حركة التاريخ في المفهوم الإسلامي
الطبعة : الطبعة الاولى  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   112
تاريخ النشر :   1985




الفصْل الثَالث: الموقِف الدَّوليْ وَحَركة التَاريْخ

تشكِّل العلاقات القائمة بين الدول الفاعلة في المسرح الدولي، ميزانًا للموقف الدولي، ذلك الموقف الذي لا يتأثّر بكثرة الدول العاملة على ساحته بل بفاعليّةِ القويّةِ منها، مع العلم أنَّ الدول الفاعلة فيه قليلة. ولما كان واقع كل دولة قابلًا للتغير والتبدل، قوةً وضعفًا، فإن العلاقات بين هذه الدول يعتريها التغيّر والتبدل تبعًا لذلك. والعوامل المؤثرة في هذين التغيّر والتبدل كثيرة: منها ما يعود إلى حرب تطيح بدولة، أو بتعديل نظام حكم أو انقلاب على حكم، ومنها ما يعود إلى ضعف الدولة في التأثير في المسرح الدولي، فيندفع غيرها ليحل محلها. وقد يحدث التغيّر والتبدل وقت السلم من خلال عملية التطور التدريجي للقوى، فتضعف دولة، وتقوى أخرى، إلا إن الحروب أفعل في التغيير.
وعلى هذين التغير والتبدل في أحوال الدولة تتبلور صورة الموقف الدولي، إما في تغيّر هيكلية العلاقات، وإما في تبدل أطرافها. ونظرًا إلى أنَّ التغيّر في الأحوال والقوى للدول الفاعلة على المسرح الدولي ليس سريعًا، فإن التغير في الموقف الدولي يحتاج إلى فترات طويلة.
وقوة الدولة لا تنحصر في قوتها العسكرية فحسب، بل تشمل جميع الطاقات والقدرات المادية والفكرية والمعنوية التي تستطيع الدولة تعبئتها وحشدها داخل حدودها وخارجها. فهي تشمل المبادئ، أو الدور الذي تقوم به بحملها رسالة للعالم، كما تشمل القوة العسكرية، والقوة الاقتصادية، والمهارة في الأعمال السياسية، والحنكة في الدبلوماسية.
وتستعمل الدولة في صراعها مع غيرها على المسرح الدولي وسائلَ وأساليبَ متعددةً ومتنوعةً من عناصر قوتها الفاعلة، أو ما تظنه كذلك، أو ما تسمح الأوضاع الدولية باستعماله. فقوة المبدأ، والقوة العسكرية، والقوة الاقتصادية، في كلٍّ منها القدرة على تغليب المصالح، والحفاظ على تلك المصالح، وإيجاد الهيبة والمكانة النافذة للدولة على المسرح الدولي، إذ يمكن ترجمة أي منها إلى نفوذ سياسي قوي. لكن القوة العسكرية تبقى أبرز العناصر وأفعلها، لأنها حصن الدولة، ورأس منعتها، فهي دائمًا تكمن خلف العمل الدبلوماسي لإمكانية اللجوء إليها إذا فشلت الوسائل الأخرى.
والقوة العسكرية لا تنفصل عن إرادة استعمالها، فقوة الإرادة زخم لها، وضعف الإرادة وهن لها. وتضعف إرادة دولةٍ ما في استعمال قوتها العسكرية ضد دولة أخرى عندما يكون الفارق كبيرًا بين قوتيهما العسكريتين، أو عندما يؤدي سباقُ التسلح بينهما إلى نوعٍ من توازن القوتين، فلا يعود في مستطاع واحدةٍ منهما أن تدمّر الأخرى تدميرًا أكيدًا، خوفًا من الردِّ المماثل. وهنا تبرز أهمية العناصر الأخرى في قوة الدولة، مثل قوة المبدأ، والقوة الاقتصادية، والدبلوماسية، والأعمال السياسية.
وعمل الدولة على المسرح الدولي إنما هو لإيجاد مصالح للدولة، وحماية تلك المصالح. ومصالح الدولة خارج حدوها كثيرة ومتنوعة، منها المبدئي، مثل إيجاد الظروف الملائمة لنشر المبدأ، ومنها المعنوي مثل الحفاظ على هيبة الدولة وكرامتها ومركزها الدولي، ومنها المادي كتلك المتعلقة بالأمن مثل المواقع الاستراتيجية، أو تلك المتعلقة بالمنافع مثل المواد الخام والأسواق التجارية لتصريف الفائض من المنتوجات الصناعية والزراعية.
أما المصالح في حقيقتها فمنها ما هو حيوي، ومنها ما هو ثانوي. فالحيوية هي التي تتجلّى عندما تكون الدولة مستعدة لدخول حرب فورية من أجلها. وتطول قائمة المصالح الحيوية وتقصر بحسب قوة الدولة وضعفها. فالدولة القوية هي التي تطول قائمة مصالحها الحيوية، وتطول بالتالي قائمة ارتباطاتها الدولية، وتدخلاتها على المسرح الدولي. فالمصالح هي التي تملي على الدولة ارتباطاتها، وليس ارتباطات الدولة هي التي تفرض على الدولة مصالحها. وفي ضوء اتساع مصالح الدولة يتحدّد نوع هذه الدولة وحجمها. فالدولة الإقليمية هي التي تنحصر مصالحها واهتماماتها وارتباطاتها بمنطقتها، فتجعل من تلك المصالح الإقليمية مجالًا لنشاطاتها السياسية. والدولة العظمى هي تلك التي لا حدود لمصالحها، وبالتالي لا تنحصر اهتماماتها وارتباطاتها ضمن حدودٍ معينة.
النظامان: الرأسمالي والاشتراكي:
لقد تقلبت على العالم عهود طويلة من الظلم والاستبداد، برزت في الكفر عقيدة، وفي الإقطاع والملكية المطلقة نظامًا. وظلت تلك العهود تسيطر على معظم شعوب الكرة الأرضية، حتى جاءت الأفكار الفلسفية وأطاحت بالأنظمة السياسية التي كانت سائدة، لترسي مكانها أنظمة جديدة تنزع إلى تأمين مصالح الفرد وتأمين حرياته، فكان من جرائها نظام الرأسمالية التي تؤمن إيمانًا مطلقًا بكفالة الفرد في ممارسة حقوقه المدنية والسياسية، وفي حماية حرياته الأساسية.
وقامت فكرة الدولة في الغرب على هذا الأساس. ونشأت الملكية الدستورية، والديمقراطية البرلمانية أو الرئاسية وكلّها تجعل من الشعب مصدرًا للسلطة في كل شيء.
ولم تكن فكرة الاشتراكية بعيدة من عقول المفكرين. فقد راودت تلك الفكرة مخيلات كثيرين منهم، ووضعوا حولها المؤلفات التي احتوت نظريات متعددة. إلَّا إنها لم تبصر التطبيق الفعلي كنظام ومنهج، وبصورة كاملة، إلَّا بعد الثورة التي قامت في روسيا على القيصرية في أكتوبر (تشرين الأول) 1917م، وما أدت إليه تلك الثورة من قيام الاتحاد السوفياتي الذي هو عبارة عن «دولة اتحادية» مؤلفة من عدد من القوميات والجنسيات المختلفة اللغات والأديان والعادات والتقاليد والمشاعر... وبذلك ظهر نظام الحزب الواحد (الحزب الشيوعي) الذي يعتمد الاشتراكية نظامًا بدلًا من الرأسمالية.
ولم تلبث الاشتراكية أن سيطرت على أوروبا الشرقية كلها طبقًا لأفكار لينين وماركس، بحيث تقوم الدولة هناك على فكرة الملكية الجماعية، وحكم البروليتاريا (الطبقة العاملة)، وذلك بمواجهة الرأسمالية التي تؤمن بالفرد وحريته وتقريره هو لمصالحه.
وهكذا استقر في العالم، ولا سيما بعد الحربين العالميتين، نظامان متصادمان في المبادئ والأسس والأهداف والمصالح: النظام الأول الذي يدين بالرأسمالية، وقد تزعمته الولايات المتحدة الأميركية، والنظام الثاني الذي يدين بالاشتراكية وقد تزعمه الاتحاد السوفياتي... أما باقي دول العالم الثالث فقد توزعت أنظمتها بين الرأسمالية والاشتراكية، وذلك بعد أن قامت منظمة الأمم المتحدة بحملة مناهضة للاستعمار، وعملت على إعطاء الشعوب حق تقرير مصيرها، فحصلت غالبية البلدان التي كانت مستعمرة على استقلالها السياسي، ولكن ظلَّ معظمها مرتبطًا بالدول المتقدمة، بحيث أصبحت تدور هذه الدول الجديدة إما في فلك السياسة الغربية أو في فلك السياسة السوفياتية.
وكان من جراء ذلك أن برز الجباران: أميركا والاتحاد السوفياتي، وصارا القوتين العظميين في العالم. كما قامت في كل منهما فكرة سباق التسلح، التي أنتجت من الأسلحة التقليدية المتطورة، ومن الأسلحة الاستراتيجية، ولا سيما الأسلحة النووية والهيدروجينية والكيمياوية ما يمكن من خلاله زعزعةُ أركان الكرة الأرضية والقضاء على ما أنشأ الإنسان فوق سطحها. وقد عبَّر عن ذلك وزير الدفاع الأميركي في منتصف عام 1985 أمام نادي الصحافة الوطني في واشنطن عندما قال: بأن القوة التدميرية الإجمالية للقوة النووية ـــــــ وحدها ـــــــ في العالم هي أكبر بمليون مرة من القنبلة التي ألقيت على هيروشيما.
هذه النظرة الإجمالية للوضع الدولي تثبت بوضوح أن السيطرة كانت للدول العظمى، التي حصلت على مصادر قواها في الغالب من ثروات العالم الثالث. ولم يبرز في هذا العالم المذكور صاحب دور مهم في مجريات الأحداث الدولية، لانهماكه بالمشاكل التي يتخبط فيها ولا سيما المشاكل السياسية والاقتصادية، مما جعل الوضع الدولي يستمر على تلك الحال. حتى كانت بداية التسعينيات في هذا القرن، فبدأنا نشهد ظهور حركة جديدة تتجلّى في الانقلاب الجذري على الاشتراكية، ومن قلب أوروبا الشرقية بالذات، ونزوع دولها جميعًا نحو ديمقراطية رأسمالية، قد تكون بعيدة كل البعد من الاشتراكية. وقد كان البادئ بهذا التحول الاتحاد السوفياتي نفسه، صاحب الزعامة في الكتلة الشرقية، وذلك بفعل سياسة «البريسترويكا» التي ينادي بها الزعيم السوفياتي «غورباتشوف»، والتي غايتها تطوير النظام عبر إصلاحات جذرية للأوضاع الحالية، بحيث يصبح هذا النظام أكثر قدرة على تلبية تطلعات الشعب. وهذا ما يجعلنا نعتقد أن حركة التاريخ تأتي دائمًا بالجديد وتحقّق ما ينتظره الإنسان، لأن بداياته تكون قد ظهرت له في أعقاب سعيه لتحقيقه، لكنها أحيانًا قد تفاجئ المنتظرين وتخالف آراء المتوقعين، فتأتي بما لم يكن في الحسبان، وبما لم يخطر على بال...
ونظرة سريعة على الوضع الدولية منذ الحرب العالمية الثانية، تبين لنا ما أنتجته حركة التاريخ على صعيد ما كان منتظرًا، أو ما هو مفاجئ وغير متوقع.
فمن الأمور التي كان ينتظرها المفكرون، والسياسيون بصورة خاصة، أن يأتي اليوم الذي تتفرَّد فيه الولايات المتحدة الأميركية بزعامة العالم، وتتسلَّم زمام قيادته من خلال نظام دولي تعمل وحدها على إيجاده. وقوام معطيات هذا التفرُّد يرتكز على أمرين: قوة الولايات المتحدة وغناها، وتداعي الأفكار الاشتراكية، نتيجة فشلها الذريع في التطبيق، مما يَؤُول حتمًا إلى تخلّي الاتحاد السوفياتي عن دوره التنافسي للولايات المتحدة والتصدي لها أو الوقوف بوجهها في الهيمنة على الشؤون الدولية.
وبالفعل فقد حصل ما كان متوقعًا، وبعد مرور أقل من نصف قرن على تفكير روزفلت، الذي سيطرة عليه ـــــــ وهو يراقب مجريات الحرب العالمية الثانية ـــــــ فكرة إحلال عالم جديد محل عالم توازن القوى القائم على تكتلات متناحرة، بحيث يتمثل هذا العالم الجديد بعالم واحد في نطاق هيئة دولية واحدة مهما تعددت أجهزتها وتنوعت مؤسساتها، على أن تكون السيطرة الفعلية على قرارات تلك الهيئة الدولية للولايات المتحدة، ويُصبح للاتحاد السوفياتي الدور الثاني في تقرير السياسة الدولية. أما بريطانيا وفرنسا فلا يعدو دورهما النواحي الاستشارية في الشؤون الدولية...
والهدف الأميركي من ذلك كله أن يجسِّد العالم الواحد تفوُّق الولايات المتحدة العسكري والسياسي والاقتصادي، ويحقق هيمنتها الكاملة على كل ناحية من نواحي الشؤون الدولية.
وفكرة العالم الواحد هذه جعلت روزفلت يتقرب من ستالين، ويُظهر تودده له، ولو كان ذلك على حساب حلفائه الآخرين، وعلى تشرشل حليفه الأول بصورة خاصة. فأُنشِئت منظمة الأمم المتحدة عام 1945م، وتحقق حلم روزفلت... ومع أن ستالين وقَّع على ميثاق الأمم المتحدة، إلَّا إنه ـــــــ ما إن انتهت الحرب العالمية الثانية ـــــــ حتى أدار ظهره للمنظمة الدولية، ولدورها في المجتمع الدولي، مفضلًا أن يركِّز اهتمامه على بناء المعسكر الاشتراكي، بعيدًا من تدخلات الآخرين، مما أدّى إلى تجميد فكرة العالم الواحد، ليحل محله عالمان متصادمان: العالم الرأسمالي والعالم الاشتراكي. وبذلك استقر الموقف الدولي، في سنوات ما بعد الحرب الثانية، في أيدي الدول الأربع المنتصرة في الحرب: الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وبريطانيا وفرنسا... فكان رؤساء هذه الدول أو من ينوب عنهم يجتمعون في مؤتمرات رباعية للنظر في القضايا الدولية وإيجاد الحلول لها. لكن الموقف الدولي هذا كان قلقًا بسبب التناقض الكبير بين مصالح تلك الدول، وتنافسها الحادّ على النفوذ، حتى غدت لا تتفق في مؤتمراتها على شيء يُذكر...
وبعد موت ستالين راح زعماء الكرملين يشاكسون أميركا حينًا، ويتوددون إليها حينًا آخر، من أجل عقد الصفقات التجارية. وبعد أن اشتدت الحرب الباردة بينهما، ونجح الاتحاد السوفياتي في بناء قوته العسكرية الهائلة، قامت اتصالات سرية وشاقة بين الجبارين استجابت بنتيجتها الولايات المتحدة، فكان لقاء خروتشوف وكنيدي في مؤتمر فيينا عام 1961م تتويجًا لتلك الاتصالات. وقد تم الاتفاق في ذلك اللقاء على وضع الأساس لسياسة الوفاق الدولي بين الدولتين، وإبعاد كل من بريطانيا وفرنسا من المشاركة في حل القضايا الدولية، وحصر ذلك بالولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. وكانت تتمّ لقاءات ثنائية، من حينٍ إلى آخر، بين رئيسيهما أو من ينوب عنهما.
وقد ردت بريطانيا، في محاولةٍ منها للنفاذ إلى السياسة الدولية، بالتقرب من الولايات المتحدة، وإقامة علاقات مميّزة معها عن طريق الاعتراف لها بزعامة العالم الغربي، إلَّا إنها ضمنًا ظلت تشاكسها حول القضايا المتعلقة بمصالحها الخاصة. أما فرنسا، فقد توجهت إلى أوروبا لتقوى بها وتجِد نفسها فيها، كما عمدت إلى إيجاد رادع نووي فرنسي مستقل. ولكن مع ذلك لم تتوقف عن مناكفة الولايات المتحدة علَّها تفرض عليها إعادتها إلى حلبة السياسة الدولية. إلَّا إن محاولاتها لم تثمر واستمرّ الموقف الدوليّ محصورًا في قبضتي عملاقين اثنين هما: الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي...
ومن المتغيرات التي طرأت على المسرح الدولي في فترة الوفاق، اعتراف الولايات المتحدة عام 1972م بالصين الشعبية التي أخذت مقعدها في مجلس الأمن الدولي بدلًا من الصين الوطنية، وأصبحت الدولة الخامسة ذات العضوية الدائمة في هذا المجلس. ثم جرى تطبيع العلاقات بين الدولتين عام 1978م، مما جعل الصين الشعبية دولة عظمى إن لم يكن على المستوى العالمي، فعلى الأقل كدولة إقليمية كبرى تطمح إلى تأدية دورٍ كبيرٍ في السياسة الدولية.
وكانت السوق الأوروبية المشتركة قد أنشئت في أواخر الخمسينيات للوقوف في وجه الولايات المتحدة اقتصاديًّا. وقد حاولت فرنسا أن تجعل من هذه السوق الاقتصادية قوة سياسية فاعلة. ثم كان انضمام بريطانيا وشريكاتها في منطقة أوروبا الحرة عام 1972م إلى هذه السوق، فأدى هذا الانضمام إلى تدعيم مركز بريطانيا الدولي، ولم تكن تُعدّ من قبل إلا دولة أوروبية فحسب.
وإذا كانت السوق الأوروبية قد نجحت في المجال الاقتصادي فإن ذلك لم يعط أوروبا، ولا دولها، الفاعلية الدولية التي تريدها، لأن هذه السوق بقيت عبارة عن «تجمع لدولٍ» لا توحدها المواقف السياسية. لكن ذلك لم يمنع من إعطاء بعض دول هذا التجمع مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا بعض القوة السياسية من خلال تنسيق المواقف بين دول السوق.
وبقي الوضع الدولي على هذه الحال حتى بداية الثمانينيات حيث بدأت تظهر على الاتحاد السوفياتي أمارات الوهن الاقتصادي والاجتماعي من جراء فساد المبدأ، وفشل النظام، وسباق التسلح، وتكاليف الدور العالمي الذي ألزم الاتحاد السوفياتي نفسه به. وهذا ما دفع غورباتشوف في أواخر الثمانينيات إلى الاعتراف بهذا الوهن، وإلى تبنّي خطة واسعة لإصلاحات أيديولوجية واقتصادية وسياسية واجتماعية وعسكرية... وهذه الإصلاحات أصبحت الشغل الشاغل لقادة الكرملين، فصرفت اهتماماتهم الكاملة إلى معالجة المشاكل الداخلية، التي باتت تهدد بتفجر الاتحاد السوفياتي من داخله. وبذلك انحسرت اهتمامات الاتحاد السوفياتي الدولية وضعفت أدواته المبدئية والاقتصادية... وتسارعت الأحداث من انقلاب الأوضاع في الاتحاد السوفياتي، إلى زلزال التغيير الكبير في أوروبا الشرقية، وانتهاء الحرب الباردة بعد مؤتمر يالطا بين ريغان وغورباتشوف... كل ذلك أدى إلى خروج الاتحاد السوفياتي من الموقف الدولي، وإلى تفرُّد أميركا في الهيمنة عليه، وبالتالي رسم السياسة الدولية...
وحدث ما كان منتظرًا، وتحقق ما توقعه المفكرون السياسيون. وها هو الدور الذي تقوم به الولايات المتحدة في أزمة الخليج يبرز في حقيقته من أصدق الشواهد على ذلك. لقد برز التفرد الأميركي في الموقف الدولي، كما أبرزت هذه الأزمة تخلي الاتحاد السوفياتي عن مشاركة الولايات المتحدة في صنع القرار الدولي، أي إن الاتحاد السوفياتي تحوّل إلى دولةٍ تساير الولايات المتحدة، بل تسير في ركبها، بدليل أن بوش لما وصل إلى نقطة الحرج في أزمة الخليج ـــــــ بعد استكمال حشد القوات الأميركية وتمركزها هناك، مع أن هذه القوات تحركت لإرغام العراق على الانسحاب من الكويت ـــــــ لجأ إلى دعوة غورباتشوف إلى قمة هلسنكي الطارئة، ليتخذا معًا قرارًا للسير في الحلول السلمية، وذلك تلافيًا للحرج الذي وصل إليه في دعوته إلى استعمال الخيار العسكري. وما كان من غورباتشوف إلّا أن سارع في تلبية الدعوة، وبذلك حقق لبوش ما يريده، فيخرج هذا من المؤتمر مناديًا بنظام دولي جديد، يتوحد فيه العالم على أساس «نظام سلمي ومستقر آمن» (طبعًا بقيادة الولايات المتحدة).
وكان بوش يفكر في هذا النظام الدولي الجديد منذ قمة واشنطن التي عقدت بينه وبين غورباتشوف في 31/5/1990م. فقد صرّح على أثرها قائلًا: «إن اجتماع القمة بين القوتين العظميين أفرز علاقة صداقة جديدة قد تعيد تشكيل التاريخ»... وأضاف: «أشعر بالعرفان لغورباتشوف لروح الصراحة التي تعامل بها مع كل مسألة مطروحة على مائدة المفاوضات، وأعدّ هذا برهانًا على دخولنا بالفعل مرحلةً جديدةً في علاقاتنا مع الاتحاد السوفياتي».
وهكذا وفي عام 1990م تكون الولايات المتحدة قد حققت حلمها، ووصلت إلى ما بدأ روزفلت العملَ من أجله، إبان الحرب العالمية الثانية، أي إلى تفرُّدها بزعامة العالم...
ولكن هل يدوم هذا مع ضعف الفارق بين الولايات المتحدة وغيرها من الدول الكبرى عسكريًّا، ومع هذا التقدم الاقتصادي الهائل الذي توصلت إليه كل من اليابان والسوق الأوروبية المشتركة؟... هذا من دون أن ننسى وحدة ألمانيا وقوتها الاقتصادية؟. ربما أدى هذا الأمر بتلك الدول إلى أن تزاحم الولايات المتحدة لتصبح دولًا عظمى، وتفرض نفسها عليها من أجل مشاركتها في المواقف الدولية، وفي صنع القرار الدولي. إن الولايات المتحدة تعمل الآن على منع وصول تلك الدول إلى هذا الوضع، لتبقى هي وحدها متفردة بالسيطرة على العالم وتقرير مصيره.
وفي تقديرنا أن هذا الوضع المرحلي لن يدوم طويلًا، فانصراف الاتحاد السوفياتي لمعالجة مشاكله الداخلية لا يسقط الاعتبار بأنه دولة عظمى، بل إن تخليه عن اهتماماته الدولية سوف يكون مرحليًّا من أجل أن يعيد بناء ذاته من جديد، ليعود بعد ذلك إلى الساحة الدولية أقوى مما كان عليه من قبل. وعندئذٍ سوف يفرض على الولايات المتحدة مشاركته الحتمية في القرار الدولي. لكن هذا الأمر قد لا يكون تحقيقه سهلًا على الاتحاد السوفياتي، لأن المجابهة العسكرية دوليًّا قد انتهت، وأصبح التنافس قائمًا في حقول الاقتصاد والتكنولوجيا، وهو متأخر فيها عن الولايات المتحدة، بل وعن بعض الدول الغربية الأخرى... غير أن غورباتشوف، وقادة الكرملين قد أدركوا أن غياب الاتحاد السوفياتي عن المجتمع الدولي والمنظمات الدولية كان أحد أهم الأسباب التي أدت به إلى هذه الدرجة من الضعف. لذلك سوف يكون هذا الأمر في حسبان القادة السوفيات، كما سوف يعملون على العودة إلى المنظمات الدولية، على أساس اعتراف الجميع بالمصالح الحيوية والقومية للجميع... يضاف إلى ذلك قيام أوروبا موحدة، وإقامة البيت الأوروبي المشترك الذي سيشكل الاتحاد السوفياتي جزءًا منه، وفق النظام الدولي الجديد...
تلك هي معظم الأوضاع التي طفت على الساحة الدولية منذ الحرب الثانية، وما كان متوقعًا من وصول الولايات المتحدة إلى زعامة العالم قد تحقق...
ولكن ما الشيء المفاجئ أو الذي لم يكن حصوله منتظرًا بهذه السرعة؟
إنها أزمة الخليج وما قد ينشأ عنها من تفاعلات... فقد صرح زعماء العراق، وعلى فترات متباعدة من هذا القرن أن الكويت جزء من العراق، ولوَّح بعضهم بالإقدام على احتلال الكويت لإعادتها إلى الأراضي العراقية. إلَّا إن تلك التصريحات والتلميحات كانت تمرّ، عابرة بحيث يتناساها العالم سريعًا، مما لم يهيئ الأجواء الفكرية لاحتلال العراق للكويت... حتى كانت المفاجأة في 3/8/1990م ودخلت القوات العسكرية العراقية أراضي الكويت. هذا الحدث العظيم جعل الخليج العربي محطَّ أنظار العالم كله، بل أصبح الموقع الجغرافي والاقتصادي الذي يتوقف مصير العالم كله على الأحداث الجارية فيه...
فما كان من الشرق والغرب إلَّا أن اجتمعا، واتفقا على العمل المشترك لاسترداد الكويت. وحُشدت قوى ثمانٍ وعشرين دولة ـــــــ حملت اسم القوات الحليفة ـــــــ يربو عدد جنودها على نصف مليون جندي في شبه الجزيرة العربية، مجهزة بأحدث ما توصلت إليه مصانع الأسلحة من المعدّات المتطوّرة. وتسلَّمت أميركا زمام القيادة، وأعلنتها حربًا مدمِّرة على الجيش العراقي، فشلّت حركته بحيث لم يعد قادرًا على المقاومة والصمود، بعد أن استسلم الآلاف من جنوده.
وانتهى فصل من الحرب بدخول القوات الحليفة الكويت، وبعض أجزاء العراق من جهتي الشمال والجنوب. ودخل العالم في مأزق جديد نتيجة تشريد ما يقرب من ثلاثة ملايين لاجئ في العراق. وأصبح العراق، وهو إحدى كبريات الدول العربية قوّة واقتصادًا، مهدّدًا بأن يفقدَ سيادته على أرضه ومرافقه، وبات العرب جميعًا يخشون على وحدة الأراضي العراقية.
مآزق حرجة تواجه النظام الدولي الجديد، فهل ينجح هذا النظام في تلافي النتائج الخطيرة لتلك المآزق وتظلّ الولايات المتحدة زعيمة العالم إلى مدة من الزمان؟ أم أنّ هذا النظام الجديد سيفشل، وتذهب كل التوقعات بشأنه أدراج الرياح؟!...
والمثال الآخر الذي فاجأت به حركة التاريخ العالم، هو هذا التحول الحاصل الآن في أوروبا الشرقية والذي لم يكن متوقعًا حدوثه بهذه السرعة التي ظهر فيها، ولمـــّا يمضِ بعد أكثر من سبعين عامًا على التطبيق الفعلي للأنظمة الاشتراكية. فعلى الرغم من كل المظاهر التي كانت تنبئ بعدم نجاح هذه الأنظمة، فإن انهيارها لم يكن مرتقبًا بهذه السرعة الكبيرة، وعلى هذه الصورة التي جرى عليها. إذ ما إن لاحت بوادر الانعتاق من جور تلك الأنظمة حتى هبت شعوب المنظومة الاشتراكية، تطالب بالحرية والانعتاق من نير التحكُّم وتأمين العيش الكريم.
على أنه ومهما كان من شأن الأحداث المرتقبة أو غير المتوقعة، فقد أثبت الواقع فشل النظامَين الرأسمالي والاشتراكي على السواء، في تحقيق المبادئ التي قام عليها كل نظام منهما، كما تثبته الدراسات والتحليلات الموضوعية حولهما. ذلك أن سلطات المنظومة الاشتراكية لم تعد قادرة على إقناع شعوبها بالبقاء على ما هي عليه من التقشف، وشظف العيش، والحرمان والقهر... أي خلافًا لما كان يمنّيها به النظام الاشتراكي من بحبوحةٍ ورفاهيةٍ ومساواةٍ وحريةٍ، لم تنل منها تلك الشعوب إلَّا الشعارات والوعود!...
ومن ناحية أخرى فإن الرأسمالية لم تكن نظامًا أفضل للناس، لقد وعدت بالحريات الفردية والسياسية ومنح الفرص للجميع، وتكريس الديمقراطية... وها هي تحكم بالفشل على نفسها بنفسها. يكفي أن نعطي مثالًا على ذلك ما وصلت إليه الحال في الولايات المتحدة الأميركية بالذات، زعيمة المنظومة الرأسمالية، حيث يلهث معظم الشعب الأميركي وراء عيش آمن ومستقر... هذا الشعب المتعب الذي يبلغ عدده اثنين في المئة (2%) من سكان العالم كله، يستهلك نحو ستين في المئة (60%) من مخدرات العالم. وقد اعترف الرئيس ريغان بأن في الولايات المتحدة 13 مليونًا من المدمنين على المخدرات... والسبب في ذلك كله طغيان رأسمالية احتكارية في هذه الدولة العظمى، تسلب الفقير لتعطي الغني، وتنشئ ناطحات السحاب ليعيش آلاف المشردين في الشوارع، وتنادي باحترام الحقوق والحريات في حين أنها تبني الأمجاد على المؤامرات التي تحيكها لبلدان وشعوب العالم الثالث، من أجل استغلال ثرواته وخيراته لتأمين المصالح الحيوية لكبار الرأسماليين، من الأميركيين أنفسهم، أو من بعض حلفائهم في أوروبا أو في غيرها من القارات الأخرى...
نعم لقد فشل النظامان اللذان يسودان العالم اليوم: النظام الرأسمالي في تحقيق سلام نفسي، وتوازن مجتمعي لشعوبه، كما فشل النظام الاشتراكي الذي كان يعارض النظام الرأسمالي في طريقة عيشه، هو أيضًا، في تأمين وفرة السلع الغذائية، والحاجات الكمالية، وإشاعة أجواء الحرية للشعوب التي اعتنقته أو خضعت له.
الإسلام هو الحلّ:
أما الآن، وقد تخلى الاتحاد السوفياتي عن دوره بالمعارضة للرأسمالية، فإنه لم يبق إلَّا النظام الإسلامي مؤهلًا ليتصدر المعارضة للدول المستعمرة التي تعيش على خيرات بلادها وخيرات البلدان المستضعفة. وسوف يكون الصراع مريرًا من الآن فصاعدًا بين الإسلاميين والطغاة المستكبرين، فإن استجاب الإسلاميون لداعي الله تعالى، وتفاعلوا مع حركة التاريخ، كان لهم النصر بإذن الله تعالى. وإلَّا فسوف يفشلون، وتذهب ريحهم.وويل للعالم يومئذٍ من جراء هذا الفشل الذي قد يبعد الإسلام من القيام بدوره على ساحة الحياة الأرضية ولو إلى حين...
لكنَّ ثقتنا بالله تعالى كبيرة جدًّا، لأن الإنسان بات في أمسِّ الحاجة إلى نظام متكامل، يعيش في ظله آمنًا مطمئنًّا، وترعاه دولة كريمة عادلة، تعرف قدر الإنسان، وتُحلّه في المرتبة اللائقة به. ولن يكون هذا النظام إلا الإسلام الذي وحده فيه الخلاص.
وعلى الناس أن يختاروا بين أن يعيشوا بمنهج الله سبحانه وتعالى فيكونوا في توافق مع سنن الكون وفطرتهم هم أنفسهم، وبين أن يعيشوا بمنهجٍ من صنع البشر فيحيَوْا في تصادمٍ مع سنن الكون، وخصامٍ مع فطرتهم التي فطرهم خالقهم عليها. ومتى انعدم التناسق بين الفطرة ومنهج الله تعالى فلا مفرَّ من تعاسة الناس وشقوتهم، على الرغم من التسهيلات المادية والإنتاجية التي توفرها لهم نظمهُم الوضعية... تلك النظم التي سوف تتحطّم لا محالة لتعارضها مع سنن الكون، وفطرة الإنسان...
لماذا؟
لأنه مهما ذهب العقل البشري بعيدًا في البحث والتنقيب، وإعمال الفكر... فلن يجد أفضل من نظامٍ هو من عند الله تعالى، ولن يكون في غير النظام الإسلامي حلٌّ لمشكلات البشر... فالنظام الذي يقوم على الإسلام وحده، هو الذي يعيد لهذا الإنسان اعتباره، ويبدِّله من بعد خوفه وقلقه أمنًا وطمأنينة، ومن بعد فقره المدقع غنى في النفس والمال، ومن بعد ظلمه وقهره عدلًا ومساواة... لقد غُيّب الإسلام فترة من الزمن عن مسرح الحياة الراهنة، وعن تسلُّم الزمام في مقاليد الحكم. وربما أراد الله ـــــــ سبحانه ـــــــ تلك الفترة امتحانًا للمؤمنين، وصهرًا لنفوسهم كي يغيروا ما فيها ليغير الله ـــــــ سبحانه ـــــــ ما بهم.
وما إن لاحت بوادر الصحوة الإسلامية، حتى راحت النظم الدنيوية من رأسمالية واشتراكية، تتهاوى بأصحابها والقيّمين عليها، كما تتهاوى مفاهيمها كذلك في عقول الناس وقلوبهم... ولن يجد الناس إلَّا في الإسلام ـــــــ الدين الحقّ والنظام الحقّ ـــــــ الملاذ للشعوب المنهكة كي يأخذ بيدها إلى ما فيه الخير والطمأنينة والسعادة الحقيقية.
أجل! ما من نظام يصلح لبني الإنسان إلا نظام قائم على الإسلام، لأنه النور الرباني الهادي، الذي يضيء لهم شعاب هذه الحياة، ويملأ قلوبهم بالإيمان، والراحة، ويسهّل أمامهم سبل العيش الكريم... إنه الدين القيّم الذي ارتضاه الله تعالى لعباده في الأرض، وبه بعث نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم هاديًا ومبشرًا ونذيرًا... وهو سبحانه تكفَّل بإتمام نشره وبغلبته على كل ما عداه من الأديان والأنظمة. والله تعالى بالغ أمره. لقد قضى بنصر الإسلام وظهوره على غيره، فلا رادَّ إذن لقضائه، ولن تطفئ نوره الإلهي الغامر نفخةٌ من أفواه الكفار المشركين...
إنه عهد من الله ـــــــ سبحانه ــــــــ على نفسه... ومن أوفى بعهده من رب العالمين؟ قال الله تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (سورة التوبة: الآية 32 ـــــــ 33). قال المقداد بن الأسود، حول ظهور الإسلام وانتشاره: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «لا يبقى على ظهر الأرض بيت مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلا أدخله الله كلمةَ الإسلام، إما بعزّ عزيز، وإما بذلّ ذليل، فهو إما يُعزّهم فيجعلهم من أهله فيعتزُّوا به، وإما يذلهم فيدينون له».
نعم إن الله تعالى سوف يُظهر (ينصر) دينَه رغمًا عن الكفار والمشركين جميعًا. لقد حسب الذين حكموا بالظلم، وتحكّموا في الناس بالجور أنهم قد استولوا على العقول فأقنعوها بعدالة أنظمتهم، وأنهم قد سيطروا على المصائر فلا خلاص للبشر من حكمهم... أجل! لقد اعتقدوا بأبدية أنظمتهم... لكن الله ـــــــ سبحانه ــــــ رؤوف بعباده، حافظ لدينه الذي ينظم حياتهم ومعادهم، فيبعث الفرج من قلب الضيق، وينشر نوره الربّاني فيعمّ الكون، فيغدو دينه الحقّ هو الخلاص لبني البشر في دنياهم وآخرتهم...
وتثبيتًا لقضاء الله تعالى بغلبة هذا الدين الحنيف على كل ما يريده الكفار والمشركون من إطفاء نوره، وطمس هداه... وتوكيدًا لعظمة آيات قرآنه المجيد، بيانًا وبلاغة ومدلولًا، تكررت النصوص والألفاظ ذاتها في سورة أخرى، وبما يتناسب مع أجواء السورة وغاياتها، وذلك بقول الله تعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (سورة الصف: الآيتان 8 ـــــــ 9).
إنه تكرار لمعظم الألفاظ في السورتين، مع تنويع في استعمال الفعل أو المصدر، واختلاف في التوكيد وأدواته... وذلك لكي تبعث النصوص الثقة في نفوس المؤمنين، وتقوِّي من عقيدتهم، وتشدَّ من عزائمهم، وتؤكد مرة جديدة أنَّ العزَّة لله ولرسوله وللمؤمنين... والله سبحانه موفٍ بعهده، منجزٌ وعده، والعاقبة للمتقين...
النظرة الجزئية السطحية
والنظرة الشاملة المستنيرة للحياة
وعد الله نافذ لا محالة: يقول الله تعالى: {وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} (سورة الروم: الآيتان 6 ـــــــ 7). عندما هزم الفرسُ الروم سُرَّ المشركون بذلك الانتصار لِمَنْ كانوا مجوسًا مشركين أمثالهم. وحزن المسلمون حزنًا شديدًا لهزيمة الروم الذين كانوا أهل كتاب. فكان وعدُ الله سبحانه بنصر المسلمين على مشركي مكة، والروم على الفرس المشركين في بضع سنوات، بقوله سبحانه وتعالى: {غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ} (سورة الروم: الآيات 2 ـــــــ 5). ولقد صدق الله تعالى وعده ونصر المؤمنين في معركة بدر، وفي ذلك الحين غلبت الرومُ الفرس قبل انقضاء سنوات تسع على وعد الله (فالبضع يدل على مقدار من الثلاثة إلى التسعة).
وذلك النصر لا بد من تحققه في واقع الحياة، لأن الله سبحانه وتعالى لا يخلف وعده. فوعده صادر عن إرادته المطلقة، وحكمته البالغة وهو قادر على تحقيقه، ولا رادّ لمشيئته، ولا معقّب لحكمه، ولا يكون في الوجود ألا ما يشاء، ووفق ما يريد، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} ولو بدا في الظاهر أنهم يعلمون، وأنهم يعرفون الكثير. ذلك أنَّ علمهم سطحي يتعلق بظواهر الحياة الدنيا ولا يتعمق في فهم سننها الثابتة، وقوانينها الأصيلة، ولا يدرك ارتباطاتها المتينة بخالقها. {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}... {ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ} (سورة النجم: الآية 30) لأنهم يركزون علمهم في الأمور المتعلقة بوسائل معاشهم من طعام وشراب، وبوسائل زينتهم ولهوهم ولعبهم لإشباع شهواتهم وتحقيق رغباتهم... ذلك مبلغهم من العلم الذي لا يتجاوز الظاهر، ولا يرون ببصيرتهم ما وراءه. مع العلم أن ظاهر الحياة الدنيا محدود صغير مهما بدا للناس واسعًا شاملًا، يستغرق جهدهم جزءًا منه، ولا يستقصونه بكامله في حياتهم المحدودة. والحياة الدنيا كلها طرف صغير من هذا الوجود الهائل، تحكمه نواميس وسنن مستكنة في كيان هذا الوجود وتركيبه. والذي لا يتصل عقله بالوجود، ولا تشعر أحاسيسه بالنواميس والسنن التي تصرِّفه، يظل ينظر وكأنه لا يرى، ويبصر الشكل الظاهر والحركة الدائرة، لكنه لا يدرك ما وراءهما من الحكمة الإلهية في دِقّة الصنعة والإحكام، ولا يتعايش مع حقيقتها السامية.
الغفلة:
{وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}... فالآخرة هي حلقة في سلسلة النشأة، وصفحة من صفحات الوجود الكبيرة. والغفلة عن الآخرة تجعل كل مقاييس الغافلين تختلُّ، وموازين القيم لديهم تهتز، فلا يتمكنون من تصور الحياة وأحداثها وقيمها تصورًا صحيحًا. ويظل علمهم بها ظاهرًا سطحيًّا ناقصًا، لأن حساب الآخرة إذا عاش في تفكير الإنسان وضميره يغيِّر نظرته لكل ما يقع على هذه الأرض.
ومن ثَمَّ لا يلتقي إنسان يؤمن بالآخرة ويعمل لها مع آخر يعيش لهذه الدنيا وحدها ولا ينظر ما وراءها. لا يلتقي هذا وذاك في تقدير أمر واحد من أمور هذه الدنيا، ولا يتفقان في حكم واحد على حادثة أو واقعة، أو حالة أو شأن من شؤونها. فلكل منهما ميزان، ولكل منهما زاوية للنظر، ولكل منهما ضوءٌ يرى عليه الأحداث والوقائع، والأحوال والشؤون... هذا يرى ظاهرًا من الحياة الدنيا، وذلك يدرك ما وراء الظواهر من روابط وسنن ونواميس شاملة للظاهر والباطن، والغيب والشهادة، والموت والحياة، والماضي والحاضر والمستقبل، وعالم الناس، والعالم الأكبر الذي يشمل الأحياء وغير الأحياء...
هذا هو الأفق البعيد الواسع الشامل الذي ينقل الإسلام البشرية إليه، ويرفعها فيه إلى المكان الكريم اللائق بالإنسان.
الموقف الدولي والصهيونية:
لماذا يحصلُ ما يحصلُ في أوروبا الشرقية؟ وهل يحدث ذلك بصورة عفوية أم أن هناك من يعمل على هدم تلك الأنظمة خدمةً لمصالحه؟
وهل صحيح ما يُتداول من أن أصابع الصهيونية العالمية هي التي تحرك هذه الأحداث لأهداف وأغراض تخدم مصالحها؟ وأن «إسرائيل الكبرى» حقًا باتت على الأبواب؟
إن السنوات القادمة قد تشهد تطورات مهمة جدًّا... لذلك، ولكي يعيَ العالم بأسره ما يجري، في العالم الإسلامي بصورة خاصة، لا بد من معرفة حقيقة الصهيونية، والأهداف التي تسعى إليها.
ولإظهار حقيقة الصهيونية وفضح ما تخطط له فإننا نستعين بالمعلومات التي تضمنتها عدة مؤلفات ظهرت لكتَّاب وصحفيين أميركيين، ومنها كِتَاب (النبوءة والسياسة ـــــــ الإنجيليون العسكريون في الطريق إلى الحرب النووية). هذا الكتاب هو جملة تحقيقات ومشاهدات وحوادث وأفكار نقلتها الصحفية الأميركية «غريس هالسل»، وقام بترجمته إلى العربية الأستاذ محمد السماك. وقد أخذته على عاتقها «جمعية الدعوة الإسلامية العالمية»، وقررت وضعه بين أيدي المسلمين للاطلاع عليه، ورؤية الخطر الذي يتهددهم، بل يتهدد كل الناس من النصارى واليهود والمسلمين...
إن المسلمين هم الجماعة المعنية في الأصل، والتخطيط الصهيوني يستهدفهم، وفيه أخطار كثيرة على وجودهم وتراثهم وثرواتهم. وهذا ما يستدعي حثهم على التفكير بجدية لمواجهة تلك الأخطار، وإعداد العدة لما يفرضه عليهم دينهم ودنياهم، وذلك لأجل اتقاء الشر قبل استفحاله، علَّ في صحوتهم، وتغيير نمط تفكيرهم، وتحوّلهم إلى دعاة ومجاهدين، ما يحول دون حصول الكارثة المرتقبة في إفناء البشرية... ولا سيما أن الله ـــــــ سبحانه وتعالى ـــــــ قد وضع على عاتق الجماعة الإسلامية هداية الناس، ومحاربة الفساد، وخدمة الإنسان في كل مجالات الحياة... وهذا من شأنه أن يُفْشِلَ ـــــــ بحول الله ـــــــ كل المخططات الهدامة، والمكائد المتربصة، والأهداف الملتوية، سواء تلك التي تعمل لها الصهيونية أو غيرها.
amantadin cena amantadin biverkningar amantadin nedir



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB