حركة التاريخ في المفهوم الإسلامي
الطبعة : الطبعة الاولى  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   112
تاريخ النشر :   1985




الفصْل السَادِس: المسْلِمون وَبَنو إسرَائِيل وَحَركة التَاريْخ

المسلمون وبنو إسرائيل:
لقد خصَّ الله ـــــــ سبحانه ـــــــ الجماعة المسلمة بأحكام تبرز في صلب حركة التاريخ وهي تتحرك بنتيجة تعاقب الأزمان، وتداول الأيام... وتظهر هذه الأحكام في سورة الإسراء بقوله تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا (7)‏ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا} (سورة الإسراء: الآيات 4 ــــــ 8).
هذه الآيات القرآنية تبين إخبار الله تعالى لبني إسرائيل، وإعلامهم في الكتاب، أنهم وذرِّيتهم سوف يفسدون في البلاد التي يسكنون، مرتين...
فإذا حَصَلَ هذا الفساد في المرة الأولى، بعثَ اللهُ تعالى عليهم عبادًا له يتمتعون بالبأس الشديد على الأعداء، والقوة الكافية لمحاربتهم، لكي يجاهدوهم على كفرهم، ويقاتلوهم على عتوّهم وجبروتهم، فيجوسون خلال ديارهم، ويقتلون منهم ويشرِّدون كل من يستحق القتل والتشريد... هذا وعْدٌ من الله ـــــــ سبحانه ــــــ مفعول، مؤكد وكائن، لأن الله ـــــــ سبحانه ـــــــ لا يخلف الميعاد... ويتحقق الوعد، ويخسر اليهود كلَّ شيء... لكنهم بعد أن يحلَّ بهم ذلك الويل العظيم، يصبرون على أذاه، ثم يتهيَّأون من جديد، ويوطدِّون العزم ويشحذون الهمم، ويسلكون سبيل العمل متكاتفين، وهدفهم بناء أنفسهم من جديد مهما امتدّ الزمن، ومهما بلغت التضحيات في سبيل الوصول إلى هذا الهدف.
ولكن!... هل ينفع ذلك كله اليهود، وقد شرط القرآن عليهم الإحسان؟ الإحسان لأنفسهم بما ينفعهم ولا يضر الآخرين، وبما يؤمن العدالة لهم ولغيرهم... ويقترن شرط الإحسان إن لم يتحقق، بشرط آخر لا بد من أن يتحقق، وهو الإساءة لأنفسهم... فإن قاموا بهذه الإساءة التي تقع آثارها عليهم وتمتدُّ إلى غيرهم، بما تحمل من القسوة والظلم، ومن الاستكبار والاستعلاء، فلسوف يحل بهم السوء لا محالة... ذلك قضاء الله سبحانه ولا رادَّ لقضائه.
نحن مع هذه الحقيقة القرآنية التي تقول بأن «الإحسان» شرط بقاء اليهود أصحاب كيان قوي، وذوي سلطان في الأرض، لقوله تعالى: {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} (سورة الإسراء: الآية 7) وليس ما ينبئ حتى الآن بأن اليهود يعملون بهذا الإحسان... فها هم يسيطرون على أكبر شركات الاحتكار في العالم، ويتعاملون بمختلف أنواع الربا والاستغلال، ويتعاونون مع منتجي الأسلحة الفتاكة التي من شأنها تدمير العالم... وهم في منطق الاعتداء أكثر الناس اعتداءً على حقوق المسلمين في فلسطين وفي غيرها من الأراضي العربية، ويعملون على هدم المسجد الأقصى في القدس بعد اتّخاذها عاصمة لدولتهم. أضف إلى ذلك كلّه مناهضتهم بالقوة وبمختلف أساليب العنف والظلم لانتفاضة الشعب الفلسطيني في أرضه، وذلك بغية القضاء على أيّ محاولة لاستعادة الفلسطينيين حقوقهم السليبة... فهل هذه الأعمال المشينة هي من «الإحسان» أم أنها إساءات فوق إساءات؟ لقد أصبحت حياة اليهود سلسلة مترابطة من الإساءات، ونشر الفساد في الأرض، فهل هذا ما يريده الله تعالى من مفهوم دلالة الإحسان؟!. حاشَ لله أن يريد ذلك!.
ولكن، هل يقتنع اليهود بالحقيقة القرآنية التي لا لَبْسَ فيها؟ وهل يمكن لهم أن يستقيموا على الحقّ والعدل، وأن يبتعدوا عن السوء والفحشاء وعن نشر الفساد في الأرض؟
إن الإسلام يؤكد أن عباد الله الذين سوف يدخلون المسجد الأقصى في القدس، قبل يوم القيامة، هم من المسلمين الذين سوف يأتي يومٌ يعون فيه حقيقة قضيتهم، وحقيقة ما انتدبهم الله تعالى إليه. فكما أفلحوا في نشر الإسلام دينًا لله تعالى على الأرض حين كانت نفوسهم مفعمة بالتقوى، فسوف ترجع إلى نفوس كثير منهم هذه التقوى التي يريدها الله تعالى ويجعلها الشرط الأساسي للعاقبة الأخيرة {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}.
يقول الله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} (سورة الأعراف: الآية 167). وقد جاء في معظم التفاسير أن هذه الآية إخبار وإعلام من الله تعالى بأحداثٍ سوف تقع في المستقبل، وهي من المغيَّبات التي لا يعلمها أحدٌ من الناس. وفي هذه الآية أيضًا معنى القسم منه تعالى بأن اليهود مهما تكتلوا، ومهما بلغوا من القوة، ومهما علوا، فإنَّ عاقبتهم إلى ذلٍّ وتشتت، وأنه لا استعلاء لهم، ولا دولة تبقى جامعة شتاتهم. ومهما رأت العين من حالهم اليوم، إن هي إلَّا فترة عارضة من فترات التاريخ، ثم يعود الحقّ إلى نصابه. فليس أصدق من الله تعالى حديثًا؟ ولا أصدق من الله تعالى قيلًا؟
وفي بيان أوضح يقول الله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ (12) فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ} (سورة المائدة: الآيتان 12 ـــــــ 13)..
لقد نقض «بنو إسرائيل» الميثاق الذي أخذه الله تعالى عليهم وتخلوا عن كل ما يجعله ـــــــ سبحانه ـــــــ معهم. فبما نقضهم ميثاقهم لعنهم الله تعالى. واللعنة تعني الطرد والإبعاد من الخير نتيجة للسخط، وهي في الآخرة عقاب شديد. أما في الدنيا فاللعنة من الله تعالى على قوم هي انقطاع رحمته وتوفيقه عنهم... وهي من الإنسان للإنسان دعاء بالشر... فهل يعقل أن يسود اليهود الأرض واللعنة الإلهية تلاحقهم؟!.
إنَّ تاريخ اليهود البعيد والقريب، بل حاضرهم، أصدق الأنباء على ما في طبعهم وقوام حياتهم من الفساد والإفساد في الأرض...
فمن آثار ضلالات اليهود وفسادهم أنهم يخدعون حتى تكون لهم الغلبة، ويتوحشون ليأمنوا في بيوتهم، ويتعصَّبون ليدافعوا عن وجودهم، إلى أن صار أمرهم، نتيجة تصرفاتهم تلك، أمرًا غير طبيعي، يدفع الناس إلى النفور من معايشتهم، ويجهدون في قطع علاقات التواصل معهم، حتى لكأنهم خلق آخر، لا يألفون أحدًا ولا أحد يألفهم... وها هي مظاهر حياتهم تثبت ذلك في كل عصر ومصر عاشوا فيه، حيث كانت مفاسدهم تنعكس دائمًا على علاقاتهم بغيرهم. فما إن يستظهرون حتى يسارعوا إلى العتوِّ والظلم، وإلى زرع الفتن والمؤامرات، ومحاولة الغلبة والسيطرة على بقية الشعوب، وعلى مقدراتهم وخيراتهم... لذلك كانوا دائمًا معتدين ظالمين، أو متآمرين مخادعين. وكان في علم الله ـــــــ سبحانه ـــــــ ما يتأصَّل في نفوسهم من شرور، فكان إعلامه ـــــــ سبحانه ــــــ لهم في الكتاب، أنهم ليُفْسِدُنَّ في الأرض مرَّتَين... وعادَ الإعلامُ نفسُهُ في القرآن الكريم يؤكّد للناس جميعًا بما وُعد به بنو إسرائيل في الكتاب.
لكنَّ هذا الإعلام القرآني مرتبط بوعيد، وهو أنَّ عودتهم إلى الفساد تتلازمُ مع سوء المنقلب عليهم، إذ سوف تعود الجماعة نفسها من عباد الله المؤمنين، الصادقين، المجاهدين، لكي تجوس خلال ديارهم وتنزل بهم سوء العذاب. ويؤكد النص القرآني على «ذات الجماعة» التي تسوم اليهود العذاب في المرة الأخرى، لأنَّ هذه الجماعة اختارها ربُّها لأداء هذه المهمة، وأوكل إليها أن تقتصَّ من المفسدين، وتجتثَّ الفسادَ الذي نشروه في الأماكن التي عمروها. ثم تعود هذه الجماعة وتدخل المسجد كما دخلته أوَّل مرَّة، بعد أن تدمِّر كل ما أقاموا تدميرًا...
سبحان الله العزيز الذي وسعت رحمته كل شيء، إذ على الرغم من الهلاك الذي يحلُّ ببني إسرائيل، فإن العليَّ القديرَ ينبِّههم بأن يعتبروا، ويوقنوا بوعد الله، ويؤمنوا به ربًّا عزيزًا حكيمًا، ويلتزموا بكتابه وسنَّة رسوله، فيرحمهم...ولكن إلى جانب هذا التنبيه اللطيف الرحيم، يأتي الوعيد والتهديد بأنهم إن لم يعتبروا، ولم يرعووا، فهم في النهاية كافرون، ومصير الكافرين معروف: إنه جهنم وبئس المصير...
ولقد جَهِدَ الباحثون في تقصِّيهم عن «الجماعة» التي تجتثُّ فسادَ بني إسرائيل مرَّتين، والتي عبَّر عنها القرآن الكريم بلفظ (عبادًا لنا). هذا التعبير الذي ينسجم مع الدور الذي يوكل إليهم من الله تعالى... فقالوا إن ذلك حدث في التاريخ عندما أفسدوا في الأرض أول مرة بقتل زكريا عليه السلام فبعث عليهم «جالوت» وجنوده فقتلوهم وسبوا نساءهم وأولادهم، وخرَّبوا بيت المقدس... وقالوا أيضًا إن ذلك حصل على يد أحد ملوك الفرس، أو على يد ملك بابل نبوخذ نصَّر، أو على يد أحد ملوك الرومان واسمه أنطياخوس... بحيث غزا ملوك من تلك الشعوب بيت المقدس، وقاموا بقتل اليهود وسبي أعداد كبيرة منهم، وأخذهم عبيدًا إلى بلادهم. وكان ذلك يتم كل مرة بعد هدم الهيكل، وما حوله من عمران!...
أما نحن فنرى أن عباد الله المقصودين في النص القرآني الكريم (في الآية 4 من سورة الإسراء) هم غير أولئك الذين ذُكروا... وندلل على ذلك بأربعة أمور:
الأمر الأول: يقول الله تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ}. فقد ورد عن المفسرين أنَّ الكتاب المقصود هو التوراة... ونحن نرى أن كتاب التوراة المقصود هو ما جاء ذكره في الآية (2) من سورة الإسراء في قوله تعالى: {وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً}...
أما الكتاب المقصود في الآية (4) من سورة الإسراء في قوله تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} فهو القرآن. ولفظة «الكتاب» هنا ـــــــ في هذه الآية ـــــــ تدل على العموم، فمن الممكن أن يكون الكتاب هو التوراة أو أن يكون هو القرآن الكريم. والذي يحدّد ذلك هو القرينة. ونستدل على هذه القرينة من الآيات الواردة في أواخر سورة الإسراء حيث يقول الله تعالى: {فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104)‏ وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً (106) قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً}. فالقرينة هنا تدل على أن «الكتاب» هو القرآن بدليل ذكر «وعد الآخرة» التي وردت في مطلع السورة، وبدليل أنه يذكر القرآن صراحة {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ}، وبدليل {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ} وهؤلاء هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، الذين يقولون إن القرآن هو من عندالله تعالى وأنما يَعِدُ به محقق لا مناص منه، لأن وعد الله تعالى واقع حتمًا ولا يحول شيء في الدنيا، مهما عظم، دون وقوعه ونفاذه.
واستنادًا إلى ذلك كله نرى أن لفظة «الكتاب» الواردة في الآية الرابعة من سورة الإسراء إنما تختص بالقرآن الكريم لوجود القرينة عليها في أواخر السورة.
وبعد هذا كلّه، إذا أصرَّ بعضهم على أن «التوراة» هي المعنية في الآية الرابعة المذكورة، بغضّ النظر عن القرائن التي سردناها، فإن القرآن المجيد قد وصفه الله تعالى بأنه «الكتاب» في قوله عز وجل: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} (سورة فصلت: الآية 3).
وسواء كان المقصود بالكتاب التوراة أو «القرآن» فالمهم أن القرآن قد تضمن الحكم الذي قضى به الله تعالى إلى بني إسرائيل. وهذا الحكم، الذي ورد في التوراة وأُخفي عن الناس، يجب ألّا يخفى بعدُ والقرآن بين ظهرانينا لقوله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} (سورة النمل: الآية 76).
إن ما سوف يحلّ باليهود، تحقيقًا لقضاء الله تعالى فيهم، سيقع لا محالة ما دام أن القرآن الكريم يؤكد وقوعه. وهذا ما يثبته قول الله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} (سورة المائدة: الآية 15). وواضح أن «الكتاب» هنا، الوارد ذكره في آخر الآية الكريمة، هو القرآن الكريم. وفي هذه الآية يذكر الله تعالى أنه قد بعث رسولَهُ محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم ليبيّن لأهل الكتاب (اليهود والنصارى) كثيرًا مما كانوا يخفونه مما جاء في التوراة والإنجيل. ومن ذلك الذي أُخفي وجوبُ اتِّباع محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والدخولُ في الدين الذي يدعو إليه. ومنه أيضًا ما سيؤول إليه أمر أهل الكتاب من اليهود والنصارى في الدنيا والآخرة إن هم لم يؤمنوا ببعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولم يصدقوا القرآن الكريم ويعملوا به...
ومن البراهين التي تدل على «وعد الآخرة» التي أتى على ذكرها القرآن الكريم في أواخر سورة الإسراء أن يجيء الله تعالى باليهود لفيفًا. واللفيف من الناس يعني المجتمعين من أماكن شتى، أو من جماعات مختلفة، لذلك يقال: جاؤوا ومن لفَّ لفَّهم، أي جاؤوا مع من انضمَّ إليهم... ويتأكد هذا المعنى لغويًّا أيضًا بقوله تعالى: {وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا} (سورة النبأ: الآية 16)، أي بساتين التفّت أشجارها وتكاثفت أغصانها بعضها على بعض لكثرتها... وبذلك يصبح معنى: {جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا}: جئنا بكم جماعات جماعات حتى تكثروا بعد أن ينضمَّ بعضكم إلى بعض... وهذا ما نراه اليوم بالعين المجردة حيث يتوافد اليهود إلى «دولة إسرائيل» بالمئات والألوف، من كل بلدان العالم وخصوصًا من الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية كلها... وهذا ما تعمل له منذ مدة طويلة الصهيونية المسيحية السياسية، والصهيونية اليهودية اللاهوتية، وقد رأينا أنهم يتخذون من نبوءات التوراة والإنجيل سبيلًا لتجميع اليهود في أرض «الميعاد»، لكي يصبح عددهم نحو تسعة ملايين شخص. وبعد ذلك، وبحسب نظرية الإنجيليين الأصوليين، تحصل حرب «هرمجدون» حيث يقضى فيها على اليهود، فلا يبقى منهم سوى مئة وأربعة عشر ألف شخص فقط هم الذين يتولون دفن موتاهم على مدى أسبوع من الزمان... ثم يظهر السيد المسيح في مجيئه الثاني، فيؤمن به اليهود، ويتحولون إلى نصارى، بحيث ينتهي المعتقد اليهودي في العالم. وهذا ما يورده كتاب «النبوءة والسياسة» كما تحدثنا عنه سابقًا...
ويبدو أن هذا الاعتقاد بات راسخًا في أذهان الملايين من المسيحيين واليهود.وبسببه نجد هذا الدعم الدولي في تهجير اليهود إلى فلسطين. وهي هجرة منظمة منذ سنوات طويلة، تقوم على إجراءات مدروسة. منها:
1 ـــــــ جواز السفر الذي تمنحه السلطات في الاتحاد السوفياتي للمهاجر اليهودي. وهو جواز خاص لا يصلح إلا لسفرةٍ واحدة. ويمكن استعماله من دون أن يكون صاحبه قد حصل على تأشيرة دخول إلى دولة أخرى، مما يجعل هذا المهاجر مدفوعًا للتوجه إلى «دولة إسرائيل» التي تستقبله فور نزوله من الطائرة، وتؤمن له المأكل.
2 ـــــــ تبرع خطوط الطيران في بعض دول أوروبا الشرقية مثل هنغاريا، ورومانيا وبولندة لنقل المهاجرين اليهود إلى فلسطين، ويتم نقلهم عبر عملية مدروسةٍ بدقة وسرّيةٍ تامتين، وذلك تحقيقًا لمآرب كثيرة تتوخى الدول التي تشارك فيها تأمين مصالحها الذاتية من خلالها.
3 ـــــــ اتخاذ الإدارة الأميركية قرارًا بتقييد انتقال اليهود المهاجرين إليها بقيود كثيرة وصعبة، فُرِضت بعد إطلاق حرية الهجرة لليهود من الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية. وذلك يهدف إلى جعل المهاجرين يتوجهون إلى «دولة إسرائيل» وليس إلى الولايات المتحدة الأميركية.
وإذا كان وهم المخططين لتلك الأمور يجعلهم يعتقدون بأن خططهم قد تحقق نتائجها فتقوم دولة إسرائيل الكبرى في حلم اليهود التاريخي، ويعود السيد المسيح ثانية في نبوءات الإنجيليين الأصوليين، فإننا نقول لهم أن ذلك قد يتحقق من حيث زيادة قوة اليهود واحتلالهم أراضي عربية جديدة، وإقامة الكيان اليهودي الذي يجمع معظم يهود العالم... لكن النتائج التي يتوخونها غير مضمونة، إذ سيحل الفناء بأكثرية سكان الأرض، وذلك نتيجة حرب نووية لا بد من أن تقع بسبب انتشار الفساد والظلم، وخصوصًا أن هنالك امتلاكًا لمخزون كبير من الأسلحة النووية. وقد ثبت أنه ما من سلاح اخترعه الإنسان، منذ بدء التاريخ وحتى يومنا هذا، إلَّا استعمل استعمالًا كاملًا. وعندئذٍ سوف تقع الكارثة على البشرية جمعاء، وليس على اليهود وحدهم... ولكن ما نستغربه حقًّا، هو كيف يرضى اليهود أن يجتمعوا من كل أقطار الأرض في فلسطين، في حين أن «النبوءات» التي تروّج لها الصهيونية تقول بأن اجتماعهم هو الشرط اللازم للقضاء عليهم؟.
خلاصة القول إنّ في القرآن الكريم إخبارًا عما قضى الله تعالى إلى بني إسرائيل من حكم عندما يرتكبون الفساد في الأرض مرتين. وفي علمه وحده ـــــــ سبحانه ـــــــ ما سيكون عليه مآلهم أو مصيرهم في مقبل الزمان من عمر الكرة الأرضية. ولعله هو الزمان الذي نشهده اليوم...
الأمر الثاني: إن الذين يقاتلون «بني إسرائيل» هم عباد لله تعالى. وحتى تنطبق عليهم لفظة «عباد لله» يجب أن يكونوا من المؤمنين بالله الواحد الأحد، غير مشركين به. فهم إذًا من أهل عقيدة التوحيد، وعليهم أن يقاتلوا من أجل إعلاءِ كلمة الله حتى الشهادة. ولولا هاتان الصفتان لما اصطفاهم ربُّهم ـــــــ سبحانه ـــــــ واختارهم لقتال قومٍ ما عُرفوا على مدار التاريخ إلَّا أعداءً لأنبياء الله، وللعباد جميعًا، لأنهم يتوهمون بأنهم شعب الله المختار، ولهم السيادة على سائر الشعوب، ولهم الحقّ في استعبادها، وإخضاعها لإرادتهم ومطامعهم...
والأمر الثالث: هو أن الجماعة المؤمنة التي بعثَها الله تعالى لتهزم بني إسرائيل وتجوس خلال ديارهم، يجب أن تكون هي الجماعة نفسها التي سوف يردُّ الله ـــــــ سبحانه ـــــــ لبني إسرائيل الكرَّة عليها... ولم نعلم في التاريخ أن اليهود حاربوا أهل فارس، أو أهل بابل، أو الرومان، واحتلوا بلادهم، وانتصروا عليهم... فاليهود ومنذ خروجهم من مصر أيام النبي موسى عليه السلام لم يؤسسوا لهم دولة يُعتدُّ بها إلَّا عندما امتثلوا لأوامر الله تعالى في ظل الأنبياء وبقيادتهم. ومنذ ذلك الوقت، لم يُعرف أنه قامت لبني إسرائيل دولة، بل لم يكن عندهم مجتمع معين خاص بهم، إلَّا ما أنشأوا من وحداتٍ آهلة في شبه جزيرة العرب كما في المدينة وخيبر، أو في اليمن على عهود بعض ملوك حمير... غير أنهم، بعد ظهور الإسلام، ونظرًا إلى عدم استجابتهم لهذا الدين وعدم قدرتهم على العيش في ظل دولة الإسلام التي كانت أول دولة عادلة أقامت شرع الله على الأرض بقيادة رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم... لهذه الأسباب جميعها خرجوا من الجزيرة العربية، فارتحلت جماعة منهم إلى أذرعات في سوريا، وذهبت أخرى إلى بيت المقدس في فلسطين... كذلك كانت تعيش جماعات منهم في بلدان شتى من أنحاء العالم...
إذًا فالتركيز هو على معاودة اليهود لبناء أنفسهم، وقيامهم بالكرَّة على الجماعة نفسها التي بعثّها الله عليهم أول مرة... فإن لم تكن لهم دولة، وقوة، وجيش، فكيف يمكن أن يعاودوا تلك الكرَّة؟
ثم إن الجماعة نفسها يجب أن يكون لها استمرارية، وطبعًا لا تكون هذه الاستمرارية بالأشخاص، ولا بالقيادات، بل يجب أن تكون بالعقيدة والرسالة. ثم يجب أن تكون عقيدتها الحقّ، كي يتوافق إعدادها وتربيتها مع وعد الله ـــــــ سبحانه ـــــــ الموعود... كذلك فإن استمرارية العقيدة للجماعة المؤمنة بها، ووحدة هذه العقيدة، تؤكدان استمرارية بني إسرائيل بسبب وحدة العقيدة التي يدينون بها: ألا وهي اليهودية... هذه اليهودية التي تطبعهم بطابعها الخاص كجماعة معيَّنة، بغضّ النظر عن الأفراد، والقادة والحكَّام... وهكذا يجب أن يكون عبادُ الله الذين يقاتلونهم في المرَّتَين، الجماعة نفسها من خلال وحدة العقيدة التي هي عليها، واستمرارية هذه الجماعة عبر هذه العقيدة...
والأمر الرابع: هو أن الدِّيار التي تحصل فيها الأحداثُ، يجب أن تكون مهمةً في نظر اليهود إذ هي الديار التي ينشئون فيها العمران، ويقيمون عليها ملكًا أو حُكمًا خاصًّا بهم... ولم يكن في الأرض كلِّها غير «فلسطين» أرض مهمّة لبني إسرائيل، إذ هم يعدّون أنها الأرض التي وعدوا بها في التوراة. وسواء أصحَّ اعتبارهم أم لم يصح، فقد أثبت التاريخ أنَّ تطلُّعهم هم وأنصارهم المحرضين لهم كان دومًا لأرض فلسطين. وقد عُرض عليهم إقامة دولةٍ لهم في إفريقيا أو في غيرها، فلم يرضوا بذلك، وأصرُّوا على الرجوع إلى فلسطين من أجل إعادة بناء هيكل سليمان، في بيت المقدس، زاعمين أنه كان قائمًا حيث المسجد الأقصى. لكون بيت المقدس، أو ما جاوره من الديار، كان مقرًّا أو ممرًّا لغالبية أنبياء الله تعالى: إبراهيم، وإسحق، ويعقوب، وشعيب، وداود، وسليمان، وزكريا، ويحيى، وعيسى ـــــــ عليهم السلام ـــــــ ولذا فهو يمثل في نظر اليهود الركيزة لبناء دولة يجتمعون فيها، بدل أن يظلوا مشردين في مختلف أنحاء الأرض...
والتركيز في الديار شيء مهم، لأنها المسرح الذي سوف تؤدي عليه حركة التاريخ ـــــــ بإذن ربها ـــــــ دورًا مهمًا في بقعة الشرق الأوسط من العالم، وتحديدًا في فلسطين وفي جوار بيت المقدس. وهو المكان نفسه الذي يعيّنه القرآن الكريم كما يدلُّ النص القرآني في قول الله تعالى: {وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ} (سورة الإسراء: الآية 7). والمسجد في هذا النص هو المسجد نفسه الذي جرى الإخبار عنه في الآيات السابقة التي وردت في مطلع سورة الإسراء وفيها إخبار بالحدث العظيم، بل بالمعجزة الخارقة التي حصلت للرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم عندما أسرى به ربه سبحانه من المسجد الحرام في مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس. ويثبت السياق القرآني هذه الحقيقة في تلازم الآيات وتتابعها، إذ يقول الله تعالى في مطلع سورة الإسراء: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (سورة الإسراء: الآية 1).
فالمسجد الأقصى قد بارك اللهُ حولَهُ، لكي يكون المكان الدائم والثابت الذي يراه الإنسانُ بأم العين، فيتخذه دليلًا على عظيم آياتِ الله، وقدرته سبحانه، وجميل بركاته. ومن دلالات بركات هذا المكان حصول معجزة المعراج فيه وهي معجزةٌ كبيرةٌ في معانيها البعيدة، وفي مراميها الخيِّرة. وقد شاء الله سبحانه أن يُريَ نبيَّهُ المصطفى من آياتِهِ البيِّنات مما لم يره أحَدٌ من العالمين، فيستدلُّ الناسُ بذلك على وجود اللهِ سبحانه وتعالى، وعلى حكمته في خلقه، وإخضاعِهِ هؤلاء الخلق جميعًا للقوانين التي يرسمها لهم، وللنُّظم التي يُنزلها عليهم...
وأما الحكمة من الإسراء والمعراج، فتتجلَّى، وفق مفهومنا البشري، بأن ذلك كان حدثًا استثنائيًّا، لا يدخُلُ في حسابات دورة الزمان، ولا ترصدُهُ حركة التاريخ. لكنَّ ارتباطه ببيت المقدس، وبالمسجد الأقصى بالذات، يعطي لهذا المسجد أهمية خاصةً في سير حياة البشرية، إذ يجعلُهُ الله تعالى شاهدًا على الأحداث التي تجري بين بني إسرائيل والمؤمنين، والتي تعبِّر عن تقلّب حركة التاريخ ومداولة الأيام بين الناس... كما جعله شاهدًا على «الإسراء والمعراج» بانفلاتهما من حركة التاريخ، ومن دورة الزمان...
وهنا تتجلى عظمة القرآن وهي تُثبتُ حكمة الله تعالى في خلقه، وفي مشيئته سبحانه كيف يبين الآيات لقوم يعقلون، ليدركوا أنَّ كلَّ أمرٍ مردُّه إلى الله، وكل شيء مصيره لمشيئة الله. ولا مجال إذًا لإنكار الناس هذه الحقيقة، ولا مجال لاتخاذهم من دونه ربًّا، ووكيلًا... ذلك ما يوصي به عباده في جميع الرسالات السماوية، كما فعل مع بني إسرائيل عندما أوحى إلى النبيِّ موسى عليه السلام ألَّا يتخذَ بنو إسرائيل من دون الله وكيلًا!...
وإذا أردنا أن نطبق ذلك كله على الواقع الذي حصل، والذي تثبته أحداث التاريخ، لتبيّن لنا بوضوح أن الإسراء حصل من مكة المكرمة نحو السنة الحادية عشرة لمبعث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أي قبل هجرته إلى المدينة المنورة بسنتين، وفي وقت لم يكن قد نشب فيه أي قتالٍ بين المسلمين واليهود بعد...
... وكان في المدينة من أمر اليهود ما كان، عندما لم يراعوا العهود ونكثوا بالمواثيق مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم راحوا يتآمرون، ويُؤَلِّبُون الناسَ عليه، حتى قاتلهم، وغزا ديارهم في خيبر وحولها، وفرَّق جموعهم، بحيث لم يبقَ في تلك الديار منهم إلَّا نفرٌ قليل، أقرَّه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على البقاء، شرط عدم التآمر على الإسلام وأهله...
وانتقل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى، واستمرت بعده فتوحات الإسلام، ودخل المسلمون المسجد الأقصى أيام الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه...
ومن يتقصَّ أخبار اليهود في بلاد العرب والمسلمين، يتبيَّنْ له فسادُهُم في الأرض، بما حاكوا من دسائس على أهل نجران حتى قتلوهم تلك المقتلة العظيمة وأحرقوهم بالأخدود، ثم تتبيَّن له فتنتهم بين الأوس والخزرج في يثرب، وما أوقعت دسائسهم من قتلى بين الفريقين ـــــــ وكل ذلك كان قبل الإسلام ـــــــ ثم يظهر له إصرارهم الشديد على محاربة الإسلام والكيد لرسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم.
وكان اليهود قد نشروا الفساد من حولهم حتى استشرى في بلاد العرب حيث كانوا يعيشون في رغدٍ من العيش... ثم جاءَ الإسلام فأرادَ الله سبحانه اجتثاثَ ذلك الفساد فإذِن لنبيِّه صلى الله عليه وآله وسلم بأن يقاتلهم ليسوءَ وجوههم، ثم تعقَّبهم المسلمون إلى بيت المقدس حيث تمَّ الفتح، ونشر الإسلام رايته في تلك الديار...
وتتعاقب الأيام، ويطبَّق حكم الإسلام في فلسطين حيث المسجدُ الأقصى، ويستمر الحكم الإسلامي حتى نهاية الخلافة العثمانية... وفي تلك الحقبة الطويلة كان اليهود، في كل أنحاء الأرض، يعدُّون العدَّة سرًّا، ويتهيَّأون للعودة إلى فلسطين، أي لإعادة الكرَّة على المسلمين... ويحين الوقت، وتأتي نكبة الحربِ العالمية الأولى على الخلافة العثمانية التي كانت آخر دولة إسلامية. ويكون وعد بلفور البريطاني عام 1917م بإقامة وطنٍ قومي لليهود في فلسطين. وتفعل السياسة البريطانية فعلها، وتُنتدب بريطانيا على فلسطين لتحقيق الحلم اليهودي...
وسخَّر اليهود الانتدابَ البريطاني لخدمتهم فتمّ اغتصاب فلسطين وإنشاء الدولة اليهودية، على أشلاء العرب المسلمين وفوق أرضهم وديارهم. وتحقق الحلم اليهودي وقامت الدولة العبرية عام 1948م بتواطؤ فاضح بين الحركة الصهيونية والدولة البريطانية...
وها هُمُ اليهود اليوم ما زالوا يستقوون ويستعلون، وما زالوا يتكبرون ويظلمون المسلمين من حولهم باحتلال أراضيهم، وتدمير منشآتهم، وتهديم عمرانهم، وغزو بلادهم، وما زالوا يذيقون المسلمين الذين يعيشون في ظل الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين أمرَّ العذاب، ويمارسون عليهم أقسى الإجراءات التعسفية الظالمة وأشدّها. وقد وصلت بهم الحال إلى اقتحام المسجد الأقصى عليهم وهم يصلّون، فارتكبوا مجزرة راح ضحيتها في الأمس القريب مجموعة من المسلمين. وكان ذلك في شهر ربيع الأول 1411هـــــــ (تشرين الأول 1990م).
وهكذا يمكن أن نخلص إلى قناعةٍ راسخةٍ وهي أنه مهما تألبت قوى الشر على المسلمين، ومهما قدّمت هذه القوى من دعمٍ لليهود بالرجال والأموال والسلاح، فإنَّ {وَعْدُ الآخِرَةِ} الذي قضاه الله تعالى إليهم في الكتاب سوف يتحقق لا محالة وسوف يجوس {عِبَادُ اللَّهِ} ـــــــ تعالى ـــــــ مخلصون له الدين، خلال ديارهم ويدمّرون ترسانتهم الحربية، ويهدمون ما عمرته أيديهم.
إنَّ الله تعالى لا يخلف وعده، فهو سبحانه عندما أتى على ذكر الوعد الأول في الآية رقم 5 من سورة الإسراء، فقال: {فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً}. وعندما أتى على ذكر وعد الآخرة في أواخر هذه السورة المباركة في الآية رقم 108، قال سبحانه على لسان أهل العلم من أهل الكتاب {وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً}.
فلا خوفَ إذن على الأمة الإسلامية مما يتوعدها به العالم كلّه، سواء باستعمال الأسلحة النووية أو بما هو أشدّ فتكًا منها...
إن الخوف على المسلمين إنما يكون من أنفسهم لا من غيرهم، لأنهم يملكون ما هو أشد قوة، يملكون العقيدة الصحيحة المبنيَّة على العقل والمتفقة مع الفطرة. وهذه العقيدة هي الرابطة الوحيدة التي تصل الإنسان بربّه حق الاتصال. كيف لا، والقرآن الكريم جزءٌ منها، وهو حبل الله الممدود: من تمسك به نجا ومن ابتعد عنه سقط وهوى...
والعقيدة هي ما عقد عليه القلب. والعقيدة الإسلامية هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر، خيرهما وشرهما. فيكون القرآن من العقيدة، وهو الكتاب الذي لم تستطع أن تحرِّفه أيدي البشر، لأنّ الله سبحانه قد أحاطه بعنايته.
والعقيدة التي يؤمن بها المسلمون، عليهم أن يعرضوها على الناس عرضًا حسنًا، لا أن يفرضوها فرضًا سيئًا، بذلك أمرهم ربّهم بقوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} (سورة البقرة: الآية 256).
فإذا آمن بها الناس ملكتهم وما يملكون. إذًا فبين أيدي المسلمين منهج واضح لعقيدة متكاملة، إذا أحسنوا تطبيقه على أنفسهم كانوا {خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} (سورة آل عمران: الآية 110)، وإذا أحسنوا عَرْضَهُ على الآخرين ازدادوا بمن اهتدى منهم قوّة وعددًا.
وبناءً عليه لا يكون الخوف على المسلمين إلا بابتعادهم عن دينهم، لأن هذا الدين الحنيف الذي ارتضاه الله تعالى لهم هو سرّ قوتهم وعماد نصرتهم. وقد أثبت المسلمون الأوائل ذلك، حيث إن الامبراطوريات التي دمروها، بقوة إيمانهم وصدق عزيمتهم، كانت أكثر منهم قوة وأشد منهم بأسًا.
إذًا فلا خوف على المسلمين إن هم آمنوا بهذه الحقيقة وعملوا لها، لأن الله تعالى هو معهم. وقد أنزل قرآنه المجيد بالحقّ، فلا مناص من أن يتحقق ما فيه. قال تعالى: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (سورة آل عمران: الآية 139).



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB