صفات الداعية وكيفية حمل الدعوة
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   226
تاريخ النشر :   1985




وَاقِعُ المُسْلِمين

لا يرتاب أحد في أواخر القرن العشرين في أن المسلمين وصلوا إلى الحضيض في الهبوط الروحيِّ والتخلف المادي والانحطاط الفكري، لكن التضليل السياسي الذي بلغوه كان أدهى وأمرّ لأنه ترتب على نتائجه تنازعهم في ما بينهم، تارة عن طريق القطيعة وتارة عن طريق الاقتتال، حتى انتهى الأمر إلى تصدع صفوفهم وشرذمتهم في هذا العالم الذي بلغ فيه عددهم ما يفوق المليار من البشر.
وفي بداية الثمانينيات بلغ التحدي للإِسلام من قِبَلِ أعدائه شأْوَه، وكان ينبغي لتحدّي الإِسلام لمناهضيه أن يبلغ مُنْتهاه. وكان يجب أن يرتفع المسلمون إلى مستوى تحدي مناهضيهم. لكن الذي حدث ولا يشك أحد فيه، هو أن العلاقاتِ الإِسلامية في جميع البلاد الإسلامية قد دمرت تدميرًا شاملًا، وحلَّت محلَّها العلاقاتُ الديمقراطية الرأسمالية في جهة، أو بعض العلاقات الاشتراكية في جهة ثانية. ولا يستطيع مسلم أن ينكر أن روابط الأخوة الإسلامية قد تقطعت بين الشعوب المسلمة، وحلَّت محلها روابط بعيدة كل البعد من عقيدتهم وأصالتهم، حتى صارت الأخوة الإِسلامية مقطعة الأوصال داخل القطر الواحد، فضلًا عن الشعب الواحد والأسرة الواحدة، لتحل محلها تلك الروابط الواهية القائمة على ما يسمى بالإقليمية أو الوطنية، أو على ما يسمى بالقومية، فضلًا عن روابط التعصب الأعمى القائم على المذهبية والطائفية، وقد تأتَّى هذا التقطيع للأخوَّة الإسلامية من جراء نظرة الأفراد والجماعات إلى الأمور والأحداث والمشاكل التي حصلت في العالم قديمًا أو حديثًا من زاوية ضيِّقةٍ محدودة، فمثلًا ومما لا شك فيه أن نظرة الإِنسان التي تبقى ضمن دائرة القومية هي أوسع من غيرها من العصبيَّات لكنها مع ذلك تبقى محصورةً في زاوية القومية الضيِّقة ولا يَعنيها شيءٌ مما وراء ذلك كائنًا ما كان ممَّا يحلُّ بِبَني الإِنسان.
ومن هنا نرى نظرة المسلمين إلى الروابط قد تنوعت وتشعبت في هذه الأيام، فالذين ينظرون من زاوية الأقليم أو الوطن الذي يعيشون فيه، تكون نظرتهم محدودة ضمن نطاق الإقليمية أو الوطنية، مع ما تفترض هذه النظرة من حرص على كيان الإقليم أو كيان الوطن وتقييم مصلحته فوق كل المصالح الأخرى، وبذلك فهي نظرة محدودة لا تعبّر عن مصالح جميع المسلمين في أي وطنٍ عاشوا وعلى أي أرضٍ أقاموا.
والذين ينظرون من زاوية القوم أو الشعب تكون نظرتهم ضيقة الأفق أيضًا، لأنها نظرة قومية تؤثر مصلحة شعب معيّن أو جماعات معيّنة على مصالح سائر الشعوب والجماعات، بل ربما كانت لا تتعرف إلى الشعوب الأخرى إلاَّ من خلال العلاقات المصلحية القائمة على تأمين مصالحها المادية، وبذلك فهي لا يمكن أن تقيم وزنًا للرابط الإِسلامي المبدئي بين المسلمين في مختلف الأصقاع.
أمَّا الذين ينظرون من زاويتهم المذهبية أو الطائفية ويفرقون بين المسلمين، وهؤلاء هم المذهبيون أو الطائفيون الذين يخالفون الإِسلام في جوهره وحقيقته من حيث الرابط الإِسلامي الصحيح، لأن الإِسلام أكثر ما يجافي التعصبات المذهبية والطائفية ويمقتها، وأشدّ من يتبرأ منها ويذم أتباعها..
فمن هنا وهناك رأى أعداء الإِسلام النفاذ إلى صفوف المسلمين للإيقاع بهم، والسعي الدائب لإِبقائهم متفرقين متناحرين، وقد نجحوا ويا للأسف إلى حد كبير في تحقيق أغراضهم وأهدافهم، لأن معظم المسلمين لم ينتبهوا إلى خطر تلك العصبية المذهبية التي شكلت على مر التاريخ أهم عوامل ضعفهم، وأهم أسباب انحطاطهم الفكري، وتأخرهم المجتمعي، وهي التي أدَّتْ، في الدرجة الأولى، إلى القضاء على خلافتهم، وهنا رُبَّ سائل يقول: هل تريدنا أن نتنكر للنشأة التي نشأنا عليها، ونحن مسلمون؟
أو قد يقول بوضوح أكثر: هل تريدني أن أتنكرّ إلى عشيرتي، وقبيلتي، ووطني، وإلى مذهبي السنّي أو مذهب الشيعي، الذي نشأت عليه، وهل ذلك جائز لي؟
الحقيقة أنَّ هذا التساؤل أو الاعتراض مغلوط من الأصل. لأنَّ على كل مسلم أن يسأل نفسه: إلى أي مدى أنا ملتزم بالإِسلام حتى تكون عشيرتي أو قوميتي أو وطنيَّتي أو نشأتي على مذهب معيِّن، تبيح لي التعصب ضد المسلمين الآخرين، أو ضد المذاهب الأخرى، من هنا كان تركيزنا في أن المذاهب التي قال بها فقهاء ومجتهدون كانت على غنًى لتوضيح أحكام الإِسلام كما رآها هذا الفقيه أو ذاك المجتهد، وما كان اتباعنا لها إلاَّ من باب التقليد أو بحكم النشأة التي نشأنا عليها، ولذا كان طلبنا إلى المسلمين جميعًا، شيعة كانوا أم سنّة، أو إلى أي مذهب آخر انتموا، ألّا يتبرَّأوا من نشأتهم، ولكن أن يحاكموا هذه النشأة في ضوء القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة، لأن نشأتهم تلك ربما يكون قد التصق بها شيء من المفاهيم التعبديَّة المغلوطة، أو الأفكار المدسوسة التي لا تمت إلى الكتاب والسنّة بشيء.
فمحاكمة هذه النشأة تكون في ضوء الكتاب والسنّة لمن يؤمن بالإِسلام دينًا، وعلى ما يهدي إليه العقل الحصيف المنصف لجميع الناس على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم.. وهذا حكم عام ينطبق على كلِّ من أراد الاهتداء إلى حقيقة وحدانيَّة الله تعالى، واعتناق عقيدة دينية على أساس التفكير السليم، والإِيمان الصادق.. والإِسلام أول ما يطلب من المسلم أن يكون إيمانه مبنيًّا على هداية العقل، ونفاذ البصيرة، وأن يستجيب لأوامر الله تعالى ونواهيه، وإلاَّ وقع في الضلال، وتاهَ عن الدين الحق.. فلا يجوز له إذن اتباع ما ألفى عليه آباءه من دون تفكير وتمحيص، ومن غير أن يكون هو صاحب الشأن في اختيار عقيدته بكل وعي وإدراك، حتى لا يكون كالذين وصفهم الله تعالى في كتابه المبين بقوله تعالى: {إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءهُمْ ضَالِّينَ (69) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ} [الصافات: 69 ـــــــ 70].
وربما يقول مسلم: لكنَّ آبائي لم يكونوا ضالين، بل كانوا مسلمين!..
ونحن نقول له: أجل، إنهم مسلمون، لكنَّ الله تعالى يأمرك أنت بالذات، أن تتبع ما أنزل على رسوله الكريم، وأن تستجيب إلى إسلامك على هذا الأساس، أي من خلال بحثك، وإدراكك، حتى تصل إلى القناعة العقلية، والاطمئنان النفسي، أي أن تصدع بما تؤمر به، فهل تقول: بعد ذلك: أنا أتبع ما كان عليه آبائي، وتكتفي بذلك؟؟؟
ولكن هل مثل هذا الجواب حق وصحيح حتى ولو لم يأخذ الآباء العقيدة أخذًا عقليًّا ولم يُعملوا تفكيرهم، ولا اعتمدوا على وعيهم لإِدراك حقيقة هذه العقيدة؟
إنَّ الله تعالى حثَّنا على أن نتولى بأنفسنا البحث عن طريق الهداية من خلال كتابه وسنّة رسوله، لا أن نقتفي آثار آبائنا، الذين نعرف حق المعرفة أنهم توارثوا عقيدتهم الدينية بحكم الولادة والواقع اللذين نشأوا عليهما، وذلك بقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ (23) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ} [الزخرف: 23 ـــــــ 24] ويأتي التأكيد من رب العالمين على أن العقيدة لا تؤخذ عن الآباء، وعمَّا كان عليه تفكيرهم، بل على كل مؤمن أن يفكِّر بنفسه فيما أنزلَ الله تعالى من شريعة، وذلك بقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ (104) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [المائدة: 104 - 105].
إذن فالخطاب موجه إلى المؤمنين وغير المؤمنين وإلى العالمين. وهو خطاب من الله سبحانه وتعالى يدعوهم إلى ما أنزله من قرآن كريم، وشريعة سمحاء، وعقيدة عقلية، هي التي دعا إليها وطبقها الرَّسول الأمين ـــــــ عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام ـــــــ ثم بلَّغها تامَّةً لتكون قائمة في الناس إلى يوم الدين..
فهل يحق لأحد بعد هذا الخطاب الإلهي المباشر، أن يعتنق عقيدةً ألفى عليها الآباء؟ حتى ولو علق بعقيدتهم شيء من آثار الجاهلية، أو العصبية أو المذهبية والطائفية.
إن الإصرار على الأخذ بالنشأة من دون محاكمة هذه النشأة لمعرفة مدى توافقها مع الكتاب والسنّة لا يُعدّ مخالفًا لأوامر الله تعالى فحسب، بل هو جحود للطريقة التي شرعها لنا الله تعالى وتنكُّر للسنّة التي سنَّها لنا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
فالاكتفاء بما كان عليه الآباء هو منتهى التقليد الأعمى الذي لا يقيم للعقل وزنًا ولا لاستعماله قيمة.. ذلك أن تقدير معنى الآية هو: أنه لو ظهر لكم أن آباءكم لا يعلمون شيئًا مما لزم معرفته، أكنتم تتبعونهم أم تنصرفون عنهم؟ فإذا صحَّ أنه يجب الانصراف عن اتِّباعهم، فقد تبيَّن أن الواجب اتِّباع الدليل الشرعي، من دون اتباع أولئك الآباء.
وما دام الدليل لا يزال قائمًا وواضحًا لأعيننا، ألا وهو أن التقليد الأعمى وخصوصًا فيما يتعلق بالعقيدة قد أودى بالمسلمين إلى الحضيض بسبب ما نشأ عن هذا التقليد للنشأة من تفرقة مذهبية وطائفية، ومن معتقدات بأهمية الروابط الوطنية والقومية، فإنه بات من الواجب محاكمة النشأة، إذ قد يكون الآباء لم يهتدوا إلى طريق الصواب في بعض الأمور، ولم يعلموا من أمور الحقيقة ما كان يجب أن يعلموه، ولم يهتدوا إلى طريق الصواب الذي كان يجب أن يهتدوا إليه..
من هنا كان على كل مسلم أن يحاكم نشأته في ضوء الكتاب والسنّة بنفسه، وإلاَّ فإنه يكون تقليديًّا في إيمانه، وقد قصَّر في الكشف عن الحق لعدم استعماله طريقة التفكير التي توصله إلى هذا الحق..
ومهما كان التقليد في العقيدة، فإنَّ الإِسلام لا يقرُّهُ، لأن القرآن الكريم قد رسم صورة مزرية للتقليد تظهر المقلِّد بصورة البهيمة السارحة التي لا تعقل ما يقال لها، والتي إن صرخ بها صاحبها لا تسمع إلاَّ مجرد صوت طنَّ في أذنيها من دون أن تعقل معناه أو تعي مرماه. وإن من يقلِّد آباءه، من دون أن يقوم بأي مجهود فكريّ، فإنَّ مثله مثل تلك البهيمة أو أضلَّ سبيلًا منها، لأنه يسمع الدعوة من خلال القرآن، ولا يعرف عنها شيئًا، أو لا يحاول معرفة حقيقة هذه الدعوة.. حتى يصبح وكأنه من أولئك الذين لا يعقلون شيئًا، ولا يهتدون فهم صمَّ، بكم، عمي لا يعقلون وذلك لقوله تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 171].
فالتركيز كان إذن في البصيرة، وفي العقل والإدراك، وكان على المسلم أن يأخذ عقيدته وفقًا لما شرع اللَّهُ تعالى، ولما دعا إليه رسوله الأمين، وإلاَّ كان مثله مثلَ تلك البهيمة التي تسمع ولكن لا تدرك ولا تعقل.. ومن يفعل ذلك ويتَّبع ما ألفى عليه الآباء، فإنه لا يستجيب لنداء الإِسلام والإِيمان، إلاَّ استجابةً سطحية لا تنفذ إلى العقل والقلب، وهذا ما لا يرضاه له ربّ العالمين ولا يقبله رسوله الكريم..
لذا كان المسلمون كثيرين عددًا، لكنَّ أصحاب المبدأ الإِسلامي بينهم قليلون، أي إن هؤلاء الذين ينظرون إلى العالم من زاوية إسلامية، هم المبدئيون، وهم الإِنسانيون، لأنهم هُمُ الذين عرفوا أن الإِسلام إنما أنزل للإِنسان، فأحبُّوا هذا الإِنسان وأرادوا خيره. لذا كانوا هم الندرة من الناس، وكانوا هم الدعاة المخلصون للحق الذي هداهم الله تعالى إليه.
فيا أيها المسلمون!
كفى بكم داءً ألاَّ يبقى بين أيديكم من الإِسلام وأحكامه وأفكاره الشاملة للحياة ولما قبلها ولما بعدها إلاَّ أحكام العبادات، وألاَّ يبقى لديكم من المشاعر الإِسلامية إلاَّ مشاعر الكهنوتية..
وكفى بكم داءً أن تنظروا إلى العالم من خلال نظرة الغرب المدمِّرة، التي تقوم تارة على الإِقليمية، وتارة على القومية، أو على المذهبية العصبية.. وهي نظرات إنْ اتَّخذها هو لخدمة مصالحه فإنها لا تخدم مصالح أمتكم أبدًا، لأنها سوف تؤدي عاجلًا أم آجلًا إلى محو كل سيماء لهذه الأمة الخيرة، وإلى تدمير فضائلها الخاصة، بعد أن تمحي الشخصية الإِسلامية من الوجود...
فنظرتُنا الراهنة إلى واقع المسلمين أنهم في خطر حقيقي، لأنهم لم يعودوا يأبهون لمصلحة الأمة الإِسلامية كأمَّة، ولم يعودوا يتمسكون بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «المُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ أَحَبَّ أَمْ كَرِهَ»، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ». وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «مَنْ أَصْبَحَ وَلَمْ يَهْتَمَّ بِأمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ». ومن هنا كان الذي يرتفع ولاؤهم للإِسلام على كل ولاء قد قلَّت نسبتُهم في الأمة، وندر وجودهم في صفوفها، كما ندر أيضًا وجود المؤمنين الذين يجعلون الله ورسوله والجهاد في سبيله في رأس سُلَّم القيم والأولويات، وفي رأس جميع الاهتمامات.
إذًا فهذا الواقع ماثل أمامنا لكننا نتغافل عنه، كما أن الشعور بمرارة هزيمة المسلمين أمام الأعداء لا يُعترف به مع أنه قد بلغ حدًّا ينعدم معه الشعور بتلك الهزيمة.. إلاَّ إن الأمل يبقى معلَّقًا على الشعلَّة القليلة من المسلمين المؤمنين الذين يعرفون الواقع على حقيقته ويشعرون بتأثير الهزيمة التي مُنِيَ بها المسلمون أمام أعدائهم، لذلك تراهم يعملونَ جاهدين على تغيير هذا الواقع، وتراهم لا يؤثرون شيئًا في هذه الحياة على المسير قُدُمًا لصالح الإِسلام، والعمل من أجل إعلاء كلمة الله وجعلها هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى.. على أن ذلك الشعور بالهزيمة الذي يسيطر على المسلمين اليوم كانت له أسبابه الكثيرة؛ فالصراع بين الأمة الإسلامية وأعدائها من الشعوب والأمم قد دام طوال ثلاثة عشر قرنًا متوالية، وأن الكفاح بين الإِسلام كدين وطريقة معينة للعيش، وغيره من الأديان والمبادئ قد ظلَّ طوالَ الثلاثة عشر قرنًا الماضية وحتى بداية القرن الرابع عشر الهجري أي التاسع عشر الميلادي؛ ثم ظلَّ أصحاب النظام الديمقراطي الرأسمالي يتحدَّون المسلمين في كل مجال، يتحدونهم في أفكارهم ومشاعرهم، ثم داوموا التحدي الخفيَّ والسافر حتى كانت الجولة النهائية التي انهزم بعدها المسلمون أمامهم هزيمة فكرية أعقبتها الهزيمة السياسية النكراء، في حين أن الإِسلام كدين وكنظام لم يهزم ولن يهزم لأنه وحده الحق.
ولكن أنّى للإِسلام أن يبقى في حلبة الكفاح وقد هُزم أهله، ولم يدركوا موقعه في الكفاح في هذا العصر بالذات حيث تتصارع المبادئ والأنظمة والعقائد؟
أما هذا التحدي للإِسلام في أفكاره فقد كان بالهجوم على الأحكام الإِسلامية يوسعونها نقدًا وتزييفًا.. ذاك أن أصحاب النظام الرأسمالي كانوا يوجدون حلولًا للمشاكل المتجددة والمتعددة مبينين أحكامها وكيفية معالجتها؛ في حين أن المسلمين ظلّوا يقفون من هذين الأمرين موقف الضعيف المبغوت، حتى إذا رأيتهم يحاولون المقاومة، كانت المحاولات تبدو فاشلة عوجاء، تنتهي بالهزيمة النكراء في أكثر الأحيان. وأحيانًا بالرضوخ والاستسلام لأنها كانت محاولات عارية عن الإِخلاص الأكيد، وغير صادرة عن النيَّة الصادقة.
فقد هاجم عدو الإِسلام تعدد الزوجات، فقال هذه همجية، يتزوج الرجل النساء واحدة واثنتين وثلاثًا وأربعًا؟.. فما ذلك إلا إهانة لكرامة المرأة.
ثم هاجم الطلاق فقال إنه غدْرٌ بالمرأة وتقويض لدعائم الأسرة؛ إذ كيف يباح للرجل أن يطلق المرأة متى شاء؟
وهاجم الخلافة فقال إنها دكتاتورية، وكيف يُسلَّم الحكمُ وجميعُ صلاحياته لرجلٍ واحدٍ قد يكون عُرضة للخطأ أو عرضة للاستبداد؟
وزعم افتراءً أن الخلافة في الإِسلام قداسة دينية، بحيث لا يَطَاولُه النقدُ ولا يملكُ أحدٌ حق محاسبته.
كما أنه هاجم الجهاد، فقال إنه عدوان على الشعوب، وسفك لدماء الناس وهو وحشية لا تمت إلى الإِنسانية بصلة.
وهاجم فكرة القضاء والقدر، فقال إن هذا استسلام لحوادث الزمان وتثبيط عن النهوض بأعباء الحياة.
وهكذا أخذ يبحث عن الأحكام الشرعية وعن الأفكار الإِسلامية ويتتبعها ثم يوسعها نقدًا وتجريحًا، ويبيّن أنها أفكارٌ فاسدة تناقض الحق ولا تعالج المشاكل، وإذا عالجتها فإنها ربما زادتها سوءًا؛ ثم لم يكتف بذلك بل هاجم المشاعر الإِسلامية حين أخذ ينقد التمسك بأحكام الإسلام، وقال هذه عصبية مذهبية وتعصب ممقوت يجب الترفع عنه؛ وهاجم بغضَ المسلمين للكفر والكفار وحبّهم للإسلام والمسلمين وقال هذه عصبية دينية، فالإِنسان أخ الإِنسان أحب أم كره ولا فرق بين مسلم ومشرك ولكلٍّ دينُه ولكلٍّ رأيُهُ، فعلامَ هذا التفريق بين البشر في الحب والبغض.
وأخيرًا صار عدو الإِسلام يُظهر رضاه وتقديره لمن يتحلَّل من ربقة التعاليم الدينية شيئًا فشيئًا، ويترك التقيد بأحكام الإِسلام ويسمي تصرُّفه تسامحًا وتقدمًا.. ويزعم أن محمدًا (صلى الله عليه وآله وسلم) قال إن القرآن من عند الله، مع أن القرآن من وحي عبقريته، ولم يَدَّع أنه من عند الله إلاَّ ليقبله الناس...
لقد قال أعداءُ الإِسلامِ الكثيرَ الكثيرَ من الافتراءات والادعاءات، وهم إلى جانبِ ذلك يطلبون من المسلمين ألَّا يغضبوا من هذه المزاعم والافتراءات، وعليهم ألَّا يسخطوا مما يرمونهم به، بل عليهم أن يتقبلوا ويرضوا بالتجديف باسم البحث العلمي...
وهكذا أخذ أعداء الإِسلام يتتبَّعون المشاعر الإِسلامية فيغيِّرون دوافعها حتى تفقد مقوِّماتها، فتجسَّد الهجومُ على الإِسلامِ بالهجومِ على أفكارِه وأحكامِه، وظهر أخيرًا تحديًا صارخًا؛ وكان الأمر الطبيعي المفروض، أن يقابل المسلمون هذا التحدي ويخوضوا المعارك الفكرية مع المتهجِّمين على مقدساتهم العقائدية لأنهم حَمَلَةُ دعوةٍ وأصحاب رسالة، لكن الواقع أنهم تخاذلوا وضعُفوا بشكلٍ يبعث على الأسف والسخرية ويدفَع بالخزي والعار. فانتحلوا العذر للإِسلام بتعددِ الزوجات وفلسفوا ذلك بحسب هوى الأعداء وغفلوا عن سرِّ حكمة التشريع؛ ثم تهرّبوا من الجواب الشافي عن إباحة الطلاق في الإِسلام؛ وقالوا إنه لا يقول بذلك إلا ضمن شروط، ونسوا أنه لولا تشريعُه لنتجت مفاسدُ مخزيةٌ يتحمَّل أعداء الإِسلام عارها وشنارها راضين مرغمين.
وقبلوا التهمة الموجهة لسدَّة الخلافة الإِسلامية، وسكتوا عنها وحاولوا في أواخر العهد العثماني تحويل نظامها إرضاءً للغرب، وأخيرًا ألغوها، ثم صاروا بعد إلغائها يتهربون من ذكرها ومن الجهر بها خوفًا أو استحياءً، وتراجعوا أمام أعدائهم في بيان ضرورة الجهاد وأهميته، وعدّوا التهمة موجهة للإِسلام، ولم يردّوا بأكثر من أن الجهاد حرب دفاعية، لا حربٌ هجومية، لأنهم لمَّا استخفوا بالدين ضاعوا عن معرفة عِلَّة التشريع.
أما دفاعُهم عن القضاء والقدَر، فقالوا إن الإِسلام أمرنا ألّا نبحثه ولا نحدِّد مفهومه الدقيق ثم أوَّلوه بما يثبت فيه الخمُول والاستسلام، وهكذا سلَّموا وقبلوا أن يكون الإِسلام متهمًا!..
لذلك لم يلبثوا غير فترة يسيرة، كانت في أثنائها جميعُ الأحكام التي هوجمت قد تُرِكت وأُخِذَتْ بَدَلها أحكامُ النظام الرأسمالي وأفكاره.
وهكذا تُنُوسِي الإِسلام فَسَهُل تغييرُ المشاعر، ما دام قد سهل تغييرُ الأفكار، ففشا النفورُ من التمسك بأحكام الإِسلام تمسكًا شديدًا كونه تعصبًا دينيًّا ممقوتًا. ونجم عن ذلك دمُ التفريق بين المسلمين وغيرهم، وبين الإِسلام وما سواه من الأديان والمبادئ؛ وبعد هذا أصبحت كلمة القومية تهز المشاعر، بعد أن دُفنت الحمية الإِسلامية وصار السخطُ من مهاجمة الإسلام يُعدّ تأخرًا وانحطاطًا، وصار الهجومُ على القرآن الكريم والسنّة النبوية يُعدّ نقدًا علميًّا نزيهًا؛ وبذلك انمحت المشاعر الإِسلامية؛ ولم يبق منها إلا مظاهر العبادة، وبذلك حلَّت الهزيمة المنكرة بالمسلمين أمام تحدي النظام الرأسمالي لأفكارهم ومشاعرهم، لكنَّ تلك الهزيمة لم تلحق بالإِسلام ولا بالأفكار الإِسلامية، وهي لن تلحق بهذه الأفكار إلاَّ إذا احتسبنا أن الأفكار الإِسلامية ليست حقًّا وصدقًا، وأن الأفكار الرأسمالية ليست باطلًا وزيفًا. من هنا كانت الهزيمة في الواقع للمسلمين، وليست هزيمةً للإِسلام. ومن هنا أيضًا فإن عوامل إعادة الكرَّة على النظام الرأسمالي وعلى أنظمة الكفر كلها لا تزال موجودة كما هي؛ وهذا ما يبعث على الأمل ويذكر بأيام نصرِ الله العليِّ القدير ويحفز على النهضة ويحرك الفطرةَ الإِنسانية والروح الدينية السليمة ويجعل العودة إلى حمل الدعوة الإِسلامية للعالم إرادةً جبارةً لا مجردَ رغبةٍ وشوق، أو هويةٍ لا معنى لها أكثر من حبرٍ على الورق... والذي يبعث على الأمل، ويُبقي على هذا الرجاء، هو:
أولًا: كون أفكار الإِسلام هي وحدها الأفكار الحقة الصادقة، وذلك ثابت من واقع الأفكار نفسها؛ فالأفكار الرأسمالية التي تُعدّ تعدد الزوجات خطًا، وتُعدّ الصواب تقييد الرجل بزوجة واحدة، تجرّ الرجل والمرأة اللذين لم يسعدا بزواجهما إلى الإِثم والوقوع بالخطيئة، وتوقع المجتمع من جرّاء ذلك بالزنى وتشابكِ الأنساب وضياع المنطقة التي احترمها الإِسلام وأراد لها القرار المكين الذي أحلَّه لها من دون غيرها!...
فأي مجتمع في الدنيا لا تتعدد النساء فيه للرجل الواحد؟
إنه لا يوجد في العالم مجتمع إلا وفيه رجال كثيرون لهم أكثر من صاحبة وبعضهم يسميهن محظيات، وبعضهم يسميهن خليلات وبعضهم يسميهن أمينات سرٍّ وسكرتيرات مكتب وموظفات بيع وعارضات أزياء وما أشبه ذلك!...
فهل الأحكام التي تجعل هذا التعدُّد للنساءِ مباحًا للرجل له أن يفعلَه وله أن يتركَه، وتُعدّ المرأة الثانية والثالثة والرابعة زوجة شرعية ولا محظية ولا خليلة، هل هذه الأحكام توافق الفطرة وتعالج المشكلة أم أن الفسق والدعارة واتخاذ الأخدان هو الصواب؟ وما جواب الأحكام التي تمنع هذا التعدُّد، وتسكت عنه إذا لم يتم بحسبها وكان غير مشروعٍ؟ وهل الزواج إلاَّ رابطة عقدية تُبنى على الاختيار والتفاهم، فإن فقدت أحد شروطها، فقدت سبب استمرارها والإِبقاء عليها، كما يؤكده الإِسلام إما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان = يمسكها أن كانت العشرة مسعدة للزوجين، ويُطَلِّقها إن كانت سببًا لشقائهما = فهل يتفق هذا مع سعادة الزوجين وتوفير الطمأنينة لهما ولعيالهما، أم أن العشرة التي تبنى على جعلها مفروضة فرضًا، لأنه لا يجوز أن تفسخ عراها حتى ولو جلبت أشد أنواع الشقاء للعائلة كلها، هي الأفضل والأصوب؟
ثانيًا: إن واقع نظام الحكم في الإِسلام يحسب أنَّ السلطان هو للأمة تعطيه لمن تشاء من أفرادها الذين تتوافر فيهم الأفضلية على سائر الرعية في سائر المجالات السياسية والخلقية والإنسانية، ولا تعطى هذه السلطة لاثنين أو أكثر انطلاقًا من صوابية وصحة إعطاء السلطة للأفضل. ثم إنه يكون على الأمة التي تولي السلطة لأحد أبنائها ألّا تعصيه فيما يأمر به من فرض أو مندوب، لأنه يفترض به أن يكون ملتزمًا بأوامر الله ونواهيه، ولا يحيد عنها قيد شعرة.. وهذا هو واقع الخلافة في الإِسلام.
فأي نظام يتلاءم مع الواقع الصادق في التطبيق: نظام الإسلام في الخلافة، أم النظام الديمقراطي الذي يقول إن الأمة هي مصدر السلطات التي تمثل أفرادها، وتكون عادة السلطات التشريعية التي تتمثل إما بمجلس نيابي يحلل القمار مرة، أو مجلس لوردات يبيح اللواط، أو ندوة نيابية تشرِّع زواج الرجل من الرحل على ما نجده في مختلف البلدان الديمقراطية؟
أما في ظل الحكومة الإِسلامية فحلال محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة، وهنا يبرز الفارق الكبير لمن يعقل ويتفكر..
ثالثًا: أما الجهاد فإن الافتراء على الإِسلام أن يقال إنه حرب دفاعية، لأن هذا القول يخالف واقع ما كان عليه الجهاد في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى آخر الدولة الإِسلامية.
فالجهاد في الإِسلام هو قتال الكفار قتالًا ماديًّا لا هوادة فيه للدعوة إلى الإيمان بالله ورسوله من أجلِ إقامة حكم الإِسلام العادل على أن توجد الحالة التي يعرض فيها الإِسلام عرضًا يلفت النظر حتى إذا أبوا وامتنعوا، وجهزوا أنفسهم للوقوف في وجه نشر الدعوة عندها يتحتم الجهاد وهذا ما يمليه أي مبدأ تعتقده أيّ أمة، فإنها تهيئ القوة المادية وتحرك لديها الروح العسكرية المدرَّبة وتشرع في المعارك السياسية والمناورات الدبلوماسية فتوجد الحالة التي تبلِّغ بوساطتها دعوتها، فإذا حصل الاحتكاك المادي كان القتال الذي لا مفر منه.
وما الحرب الباردة في العالم اليوم إلا الحالة التي يحاول كل من المعسكرين إيجادها لنشر مبدئه.
وما القوات العسكرية الجاهزة والصواريخ الموجهة والقنابل المهيأة، إلا مظاهر استعداد للقتال الذي لا بد من أن يأتي.
وكذلك كانت الحال، قبل الحرب العالمية الثانية، بين النازية وما يسمى بالعالم الحر. وقبله كانت بين الإسلام والرأسمالية؛ وهكذا فواقع الحياة يفرض وجود أفكار متباينة تتجسّد عادة في دول قد تستعمل القوة المادية لنشرها والدفاع عنها بأساليب سياسية وثقافية واقتصادية أو عسكرية تكون متوافقة مع معتقدها... هذا هو واقع الجهاد في الإِسلام: قتال بالقوة المادية من أجل نشر الفكر الإِسلامي، ولا يكون هذا القتال إلا بعد استنفاد أساليب الدعوة إلى الله واستعمال الأمور السياسية والثقافية كافة وغيرها من الوسائل السلمية المهيّئة..
إلا إن العسكرية الإِسلامية ليست كالعسكرية الألمانية مثلًا، تقاتل لجعل الشعب الألماني فوق جميع الشعوب، بل هي قوة مرصودة لإِزالة الحواجز المادية أمام الدعوة الإِسلامية، ولجعل الشعوب تعتنق عقيدة الإِسلام التي شَرَّعها الله ونزل بها الوحي، ولتكون مع سائر المسلمين أمة واحدة لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.
رابعًا: القضاء والقدر، إن هاتين الكلمتين معًا، تعني بمفهومنا ما يسيطر على الإِنسان من الأعمال التي تقع في دائرة تحركاته ومجرى حياته، أي الأحداث التي تجري على غير إرادته ومن دون اختياره، أو غصبًا عنه. و«القدر» وحده هو «علم الله أي ما سبق في علمه من تقدير»؛ وهذا لا دخلَ له في أفعال الإِنسان الاختيارية التي يحاسب عليها من الله كما يحاسب عليها في الدنيا من الدولة أو الأبوين أو المربي؛ فأي استسلام في هذا؟ واين كان الاستسلام حين فتح المسلمون بهذا المفهوم الدنيا وعمروها؟
ثم إن النظرة للفعل قبل وقوعه نظرة تفحُّص ودراسة وتقدير لمغبَّةِ الإِقدام عليه ولنتائجه وما يترتب عليه من اللوم والمحاسبة، أو النظرة إلى الفعل بعد وقوعه = اختيارًا أو جبرًا = والقول بأنه وقع وانتهى، فلا بدَّ من التسليم بنتائجه.
فالأمر الذي يقع قضاءً وقدرًا، كما كان في سابق علم الله، يجب أن يُسلَّم بأنه قد وقع وانتهى، ولا ينبغي الوقوف عنده، ولا أن يبلغ التأثر والانزعاج حدَّهما، بل يجب معالجته قدر الإِمكان، ولكن ليس معنى ذلك التسليم بوقوعه من دون أن يصار إلى تلافيهِ ومعالجته. هاتان النظريتان لا بدَّ منهما معًا، حتى تظل الحياة سائدةً بحيوية وبقوة، وبثورة عملية واقعية بحسب القيم الرفيعة.
فكون الأعمال الاختيارية يحاسب المرء عليها، وكون الأعمال المقدَّرة = الخارجة عن الاختيار = لا يلام عليها معناه أنه ليس في مقدور الإِنسان دفعها، ومعناه أن كل فعل يقع فإنه لا يقع إلا بعلم الله تعالى.
فوجود هاتين النظريتين، يجعل الإِنسان يسير في أفعاله غير معتمد على الخيال والفروضات النظرية، ولا بحسب ما تمليه الميول والشهوات، ولا مقيَّدًا بسلاسل الأسى والحزن على ما فات، بل ينطلق بقوة، وبشكل واقعي عملي بحسب القيم الرفيعة التي تتطلبها حياة الإِنسان؛ راضيًا مطمئنًا إلى مشيئة الله، ومستندًا إلى معونته وتوفيقه.
فالقول بوجود القضاء والقدر يثير الإِنسان وينشطه ويحول بينه وبين اليأس والحزن، وبين الكسل والخمول، ولا يجعله يستسلم كما يدعي أعداء الإِسلام.
ومثلُ هذه المسائل المقدَّرة لا تحدث في الأعمال الاختيارية ولا شأن لها قبل القيام بها، بل إنها تقع في العمل بعد القيام به؛ وفي العمل الذي لا اختيار فيه للإِنسان.
لذا لم يكن يجوز أن يأخذ الأسى من النفس مأخذًا عظيمًا، ولا أن يحطمها الألم ويحولها عن مقصدها الأسمى في الحياة؛ فالقدر يتناول ما لا يدَ للإِنسان فيه ولا حيلة، وهذا ما لا سبيل إلى دفعه لا عند المسلمين ولا عند غيرهم؛ وإلا وجَبَ أن نطلب من غير المسلمين أن يدفعوا عن أنفسهم المرض والموت، والبرد والحر، وكثيرًا من المظاهر الطبيعية التي لا سيطرة عليها ولا سلطة فوق سلطة موجدها.
فأيْنَ هذا في الإِسلام، مما عند الرأسماليين من الألم المحض أو الأسى المفجع الذي يصيب المخفقين، والذي يجعل كلمة الحظ تؤدي دورًا كبيرًا في الحياة، وخصوصًا حين يرمي هذا الحظ الموهوم الكثيرين باليأس المدمِّر للحياة؟...
ومن هنا كان الإِيمان بالقدر أي بعلم الله المسبق، والإِيمانُ بالقضاء والقدر، أنهما من عند اللهِ عز وجلَّ وأنه لا شأن للإِنسان بهما، نعمة من النعم الكبرى للتنفيس والتسرية عن القلب، ومندوحة لعدم الشعور بالتَّبعة والمسؤولية في بعض الأعمال المُخفقة؛ وهو أيضًا حافزٌ من أعظم الحوافز على خوض معترك الحياة بشجاعة ونبل، لأنه يعني أن الإِنسان = في الدائرة التي يسيطر عليها = مسؤول عن جميع أعماله الاختيارية، وأنه يجب أن يضطلع بها ويتحمل مسؤوليتها، فإذا وقع في الخطأ أو الضلال فإنه يتحمل ما يترتب عليه، ولكن عليه ألّا ينسى أن ما وقع فيه من خطأ أو صوابٍ إنما وقع على علم من الله وإحاطة به، وقد كان لا بد من أن يقع، فلا يجوز للإِنسان في مثل هذه الحالة أن يقف مشغولًا بها، بل عليه أن ينتقل إلى غيرها، أي أن يظل يسير سيرًا متواصلًا، وبدأبٍ تامٍّ في هذه الحياة.
وأما الدائرة التي تسيطر عليه وتقع فيها الأعمال جبرًا أي قضاءً وقدرًا، فإنه غير مسؤول عنها، ولا يتحمل ما يترتب عليها، وهي إنما وقعت بتقدير وقضاءٍ من الله تعالى وعلى علمٍ منه وإحاطة.
هذه هي حقيقةُ بعض الأفكار الإسلامية التي هاجمها الرأسماليون، وهذه هي حقيقة الأفكار الرأسمالية التي هُوجمت بها الأفكار الإسلامية، ومنها يتبين أن الأفكار التي هاجمت هي البُطل والباطل، وأن الأفكار التي هُوجمت هي الحقيقة والحق.
أما ضَعْفُ حَمَلةِ الفكر، وقصورهم عن إدراك عِلَّة التشريع، فإن ذلك لا يعني أنَّ هذا الفكر ليس بحق، لمجرَّد كون صاحبه لم يستطع فهمه أو شرحه.
كما أن قوة بيان حَمَلة الفكر الباطل لا يعني أنه ليس بباطل لأن صاحبه استطاع أن يزينه ويُزخرفه ويصوره بصورة الحق، بل الفكر الحق هو ما طابق الواقع الذي يدل عليه، أو الفطرة التي فطر عليها الإِنسان، والباطل ما خالف ذلك ولو زيّنة أبالسةُ الكلام. والشاعر يقول:
في زُخرفِ القولِ تزيينٌ لباطِله والحقُّ قد يَعتريه سوءُ تغييرِ
تقول هذا مُجاجُ النحلِ تمدحهُ وإن ذَممتَ فقل قيءُ الزنابيرِ
مدحًا وذمًّا، وما غيَّرت من صفةٍ سحرُ البيان يُري الظلماءَ كالنورِ
بناء على هذا تكون العبرة بحقيقة الفكر وواقعه، لا بحامله ولا بالقدرة على بيانه أو عدم القدرة على ذلك؛ وإليكَ مثالًا آخر يدل على مثل ذلك التزييف:
يقول الشيوعيون إن العقل هو انعكاس المادة على الدماغ، وإذا تمَّ ذلك يحصل الإِدراك؛ أي إن إدراكَ الأمورِ هو انطباعُ على الدماغ فيحصل الفكر؛ فهذا الفكر إن كان حقًّا، فإنه ينطبق على الواقع، وإن كان باطلًا يتبين عدم انطباقه.
فإذا نظرنا بدقة وعمق إلى هذا النوع من التعريف لوجدنا أنه يخالف الواقع، لأن الدماغ في الحقيقة هو عضو كسائر الأعضاء ولا يحصل منه أي انعكاس كما لا يحصل عليه أي انعكاس. ذلك أن الانعكاسات إنما تنشأ عن تسليط الضوء على الشيء وارتداده عنه أي تسليط الشيء على جسم فيه قابلية الانعكاس وارتداده عنه مع وجود الضوء، ومثاله: تسليط مصباح كهربائي على جسم ثم ارتداد الضوء عن هذا الجسم فيرى الجسم ويرى الضوء أو تسليط جسم على مرآة مع وجود الضوء فيرتد الضوء وترتد صورة الجسم على المرآة فيرى كما هو، وتظهر صورته وكأنها مرسومة في المرآة بينما في الحقيقة هي لم ترتسم وإنما الذي حصل أنها انعكست كما ينعكس الضوء تمامًا على أي جسم. فهذا هو الانعكاس وهو ما لا يحصل منه شيء في الدماغ أي لا يوجد انعكاس من المادة على الدماغ ولا من الدماغ على المادة وما يحصل هو مجرد إحساس بالمادة عن طريق إحدى الحواس، فالمسألة إذن مسألة حس لا مسألة انعكاس؛ وهذا ظاهر في اللمس والشم والذوق والسمع، أما الإبصار بالعين الذي هو موضع الشُّبهة فإن الذي يحصل فيه هو: انكسارٌ وليس انعكاسًا؛ إن الضوء ينكسر في العين وتستقر صورة المادة على الشبكة ولا ترتد إلى الخارج، وهو عملية حسّ لا عملية انعكاس، فهذا يدل على أن ما يقوله الشيوعيون في تعريف العقل خطأ.
وهكذا ينقشعُ الظلام أمام النور دائمًا، وينهزم الباطل أمام الحق..
وخذ مثلًا آخر: النظام الرأسمالي يُعَرّف المجتمع بأنه مكوَّن من أفراد وهذا التعريف خطأ لأن فردًا وفردًا وفردًا يؤلفون جماعة فقط، ولا يكوّنون مجتمعًا، فإذا نشأت بينهم علاقات مشتركة مستمرة عبر تاريخ طويل، وصار لهم هدف مشترك ومصير واحد، صاروا مجتمعًا، وإذا لم توجد بينهم هذه الروابط المشتركة المصيرية فلا يشكلون مجتمعًا واحدًا موحدًا، بدليل أن ركاب الطائرة أو القطار أو الباخرة ولو كان عددهم كبيرًا فلا يشكلون مجتمعًا، وماهُم إلاَّ رفاقُ طريق يذهب كلٌّ منهم إلى الجهة التي يقصدها بعد هبوط الطائرة أو وصول القطار أو رسوِّ الباخرة؛ ولكن قد نُعدّ أن سكان قرية يبلغون خمسين نسمة، يشكلون مجتمعًا صغيرًا لأن بينهم علاقات دائمية.
وبهذا يظهر خطأ تعريف الرأسماليين للمجتمع ويتبين أنه باطل لمخالفته للواقع، وأخيرًا ينتهي إلى الهزيمة أمام التعريف الصحيح وواقع الحال في المجتمعات.
amitriptylin 75 mg anmeldelsemedicin.site amitriptylin hund
amantadin cena amantadin medikament amantadin nedir



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB