبليس ونزعته الشريرة، أو السلوك الذي يُقبل فيه على الشر فيخضع لإِبليس وغوايته.. ولكن أين النتيجة؟ إنها دائمًا في هذا الإِنسان الذي يستطيع أن يتكامل حتى يصل إلى مصاف الملائكة، أو أن يتخاذل حتى يهوى إلى مدارك الشياطين والأبالسة.
أفرأيتَ هذا التحدِّي الذي يتناول الإِنسانَ في أساس خلقه، وفي صميم وجوده، وفي نهاية مطافه؟
وهل غيرُ القرآن الذي هو وحده يبرز هذا التحدِّي ويبيِّن لنا الأسس التي قام عليها، والأهداف التي يتوخاها؟
إنه التحدِّي الأول، لكنه أيضًا التحدّي الدائم الذي يرافق الإِنسان من المهد إلى اللحد..
وبعد ذلك التحدِّي، يُبرز لنا القرآن الكريم تحدِّيًا آخر لا يقل أهمية عن التحدِّي الأول، ونعني به التحدِّي الذي يتناول عقيدة الإِنسان في وجوده..
فالعقيدة هي ما عقد عليه القلب من حيث الإِيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وعن هذه العقيدة تتفرُع سائر المعتقدات الأخرى التي تتناول مسيرة الإِنسان في حياته.. فكان لا بد للإِنسان من العقيدة، وكان لا بد له من الحفاظ على هذه العقيدة وتحدِّي كل ما يناهضها أو يخالفها..
ولقد هدى الله تعالى عبادَه ـــــــ وهو بهم رؤوف رحيم ـــــــ إلى العقيدة الصحيحة، إلاَّ إنَّ هؤلاء العباد تنكروا لعقيدتهم وابتدعوا عقائد ما أنزلَ اللَّهُ بها من سلطان.. لذا قضت الحكمة الإِلهية بأن تتنزّلَ الرسلُ لإِثبات العقيدة الصحيحة في نفوس العباد. أو لردِّهم إلى صوابية العقيدة الصحيحة.. وكان يقتضي لذلك تحدّي الرسل للعقائد الفاسدة، لأنه لا يمكن للعقيدة أن تستقيم في النفوس إلا عن طريق التحدِّي.. ويُبرز القرآن الكريمُ الأدلة الساطعة على هذا التحدِّي في المواقف التي وقفها الأنبياء سلام الله عليهم. فهذا أبو الأنبياء، إبراهيم عليه السلام، آمنَ بالله تعالى إلهًا واحدًا أحدًا، فدفعته عقيدة التوحيد إلى تحدِّي عقيدة الكفر والوثنية، وأقدم على تحطيم الأصنام التي يعبدها أبناء قومه من دون الله.. فجاء عَبَدَتُها يسألونَهُ:
{أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء: 62].
سؤال حماقة حقًّا، لأنَّ الأصَنَامَ الصمّاء، البكماء، التي هي من صنع يد الإِنسان، لا يمكن أن تكون آلهةً، ومع ذلك اتَّخذها الناسُ آلهةً من دون الله، فعبدوها، وكانت لهم عقائدهم في هذه العبادة.. نعم إنه سؤال حماقة في نظر إبراهيم عليه السلام، لإِيقاظهم من الجهالة التي فيها يعمهون، فقال لهم {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ} [الأنبياء: 63].
وبالفعل فقد مزَّق قوله هذا الغشاوة التي كانت تغطي بصائرهم، فنكَّسوا رؤوسهم واعترفوا بالحقّ، ثم قالوا:
{لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ} [الأنبياء: 65].
فلم يكتف إبراهيم (ع) بذلك التحدِّي لما تنطوي عليه عقولهم ونفوسهم، بل صرخ فيهم بحُجةٍ قاطعةٍ تعيد العاقل منهم إلى العقيدة الصحيحة التي تتفق مع الفطرة ولا تخالفها. فقال:
{أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ} [الأنبياء: 66].
ثم تابع دعوتهم متذمرًا من تفاهة قولهم فقال:
{أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}.
فقد أراد إبراهيم عليه السلام أن يوقظ فيهم خاصَّة الإِنسان في تعقُّله، وأن يبِّين لهم صحة العقيدة في فطرته، وهو بذلك يتحدَّى أهمَّ شيء في وجود الإِنسان بعامةً، وفي وجود أولئك القوم بخاصة: العقيدة.. لذلك لم يهرب ليتهرَّب من التهمة التي وجهت إليه عندما أشار إلى أن كبير الأصنام هو الذي حطُم آلهتهم، بل لجأ إلى ذلك الأسلوب الاستدلالي، الذي يبين خطل القوم وفساد عقيدتهم، حتى إذا أظهر لهم ذلك، عادَ ونطق بالحقّ الصراح ودعاهم إلى العقيدة الصحيحة مع ما حملت دعوته من تحدٍّ ومجابهة..
ولم يكن في استطاعة القوم أن يجابهوا تحدِّي إبراهيم لهم بتحدٍّ مماثل، فخسروا أمام الواقع والحقيقة واعترفوا بأنهم كانوا ظالمين لأنفسهم..
وكان من الطبيعي بعد هذا الاعتراف أن يؤمنوا بما يدعوهم إليه إبراهيم عليه السلام. إلاَّ إنهم أبَوا التخلّي عن عقيدتهم الزائفة، لذلك لم يجدوا أمامهم، بعد فشلهم في التحدِّي الفكري، إلاَّ اللجوء إلى التحدِّي المادي الذي يملكون أسبابه.. فإبراهيم (ع) فردٌ في أمَّة، وجميع الأمة ضدَّه، وها هو هذا الجمعُ يلجأ إلى التحدِّي السلبي، فيمتثل لأوامر مليكه الغاشم بوجوب إحراق إبراهيم لينصروا عقيدتهم، فلجأوا إلى ناصر الباطل يوقدونها جحيمًا.. لكنَّ خليل الله عليه السلام خرج منها معافى سليمًا..
كان تحدِّي الكفار يستند إلى القوة المادية التي يملكون. لكنهم ما دروا أنَّ أيّ قوة لا تكون إلاَّ من عند الله، ولكي تردَّ القدرة الإِلهية البغيَ على أهله، كان لا بد من تدخُّل قوة الغيب بتحدٍّ أعظم، لذلك نُزعت عن النار خاصية الإحراق فكانت نارهم الظالمة بردًا وسلامًا على إبراهيم (ع)، ولم تمسَّ شعرةً في رأسه، ولم تنل طرفًا في ثوبه، بعد أن أمر اللَّهُ تعالى بذلك.. وبذلك ردَّ عنه كيد الكافرين، وهزم تحدِّيهم الغاشم فكانوا من الأخسرين. (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30]..
وتتعاقب الأزمان، ويتكرَّر المشهد نفسه مع كلّ نبيٍّ ورسولٍ، ولكن مع الفارق في مظاهر التحدِّي الذي كان يلجأ إليه المتحدُّون الضالُّون، إلاَّ إنَّ حكمة الله تعالى كانت تتجلَّى دائمًا بنصرة النبيِّين والمرسلين حتى يتبيَّن لكل متحدٍّ أن النصر من عند الله تعالى، لأنَّه وحدَه يملك القوة وأسبابها، وليس لقوة أن تنتصر، مهما كان مصدرها، إن لم تكن من عند الله العلي القدير... فكثيرًا ما كان المتحدُّون يلجؤون إلى قتل مبعوثي السماء، كما حَصَلَ مثلًا للنبيِّ يحيى عليه السلام لكنَّ هذا القتل لا يعني انتصار الباطل والظلم في تحدِّيهما للحقّ والعدل، بل يؤكد حقيقة ثابتة وهي أنَّ الكفر شرُّهُ مستطيرٌ حتى إنه ليَطال الرسولَ أو النبي الذي بعثَهُ الله تعالى لهداية الناس، وأنَّ ذلك الكفر وشرَّه هما من فعل الأباليس الآدميين، والشياطين البشريين، الذين ساروا على خطى أستاذهم اللعين إبليس في نزعتهم الشريرة العاتية..
وهكذا يظل التحدِّي قائمًا معه تعاقب الأجيال والأزمان، وتبقى العقيدة هي محور ذلك التحدِّي؛ ثم يتنزَّل القرآن ليقصَّ علينا أخبار الغابرين في الصراع من أجل العقيدة..
وتظلُّ قصة النبيِّ موسى عليه السلام كمثال حيٍّ على ثبات العقيدة في النفوس، عندما دعا فرعون - الذي ادَّعى الألوهية وقال للناس: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى - إلى عقيدة التوحيد، فاستكبر واستعلى متحدِّيًا نبيَّ الله بأن يثبت قدرتَهُ أمام أساطين السحرة الذين سيدعوهم لتحدِّيه وغلبته..
وقبل موسى (ع) التحدّي، ويأتي كبار السحرة من مختلف أنحاء مصر، لكنَّ الغلبة في المواجهة تكون للإِيمان، والهزيمة للكفر.. إلاَّ إن هؤلاء السحرة وقد أيقنوا بأنَّ ما أتاه موسى لا يمكن أن يكون من فعل إنسان، فقد آمنوا بالله الواحد الأحد وخرُّوا لعظمته وقدرته ساجدين..
لقد اعتنق السحرة عقيدة التوحيد، ونبذوا الوثنية، فكان إيمانهم هو التحدِّي بعينه، ليس لجبروت فرعون ولملئه كلِّه فحسب، بل لما يدَّعيه فرعون ويفرضُه على الناس بالجبر والقهر..
وثارت ثائرة فرعون؛ إذ كيف يتحدَّاه هؤلاء النفر، وقد كانوا من أتباعه ينفذون ما يأمرهم به؟!.. فصرخ بهم قائلًا: {آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى} [طه: 71].
وهدَّد فرعون وتوعَّدَ، ظنًّا منه بأنه وحده القادر على تحدِّي من يخالف أوامره، ولكنَّ تحدِّي هؤلاء المؤمنين الجدد كان أقوى من فرعون وجبروته، ومن كل قوة يملك، إذ قالوا له غير عابئين، وبتهكم صريح: {فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [طه: 72].
فما أروع هذا التحدِّي الإِيماني، وما أقوى تلك النفوس المؤمنة، وكأني بأصحابها يقفون صلابًا أمام فرعون، ونتمثلهم يخاطبونه قائلين:
هيهات يا فرعون أن تسلب منا الإِيمان باللَّهِ الذي ملأ قلوبنا، مهما تجبَّرت، وتغطرست وادَّعيت...
وهيهات أن تنزع منا عقيدتنا بألوهية الله تعالى وربوبيته الحقَّة.. لقد رأينا من قدرة الله التي علَّمنا عجبًا، فأين قدرتك أنت من قدرة لا تحدُّها حدود، ولا تقع تحت أيِّ مقياس؟
أتهدِّدنا يا فرعون بالقتل والصلب وتقطيع أيدينا وأرجلنا.. فافعل ما بدا لك فإنك والله لأنت الخاسر ونحن الفائزون.. إن موتًا للمؤمن على يد كافر ظالمٍ، لا يُعدُّ موتًا ما دام هذا المؤمن يعمل في سبيل الله، بل هو حياتُهُ الأبدية في خلود النعيم.. هذا إذن النصرُ الذي هو نصرٌ للعقيدة، وفوز للمؤمن بها.
وحقَّ الحقُّ واستوت عقيدة التوحيد منتصبةً في مصر، بعد حقبٍ من الزمن، يوم دخلها الإِسلام القويم.. عن طريق القرآن الكريم الذي يتحدَّى الإِنسانَ في أدق وأهمّ ما واجَهَ في وجوده، وفيما يقومُ عليه الوجودُ كلُّه، وذلك عندما يقدم له البيِّنة الصادقة على أن الخالق غير المخلوق وأن المخلوق هو ذلك الفقير المحتاج إلى غيره، وذلك من خلال المخاطبة العلوية التي تهزُّ عقول الناس ونفوسهم، بنداءِ الله تعالى الذي يقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج: 73].
وكان هذا النداء الإلهي إلى جميع الناس لكي يؤمنوا بالله الواحد الأحد، إلههم وإله آبائهم، رب العالمين.. وقد خُصَ بالنداء أولئك الذين يتخذون آلهةً وأربابًا من دونه، فكان النداء، على الرغم من حثِّهم على الإِيمان، تحدِّيًا لهم، لكي يدركوا ماهية معبوداتهم وماهية خلقهم، وبالتالي ليعرفوا وضعهم أمام الحقيقة، وهي أنه مهما كانت قدرتهم، ومهما بلغوا في الصناعة والإِبداع وإلى أي مدى وصلوا في الاكتشاف، فإنهم يظلون عاجزين أمام التحدِّي الكبير وهو عدم قدرتهم على الخلق حتى للذباب الذي هو أضعف مخلوقات الله، لأنَّه ليس لهم خاصية الخلق كونهم مخلوقين، وأنهم يخضعون لصاحب الخلق والقدرة والعظمة... نعم إنه التحدِّي للإِنسان، ويتعالى هذا التحدِّي حتى يتجاوز قضية الخلق إلى أبسط القضايا وأدناه شأنًا، وهي عجزهم عن أن يستنقذوا شيئًا سلبهم إيّاه الذبابُ الهزيل النحيل، فهل يتصوّر الإِنسان بعدُ ضعفًا أشدَّ وعجزًا أوهى من ذلك؟ هذا هو المثل الذي ضربَهُ الله تعالى للناس لكي يؤمنوا بعقيدة التوحيد التي تدعو إلى عبادة الله وحده كونه الخالق، والقادر على التصرف بالخلائق كلها، ولكي يبتعدوا عن عقائد الشرك والكفر... إلاَّ إنه ويا للأسف، لا يزال المشركون على شركهم، والكافرون على كفرهم، والمعاندون على غيهم، وكلهم لا يريدون أن ينصاعوا لدعوة الحقّ، فيتركوا الآثام التي يرتكبون والشرور التي يفعلون، وكأنهم بدعواهم يتوهمون أنَّ الحياة الدنيا باقيْةً لهم، وأنَه لا آخرة ولا حساب ولا دينونة ولا عقاب..
وهكذا يتسامى الإِسلام في تحدِّيه الإِيجابيِّ البنّاء من خلال آياته البيّنات التي تتعلق بخَلْق الإِنسان وخصائصه، وبعقيدته الدينية وصحة هذه العقيدة، وفي منحه القدرات حتى يسودَ ويتخلَّق بالصفات الحميدة، بالإِضافة إلى ما في القرآن المجيد من تحدِّيات لكل ضلال أو زيف أو باطل، حتى يمكن القول بأنه كتاب الله المعجز المتحدِّي بمعناه ومبناه وتلاوته، قوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} [البقرة: 23].
والعجيب أن القرآن وهو بين ظهرانينا لا يريد الناسُ الاهتداء به والعمل بموجبه، لذلك كان لزامًا على كل مسلمٍ أن يعود إليه ليتدبَّر معانيه، ويفهم مقاصده وغاياته حتى يحمل الإِسلام ويدعو إليه، متحديًا بتعاليمه وأفكاره كل المعارضات التي يواجه، بعد أن صدَّق بآياته وعظيم مدلولاته التي تدحض كلَّ النظريات والمذاهب والمعتقدات البالية التي أفسدت الإِنسان، وأبعدته عن إنسانيته، كما أبعدته عن خالقه، وبذلك يكون داعيًا إلى الصراط السويِّ وإلى العقيدة السليمة التي جاءت من عند الله عزَّ وعلا.
والداعية بمجرد أن يلتزم بالإِسلام يكون قد شرع بالتحدِّي، أي أدرك معنى الحياة وأهميتها، فقام يتحدَّى كل ما يطمس حقائق هذه الحياة، ويشوِّه معالمها الجميلة، أو يعارض الغاية النبيلة التي أوجده الله تعالى من أجلها..
والتحدّي يجب أن يقود دائمًا إلى التغيير، ومن هنا نرى أن الذين كانوا يسعون إلى التغيير إنما هم في الحقيقة يتحدَّون الأوضاع القائمة والمفاهيم السائدة، فكان لزامًا عليهم أن يدركوا مسؤولياتهم كاملةً، لأن المتحدِّي لا يستطيع أن يثبت ويستمرَّ إلا إذا أدرك أولًا وقبل كل شيء مسؤولية عمله وأهمية التغيير الذي يتوخاه في تحدِّيه..
وفكرة التحدِّي تنبثق عنها فكرة التعارض التي تكون القوة المحركة التي تنشئ الحركة والتي من شأنها صنع أسبابها. وكلما نشأ تعارضٌ جديد صحيح، فإنه يزلزل القديم السقيم ويحدث التغيير فيه.
وفكرة التعارض عقبة في وجه الدعاة، إذا اجتازوها بنجاح يكونون قد وصلوا إلى غايتهم المثلى التي هي رضوان الله تعالى.
والتحدِّي يكون دائمًا موجهًا إلى أفعال وأقوال من هم قائمون على شؤون الناس، وتكون المواجهة معهم إذا كانت أفعالهم وأقوالهم تغاير الإِسلام، ولكن شرط أن تكون بالقدر الذي تكون عليه أهمية الاستفزاز وخطورته، وهنا يجب أن يكون هناك تناسب بين طبيعة الاستفزاز والموقف الذي يتخذه مفهوم الداعية في مواجهته. وعلى هذا فلو افترضنا أن الأمر الذي يريد أن يتحدَّاه كان ضعيفًا بحيث لم يصل إلى درجة الخطورة فإن الإِجابة عنه ستكون هي أيضًا ضعيفة، بحيث لا يعود من لزوم لهذه الإِجابة، لأنّ التحدِّي في مثل هذه الحالة يفقد معناه كعامل في إحداث التغيير، إذن فالتحدي المناسب هو الذي يستلزم نشوء إجابة كافية لتحريك أسباب التغيير.
ثم إن فاعلية الإِجابة تنمو متناسبة مع قيمة التحدِّي حتى يصل إلى الحدِّ المطلوب وإلاَّ فإنَّ التحدي يصبح منعدم التأثير لأنه يضع أمام العقل استحالةً ليس في طوقه أن يحلَّها.
وتصبح الإِجابة في مثل هذه الحالة عديمة الجدوى.
وفي هذا الإِطار يجب أن يتم تغيير المجتمع بين حدَّين، وذلك في حالةٍ شبيهةٍ بالإفراط تنشأ عن زيادته على قدر معيَّن. وبناء على هذا الفهم للتحدي فإن بقاء بعض الجماعات الإِنسانية في حالةٍ راكدة من دون أن تكوِّن مجتمعًا بعناصره المعروفة لا يخرج عن الاحتمال بأن هذه الجماعات قد عمدت إلى الفرار عن طريق قسوة التحدِّي أي إنها لم تتحدَّ التخلف والانحطاط نتيجة أوضاع قائمة متردّية ومفاهيم سائدة سقيمة، وبالتالي لم تستطع أن تحدث تغييرًا ذا بال في شرائط حياتها وبقيت ملتصقة بواقعها السيّئ المتخلف.. وعلى خلاف تغيير أوضاعها الفاسدة، وقامت فعلًا بالتحدي، فقد استطاعت بذلك أن تغير طرائق حياتها تغيرًا تامًّا ونجحت أخيرًا في بناء مجتمع متحضر شهده وأشار إليه التاريخ...
هكذا يجب أن يفهم الداعية أن التحدِّي ينبغي أن يسير انطلاقًا من هدف التغيير ومن تهيئة أسباب هذا التغيير، واعتماد كل الإمكانيات التي توصل إليه.. وحتى يمكن للداعية المسلم أن يحمل فكرة التغيير أي أن تكون طريقة عمله مبنية على التحدِّي، فإنَّ عليه دائمًا أن يبني مواقفه على أساس الأحكام الشرعية والمفاهيم الإِسلامية، لذلك نرى في ضوء فهم القرآن الكريم أن المسلم وُضع بين حدَّين هما: الوعد والوعيد. ومعنى ذلك أنه وضع في أنسب الظروف التي يتسنَّى له فيها أن يجيب عن التحدِّي الروحي في أساسه.
فالوعيد هو الحد الأدنى، والوعد هو الحد الأعلى ومن هنا نجد أن شعور المسلم قد وُضِعَ بين حدَّيْ العمل المؤثر، بين شرٍّ مستطير إن هو استكبر وعصى، وخير عميم إن هو امتثل وأطاع، وهما الحدَّان اللذان ينطبقان على مفهوم الآيتين الكريمتين:
1 ـــــــ {فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 99].
2 ـــــــ {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87] وعدٌ ورجاء:
وبين هذين الحدَّين تقف القوة الروحية متناسبة مع الجهد الفاعل الذي يُبذل طبقًا لأوامر السماء أي طبقًا للغاية القصوى التي هي رضوان الله تعالى. وفي هذه الحالة الروحية نسيت سميَّة أم عمار ما وقع عليها من عذاب عندما رأت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقالت: انظر ماذا حلَّ بنا يا رسول الله (وهي تعني زوجها ياسر الذي مات تحت العذاب وابنها المغمى عليه من شدة التعذيب، ونفسها التي أشرفت على الهلاك). وسمعت الرسول الكريم يقول لها: صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة.. وهنا تفاعلت قوتها الروحية، فابتسمت متحدِّية كل مَنْ حولها من الظالمين، وكل ما سيحلُّ بها وقالت: الحمدلله. واللَّهِ إني أشمُّ رائحتها يا رسول الله.
وبمثل هذه الحالة الروحية صبر بلال رضي الله عنه على ما كان يلقاه من عذاب ومحنٍ، فوجدناه وهو في قمة المحنة يرفع إصبعه وهو يكرر إجابته على تحدِّي قريش: أحد.. أحد.. ولم تستطع قوة في الأرض ـــــــ وما كان لها أن تستطيع ـــــــ أن تخفض إصبعه، إذ إنَّ روحه، في اللحظة التي كانوا يصبُّون عليه جام غضبهم وينزلون العذاب على بدنه، كانت مغمورة في فيضٍ نوراني لا يوصف، هو «الوعد» الحقّ الذي وعد به الرسولُ (صلى الله عليه وآله وسلم) آل ياسر..
وهكذا يتبين أنَّ في هذه النشوة الروحية يتحرر الفرد جزئيًّا من قانون الطبيعة المفطور في ذاته ويخضع وجوده كله للمقتضيات الروحية التي أوجدتها الفكرة الدينية في نفسه، بحيث يمارس حياته في هذه الحالة الجديدة طبقًا لقانون الروح. وهذا القانون بعينه هو الذي كان يحكم آل ياسر وبلالًا وهم تحت العذاب. فصيحة بلال: أحد.. أحد... لا تمثل صوت الغريزة، لأن صوت الغريزة قد صمت تحت وطأة شدة التعذيب؛ كما أنها لا تمثل نداء العقل فالألم لا يتعقَّل الأمور.. إذن، إنها صيحة النفس المؤمنة المطمئنة تحررت من آسار الغرائز بعدما تمَّت سيطرة العقيدة عليها نهائيًّا في ذات «بلال بن رباح».
هكذا يأخذ الإِسلام هذا المخلوق البشري الضعيف في لحظات ضعفه، فيُريه أن فيه إلى جانب الضعف قوة، وإلى جانب الشهوة الحيوانية أشواقًا روحية، وإلى جانب التمرد والاستكبار طاعةً وتضحية. فهو يعطف عليه في لحظة الضعف ليأخذ بيده إلى مراقي الصعود، فيعِدُهُ في لحظة العثرة ليحلِّق به إلى الأفق من جديد، ويتوعَّدُه كي يردعه عن الاستسلام لأهوائه ويثنيهِ عن الإصرار والاستمرار في غيِّه، وبالتالي كي ينشله من أحضان الشيطان الذي هو عدوٌّ له والذي يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير.
وهكذا يجب أن تكون الحركة التي تقع بين حدَّي الوعد والوعيد، هادفةً إلى ما هو أعلى، محلِّقة فوق ما هو أدنى ـــــــ إن القوة الروحية التي تتطابق مع العمل المثمر الفاعل تقع بين حالَين من أحوال النفس، لا يوجد وراءهما إلاّ الخمول والاستكانة في جانب، واليأس والعجز في جانب آخر. إن القرآن الكريم ليَعرض لنا صورةً أخَّاذة لهذين الحدَّين اللَّذين يضمّان العمل المثمر في قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} [هود: 9 ـــــــ 10].
فالقرآن الكريم يدعو الإِنسان إلى التحدِّي من أجل عمل بنّاء مفيد للفرد وللجماعة، على الرغم مما قد يعترضه من صعاب، وما يواجهه من مخاطر في تحدِّيه من أجل التغيير. لكن البعض، كما نسمع اليوم، يقول: هل يجوز لي أن أتحدّى وأعرِّض نفسي للتهلكة والله تعالى يقول: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}.. ونحن نسأل المسلم، أو الداعية الذي يريد أن يحمل دعوة الله من دون تحدٍّ، ومن دون هدفٍ التغيير نسأله: هل إن ضياع العقيدة أهمُّ أم ضياع الأنفس والأموال؟
ولئن ضاعت العقيدة فماذا بقي للأنفس، وكيف تُصانُ الحرمات والأموال؟
فإذا لم تُحمل العقيدة حملًا صحيحًا سليمًا على أساسٍ من التحدِّي للعقائد التي لا تتوافق وفطرة الإِنسان فإن مصير هذا الإِنسان، سيؤول، بجميع أفراد جنسه إلى البوار والدمار، وسيكون المصير المحتوم النارَ.. هذا فضلًا عن أن مفهوم الآية الكريمة هو عكس ما يتصورون. لأنَّ الآية الكريمة تبدأ بقوله تعالى: {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] أي إذا لم ينفقوا الأموال والأنفس في الجهاد في سبيل الله، فسوف يكون مصيركم إلى الهلاك، وهو كما يتبيَّن عكس ما يظنون ويتصورون، لأنَّ في الآية دعوة إلى البذل، والتضحية، والعمل في سبيل الله تعالى أي الجهاد.. فمن لم يبذل، ولم يضحِّ، ولم يعمل، فإنه سيكون من الهالكين، لأنه لم يعمل في سبيل الله، ومن أجل رضوان الله..
وبهذه العقيدة الصافية في جهاد المؤمنين الصادقين، كما ظهرت عند المسلمين الأوائل حيث تحدَّت صيحاتهم اللحم والدم، وتحدَّت أعمالهم طبيعة البشر، قام المجتمع الإِسلامي الأول، كربيب للفكرة الدينية، وقد شقَّ طريقه، وأكمل شبكة علاقاته الداخلية بقدر امتداد شعاع هذه الفكرة في الأنفس.. لكن هذا المجتمع الوليد، ونتيجة لتوسُّعِهِ، تولَّدت عنده ضرورات جديدة كان من شأنها أن تكمله وتدفع به إلى الاستمرار، إلاَّ إن الظروف التي رافقت ذلك الاكتمال انحرفت عن مجراها الطبيعي، بحيث كان المنعطف ماديًّا بعيدًا عن العقيدة، لم تقوَ فيه سيطرة الروح على الغرائز (أي سيطرة المفاهيم الإسلامية) على السلوك، وحينئذٍ شرعت الغرائز في التحرر من قيودها بالتدرج على الصورة التي حفظها التاريخ، مع كل ما أدخل عليه من تزييف وكذب، لكنَّ هذه الصورة لا تزال ماثلة في واقعنا الراهن المتخاذل، وهي تنتظر التبدُّل والتغيير عن طريق التحدِّي الذي سيرفع لواءه دعاة الدين الحقّ، بإذن الله تعالى، حتى تعود كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى. وهؤلاء الدعاة سوف يجدون عملهم صعبًا وشاقًّا للغاية، لأنَّ هنالك فئات كثيرة من الناس أبت عليها نفوسها أن تؤمن بعقيدة التوحيد، واندفعت وراء أهوائها تريد محاربة الإِسلام والقضاء عليه، كما يبين لنا ذلك القرآن الكريم بقوله تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} [التوبة: 32]، أي بما ينشرون من الأضاليل، وما يدَّعون من الأباطيل، وما يتعمَّدون من تحريف وتزييف يريدون إدخاله على مفاهيم الدين الحقّ حتى يحققوا أغراضَهم الدنيئة...
ولو حققنا في هذه الأغراض لوجدناها تحمل نوعًا من التحدِّي الخفيِّ لحقيقة الدين، وبالتالي لأمر الله تعالى باتِّباع الدين الحقّ الذي هو «نور الله» بحسب مدلول الآية الكريمة.. ويأتي تحدِّي العزَّة الإلهية صارخًا بتلك الفئات أن تقلع من الآثام التي ترتكبها لأنَّ الله أرتضى هذا الدين للناس ويأبى إلاَّ أن يتمَّهُ رغم أنوف الكارهين وذلك بقوله تعالى: {وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 32 ـــــــ 33].. فالقرآن الكريم يسمِّي تلك الفئات صراحة بأنهم: الكافرون والمشركون.. وهم الذين يريدون أن يقضوا على عقيدة التوحيد حتى تستقيم عقائدهم التي فرضتها عليهم أهواؤهم ومصالحهم الدنيوية، ولكن أنَّى لهم أن يطمئنوا إلى ما يدبِّرون وما يريدون وإرادة الله تعالى دائمًا هي الغالبة؟!.. وقد أثبت التاريخ بالفعل أن الله تعالى قد أظهرَ دينه على يدَيْ رسولِهِ الكريم، وعلى أيدي المسلمين الأوائل المجاهدين، الذين حملوا لواء الدعوة، وكسروا شوكة الأباطرة والقياصرة على الرغم مما كان يملك هؤلاء من أسباب القوة والجبروت التي لم تنفع أمام تحدِّي الإِيمان الذي عمرت به قلوبُ المسلمين، وجاهد من أجله الأبرار المخلصون.
ولئن كان المسلمون قد تخلَّوا عن التحدِّي حتى ضاعتْ دولتهم، وتشتتت أمتهم، وباتوا في أضعف الأحوال، إلاَّ إنَّ هذا الضعف لن يدوم، وسوف يعود المسلمون بإذن الله تعالى ليمتشقوا سلاح التحدِّي من جديد حتى يُعيدوا ما فقدوه.. والذي يبشر بهذا الأمل ما نلمس اليومَ من الصحوة الإِسلامية الجديدة في بلاد المسلمين وأقطارهم كافة.. إذ لا أحد ينكر أن مطلع القرن الخامس عشر الهجري يشهد صحوة جديدة للمسلمين على إسلامهم، لكنَّ هذه الصحوة يمكن أن تكون بمنزلة سلاح ذي حدَّين؛ فإن اقترنت بالوعي والتروي والتخطيط، على أساس المفاهيم الإِسلامية الصحيحة، فسوف تكون المحرك الأهم لإِيقاظ النفوس من غفلتها والحثِّ على العمل الجدِّي البنَّاء، وبالتالي لحمل لواء الدعوة على أساس التحدِّي المفروض على المسلمين.. وإلاَّ فإنها لا تلبث أن تتَّخذ منحًى عاطفيًّا، يغلب عليه الانفعال، وتحركه المشاعر الهوجاء، التي يمكن أن تخمد لأقلِّ المصادمات، فتضيع الصحوة هباءً منثورًا.. وبذلك ينقلب الأمل الجديد إلى خيبةٍ قاتلة، قد لا يستطيع المسلمون تلافي نتائجها الضارة إلاَّ بعد حين..
كما أنه يجب أن يكون واضحًا أنَّ هذه الصحوة، لن يدعَها أعداء الإِسلام تسير في مجراها الطبيعي المؤمَّل لها، ولسوف يحاولون جاهدين أن يحوِّلوها عن وجهتها الصحيحة، كما دأبوا عليه، وكما عوَّدونا، منذ فجر الإِسلام وحتى اليوم. من هنا كان التحدِّي في حياة المسلمين شرطًا لازمًا لكي يردُّوا عنهم الهجمات الشرسة التي يتعرضون لها، والتي اتخذت على الأيام أشكالًا كثيرة ومتنوعة، حتى كان من جرَّائها ذلك الصراع الذي دار بين الأمة الإِسلامية وأعدائها بصورة دائمة.. ولئن كان أعداء الإسلام قد نجحوا إلى حد كبير بإلحاق الهزيمة بالمسلمين وجعلوهم يتخلَّفون عن التقدم الذي يدعو إليه دينهم، إلاَّ إنهم فشلوا وباءت ظنونهم بالخسران، في تحدِّيهم للإِسلام نفسه، إذ ظَلَّ هذا الدين القويم شامخًا لا تهزه المؤامرات، ولا تؤثر فيه المغالطات، ولا يشوهه الإدخال مهما كان نوعه، يحفظه كتاب الله الكريم وقرآنه العظيم، لأنَّ هذا الحفظ بأمر منه تعالى إذ قال عزَّ وجل: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]...
نعم لقد شهد الإِسلام تحديات كثيرة له، وذلك بمختلف الأشكال والصور، ولا سيما ما يعود منها إلى التهجم على بعض أحكامه بالنقد المزيف حينًا، وبالتضليل أحيانًا، أو عن طريق إظهار الأفكار الإِسلامية وكأنها عاجزة عن معالجة مشاكل الناس، وتقديم الحلول للأزمات التي تعصف بالعالم.. وكان من جملة ما اتَّبعه أعداء الإِسلام في ذلك محاولاتهم القضاءِ على اللغة العربية لأنها لغة القرآن، أو عن طريق إخضاع المسلمين لمطامعهم، وذلك بالتأثير فيهم ماديًّا ومعنويًّا، حتى يكوِّن رموزًا للتحلل والتفلت من التزامهم الديني، ويقتدي بهم آخرون غيرهم كثيرون.. وقد ظهرت تلك الدسائس إما على شكل حركات دخيلة على الإِسلام، أو على شكل أبحاث ودراسات، وكان للمستشرقين اليد الطولى فيها، فهم الذين ابتدعوا، وألَّفوا الكتب وبنوا المدارس في سبيل محاربة الإِسلام والنَّيل منه..
على أن دراسة الإِسلام دراسةً موضوعية، علمية، صادقة، بعيدًا من أيّ عصبية أو مصلحة نفعية، أو خلفية بعيدة، تثبت بلا ريب أنه الدِّين الحقّ، وأنه أفضل منهج لحركة الإِنسان والحياة والكون، وإنه لو اتُّبعت تعاليمه، وطُبقت أحكامه لَزالت المظالم والمفاسد، وحُلَّت المشاكل واختفت الأزمات.. كما أنَّ الاهتداء بنورانيته يجعل السيادة للأخلاق القويمة، وللقيم والمُثل العليا، فيستوي الإِنسان، فردًا وجماعات، على الحقّ والعدل، وعلى التعاون والتآخي، فتتحقق إنسانية الإنسان بكل ما تحمل هذه الكلمة من معانٍ سامية وقيم رفيعة..
وإننا على يقين بأن رفض الإِسلام عقيدةً ومنهجًا في الحياة، قد أدَّى بالإِنسان إلى الضياع، فأخذت تجرُّه الأوهام، وتحيق به الشرور، حتى بات القلق واليأس والتعاسة، وما شاكل ذلك، هي التي تسيطر عليه وتقضَّ مضجعه، وتتركه نهبًا لوساوس الشيطان.. وكأني بأَعداء الإِسلام وقد أرادوا إبعادَه من بلادهم ومن مجتمعاتهم، بل من الناس جميعًا، يحصدون الآن نتائج أفعالهم، فصار مثلهم كمثل السحر الذي انقلب على الساحر، إذ باتوا هم أنفسهم، ومعهم أبناؤهم، ومن وراءهم أناس مجتمعاتهم، باتوا كلهم على تلك الأحوال المزرية التي تتحكم فيها الأهواء والمطامع، وتسيِّرها الأنانيات والماديات، بحيث نراهم في الشقاء يتخبطون، وفي الهموم يغرقون، إذْ لا أحد منهم إن كان حاكمًا أو تاجرًا أو صانعًا أو موظفًا أو عالمًا أو فردًا عاديًّا، إلاَّ ويرزح تحت أعباء الهموم، وتشده الحياة المادية بعيدًا من أيّ قيمة روحية...
على أن كثيرًا من المسلمين، وخصوصًا أولئك الذين ساروا في ركاب أعداء الإِسلام، ليسوا بأفضل حالًا، ولا أهنأ بالًا منهم. وأما المؤمنون الصادقون، الذين التزموا بالإِسلام، فهم الذين ينعمون بدفء هذا الإِيمان، ويقدِّرون الحياة على حقيقتها، لأنهم من معين الإِسلام يستقون وعلى منهجه سائرون...
فإلى كل تلك الفئات، بل وللناس كافة، نقولها كلمة صدق وحقّ: إن الإِسلام وحدَه هو الشفاء وهو الأمل وهو الرجاء، ولن يكون إنقاذٌ إلاَّ بالإِسلام، فليتدارك الناس ما هم فيه من ويلٍ وثبور، ومن عظائم الأمور، وليعودوا إلى الإِسلام قبل أن يفوت الأوان، وقبيل أن تحين الساعة التي لا ريب فيها، وعندئذٍ سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.. على أن المسؤولية الكبيرة تقع بالدرجة الأولى على المسلمين، وبالأخص على من عندهم القدرة على حمل الدعوة ونشرها بين الناس.. ولن يكون لهؤلاء من سبيل إلاَّ طريق التحدِّي الذي يؤدي إلى التغيير، وإلى بناءٍ جديدٍ للعالم على أساس الإِسلام الفاعل الذي يمارسه الإِنسان عقيدة وقولًا وعملًا.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB