صفات الداعية وكيفية حمل الدعوة
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   226
تاريخ النشر :   1985




القَضيّة ليَست سَبَبهَا الاقتصَاد

وإنه لَمِنَ التضليل أن يقال إن القضية قضيةٌ اقتصادية، لأن هذا يعني أن الفقر هو سبب انحطاط الأمة، والغنى هو سبب رفعتها؛ وهذا باطل لا شك فيه.
فالغنى لا ينهض بالفرد، ولا ينهض بالأمة، لأن النهضة هي الارتفاع الفكري، بل النهضة الصحيحة هي السموُّ الفكري على الأساس الروحي.
فإذا وجدت الأفكار وجدت النهضة؛ وإذا عُدمت الأفكار كان الانحطاط. فالأفكار في أيّ أمة من الأمم هي أعظم ثروة تحوزها الأمة في بدء حياتها ونهضتها، وأعظمُ هبة يتسلمها الجيل من سلفه إذا كانت الأمة عريقة في الفكر.
وإذا دُمّرت ثروة الأمة المادية فسرعان ما يمكن تجديدها ما دامت الأمة محتفظة بثروتها الفكرية أما إذا تداعت الثروة الفكرية وظلت الأمة محتفظة بثروتها المادية فسرعان ما تتضاءل هذه الثروة، وتسير الأمة إلى حالة الفقر، كما هي حالة المسلمين اليوم. إذ تسلَّم مقدرات ثرواتهم المادية أعداؤهم من أهل العلم والفكر، وتنعَّم بخيراتهم المتفوقون فكريًّا من أنفسهم ومن أعدائهم وغدت مصارف العالم تغُصُّ بأموالهم، ومصانع الغرب والشرق تدار بثرواتهم وهم لا يملكون شيئًا يحوزونه. والواقع الراهن يدلا دلالةً واضحةً على أن الأمة الإِسلامية من أغنى الأمم إن لم تكن أغناها إذا جُمعَت ثروتُها ورجعت الدولة الإِسلامية الواحدة كما يفرض ذلك الإِسلام على جميع مُعتنقيه.
وفضلًا عن ذلك فإن الاقتصاد حتى ينمو وينتقل من الزراعة وحدها إلى الزراعة والصناعة بحيث تكون الصناعة هي رأس الحرْبة لا بدَّ له من حافزٍ حادٍ يحفز الأمة على التصنيع، وهذا الحافز الحادي لا ينبثق إلا عن فكر وقدرات عقلية.
ومن أعظم الفكر، العقيدة العقلية التي تنبثق عنها الأفكار في الحياة.
وعليه فالقضية ليست قضية اقتصادية، بل هي قضية فكرية أي قضيةُ الثقة بما ينبثق عن عقيدة الإِسلام من أفكار.


والقضيَّة ليسَت قَضيَّة عُلُوم
ومن السطحية أن يقال إن القضية قضية تعليم وعلوم، لأنه يعني أن العلوم هي الحافز وليست الأفكار؛ مع أن الواقع يشهد أن الأفكار هي الحافز، والعلوم إنما تتأثر بالأفكار ارتفاعًا وانخفاضًا ووجودًا وعدمًا والذي يُسَيِّر الحياة هو الأفكار، ولا العلوم.
وإن معظم الحقائق العلمية التي اكشتفتها الأمة يمكن أن تهتديَ إليها مرة أخرى إذا فقدتها من دون أن تفقد طريقة تفكيرها.
أما إذا فقدت طريقة تفكيرها - أي فكرها الأساسي عن الحياة - فإنها سرعان ما تتقهقر وتفقد ما لديها من مكتشفات ومخترعات.
على أن الأمة الإِسلامية فيها من المتعلمين والمثقفين عددٌ ضخم يُعدُّ بمئات الألوف، ومع ذلك لا تزال متأخرة في الاكتشافات والاختراعات، لأنه لا يوجد لديها فكر يوجِّه هذه المعارف والعلوم نحو غاية معينة فيدفعها إلى الأمام لخدمة تلك الغاية السامية.
وفضلًا عن ذلك فإن العلماء والمخترعين يملؤون الأرض، وهم أُجراء يُمكن إحضارُهم من أي بقعة من بقاع الأرض كأُجراء، لكنَّ إحضارهم وإحضار أَمثالهم لا يعالج المشكلة من أساسها إذا لم يوجد فكر عند الأمة، فالمسالةُ فكر حتى تتم النهضة وتصل الأمة إلى ما تريد.

والقضيَّة ليَست قضيّة تشريع
ومن غير الدقة أن يقال إن القضية قضية تشريع وقوانين لأن هذا يعني أن القوانين هي أساس الحياة، وأساس الدولة، وهذا غير صحيح.
فالقوانين والأحكام إن هي إلا معالجات للمشاكل اليومية التي تحدث مع البشر منبثقة عن وجهة النظر في الحياة، فالأصل هو وجهة النظر التي انبثقت عنها القوانين وليست القوانين.
ألا ترون أن رعايا الدولة الإِسلامية كانت تطبَّق عليهم الأحكام نفسها التي كانت تطبَّق على المسلمين، فهم والمسلمون أمام القاضي والحاكم سواء.
ومع ذلك فقد كان المسلمون في الدولة الإِسلامية هم أصحاب الرسالة، وهم حَمَلَةُ الدعوة، وكانت تتمثل فيهم النهضة.
ثم ألا ترى الآن أن المسلمين في أكثر بقاع الأرض يطبِّق عليهم التشريع الغربي والقوانين الغربية، لكنهم لا يزالون يعتنقون العقيدة الإِسلامية؛ فالقوانين الغربية لم تنبثق عن عقيدتهم، ومع ذلك فهم لم يلحقوا بنهضة الغرب ولم يحصل عندهم ارتفاع فكري، ولا يزالون منحطين متخلِّفين من الغرب قرونًا وأجيالًا، مع أنهم مضى على تطبيقهم القوانين الغربية ما يناهز الستين عامًا؛ مما يدل على أن القضية ليست قضية تشريع، بل هي ما تنبثق عَنْهُ هذه القوانين من وجهة نظر شاملة عن الكون وما فيه من مظاهر الحياة. وكلُّ ذلك يعود إلى الثقة بالقوانين من حيث انبثاقها عن العقيدة؛ أي إلى وجهة النظر في الحياة، أو ما يسمونها في العصر الحديث بالإيديولوجية. وعلى هذا فالقضية هي في كيان الأمة الإِسلامية بصفتها أمة، لأنها لا تفتقر إلى غيرها في الإِيديولوجية، بل هي من أغنى الأمم بفضل ما أعطاها الله عن طريق قرآنه وسنَّة نبيِّه (صلى الله عليه وآله وسلم).
فمشكلة الأمة الإِسلامية ليست في إيجاد العقيدة الإِسلامية عندها، ولا هي في تقوية اقتصادها، ولا في إيجاد التعليم والثقافة فيها؛ ولا في إصلاح تشريعها إيجاد دستور وقوانين لها، وإنما المشكلة هي في ربط عقيدتها بدستورها وقوانينها، أي جعل التصديق الجازم منصبًّا على الأفكار والأحكام الشرعية المستنبطة من الكتاب والسنَّة، مما دلَّ الكتاب والسنَّة على أنه دليل شرعيّ يعاقَب من يَحيد عنه ولا يطبِّقه على نفسه وغيره.
وبعبارة آخرى هي إيجاد الثقة بالأفكار والنُّظم المنبثقة عن العقيدة الإِسلامية.

مُعَالجَة القَضِيَّة
أوَ إعادَة الثِقَة
إن علاج القضية محصور بالرجوع إلى النقطة التي بدأ منها الخطأ لإِصلاح هذا الخطأ وليس هناك شيء غير هذا منطلقًا.
فالمسلمون لا يزالون مسلمين والحمد لله على الرغم من كل ما هم عليه؛ فلا تزال عقيدتهم عقيدة إسلامية، والإِسلام لا يزال في أصوله الكتاب والسنَّة كما كان في أيام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، والأحكام الشرعية المستنبطة من الكتاب والسنّة وما دل عليهما الكتاب والسنَّة لا تزال كما كانت في جميع العصور الذي استُنْبِطت فيه، وكيفية الاستنباط لا تزال كما كانت يوم وُضِعَ عِلْمُ أصولِ الفقه.
فليس هناك نقص في اعتقاد المسلمين بالإِسلام، ولا تغير في حقائق الدين، لكن هناك فقط زعزعة في الثقة بالأفكار والأحكام المنبثقة عن العقيدة الإِسلامية، تَرتَّب عليها وجود خلل في كيان الأمة، ووجود خلل في كيان الدولة أدَّى إلى تدمير الدولة، وسار بالأمة في طريق الفناء حتى جعلها على حافة الهاوية.
فالعلاج لا يكون إلاَّ بالرجوع إلى النقطة التي بدأ منها الخطأ، أي إلى علاج الزعزعة التي حصلت في الثقة بالأفكار والأحكام المنبثقة عن العقيدة الإِسلامية. والغاية من العلاج هي إنهاض الأمة، لاستئناف الحياة الإسلامية، وحمل الدعوة الإِسلامية على حقيقتها إلى العلم بأسره.

القَنَاعَة والثِّقَة
يقولون إن الثقة ناجمة عن القناعة بصحة الشيء وصدقه.
والقناعة آتية من المشاعر، فهي تأتي للإِنسان من غير براهين، وتذهب من غير براهين، والثقة ليست شيئًا يمكن الحصول عليه بالحجة والمنطق، بل بإيجاد القناعة التي قد تأتي اعتباطًا وتذهب اعتباطًا؛ هذا القول باطل وغير مطابق للواقع.
فالثقة تنجم عن القناعة بصحة الشيء وصدقه بلا شك؛ أي بمطابقته للواقع، أو للفطرة، لكنها لا تحصل إلاَّ بناء على برهان يثبت صحة الشيء وصدقه، وهذا البرهان إما أن يكون عقليًّا مرتبطًا بالمشاعر، وإما أن يشعر الشخص بصحته وصدقه فقط من غير أن يقوم دليل عقلي عليه، ومن تكرار ذلك تحصل القناعة وتتولد منها الثقة.
فالثقة لا تأتي اعتباطًا، ولا تذهب اعتباطًا، بل تأتي من تكرار ثبوت مطابقة الشيء للواقع، أو الفطرة العقليّة أو الشعوريَّة؛ وتذهب من تكرار ثبوت عدم صحته وصدقه؛ هذا هو الذي يُوجِدُ الثقة؛ وهذا هو الذي يزعزعها ويذهبها، وحتَّى تترسَّخ الثقةُ لا بد من أن تنتقل من دور إقامة البرهان إلى دور البداهة، وذلك بتكرار ثبوت صحة الشيء وصدقه بالبرهان عقليًّا وشعوريًّا.
وكما أنه يصعب إيجاد الثقة في جو التشكيك، فكذلك تصعب زعزعة الثقة في جو الإِيمان. وكذلك كما صَعُبَتْ على الغربيين زعزعةُ الثقة بصلاحية أحكام الشريعة الإِسلامية لمعالجة مشاكل العصر حين كان الجوُّ جوَّ إيمان، فكذلك ليس من السهل على الدعاة إلى الإِسلام أن يعيدوا هذه الثقة بصلاحية الإِسلام في جو التشكيك.
وهنا لا بدَّ من أن ينشأ الصراع العنيف حول هذه الأفكار والأحكام، أي الصراعُ العقائديُّ الذي تصطدم فيه العقول والمشاعر في ما بينها اصطدامًا يلتمع من خلاله ضوء الحقائق، ويشرق نورها، فينجلي فساد الأفكار والأحكام الجارية، بظهور فساد وجهة النظر المنبثقة عنها، ويلمس المسلم حينئذٍ صدق عقيدته وصحة معالجتها كما يلمس الكافر والمنافق مِن الصراع الفكري، والنقاش العميق بُطلانَ وجهة نظر الكفر وصحة وجهة نظر الإِسلام، ويتجلّى عند ذلك للناس جميعًا فسادُ النظام القائم، وصلاح حكم الإِسلام.
فإذا تكرر ثبوت صحة أفكار الإِسلام وأحكامه وصدقُها وُجِدَت القناعةُ بها وتولدت عن هذه القناعة الثقة بها وحدها من دون سائر الأفكار والأحكام الموجودة في العالم.
وإذا عمَّتْ هذه القناعةُ الناسَ، وتركَّزت الثقة في نفوسهم وَوْجِد رأي عامٌ منبثقٌ عن وعيٍ عام، فإنها تكون قد دبَّت النهضة في الأمة؛ وأقامت حكم الله مهما وقف في سبيلها من عقبات لأن الأفكار القوية تزيل أكبر قوة سياسية وتُبطل كلَّ فكر باطل، وتدمِّر كل حُكم فاسد.
وإن عدوَّنا حوَّل عداوتنا له من كفر وإيمان إلى استعمار ومستعمرين، من عداوة مسلمين إلى عداوة مستعمرين، وحوَّل بغضنا له من بُغض مسلمين لِكفَّار بالإِسلام إلى بغض وطنيين لأجانب، وبذلك أنسانا مرارة الهزيمة بصفتنا مسلمين، وأزال عنها كونها هزيمة كفر للإسلام، حتى يتحوَّل كفاحُنا له من جهادٍ نطلب فيه رضوان الله إلى كفاح رخيص كالمظاهرات والاحتجاجات للحصول على الاستقلال، أي على الانفصال عن باقي بلاد الإِسلام!
فإلى متى نغفل عن هذه الخطط الجهنَّميَّة الكافرة؟
فلا مندوحة لنا عن إعادة الصراع بيننا وبينه إلى صعيده الأصلي.. أي إلى الصعيد المبدئي العقائدي، فإنَّ لدينا عقيدة ونظامًا نتحدّى بهما سائر البشر؛ ولكن لا بدَّ لنا من أن نعرف عدوّنا من هو، وأن نتخذه عدوًّا.
فإننا إذا لم نعرف جهة العداوة بيننا وبينه و السبب الذي يحمل لنا من أجله العداء، لا يمكن إنقاذ أنفسنا من براثنه، وبالتالي لا يمكن التغلّب عليه.
وإذا لم نتخذه عدوًّا، فإننا سنجعل أنفسنا تحت سيطرته، وتحت رحمته بلا شك، لكننا لا ننسى ما قاله الله تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر: 6].
ولن ننسى في الوقت نفسه أنه قال عزَّ من قائل: {وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [لنساء:141]. فقد جاء القرآن بكيفية معاملة الأعداء بآيات صريحة تقرع الآذان وتوقظ العقول وتهز النفوس. فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ} [الممتحنة: 1]. وقال {لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ} [آل عمران: 28]. وقال: {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء} [النساء: 89].
لذلك كان من المحتم على المسلمين الكثير من الكفاح المرير في سبيل بثِّ أفكار الإِسلام، ولا بدَّ من كفاح شديد مع العملاء أيضًا، ومع الملحدين وسائر أعداء الدين في مختلف الجبهات.
وهنا قد يرد استيضاح:
إذا كانت البلاد الإِسلامية مقسمة دولًا فعلًا، وإذا كانت متحررة من الاستعمار، وكان حُكَّامُها مسلمين، فالكفاح إذن يجب أن ينصبَّ على الأنظمة التي تخالف الإِسلام فقط!...
الجواب عن ذلك: أن الأمة منكوبة ببلاءَين:
أحدهما: بعضُ حُكَّامها وكونُهم عملاء للمستعمرين. وثانيهما: أن معظمها تُحْكَمُ بغيرِ ما أنزل الله. ولذا تملكت بعض الحكام أي العالم الإِسلامي حالتان اثنتان:
ففي الحالة الأولى: قد أثَّرت فيهم الأنظمة الغربية حتى أفقدت بعضهم الإِيمان بالإِسلام كنظام للحكم وكنهج للحياة، فأصبحوا في صف الأعداء ولو صلُّوا وصاموا.
وفي الحالة الثانية: يبرز الشعور بالعجز الدائم عن الوقوف في وجه الدول الكبرى، وهو الذي بعث في نفوس بعضهم يأسًا من صلاح هذه الأمة إلا بالاستناد إلى عمالة دولة كبرى تنافسُ الدولةَ التي تستغلهم وتستعمرهم، فأدَّى ذلك إلى تصوُّر انتقالهم من أحضان استعمار إلى أحضان استعمار آخر، فجُسِّمَ الخطر بنظرهم، وأُبْعد في ذهنهم إمكانية إعادة الدولة الإِسلامية إلى الوجود، مع أنهم يؤمنون بالإِسلام كنظام للحكم وكنهج الحياة.
فعدم الثقة بالإِسلام كمبدأ عالمي للحياة، وعدم الثقة بالأمة الإِسلامية كأمة قادرة على أن تحتل مكان الصدارة بين الأمم، أضف إليهما الرعبَ الذي قذفته الدول الكبرى في قلوب المسلمين بما لديها من وسائل الدمار وأساليب المكر والخداع، كل ذلك جعلهم ينأون بجانبهم عن الإِسلام، ويجعلون ركيزة بقائهم في الحكم تقوم على الاستعانة بقوة بلادهم والاستناد إلى أمتهم، وأخيرًا استسلموا كليًّا إلى الحكام الغربيين والشرقيين معًا، فضاعوا وأضاعوا...
لذا، فإن الغربيين، ومَنْ وراءَهم من العُملاء، سيقاومون فكرة إعادة الثقة بالأفكار الإِسلامية، وبأحكام الإِسلام، وسيبذلون قصارى جهدهم لخنق كل صوت يرتفع بالدعوة إلى الله وإلى الدين الإسلامي.
ومن هنا يجب أن ندرك الصعوبة في إنهاض الأمة، وأن يستعد المسلمون لذلك كل الاستعداد... والكفاحُ أمرٌ لا بدّ منه، بل هو فرضٌ كفرض الجهاد سواء بسواء.

الرَجْعِيَّة
الرجوع: هو العودة إلى ما كان عليه مكانًا أو صفةً أو حالًا، كالرجوع إلى المكان، أو الرجوع إلى الفقر أو الغنى، أو الرجوع إلى الصحة أو المرض.
أما الرجعة فهي الرجوع إلى الحياة بعد الموت.
والرجعي: هو المنسوب إلى الرجعة؛ هذا هو المفهوم اللغوي.
ولكن ما اصطلح عليه المحدثون في العصر الحاضر هو أن الرجعي: من يذهب مذهب سلفه ولا يساير الزمن، وأن الرجعية هي السير على مذهب السلف في الأفكار والعادات والتقاليد من دون مسايرة التطور. ومن هنا قالوا عن الإِسلام إنه رجعي.
لقد عرفنا لغةً أن الرجعية هي من الرجوع، أي من العودة إلى ما كان عليه مكانًا أو صفةً أو حالًا. وهل أشرف للمسلمين من أن يرجعوا إلى حظيرة الدين، وإلى الحالة التي كانوا عليها يوم كان يسيطر الدين على تلك الأقسام الشاسعة من المعمورة، وإلى الحالة التي كانوا يحملون فيها مشعل النور والعدل والحقّ إلى بني البشر في سائر الأقطار؟
لكن التقدميين من المسلمين يتَبنَّون تجنيًا التعريف الاصطلاحي، فهم يعنون بالرجعية الجمود على مذاهب السلف في الأفكار والعادات والمعتقدات من دون مسايرة الزمن؛ وهل هُمْ لمّا تنكروا لتراثهم، وحادوا عن سيرة سلفهم، وتحلَّلوا من عقيدتهم، كانوا على حالٍ أحسن من حال السلف؟ أم أنهم حين بدلوا أفكارهم وجعلوا جميع أنماط حياتهم على الطراز الحديث، كانوا أكثر نجاحًا من السلف وأسعد حياةً، وأهدأ بالًا وأصلح حالًا؟
إنهم يعنون بالرجعية الرجوع إلى العصور المتخلفة التي لا يجوز العود إليها وينصحون الآخرين بتناسيها والتخلص من الأفكار التي تحملها والإِقلاع عن العادات والتقاليد التي كانوا يتعاطونها، وهذا يعني أننا كنا قديمًا متخلفين، فقراء المعرفة والعلوم، فعلينا الآن وفق رأيهم ألّا نرجع إلى تخلفنا وفقرنا؛ وهذا القول صحيح، لو كانت الدعوة قائمة للرجوع إلى الجاهلية قبل الإِسلام؛ أي إلى الوضع المماثل لما هم عليه التقدميُّون من أهل هذا العصر.
لقد كنا قبائل ضالة متنابذة مرضى الجاهلية... فأتى الإِسلام واعتنقناه فصحح أفكارنا وشفى نفوسنا، فغدونا أصحاء جديرين بالحياة، نستطيع أن نقود الأمم.
فالدعوة إلى الرجوع إلى الإِسلام تكون دعوة إلى مكان الصدارة في العالم، وإلى الشفاء من جميع الأمراض التي نعاني منها في وقتنا الحاضر، وليست دعوة كما يفهمها بعضهم للتمسك بالوسائل الحياتية التي كانت تسود في العصور الأولى؛ وإن تعجَّبتُ من شيء، فإنما أتعجب من هؤلاء المرضى، الفاقدي الوعي، الأشقياء في الدنيا والآخرة، من الذين يُخيفوننا مما شرع الله لنا من حق وباطل وحلال وحرام، ثم يعرضون علينا سِلَعهم الرخيصة لنتمرغ فيها كما يتمرغون في حمأة العيش ودياجير الظلم والفساد.
قالوا عن الإسلام إنه رجعي؛ وهذا تهويل وتضليل، لأن الإِسلام ليس رجعيًّا، وليس ضلالًا ولا فسادًا في الأرض، ولا يمثِّــل الرجعية في حكم من أحكامه، بل هو هداية وصلاحٌ ومصلحةٌ لجميع الناس، كلِّ الناس.
وإنما الرجعي في الواقع والحقيقة هو ذلك الذي يبيح التعديات على أمن الأفراد والشعوب المستضعفة، ويعمل جاهدًا للسيطرة على أقواتها وموارد عيشها، بالقوة والإِكراه تارةً، وبالاحتكار والتدليس تارةً أخرى لما كانت عليه الأحوال في القديم حين كان الطغاة والمتكبرون يستبدون بالناس ويستعبدونهم من خلال القوة الظالمة التي كانوا يتخذونها سلاحًا لهم... وكما هي الحال عليه اليوم في كثير من المواقف الدولية التي يسلكون خلالها طُرُق الفتن والخيانة في جميع أشكالها وأدواتها وألوانها. أما الإِسلام فهو دين الرحمة والإِنسانية، ودين التقدم والرخاء، ودين السلام، لا الاستسلام، لأنه لا يستكين إلى الهزيمة ولا يرضى بها، وليس الإِسلام كما يحاولون أن يعرّفوه ويصوِّروه ويزَيِّفوه.
صحيح أن تعاليم الإِسلام أنزلت باللغة العربية، وهو لا يفهم فهمًا تامًّا دقيقًا إلا عن طريقها وطريق من تمرَّس بها واستلان لسانُه اصطلاحاتها، وعرف بلاغتها وفصاحتها؛ لكن الإِسلام ليس دينًا شعوبيًّا ولا إقليميًّا ولا طائفيًّا، بل هو إنساني المبدأ والعقيدة، عالمي الموطن والهوية، أي إنه صالح للإِنسانية في كل مكان وزمان.
والذين يزعمون أن الإِسلام رجعي يريدون بقولهم هذا امتهان الإِسلام ووصفه بالعجز والتقصير عن احتواء تقدُّمهم المزيف، وهم يعترفون فعلًا بأنه كان صالحًا، وأتى لفترة معينة محددة فأصلحها، وعندما انقضت هذه الفترة لم يعد صالحًا لغيرها، فأتت الاشتراكية وسواها مثلًا، لإِصلاح الفترة التي نعيشها، فكل من ينادي بالإِسلام في هذه الفترة المتقدمة، يُعدُّ في نظرهم رجعيًّا، لأنه يريد أن يعيدهم إلى فترة زمنية انقضت وولت، والأحكام التي احتاجتها تلك الفترة لم تعد صالحة لمعالجة حاضرنا التقدميّ؛ فالرجوع إليها هو الرجوع إلى الوراء من دون أيّ فائدة.
وهذا القول يصح أن يناقش إذا كان على صعيد أن الإِسلام من عند محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) كإنسان شرَّع هذا النظام من إبداع عبقريته، شأنه شأن أي مصلح اجتماعي جاء من بعده، فكانت أفكاره صالحة لمعالجة واقعه الذي كان يعيش فيه؛ أما وإنه من عند الله، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه، فقد اختلف الموضوع وصارت الحرب بين الإِنسان والسماء.
والحقيقة التي لا مراء فيها أن العرب كانوا على ضلال، وفي حالة تخلُّف خلقي وإنسانيِّ، فجاء الإِسلام فهداهم إلى الرشاد فساروا على هداه، والتزموا بتعاليمه فانتقلوا من عصر الظلام الدامس، إلى عصر الهداية والنور، بل سادوا العالم بأسره، وأناروا الطريق وزرعوا فيه الإِيمان. لكنهم لما تخلوا عنه أصابهم التمزق والتشرذم نتيجة تنازعهم في ما بينهم، فعادوا كما كانوا قبائل يُغيرُ بعضُهم على بعض، وشعوبًا متفرقة لا يقوم بينها أي رابط أخويٍّ متين، عندها تخلفوا عن ركب التمدن وأصبحوا يستهلكون إنتاج غيرهم مع أنهم كانوا هم الذين ينتجون للعالم جميع أسباب المدنية؛ وبهذا يكونون قد رجعوا إلى الوراء، أي إلى الجاهلية العمياء. وهذه هي الرجعية بكل ما فيها من معنى، وكل من ينادي بالرجوع عن الإِسلام فهو رجعي.
والدين الإِسلامي هو النظام الوحيد الذي تكفَّلَ بسعادة المرء في هذه الحياة، فأين نحن عن نظامه الذي لا يجعل فضلًا لعربي على أعجميّ إلاَّ بالتقوى؟
فالرجعي حقًّا من كان ضالًا فاهتدى، ثم رجع إلى الضلالة والكفر، وراح يمارس هواه في مختلف مظاهر حياته.
وأما من استفاق على ضلالته وقد كان قبلها مهتديًا، ثم وطد العزم ونادى بالرجوع إلى الهدى، فهذا الإِنسان تقدميٌّ، ومن الغريب العجيب أن يُشان ويُرمى بالتُّهم.
وقديمًا قيل الرجوع عن الخطأ فضيلة.
فمتى نرجع عن أخطائنا؟ أما آن لنا أن نفيق من غفلتنا ونثوب وإلى رشدنا، ونحمل الإِسلام ونكافح في سبيل إنقاذ الإِنسان من براثن الجشع المادي، والتخلف الخلقي؟

مُسَايَرة الزَّمَن
وقولهم عن الإِسلام إنه لا يوجد لديه القدرة على مسايرة الزمن، ولا سيما في الأعمال السياسية البحتة، وضربوا مثلًا على ذلك أن المسألة ليست في إقامة دولة فحسب، بل هي في وقوف هذه الدولة في المجال الدولي، ومحاولتها أخذ مركز مرموق بين الدول، واستطاعتها التأثير في الموقف الدولي مع ثباتها على أفكار الإِسلام، ثم إيجاد علاج للمشاكل التي تقتضيها طبيعة الزمن وتقلباته، وهذا ما تستدعيه الوقائع التي تحدث في كل آن، وتجعل الأمر غير مُستغنٍ عن مسايرة الزمن في كل حادثة، تستجد...
والجواب عن ذلك: هو أن كلمة مسايرة الزمن كلمة غامضة مبهمة؛ فإذا أريد منها أن تجعل الأحكام الإِسلامية متفقة مع ما يسود العصر من همجية واعتداءات على حق الأفراد والشعوب، فهذا لا يجوز.
فحين يكون المجتمع يخضع لحكم نظام رأسمالي يكون الربا ضرورة اقتصادية.
أما حين يصبح المجتمع خاضعًا لحكم نظام إسلامي فليس عليه أن يجعل الربا حلالًا في المجتمع الجديد حفاظًا على روحية العصر، ومن أجل مسايرة الزمن!
فهذا مُنْكَرٌ، لأن الربا يظل حرامًا إلى قيام الساعة، ولا عبرة بتغيُّر العصر، ولا بتغيُّر الظّرف، ولا بتغيُّر المجتمع.
وقولهم إن الربا من ضروريات المجتمع، قولٌ مرفوض، حتى لو أصبح من ضروريات الحياة نفسها، فعلى الإِنسان المؤمن أن يغيِّر المجتمع الفاسد، لا أن يُفْسِد الحكم الشرعي ويغيِّره بحسب هواه.
وأما إذا أرادوا من مسايرة الزمن إيجاد حلول لجميع المشاكل المتجددة مع كل زمن فهذا أمر لا بدَّ منه.
فالمسلمون كان يستشيرهم الخليفة بدعوة ممثلين عنهم لمختلف وجهات نظر مجتمعهم وكان جميع ممثليهم معروفين لدى الأمة، فإذًا أصبحت استشارة الدولة للناس تقتضي إيجاد مجلس شورى في الأمور، فلا غرو أن يُنَتخب من الناس من يؤخذ برأيهم، فيقام مجلس شورى للدولة ويكون مجلس محاسبة للحكام، قال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران: 159] وقال {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38] وقال رسوله الأمين (صلى الله عليه وآله وسلم) «أفضل الجهاد عند الله كلمة حق عند سلطان جائر» .
فما المانع من إيجاد هذا المجلس إذا طبَّقنا في انتخاب أعضائه حُكْمَ الوكالة، كأن يكونَ الأعضاء في المجلس وكلاءَ عن الناس في الرأي، والوكالة في الرأي جائزة كالوكالة في الخصومة، وفي المال، وغير ذلك.
ومِثْلُ هذا الحكم لا يُعدّ مسايرة للزمن، بمقدار ما هو اتساع في الشريعة، لمعالجة كل مشكلة تحصل في كل زمن.
وإن أرادوا مسايرة الزمن في الأعمال المباحة، كأن تحدث مباحات لم تكن موجودة قبلًا فيختار فيها المرء ما يتماشى مع الأذواق السائدة، مثل استعمال الطائرة والسيارة والقطار وغيرها من الوسائل المدنية الحديثة عوضًا عن الجمل والحصان والحمار وما شابه، وكذلك مثل لباس القبعة، بدل الطربوش، أو البذلة الرسمية عوضًا عن العباءة، مثلًا، ومثل أن يتخذ الحاكم وغيره من أصحاب المصالح الكبيرة حُجَّابًا ومرافقين، فإن هذا وإن كان يظهر فيه أنه مسايرة للزمن، لكنه قيام بفعل مباح.
وكذلك إذا أرادوا اختلاف المعاملات في العلاقات الدولية باختلاف الظروف والأحوال فهذا جائز أيضًا شرط أن يتم بحسب نصوص الأحكام الشرعية.
ومثله فيما لو أرادوا بمسايرة الزمن وَضْعَ سياسة تتفق مع متطلبات العصر، فإن ذلك جائز لأنه اختيار لمباح من المباحات، (فالسياسة فاعلية مؤثرة في الممكنات لتحويلها إلى الوضع الذي نريده نحن) وما دام ذلك داخلًا بالممكن، فهو يعني بالطبع أنه داخل ضمن المباحات.
فقد تختار الدولة سياسة الحرب وقد تختار سياسة الأعمال السياسية، أي قد تضع الدولة مخططاتٍ للقيام بالحرب فعلًا فتكون في حالة تأهب دائم، وتجيب عن كل مناورة سياسية بالاستعداد الفعلي لخوض الحرب، والدخول في المعارك، وقد تضع الدولة مخططات للقيام بأعمال سياسية بإيجاد مشاكل للعدو متصلة الحلقات، لا يكاد يخرج من مشكلة إلاَّ ويقع في مشكلة أخرى، وتُعِدُّ لذلك القوة الهائلة حتى تكون جريئة على خلق المشاكل للعدو ودفعه إليها، حتى إذا بادأها العدو بالحرب أعادت له الضربة ضربتين؛ فهاتان سياستان مباحتان للحفاظ على سلامة الدولة، وبعنوان نشر كلمة الله بين الناس.
فالدولة حين ترى الزمن يقتضي إحداهما ولا يقتضي الأخرى تكون ظاهرًا قد سايرت الزمن، لكن الحقيقة أنها اختارت الفعل المباح.
وهكذا فمسألة المسايرة، حين توضح مشاكل الزمن، يذهب منها الغموض، وحين يُعيَّن مدلولُ كل مشكلة، وموقفُ الحكم الشرعي منها يذهب منها الإِبهام.
فالمسايرة سواء في السياسة أو في التشريع، إنما هي فيما يسمى بالواقعية العملية، فالناس الواقعيون العمليون يسايرون الزمن قطعًا، حتى ولو كانوا من أشد الناس التزامًا بالإِسلام. أما غيرُ الواقعيين وغير العمليين، فلا يمكن أن يثبتوا ويحافظوا على مستواهم الرفيع في كل زمن بل تراهم يجحدون، ومن ثمَّ ينحدرون إلى الحضيض، ثم لا يكون بالتالي نصيبهم إلا الحيرة والارتباك، وعدم اتخاذ المواقف الصحيحة.

الفروضُ النَظرِيَّة والقَضَايا المَنْطِقيَّة
وَالقِياس الشُمُولي
لا يوجد في الدنيا أخطر على التشريع، وعلى السياسة من الفروض النظرية، والقضايا المنطقية والقياس الشمولي فإنها تسبب الضرر الفاحش، بل قد تسبب الخطأ والضلال.
أما التشريع ولا سيما التشريع الذي جاء به الوحي، فهو أحكام الأفعال، ولا ينطبق إلا على تلك الأفعال.
لذلك لا يقاس عليها لمجرد الشَّبَه بل يعطي الحكم لها إن كانت واحدًا من ذلك الجنس أو النوع، لا إذا كانت تشبهه من قريب أو بعيد.
فإذا خرج الوضع من ذلك، فقد خرج عن أن يكون حكمًا شرعيًّا مستنبطًا من دليل، لأن الدليل لا يدل عليه هو بالذات، بل يدل على ما يشبهه، ولأن العلة لا تدل عليه هو بالفعل، بل تدل على ما يشبهه؛ نقول هذا القول، ونحذر هذا الحذر، لما للفروض النظرية، والقضايا المنطقية من خطر يوقع في الخطأ والضلال من جراء القياس المغلوط لمجرد الشبه.
أما السياسة فالأمر فيها أشد حذرًا وخطرًا، لأنها معالجة أمور منفردة مستقلة عن بعضها، قلما يجتمع أمر مع أمر في كلٍّ منها، لكنها شديدة التعقيد، دقيقة الإدراك، متداخلة الحوادث ولذلك إذا لم تُدْرَس كل حادثة بمفردها، وتُعطى حكمًا خاصًّا بها، فإنه لا يمكن الوصول إلى الحقيقة إلا مصادفةً، أي رمية من غير رامٍ، وحينئذٍ يستغلق الفهم، وبالتالي يقع الخطأ في العلاج؛ ومن أجل أن يُساير التشريعُ وتُساير السياسةُ متطلباتِ كل زمن وحاجاته على أساس ثابت، لا تكون فيه قابلية التغيير، لا بد من أن تؤخذ الحوادث كلُّها بحسب واقعها الذي هي عليه مئة في المئة، ولا يقام أي وزن للتشابه بينها، وأن توضع الناحية العملية عند العلاج على بساط البحث، أي هل هذا ممكن أو غير ممكن، وحينذاك تكون قد استبعدنا الفروض والنظرية والقضايا المنطقية والقياس الشمولي.
وفي الوقت نفسه يظل التشريع، وتظل السياسة مزدهرين أيما ازدهار، وتظل الأمة قادرة على مسايرة الزمن مُبَوَّأَةً المكان المرموق في مركز القيادة للأمم.

مُشكِلة القَوانينَ والدَساتِيرُ
وَصَلاحِيّاتهَا
وقد يقال إن البلاد الإِسلامية المترامية الأطراف، قد قسمت دولًا كثيرة وقامت فيها دساتير مختلفة، وقوانين متنوعة، ومضى على ممارستها أكثر من ستين عامًا، وهذه الدساتير والقوانين ليست أحكامًا إسلامية بل هي تُناقض الإسلام.
ومن هنا كان من الصعوبة بمكان إعداد دستور وقوانين للدولة الإِسلامية تأخذ في الاعتبار اختلاف الوقائع والأحوال والظروف في مختلف بلاد الإِسلام، لأن الأمة في حاجة ماسة إلى القيام بإعداد وقوانين تعالج مشاكل العصر الحديث.
الجواب عن ذلك هو: أن الأساس إيجاد ثقة بصحة أفكار الإِسلام وأحكامه وصدقها وصلاحيتها؛ فإذا وجد هذا الأساس فقد سهل وضع الدستور والقوانين. فلا مندوحة لنا من بعث الحياة في العقيدة الإِسلامية أولًا كون الأفكار والأحكام تنبثق عما جاء فيها وحيًا من الله جاء بها جبريل عليه السلام، علاجًا لأفعال العباد لتحقيق السعادة لهم.
فإذا وجد هذا الاعتبار فقد وجدت القوانين.
هو صحيح أن العقيدة الإِسلامية موجودة عند الأمة، والأمة أمة مسلمة ليست بكافرة، لكن هذه العقيدة فقدت علاقتها بوقائع الحياة وأنظمة التشريع، فصارت وكأنها غاضت منها الحيوية، أو كأنها عقيدة جامدة لا حراك فيها ولا حياة، يحسبها الغريب ميتة غير صالحة، حتى لم يَعُدْ لدى المسلمين الذين يعتقدونها ذلك الحافزُ الحادُّ الذي دفعهم لإِنارة الدنيا، ونشرِ الهدى.
بل بات الاعتقاد أنّ هذه العقيدة فقدت النظرة إلى السماء، وحضرت نظرتها في الأرض... فقدت ذِكْرَ الله والتطُّلع إليه وقت الشدة للاستعانة به، واتجهت نحو المخلوقات لاستمداد العون منهم باستجداء القوة والمال.. كما عمَّ التفكيرُ بأن هذه العقيدة فقدت في نفوس المسلمين تصوُّر يوم القيامة. كما فقدت الشوق إلى الجنة، والحنين إلى نعيم الآخرة، ثم فقدت أخيرًا المثل الأعلى وهو نيلُ رضوان الله تعالى، وحصرت همها في متاع الدنيا، فصار شوقها إلى منزل فخمٍ وفرشٍ وثير ورياشٍ ناعمة وسيارة جميلة؛ وصار حنينها إلى متعة زائلة، ونعيم بالمال والجاه، وتجسّد مثلُها الأعلى بتحقيق رغباتها المادية، والسعي المخلص لإِرضاء من بيدهم تحقيق هذه الرغبات.
والحقيقة أن المشكلة ليست في العقيدة، بل هي في الأمة الإِسلامية، وفي أفراد هذه الأمة حتى في القائمين منها بالليل تهجُّدًا، والصائمين بالنهار تطوعًا، والمتحرجين عن الوقوع في المحرمات، لم يعد التقيد بحكم الله ـــــــ كما جاء من عند الله ـــــــ هو الذي يسيطر عليهم ولم يعد لرفع كلمة الله وجَعْلِها هي العليا في أعمالهم أي وجود، ولا في تفكيرهم أي نصيب؛ فهل يجوز أن يُطْلَب وضع الدستور والقوانين قبل أن تُصَحَّح الأفكار المنحرفة في غير مجراها الطبيعي؟
إنه لا بد من بعث حياة العقيدة الإِسلامية في نفوس المسلمين حتى تنطق قلوبهم قبل ألسنتهم بأفكار الإِسلام وأحكامه، وحتى يعتقدوا أنها أكبرُ مبرر لوجودهم، وحتى يتأكدوا أن إخلاصهم للعقيدة الإِسلامية يرتفع على كل اخلاص، وأن ولاءهم لها يرتفع على كل ولاء.
فإذا نطقت قلوبهم قبل ألسنتهم بهذا القول، وصار الله ورسوله أحب إليهم مما سواهما فإنه حينئذٍ تكون الفكرة التي تجمع الأمة كأمة وتقوم عليها الدولة وتنبثق عنها القوانين، قد أوجدت الحياة في الأمة؛ ويسهل حنيئذاك وضع الدستور والقوانين. لأن الدستور موجود، والحلال في الإِسلام لن يصير حرامًا، كما أن الحرام لن يجعله حلالًا في الأرض مخلوقٌ من المخلوقات.
فالقضية تكون أولًا وقبل كل شيء وضع البذرة في العقول والقلوب، وفقدانُها هو أصلُ الداء، وأساس البلاء، ووصفها هو العلاج، والبلسم والشفاء.
والمسألة التي نحن بصددها هي إنهاضُ الأمة وإقامة الدولة.
وإنهاض الأمة إنما يكون بالفكر، لا بالدستور والقوانين.

السِّيَاسَة
فِعْل عَقْلٍ وَقَلْب
إقامة الدولة: يعني نصب خليفة للمسلمين، أو حاكم يتولى ممارسة الحكم بما أنزل الله. والحكم سياسة بمعنى السياسة الرفيع، أي فعل عقل حصيف وقلب رحيم.
فالعقيدة العقلية، التي تنبثق عنها أفكار الحياة، تملأ العقل بالوعي أي بالإدراك المركَّز، وتملأ القلب بالشعور أي بالعاطفة الصادقة، وعنهما معًا يصدر الفعل، وهذا الفعل، هو الحكم، وهو سياسة البشر، فنحن لا نحتاج إلى دستور وقوانين أولًا، وإنما نحتاج إلى عقل وقلب يملآن الفكر المستنير، وعندئذٍ يعطي هذا الفكر المركَّز وحهةَ النظر الصائبة في الحياة، التي متى وُجدت وجد الحكم، ومتى وجد الحكم وجدت الدولة، ووجد الدستور، وظهر التشريعات.
فالدستور أداة للحكم وليس أساسًا له وهو مقياس للحكم على الأعمال التي يتقيد بها الحكَّام، ويقيدون بها الرعية التي يحكمونها.
أما الأفكار التي تنبثق عنها القوانين، فهي التي تُوجِد الحكم، وهي التي تدفع الأمة لإِيجاد الحاكم، وهي التي تجعل الحاكم يسوس الأمة ويرعى شؤونها على وجه معين، وبطريقة معينة، في إطار سياسة حكيمة صادرة عن فعل يحيط بأحكام الله، وقلبٍ كبير يَسَعُ عبادَ الله وأخيرًا نقول بحق وصدق: إن الأمة الإِسلامية كانت خير أمة أُخرِجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله كما قال الله عزّ وجلّ في كتابه العزيز.. فحرام إذن يطويها الفناء، وإجرامٌ أن يدوسها العفاء...
إنها الأمة التي نشرت الهدى في العالم، وحققت العدل بين البشر؛ وتحرَّت الحقَّ في حكم الرعايا، وشملت الناس بالرحمة، وأحاطتهم بالرعاية، وأوجدت الاستقرار، ونشرت الأمن والطمأنينة بين الناس، وأسعدت كل من استجابَ لدعوتها بسعادة الدنيا ونعيم الدار الأخرى.
ومن أجل ذلك استشهد الملايين في سبيل حمل الدعوة الإسلامية لإِخراج الناس من الظلمات إلى النور يوم كان مثلها الأعلى أن تنال رضوان الله الرؤوف الرحيم.
هذه الأمة الكريمة الفِعال، العريقة المحتد، التي حملت هَمَّ الإِنسانية كلها، والتي لا تزال الإِنسانية مفتقرة إليها لتنقذها مرة أخرى من جشع المادة وقلق المادية، إلى راحة التقوى وطمأنينة الإِيمان؛ هذه الأمة أثار فيها أعداؤها التشكيك في أفكار دينها وأحكامِه، في ظرف بزغت فيه شمس صناعتهم واختراعاتهم، فهاجموها بوهج الرقي والتقدم المادي، وحاكوا لها الأضاليل والأباطيل بإظهارهم أن اختراعاتهم وصناعاتهم كانت من نتاج ما يحملون من أفكار وما يطبقون من أحكام، وأن سبب تأخر الأمة الإِسلامية ناجمٌ عن الأفكار التي تحملها، فحصلت لها الفتنة، ونجحوا في تشكيكها وتركوها ضائعة على مفترق الطرق.
واستطاعوا أخيرًا أن يدمِّروا الدول الإِسلامية، وأن يزيلوا الخلافة من الوجود وساروا بعد ذلك بهذه الأمة الطيبة ـــــــ وهي في حالة حَيرةٍ وذهولٍ ـــــــ ماضين بها في طريق الفناء حتى لا يبقى لها شيء، وحتى ينمحي أثرها.
لكن الله سبحانه وتعالى يأبى أن تُقتلع هذه الأمة من جذورها ويُمحى أثرها، وينتهي أمرها؛ ولا بد من أن يُقَيَّض لها من ينهض بها من كَبْوَتِها، فما علينا إلا أن نحيي الأملَ بإعادة الحياة إلى العقيدة، لأننا متى تسلَّحنا بالعقيدة فسنتغلَّب على كل سلاح.
أما إذا نحن تولَّينا عن حمل الدعوة لرفع كلمة الإِسلام فسيخرج الله تعالى من أصلابنا مَنْ يحمل الرسالة ثم لا يكونوا أمثالنا: قال تعالى: {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38].
فما أرخص أن نبذل مُهَجنا في سبيل إنقاذ عقيدتنا وأمتنا، حتى نستأنف مرة أخرى حمل رسالتها إلى العالم لإِنقاذه مما يتردّى فيه من كفرٍ وفسادٍ وشقاء...



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB