حركة التاريخ في المفهوم الإسلامي
الطبعة : الطبعة الاولى  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   112
تاريخ النشر :   1985




الفصْل الثَاني: حَركَة التَاريْخ وَالفِكر الإسْلَامي

نعم لقد مرَّت على التاريخ البشري دورات تقلّبت فيها أحوال الناس وتبدلت كثيرًا، فكان من الطبيعي أن تطاول تاريخ المسلمين، الذي مرَّ ـــــــ جريًا على قاعدة الحياة ـــــــ بمراحل القوة، وبمراحل الضعف، بحيث ظهرت فيه دول كبيرة وقوية، كما ظهرت فيه دويلات هزيلة وضعيفة. لكنَّ ميزته الأساسية، أنه في جميع مراحله تلك، لم ينفك يمدُّ المجتمعات التي عرفته بـــــــ «الفكر الإسلامي» المتجدِّد الذي لم يتوقف يومًا عن إتاحة الفرصة للنموِّ الإنساني والحضاري، وإفساح المجال لالتقاء الإسلام بالحياة والحضارة، وجعل الحركة متصلةً في العلاقة بين مجتمعه ومختلف الحضارات والثقافات والمجتمعات الأخرى. وذلك كله مع القدرة على الأخذ والعطاء، ومع المحافظة الدائمة على مقوماته الأساسية التي لم تجرِ إضافةُ أيِّ شيء جديد إليها، بعد أن كانت مفاهيم الإسلام وعقيدته قد استُكملت تمامًا، وخطوطه العامة قد رسمت فعلًا، خلال حياة الرسول الأعظم. وتمَّ ذلك كلّه طبعًا بفعل النصوص القرآنية الثابتة، التي لا يطرأ عليها أي تغيير، أو تبديل، وعلى النحو الذي يكفل للبشرية وجود رسالة إنسانية عالمية خالدة، تمتد مع حركة التاريخ إلى النهاية التي يقدّرها الله سبحانه.
من هنا يمكن القول إن تاريخ الإسلام مرَّ بعصور مختلفة، تبدأ ببناء الجماعة الإسلامية التي بناها الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم طوال ثلاثة وعشرين عامًا في مكة والمدينة. ثم توسع الإسلام عن طريق الفتوحات التي أدت إلى انتشاره في بقاع كثيرة من الأرض، ولدى أقوام وشعوب متنوعة.
صلاح الدين ومحمد الفاتح:
كان ذلك بفضل قادةٍ مخلصين، ورجالٍ عظام، عرفهم التاريخ الإسلامي، وكانوا على بيِّنة من حركة التاريخ وعلى وعيٍ للإفادة من سننها في تحقيق التوسع ونشر الدين الحنيف. فإذا طوينا بضعة قرون من بداية العهد الإسلامي، أمكننا الوقوف على مثالين من حياة أولئك القادة المسلمين الذين أثَّروا في حركة التاريخ، لصالح الإسلام وأهله، وهما: صلاح الدين الأيوبي، ومحمد الفاتح العثماني.
صلاح الدين الأيوبي: (536 ـــــــ 589هـــــــ/1138 ـــــــ 1191م):
هو صلاح الدين يوسف الأول، ابن الأمير نجم الدين أيوب من مواليد تكريت.
نشأ في بعلبك حيث كان أبوه واليًا عليها حتى السابعة عشرة من عمره، انتقل بعدها إلى دمشق ليعيش مع أبيه في بلاط نور الدين.
صحب وزيرَ الخليفةِ العاضد (الفاطميّ) المدعو شيركوه في حملتين على مصر.
وقد تمكن صلاح الدين من تولّي زمام الحكم في مصر، بعد أن عيَّنه الخليفة وزيرًا ولقبه «الملك الناصر».
كان صلاح الدين أقرب إلى السياسيّ منه إلى القائد العسكريّ. وكان بارعًا في اختيار معاونيه، إذ اختار لديوانه اثنين من رجال العلم كان يطلق على كل منهما لقب الوزير وهما: القاضي الفاضل، وعماد الدين الكاتب الأصفهاني، الذي ألحق به سنة 584هـــــــ القاضي ابن شداد. وكان الفرنجة يُعدّون حكم صلاح الدين في مصر مصدرَ خطرٍ على بيت المقدس، فسعوا لإبعاده والتخلص منه فبعثوا إلى البابا وملوك أوروبا يطلبون النجدة لغزو مصر.
وكانت خطةُ الفرنجة تقضي بالاستيلاء على دمياط ثم السير إلى القاهرة. وقد حققوا في غزوهم بعض الانتصارات على جيش صلاح الدين. إلَّا إن اعتباراتٍ عدةً، منها طول مدة الغزو ونقصانُ المؤن لديهم، حالت دون تحقيق انتصارهم النهائي. كما أن حدوث زلزال هائل عام 565هـــــــ (1170م) ضرب المدن الشامية، اضطر المسلمين والفرنجة إلى إلقاء السلاح جانبًا والانصرافِ لإعادة بناء ما تهدم من المدن.
وبعد ذلك قام صلاح الدين بعدة غزوات على بلاد فلسطين، مما جعل المعاركَ دائمةً بين جيش صلاح الدين وجيوش أمراء الإفرنج الحاكمين في بلاد المسلمين. وكانت الانتصارات مداولةً تارة لصلاح الدين، وتارة لأمراء الإفرنج. لكن المعركة التي كان لها تأثيرها في التاريخ الإسلامي كانت معركة حِطِّين التي أعقبها استعادة صلاح الدين لبيت المقدس من أيدي الصليبيين وأعوانهم (583هـــــــ ـــــــ 1187م) فدمر الآثار الصليبية، ورمّم قبة بيت المقدس والمسجد الأقصى، وشيد المستشفيات والمدارس إثـْــــرَ تلك المناسبة العظيمة التي أقام لها المسلمون في العالم الإسلاميّ احتفالاتٍ باهرةً تمجيدًا لها.
وعقد صلاح الدين مفاوضات مُضنيةٍ مع الصليبيين كان محورَها أخوه الملك العادل وريتشارد الأول ملك إنكلترا. وكان أهمَّ ما اتُّفِقَ عليه بنتيجة هذه المفاوضات هو تخلي المسيحيين عن بيت المقدس. والسماح لهم بالحج إلى بيت المقدس من دون حمل سلاح.
وبعد أن صارت بلاد فلسطين، باستثناء المنطقة الساحلية، خاضعة لسلطة المسلمين، قام صلاح الدين بتحصين مدينة بيت المقدس لئلا تسقط بسهولة أمام الغزاة الطامعين. وعاد بعدها إلى دمشق ليتخذها قاعدة لحكمه. إلَّا إنه توفي بسبب المرض وكان ذلك في صفر من عام 589 هجرية 1191م.
محمد الثاني:
حكمَ السلطانُ محمد الثاني الذي كان سابعَ سلاطين بني عثمان من عام (855 ـــــــ 886هـــــــ) الموافق (1451 ـــــــ 1481م). تميَّز هذا الملك العثمانيّ بشدة الذكاء، والقدرة على التحمل، والكفاءة في إدارة شؤون الخلافة. وكان شاعرًا مجيدًا وعلى درجةٍ عالية من الثقافة. يتقن عدة لغات إلى جانب لغته الأم. وكان كريم النفس، شجاعًا، جسورًا، مقدامًا حتى إنه بزَّ والده السلطان مراد الثاني بمقدرته العسكرية.
فتح القسطنطينية:
خاض محمد الثاني معارك كثيرة وأجرى عدة فتوحات وبسط سلطة الإسلام على مناطق شاسعة، إلَّا إنَّ تأثيره الكبيرَ في التاريخ الإسلاميّ تجلَّى بفتح القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية.
كانت مدينةُ القسطنطينية بأسوارها وحصونها المنيعة حجرَ عثرةٍ أمام تقدم المسلمين، وبابًا مغلقًا في وجوههم، وسدًّا مانعًا أمام الإسلام وانتشاره في أوروبا الشرقية والوسطى. وقد حاول كثيرٌ من قادة المسلمين فتحَ القسطنطينية إلَّا إنَّ الحظَّ لم يكن يحالفهم. وكادت تقع في يد السلطان العثماني بايزيد الأول، لولا إغارةُ المغول على بلاد المسلمين في آسيا الصغرى، فاضطر بايزيد للاكتفاء بعقد صلح مع ملكها على أن يدفع هذا الأخير جزيةً ماليةً سنويةً، ويسمح للمسلمين بإقامة مسجدٍ في المدينة لأداء الصلاة، وفتح محكمةٍ شرعيةٍ للنظر في قضاياهم وأحوالهم الشخصية.
رأى محمد الثاني أنَّ القسطنطينية لا تشكل حجر عثرة أمام المسلمين فحسب، بل هي البؤرة الرئيسية لمؤامراتٍ تُحاك ضدّ الإسلام وأهله. ويجهد ملوكها في إحداث الفتن وتذكية روح الثورة ضدّ بلاد المسلمين، فصمم على فتح المدينة وإزالة البؤر منها. وقد بعث بعدة رسائل إلى امبراطورها قسطنطين يطلب إليه أن يسلمه المدينة سِلمًا حقنًا للدماء، وحفاظًا على الأرواح والممتلكات. وتعهد له بصون المقدسات النصرانية وحقوق أهاليها. إلَّا إنَّ الامبراطور قسطنطين رفض تلك العروض رفضًا تامًّا. عندها صمم محمد الثاني على فتح القسطنطينية فقام بالاستعدادات الكافية، وجهز الجيوش تجهيزًا تامًّا. ثم بدأ الزحف على المدينة، وضرب عليها الحصارَ في أوائل شهر إبريل (نيسان من عام 1453م). وقد دارت عدة معاركُ بريةٌ وبحريةٌ بين جيوش المسلمين وحاميتها. واستمات قسطنطين بمعاونة مقاتلين من جنوده قدموا لنجدة المدينة في الدفاع عنها. وتكبَّد المسلمون خسائرَ بشريةً وماديةً كبيرةً خلال الحصار، وعلى الرغم من ذلك فإن السلطان محمد الثاني لم ييأس. وكان يشجعه على الاستمرار في حصاره معاونوه المخلصون من القادة العسكريين وعلى رأسهم وزيره زعيوس باشا، ومن علماء الدين وخصوصًا الشيخ آق شمس الدين، والمولى أحمد الكوراني. وكانت له ثقة كبيرة بهذين العالِمين اللذين أدّيا دورًا مهمًّا في حث الجنود على الصمود والصبر والجهاد في سبيل الإسلام حتى يحقق الله تعالى لهم النصر. ومما يذكر عن الشيخ شمس الدين أنه كلما خطب في الجند كان يُردِّدُ على مسامعهم حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لتفتحنَّ القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش».
هذان الوزيران الصّالحان الصادقان هيّأهما اللهُ تعالى لمحمد الفاتح، كما هيّأ سبحانه من قبلُ، وقد ذكرنا ذلك، لصلاح الدين وزيرين صادقين لمعونته وإسداء المشورة له. وكان كلٌّ من صلاح الدين أو محمد الثاني يأخذُ بما يشير به وزيراه ويعمل برأيهما... مما كان له الأثرُ الفاعلُ في التاريخ وفيما حقَّق الله تعالى على يديه من النصر. وفي ذلك تجسيدٌ لمعاني حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزيرَ صدقٍ: إنْ نسيَ ذكَّره، وإنْ ذكرَ أعانه».
وبعد حصار دام ثلاثة وخمسين يومًا صابر المسلمون خلالها وصبروا، وفي شهر جمادى الأولى عام 857 الموافق لشهر مايو (أيار) عام 1453م أنعم الله تعالى عليهم بالنصر، حيث سقطت القسطنطينية في أيدي الجيش الإسلامي، فدخل السلطان محمد الثاني المدينة ظهرًا وسجد في وسطها، وراح يحثو التراب على رأسه، شكرًا لربه على ما أيده به من نصر مؤزر. وكان قسطنطين قد قُتِلَ في أثناء معركة الهجوم الأخير. وبخلاف ما ذهبت إليه مؤلفاتُ المؤرخين النصارى فإن محمدًا الثاني الذي لُقِّب بالسلطان الفاتح قد أعلن في جنده، بعد فتح القسطنطينية وبأوامرَ مشدّدة، وجوبَ معاملة أهلِ المدينة بالحسنى، وعدم الانتقام من أحدٍ منهم، وأبدى التسامح والعفوَ بما يرضي الله ورسوله. وقد ضمن للنصارى ممتلكاتهم وإقامة شعائرهم الدينية. وطلب من رجال الدين انتخاب بطريرك لهم، فاختاروا جورج سكولاريوس. وقد حضر السلطانُ الفاتحُ بنفسه الاحتفال الذي أقيم له بالمراسم نفسها والأبهة التي كانت تتم عند تتويج الملوك.
وقد حوّل محمد الفاتح كنيسة أيا صوفيا إلى مسجد للمسلمين. وظل هذا المسجد قائمًا لعبادة الله تعالى حتى جاء حكم أتاتورك فحوّله إلى متحفٍ، ولا يزال كذلك حتى اليوم. أطلق محمد الفاتح على المدينة بعد فتحها اسم اسلامبول، أي مدينة الإسلام، إلَّا إن هذا الاسم حُرِّف فصار اسطنبول. وكان لسقوط القسطنطينية أهميةٌ تاريخيةٌ كبرى في الغرب والشرق. فقد عَدَّ المؤرخون الأوروبيون ذلك الحدث فاصلًا بين تاريخ القرون الوسطى وعصر النهضة. أما المسلمون فقد تابعوا مسيرتهم بقيادة السلطان محمد الثاني وافتتحوا كامل بلاد اليونان، والمجر، وبلغاريا، والبوسنة، وألبانيا. ووصلت جيوشهم إلى إيطاليا في جنوبي أوروبا، وإلى أسوار مدينة فيينا في وسطها.
لقد وعى كلٌّ من صلاح الدين ومحمد الفاتح حركة التاريخ بصفتها جندًا من جنود الله تعالى، وأنها تسير وفق أوامره سبحانه بما أودع فيها من سنن. ولو لم يسبق أن أعدَّ كلٌّ منهما نفسه وجيوشه إعدادًا كافيًا، وتوكّل على ربّه حق التوكل، لما تجاوبت معه حركة التاريخ.
إن فهم كلٍّ من هذين القائدين الكبيرين لسنن حركة التاريخ، ومباشرته الأعمال بنفسه وبما يتوافق مع تلك السنن، هو الذي أدى بالنتيجة إلى أن تستجيب له حركة التاريخ ويتحقق له النصر بحول الله وقوته.
وبذلك كله برز الدورُ المؤثّرُ الذي يقوم به الإنسان على الساحة التاريخية.
ولكنْ على الرغم من ذلك التوسّع والتنوّع، فإن الفكر الإسلاميُّ واجه محاولاتٍ عاتيةً من أجل تحريفه، وإلصاق ما ليس منه فيه، كي يمكن القضاءُ عليه... وقد أفضت تلك المحاولات إلى ما أفضت إليه من إيقاع العالم الإسلامي في براثن الغزو الخارجي، ولا سيما الغزو الصليبي، وغزوات التتار، حتى ظهرت في العالم الإسلامي ثلاث دولٍ: الدولة العثمانية في آسيا الصغرى والبلاد العربية، والدولة الصفوية في فارس، ودولة المغول في الهند...
تراجع المسلمين وتقدم الفكر الإسلامي:
وتتالت حِقَبُ التراجع في تاريخ المسلمين. ثم جاء الاحتلال الغربي بصورة الاستعمار السافر عن طريق الغزو: البريطاني ـــــــ الفرنسي ـــــــ الإسباني ـــــــ الإيطالي ـــــــ الهولندي، لبلاد المسلمين، لينزل بهم أشد الويلات في الأعماق والأرزاق، وليتحكّم بها تحكُّمًا حاقدًا غاشمًا... وكانت أكبر الرزايا والمصائب التي ألحقها بهم الاستعمار إقامته لدولة اليهود في فلسطين، كظاهرة قمع للفكر الإسلامي، وعامل محوٍ للحضارة الإسلامية برمَّتها... ولكن، يبدو أنه لم يطل الزمان كثيرًا ـــــــ وفقًا لحساب حركة التاريخ ـــــــ إذ ها هي مرحلة يقظةٍ إسلامية تلوح في الأفق، بعد بضع عشرات من السنين، تحاول أن تستعيد نفسها، لتعيد بناء الفكر الإسلامي من جديد، على أساس القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة... إذن فالشيء المهمّ في تاريخ المسلمين هو أن الإسلام لم يتوقف كعقيدة، بل ظل يتوسع بالكلمة. ففي حين تسقط الخلافة في بغداد، ويتقلص النفوذ الإسلامي في الأندلس، يقتحم الإسلام آفاقًا جديدة في جنوب شرق آسيا، وفي قلب أفريقيا، على الرغم من سيطرة الهيئات التبشيرية المختلفة، التي تسندها الحكومات والاحتلالات، ويحقق عن طريق التوسع الذاتي انتصارًا ساحقًا فيجذب إلى صفوفه الملايين من المؤمنين به دينًا حقًّا، وشريعة كاملة، وحقائق مطلقة... كل ذلك تشهد عليه حركة التاريخ وهي تثبت أن الفكر الإسلامي لم ولن يتوقف أبدًا، بل ظل وسيظل فكرًا حيًّا، متحركًا، قويًّا، تبرز معالمه في كل زمان ومكان أشدَّ وضوحًا وأكثرَ إشراقًا كلما تجددت الحياة بفكرها وأساليبها ووسائلها...
وهكذا يتبين أن التاريخ الإسلامي تاريخ عاديٌّ في ظاهره: عرف دولة الإسلام الصحيحة، ثم عرف دولًا قوية، ودولًا ضعيفة... لكنَّه في جوهره كان مختلفًا عن غيره، لأنه احتوى حركة التاريخ كفكرة يحتضنها ولا يتخلَّى عنها، لا لشيء إلَّا لأنه يرى فيها جندًا من جنود الله، تسير وفق مشيئته ـــــــ تعالى ـــــــ المطلقة لتسجل في كل دورة من دوراتها كلَّ ما قام به الناس، أفرادًا وجماعات، من أعمال إيجابية وأعمال سلبية...
لذلك فإنَّ المسلمين يُعدّون أنهم وعَوْا مفهوم حركة التاريخ، فانتظموا في منهجية الإيمان يردون نتائج الأمور كلها إلى الله ـــــــ سبحانه ـــــــ، إلّا إنهم قصَّروا أحيانًا في تقدير ما لها من تأثير في حياتهم عندما تخاذلوا عن فهم سنن الكون وعن العمل بما يُرضي الله العظيم ورسوله الكريم...
وأما غيرهم، ممَّن لم يدركوا مفهوم تلك الحركة، ولم يقدِّروا ما لها من تأثير في البشر، فقد انبروا يستكبرون ويتعالون، وفي ظنِّهم أنهم يفعلون ما يشاؤون، ويحرِّكون التاريخ كما يريدون، وينشئون الأحداث وفق رغباتهم وأهوائهم... لكنهم في الحقيقة، لم يكونوا إلّا أدواتٍ لحركة التاريخ. إنهم وإن قاموا بأدوار متنوعة إلّا إنها لم تكن لتصبَّ في النهاية لصالحهم، أو لصالح الأفكار التي اعتمدوها، لأنهم لم ينتظموا أصلًا في المنهجية التي تردّ الأمر إلى الله العلي القدير، والتي تُرجع كل شيء في النهاية إليه وحده جلّ وعلا.
الأمر كله منوطٌ بإرادة الله سبحانه:
من هنا كان تأكيدنا على أن الأمر كله منوطٌ في نهاية المطاف بإرادة الله سبحانه وتعالى. فما الكون بأسره، وما خلق السماوات والأرض، وما اختلاف الليل والنهار، وما الشمس والقمر وهما يسبحان في الفضاء، وما إنزال الماء من السماء، وما تصريف الرياح والسحاب، وما إنبات الحبَّةِ، أو خلق البعوضة... إلخ... إلَّا آيات بيِّنات، ودلائل ثابتة قاطعة، على أن ذلك كله من خلق الله تعالى، ويسير وفق ما قدَّر له خالقه وما شاء. بدليل قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (سورة البقرة: الآية 164). وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (سورة يونس: الآية 5). وقوله تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} (سورة يس: الآيات 38 ـــــــ 40).
وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ} إلى قوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} (سورة لقمان: الآيتان 29 ـــــــ 30).
هذه بعضٌ من دلالات القرآن الساطعة على حركة التاريخ، بحيث لو أخذنا كل أمرٍ منها، مهما كان كبيرًا مثل حركة الشمس والقمر، أو صغيرًا مثل إنبات الحبةِ في الأرض، لَوجدنا أن هذا الأمرَ الذي هو من صنع الله تعالى يمثل ناحية من نواحي حركة التاريخ التي تخضع لمشيئة الله... فإنبات الحبة الواحدة، مثلًا، يحتاج إلى قدرة الله تعالى المهيمنة على الكون كله تسخِّر أجرامه وظواهره في سبيل إنبات هذه الحبة وإمدادها بعوامل الحياة من تربةٍ وماءٍ وأشعة وهواء... ويقتصر دور الإنسان فيها على الحرث والبذر فقط. أما إنبات الزرع والنموّ فهما بيد الله تعالى، لقوله سبحانه: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} (سورة الواقعة: الآيات 63 ـــــــ 65).
هذه الآية الكريمة تلخص أمورًا ثلاثة: المباشرة والخلق والنتائج. أما المباشرة فكانت من الإنسان بالحرث {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ}. وأما الخلق فهو من الله سبحانه وكان بإنبات الحبة ونموّها {أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ}. وتبقى النتائج، والله سبحانه يجزم بأنها من صنعه وأن أمرها لا يعود إلَّا إليه تعالى: {لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا}.
نعم إن الله تعالى هو الذي يتولى الحبة أو البذرة بالعناية، فيُمِدُّ كلًّا منهما بإمكانية التفاعل مع الماء مطرًا أو رطوبةً، ومع الهواء نسيمًا أو رياحًا، ومع حرارة الشمس لطيفةً أو لافحةً، حتى تستويَ نباتًا يُعجب الزُّرّاع أو شجرًا يانعًا ثمرهُ، فيرها الإنسان في هذه الصورة، أو في غيرها، مما أرادَها الله تعالى عليه.
وهنا تبرز مشيئة الله تعالى في تسخيره لحركة التاريخ من خلال الدورة الزمنية التي تمرُّ على الحبَّة أو البذرة، بحيث إن جاءت عوامل الحياة متوافقة آتت تلك الحبة أو البذرة أُكُلَها، وإن جاءت عوامل الحياة غير مؤاتية لها، فسوف تتلف الحبَّة في باطن الأرض فيأخذها السيل الجارف، أو تأكلها الحشرة الدابّة... وحتى بعد ظهورها فوق سطح الأرض، فقد يأتي عليها ريحٌ صرصر، أو حرٌّ شديد، فيتوقف النماء وتيبس الأوراق والأغصان والجذوع، ويصبح كل شيء حطامًا، ويذهب هباءً منثورًا...
ثم أليست دورة المياه من تبخيرٍ، وتجمع سحاب، وبرودة جوٍّ، وهطول مطر، وجريان ماءٍ في السواقي والأنهار لترجع إلى البرك والبحيرات والبحار، كما كانت من قبل، هي من أروع الأمثلة على حركة التاريخ؟ وقس على ذلك سائر الأمور الأخرى في تعاقب دورة الشمس والقمر، وتعاقب الليل والنهار، لتمدَّ الزمان بدوراته، ولتتعاقب الأحداث خلال هذه الدورات!...
ويحصل ذلك كله في الكون: في السماء والأرض، والله ــــــ سبحانه ـــــــ كل يوم هو في شأن، لقوله تعالى: {يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} (سورة الرحمن: الآية 29). أجل، يسأله كلُّ مَنْ في السماوات والأرض من خلائق وكائنات، لأنه ـــــــ سبحانه ـــــــ المسؤول وحده وإليه الأمر. إنه الإلهُ المتعالي، الحي القيوم، الذي يديرُ كلَّ شيء، ويدبّر كلَّ شيء. فكان مردُّ السؤال والأمر إليه أمرًا حتميًّا، باعتبار أن في السؤال توجُّهًا من العبد للخالق، وهذا العبدُ محتاج دائمًا إلى خالقه.
واللهُ سبحانه {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}، هي أيضًا حقيقة مطلقة تبين أن المشيئة الإلهية تتعلق بشؤون الخلائق وتقدير أمورها وتدبيرها. بحيث يتناول هذا التدبير الوجودَ كله جملةً، كما يتناولُ كل فردٍ في هذا الوجود على حدة. فهو يتناول كل خلية، وكل ذرة، وكل عضو في جسمٍ أو في مادة، ويعطي كل شيء خلقه كما يعطيه وظيفته، ثم يراقبه وهو يؤدي هذه الوظيفة. ومع ذلك فإن صاحب التدبير، العلي العظيم، لا يشغله شأن عن شأن، ولا يندُّ عن علمه ظاهر ولا خافٍ... ومن هذا الشأن شأنُ العباد في الأرض من إنس وجنّ... وقد قال بعض المفسرين في تفسير هذه الآية الكريمة «إن شأن الله هو إحياء قوم وإماتة آخرين، وعافية قوم وبلاء آخرين. وغير ذلك من الإهلاك والإنجاء، والحرمان والإعطاء، ومختلف الأمور الأخرى التي لا تحصى»...
وعن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله تعالى: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} قال: «من شأنه ـــــــ سبحانه ـــــــ أن يغفر ذنبًا، ويفرِّج كربًا، ويرفع قومًا، ويضع آخرين»...
فالصحة والشفاء، والموت والحياة، والغنى والذل، وغفران الذنب، وتفريج الكرب، وإعلاء الناس وإعزازهم، وحطُّهم وإذلالهم... كلها من شأن الله تعالى، لأن هذا الشأن هو تعبير عن ميشئته المطلقة... فالناس، وهم عباد الله يسيحون في الأرض: يغرسون، ويصنعون، ويحكمون ويُحكَمون، يقاتلون فَيَقتُلون ويُقتلون، يتقدمون ويتأخرون... حياتهم كلها حركة... لكن النتائج في كل أمرٍ، وفي كل شأن من ذلك، مردُّها إلى الله تعالى. فلا عجب إذن إن رأينا التنوع والاختلاف في حياة الناس، من أفراد وجماعات، أو دول وأمم، وعدم اتِّساقهم جميعًا في وحدة حياتية...
مداولة الأيام بين الناس:
وليس أدلُّ على هذه الحقيقة المطلقة التي تجعل الوجود كله منوطًا بأمر الله تعالى (ومن هذا الوجود حياة الناس على هذه الأرض) من قوله تعالى في سورة آل عمران: {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء} (سورة آل عمران: الآية 140).
هنا الدلالة البالغة على حركة التاريخ...
وقد ذهب بعضهم، إلى أن هذه الآية الكريمة تحمل في مدلولها يوم نزولها، إشارة إلى غزوة بدر، وغزوة أحد، حيث انتصر المسلمون في الأولى وهُزم المشركون، ثم كانت الدّولة للمشركين في الثانية وهُزم المسلمون قتاليًّا نتيجةً لمخالفة الرُّماة أوامرَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طمعًا في الغنيمة، في حين أن الله تعالى، قد كتب النصر في معارك الجهاد لمن يجاهدون في سبيله، ولا ينظرون إلى أي شيء من عرض هذه الدنيا الزهيد، مهما كان فيه من الغنيمة...
وقد ذهبوا أن فيها أيضًا تحقيقًا لسنَّة أخرى من سنن الله في الأرض، وهي مداولة الأيام بين الناس ـــــــ وفقًا لما يبدو من عمل الناس ونيتهم ـــــــ فتكون لهؤلاء يومًا ولأولئك يومًا، ثم يُمحَّص المؤمنون ويظهر المنافقون على حقيقتهم، كما تتكشف الأخطاء وينجلي الغبش...
وبما أنَّ التمييز في العباد يكون دائمًا بين المؤمنين والكافرين، وبما أن المداولة ـــــــ لغةً ـــــــ تعني نقل الشيء من واحد إلى آخر، فيقال: تداولته الأيدي إذا تناقلته. كما يقال: الدنيا دُول أي تنتقل من قوم إلى غيرهم... فإنَّ المعنى المقصود من: {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} هو أننا نُعطيها مرةً لأناس فتكون لهم، ونصرفها مرة أخرى عنهم فتكون عليهم... فالله تعالى يصرِّف الأيام بين المسلمين والكافرين، بتخفيف المحنة عن المسلمين أحيانًا، وبتشديدها عليهم أحيانًا... لا بنصرة الكفار عليهم، لأن الله لا ينصر الكفار على المؤمنين، إذ إن النصرة تدل على المحبة، والله تعالى لا يحب الكافرين ولا الظالمين ولا المعتدين... كذلك فإن النصر من عند الله، فهو وحده يملك الغلبة، والقوة والسلطان... وقد جعلَ النصر لمن يجاهد في سبيله، وفي سبيل إعلاء كلمته وإحقاق الحقّ. كما جعل سبحانه أيام الدنيا متقلبة، كي لا يطمئن المؤمن إليها دائمًا، وتقل رغبته فيها، أو حرصه عليها، فإذا ترك عرض الدنيا وسعى لمرضاة الله، فإنه يسعى للنصر الحقيقي الذي يقوده للآخرة ونعيمها الدائم.
لكنَّ مدلول الآية لا يتوقف عند هذا المفهوم عن مداولة الأيام، وتغيُّر الأحوال والأوضاع، بل يأتي السياق القرآني ليكشف للمؤمنين، وللأمة المسلمة، عن جوانب من حكمة الله تعالى، والغاية المثلى من مداولة الأيام بين الناس وما فيها من عبرٍ وعظاتٍ، وفي طليعتها تمييز المؤمنين من غيرهم، وعِلْم الله ـــــــ سبحانه ــــــــ بهم، بقوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ}، أي يعلمهم بما يظهر من صبرهم على جهاد عدوهم لأنَّ من شيمة المؤمنين الصبر على الشدة والبلاء، والتضحية والتفاني إبّان الجهاد في سبيل الله، والإيمان بأن ما يصيبهم من خير فبإذن الله، وما يصيبهم من كرب فمن أيديهم وبإذن من الله...
وعلمُ الله تعالى بهؤلاء المؤمنين، لا يعني أنه سبحانه لم يكن عالمـــًا بهم من قبل. فهو يعلمهم قبل إظهارهم الإيمان، كما يعلمهم بعده. إنما يعلم قبل إظهارهم الإيمان أنهم يتميزون به، فإذا أظهروه عَلِمَهم متميزين، وعلموا هم أنفسهم بهذه الصفة وعلمهم المؤمنون. فيكون التغيُّر حاصلًا في المعلوم لا في العالِم... ومن قبيل ذلك أن أحدنا يعلم بإتيان الغد قبل مجيئه، فإذا جاء علم به حاضرًا، وإذا انقضى علم به ماضيًا، فالتغيُّر والحدوث يحصل في المعلوم، وهو الغد، لا في أحدنا وهو العالم للغد... إنَّ الله تعالى يعلم المؤمن والكافر قبل أن يظهرا للناس على حقيقتهما، فإذا ظهرا وتميَّزا علم بهما متميزَين معروفين للناس. وإذا لم يُذكر الكافر في النص فلأنه استُغني بذكر أحدهما (المؤمن) عن الآخر (الكافر)...
وفي أي حال فإن الله ـــــــ سبحانه ـــــــ يعلم المؤمنين والمنافقين أو الكافرين والظالمين، لأنه ـــــــ سبحانه ـــــــ يعلم ما تنطوي عليه الصدور. لكن الأحداث ومداولة الأيام بين الناس تكشف المخبوء وتجعله واقعًا في حياة الناس، وتحوِّل الإيمان إلى عمل ظاهر، كما تحول النفاق أو الكفر أو الظلم إلى تصرُّف المؤمنين، كما يحكمون على تصرُّف الكافرين.... وقد يكون في هذا الحكم صلاح للأمور، إذ تستقيم من جرائه الأحوال بالإبقاء على الصالح وترك الطالح، وقد لا يكون هنالك حكم صائب من الناس، فتبقى الأمور مغمورة، والحقائق مخبوءة، وقد يترتب على ذلك فساد الأمور وسوء الأحوال...
فالحكمة الإلهية إذًا هي: في مداولة الأيام بين الناس ما يكشف عن الحقّ والباطل، وعن الإيمان والضلال، وما يبين الصلاح من الفساد، إنْ على صعيد الأفراد، أو على مستوى الدول والجماعات...
وإذا كان الله تعالى يعلم عباده، ويعلم مَن منهم المؤمنون، ومَن هم المنافقون، فإنَّ في مداولة الأيام أيضًا حكمة بالغة وهي اتخاذ الله ـــــــ سبحانه ـــــــ من المؤمنين شُهداء: {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء}.
والشهداء يكونون: إما لمشاهدتهم الأعمال التي رأوها وتحقَّقوها، فيشهدون بها أمام الله تعالى...
وإما لبَذْلهم النفس في معارك الجهاد ذودًا عن دين الله فيكونون مستشهدين في سبيله...
ولذا كانت لفظة «الشهداء» هي جمع شاهد، أو جمع شهيد...
ففي الجمع الأول، هم الشهداء الذين يستشهدهُمُ الله تعالى على الدِّين الحقّ الذي أنزله للناس، فيؤدون الأمانة (الشهادة) بلا شبهة ولا جدال. يؤدونها في سبيل إحقاق هذا الحقّ، وتقريره في دنيا الناس. فهم قد آمنوا بهذا الحقّ وتجرَّدوا له حتى أرخصوا كل شيء دونه. وشهادتهم تكون على أن حياة الناس لا تصلح ولا تستقيم إلا بهذا الحقّ، وأنها كانت من أجل مكافحة الباطل وطرده من حياة الناس حتى يتحقق منهج الله في حكم الناس... واللهُ سبحانه وتعالى، يستشهدهم على ذلك كله، فيشهدون...
وأما في الجمع الثاني، فهم الشهداء المختارون، الذين يختارهم الله ـــــــ سبحانه ـــــــ من بين المجاهدين، ويتخذهم عبادًا له ـــــــ سبحانه ـــــــ... فهل بعد هذا الاختيار الإلهي يمكن احتساب الموتِ الذي هو شهادةٌ في سبيل الله مصيبةً أو خسارةً، أم أنه بالعكس هو انتقاءُ واختيارٌ وتكريمٌ من الخالق للمخلوق؟ إنه بالطبع أسمى انتقاء، وأرفع مقام يتكرَّم به الخالق على عبادٍ له صالحين، منحهم عزة الشهادة عن طريق التضحية بالنفس... حتى تأتي هذه الشهادة غير مختلفة في معناها عن أداء الشهادة بأنَّ دين الله هو الحقّ... فتلتقي الشهادتان على هذا المعنى خدمةً للحقّ، ويبقى الحقّ واحدًا لا يتجزأ وإن اختلفت مظاهره...
وإذا كان الله تعالى يثبت في قوله المبين هذا الحكم العام، فذلك من أجل أن يتميَّز المؤمنون من الكافرين في كل زمان ومكان، وحتى تتبين لجميع الناس حقيقة المؤمن من زيف الكافر. وعند الله تعالى، في علمه وعدله، سوف يكون جزاءٌ لكلٍّ من المؤمنين أو الكافرين في الآخرة على ما فعلوا في العاجلة.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB