صفات الداعية وكيفية حمل الدعوة
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   226
تاريخ النشر :   1985




الشَّريعَة الإسْلاميَّة وَقدرَتهَا

كلُّ ما تقدم كان بالنسبة إلى أفكار الإسلام وأحكامه التي هوجمت بأفكار وأحكام رأسمالية. أما بالنسبة إلى مهاجمة الشريعة الإِسلامية، وأنها غير قادرة على معالجة المشاكل المتجددة؛ وأن الإسلام تشريع جامد لا يستطيع أن يساير الزمن ولا أن يعطي الحلول التي تتطلبها مشاكل كل عصر!.. فهو حين يقصر عن إيجاد إباحة للربا وقد صار العصر يتطلبه، وحين لا يقدر أن يبين حكم التأمين مع أن التجارة والصناعة التي وجدت في هذا العصر تقتضيه، وحين لا تجد فيه بيانًا للعلاقات التجارية بين الدول بحسبما يتطلبها العصر الحديث، فإنه في ذلك وأمثاله لا يصلح أن يكون تشريع أمة أو نظام دولة في سائر الأزمان.
هذه الطروحات التي قدمها الغرب لا تصلح لأن تكون صعيدًا للبحث، فصعيد البحث هنا يجب أن يكون مبنيًّا على هذه الأسئلة الثلاثة:
أولًا: هل الشريعة الإِسلامية تصلح لأن تكون ميدانًا للتفكير فيمكن إذن استنباط أحكام لجميع أنواع العلاقات بين الناس من أدلتها في الكتاب والسنّة؟
ثانيًا: هل في الشريعة الإِسلامية مجالٌ واسعٌ يفسح للتعميم، فيمكن بمنطوق الأدلة الشرعية ومفهومها، أن تشمل الحوادث المتجددة والمتعددة لتسري أحكام الأدلة العامة عليها؟
ثالثًا: هل في الشريعة الإِسلامية قابلية لأن تعالج مشاكل الشعوب المختلفة البيئات والجنسيات وفيها قدرة على استيعاب جميع المشاكل وسعة لإِعطاء جميع الحلول؟
فإذا كانت كذلك كانت شريعة صالحة لكل زمان ومكان.
وعلى هذا الصعيد يُبحث في أصلِ كل تشريع، سواء كان ذلك في التشريع الإِسلامي أو في التشريع الرأسمالي الغربي.
فالناظر في التشريعين، يجد أن التشريع الغربي باطل الأساس، فاسد المعالجات، عاجز عن إعطاء الحلول لكثيرٍ من المشاكل الجديدة.
وهنا قد يَرِدُ اعتراضٌ يقول ولكننا نرى أنهم يعالجون جميع مشاكلهم المتجددة.
ونحن نردّ على الاعتراض بجزم، ونقول: نعم إنهم يعالجونها، ولكن بالبعد عن أساس تشريعهم وبإعطاء حلول لا تمتُّ إليه بصلة بل قد تناقضه.
أما الناظرِ في التشريع الإسلامي فإنه يجد أنه صحيح الأساس، وأن أصول التشريع وقواعده الكلّية قطعية، وأنه ليس فيه حكم ظنِّي، ويجد أن معالجاته حقّة مطابقة للواقع ولفطرة الإِنسان وأنه يَهَبُ القدرة على استنباط أي حُكْمٍ لَزِم، لأيِّ مشكلة عرضت، من دون أي بُعدٍ من الأساس الذي يقوم عليه، أو من الخطوط العريضة التي يستنبط المشرِّع منها.
أما بالنسبة إلى التشريع الغربي فإنه يقوم على أساس فهم الحق فهمًا خاطئًا مواربًا، موافقًا للأهواء والرغبات، ويبني على هذا الفهم جميع نظرياته التشريعية؛ فقد عرَّفوا الحقَّ = مثلًا = بأنه مصلحة ذات قيمة مالية يقررها القانون! وهذا الفهم للحق خطأ. لذلك كانت جميع التشريعات التي بنيت عليه فاسدة. أما وجه الخطأ فيه، فإنه واقع الحق أنه ليس مصلحة ذات قيمة مالية، بل هو مصلحة مطلقة، قد تكون ذات قيمة مالية، وقد لا تكون؛ فتخصيص الحق بالمصلحة ذات القيمة المالية يؤدي إلى شيئين:
أحدهما: أنه لا يشمل المصلحة التي ليست ذات قيمة مالية كحقوق الأسرة والحقوق الزوجية، ولا يشمل المصالح ذات القيمة المعنوية مثل المحافظة على الشرف والكرامة مما هو حق الإِنسان لأنه لا قيمة مالية لها، ولا يمكن تقديرها بقيمة مالية تقديرًا حقيقيًّا على الإطلاق.
وثانيهما: أن تقدير الأشياء بالقيمة المالية يحتاج إلى وحدة تكون أساسًا للتقدير. والحق هو ذاته أساس ولا يمكن إيجاد وحدة لتقدير قيمته، لذلك كان تعريف الحق بهذا التحديد فاسدًا.
وأيضًا، فإن الغربيين قد قُسِّم الحق لديهم قسمين رئيسيين.
القسم الأول: حقُّ يتعلق بعلاقة الشخص ويسمى الحق الشخصي.
القسم الثاني: حق يتعلق بعلاقة الشخص والمال ويسمى الحق العيني.
والحق الشخصي في نظرهم هو رابطة بين شخصين دائن ومدين، أو معتدٍ ومعتدًى عليه وقد عرفوه بأنه رابطة بين شخصين دائن ومدين يُخَوّل الدائن بمقتضاها مطالبة المدين بإعطاء شيء أو القيام بعمل أو بالامتناع عن عمل فالحق الشخصي هو الالتزام، وعلى أساسه عولجت المعاملاتُ التي يسمونها المعاملات الشخصية، مثل الحوالة والبيع والمقايضة والشركة والهبة والصلح والإجارة والوكالة والوديعة والرهان والكفالة. أما الحقّ العيني فهو ليس علاقة في نظرهم، بل هو سلطة أعطاها القانون لشخص معين على شيء معين.
والحقّ العيني متعلق بالمال لا بالشخص. وعلى أساس الحق العيني عولجت المعاملاتُ التي يسمُّونها المعاملات العينية، مثل حق الملكية وأسباب كسب الملكية والرهن العقاري والتأمين على الحياة وحقوق الامتياز.
فهذا التقسيم للحقّ لا وجه حقيقي له، ولا يوجد فرق بين ما أطلقوا عليه اسم الحق الشخصي وما أطلقوا عليه اسم الحق العيني، ولا يوجد فرق في المعاملات التي فرَّعوها عليهما، فإنه لا فرق بين الإجارة ورهن العقار. فكيف جُعِلت الإجارة من الحقّ الشخصي وجعل رهن العقار من الحقّ العيني مع أن كلًّا منهما علاقة بين شخصين موضوعها المال؟
فيكون التعريف مبنيًّا على فروض منطقية سفسطائية، ولم بينَ على الواقع. فإذن لا يكون وصفًا لواقع ولا حكمًا عليه.
وعندما عرَّفوا الحق العيني بأنه سلطة معيَّنة يعطيها القانون لشخص معيَّن على شيء معيّن؛ فإن هذا التعريف يعني بحسب مدلوله أن العلاقة ناشئة بين الشخص والشيء وليست بين شخص وشخص، في حين أن العلاقة في الواقع ليست ناشئة بين الشخص والشيء، بل هي علاقة ناشئة بين الشخص والشخص وموضوعها الشيء.
والمعاملات التي أدخلوها تحت مدلول الحق العيني كأسباب التملك ورهن العقار والتأمين على الحياة كلها تدل صراحة على ذلك.
وكذلك حين عرّفوا الحق الشخصي بأنه رابطة بين شخصين دائن ومدين يخول الدائن، بمقتضاها مطالبة المدين بإعطاء شيء، أو القيام بعمل، أو بالامتناع عن عمل، فإن هذا التعريف يعني بحسب مدلوله أن الحقّ هو رابطة بين شخصين سواء وجد شيء أم لم يوجد. لكن الواقع أن العلاقة لا توجد بين شخصين وجودًا يتكوَّن منه الحقّ إلا إذا وجد شيء من العلاقة.
فالشيء هو موضوع العلاقة بل هو أساس العلاقة.
والمعاملات التي أدخلوها تحت مدلول الحقّ الشخصي كلها تدل بصراحة على أن الشيء هو أساس العلاقة، ولولاه لما وجدت العلاقة ولما وجد الحقّ، وتدل كذلك على أن كلًّا من الشخصين تخوِّله العلاقة مطالبة الآخر إلا إن نوع المطالبة يختلف فالبائع يطالب بالثمن والمشتري يطالب بالسلطة وهكذا.
غير أن تقسيم الحقّ إلى شخصي وعيني لا معنى له في الواقع، لأن القضية تتعلق بعلاقة الشخص، سواء أكانت مع شخص آخر، ومعه شيء كالبيع، أم كانت مع شيء ومعه شخص كالهبة، أم مع شيء فقط كالوقف الخيري. لذلك لا يوجد فرق بين القسم الأول المتعلق بما سمَّوه بالحقّ الشخصي، والقسم الثاني المتعلق بما سمَّوه بالحقّ العيني، إذ لا فرق بين الرهن وحقوق الامتياز وما شاكلها مما ذكر في الحقّ العيني، والحوالة والبيع والشركة والإجارة والوكالة وما شاكلها مما ذكر في الحقّ الشخصي. لأن الموضوع علاقة من الإِنسان تتعلق إما بالشخص وموضوعها المال، وإما بالمال مضافًا إلى الشخص؛ وإما بالمال فقط.
وهذه المسائل الثلاث كلها شيء واحد هو تنظيم علاقة الإِنسان.
وبهذا كان تقسيم الحقّ هو من حيث هو وتقسيمه هذا التقسيم بالذات = فاسدًا.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB