حركة التاريخ في المفهوم الإسلامي
الطبعة : الطبعة الاولى  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   112
تاريخ النشر :   1985




الفصْل السَّابع: الوقائِعُ والأحدَاثُ تشهدُ للقرآن بأنَّه الحَقّ

كلّ ما ورد في القرآن الكريم حقائق ثابتة، ومن هذه الحقائق حقيقة التوحيد ومدارها الإيمان بالله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا... وما بعد ذلك فشرك بالله تعالى ـــــــ والعياذ بالله ـــــــ فلا يغالِ الناس في دينهم، ولا يصرفنَّهم عن هذا الحق صارف، لأن رجوعهم في النهاية إنما هو لله تعالى. وكل من في السماوات والأرض إلَّا آتي الرحمان عبدًا...
والقرآن الكريم هو كتاب الله المبين. وإنه لَلْحق من ربكم مثلما أنكم تنطقون. يقول الله تعالى منزّله: {وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً} (سورة الإسراء: الآيتان 105 ـــــــ 106).
القرآن الكريم نزل بالحق ليكون آية دائمة، ونزل مفرقًا ليقرأ على مهل في الزمن الطويل. قال ابن مسعود رضي الله عنه: «كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن».
ولقد أنزل الله تعالى هذا القرآن قائمًا على الحقّ {وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ}... وأنزله ـــــــ سبحانه ـــــــ ليقرّ الحقّ في الأرض ويثبته {وَبِالْحَقِّ نَزَلَ}. فالحقّ مادته والحقّ غايته، ومن الحقّ قوامه، وبالحقّ اهتمامه. إنه الحقّ الأصيل الثابت في ناموس الوجود كله، يشير إليه ويدل عليه وهو طرف منه. فالحقّ سداه ولحمته، والحقّ مادته وغايته، والرسول مبشر ومنذر بهذا الحقّ الذي جاء به.
والقرآن الكريم يتوجه إلى الجماعة المسلمة ليحدثها عن القيم التي ينبغي لها أن تحرص عليها، وتضحي من أجلها. ويحدثها عن المصاعب والمتاعب والآلام التي تعترضها، والعقبات الكؤود التي يجب عليها اقتحامها، ويهيب بها أن تتحلَّى بالصبر والتقوى والعزم والاحتمال. ومن تلك التوجيهات القرآنية للأمة المسلمة قوله الله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} (سورة آل عمران: الآيتان 185 ـــــــ 186).
من الحقائق التي يجب ألَّا تغيب عن البال، وأن تستقرَّ في النفس، أن الحياة على هذه الأرض موقوتة، محدودة بأجل مسمًى، ثم تأتي نهايتها حتمًا عن طريق الموت. ولا أحد يفرّ من هذا المصير، من هذا الموت الذي يطاول الصالحين والطالحين، المجاهدين والقاعدين، المستعلين بالعقيدة، والمستذلين كالعبيد... يموت ذوو الاهتمامات الكبيرة والأهداف السامية، كما يموت السخفاء التافهون الذين يعيشون من أجل المتاع القليل الرخيص. الكل يموتون... كل نفس تذوق الموت وتفارق هذه الحياة، ولا فرق بين نفس ونفس في تجرع هذه الكأس الدائرة على الجميع. إنما يكون الفارق في المصير الأخير، المصير الذي يفترق فيه كل إنسان عن الآخر، والمصير المخيف الذي يستحق أن يحسب له ألف حساب. {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ}. ولفظ «زحزح» بذاته يصور معناه بجرسه، وكأنما للنار جاذبية تشد إليها من يقترب منها ويدخل في مجالها، فهو في حاجة إلى من يزحزحه، أي يبعده قليلًا، ليخلصه من جاذبيتها الشديدة! فمن أمكنه أن يُزحزح عن مجال النار، ويُستنقَذ من جاذبيتها، ويدخل الجنة فقد فاز...
إنها الصورة ذات الحركة شدًّا وجذبًا، وهي صورة الجاذبية للنار! أليست للمعصية جاذبية؟ أليست النفس في حاجة إلى من يزحزحها عن جاذبية المعصية؟ بلى. وهذه هي زحزحتها عن النار. أليس الإنسان ـــــــ حتى مع المحاولة واليقظة الدائمة ـــــــ يظل أبدًا مقصرًا... إلا أن تدركه رحمة الله تعالى؟ بلى.
{وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ}... إنها متاع، لكنه ليس متاع الحقيقة، ولا متاع الصحو واليقظة. إنها متاع الغرور، متاع الخداع، متاع الغفلة والنسيان. وعندما تستيقن النفس البشرية هذه الحقيقة تُخرج من حسابها حكاية الحرص على الحياة التي لا يوجد فيها إلا القليل، الزهيد الزائل، وتستعد عندئذٍ لِتَقَبُّلِ كل ما يعترضها من مكاره... وعندئذٍ يحدّث الله تعالى المؤمنين عما ينظرهم بقوله عز وجل: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} (سورة آل عمران: الآية 186).
إنها سنّة العقيدة والدعوة، التي أرادها الله العلي العظيم، لتكون إحدى السنن التي ترتكز عليها حركة التاريخ: لا بد من البلاء، وهذا البلاء يطاول الأموال والأنفس... ولا بد من الأذى، وهذا الأذى يجب أن يقابله صبر ومقاومة واعتزام، وخصوصًا من الأنبياء والأولياء والصالحين. يخبر بذلك رسولُ الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم عندما سئل: من أشد الناس بلاءً يا رسول الله؟ فقال: النبيون ثم الأماثل فالأماثل.ويُبتلى المؤمن على قدر إيمانه وحسن عمله: فمن صح إيمانه وحسن عمله اشتد بلاؤه، ومن ضعف إيمانه وسخف عمله قلّ بلاؤه... هذا هو الطريق إلى الجنة، وقد حُفَّت بالمكاره بينما حفت النار بالشهوات... إنه هو الطريق لإنشاء الجماعة وتربيتها كي تنهض بتكاليف الدعوة، وليثبت على هذه الدعوة أصلب أصحابها عودًا، ولكي تعزَّ عليهم هذه الدعوة وتغلو، بقدر ما يصيبهم في سبيلها من عنتٍ وبلاء، وبقدر ما يضحون في سبيلها من عزيز وغالٍ، فلا يفرِّطون فيها بعد ذلك، مهما قويت الشدائد.
ويبقى هذا التوجيه القرآني رصيدًا للجماعة المسلمة كلما همت أن تتحرك بالدعوة إلى هذه العقيدة، أو حاولت تطبيق منهج الله الحكيم في الأرض، أو كلما اجتمع عليها أصحاب الكيد والفتنة لتشويه أهدافها وصدّها عن سواء السبيل.
ويمضي السياق القرآني ليكشف عن مواقف أهل الكتاب في مخالفتهم عهد الله تعالى يوم آتاهم الكتاب، ونَبْذِهِمْ له، وكِتْمَانِهِمْ لما ائتمنهم عليه حين يُسألون عنه: {وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} (سورة آل عمران: الآية 187).
وفي سورة آل عمران تبيان لكثير من أفاعيل أهل الكتاب وأقاويلهم، وبخاصة اليهود. وأبرز تلك الأفاعيل والأقاويل: كتمانهم للحقّ الذي يعلمونه، وتلبيسه بالباطل لإحداث البلبلة والتشكيك في صحة الإسلام، وفي وحدة الأسس بينه وبين الأديان قبله، وفي تصديقه لها، وتصديقها له... وكانت التوراة بين أيديهم يعلمون منها أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم حقّ، وأنه من ذات المصدر الذي جاءتهم منه التوراة.
والآن يبدو هذا الموقف منهم بشعًا غاية البشاعة، حين يبيّن الله سبحانه أنه أخذ عليهم العهود وهو يعطيهم الكتاب أن يبينوه للناس، ويبلغوه، ولا يكتمونه أو يخفونه... وأنهم نبذوا هذا العهد مع الله تعالى، حيث يتمثَّل إخلافهم للعهد بحركة حسية يقوم بها الإنسان {فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ} ولا يكتفون بذلك {وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً} هو عَرَضٌ من أعراض هذه الدنيا، ومصلحة شخصية مادية للأحبار والكهنة. وكله ثمنٌ قليلٌ حتى ولو كان ملك الأرض وعلى مر الدهور! فما أقل هذا ثمنًا لعهد الله! وما أقل هذا المتاع حين يقاس بما عند الله تعالى! فبئس ما يشترون.
ومن التوجيهات الربانية للأمة الإسلامية قوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ} (سورة آل عمران: الآيتان 110 ـــــــ 111).
وفي هذا ما يدل على أن أولئك الناس الذين اعتنقوا الإسلام وعملوا بالقرآن صاروا أمة لها كيانها بين الأمم، وهي الأمة الإسلامية. ومن خصال هذه الأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإيمان بالله العلي العظيم... وهذه الخصال هي الشرط والجوهر في كون الأمة الإسلامية خير أمة أخرجت للناس. وهذا التعبير بكلمة «أخرجت» ـــــــ المبني لغير الفاعل ـــــــ يكاد يدل على اليد المدبّرة اللطيفة، التي أخرجت هذه الأمة إخراجًا، ودفعت بها دفعًا إلى الظهور من غياهب الغيب، ومن وراء الستار السرمدي الذي لا يعلم ما وراءه إلا الله علَّام الغيوب... إنها «كلمة» لكنها في الحقيقة تعبّر عن حركة تُخرج على مسرح الحياة أمة لها صفات خاصة، ودور خاص، كما أنَّ لها مقامًا خاصًّا، وحسابًا على أعمالها خاصًّا. وهذا ما يجب أن تدركه الأمة الإسلامية.
أما غير الأمة الإسلامية من الناس، ولا سيما أهل الكتاب منهم، فلو آمنوا، لكان ذلك الإيمان خيرًا لهم في الدنيا والآخرة. ولقد آمن بعضهم بحقّ، واعترفوا بما دلّت عليه كتبهم من بعث خاتم النبيين، والدعوة إلى الإسلام دينًا وحيدًا منذ آدم عليه السلام وحتى نهاية البشرية. ومن أولئك الذين آمنوا بذلك عبد الله بن سلام وأصحابه من أهل التوراة، والنجاشي وأصحابه من أهل الإنجيل. وتطالعنا الأخبار، قديمًا وحديثًا، عن إيمان أفراد من النصارى، ومع ذلك فإنهم يظلّون فئةً قليلة العدد، ويظلُّ أكثرهم من الضالين الخارجين على طاعة الله تعالى.
وقد عمد اليهود، عندما هاجر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى يثرب ـــــــ المدينة المنورة ـــــــ إلى الإضرار به وبأتباعه، وتعاونوا مع المشركين على ذلك. ويؤكد القرآن الكريم أن ذلك الضرر لن يكون ضررًا عميقًا، ولا يستطيع أن يتناول أصل الدعوة، ولن يؤثر في كينونة الأمة الإسلامية. إنما هو أذًى عارضٌ في الصدام، وألمٌ ذاهبٌ مع الأيام.
لكن التعقيب القرآني على ذلك يرسم النتيجة الحاسمة:
{ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} (سورة آل عمران: الآية 112).
والحبل من الله سبحانه هو عهده وميثاقه بإجماع المفسّرين. كما أن الحبل من الناس يكون بالعهد منهم على وجه الذمة أو غيرها من وجوه الأمان.
وقد بيّنا تلك المعاصي التي كان يرتكبها اليهود بصورة خاصة من أهل الكتاب، حتى قضى حكم الله تعالى عليهم بأن يكونوا أذلاء أينما وجدوا، وألّا يجدوا نصيرًا يدفع عنهم الذل، إلا أن يشاء الله ذلك فيرفع عنهم هذا الذل، أو يرفعه بعض الناس عنهم، ولكن لفترات معينة، لأنَّ غضب الله تعالى حالّ عليهم والمسكنة تعيش في ضمائرهم، وتكمن في مشاعرهم. ومنذ أن ضرب الله تعالى عليهم هذا العقاب الدنيوي عاشوا في الحياة أذلاء، مساكين يستجدون عطف الأمم التي يعيشون بين ظهرانيها، حتى إذا غدا استدرار العطف ديدنهم، ونجحوا فيه، اتخذوا الذلَّة والمسكنة سبيلًا في تنفيذ مآربهم... ومن كانت هذه خصالهم، وقتل الأنبياء وتكذيبهم، والفساد بين الناس فعالهم، فلا يمكن أن تكون لهم الغلبة في النهاية!... حاش لله أن يكتب لهم ذلك!.
ونحن عندما نتلمس تلك الحقائق القرآنية، بما هدانا إليه ربنا تعالى، فلكي نزيل الغشاوة عن قلوب الناس، فيعوا تلك الحقائق، ولكي ندل المسلمين على الطريق فيعرفوا موقعهم بين الأمم. ونحن في ذلك كله لا ننكر أن معظم دول العالم تقف حتى اليوم إلى جانب اليهود، تؤازرهم وتناصرهم وتمدُّهم بكل أسباب القوة من الأسلحة الحديثة، وبكل أنواع المساعدات من الأموال وغيرها حتى صار لهم ذلك النفوذ القوي. ويكفي للتدليل على نفوذهم أنهم لا يأبهون لقرارات «هيئة الأمم»، وهي تمثل دول العالم في القرن العشرين. تلك القرارات التي تصدر عن مختلف أجهزتها، وهي تدعوهم للاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني من مسلمين ومسيحيين، وإلى إعادة الأرض التي احتلوها بالقوة لأهلها العرب المشردين، أو للانسحاب من الأراضي التي يمارسون فيها أبشع مظاهر الاحتلال الظالم الفاسد الغاشم... فهل يمكن بعد كل هذا الدعم، وبعد كل هذا التغاضي عن أفعال اليهود الإجرامية من قبل الدول الكبرى، أن يكونوا أكثر نفيرًا ممَّا هم عليه الآن؟!.
إن تلك الأحداث المتعاقبة عبر حِقَبٍ من الزمان، تثبت في رأينا، أن المسلمين كأمَّةٍ، هم الذين اختارهم الله تعالى لقتال اليهود من أجل اجتثاث فسادهم في الأرض. لذا فقد وجب ألَّا يظنَنَّ أحدٌ من المسلمين أن اليهود يقاتلون الفلسطينيين فقط، وأنهم أعداءٌ للعرب فحسب... لا، إن اليهود هم أعداء المسلمين جميعًا أينما وجدوا. ولم يُخفِ بعض زعمائهم هذه الحقيقة عندما قالوا: «إنَّ أمْنَ إسرائيل يصل إلى باكستان»... وإذا رضيت إسرائيل أن تنسحب من سيناء مقابل سلام تزعمه، أو أنها تقبل بالانسحاب من أي أرض لبنانية أو عربية احتلتها فإن ذلك لن يحصل إلَّا بفعل عوامل مهمّة وأخصها ضغط المقاومة الإسلامية عليها، وتدهورها الاقتصادي، وعدم ملاءمة الظروف الدولية لصالحها. وسوف يكون ذلك مرحليًّا، ثم تعود بعده للتوسع واحتلال أيّ أرض عربية أو إسلامية ضمن مشروع «إسرائيل الكبرى».
فهلَّا نظر المسلمون إلى مستقبلهم فأعدوا العدَّة لمواجهة المطامع اليهودية، وخطّطوا لمستقبلهم مستجيبين لنداء الله ورسوله؟ ولا سيما أن عند أعدائهم الاستعداد الدائم، والنظرة الواعية لما ستكون عليه حالهم في المستقبل القريب والبعيد!
واليهود ليسوا، كما يتوهم بعضهم، قومًا لا يغلبون، بل هم قوم جبناء وليسوا بأهل حرب، والقضاء عليهم ليس صعبًا ولو كانوا أكثر نفيرًا من المسلمين. لأن الله سبحانه قد تأذَّن أن يُسَلِّطَ عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة لكفرهم وإفسادهم في الأرض حيث قال: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} (سورة الأعراف: الآية 167).
وما يشاهد اليوم من قيام دولة لهم، ومن علوهم وصلفهم، وشدة تكبُّرهم وإفسادهم، ومن مظاهر القوة التي تبدو منهم إنّما كان بالدعم المالي والعسكري والسياسي من أميركا والدول الغربية المستعمرة. وكذلك بالاعتراف من قبل روسيا ومَن يدور في فلكها عند قيام دولتهم. لكن هذا الدعم سينقطع بإذن الله. وسيكون قطعه وتدميرُ دولة اليهود على يد الأمة الإسلامية إن شاء الله تعالى في نهاية المطاف، كما تدلنا على ذلك الآيات البينات في سورة الإسراء من القرآن الكريم. وكما يدلنا على ذلك أيضًا حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الوارد في صحيح مسلم، إذ يروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يُقَاتِلَ المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي، فتعالَ فاقتلْهُ».
يجب الإفادة من حركة التاريخ بالرجوع إلى الإسلام:
من هنا تبرز حركة التاريخ ـــــــ بإذن ربها ـــــــ ذات أهمية خاصة في حياة المسلمين، بحيث يجب أن يعرفوها حق المعرفة حتى يمكنهم الإفادة من مسارها...
لقد قلنا: إن حركة التاريخ، في المفهوم الإسلامي، هي جند من جنود الله أو هي كلمة من كلمات الله. وهي حتمًا من صنع الله، وقد سخَّرها سبحانه لتداول الأيام بين الناس، وتداول الأزمان بين الدول والجماعات... فكان حريًّا بالمسلمين أن يَعوا حركة التاريخ هذه حتى تعود الدولة لهم، لا أن تظل الدولة عليهم. وهذا من شأنهم، لأنهم، هُمْ، من دون غيرهم، الموعودون به... إلَّا إنَّ الدولة لن تكون لهم إلَّا بالعودة إلى إسلامهم الصحيح، والسير وفق تعاليمه الحقة، والعمل بأوامر الله ونواهيه، والسير على خطى رسولهم الكريم... من هنا كان الوعي الإسلامي، والفكر الإسلامي، والالتزام الإسلامي، ضرورات ملحَّة للمسلمين حتى يمدَّهم إسلامهم بأسباب المنعة والقوة، ويزودهم بالمعاني والصفات التي فقدوها من جراء تهاونهم في تطبيقه، وأخيرًا في تركهم له...
وإذا كنا قد أكدنا أن حركة التاريخ ليست من صنع البشر بل هي من صنع الله تعالى فإننا نؤكد أيضًا أن هذه الحركة قد يجعلها الله ـــــــ عز وجل ـــــــ تتأثر أحيانًا بفعل الشخص الواحد، وأحيانًا بفعل الجماعة. وقد لا يكون منها، في كثير من الأحيان، أي تأثر لا بفعل الأشخاص ولا بفعل الجماعات... ولكن إذا كان الشخص، أو الجماعة، على حقٍّ، ولم يهملوا أمرًا من أمورِ التحرك، فإنَّ حركة التاريخ، وإن لم تستجب لتحركهم آنيًّا، وفي الحين نفسه، إلّا إنها سوف تتأثر بفعل هذا التحرك، وسوف ينمو هذا التأثر ويتفاعل حتى يُؤتي أُكلَهُ، وتجني قطافَهُ عندئذٍ الجماعةُ التي وعَتْ قيمة الأثر الذي خلَّفَهُ ذلك الشخص، أو تركته تلك الجماعة إذا شاء الله تعالى ذلك. ولا أهمية لعامل الزمن، إن طال أو قصر، فسوف يأتي ذلك الوعي بفضل الذين أثَّر تحركهم في حركة التاريخ...
الدور الكبير لبعض العظماء في حياة الناس:
ولنأخذ شواهِدَ، على مدى الأثر الذي يخلِّفه عملُ أو تحرك أولئك العظام الذين اصطفاهم الله تعالى لحمل رسالاته ونشرها، أو الذين اختارهم سبحانه، من بعد المرسَلين، لنصرة هذه الرسالات، حتى نتبين كم كان كبيرًا دور أولئك العظماء، وكم كان أثرهم أكبر، في حياة الناس كما ثبت في التاريخ البشري.
صحيح أن الأنبياء الميامين، وعبادَ الله الصالحين هم نفرٌ فريدٌ في النوع البشري. وقد ملأ اللهُ تعالى عقولهم حكمةً وبصائرهم نورًا، كي يقدروا على إيصال رسالات ربِّهم إلى عباده. إلَّا إنهم كانوا أيضًا أصحابَ كفاءة في تسيير الأحداث كما شهد لهم بها العالَـــمُ بأسره...
ويبرز السيد المسيح، عيسى بن مريم عليه السلام أحد أولئك القادة العظام. وقد كان دوره ـــــــ وهو من أعظم مفاخره ـــــــ أنَه أمدَّ حركة التاريخ بقبس نورانيٍّ، وإشعاع فكري يعجز عنه الوصف... فالسنون التي عاشها نبيًّا، ومعلمًا، ومرشدًا، وإن لم تأتِ بأي تغيير على صعيد المجتمع في وقته، إلَّا إنَّها غيَّرت عقيدة كثيرين من الناس بأن جذبتهم إلى الدِّين الذي بُعث به فاعتنقوه... لكنَّ ميزة السيد المسيح عليه السلام الأساسية تكمن في ذلك التأثير الروحي العظيم الذي خلَّفه في تلامذته وحوارييه... وفيما عدا ذلك، أي على صعيد المجتمع الذي عاش فيه نَبيُّ الله عيسى عليه السلام، فقد تركه كما كان يوم أن جاء ليعلّمه ويرشده... أي إنه تركه «خرافًا ضالَّة» على حد تعبيره عليه السلام. والخرافُ هذه هي كناية عن اليهود الذين لم تنفع معهم دعوتُهُ، مثلما لم تنفع معهم من قبله دعوة أيِّ نبيٍّ أو رسول. لأنهم كانوا دائمًا يكذِّبون أنبياءهم، أو يقتلونهم من أجل أهوائهم ومطامعهم التي كانت تتنازع نفوسهم، وتأبى عليهم الإيمان بحقيقة ما أنزل الله سبحانه وتعالى على رسله، بل إنها كانت تشدهم إلى الضلال بعيدًا من «الحق» ومن كُلِّ هدايةٍ وخير.
وإذا كانت تعاليم السيد المسيح لم تُحدث على عهده ذلك التغيير الجذري في مجتمعه، والذي أحدثته في ما بعد في العالم كله، فليس ذلك لأنَّ تلك التعاليم تنقصها الحقائق المطلقة، بل لأنَّ اليهود الذين توجّه إليهم بتعاليمه كانوا لا يريدون حقائق، ولا يريدون هداية، إذ لا يشدُّهم شيءٌ إلَّا هذه الحياة الدنيا بزخرفها وزينتها!... ولذا فإن عدم تغيير المجتمع اليهودي، يومئذٍ، لا ينتقص من مقام السيد المسيح عليه السلام أبدًا، ولا من دوره العظيم، بل النقص كان كامنًا في نفوس أولئك الجماعة، والخلل في نظام حياتهم. أما هو عليه السلام فيعدُّ رائدًا كبيرًا في مجالات البشرية الرحبة، وموجهًا عظيمًا نحو الخير والمحبة والسلام.
ويكفي الرائدَ أحيانًا أن يقولَ كلمات أو أن يضيء شمعات لكي يمهد الطريق للتغيير الذي سيحصل في ميقات يومٍ معلوم... فالمسيح عيسى بن مريم عليه السلام منح الدنيا تعاليمه، واستودعَها وصاياه ومواعظه، بكلماتٍ أُوحيت إليه فقالها، وبشمعات أضاءها من قبس نور الله تعالى. وقد اختزنت حركة التاريخ ذلك كلّه ليوم التغيير الشامل الذي راحت تهيّئ فرصته، وتجمع أسبابَهُ ومبرِّراته على أساس البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي أعلنها السيد المسيح عليه السلام ولم يَدَعْها طيَّ الكتمان... أعلنها بملء فيه بشارةً للخلاص التامِّ الناجز الذي ينبغي أن يَطْلَعَ على العالم بنظامٍ تامٍّ ناجزٍ أيضًا يَصلحُ لكلِّ زمانٍ ومكانٍ، ويُصلح الفرد والجماعة، ويكون أمانًا للإنسانية في معاشها ومعَادِها، ما دام للإنسانية أثر على وجه هذه الأرض...
بشارة السيد المسيح تتحقق:
لعلَّ أعظم أثرٍ خلَّفه السيدُ المسيحُ عليه السلام، ومن خلال الرسالة السماوية التي حَمَلَ بالذات، كانت بشارته بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} (سورة الصف: الآية 6).
وقد تحققت البشارة وأتى الميقات الموعود فعلًا وكأنه كان على موعد مع دورة التاريخ. وبُعث الرَّسولُ صلى الله عليه وآله وسلم فحمل رسالة الإسلام التي قدَّم فيها لحركة التاريخ كتاب الله، وقرآن السماء وفرقانها، الذي وضع حدود الفصل بين الحقّ والباطل...
وانطلق محمد صلى الله عليه وآله وسلم من صحيح مبدئه وسلامة نهجه، يهوي بمعاول إصلاحه على رموز الكفر والشِّرك ليجتثها في كل مكان وصَلَ إليه، ويقضي عليها إلى الأبد، وليُقيم على أنقاضها بناء الحقّ والعدل. بيْدَ أن عمله ذلك مع جليل قدره، وعمل المسلمين من بعده الذي اقتصر على أماكن معينة من الكرة الأرضية، لم يتوسع إلى سائر بقاعها وأطرافها، لأنه كان عملًا محدودًا في هدم صروح الوثنية واجتثاثها بصورة كاملة، ولكن يمكن اعتباره أنه افتتح عمليَّة التقويض والهدم الشامل إلَّا إنه لم يبلغ مداها... إذ إنَّ الرسول العظيم صلى الله عليه وآله وسلم بما فعله بأمر ربه، وبما صدر عنه توافقًا مع الأمر السنِّي، وعلى الرغم من قِصَرِ المدة التي عمل فيها بالنسبة إلى عمر الزمان، يُعدّ بحقٍّ أنه كان أكثر الناس وعيًا وعلمًا بحركة التاريخ، وأكثر الناس إدراكًا لأهميتها في مسار الركب البشري... وإن لم تكن تسمّى حركة التاريخ يومذاك بهذا الاسم الحديث...
وليست هذه الكلمة كافيةً وافيةً بحقِّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقدرُه الرفيع العالي، فوق كل مقال، لأن دورة حياته احتوت على دورةٍ للتاريخ بكاملها. فسيرته الشريفة في جميع مراحل الدعوة: في مرحلة ابتدائها ومرحلة انطلاقها، ومرحلة تركيزها في المدينة... ودوره العظيم في المعارك: من معركة بدر إلى معركة أحد، ومن معركة الأحزاب إلى معركة حنين... وكيفية إقامته للنظام، وتثبيت دعام الحكم... وصلاته بالناس، وما شهده الناس منه وسمعوه، قولًا وفعلًا وإقرارًا... كلها تشكل مواقف متكاملة في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بحيث كان لكل موقف مدلولاته وآثاره، التي تأتي جميعها مترابطة وتؤلف دورة تامة للتاريخ كما شاءها الله تعالى... ثم لتكون حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم القدوة الحسنة لجميع المؤمنين إلى يوم القيامة. ولذا نسمع قولَهُ تعالى يدوّي دائمًا في أسماعنا: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (سورة الأحزاب: الآية 21).
ولنأخذ مثالًا على تلك القدوة بما يبرز عند الرسول العظيم من فهم سياسي وعسكري واقتصادي في أثناء إقامته في مكة المكرمة، وبعد مبعثه وهجرته، وفي أثناء ممارسته للحكم في المدينة المنوَّرة...
لقد قضى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في مكة المكرمة ثلاثَ عشْرةَ سنة يقابل الحرب بالسلام، ويواجه الأعاصير بالسكينة، والانتقام بالصفح، والطغيان بالدعوة إلى العدل... ولا يمكن أن تُعدّ مواقفه تلك تهرُّبًا من مواجهة أعدائه المشركين، ولا استسلامًا لطغيان قريش واعترافًا بسلطانها الجائر، لأنه يعرف صلى الله عليه وآله وسلم أن الاستشهاد في سبيل إعلاء كلمة الله أعلى المراتب التي ينالها المؤمن. لذلك لم يفكر يومًا في التخلِّي عن أداء واجبه، ولم يَدُرْ أبدًا في خلده الهروبُ من المواجهة... بل إنه على العكس، كان قائدًا حكيمًا يجيد فنَّ التوقيت، كما يجيد فنَّ الصبر، والاحتمال، وسياسة النَّفَسِ الطويل...
وبعد بيعة العقبة الثانية من قبل قادة أهل المدينة بدأ الرسول الحكيم يفكر في الهجرة إلى المدينة، ويعدُّ العدَّة لذلك. وكان من الطبيعي بعد اكتمال عناصر الإعداد أن تستجيب حركة التاريخ لتطلّعِه، وهذا ما حصل بالفعل...


امتثال حركة التاريخ لهجرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:
الإسلام كدين هو عقيدة التوحيد، إلا إنه في الوقت نفسه منهاج قويم للسلوك البشري في مختلف جوانب الحياة الإنسانية. لذلك نجده يتناول دوائر ثلاثًا يتداخل بعضها ببعض، وهي: دائرة الإنسان، والدولة، والحضارة .
أما دائرة الإنسان، فقد أمكن للرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يجتازها هو وأتباعُهُ وهم بعد في مكة المكرمة. وذلك بما أُشربت به نفوس أولئك الأتباع من المسلمين الأوائل من القيم والمثل العليا، وبما وَعَتْهُ عقولُهم من مدركات وأبعاد لمختلف جوانب الوجود. وقد كانت الآيات البيّنات تتنزَّل بها جميعًا، فينقلها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى المسلمين، لتنطبع في عقولهم، وتأخذ بمجامع قلوبهم حتى لتصبح الكيان الذي يعيش فيه كل واحد منهم.
وعلى الرغم من ذلك النجاح العظيم الذي حقّقه المسلمون باجتيازهم دائرة الإنسان، فإنهم لم يستطيعوا الولوجَ إلى الدائرة الثانية وإقامة دولة إسلامية لهم في مكة... وقد كانت الأسباب والعوامل التي تعيق ذلك كثيرة جدًّا من النواحي السياسية والعسكرية والمجتمعية والاقتصادية والدينية... وهذا ما كان يجعل دائرة الإنسان، لو ظلت الدعوة محصورة في مكة، متروكة أو معرضة لمختلف احتمالات الفشل أو الضياع، بسبب إمكانيات الأعداء المادية والمعنوية التي كانت كثيرة جدًّا، وكبيرةً جدًّا، وكانت قادرة على سحق الأفراد المسلمين إن هم ظلوا بلا دولة تحمي وجودهم وكيانهم. لأن الفرد، كما الجماعة، من دون دولة قادرة، لا يمكنهما ممارسة المهمات، والقيام حتى النهاية بالأعباء التي يفرضها كيان الدولة لمصلحة الإنسان، وخصوصًا إذا كانت القيم والأخلاق التي تؤمن بها الجماعة ـــــــ أو الأفراد ـــــــ تمثل رفضًا قاطعًا للقيم السائدة.
لذلك كان من الضروري إيجاد أرضية جديدة صالحة لتحرك المسلمين عليها، لكي يمكنهم الانتقال إلى الدائرة الثانية قبل أن تسحقهم الأوضاع الخارجية...
هجرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم محطة كبرى في مسار حركة التاريخ
واتخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد تلقى الأمر من ربه، قراره التاريخي بالهجرة من مكة إلى يثرب... وانقضى بذلك عهد، وبدأ عهد... وكان بدء هذا العهد التاريخي يوم الثاني عشر من ربيع الأول 13 قبل الهجرة (الموافق 24 أيلول 622م). في ذلك اليوم المبارك حطَّ رسول الإسلام رحاله في أرض يثرب. وكان قد هاجر إليها المسلمون، أفرادًا وجماعات. وبدأ ذلك العهد الجديد في حياة المسلمين، الذي لم يشهد إنشاء دولة الإسلام فحسب، ولا حماية المسلمين ـــــــ في دائرة الإنسان ـــــــ فقط، بل شهد كذلك قدرة تلك الدولة على صنع حضارة جديدة هي من دواعي الشرف للإنسان في كل الأزمان. ويكفي تلك الحضارة فخرًا أنها قامت نتيجة مباشرة لتطبيق شريعة الله تعالى على الأرض، في بناءٍ تامٍ، وهيكلية متكاملة... في وقتٍ كان فيه معظم الناس في العالم يغرقون في بحور من الظلام والجهل، ويعيشون مختلف أنواع الصراعات السياسية والعسكرية، وينتحلون لأنفسهم مختلف المذاهب والأفكار المتضاربة حول عقائدٍ دينيةٍ متخلّفة ومناهج في الحكم والعمل فاسدة...
هنا تظهر حركة التاريخ وتقوم بدور مميز... لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدرك تمام الإدراك أن حركة الإنسان في التاريخ لا يمكن أن تستقيم، وتصل إلى أهدافها، إلا إذا كان الإنسان متوجهًا كليًّا، وبجميع جوارحه، إلى ربه تعالى، بحيث يتلقّى سمعُه، وبصرُه وفؤادُه، وعقلُه وحسُّه، من الله العلي القدير صدق التفكير والشعور، وحقيقة التوجه والتوكل. وذلك وحده يجعل الإنسان قادرًا على القيام بحركته، ويجعل هذه الحركة تتحقق وتنتصر...
وعلى الرغم من أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان يعيش هذا التوجّه، إلا إنه كان على إدراك تام بأن هذا التوجه وحده لا يكفي، بل لا بد من أن يقترن بالعمل الإنساني، أي بأن يتحمل الإنسان المسؤولية كاملة، ويرسم الخطط السديدة لتوجهه. أي أن يتولى الإنسان صياغة حرية اختياره بما يتوافق مع قدر الله تعالى وسننه، لأنه من دون هذا التوافق ـــــــ بين مشيئة الرب العلي واختيار الإنسان المدرك العامل ـــــــ لن تحدث أي حركة جادة، ولن يتحقق أي هدفٍ عظيم... لذلك نجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بعد أن عزم على الهجرة، وقام برسم الخطة، وهيأ الإمكانيات التي توصله إلى هدفه... نجده يتوجَّه إلى ربه تعالى بدعاء جميل، يحكي صدق العزم والنية، وصدق الإخلاص والتوجه، قائلًا: {رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا} (سورة الإسراء: الآية 80).
تلك هي التفاعلات التي عاشها نبيُّنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم خلال فترة وجيزة من حياته، كانت كافية لكي تحرك التاريخ البشري برّمته، فتظهر حركة جديدة للتاريخ، هي تعبير عن كلمة الله تعالى في عليائه، ومنهج جديد للناس سوف يبقى على الزمان منارة هداية للحقّ والعدل والخير في دنيا البشر...
عناصر حركة التاريخ:
إن أي هدف عظيم يسعى الإنسان لتحقيقه يجب أن يكون متوافقًا مع حركة التاريخ بعناصرها الثلاثة:
العنصر الأول: هو الإيمان المسبق بأن النتائج مهما كانت إنما هي من صنع الله تعالى. فهو سبحانه فاعل لما يريد: إن شاء أعطى ووفَّق، وإن شاء نزع ومنع...
العنصر الثاني: هو السببية التاريخية، وتكون بتهيئة الأسباب التي توجه الأحداث في هذه الوجهة أو تلك... وقد تكون أسبابًا مادية طبيعية، أو أسبابًا حيوية إنسانية. وقد تكون مجموعة من السنن التي تنتظم فيها حركة الكون والحياة والإنسان، بحيث تفرض حتمية قانونية معينة على بعض الأحداث أو حتميات أخرى على أحداث غيرها. وفي التطبيق العملي نجد في الهجرة النبويّة أن الأسباب المادية قد توافرت لتكون يثرب هي الأرضية الصالحة التي تنشأ عليها الدولة الإسلامية، وأن يكون أبناؤها الأنصار مع إخوانهم المهاجرين من مكة هم الطاقات البشرية أو العوامل الإنسانية التي تبذل أقصى الجهود لتحقيق الهدف المنشود، وأن تأتي سنّة الله تعالى لتوفق ما بين الأسباب المادية والعوامل الإنسانية فيتحقق بناء الدولة المرجوة من المؤمنين بها والعاملين على بنائها.
العنصر الثالث: مباشرة الأفعال من الإنسان، لأن الخالق ـــــــ سبحانه وتعالى ـــــــ قد مَنَحَ، منذ البدء، الكائن البشري حرية الاختيار لكي يصنع تاريخه الفردي والجماعي، اعتمادًا على ما في خلقه من قوى العقل، والإرادة والانفعال، والحس، والحركة. وعندما نأتي على ذكر مباشرة الإنسان للعمل، فإنما نقصد المباشرة الجدِّية المصحوبة بالإرادة. إذ إن كلَّ عملٍ لا تتوافر فيه الإرادة عند المباشرة الجدية يكون عملًا غير هادف، وبالتالي فهو خارجَ حركة التاريخ، لا يؤثّر ولا يغيّر، سواءٌ نحو الأحسن أو نحو الأسوأ. وكل عمل تنتفي منه الإرادة يغيب عنه الهدف ويكون عملًا لا جدوى منه، ولا قيمة له، ولا تأثيرَ من جرائه على الساحة التاريخية.
يجب على الإنسان إذن أن يؤمن بأن مباشرته للأفعال تبقى مرتبطة ارتباطًا وثيقًا ودائمًا بما يشاء الله تعالى في خلق الأحداث والأفعال وتصريفها. وفي الهجرة النبويّة يبرز الاختيار الإنساني بالتصورات الصحيحة، والإعداد الكامل من قبل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا ما قدّم لحركته في الهجرة ضمانات نجاحها.
وهكذا يبدو جليًّا أن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم قد أخذ بتلك العناصر جميعها في صياغة حركة هجرته، لضمان الأهداف التي عمل لأجلها، فهو يُعدّ بحقّ من أكثر القادة فهمًا لحركة التاريخ. لقد وضع للبشرية بأمر ربّه نهجًا جديدًا تَمثَّلَ في رسالة الإسلام، وإقامة حضارة إسلامية متميزة من سائر حضارات العالم التي سبقت... وقد يكون هذا هو السبب في مغالاة بعض المؤرخين المسلمين، وهم يعزون الإنجازات العظيمة التي حققها محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى ما أمدَّه به ربّه من المعجزات والخوارق، التي أظهرت شخصيته المميزة، وساعدته في حمل الدعوة، وتحقيق أهدافها...
وقد اتخذ الباحثون الغربيون، وخصوصًا المستشرقين منهم، ما ذهب إليه أولئك المؤلفون من المسلمين، سبيلًا لهم كي يقوموا بأبشع حملة على الإسلام ورسوله، وابتداع الأقاويل والتفسيرات الضالة المضللة التي تنال من شخصية هذا الرسول العظيم، وتُبعد منه أهم خصاله في الصدق والأمانة وهو يتلقى وحيّ ربه، ويبلّغه إلى الناس بشيرًا ونذيرًا.
ولو أنصف الباحثون، مسلمين وغير مسلمين، لوجدوا أن محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن في أداء رسالته يحدِّث بالخوارق ويدعو بالمعجزات، بل كان يحدث الناس بكل صدق ووضوح بأنه بشر مثلهم، وبأنه مكلف بدعوة الإسلام حتى تستقيم الحياة على سيرها القويم، وأنه مرسل من الله تعالى للناس كافة بالحقّ والعدل والخير، وأنه يعمل بمقتضى الوحي الإلهي بعيدًا من كل خيال أو خارقة. بل لقد اتسمت أعماله بالواقعية مع استنارة وهدي، فكان إذا أراد القيام بأي أمر من الأمور يتوكل أولًا على الله تعالى، ثم يباشر بإعداد الأسباب والسبل التي تحقق له ما يعمل لأجله... كل ذلك من غير أن يتوانى عن التفكير بهدي ربه في قوله تعالى: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ} (سورة الكهف: الآيتان 23 ـــــــ 24).
ومن أجل إثبات صوابية التفكير عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحسن الاستعداد والتهيؤ، وصدق المباشرة والإقدام، نأخذ مثالًا أحداث القتال التي جرت بينه وبين أعدائه. فهو أولًا لم يبدأ بأي قتال حتى ينزل الإذن له بذلك من الله تعالى. وبعد أن يدرك أن لا مناص من مواجهة العدو، كان يعد للحرب كل ما تحتاجه من عتادٍ، ويستخدم كل ما تفرضه من خطط ـــــــ وفقًا لمقتضيات عصره ـــــــ. وبعد ذلك الاستعداد، ينظم جيشه أدقّ تنظيم، ويصدر إليه الأوامر وفق ما رسم له وخطط، ثم يباشر القتال...
وهو في ذلك كله كان يجمع بين أمرين مهمين: صحة التوجه إلى ربه العلي القدير، واستخدام مزاياه الشخصية الفذّة في القيادة وفي فهم الأحداث وتسييرها... لذلك استطاع محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن ينتصر على أعدائه في كل الغزوات التي قادها، باستثناء غزوة واحدة فقط، هي غزوة أحد. لقد عصى الرماة في هذه الغزوة أوامر نبيهم وقائدهم فحولوا انتصار المسلمين إلى هزيمة، ولو أنهم تقيدوا بالأوامر التي أعطيت لهم لما فشلت تلك الغزوة. وذلك إن دلَّ على شيء، فإنه يدلّ على أن محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم لو أغفل قواعد الحرب، أو أهمل فنون القتال التي كانت معروفة في وقته ـــــــ على الأقل ـــــــ، أو أنه لم يتخذ، هو ومعاونوه، وجوه الحيطة والاستعداد كافة، لما أمكنه تحقيق انتصاراته. ولكانت الحال تبدلت بغير الحال: فما انتصر الإسلام، ولا انتشرت رسالته، ولا ارتفعت رايته خفاقة على وجه الأرض...
وانطلاقًا من ذلك كله يمكن القول بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد وضع لنا منهجية واضحة في دراسة حركة التاريخ، بحيث لا تأتي هذه الدراسة جديةً، ولا تلامس حقيقة الصلة ما بين الإنسان وربه، وما بين الإنسان والطبيعة، إلَّا إذا أخذت في الاعتبار العناصر الثلاثة التي عمل بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجتمعة، من دون إغفال واحد منها على الإطلاق...
وهذا يبدو مغايرًا لما قامت عليه المذاهب التفسيرية للتاريخ حيث كان يأخذ بعضها بعامل أو أكثر ويهمل العوامل الأخرى. ومن قبيل ذلك مثلًا التفسير الميتافيزيقي للتاريخ الذي تطور إلى تفسير لاهوتي والذي ساد التفكير الأوروبي خلال القرون الوسطى، أو التفسير الفردي (البطولي)، أو التفسير الطبيعي للتاريخ وقد بلغ ذروته بالمادية التاريخية...
ويبدو أن بعض فلاسفة التاريخ المعاصر (أمثال استبنجلر، وتوينبي، وكيسرلنج، والناقد كولن ولسون) قد أدركوا عدم صوابية المناهج التفسيرية للتاريخ، لعدم اعتمادها على العوامل الثلاثة المكوِّنة للحركات التاريخية ، فجاء، من جراء نقدهم، التفسيرُ الحضاري الذي يتسم إلى حد بعيد بالاتزان والموضوعية والشمولية، وذلك لاستناده إلى نظرة كلية وإدراك عميق لمقومات الحدث التاريخي...وقد أعلن هؤلاء الفلاسفة أن الحدث التاريخي لا يمكن أن تصنعه قوة واحدة، لأنَّ أيّ حركة تاريخية لا بد من أن تكون نتيجة للتلاقي والانسجام بين: مشيئة الله تعالى، واختيار الإنسان، وعمل الطبيعة بما فيها الزمن، وإن إغفال أي عنصر منها إنما هو جهل بالأسس الحقيقية لحركة التاريخ... إلَّا إنه، وعلى الرغم من النجاح الذي أصابه هؤلاء الفلاسفة، فإن بحوثهم ظلّت تكتنفها النظرة الذاتية، واضطراب التجربة النفسية التي لامسوا بها أحداث التاريخ، فضلًا عن التأثيرات العلمية في مناهجهم.
فإذا أخذنا مثلًا مذهب هيغل وماركس نجده يقول بأن الحركة إنما تصدر عن صراع النقيضين، في حين أن الصراع لا يكون بين نقيضين فحسب، بل يتخذ أشكالًا كثيرة. فهو قد يبدو إرادة ذاتية تسعى للتآلف ما بين أعماق نفس الإنسان والمحيط الخارجي من قوله، أو بين أعماق نفس الإنسان والوجود كله. أو قد يكون الصراع حشدًا للطاقات والقوة، وتنظيمها حتى تستجيب للدعوات الكبرى. أو قد يكون الصراع هو البحث الجاد الذي يحرك الأفراد والجماعات لتحقيق مصائرهم وصنع تاريخهم.
وإذا عدنا إلى حركة الهجرة الرسولية نجد أنها ليست نتاجًا لصراع بين نقيضين بقدر ما هي استجابة داخلية، مقرونة بعمل خارجي لنداء علوي. وقد كان من أهدافها تحقيق التآلف بين الفرد ومحيطه الإسلامي، وبين الإنسان المسلم والوجود كله كونه صادرًا عن خالقه الذي يعبده، وهو الله تعالى صانع هذا الوجود، ومدبّر كل شيء فيه. ثم إنها حشدت طاقات المسلمين للاستجابة إلى نداء عقيدة التوحيد، وجعلت الجماعة الإسلامية تسعى لتحقيق مصير جديد، وصنع تاريخ جديد، لها وللبشرية جمعاء. لذلك لم تعش الجماعة الإسلامية صراعًا بين نقيضين بقدر ما عاشت صراعات شتى: دينية واجتماعية وسياسية واقتصادية ونفسية، معتمدة عملية التوحيد والتجميع بدلًا من عملية التجاذب والتصارع.
لذلك فإن الهجرة تُعدّ حدثًا تاريخيًّا مهمًّا حققت الفصل بين الذل والمهانة، بين العزة والكرامة، بين التفسّخ والتجمع، بين الإسلام التصوري النظري والإسلام التطبيقي العملي.
وإذا كان من شأن حركة التاريخ أن تقوم دائمًا بعملية التواصل والاستمرار، فإن الهجرة التي قام بها محمد صلى الله عليه وآله وسلم أكبر مثال على حركة التاريخ في ذلك التواصل الذي تلاقى فيه الناسُ إخوةً في الإسلام، سواء أكانوا أخوة الأنصار والمهاجرين، أم أخوة الوافدين من أقطار الجزيرة كلها وانضووا إلى لواء الإسلام. ومن ذلك المنطلق كان الإسلام ولا يزال عنصر التواصل الدائم ما بين السماء والأرض، وما بين المؤمنين أجمعين.
وهذا ما أدركه رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وآله وسلم عندما وعى حركة التاريخ، واستطاع أن يفيد من تأثيرها وتفاعلها في مسار الدعوة. وهذا ما هو مطلوب أن يَعِيَهُ اليوم المسلمون ويعملوا به. إذ عليهم أن يدركوا بأنَّ الإسلام متقدم في جميع الميادين الفكرية، وعلى مختلف الأفكار والنظريات والمناهج التي انبثقت عن الإنسان في عالم الحضارة.
ولكن إذا كان الإسلام متقدمًا، فإن المسلمين متأخرون عنه، لذلك وجب عليهم شدُّ العزائم، وتقوية الإرادات، وتسريع الخطى حتى يلحقوا بإسلامهم، ويخرجوا به الناس من ظلمات الجهل إلى نور الحقّ، ومن ظلام الكفر إلى نور الإيمان، وبذلك فإنهم لا يبقون عبئًا على الإسلام، الذي يحملهم بدل أن يحملوه، ويتقدم بهم بدلَ أنْ يتقدموا به. شرط أن يكونوا برسالته مقتنعين، ولأوامره منصاعين، وبالدعوة إليه عاملين، وفي سبيل ترسيخه بالمال والأنفس باذلين ومضحِّين.
نعم إننا نجد الإسلام اليوم، هو الذي يحمل المسلمين ويتقدم بهم في مجالات الحياة، مخترقًا كل المواجهات التي تعترضه، والدسائس التي تحاك ضده، منتصرًا على الأضاليل والأباطيل التي حيكت حوله والشراك التي تنصب له، داعيًا إليه النفوس الخيرة الطيبة التي لا تتوانى عن تلبية هذا النداء بفضل هدي ربها ورحمته... نعم إن على المسلمين وعيَ هذه الحقيقة، وحملَ الإسلام دعوةً ورسالةً إلى الناس كافة، كما حمله السادة الأوائل الذين كانوا صورة صادقة عن الإسلام، فحقّ للمسلمين وللناس جميعًا أن يقولوا:
إن المسلمين الأوائل كانوا فعلًا حاملين لواء الإسلام. أما اليوم فيرى المسلمون أنفُسُهم، والناسُ جميعًا يرون، أنَّ الصورة مهتزّة، والفرق واضح والاختلاف ظاهر بين الإسلام والمسلمين، لذا نقول: إنَّ الإسلام في عصرنا هذا، هو الذي يحملُ المسلمين، وهم عبءٌ عليه، بدل أن يحملوه هم إيمانًا راسخًا في الجنان ودعوةً هاديةً لبني البشر على مرّ العصور والأزمان. والله سبحانه أراد أن يكون هذا الدين رحمةً للعالمين وأن يكون دينَ الدنيا والآخرة معًا.
لقد أدرك محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن الإسلام يتجاوب مع الفكر الإنساني ويلبي طموحاته الخيرة، لكي يصنع الأفذاذُ من بني الإنسان تاريخًا جديدًا ومشرِّفًا. وبذلك وعى حركة التاريخ على حقيقتها وقدَّرها حق قدرها... ومن هنا يمكن فهم موقفه بعدم إعلان الحرب على قريش في مكة، واحتماله العذاب والأذى مع المسلمين، بصبر جميل، موقنين أنه سوف يحين الوقت الذي يمتلكون فيه أسباب القوة. ولو أنه أقدم على مواجهة المشركين ضعيفًا أعزلَ لَكان قضي عليه وعلى أتباعه المستضعفين، ولَكان الإسلام خُنِقَ في مهده. ذلك أن قريشًا قامت بمحاولات جادة وكثيرة لتفجير هذه الدعوة الفكرية من أجل القضاء عليها، لكنها فشلت لأن الرسول العظيم كان واعيًا لغايات قريش ومدركًا أبعاد ما ترمي إليه...
ذلك بخلاف نهج الحركات الإسلامية اليوم. فهذه الحركات جادّة مخلصة في دعوتها، لكنها لا تعي واقعها وظروفها بصورة كافية، ولا تخطّط لعملها تخطيطًا يضمن له أسباب النجاح.كأنها لا تعلم أنَّ الاستعمار الغربيّ يرصد تحرّكها. وهو جاهز، في كل وقت، للانقضاض عليها وإجهاضها قبل أن تستكمل عدّتها، وقبل أن تصل إلى أهدافها. وعندما يبدأها بالصدام تأتي ردّات فعلها ارتجاليّة ضعيفة لأنها لم تكن قد نضجت بعدُ فكريًّا، ولم تعِ حركة التاريخ وملاءمتها للظروف المحيطة بها. ويكون إخفاقها هو النتيجةَ الحتميةَ لهذا الصدام.وحينئذٍ يأتي الاستعمار، ويقدّم ردّاتِ فعلها للعالم على أنها هي تعاليمُ الإسلام، ويقول بوساطة وسائله الإعلامية السمعية منها والبصرية: هذه هي فِعال المسلمين...
وقد تقوم جماعة مؤمنة تريد إزالة المنكر باليد، ولا تفرّق بين ذلك وبين العمل بالنهي عن المنكر. فإزالة المنكر باليد يُشترط فيها الاستطاعة وألّا تكون فتنة. والفتنة أكبر وأشد من أمور تتعلق بجور الحاكم أو فساد بعض الرعية لقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «الأمير الجائر خيرٌ من الفتنة. وكلٌّ لا خيرَ فيه. وفي بعضِ الشرِّ خيار». يضاف إلى ذلك أن التدبير الإلهيَّ قضى بعدم المواجهة في مكة ما بين المسلمين والمشركين، وكان حريًّا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ينفذ أمر ربه ويعمل وفق مشيئته السنيَّة... وهذا أيضًا يدخل في وعيه لمفهوم حركة التاريخ التي يسيِّرها الله تعالى كيفما يشاء.
وإذا كان مكثُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قصيرًا في لقائه أو في استقباله لحركة التاريخ، التي تزوَّدت من النور الذي بعثه الله تعالى به، كما تزوَّدت من عزيمته وثباته ـــــــ فإنها سوف تصطحب معها، من بعده، زحف الإسلام: دينًا وحضارةً وثقافة، حتى تضع في رحابه نحو مليارٍ من البشر، وحتى تنقل حضارته إلى أوروبا التي كانت غارقة في ظلمات الجهل والتخلف والاستبداد... ثم لكي تستأنف في ما بعد، ومن خلال أفكار الإسلام ونور كتابه ـــــــ سواء اعترف العالم بذلك أم لم يعترف ـــــــ مسيرتَها ومسعاها نحو تخليص البشرية جمعاء من أدرانها، والاندفاع بها نحو التقدم.
لقد كان دور الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم من خلال حركة التاريخ دورًا مهمًّا وعظيمًا... ولعلَّ أهم خصائص هذا الدور تتبيَّن في تربيته للجماعة الإسلامية الأولى... تلك التربية الإيمانية الرائعة التي مكَّنتها من أن تحمل الإسلام، وتنطلق من قلب جزيرة العرب حتى تبلغ به أطرافًا بعيدة من الأرض شارفت حدود فرنسا في أوروبا وحدود الصين في آسيا...
وقد يعجب الناس من قدرة المسلمين على هذا التوسع في خلال تلك الفترة القصيرة، ووصولهم إلى ذلك المدى الواسع في الانتشار... لكنَّ هذا العجب يزول إذا ما تذكَّروا عملية البناء التي أجراها محمد صلى الله عليه وآله وسلم من خلال تعاليم القرآن، ومن خلال إعطائه للحياة مفهومًا جديدًا يقوم على فكرة التوحيد، والإيمان بالإسلام دينًا حقًّا... ومن ثم من خلال الإخلاص لله في النية والعمل على حدٍّ سواء، حتى لَيُقدم المسلم على التضحية، وبذل النفس عن قناعة ورضًى... فكان من الطبيعي أن يكون ذلك التحوُّل النفسي في جماعة المسلمين الأولى أهمَّ مصدر، وأكبرَ عامل، على توسع الإسلام وانتشاره السريع.
لكنَّ عظمة الإسلام الحقة لا تبرز في قدرته على التوسع الذاتي، بقدر ما تتبيَّن في قدرته على تحقيق ذلك الانصهار النفسيِّ والفكريِّ بين مختلف القبائل والأمم والشعوب والأجناس التي دانت بالإسلام عقيدةً ومنهجًا. فهي، ومنذ دخولها الإسلام، كوَّنت أمةً واحدةً تهتدي بكتابٍ واحدٍ يجمعها على أحكامه، مهما تفرقت بها السُّبل أو اختلفت الأمصار... وتأتمر بأوامر إلهٍ واحدٍ أحدٍ لا تشرك به، ولا تضل سبيل الهداية الذي قادها إليه رسولها الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم... وهذا ما لا نجده عند أمة أخرى من أمم الأرض.
ذلك كان دور الإسلام بفضل الله تعالى، وبفضل رسوله الحكيم صلى الله عليه وآله وسلم الذي بعثه ـــــــ سبحانه ـــــــ هدًى ورحمة للعالمين... وهو الرسول الذي راعى حركة التاريخ في حياته، وترك لأجيال أمته أن تقتدي به، بحيث تراعي هذه الحركة من خلال آيات الله تعالى، التي تهدي للتي هي أقوم، والتي من جملة أحكام هدايتها أنَّ الله تعالى يمسك بزمام حركة التاريخ وهو يداول الأيام بين الناس، فتكون الدولة يومًا لهذه الجماعة من الناس، ويومًا لجماعة أخرى... وتتعاقب الأزمان، وتظل المداولة قائمة، بأمر الله تعالى وبمقتضى مشيئته المطلقة...
دور الإنسان وحركة التاريخ:
ولكن إذا كان كل شيء منوطًا بمشيئة الله تعالى، فما دور الإنسان في وجوده؟
إنه لَسؤالٌ مهمّ يترتب عليه فهمُ الإنسان لحركة التاريخ، ودورُه الكامل في نطاق هذه الحركة.
وهنا نتوقف قليلًا لنرى ما عند الإنسان من خصائص مميِّزة، ونتساءل هل يمكنه من خلال هذه الخصائص، ومهما كان عظيمًا، أن يحقق جميع تطلعاته، أو رغباته في هذه الحياة؟
نحن نقول: لا... لأن الله بالغُ أمره، وإنما جعل لكلِّ شيء قدرًا...
وربما يسأل سائل: أما كان الله تعالى قادرًا على أن يَنْصُرَ موسى عليه السلام على فرعون في مصر من دون أن يهاجرَ إلى مَدْيَنَ ويقضيَ فيها عشر سنوات في رعي الغنم، بعيدًا من جماعته من بني إسرائيل؟
ونجيب: نعم إن الله ـــــــ سبحانه ـــــــ قادر على كلِّ شيء. وقد كان فرعون عدوًّا لموسى عليه السلام، وكان على موسى عليه السلام أن يجاهد هذا العدو وينتصر عليه امتثالًا لأمر الله تعالى: {وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} (سورة محمد: الآية 4).
وهكذا لم يشأ الله تعالى أن يجاهد نبيُّه عدوًّا مستكبرًا عاتيًا في حينه، لأن أوانَ قتاله لم يكن قد حانَ بعد، فهاجر إلى مَدْيَنَ، حتى إذا عادَ منها إلى مصر قال له ربُّه: {ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى} (سورة طه: الآية 40)...
والقدر الذي جاء بحسبه موسى عليه السلام هو الوقت المقدَّر له، أي عندما نضج واستعدَّ، وابتلي فثبت وصبر. وعندما تهيأت الظروف والأحوال في مصر، بعد أن بلغ العذاب ببني إسرائيل مداه، على يد الطاغية فرعون... ففي الوقت الذي قدَّره الله تعالى لمجيء نبيِّه موسى عليه السلام جيء به من أرض مَدْيَنَ من غير أن يكون له هو أيُّ إرادة في تقدير ميقات هذا المجيء، ولا في احتساب المهمة التي سيُنتدب إليها... لكنّ مشيئة الله تعالى جاءت به... إنها مشيئة ربّه الذي كان قد اصطفاه لنفسه خالصًا مستخلصًا، معدًّا للرسالة والدعوة، بحيث لا يكون له في نفسه، أو لأيٍّ من أهله، أو لأحدٍ آخر فيه شيء... بل هو بكلِّيته لله تعالى، صنعه سبحانه على عينه، وأرسله كي يؤديَ المهمة الجسيمة التي توازن بين الكفر والاستعباد والظلم، وبين الإيمان والتحرر والعدل، ثم تدلُّ الإنسان أيها يختار، وأيها أنفع له، وأيها أبقى وأصلح... وهذا القدر المقدور من الله تعالى لا بد من أن يغير الأحوال، فيُهزم فرعون وبطانته وجيشه، ويغرقهم الله سبحانه في نهاية المطاف، في حين أن النصر الكامل لبني إسرائيل يكون بأن أنجاهم ربُّهم من كل ما كانوا فيه يتخبطون، ويهين كرامتهم، ويحطم كيانهم...
نعم إن الله ـــــــ سبحانه وتعالى ـــــــ هو الذي بدَّل الأحوال وجعلَ الظروف كلَّها تتغيَّر. ذلك أنه لم تكن القوتان متكافئتين ولا متقاربتين في عالم الواقع. في هذا الطرف كان موسى عليه السلام وقومه ضعافًا مجرّدين من كل أسباب القوة المادية، وفي الطرف الآخر كان فرعون وجنده أقوياء مالكين لكل أسباب القتال والحرب. ولم يكن من سبيل إلى خوض معركة مادية. من هنا كان تدخل العناية الإلهية لكي ينتصرَ الإيمانُ ويُهزمَ الكفر، ولكي تُنَكَّسَ راية الباطل وترتفعَ راية الحقّ، بأمر الله القدير، وبلا جهد بذله بنو إسرائيل...
وإذا كان هذا قد حصل مع النبي موسى عليه السلام، فإنه في الحقيقة لم يحصل مع كل نبيٍّ أو رسول. وذلك من أجل ألَّا يترك الإنسانُ الأمور تسير على عواهنها ويتسلَّح فقط بمشاعر الإيمان، ثم يَكِل إلى الله تعالى أن يقوم عنه بكل شيء، حتى ولو كان هذا الشيءُ متعلقًا بأموره الخاصة، وشؤونه الذاتية... فهذا التوكل أبعَدُ ما يكون عمَّا أرادَهُ الله تعالى لعباده. لقد طالبهم أولًا بالعمل المخلص الجادِّ، ومن ثَمَّ أمرهم بأن يتوكلوا على الله ويتركوا النتائج إليه تعالى... إذ مما لا شك فيه أنَّ كلَّ أمرٍ يعود إلى القدرة الإلهية... إلَّا إن عمل الإنسان يجب أن يتوافق مع مشيئة الله، ومع دوره في وجوده الإنساني، حتى يرجوَ بعد ذلك التوفيق من الله، وتحقيق ما يسعى إليه...
ومن خلال تحرُّك الإنسان، وما يقوم به، تقف حركة التاريخ ـــــــ بأمر الله ـــــــ لتبدّل الأوضاع، وتغيِّر الأحوال، في سعيها نحو مداولة الأيام بين الناس. وهذا التحرّك إما أن يكون على أساس اتّباع منهج الإيمان، أو اتِّباع خط الكفر، مهما كانت أشكال هذا الكفر، سواء ظهر بمظاهر عبادة الأوثان، أو بطغيان المادة على الروحانية، أو بانتصار البطل على الحقّ... وما إلى ذلك من المظاهر المادية التي تسودها الضلالات على الهداية، ويعم فيها الفساد في دنيا الأرض وينتشر...
ولعل أهمَّ الخصائص التي وضعها الله في حركة التاريخ أنه أمرها أن ترقب ظهور عبادٍ مخلصين لله، قد عاهدوا ربَّهم على أن يشهدوا بوحدانيته، ويعظِّموا شعائره، وينصروا كلمته... وأن تُمِدَّهم عندئذٍ بكل عون، وترفدَهم بكل مساعدة حتى يتمكنوا من تحقيق الغاية التي يسعون إليها... فإن لم يستطيعوا ذلك في حياتهم فإن على حركة التاريخ ـــــــ بتوجيه من ربّها سبحانه ـــــــ أن تحفظ الأثر الذي تركوه من بعدهم، وأن تعمل على نشره حين يأتي اليوم الذي يظهر فيه تأثيره في الناس ولو بعد زمن طويل...
إذن فحركة التاريخ لا يمكن أن تعمل إلَّا بأمر الله سبحانه وبتقديره. ثم يأتي دور الإنسان في مسار وجوده بما يحقِّق مشيئة العناية الإلهية...
ولكن إذا كان كل شيء منوطًا بمشيئة الله تعالى، حتى إن الإنسان لا يملك أن يفعل شيئًا في غده إلَّا أن يشاء الله، لقوله تعالى: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ} (سورة الكهف: الآية 23 ـــــــ 24) فهل ينتفي دور الإنسان؟ وأي شيء، إذًا، يثاب الإنسان عليه أو يعاقب؟
الحقيقة أنَّ للإنسان دورًا مهمًّا ومؤثرًا من خلال مباشرته للأفعال. فإنْ هو أحسن فلنفسه، وإن هو أساء فعليها، و{قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} (سورة الشمس: الآيتان 9 ـــــــ 10). لكن عمل الإنسان لا يكون لنفسه فحسب، بل ينعكس على جماعته، وعلى مجتمعه، وقد تمتد آثاره لتطاول البشرية بأسرها... فالذي اخترع الذرة مثلًا قدَّر في الأصل استعمالها لصالح البشرية وخيرها. لكن غيره أخذ يستعملها سلاحًا فتاكًا رهيبًا، قد يكون من أهمِّ الأسلحة التي تهدد مصير البشرية بالتدمير والفناء...
من هنا وجب على الإنسان فاعلًا كان أو متأثرًا بالفعل، أن يتخذ الحقّ والسعي للخير هدفًا له ثم يترك النتائج لله تعالى. ولا فرق بعد ذلك، إن وصل أم لم يصل إلى هذا الهدف، لأنه يُعَدُّ من أهل الحقّ والخير... وهذا ما تدلنا عليه حركة التاريخ التي تقدِّم لنا شواهد كثيرة على أنَّ حركاتٍ إصلاحيةً، وأفكارًا سامية قامت في أحيان كثيرة، وكان أبطالها روادًا حقيقيين في مضامير الحقّ، والعمل لصالح البشرية، ومع ذلك فهم لم يبلغوا أهدافهم، لكنهم وفقوا لما قاموا من أجله، وهو مرضاة الله سبحانه وتعالى... كما تبين لنا حركة التاريخ أن أشخاصًا كثيرين سجلوا انتصارات بحسب عُرفهم، وعُرفِ المضلَّلين في مفهوم الحقائق، في حين أن انتصاراتهم لم تكن إلَّا أصداء جوفاء سرعان ما ظهر باطلها، وانعكست آثارها المحتومة على من اتبعهم وسار وراء ضلالهم. والسبب في ذلك، هو أنَّ حركة التاريخ ترقب الناس في تصرفاتهم وتتَّخذ منهم أدواتٍ لتسجيل وقائعها، كي تُبرز نزعة الشرّ عند أهل الشرّ منهم، وتبرز نزعة الخير عند الأبرار الصالحين...
شهادة الحسين عليه السلام وحركة التاريخ:
وتبرز حركة الحسين بن علي عليه السلام من أروع الشواهد في تاريخ المسلمين على عدم الاستجابة، بما آلت إليه من نتائج آنية وظرفية، للهدف الذي سعى إليه الحسين عليه السلام، بحيث تبدو حركة التاريخ وكأنها أخسرته المعركة، في حين أنها كانت في الحقيقة أكبر عونٍ له على إظهار الحقّ في جانب، والباطل في جانب آخر. وهذا يعبِّر عن مضمون الحقيقة المطلقة التي يؤدي فيها الإنسان دوره في وجوده: أَلَا وهو الارتقاء إلى أقصى درجات السموِّ حتى يبلغ الشهادة في سبيل الله، أو الهبوط في أدنى درجات الانحطاط حتى ولو بلغ مُلْكًا زائفًا، أو اعتلى عرشًا فانيًا...
لقد كان مقصد الحسين عليه السلام واضحًا عندما كتب وصيته قبل خروجه من المدينة المنورة إلى أخيه محمد بن الحنفية وقال فيها:
«بسم الله الرَّحمن الرَّحيم هذا ما أوصى به الحسين بن علي إلى أخيه محمد بن الحنفية. إن الحسين يشهد أن لا إله إلّا الله، وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه جاء بالحقِّ من عنده، وأن الجنة حقٌّ، والنارَ حقٌّ، والساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.
وإني لم أخرج أَشِرًا ولا بَطِرًا، ولا مُفْسِدًا ولا ظالمــًا، وإنما خرجتُ لطلب الإصلاح في أُمَّة جدِّي صلى الله عليه وآله وسلم. أريد أن آمُرَ بالمعروف وأَنَهى عن المنكر، وأسيرَ بسيرة جدِّي وأبي علي بن أبي طالب. فمن قبلني بقبول الحقّ فاللهُ أولى بالحقّ، ومن ردَّ عليَّ هذا أصبرُ، حتى يقضيَ الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين. وهذه وصيتي إليك يا أخي، وما توفيقي إلَّا بالله عليه توكلت وإليه أنيب».
وخرج الحسين عليه السلام وأهل بيته وصحبُه من مكة المكرمة حتى نزل كربلاء من أرض العراق في الثاني من المحرم عام ستين للهجرة. وهنالك قُتل أهلُ بيته وأصحابه واحدًا تلوَ الآخر. ثم كان مصرعه عليه السلام بعدهم، في وقعة بقيت نصف بياض النهار، في العاشر من محرم من تلك السنة.
نعم ما خرج الحسين بن علي عليه السلام إلا لإحياءِ الحقّ، ونُصرة دين الله، فسقط هو وأهله وأصحابه في معركةِ الحقّ بوجه الباطل، شهداءَ في سبيل الله. في حين أن يزيد وأعوانُهُ انتصروا، فاعتلى يزيد عرشَ ملكٍ زائل، من دون أن يتولَّى أمرَ الخلافةِ كما ظنَّ أو توهَّم... وكان لحركة التاريخ موقفها من هذا المنتصر، ومن ذاك الشهيد!...
فأما المنتصر في القتال، يزيد بن معاوية، فقد كان أداة لحركة التاريخ بحيث أفرزته مثالًا لرجال هم، في كل عصر، أهلُ الظلم والفساد، وأعوانُ الباطل والضلال، يستعملون القوة المادية سلاحًا، ويتَّخذون من السلطان مطيَّة... ولكن إلى حين... ثم يذهبون بعده من هذه الدنيا بلا أثرَ لهم، اللَّهم إلَّا ما يدلّ على سوادِ هويتهم، وسوء فعالهم...
أما سيد الشهداء الحسين بن علي عليه السلام، والشهداءُ الأخيار من آله وصحبه، فقد أودعت فيهم حركة التاريخ، وعلى مدار الزمان، بذورًا طيِّبة لا بد من أن تُنبتَ ثوراتٍ بوجه الظالمين المفسدين تكون عاقبة النصر فيها دائمًا للحقّ على الباطل، وللعدل على الظلم، وللحرية والصلاح على القهر والفساد...
المقاومة الإسلامية وحركة التاريخ:
وها هو العالم يشهد اليوم آثار الحركات الإسلامية المخلصة وعلى رأسها حركة الحسين عليه السلام في صحوةٍ إسلامية بدأت بشائرها تطلُّ، وعلائمها تلوحُ، ونورها يتوهَّج في العقول والأفئدة... كذلك يشهد العالم آثار هذه الحركة في الوقفة البطولية الجريئة التي تقفها المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان وعاصمته صيدا، وفي البقاع الغربي، بوجه الصهيونية الشرسة، حيث تنتصر حركة التاريخ ـــــــ بإذن الله ـــــــ للمقاومة الباسلة التي استفادت من طبيعة الساحة اللبنانية المتحركة، ومن الأوضاع الإقليمية والدولية التي تمنحها بشكل غير مباشر حرية الحركة، فانبرت تقاوم الدولة اليهودية المتغطرسة التي ما انفكَّت منذ قيامها تتباهى بجيشها زاعمة أنه لا يقهر... مما يجعل حركة المقاومة حركة مباركة تلقّن اليهود كلّ يوم دروسًا لا تُنسى في البطولات والتضحيات...
ولنا أن نتساءل: هل كان في استطاعة المقاومة بعد اجتياح لبنان عام 1982م أن يصبر أفرادها ويصابروا ويقاوموا طائفة باغية حاقدة مثل اليهود، لو لم يتخذوا من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الأبرار وأصحابه الأخيار قدوة لهم فيما أصابهم في سبيل الله؟ لقد تلقَّى المسلمون من اليهود في ذلك الاجتياح المخزي ضرباتٍ موجعة قاتلة، تدل على الحقد الدفين في نفوسهم ضد المسلمين، وتظهر صلافتهم وتكبرهم وإجرامهم التي اعتادوا عليها طوال تاريخهم. وقد جاؤوا الآن يتوجون هذا التاريخ المليء بالمخازي بمزيد من القتلى المظلومين، أو ملء المعتقلات بالأسرى المكلومين، عدا ترويع الأطفال والشيوخ والنساء، بل وقتلهم في أكثر الأحيان عمدًا، وسرقة المنازل وتدميرها، وقطع أشجار البساتين وحرقها، وانتهاب المواشي والممتلكات... ناهيك عن انتهاك حرمات بيوت العبادة وتدنيسها...
هذه الأعمال العدوانية والإرهابية رفضها المسلمون غاضبين، فراحت مقاومتهم الإسلامية تتصدَّى للجيش الصهيوني الغاصب وتردُّ إليه ضرباته، بنداء الملهوف، وصرخة المظلوم حتى جعلت أيامه على أرضها الطاهرة جحيمًا لا يطاق.
وفقد زعماء الدولة الصهيونية صوابهم، وأعلنوا عن تنفيذ ما زعموه «سياسة القبضة الحديدية» التي تعني زيادةً في التقتيل والتعذيب والأسر والتهديم، واعتمادَ سياسة الأرض المحروقة، بل وصل الأمر باليهود إلى تلويث مياه الشفة بالمواد الكيماوية، ومنع وصول المواد الغذائية إلى الجائعين، أو المساعدة إلى الجرحى من أي مصدرٍ أتت، حتى ولو جاء بها الصليب الأحمر... إلى جانب منعهم مراسلي الصحف ووسائل الإعلام العربية والأجنبية من الدخول إلى المنطقة المحتلة، كيلا يصوِّروا تصرفاتهم الشاذة، وينقلوا صور مخازيهم البشعة إلى العالم. بل لقد لجأوا أخيرًا إلى سَجْنِ وقتل بعض أولئك الصحفيين والمراسلين الذين كانوا خارج المنطقة التي يتواجد جيشهم الغاشم فيها ليطمسوا معالم إجرامهم ويحولوا بين العالم وبين رؤية عملهم البربريِّ الوحشي... وعلى هذا النهج من سياسة العدوان راح اليهود وعملاؤهم يرسلون السيارات المفخخة بأشد أنواع المتفجرات إلى الأماكن المكتظة بالسكان المسلمين، كما فعلوا في بلدة «معركة» في جنوب لبنان وفي محلة «بئر العبد» في الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت. بل بلغت بهم الكراهية حدًّا جعلتهم يوجهون أرتالًا من دباباتهم وآلياتهم المدعومة بحرًا وجوًّا، وآلافًا من جنودهم كي ينفِّذوا في بلدة «الزرارية» في جنوب لبنان أبشع مجزرة بربرية فاقت بفظاعتها مجازر البرابرة والنازية والفاشستية... بحيث لم يتورعوا في تلك المجزرة عن هدم البيوت على رؤوس أصحابها، والسير بالدبابات فوق السيارات التي كانت تقل الناس الهاربين من وحشيتهم وطغيانهم.
لكنَّ الردَّ على هذه الأعمال المجرمة جاء عنيفًا من المقاومة الإسلامية، وهي تستجيب لنداء الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (سورة آل عمران: الآية 102). فشرع أفراد المقاومة يقدمون على الموت مسلمين، مستجيبين لأوامر الله تعالى، حتى أذهلوا العالم بإيمانهم وشجاعتهم، مجابهين «القبضة الحديدية» لعدوّهم بـــــــ «القبضة الحسينية»، التي ترمز إلى مقاومة أهل الباطل مهما علا شأنهم وعظمت قوتهم... والتي أرادوها بمشيئة الله العلي القدير، وببركة رسوله العظيم، وبمنهجية جميع الشهداء الأبرار الميامين من المسلمين، أن تسحق الباطل وتجتث مفاسد أهله من بني يهود.
لقد استجابت المقاومة الإسلامية في لبنان لنداء الله تعالى. وقد حصل ذلك منذ غزو اليهود عام 1982م لهذا البلد العربي واحتلال أجزاء واسعة منه وصولًا حتى عاصمته بيروت. وكان في اعتقاد اليهود أن ذلك الغزو هو أسهل عملياتهم الحربية التي قاموا بها... ولكن غاب عنهم أن بين اللبنانيين نفوسًا إسلامية، صدقت الله تعالى ما عاهدت عليه، فقامت، وبعد مدة وجيزة من الغزو، تكيل لعدوها الضربات القاتلة، حتى أمكن لها أن تطهر معظم الأرض التي احتلتها إسرائيل. وذلك بفعل استجابة المقاوم اللبناني المسلم لنداء ربه... وهذه سنَّة إلهية ثابتة، فعندما يستجيب الإنسان لنداء الحقّ، ويمتثل لأوامر ربه ونواهيه، فإنه بذلك يتجاوب مع حركة التاريخ التي لا بد من أن تتجاوب بدورها معه بأمر ربها، إن عاجلًا أم آجلًا، سواء بالتأثير أو بالتغيير. فإن جاء التجاوب مقتصرًا على الأفراد فقط فسيكون من جرائه التأثير... ولكن إن كانت الاستجابة من الجماعة ـــــــ والمقصود بالجماعة هنا الأمة الإسلامية ـــــــ فسيكون من جرائها التغيير بحول الله تعالى وقوته. وهذا ما حصل تمامًا مع المقاومة الإسلامية في لبنان، إذ اقتصر العمل على جهود الأفراد، فأمكنهم أن يؤثروا في الغزاة، وأن يدفعوهم للانسحاب من معظم الأرض التي كانوا يحتلونها. لكن هذا التأثير فقد زخمه في النهاية، ولم يتحقق التغيير، أي الانسحاب الإسرائيلي الكامل من أرض لبنان، لأن الأمة الإسلامية لم تتجاوب عمليًّا مع نداء الحقّ، فلم تتجاوب معها حركة التاريخ بصورة كليّة، وظلت إسرائيل تمارس احتلالها فيما يسمى بالشريط الحدودي...
وهذا أيضًا ما نشهده الآن في فلسطين حيث أفراد الانتفاضة يقومون بدور تأثيري على الكيان الصهيوني، فإن استمر هذا التأثير وكانت هنالك استجابة من الجماعة (الأمة الإسلامية) لمساعدة الانتفاضة ودعمها، فسوف يكون هناك بحول الله ـــــــ تعالى ـــــــ تغيير في الواقع الراهن الذي فرضه اليهود على الشعب الفلسطيني خلال نصف قرن من الزمن.
على أنَّ مثل تلك الوقفة الشريفة التي وقفتها المقاومة الإسلامية في لبنان، والمطلوب أن تقفها من جديد سواء في لبنان، أو في فلسطين من خلال الانتفاضة، حريٌّ بها أن تكون نواةً لمقاومة شاملة تتوقد نارًا تحرق كل جور وباطل، لتنشئ نهضة إسلامية جديدة تنشر راية الإسلام خفاقة عالية، كما نشرها المسلمون الأوائل، تلامذةُ رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وكما يرتجى أن ينشرها جميعُ الذين يؤمنون برسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. هؤلاء هم وحدهم الذين يعرفون حقيقةَ القضية التي نهض من أجلها عظماء المسلمين، وسموّ الروح العالية التي اندفعوا بها، والتراثَ المجيد الذي خلَّفوه على ساحة التاريخ...


صرخة موجهة إلى قادة المسلمين:
وأخيرًا نطلقها صرخةً مدوّيةً علّها تصلُ إلى أسماع جميع القيادات الإسلامية فتحرّكَ فيهم أخوّة الإسلام، وتحملَهم على مواجهة هذا الواقع المزري الذي يعيشه المسلمون اليوم بحالة من تفكك العُرى، واستلاب الإرادة: من ضعفهم كانت قوّةُ أعدائهم، ومن فقرهم كان غنى مستغلّيهم...
فَلْتَنْهَض هذه القياداتُ بما حمّلها الله تعالى من مسؤولية الرعايةِ لهذه الأمة، وَلْتأخُذْ بيدها لما فيه عزّتُها وخيرُها، مستنيرةً بهدى كتاب الله المجيد، وسنّةِ رسوله الكريم، ومستفيدةً من كلّ ما توفّره لها حركةُ التاريخ من متغيّراتٍ: محليّةٍ وإقليميّةٍ ودوليّةٍ، واضعةً نُصبَ أعينها وحدةَ الأمة الإسلامية التي هي المقدّس الثاني بعد عقيدةِ التوحيد التي هي المقدّسُ الأول...
إنّ وحدةَ الأمةِ الإسلاميةِ هي الجامعُ الوحيد الذي وصل ما بين المسلمين عبر العصور، وهي الهدف المشترك الذي التقى حوله المسلمون، من سنّةٍ وشيعة، على الرغم من خلافاتهم ونزاعاتهم حول أمورٍ أخرى... وهو ما قصده الإمام عليّ عليه السلام حين كانت تشتد الأمور على المسلمين ويكون بعضها متعلقًا به: «لأسلِّمنَّ ما سلمتْ أمورُ المسلمين».
وعندما يستجيب القادةُ ويعملون على وحدةِ الأمّة يكونون قد استجابوا لأوامر الله تعالى. عندئذٍ تعمل حركةُ التاريخ لمصلحتهم لأنهم قد تجاوبوا معها، وتكون العزّةُ لهم في الدنيا والآخرة.
أخذ الله بيدهم لما فيه عزةُ الإسلام وخيرُ المسلمين.
تلك هي حركة التاريخ، بمفهومنا الإسلامي... حركةٌ تتفاعل مع الأزمان، وبها يُداول الله تعالى الأيام بين الناس، فترتقي أمم وتهبط أخرى، وتنشأ دول وتزول أخرى، وتفنى جماعات وتولد أخرى... ثم يكون الفناء في النهاية للجميع، ولا يبقى إلَّا وجه ربك، ذي الجلال والإكرام.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB