حركة التاريخ في المفهوم الإسلامي
الطبعة : الطبعة الاولى  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   112
تاريخ النشر :   1985




الفصْل الرابع: الصّهيونية وَحَركة التَّاريخ

الصهيونية
عندما يُسأل الكاتب «مارك رو نرونسكي» ـــــــ من مدينة واشنطن ـــــــ عن تعريفه للصهيونية، فإنه يقول: «بعضهم يعرّف الصهيونية بأنها نهاية المنفى وتجمّع كل اليهود». لكنها برأيه: «حركة سياسية توسعية استعمارية أدت إلى خلق دولة إسرائيل». ويبرهن عن رأيه بالقول: «أنا أعدّ الصهيوني كل من يوافق على أعمال دولة إسرائيل بغضّ النظر عن مدى خطورة أو خطأ هذه الأعمال».
أما الحاخام «موشيه لفينغر»، وهو قائد إرهابي أدين بتهمة التخطيط لاغتيال رؤساء البلديات العرب في إسرائيل وتدمير قبة الصخرة، فإنه يعرّف الصهيونية بقوله: «الصهيونية هي حركة لا تفكر على أساس عقلاني، بل على أساس الأوامر الإلهية، إن ما يهمّ فقط هو وعد الله لإبراهيم كما هو مدون في كتاب سفر التكوين».
والصهيونية في حقيقتها هي حركة مسيحيين قبل أن تكون حركة سياسية لليهود. وقد اتسمت دائمًا بالعنصرية. والغاية الرئيسية التي تهدف إليها هي تجميع اليهود من مختلف أنحاء العالم، في فلسطين، لتحقق ما تعدّه نبوءات التوراة والإنجيل ـــــــ كما يدّعي أنصارها ومحازبوها ـــــــ. والجدير بالذكر أنّ «منظمة الأمم المتحدة» ـــــــ ONU ـــــــ أقرَّت بأن الصهيونية نوع من أنواع العنصرية. أما المؤرخ البريطاني «توينبي» فيصف الصهيونية بأنها «عبارة عن إله مزيف» أو «أنها ديانة وثنية».
ونحن نكتفي بتلك الآراء حول معنى الصهيونية، لأنها كفيلة بإعطاء فكرة واضحة عن حقيقة هذه الحركة الدولية والمآرب التي تسعى إليها.
جذور الصهيونية:
ولدت فكرة الصهيونية في الأصل بين أحضان المسيحية البروتستانتية، أي قبل قرون من دعوة «هرتزل» مؤسس الصهيونية السياسية. وكانت أنشودة مسيحية قبل أن تصبح حركة سياسية يهودية، كما يقول «كينين» أحد أبرز القادة الصهاينة اليهود الأميركيين في كتابه (خط الدفاع الإسرائيلي).
لذلك فإن الأصوليين المسيحيين كانوا أول من نادى بعودة اليهود إلى فلسطين تحت شعار «فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض»...
أما موقف الكنيسة الكاثوليكية فقد كان إلى عهد قريب مغايرًا لذلك الاعتقاد، إذ كانت ترفض التصالح مع اليهود إلا إذا اعترفوا بالسيد المسيح عليه السلام واعتنقوا النصرانية. وقد رفضت فكرة الكيان الصهيوني في فلسطين من منطق لاهوتي صرف. وهذا ما عبَّر عنه بوضوح البابا «بيوس العاشر» عندما ذهب إليه «هرتزل» عام 1903م في محاولة منه لإقناعه بالموافقة على مشروع استيطان اليهود في فلسطين، فأجابه البابا بصراحة: «لقد أصبحت القدس مقدسة لعلاقتها بحياة السيد المسيح. ونحن لا نطيق ولا نسمح باستقرار اليهود هناك. اليهود لا يعترفون بمخلّصنا ونحن لا نعترف باليهودية. ولماذا الإصرار على القدس يا سيد هرتزل؟ لقد دمر هيكلكم إلى الأبد. فلعلكم تريدون إعادة بنائه وتقومون بالمذابح وتقديم الضحايا كما اعتدتم أن تفعلوا في الماضي؟».
ذلك كان موقف الكنيسة الكاثوليكية. أما اليوم فيمكن القول بأن الفاتيكان معترف ضمنيًّا بالوجود الصهيوني، ولم يعد يطالب بتدويل القدس كما كان يلح على ذلك في السابق. وقد تأكد الموقف الكاثوليكي الجديد في البيان الذي صدر عام 1973م عن اللجنة الأسقفية الفرنسية الكاثوليكية الخاصة بالعلاقات مع اليهودية. كما تأكد في تراجع الفاتيكان عن التصديق على البندين 20 و21 من توصيات ندوة الحوار الإسلامي المسيحي التي عقدت في طرابلس في ليبيا بعد أن كان الوفد المسيحي قد وقعهما، وقد جاء فيهما: «البند 20: إن الجانبين ينظران إلى الأديان السماوية نظرة احترام. وعلى هذا فإنهما يفرقان بين اليهودية والصهيونية كون الصهيونية حركة عنصرية عدوانية أجنبية عن فلسطين وعن كل منطقة الشرق». «البند 21: إن التزام الحقّ والعدل، والحرص على السلام والإيمان بحقّ الشعوب في تقرير مصيرها، يحمل كلا الجانبين على تأكيد الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وحقه في العودة إلى دياره، وعلى تأكيد عروبة مدينة القدس ورفض مشروعات التهويد والتقسيم والتدويل، واستنكار كل مساس بحرمة الأماكن المقدسة»...
وفي الأساس، فإن التغيير في الفكر المسيحي تجاه اليهود، قد بدأ منذ القرن السادس عشر عندما راحت الحركة الإصلاحية البروتستانتية تعمل على إحياء نصوص التوراة، وتقوم بتفسير النصوص المتعلقة باليهود تفسيرًا حرفيًّا لا يتطابق مع المعاني الحقيقية للتوراة، وذلك في محاولة لتهويد تلك النصوص وجعلها في متناول الشعوب المسيحية. ومنذ أوائل القرن السابع عشر راح البروتستانت الغربيون ينظرون إلى اليهود على أنهم شعب مميّز. وسيطر عليهم الاعتقاد بأن عودة اليهود إلى فلسطين شرط لتحقيق المجيء الثاني للسيد المسيح عليه السلام. كما كانوا يعتقدون بأنّ هذا ما يريده الله ـــــــ تعالى ـــــــ لأن المسيح عليه السلام يحمل معه الخلاص والسلام، وأنّ النصارى المخلصين سوف يعيشون مع السيد المسيح في فلسطين ألف سنة في سعادة وسلام قبل يوم القيامة طبقًا لبعض التفسيرات الحرفية لسفر رؤيا يوحنا اللاهوتي. ولقد أدى تيار الصهيونية المسيحية هذا إلى قيام الحركة الصهيونية ـــــــ السياسية ـــــــ وتشجيع اليهود على الالتفاف حولها.
وهنالك مراجع كثيرة تؤكد أن «هرتزل» لم يكن متشدّدًا في إيجاد كيان صهيوني في فلسطين، بل كان يريد تجميع اليهود في بقعة معينة من الأرض ـــــــ أيّ بقعة ـــــــ. غير أن الصهاينة المسيحيين هم الذين أقنعوه بأرض فلسطين، وراحوا يشدون أزره، ويقدمون لليهود مختلف أنواع المساعدات من أجل ذلك... فالمبشر «وليم بلاكستون» أهدى إلى «هرتزل» نسخة عن الكتاب المقدس بعد أن وضع عليها علامات تشير إلى عودة اليهود إلى الأراضي المقدسة. وهذه النسخة لا تزال معروضة إلى جانب ضريح «هرتزل» في القدس.
وفي المؤتمر الأول للحركة الصهيونية الذي عقد في مدينة بازل في سويسرا عام 1897، دخل «هرتزل» قاعة المؤتمر بصحبة القس البروتستانتي «وليام هشلر» فصاح هذا قائلًا: يحيا الملك. وخطب في الصهاينة المجتمعين بقوله: «استفيقوا يا أبناء إسرائيل فالرب يدعوكم للعودة إلى وطنكم القديم فلسطين»...
ومن الثابت تاريخيًّا أيضًا أن الكنيسة البروتستانتية لم تتوقف، منذ القرن السادس عشر الميلادي، عن العمل من أجل دعم تلك الفكرة بمختلف الوسائل ولا سيما تقديم الدعم المالي وتشجيع هجرة اليهود إلى فلسطين. يقول حاييم وايزمن في مذكراته: «وللقارئ أن يسأل: ما أسباب حماسة الإنكليز لمساعدة اليهود وشدة عطفهم على أماني اليهود في فلسطين؟ والجواب عن ذلك أنّ الإنكليز ـــــــ ولا سيما من كان منهم من المدرسة القديمة ـــــــ هم أشد الناس تأثرًا بالتوراة. وتديّن الإنكليز هو الذي ساعدنا في تحقيق آمالنا لأن الإنكليزي المتدّين يؤمن بما جاء في التوراة من وجوب عودة اليهود إلى فلسطين. وقد قدمت الكنيسة الإنكليزية في هذه الناحية أكبر المساعدات».
وهذا ما يؤكد من جديد أن الكنيسة البروتستانتية تنطلق من فكرة دينية بحتة تقوم على أنّ المجيء الثاني للسيد المسيح عليه السلام، لا يتحقق إلا بعودة جميع اليهود إلى فلسطين. لذلك لم تكن لديها منذ البداية مشكلة بالاعتراف بدولة إسرائيل أو بالكيان الصهيوني بعد إنشائه. بل على العكس كانت هي التي تعمل على إقامة هذا الكيان وإضفاء الشرعية اللاهوتية المسيحية عليه من خلال تفسيرات لاهوتية كاذبة تدّعي أن الكيان الصهيوني هو استمرار لدولة إسرائيل القديمة... بل إن هناك تيارًا قويًّا داخل الكنيسة البروتستانتية يدعو إلى عدم تبشير اليهود بالنصرانية لأنهم ما زالوا شعبًا مختارًا. وبالفعل فنحن اليوم لا نسمع عن أي تبشير مسيحي بين اليهود، بينما على العكس نحن نسمع عن تبشير يهودي بين النصارى... بل إن هناك من يقول بأن الحركة البروتستانتية التي ادعت أنها حركة إصلاحية لم تقم إلّا بفعل اليهود ولصالحهم؟ وقد ساعدها على النجاح أنها وجدت في الكثير من المسيحيين مؤيدين فاستخدمتهم لمصلحتها، ولكن تحت ستار الأفكار الدينية التي توائم ما بين العهد القديم والعهد الجديد، وذلك عن طريق إدخال نصوص، وحذف أخرى، وتعديل غيرها، بحيث تطمس النصوص التوراتية الحقيقية ولا يعود لها من وجود أو أثر في العالم.
وهذا ما أثبتته الدراسات والوقائع... لقد عُقدت مناظرة في لوس أنجلس في الولايات المتحدة بين أخينا في الإسلام السيد «أحمد ديدات» والقس الأميركي «جيمس سواغارت»، وهو من المبشرين بالمجيء الثاني للسيد المسيح عليه السلام، وكان عنوانها: «الإنجيل... كلمة الله». فأثبت السيد «ديدات» بالأدلة الحسيّة، وبالبراهين الواقعية أن في نسخ الأناجيل المتداولة بين أيدي الناس اختلافات كثيرة، وأنه ليست هنالك نسخة واحدة مثل الأخرى. بل إن النسخة الوحيدة التي قامت بتمحيصها مجموعة من الباحثين والمفكرين المسيحيين، وتعاون معهم في ذلك نحو خمسين شخصًا من مختلف المذاهب المسيحية، والتي عُدَّت أفضل نسخ الإنجيل وأدقها وأصدقها، قد دخل عليها بعد ذلك كثير من الحذف والإضافة... مما يؤكد أن الإنجيل أو الأناجيل المتداولة ليست هي الكتب المنزلة من الله عز وجل...
وقد حاول السيد «سواغارت» أن يدّعي بأن في القرآن اختلافًا وذلك عندما قال بأنَّ القرآن يذكر في سورةٍ من سوره أن يومًا عند الله ـــــــ تعالى ـــــــ مقداره خمسون ألف سنة، وفي سورة أخرى يذكر أن مقداره ألف سنة... ولو عرف السيد «سواغارت» الحقيقة، وكلف نفسه عناء البحث، أو القراءة على الأقل، لوجد أن ليس هنالك فيما ادّعاه أي اختلاف. ونوضح ذلك بما يلي:
يقول الله تعالى في الآيتين 4 و5 من سورة السجدة: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (4) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ}.
إن سياق هاتين الآيتين الكريمتين، والأجواء التي تحيط بهما، تدل بوضوح على الخلق ثم على تدبير شؤون هذا الخلق. فالخالق العظيم هو الذي يرعى شؤون خلائقه، وقد أحاط علمه بكل شيء، فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماوات. وفي تدبيره ـــــــ سبحانه ـــــــ لشؤون تلك الخلائق ـــــــ التي لا تحصى ولا تعدّ ـــــــ ما يجعل تصرّف أي منها في نية أو قول أو فعل خاضعًا لمشيئة المدبّر وحكمته. ومن فضل الله تعالى على عباده أن يعلمهم في القرآن الكريم بأمر هذا التدبير السنيّ الجليل، حتى يوقن كل مخلوق أنه أمام سمع خالقه وبصره، وأنه محوط برعايته ـــــــ جل جلاله ـــــــ وبواسع رحمته. ولكي يدرك المخلوق مقدار أهمية تدبير خالقه، يوضح له النص القرآني أن هذا التدبير يكون بحفظ الإنسان ورزقه. والأمر بذلك ينزل من السماء إلى الأرض ثم يرجع إليه ـــــــ سبحانه ـــــــ في يومٍ من الزمان، هو في حسبان بني البشر يوازي ألف سنة من أيامهم الأرضية... وإلى هذا ذهب ابن عباس رضي الله عنه بقوله: «ينزل الأمر والتدبير في دار الدنيا من لدنه ـــــــ سبحانه ـــــــ ثم يعرج إليه في يومٍ {كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} في الدنيا».
أما في سورة المعارج فيقول الله تعالى: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) لِّلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (2) مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (3) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا (5) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاء كَالْمُهْلِ (8) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (9) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (10)‏ يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ (13) وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ} (سورة المعارج: الآيات 1 ـــــــ 14).
واضح من هذه الآيات الكريمة، بل ومن أجواء سورة المعارج كلها، أن اليوم المقصود هو يوم القيامة لشدة أهواله بالنسبة إلى الكافر... هذه الأهوال التي يلاقي فيها الإنسان الكافر مختلف المصاعب وأشدّ أنواع العذاب في مدة مقدارها خمسون ألف سنة من أيام هذه الدنيا. وهذا بيان للكافرين لو يعون حقيقته لأقلعوا عن كفرهم، ولقضوا ما بقي لكل منهم من عمر في طلب العفو والغفران... أما المؤمن فيكون ذلك اليومُ «أخفَّ عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا» كما جاء في الحديث الشريف. فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «قيل يا رسول الله يوم كان مقداره خمسين ألف سنة... ما أطول هذا اليوم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «والذي نفسي بيده إنه ليخفَّف على المؤمن حتى يكون أخفَّ عليه من صلاة مكتوبة يصلِّيها في الدنيا».
تلك هي المقاصد من النصوص القرآنية في سورتي «السجدة» و«المعارج». فأي اختلاف بين النصين؟ لا، ليس في القرآن أي اختلاف على الإطلاق لأنه من عند الله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} (سورة النساء: الآية 82). وللعاقل أن ينظر ويعي ويحكم...
بعد هذا التوضيح نعود إلى البحث في الحركة الصهيونية التي طبعت من الأناجيل ما يخدم مطامعها القريبة والبعيدة وذلك بعد طمس «العهد القديم» وإخفائه، لتُحلَّ محلَّه تأليفاتٍ تتوافق وأغراضها الدنيوية بعيدةً كل البعد من تعاليم السماء التي وردت في التوراة والإنجيل والقرآن...
هدف الصهيونية العالمية:
لم يعد خافيًا على أحد أن ما تسعى إليه الصهيونية العالمية هو تحقيق «الوعد اليهودي». يستوي في العمل لأجل هذا الهدف الصهيونية ذات المفهوم السياسي التي يحمل لواءها البروتستانت الأصوليون، والصهيونية ذات المفهوم الديني التي تعني اليهود في العالم بأسره قبل غيرهم... وهذا الوعد هو عادة تجميع اليهود على أرض فلسطين، كونها لدى اليهود «أرض الميعاد»... وها هو العالم الغربي نفسه يشهد على ما تقوم به الحركة الصهيونية بفرعها المسيحي التي كانت متمركزة في البدء بإنكلترا، ثم راحت تتمركز ومنذ السبعينيات في الولايات المتحدة الأميركية، وبعض دول أوروبا. هذه الحركة تدعو إلى دعم «دولة إسرائيل» من أجل تحقيق مشروع «إسرائيل الكبرى» من الفرات إلى النيل، وذلك بعد تمكين اليهود من السيطرة على القدس، وإعادة بناء الهيكل محل المسجد الأقصى، لأن ذلك في زعم الصهيونية ومناصريها هو الشرط اللازم للمجيء الثاني للسيد المسيح عليه السلام. لهذا السبب حصل هذا التزاوج بين فكرة الصهيونية اللاهوتية (المسيحية) التي تقول بعودة المسيح عليه السلام ثانية من أجل تخليص العالم من الآثام التي يغرق فيها، وفكرة الصهيونية السياسية (اليهودية) التي تطمع في تحقيق الحلم التاريخي لليهود بإقامة دولة يهودية على «أرض الميعاد»، أي الأرض التي وعدهم الله تعالى بها كما يدَّعون. ولأجل ذلك هم يزوّرون الكتب السماوية والحقائق التاريخية...
وتتلاقى هاتان الفكرتان عند خط التقاطع الذي يجمع نحو تسعة ملايين يهودي ـــــــ من أصل 14 مليونًا في العالم كله ـــــــ على أرض إسرائيل الكبرى. أو ليس في هجرة اليهود اليوم بعد انتفاضة أوروبا الشرقية ما يشير إلى هذا التجميع الذي راحت بوادره تظهر في الهجرة المنظمة لليهود إلى أرض فلسطين؟
ولكن ما وسيلة ذلك وفقًا للفكر الصهيوني؟
الحرب النووية هي الوسيلة لتحقيق هدف الصهيونية
يجيب عن هذا السؤال المطروح المسيحي الصهيوني «هول لندسي» في كتابه «آخر أعظم كرة أرضية» فيقول «هول لندسي»: «إن الله قضى علينا أن نخوض غمار حرب نووية هرمجدون». وهذا يعني بحسب آراء «لندسي» أن هذه الكرة الأرضية، بكل ما تحفل به اليوم من عمرانٍ ومدنية وحضارة سوف يقضى عليها في القريب العاجل. وقد كان هذا في علم الله تعالى منذ البداية، كما يدّعي لندسي قائلًا: «إن الله ـــــــ تعالى ـــــــ يعرف أن ذلك سيحدث. إنه يعرف ذلك منذ البداية الأولى. لكن الله ـــــــ تعالى ـــــــ اخفى مخططه عن بلايين البشر الذين عاشوا قبلنا». أما الآن (وكما تقول هالسل في «النبوءة والسياسة») واستنادًا إلى لندسي نفسه: «فإن الله ـــــــ تعالى ـــــــ يكشف عن مخططه إلى لندسي، وإلى الآخرين أمثال جيري فالويل، وجيمس سواغارت، وبات روبرتسون الذين يبشرون بنظرية هرمجدون».
ولكن ماذا تعني هرمجدون لغويًّا؟ إن كلمة «هار» في اللغة العبرية معناها الجبل، و«مجيدو» هو اسم مكان في أرض فلسطين. ويزعم المبشرون الإنجيليون خصوصًا، ورجال الفكر الصهيوني عمومًا، أن الحرب النووية القادمة سوف يكون ميدانها «مجيدو» في فلسطين. وهو المكان نفسه الذي حصلت فيه معارك كثيرة سابقة من قبل جيوش غازية... ومن تلك التبشيرات «أننا نتحرك بسرعة نحو مأساة نووية». يقول أحدهم ويدعى «كلايد»: لقد كُتبَ السيناريو. فالله يأخذ زمام التاريخ البشري. أما «بيلي غراهام» فقد قال عام 1970: «إن العالم يتحرك الآن بسرعة كبيرة نحو هرمجدون. وإن الجيل الحالي من الشباب قد يكون آخر جيل في التاريخ». وفي مناسبة أخرى يقول «غراهام»: «إن أناسًا كثيرين يتساءلون أين تقع هرمجدون؟ إنها تقع إلى الغرب من الأردن بين الجليل والسامرة في سهل جزريل. وعندما شاهد نابليون هذا المكان العظيم مرة قال: إن هذا المكان سيكون مسرحًا لأعظم معركة في التاريخ. ذلك أن الكتاب المقدس يعلمنا أن آخر الحروب وأكبرها في التاريخ سوف تخاض في هذا المكان من العالم: الشرق الأوسط».
إنها نبوءة نابليون!... بل إنها نبوءة الإنجيليين العسكريين، التي ينسبونها إلى نابليون حتى يكون لها وقعها المؤثر في النفوس. أليس في ذلك تحريف واضح للكتاب المقدس إذ لمجرد أن رأى نابليون ذلك المكان خطرت بباله تلك النبوءة؟!...
ونعود إلى «هول لندسي» حيث يربط في كتابه (آخر أعظم كرة أرضية) نشوب الحرب النووية «هرمجدون» بقيام دولة إسرائيل فيقول: «إن دولة إسرائيل هي الخط التاريخي لمعظم أحداث الحاضر والمستقبل. وقبل أن يصبح اليهود أمة لم يكشف عن شيء، أما الآن وقد حدث ذلك فقد بدأ العد العكسي لحدوث المؤشرات التي تتعلق بجميع أنواع النبوءات... ولأنه يجب أن تظهر هنالك دوائر لقوى سياسية معينة، واستنادًا إلى النبوءات، فإن العالم كله سوف يركِّز اهتمامه على الشرق الأوسط، وخصوصًا على إسرائيل في الأيام الأخيرة».
فهل إن هذه الحشود من أساطيل الدولة، وآلاف الطائرات ومئات الآلاف من الجنود التي تحتشد اليوم في مياه الخليج وعلى أرضه، بعدما أقدم العراق على احتلال الكويت في آب 1990م، هي ما يدل على نبوءات لندسي؟! أم أنها في الحقيقة مخططات توضع في الخفاء، ويصار إلى إعلانها تحت ستار «نبوءات» الدينية، حتى يقتنع الناس بها لأنّ مصدرها إلهي؟!...
وتروي الكاتبة هالسل أن (لندسي) قال لها عام 1985م: «إن الجيل الذي ولد منذ عام 1948م سوف يشهد العودة الثانية للسيد المسيح. ولكن قبل هذا الحدث علينا أن نخوض حربين: الأولى ضد يأجوج ومأجوج، والثانية في هرمجدّون. والمأساة سوف تبدأ هكذا: كل العرب بالتحالف مع السوفيات سوف يهاجمون إسرائيل». وفي كتاب آخر (للندسي) اسمه (العالم الجديد القادم) يقول: «فكروا في ما لا يقل عن 200 مليون جندي من الشرق، مع ملايين أخرى من قوات الغرب، يقودها أتباع المسيح من الامبراطورية الرومانية المستحدثة (أوروبا الغربية)... إن عيسى المسيح سوف يضرب أولًا أولئك الذين دنسوا مدينته القدس. ثم يضرب الجيوش المحتشدة في مجيدو أو هرمجدون. فلا غرابة أن يرتفع الدم إلى مستوى ألجمة الخيل مسافة 200 ميل من القدس. وهذا الوادي سوف يملأ بالأدوات الحربية والحيوانات وجثث الرجال والدماء». ويقول (لندسي) أيضًا: «إن الأمر يبدو وكأنه لا يصدق! إن العقل البشري لا يستطيع أن يستوعب مثل هذه اللاإنسانية من الإنسان للإنسان، ومع ذلك فإن الله ـــــــ تعالى ـــــــ يمكّن طبيعة الإنسان من تحقيق ذاتها في ذلك اليوم... وعندما تصل الحرب الكبرى إلى هذا المستوى، بحيث يكون كل شخص تقريبًا قد قتل، تحين ساعة اللحظة العظيمة، فينقذ السيد المسيح الإنسانية من الاندثار الكامل. وفي هذه الساعة سيتحول اليهود الذين ينجون من الذبح إلى المسيحية. وسيبقى فقط 144 ألف يهودي على قيد الحياة بعد معركة هرمجدون»...
هذه بعض معتقدات (لندسي) عن هرمجدّون... فما هي آراء غيره من المبشّرين الصهاينة بهذه الحرب؟
يقول (جيري فالويل) في قداسٍ له عام 1984م: «إن كلمة هرمجدون تثير الهلع في نفوس الناس. سيكون هناك احتكاك أخير، وبعد ذلك فإن الله ـــــــ تعالى ـــــــ سوف يزيل الكوكب (أي الكرة الأرضية)... ويقول بطرس في كتاباته: «إن التدمير سيترافق مع حرارة عالية وانفجار ضخم... خلال مأساة هرمجدون سيتحرك عدو المسيح نحو الشرق الأوسط ويضع تمثالًا لنفسه في المعبد اليهودي، قدس الأقداس، ويطلب من العالم كله أن يعبدوه كإله... وسيذبح الملايين من اليهود المخلصين في هذا الوقت». (نلاحظ كيف أن المبشرين المسيحيين الصهاينة يركزون في ذبح اليهود من دون غيرهم من الشعوب الأخرى». مما يشي بالدس على الإنجيل وتحريفه حتى تتحقق الغايات المشبوهة من هذا التحريف وأقلها استدرار العطف على اليهود، وتقديم المساعدات لهم، والانصياع لأهوائهم...) ثم يتابع فالويل قائلًا: «لكن فئة قليلة منهم سوف تنجو، وسيتولى الرب بطريقة خارقة إخفاءهم من أجل نفسه طوال ثلاث سنوات ونصف من المحنة، بعضهم سيكون في مدينة البتراء ــــــــ الحمراء ـــــــ الوردية (في الأردن). أنا لا أعرف كيف، لكن الله سيحفظهم، لأن اليهود هم شعب الله المختار».
وينقل (فالويل) عن إصحاح زكريا وإصحاح إسحاق: «إن ساحة معركة هرمجدون سوف تمتد من مجيدو في الشمال إلى أيدوم في الجنوب مسافة نحو 200 ميل. وتصل إلى البحر الأبيض المتوسط في الغرب، وإلى تلال موهاب في الشرق مسافة 100 ميل تقريبًا. وستكون مدينة القدس هي النقطة المركزية للمنطقة كلها. وستتجمع في هذه المنطقة الملايين الكثيرة من الرجال (بحيث يصل عددهم إلى 400 مليون من دون شك) من أجل وقوع المأساة النهائية للإنسانية. ويتابع فالويل: «وجاء في الإصحاح 14/3 أن الملوك في جيوشهم سيأتون من الشمال والجنوب ومن الشرق والغرب. وبشكل درامي مثير سيكون هذا الوادي واديَ القرار حول مصير الإنسانية.
لماذا ستدور المعارك هنا؟ ولماذا يقود أعداء المسيح جيوشهم في العالم ضد المسيح الإله؟
أولًا: لأنهم يكرهون سيادة الله، فالمعركة دائمًا كانت من الشيطان ضد المسيح. تلك هي المسألة.
ثانيًا: لأن هذه الأمم سوف تأتي بسبب تضليل الشيطان.
ثالثًا: بسبب كراهية الأمم للمسيح شيء ما سيحدث خلال هذه المعركة: سيجف نهر الفرات (إصحاح 12/16) وسيتم تدمير القدس».
ويقول (فالويل) في تلك الخطبة من قدّاسه: «إن جون ـــــــ حنا ـــــــ رأى وحشًا في منامه، ورأى ملوك العالم بجيوشهم مجتمعين لشن حرب ضد الإله المسيح الذي يبدو في رؤيا جون رجلًا يمتطي حصانًا أبيض. وبنيما تقترب هرمجدّون من نهايتها، وملايين الأموات على الأرض، فإن الإله المسيح سيضرب الوحش والنبيَّ الكذاب (المعادي للمسيح) ويلقي بهما في بحيرة من نار تغلي فيها الحجارة. وسيذبح المسيح كل أعدائه الآخرين الذين ينجون من هرمجدُّون».
ثم إن (جيري فالويل) وهو يدرّس النبوءات التوراتية ـــــــ الإنجيلية يؤكد: «أن هرمجدّون هي حقيقة. إنها حقيقة مركبة. لكننا نشكر الله أنها ستكون نهاية أيام العامة (جنتيل) لأنها بعد ذلك سوف تعدُّ المسرح لتقديم الملك الرب المسيح بقوة وعظمة».
ويعتقد (فالويل) أن الوقت لم يعد طويلًا لحدوث هرمجدون. إذ إنه في المقابلة الصحفية التي أجرتها معه صحيفة «لوس أنجلس تايمز» في آذار 1981م قال: «أعتقد أننا واصلون إلى المأزق. إن كل التاريخ يصل إلى الذورة، وأنا لا أعتقد أنه بقي أمامنا 50 سنة أخرى، إنني لا أعتقد أن أطفالي سيعيشون حياتهم الكاملة».
ولنا أن نتساءل عن مدى صحة نظرية الحرب المدمّرة أو هرمجدون؟
إن هذه النظرية ـــــــ وكما رأينا ـــــــ يبشر بها المسيحيون الأصوليون. وهم يعتنقون فكرة «التدبيرية» ومآلها كما يخبر بذلك الدكتور (وال فورد) «أن الله ـــــــ عز وجل ـــــــ لا ينظر إلى جميع أبنائه بنظرة واحدة. بل ينظر إليهم على أنهم ينقسمون فئتين: اليهود والعامة (جنتيل). إن لله خطة أولى هي خطة أرضية من أجل اليهود، وإن لله خطة ثانية هي خطة سماوية للمسيحيين المخلصين... أما بقية شعوب الأرض من مسلمين وبوذيين وغيرهم من أصحاب الاعتقادات، والمسيحيين غير المخلصين، فالتدبيرية لا تشملهم»!!!...
إن هذه «التدبيرية» التي يؤمن بها الغني والفقير، والشهير والصعلوك، من المسيحيين واليهود الأصوليين (الصهاينة) تؤكد أن الناس الذين يعيشون اليوم على الكرة الأرضية هم الذين سوف يشهدون نهاية العالم، وقيام الحرب النووية المدمرة... وكثير من التدبيريين يحدّدون تواريخ معيّنة لقيام هذه الحرب. فالتلفزيوني الإنجيلي (بات روبرتسون) أعلن وأكد في التاسع من حزيران 1981م، أي بعد ثلاثة أيام من الاجتياح الإسرائيلي للبنان، أنه «مع نهاية عام 1982م ستكون هناك قيامة على الأرض. إن هذه القيامة ستكون في الاتحاد السوفياتي أساسًا. إنهم أولئك الذين سيخوضون المغامرات العسكرية وسوف يضربون... في الأيام الأخيرة عندما تتجمع إسرائيل من الأمم سوف تتسبب في قيام أمرٍ ما. هذا ما سوف يحدث. إني سوف أضع صنارة هنا في أفواه القوى المؤتلفة التي سيقودها شخص يدعى (هاجوج) في أرض (مأجوج) (بلاد الاتحاد السوفياتي)... إن هذا الأمر كله يأخذ الآن مكانه... إنه يمكن أن يحدث في أي وقت. ولكن مع نهاية عام 1982م لا شك في أن أمرًا كهذا سوف يحدث مما يحقق نبوءة حزقيال»...
ولنا أن نلاحظ هنا كيف أن هذا المبشر قد حدَّد نهاية عام 1982م لتدمر الحرب النووية العالم. وها نحن في عام 1991م فهل قامت القيامة؟ وهل حصلت معركة هرمجدُّون؟ لكنّ الشيء الخطير الذي يجب التنبُّه إليه، هو دعوة هذا المبشر، وجميع التدبيريين أمثاله، إلى تجميع اليهود من العالم كلِّه في فلسطين... إنَّ هذا هو ما تعمل عليه الصهيونية، ليلَ نهار، وهي تؤاخي بذلك بين النزعة اليهودية في تجميع اليهود من جميع أمم الأرض لهدف سياسيّ وهو إقامة الدولة اليهودية في فلسطين، والنزعة المسيحية البروتستانتية في تحقيق هذا التجميع لهدف دينيّ إذ إنه يؤدي إلى المجيء الثاني للسيد المسيح عليه السلام. تلك هي الغاية السياسية التي يعملون عليها في جميع الأقطار. وهم يتخذون من المعتقدات الدينية سبلًا لتضليل الناس وجعلهم يصدقون بما يحيكون لهم من المكائد والأضاليل...
نحن المسلمين نؤمن إيمانًا مطلقًا بأن الفساد ظهر في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس. وأن هذا الفسادَ سوف يُقضى عليه من قبل أولياء لله تعالى مخلصين، يضع ـــــــ سبحانه ـــــــ على عاتقهم تخليص الناس من الشرور، وتطهير الأرض من الفساد... وكما يعتقد المسيحيون بظهور «مسيح مخلِّص» كذلك نحن نعتقد بأن الله تعالى سوف يظهر أو يخرج أحد أحفاد الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وسوف يكون إلى جانبه أخوه عيسى ابن مريم عليه السلام، ليظهر الله تعالى دينه الحقّ على جميع الأديان الأخرى، فيعم بذلك السلام في العالم ويتحقق العدل. أما متى؟ وأين؟ فلا أحد من البشر يعلم ذلك، لأنه في علم الغيب، الذي اختص به الله تعالى نفسه وحجبه عن عباده جميعًا... لذلك فإن أي تدليل على حدوث هذا التحوّل في العالم بأمور مادية، أو بأحداث تحصل، إنما هو نوع من الدجل أو الخرافة التي يجب أن يبتعد عنها العاقل المدرك، والمفكر الرصين...
قد تبيّن الرشد من الغيّ:
وعلى المسلم ألَّا يأخذ إلا بما ورد في كتاب الله المبين، وفي الأحاديث الصحيحة عن رسوله الكريم. وها نحن نقدّم مثالًا يوضّح كيفية التأويل للمعتقدات المسيحية واليهودية، وما يقابلها في المعتقد الإسلامي، حتى يتبيّن الرشد من الغي... هذا المثال هو «الوحش» الذي يستدل به التدبيريون على حدوث «هرمجدون». ويقابله في العقيدة الإسلامية «دابَّةُ الأرض»... تروي الكاتبة (غريس هالسل) كيف أن مرافقها السيد «كلايد» قد وقف معها على أرض المدينة التي كانت تسمى «مجيدو» (على بعد 20 ميلًا من حيفا و15 ميلًا من شاطئ البحر المتوسط) وراح يشرح لها كيف أن تلك الأرض سوف تكون ساحة المعركة الأخيرة الكبرى. ومن الأدلة، التي يسوقها على ذلك، «الوحشُ» الذي ورد ذكره في «سفر الرؤية» للقديس يوحنا. قال لها: «إن الوحش يعني أنه سيكون هناك اتحاد قويّ من عشر دول أوروبية او مجموعات من الأمم سوف تظهر في الأيام الأخيرة. الآن نحن نعرف أننا نعيش في الأيام الأخيرة لأننا رأينا قيام هذا الاتحاد من دول أوروبية قوية ـــــــ وهو ما ندعوه السوق الأوروبية المشتركة أو المجموعة الأوروبية الاقتصادية ـــــــ ومن خلال دراسة النبوءات يستطيع الواحد منا أن يرى كيف أن الله ـــــــ تعالى ـــــــ أخبرنا مسبقًا عن جميع هذه التطورات. إن كل ما نقرأه عما يحدث في العالم اليوم يشير بوضوح إلى أن هذه المعركة سوف تحدث قريبًا جدًا»... هكذا يفسّر (كلايد) تعبير «الوحش» الذي ورد في سفر الرؤيا على أنه المجموعة الاقتصادية الأوروبية أو السوق الأوروبية المشتركة، وقيامها دليل على نهاية العالم!!...
تلك هي «نبوءات» «أسفارهم» ورؤى حكامهم ورجالاتهم... أما الدابّة التي تقابل «الوحش» عند المسلمين فقد ورد ذكرها في القرآن الكريم في الآية 82 من سورة النمل. قال تعالى: {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ}.
إذن نحن نتفق مع التفكير القائل بأن خروج الدابة هو من علامات الساعة. ولكن ماذا يعني خروجها؟ إن هذا الإنسان ليقتل، ويسرق، ويظلم، ويكذب... إنه يأتي بالمعاصي، ويفعل المنكرات... ومع ذلك فإن الله ـــــــ سبحانه وتعالى ـــــــ لم يؤاخذ الناس على أفعالهم تلك، ولم ينزل عليهم العذاب الماحق في دار الدنيا. لقد جعل لهم موعدًا لن يُخلفوه هو يوم الحساب الذي لا مفرَّ منه... وعلى الرغم من كل ما يفعله الإنسان، فإن الله تعالى غفور رحيم، تواب على عباده، يترك لهم الفرصة في الحياة الدنيا للعودة إليه، والإيمان بما أنزله، والعمل بما يرضيه تعالى... وفي ذلك التوبةُ النصوحُ لمن يغلب فيه استعدادُ الخير على استعداد الشر، فيعود عن غيّه ويحسب حساب لقاء ربه في الآخرة.
وعندما تقترب الساعة، فإن من علاماتها الحقة خروج الدابة من الأرض. وخروجها يكون لحكمة بالغة، هي أنه لن تقبل بعد اليوم توبةُ مشرك أو كافر. فقد انتهت الفرص التي منحها الله تعالى للناس، وحقّ القول على الآخرين، الذين لم يتوبوا من قبل، أن لا تقبلَ منهم توبة بعد ذلك، وإنما يقضى عليهم بما هم فيه. عند هذا الوقت، وعندما يقفل باب التوبة بمشيئة الله تعالى ــــــ لاقتراب الساعة ـــــــ يُخرج الله تعالى للناس الدابة تكلمهم... ولا يخفى أن الدواب لا تتكلم أو لا يفهم منها شيء. لكنهم يومئذٍ يسمعون كلام تلك الدابة، ويفهمون عنها، ويعلمون أنها الخارقة المنبئة باقتراب الساعة. وقد كانوا من قبل لا يؤمنون بآيات الله تعالى، ولا يصدقون باليوم الموعود... هذا هو تفسيرنا الإسلامي لظهور الدابة... أي إنها أمارة من أمارات الساعة، التي يخرجها الله تعالى من الأرض كخارقة حيّة تُنبئ بصدق آيات ربنا العظيم، وتدلنا على أن يوم القيامة آتٍ لا ريب فيه، وأن كل نفس بما كسبت رهينة.
ونستخلص مما تقدم أن الصهيونية تعمل اليوم على نشوب حرب نووية مدمرة، تتذرع بأنها حرب قدسية، وردت في التوراة والإنجيل. وتلك هي معركة «هرمجدون»... والغريب في الأمر أن التدبيريين يعتقدون بأن السيد المسيح عليه السلام هو الذي سيكون بطل هذه الحرب، وسوف يقضي على معظم الناس!. وهذا ما يؤكده السيد (كلايد) في حواره مع مؤلفة كتاب (النبوءة والسياسة) ـــــــ الذي نستقي منه معظم معلوماتنا عن التدبيريين وعن الصهيونية ـــــــ إذ تسأله السيدة هالسل: «هل يفسر النصوص التوراتية على أن المسيح كقائد أعلى سوف يدمر القوى المتحالفة ضده باستعماله الأسلحة النووية؟» فيجيب كلايد: «نعم... وفي الواقع يمكن لنا أن نتوقع أن يوجه المسيح الضربة الأولى. سوف يكشف عن سلاح جديد. وهذا السلاح سيكون له الآثار نفسها التي تسببها القنبلة النيوترونية»... وعندما تسأله ثانية: «هل المسيح نفسه سيوجه الضربة الأولى؟» يجيب كلايد: «نعم إن المسيح سيعود إلى الأرض لإعادة إقامة حكم الله ولتحقيق السلام العالمي. وسوف يتولى زمام قيادة العالم. وسوف يقوم بذلك كله من مركز قيادته في القدس». وعندما تسأله: «وماذا عن الشعب اليهودي الذي يعيش في إسرائيل؟» يجيب كلايد: «إنَّ ثلثي اليهود الذين يعيشون هنا سوف يقتلون. وقد ورد ذلك في زكريا 89/13. هنالك نحو 13 مليون ونصف المليون يهودي في العالم اليوم، وإن الله يخبرنا أن 9 ملايين يهودي سوف يقتلون في هذه المعركة ـــــــ أي أكثر من كل اليهود الذين قتلوا على أيدي النازية ـــــــ. سوف يسيل الدم بحيث إن الله يشبهه بالخمر المعصور. وعلى مدى 200 ميل فإن الدم سوف يصل إلى ألجمة الخيل». ويضيف كلايد: «إن الله يفعل ذلك بصورة أساسية من أجل شعبه القديم اليهود... لقد حدّد فترة السنواتِ السبعِ هذه ليطهِّر اليهود وليحملهم على رؤية النور والاعتراف بالمسيح كمخلّصهم».
وتعلق الكاتبة قائلة: «إنني أعترف أن تفسيره هذا يربكني. هل اختار الله اليهود من بين كل شعوب العالم ليكونوا أصفياءه، فقط من أجل أن يبيد معظمهم؟».
أهداف الصهيونية:
وهكذا يمكن لنا أن نتبيّن أن كل الطاقات والقوى التي تحشدها الصهيونية العالمية إنما ترمي إلى تحقيق هدفين استراتيجيين: الأول: جمع اليهود في فلسطين لإقامة إسرائيل الكبرى. والثاني: إعادة بناء هيكل سليمان.
الهدف الأول: جمع اليهود في فلسطين.
تقول «هالسل» في كتابها «السياسة والنبوءة»: «إن أكثر من 40 مليون أصولي إنجيلي يؤمنون بأن الله ـــــــ تعالى ـــــــ يفضل اليهود على الغرب، وبأن اليهود هم شعب الله المختار». وتنقل عن أحدهم قوله: «عندما خلق الله ـــــــ تعالى ـــــــ الكون أعطى بركته لليهود... من أجل ذلك فإن اليهود هم أفضل من جميع الناس، وقد أراد منذ أول الأمر أن يحصلوا على ملكية الأرض المقدسة. ولقد حسم الله ـــــــ تعالى ـــــــ هذا الأمر ومنح تلك الأرض لليهود».
ونحن المسلمين لا يمكننا تقبُّل تلك المعتقدات لأن قرآننا يبطل ادعاء اليهود بأنهم «شعب الله المختار» وذلك في قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} (سورة المائدة: الآية 18).
القرآن الكريم يدحض هذه الادعاءات الباطلة. وهو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. والإنجيليون الأصوليون ماضون في معتقدهم بأن الله تعالى منح اليهود وذرياتهم الأرض من النيل إلى الفرات... ومن هذا المنطلق فلا فرق بنظر الصهاينة جميعًا ـــــــ مسيحيين ويهودًا ـــــــ بين يهودي وآخر. فهم جميعًا من ذرية واحدة، ويجب أن يعودوا إلى فلسطين. يستوي في ذلك مثلًا مناحيم بيغن، ذو الأصل البولندي، الذي وصَلَ إلى منصب رئيس الوزراء في دولة إسرائيل، مع أي يهودي من الفلاشا في الحبشة، او مع أي يهودي كان يعيش على أرض فلسطين... من هنا ندرك أهمية قانون الهجرة الذي سنته دولة إسرائيل، والذي يمنح جنسيتها لأي يهودي (من أم يهودية) أو لمن تحوّل إلى اليهودية، ويفتح أمامه الباب على مصراعيه لكي يأتي ويستوطن في إسرائيل.


المسيحيون الصهاينة في خدمة الوطن القومي اليهودي
وإذا كانت لليهود مطامع نابعة من حلمهم التاريخي، فما بال هؤلاء المسيحيين الإنجيليين الذين يبذلون كل جهد لأجل تجميع اليهود في فلسطين على الرغم من العداوة والبغضاء التي تنطوي عليها نفوس النصارى واليهود تجاه بعضهم بعضًا... بل ومن الغريب حقًّا أن يكون البروتستانت الإنجيليون هم الذين ابتدعوا حركة تشجيع اليهود للانتقال إلى فلسطين وذلك قبل ثلاثة قرون من المؤتمر اليهودي الصهيوني الأول. وتعطي السيدة «هالسل» الأدلة على ذلك بالقول: «إنه في منتصف عام 1600م بدأ البروتستانت كتابة معاهدات تعلن بأن على جميع اليهود مغادرة أوروبا إلى فلسطين. فقد أعلن (أوليفر كرمويل) بصفته راعيًا للكومنولث البريطاني: أنَّ الوجود اليهودي في فلسطين هو الذي يمهّد للمجيء الثاني للمسيح. وفي عام 1655م أعلن البروتستانتي الألماني (بول فلجن هوفر): أن اليهود سوف يعترفون بالمسيح على أنه مسيحهم بمناسبة مجيئه الثاني. وفي عام 1839م حثَّ (اللورد أنطوني أشلي كوبر) جميع اليهود على الهجرة إلى فلسطين لأنهم يؤدون دورًا رئيسيًّا في الخطة الإلهية حول المجيء الثاني للسيد المسيح. وقد قال ببساطة ـــــــ تضيف الكاتبة ـــــــ: إن أرض فلسطين هي في متناول اليد، مستعملًا هذا النص: إنَّ أرض فلسطين بلاد من دون أُمَّةٍ لأمة من دون بلاد. وهو النص الذي رفعه اليهود الصهاينة شعارًا لهم وهم يرددون: «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض»... من أجل ذلك راح اللورد الإنكليزي يمارس تأثيره على عمه اللورد بالمرستون، وزير الخارجية آنذاك، لفتح قنصلية بريطانية في القدس. وبالفعل فقد أعلن وزير الخارجية البريطاني عام 1839م أن عليه، بصورة خاصة، أن يحمي اليهود الذين يعيشون في فلسطين، وقد كانت في ذلك الوقت جزءًا من الامبراطورية العثمانية... وفي عام 1841م كتب هنري تشرشل ـــــــ ضابط الأركان البريطانية في الشرق الأوسط ـــــــ إلى «موسى مونتغيور»، وكان رئيس مجلس الممثلين اليهود في لندن، قائلًا: لا أستطيع أن أخفي عليك رغبتي الجامحة في أن أرى شعبك يحقق مرة أخرى وجوده كشعب... وفي عام 1845م اقترح «إدوارد بتفورد»، من مكتب المستعمرات في لندن، إقامة دولة يهودية في فلسطين تكون بحماية بريطانيا العظمة على أن ترفع عنها الوصاية لمجرد أن يصبح اليهود قادرين على الاعتناء بأنفسهم...
وهكذا تستنتج السيدة «هالسل» أنه لمدة مئة وخمسين سنة كان المسيحيون ـــــــ في بريطانيا بالدرجة الأولى، وفي مناطق أخرى من أوروبا، ثم بعد ذلك وبدرجة كبيرة في أميركا ـــــــ المدافعين الوحيدين عن الصهيونية. وقد عمل البروتستانتيون بكل قواهم على حث اليهود على التوجه إلى فلسطين والعيش منفصلين عن العامة (جنتيل)... إن عبارة المسيحيين الصهاينة أو الجنتيل الصهاينة قد تعني صهيونية ذات دوافع توراتية أو لاهوتية. لكن الكاتبة «رجينا شريف» ترى غير ذلك في كتابها «الصهيونية غير اليهودية» عندما تقول: بالإضافة إلى عامل النفوس فإن للمسيحيين الصهاينة أسبابًا سياسية... وإن هذه الأسباب كانت منذ البداية أكثر أهمية من الاعتقادات الدينية»...
وتؤكد السيدة «هالسل» على أنَّ اليهود الصهاينة اليوم ينسبون الفضل إلى المسيحية الصهيونية في مساعدتهم على تحقيق هدفهم في إيجاد دولة يهودية. وهي تستشهد على ذلك بخطاب السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة «بنجامين ناتنياهو» الذي ألقاه في 6 شباط 1985م، أمام المسيحيين الصهاينة، وقد قال فيه: «لقد كان هناك شوق قديم في تقاليدنا اليهودية للعودة إلى أرض إسرائيل. وهذا الحلم الذي كان يراودنا منذ ألفي سنة تفجَّر من خلال المسيحيين الصهيونيين... إن كتابات هؤلاء من الإنكليز والأميركان أثَّرت بصورة مباشرة في تفكير قادةٍ تاريخيين أمثال لويد جورج، وأرثر بلفور، وودر ويلسون في مطلع هذا القرن. إنَّ الكتاب المقدس ذكر هؤلاء الرجال. إن حلم اللقاء العظيم أضاء شعلة خيال هؤلاء الرجال الذين أدوا دورًا رئيسيًّا في إرساء القواعد السياسية والدولية لإحياء الدولة اليهودية». وتعلق الكاتبة على ذلك قائلةً: «وهكذا فإن تأثير المسيحيين الصهاينة في الساسة الغربيين هو الذي ساعد اليهودية الصهيونية الحديثة على تحقيق هدفها في إعادة ولادة إسرائيل»...
وكما حث المسيحيون الصهاينة الأوائل اليهود على التوجه إلى فلسطين فإن المسيحيين الصهاينة اليوم أمثال «جيري فالويل» يحثون اليهود على الذهاب إلى ما يتعدى فلسطين، وأن يطالبوا بكل الأراضي العربية التي تمتد من نهر الفرات في الشرق حتى النيل في الغرب. فقد صرَّح «فالويل» في 6 شباط 1973م إلى صحيفة «كوريو تايمز ـــــــ تلغرام» في تكساس: «أنه يفضل أن يصادر الإسرائيليون أجزاء من العراق، وسوريا، وتركيا، والعربية السعودية، ومصر، والسودان، وكل لبنان والأردن والكويت... ثم أضاف: لقد بارك الله أميركا لأننا تعاونّا مع الله في حماية إسرائيل التي هي عزيزة عليه».
وترى الكاتبة أن كل المسيحيين الذين يؤمنون بحق اليهود في فلسطين يعتقدون بأن على اليهود «امتلاك كل الأرض التي وعدهم الله بها قبل أن يتمكن المسيح من العودة». وهم يروِّجون لأجل ذلك بعبارة «الفداء» التي تعني (كما هي مستعملة اليوم في إسرائيل) امتلاك أراضي العامة ـــــــ جنتيل ـــــــ في إسرائيل الكبرى سواء من خلال الشراء الشرعي، أو الشراء القسري، أو المصادرة. كما يعتقد كثير منهم بأن هنالك نصوصًا توراتية تنقل عن الله ـــــــ عزّ وجلّ ـــــــ «اختياره أقصى العنف كسياسة إلهية»... ومن قبيل تلك النصوص المقطع (110) الذي يتحدث عن «يهوه وهو يسحق الرؤوس ويملأ الأرض بجثث غير المؤمنين». والمقطع (137) الذي «يعرب عن الرغبة في الانتقام بالقبض على الأطفال البابليين وإلقائهم فوق الصخور»... «هكذا ـــــــ يقول أحدهم ـــــــ يجب على الإسرائيليين أن يعاملوا العرب»... فهل نستغرب بَعْدُ قيامَ اليهود بالمذابح، مثل مذبحة دير ياسين عام 1948م، أو قصف مدرسة للأطفال في الإسماعيلية، أو الإشراف على مذبحة صبرا وشاتيلا عام 1982م، أو مذبحة المسجد الأقصى في القدس في شهر تشرين الأول 1990م؟!.
تلك هي بعض النماذج عن تفكير الصهيونية المسيحية واليهودية في كيفية تعامل اليهود مع العرب، وضرورة احتلال أراضيهم بالقوة والعنف لتحقيق إقامة إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل.
الهدف الثاني: إعادة بناء هيكل سليمان.
لم يعد خافيًا، ووسائل الإعلام تردد بين الحين والآخر، أن هنالك إرهابيين في دولة إسرائيل يقومون بمحاولات حثيثة لتقويض المسجد الأقصى وهدمه، وذلك ضمن سياسة يهودية مدروسة غايتها هدم الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في القدس لإعادة بناء الهيكل اليهودي، أو هيكل سليمان عليه السلام كما يزعمون.
واليهود ينظرون إلى هذا الأمر من زاوية تحقيق حلمهم التاريخي في إعادة بناء مسجد سليمان عليه السلام، في حين أن الصهيونية المسيحية تنظر إلى هذا الأمر من زاوية دينيّة. ففي اعتقادها أن هدم المسجد الأقصى سوف يثير حفيظة الأمة الإسلامية، ويدفعها لشن حرب مقدسة ضد إسرائيل، فتثور ثائرة العالم بأجمعه، ويحدث الزلزال النووي المدمِّر، مما يؤدي إلى تدخل المسيح عليه السلام!...
هذا ما يتوهمه المسيحيون المتطرفون من الإنجيليين، وهم يدفعون اليهود للقيام به، وذلك بتقديمهم للإرهابيين في إسرائيل كل دعم مادي ومعنوي... وهذا ما يدعو إليه «هول لندسي» في كتابه «آخر أعظم كرة أرضية» إذ يقول: «لم يبق سوى حدث واحد ليكتمل المسرح تمامًا أمام دور إسرائيل في المشهد العظيم من مأساتها التاريخية، وهو إعادة بناء الهيكل القديم في موقعه القديم. ولا يوجد سوى مكان واحد يمكن بناء الهيكل عليه استنادًا إلى قانون موسى في جبل موريا حيث شيد الهيكلان القديمان»...
يقال إن أحد الهيكلين اللذين يتحدث عنهما «لندسي» قد تم بناؤه في القدس عام 950ق.م. وقد دمر هذا الهيكل على أيدي البابليين عام 587ق.م. والآخر شيد عام 515ق.م. ودمّر على أيدي الرومان في عام 70ب.م. ولكن من الثابت أن جميع الدراسات التي أجريت لتحديد مكان هذين الهيكلين، والتي قام بها علماء الآثار في أثناء التنقيب عنهما، لم تتوصل إلى تعيين هذا المكان. وعلى الرغم من ذلك فإن النظرية اليهودية، ومن يساندها، ترى أنهما كانا مشيدين في المكان الذي يوجد فيه الآن المسجد الأقصى في القدس. فالغاية إذن هي هدم هذا التراث الديني الإسلامي الذي يمثل ما يمثل من القدسية بالنسبة إلى المسلمين. فهو ثاني الحرمين الشريفين بعد مكة المكرمة، وهو المكان الذي يربط بين الإسراء والمعراج: المعجزة التي يؤكدها القرآن الكريم والتي لها دلالاتها العظيمة في حياة الناس...
وفي اعتقادنا أن عملية إعادة بناء الهيكل مكان المسجد الأقصى ليست في حقيقتها إلّا هدم ما يمثله هذا المسجد من معتقدات سماوية جاء بها خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فهل يستفيق المسلمون من غفلتهم ويدركون ما تخطط له الصهيونية لهدم المسجد الأقصى؟ ولم لا يكون ذلك حافزًا لهم على تدارك الأمر قبل وقوعه حتى لا يكون كل واحد منهم مسؤولًا عند ربه؟!. إنه نداء تحذيري نوجهه إلى المسلمين كافة، وفي كل أقطار الأرض: هلموا أيها المسلمون، إن دياركم المقدسة في فلسطين باتت على وشك الزوال، فأعدوا العدة للدفاع عن فلسطين ومقدّساتها... أعدّوا ما استطعتم من قوةٍ لصون هذه الديار، وإلّا فإن ذهابها إلى عدوِّكم واقع لا محالة... ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!!!


لا حقَّ لليهود في فلسطين:
ونحن، عندما نوجه هذا النداء، إنما نعتمد على قرآننا المجيد الذي تدحض آياته الكريمة كل ادعاءات اليهود والمتطرفين الإنجيليين. إذ لا حقَّ لليهود في أرض فلسطين من دون شعبها الإسلامي، لأن معتقدهم في الإرث التاريخي معتقد باطل، وهو مجرَّدُ وَهْمٍ اختلقوه لأغراضٍ دنيوية. وقد ظهرت أغراضهم في احتلال أراضٍ عربية، بعد أن هيأوا لذلك منذ القرن السادس عشر الميلادي حتى أمكنهم إقامة وطنهم القومي اليهودي في فلسطين عام 1948م. ثم قاموا بعد سنوات، أي عام 1967م باحتلال أجزاء من أراضي مصر وسوريا والأردن. وفي عام 1982م قام اليهود وأمام سمع العالم وبصره بغزو لبنان واحتلال أول عاصمة عربية ـــــــ بيروت ـــــــ ثم انكفأوا بعد بضع سنوات إلى الجنوب حيث أقاموا ما يسمى «بالشريط الحدودي»، وهو في الحقيقة احتلال إسرائيلي لأجزاء من أرض لبنان، وبمعاونة عملاء لليهود يقدمون لهم الطاعة والولاء على حساب مصلحتهم الوطنية، وكرامتهم الشخصية...
وقد قام اليهود بذلك كله، وهم يرددون على مسامع العالم بأنهم قوم ضعاف، وبأن العرب يريدون القضاء عليهم ورميهم في البحر!... حتى إذا افتضحت حقيقة هذه الأكذوبة التي استفادوا منها ردحًا من الزمن، كشَّر اليهود عن أنيابهم وأعلنوا رفضهم للمؤتمر الدولي الذي يمكن، بنظرهم، أن ينهي مشكلة الشرق الأوسط، ويضع حدًّا للصراع العربي ـــــــ الإسرائيلي، الذي تريد «إسرائيل» استمراره حتى تحقق مطامعها جميعها...
وإلى الذين ما زالوا يشككون في نوايا اليهود، ويؤمنون بالحلول السلميّة معهم، نقول: ليعتبروا من أفعالهم، أو لِيفكروا في أقوالهم فيرَوا الحقيقة كما هي. وآخر هذه الأقوال ما ورد على لسان رئيس حكومتهم إسحق شامير بتاريخ 20/11/1990م. لقد قال بالحرف الواحد: إن على إسرائيل الاحتفاظ بالضفّة الغربية وقطاع غزة للمهاجرين اليهود الذين يحقّ لهم الإقامةُ في بلاد إسرائيل من البحر المتوسط إلى نهر الأردن، ولو أدّى ذلك إلى إثارة استياء المجتمع الدولي برمّته.
وقد استعمل اليهود، عبر تاريخهم الطويل، أساليب متنوعة من الخداع، والدهاء، والخبث. كما برز ذكاؤهم باستخدامهم لمعظم العالم المسيحي، وذلك بما أدخلوا على التوراة وعلى الأناجيل من نبوءات كانت من صنع أيديهم، افتروها افتراءً ليؤثروا في العقل المسيحي ويغلّفوه بالضلال والبهتان، فيسير وراءهم العالم المسيحي مقدمًا لهم كل ما يرغبون فيه من دعم مادي ومعنوي... لذلك نجد اليهود اعتمدوا منذ البداية على الإنكليز، ثم بعد أن ظهرت أميركا كقوة عظمى، ولا سيما بعد الحربين العالميتين في هذا القرن، ارتموا في أحضانها، لكي يستمدوا منها العون والمدد... لكن الكثيرين من ساستهم ما زالوا يأتمرون بأوامر الإنكليز. وهذا ما يبرزه «إسرائيل شاهاك»، وهو أستاذ في الجامعة العبرية في فلسطين، ويُعدّ نفسه ناقدًا لسياسة «إسرائيل» التوسعية، عندما يقول: «إن طبيعة الصهيونية هي البحث الدائم عن حام ومعيل. في البداية توجه الصهيونيون السياسيون (اليهود) إلى إنكلترا التي قدمت لهم ذلك. الآن يتوجه الصهيونيون إلى الولايات المتحدة الأميركية، ويعتمدون كليًّا عليها، ماديًّا ومعنويًّا. ولقد أقاموا هذا الحلف مع اليمين المسيحي الجديد الذي يبرر أي عمل عسكري أو إجرامي تقوم به إسرائيل.
وأدرك قليل من الإسرائيليين والأميركيين أن التدفُّق غير المحدود لبلايين الدولارات الأميركية سوف يؤذي إسرائيل بحيث يعطِّل قدراتها ويُخَفِّفُ من طموحاتها. في حين يرى تحالف اليمين اليهودي مع اليمين المسيحي أن على الأميركيين أن يواصلوا إرسال المزيد من المساعدات إلى دولة إسرائيل».


الدعم الأميركي لدولة الصهاينة:
لقد وضعت الدولة العبرية نُصبَ عينيها ثلاثة أهداف تريد تحقيقها من الولايات المتحدة الأميركية وهي: الدعم المالي، جعل الكونغرس الأميركي مجرد «خاتم ـــــــ مطاطي» للموافقة على أهدافها السياسية، الدعم العسكري.
وفي الحقيقة: إن الصهيونية بجناحيها اليهودي والمسيحي تعمل للحصول على مختلف أنواع الدعم لدولة «إسرائيل» ومن مختلف دول العالم، لكنها تجعل من الولايات المتحدة الأميركية ركيزتها الأساسية لهذا الغرض. ونأخذ عيّنات من كتاب «النبوءة والسياسة» للتدليل على الدعم الأميركي للدولة العبرية. فمن الناحية المالية تقدم الولايات المتحدة نحو ثمانية آلاف دولار لكل عائلة من خمسة أشخاص. بحيث تقدر المساعدات المالية بنحو أربعة عشر مليون دولار يوميًّا وعلى مدى 365 يومًا في السنة.
أما من حيث دعم الكونغرس الأميركي لسياسة الدولة العبرية فيعبّر عنه عضو جمهوري سابق في لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس وهو السيد «بول فندلي» إذ يقول: «لا توجد فرصة أمام الشعب الأميركي ليصوت على موضوع إرسال ملايين الدولارات كمساعدات خارجية. وفيما يتعلق بصفقات المساعدة «لإسرائيل» فإن الكونغرس يصوت من دون استثناء وبأكثرية ساحقة على إرسال الكميات من الأموال التي تحتاجها إسرائيل... إن اللوبي اليهودي هو الذي يُعِدُّ بطاقته، وهو يحصل على كل الطلبات المالية التي يتقدم بها، فهو يطلب ما يريد والكونغرس يصوت على إعطائه»...
وأما الدعم العسكري فإن التحالف اليهودي المسيحي يعمل على بناء قوة غير محدودة قوامها الأسلحة النووية وغيرها من الأسلحة الاستراتيجية، وتتركّز في كل من دولتي أميركا وإسرائيل... تقول مجلة «المجلس العالمي الكنائسي» الذي يمثل نحو عشرة ملايين مسيحي في الشرق الأوسط، في عددها الصادر في نيسان ـــــــ أيار 1984: «إن خمسين في المئة من كل الأسلحة المنتجة في العالم تذهب إلى الشرق الأوسطـ، وقد أُغرقت إسرائيل بالمال والأسلحة حتى صارت دولةُ الثلاثة ملايين يهودي ماردًا عسكريًّا تضاهي كلًّا من ألمانيا، أو إنكلترا، أو فرنسا منفردة، وتتحدى إحدى وعشرين دولة عربية مجتمعة بسكانها البالغ عددهم مئة وخمسين مليونًا».
ويقول مؤلف كتاب «الانحياز» السيد «ستيفن غرين»: «في عام 1956م حصل موالون لدولة إسرائيل على 752 باوندًا من الأورانيوم. وهي كمية كافية لصنع 38 قنبلة ذرية من حجم القنبلة التي ألقيت على هيروشيما». وفي تقرير لوكالة المخابرات المركزية الأميركية كشف عنه في عام 1986م: «أن تل أبيب قادرة على إنتاج أسلحة نووية من دون دعاية... وهي تملك ما بين 12 إلى 20 قنبلة نووية»...
أما الدعم المعنوي فحدّث عنه ولا حرج إذ يكفي القول بأنه أنشئ في الولايات المتحدة نحو مئتين وخمسين منظمة إنجيلية موالية للدولة اليهودية في فلسطين... ويملك أعضاء من هذه المنظمات أكبر محطات تلفزيونية تبشيرية في أميركا، وجميعها توجّه العقول للاقتناع بنبوءات لاهوتية تصبّ في مصلحة اليهود ودعم كيانهم. وهكذا يتبين لنا كيف أن العالم المسيحي ـــــــ وخصوصًا المسيحيين المتطرفين فيه ـــــــ يقدم للدولة العبرية في فلسطين كل أشكال الدعم، الذي لولاه لما كان لليهود هذه القدرة على احتلال الأراضي العربية، والعبث بالأراضي المقدسة الإسلامية على هواهم. وهو الدعم الذي لا يهدّدون به العرب والمسلمين فحسب، بل النصارى أنفسهم، ولا سيما الأميركيين منهم. ففي كتاب (المثلث القدري: الولايات المتحدة، إسرائيل والفلسطينيون) يقول الأستاذ في معهد ماساتشوتستس للتكنولوجيا «نعوم كومسكي»: «إنَّ سلاح إسرائيل السرّي ضد الولايات المتحدة بصورة خاصة، وضد الغرب بصورة عامة، هو أنها يمكن أن تتصرف (كدولة متوحشة) خطيرة على جيرانها، غير طبيعية، قادرة على إحراق النفط، بل قادرة على البدء بحرب نووية».
إسرائيل وحركة التاريخ:
وبعد هذا كله هل يمكن القول: إن ما وصلت إليه الدولة اليهودية في فلسطين هو تعبير عن إحدى سنن الله تعالى التي تعتمد عليها حركة التاريخ بإذن ربها، كي يتحقق حلم اليهود باستيلائهم على أراضٍ عربية، ومن ثمَّ هل يتّبعون السّبلَ القويمة التي تجعلهم يستأهلون أن يورثهم بها الله تعالى هذه الأراضي؟.
لا بد، قبل الإجابة عن هذا التساؤل، من إبراز بعض جوانب حياة اليهود وما حفلت به من تصرفات معادية للأنبياء والرسل، وما تضمره نفوسهم من الشر حتى باؤوا بغضب من الله تعالى، وضربت عليهم الذلة والمسكنة إلى يوم الدين.
يورد القرآن الكريم، وفي كثير من سورة المباركة النصوص التي تحفل بما أنعم الله تعالى على «بني إسرائيل» وبما أمدَّهم به من عون.كما تتضمن تلك النصوص التوجيهات الربانية لهم، ودعوتهم للوفاء بعهودهم لربهم، وخشيته، وحمده على نعمه التي لا تحصى. يقول تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} (سورة البقرة: الآية 40).
ومن تلك النعم التي أفاضها تعالى على بني إسرائيل، وعلى مدار عهود من الزمان: تخليصهم من طغيان فرعون وظلمه، وتظليل الغمام فوقهم، وإنزال المن والسلوى عليهم من السماء، وتفجير الماء من الصخر حتى يشربوا... إلى كثيرٍ من فضائل الله تعالى ونعمه، التي تستدعي الامتنان والشكر والحمد بصورة دائمة...
ولكن كيف قابل اليهود نعمَ ربِّهم هذه؟ إنهم لم يراعوا عهدًا لله تعالى، ولم يلامس قلوبهم الإيمان الصادق، فكلما كان الله تعالى يردهم عن الانحرافات المتوالية التي يقعون فيها كانوا يعودون إليها. وكلما كان يعفو ـــــــ جل جلاله ـــــــ عن معصيةٍ ارتكبوها كانوا يقعون في خطيئة جديدة، وكلما كان ينجيهم ـــــــ سبحانه ـــــــ من عثرة كانوا يقعون في حفرة... ونفوسهم تظلّ هي هي في التوائها وعنادها، بل في إصرارها على الالتواء والعناد... وفي نأيها عن حمل التكاليف، ونكولها عن الأمانة، ونكثها للعهود، ونقضها للمواثيق مع ربها ومع أنبيائها، حتى لتبلغ الحال باليهود أن يقتلوا أنبياءهم بغير الحقّ، ويكفروا بآيات خالقهم، ويعبدوا العجل، ويجدِّفوا في حقِّ الله تعالى، ويرفضوا الانقياد لنبيهم موسى عليه السلام إذ يطلبون منه أن يروا الله ـــــــ تعالى ـــــــ جهرةً... ثم يخالفون ما أوصاهم به ربهم وهم يدخلون القرية، فيقولون غير ما أُمروا به، ويعتدون في السبت، وينسَوْن ميثاق الطور، ويجادلون في ذبح البقرة الذي أمر الله تعالى به لكشف القاتل وإظهار قدرة الله تعالى على الإحياء والبعث... وبعد أجيال طويلة يبعث الله تعالى لهم المسيح عيسى بن مريم عليه السلام ليبعدهم عن الضلال والفساد. ويأتي الله تعالى على يديه بالمعجزات والخوارق الحسيّة، فيحيي الموتى، ويشفي الأبرص والأكمه (من الأمراض المستعصية) بإذن الله... ومع ذلك لم يؤمنوا به، بل سعوا إلى قتله لولا أن عصمه ربُّه تعالى منهم، ورفعه إلى السماء من دون أن يمسُّوه بأذى... من أجل ذلك بيّن الله تعالى في القرآن الكريم أوصافهم حيث ينعتهم بالمفسدين، المحرِّفين لكلام الله تعالى، والناقضين لعهودهم، كما في قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ} (سورة البقرة: الآية 87).
أما استكبارهم على الأنبياء والرسل، فدعواهم أن قلوبهم مغطاة بأغشية، وعقولهم مطموس عليها فهم لا يفقهون ما يقولون لهم أو ما يدعونهم إليه. لكن عاقبة ذلك كانت لعنة من الله تعالى عليهم، لأنهم بكفرهم يعمهون، وقليل منهم هم المؤمنون، كما يقول الباري عزّ وجلّ: {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} (سورة البقرة: الآية 88).
اليهود والرسالة الإسلامية:
وها هي الأزمان تتطاول، ويبعث الله تعالى محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم خاتمًا للنبيين، فلا يتّبعه اليهود، بل على العكس يشنون عليه حربًا شعواء في الدسّ والمكيدة والنفاق، ويحاولون قتلَهُ... ثم يتمادون في الكيد له فيهزأون بما أنزله ربُّه عليه. إذ لما نزلت الآية الكريمة: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا} (سورة البقرة: الآية 245). قال اليهود ساخرين: إن الله فقير يستقرض منا، ونحن أغنياء. فنزل قوله تعالى: {لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ} (سورة آل عمران: الآية 181)، أي إنه ذو حاجة يريد أن يستقرض منا... إنه عنت اليهود، فللّه ملك السماوات والأرض، وهو الغني العزيز. وهل كانت آياته الكريمة إلّا تلطفًا منه ـــــــ سبحانه ـــــــ في الدعوة إلى الإنفاق، حتى ينفق الناس مما رزقهم ربهم الغني الحميد، بوجوه البر والتقوى، وبما ينفع الناس، فلا يبقى بينهم فقراء، يعيشون عالة على الغير... وبالإضافة إلى ما في ذلك من منفعة للعباد، فإن أي إنفاق من هذا القبيل هو عند الله تعالى بمنزلة قرض له. وللمقرض الأجر والثواب على عمله. فحمدًا للخالق العظيم، والمدبّر الحكيم، ذي الرحمة الواسعة، والعطاء الجزيل!...
إلَّا إن ذلك التعنّت اليهودي لم ينفع أصحابه بشيء، فقد أتاهم الوعيد الحقّ بقوله تعالى: {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ (181) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} (سورة آل عمران: الآيتان 181 ـــــــ 182). هذا هو الجزاء الذي يستحقونه على كفرهم. إنه تعالى سوف يكتب كلَّ تلك السيئات والذنوب التي يرتكبونها في صحائف أعمالهم وأقوالهم، وسوف تكون عاقبتهم عذابًا محرقًا في النار الملتهبة (لأن ما لم يلتهب لا يسمى حريقًا). وهم قد استحقوا هذا العقاب نتيجة أفعالهم، لأنه لو وقع عليهم من غير جرم سابق لكان ظلمًا، والله تعالى يتنزّه عن الظلم، {وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} (سورة آل عمران: الآية 182)...
إن هذا التعبير القرآني: «للعبيد» إنما هو إبراز لحقيقة وضع اليهود، فهم عبيد الله تعالى، وهذا ما يزيد في شناعة جرمهم عندما يجدّفون على ربهم جلَّ وعلا. وفي تجديفهم هذا سوء أدبٍ تجاه سيدهم وخالقهم ورازقهم. فكيف تجيز نفوس مخلوقة مرزوقة من خالق رازق أن تقول: {إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء} (سورة آل عمران: الآية 181).
ومن المساوئ التي ارتكبوها أيام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما ادّعوه بقولهم: {إِنَّ اللّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىَ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ} (سورة آل عمران: الآية 183)... هذا ما ادَّعوه وطالبوا به الرسول الكريم. لكن الردّ جاءهم من العزيز الجبار: {قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (183) فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآؤُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ} (سورة آل عمران: الآيتان 183 ـــــــ 184)...
نعم لقد حملت لهم التوراة، دعوة الهداية وحملها لهم الإنجيل، كما حملها لهم القرآن الكريم... لكنهم كانوا يكذبون الرسل ولا يصدقون الآيات والبراهين التي يأتون بها. لذلك فإن القرآن المبين عندما يطلق على «الكتاب» «صفة المنير» فلكي يؤكد أن ما ورد في التوراة أو في الإنجيل كان حقًّا منيرًا ساطعًا، وهو ينير طريق الحقّ لمن يشتبه عليه، مثلما أنه يهدي إلى الحقّ... ومع ذلك فقد كذَّب اليهود تلك البيّنات ولم يؤمنوا بها...
إنَّ نفوس اليهود لم تتغير على مرّ الأزمان، وظلوا على استكبارهم وكفرهم وضلالهم. إنهم يدّعون أنهم وحدهم أحباء الله تعالى، وأنهم ضامنون على الله تعالى الجنَة، فلا يعذبهم في النار إلَّا أيامًا قليلة. ويدحض القرآن الكريم ذلك الوهم بقوله عزّ وجلّ: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (سورة البقرة: الآية 80). وبقوله تعالى: {قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ} (سورة البقرة: الآية 94 ـــــــ 95).
بمثل هذا الوضوح يأمر الله تعالى رسوله محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم أن يفنّد لليهود ادعاءاتهم... تقولون أيها اليهود بأن النار لن تمسَّكم إلَّا أيامًا معدودة، فكيف ذلك؟ هل اتخذتم بذلك عهدًا عند الله حتى لا يخلف الله تعالى عهده؟! إنه محض افتراء. أنتم تقولون ذلك زورًا وبهتانًا ولا تعلمون الآثار التي تترتب على هذا القول... ثم إن كنتم حقًّا أحباء الله وحدكم من دون سائر الناس، وأن الجنة خالصة لكم، فَلِمَ لا تتمنون الموت حتى تذهبوا إلى الجنة... إن من يعتقد أن شيئًا مهمًّا ينتظره مثل الجنة، فإنه يسعى إليه. ودار الحياة الدنيا مهما طالت ليست بدار بقاء، والسبيل الموصل إلى الجنة هو الموت، فتمنوا الموت إن كنتم صادقين في ادعائكم... لكن الحكمة الإلهية تبرهن لنا أنهم لا يتمنون الموت أبدًا لأنهم أعلم بما يرتكبون من المفاسد والآثام، التي مصير أصحابها إلى النار لا إلى الجنة.
وفي أي حال فإن الله تعالى عليم بالظالمين. واليهود هم أشد الناس ظلمًا لأنفسهم بما كسبت أيديهم وفقًا للعدل الإلهي حيث إن كل نفس بما كسبت رهينة: فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره...
بعد أن كشفنا ما كان عليه اليهود في ماضيهم وما هم عليه في حاضرهم من مساوئ، وبيّنا ما تنطوي عليه نفوسهم من غلٍّ وحقد وأوهام، لا بد من العودة إلى طرح القضية الكبرى التي تواجهنا نحن المسلمين اليوم. وهي هذه الدولة اليهودية التي أقيمت على أجزاء من أراضينا، وتهديدها الدائم لنا بوجودنا أو بالعيش الآمن في حياتنا. هنا قد يطالعنا هذا السؤال: هل تخلّى اليهود عن الفساد والظلم حتى يورثهم الله تعالى أرضنا، وهو سبحانه المالك الحقيقي المطلق، يورث الأرض من يشاء من عباده المتقين؟
ciloxan notice ciloxan tropfen ciloxan alkohol



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB