المسلمون من هم
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   57
تاريخ النشر :   2008




تعاون الخلفاء الراشدين

عاش الخلفاء الراشدون في كنف رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) وبصحبته = كبقية الأصحاب = ينهلون من معين النبوّة، ويستقون من ينبوع الرسالة، حتى عَمرَ الإِيمانُ قلوبهم، وملأتِ الهدايةُ عقولَهم، وارتاحت إلى الحقّ نفوسهم، فكانوا الخلفاءَ الراشدينَ حقًّا، بكتاب الله وسنَّة رسوله يسترشدون؛ وإلى إعلاء الدين، وخير الأمة، وصلاح المسلمين، يُرْشِدون.
وقد تسلّموا، واحدًا تلو الآخر، مقاليد الحكم، وقيادة الدولة الإِسلامية، ولم يكن لهم من همِّ إلا أن يحافظوا على العهد، ويؤدوا الأَمانةَ، فتتواصلُ المسيرةُ التي قادها الرسول العظيم محمدٌ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتبقى راية الإِسلام خفّاقة يحملها جنودٌ لله تعالى إلى البعيد البعيد...
هؤلاء همُ الخلفاءُ الأربعةُ الراشدون، الذين برزوا عظماءَ في التاريخ وبرز التاريخ بهم عظيمًا... وكيف لا يكون وجهُ التاريخ نقيًّا، ناصِعَ البياض، وهو ينقل أعمالَ العظام من بني البشر، فيسير مع سيرهم ويتكلم بكلامهم، حتى إذا أُخرجت نسْمَةُ الحياة من أجسادهم، وقف يتفاخر، وإن كانت أثواب الحزن تسربله - لأنَّه يحمل في طياته السجل الذهبي لأولئك العظام، حافظًا للأجيال صنيعَ فعالهم الجميل، ناشرًا على العصور ذكرياتهم الطيبة.. وهو كلما هبّت رياح التغيير في الحياة، يستوي منتصبًا ليشد أهل التغيير إليه، فيعثروا على جليل القدوة، وصحيح العبرة، ويتخذوا قويم السبيل، ونبيل الغاية في ما فيه يفكرون، وما إليه يطمحون.
ذلك هو التاريخُ العظيم الذي كرَّسهُ العظماءُ... ولئن كنا نجد في صفحات العصور الماضية، ذكرًا لأشخاصٍ تافهين، حقيرين، ممن أساؤوا إلى الإنسان وإلى الحياة، فإنَّ التاريخ لم يحمل ذلك الذكر إلا ليدُلَّ به على عظمة العظماء من خلال عِظَتِهِ بمنْ هم على خلافهم، إذ لولا الشرُّ لما عرفنا معنى الخيرِ ولولا الظلام لما أدركنا حقيقة النور..
ولكن، مهما أظهر التاريخ أهل السوء، فإن ذلك يتمُّ لكي يعيَ الإِنسانُ ويستدرك نفسه، فإنَّ السموَّ والرفعة يبقيان لأفذاذه وعظمائه الذين يشرّفونه فيَشّرُفُ بهم، ويمجدونه فيمجَّدُ بهم. ألا للهِ سبحانه وتعالى وحده العزة والمجد.. ومن يطلع على حقيقة التاريخ الإِسلامي، بعيدًا من التعصّب والتزوير، يجد أنه أشرفُ تاريخٍ وأمجَدُهُ فيما حفظ من سيرةٍ لرسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفيما احتوى، من بعده، من قيمةٍ لخلفائه الأربعة الذين صانوا دين اللهِ وقادوا المسلمين في دروب الحقّ والعدل، وكانوا إلى جانب بعضهم بعضًا، إخوةً متكاتفين يتسامحون، وصحابةً متعاونين يتشاورون، وليس لهم من غاية إلا رضوان اللهِ عزَّ وجل..
ولن نقف هنا عند حياة كل واحدٍ منهم، ففي بطون الكتب ما يحفل بعظيم تلك الحياة، لكننا نكتفي ببعض الوقائع التي تدلُّ بإخلاص على تعاونهم، حتى يتنبَّهَ المسلمون إلى أمر مهم وضروري، ألا وهو أن ما يختلفون عليه اليوم وبسببه، قد أبعده خلفاءُ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن حياة الأمة والمسلمين، فعملوا يدًا بيدٍ، وقلبًا مع قلب، وكان كل واحدث منهم للآخر كحجر البنيان المرصوص.
وهذا غيض من فيض، مما يدل على ذلك التعاون الإِسلامي الصحيح، ومما يدل على أنَّ التاريخ كان يحصي عليهم حركاتهم وسكناتهم كما كان يسجّل لهم مواقفهم من الأحداث الجسام ومعالجتهم للمشاكل المستجدة.
ـــــــ عن أنسٍ (رض) قال: «كان رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جالسًا في المسجد وقد اجتمع إليه أصحابُه، إذ أقبل علي (رض) فسلّم ثم وقف ينظر مكانًا يجلس فيه، فنظر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى وجوه أصحابه، أيهم يوسّع له، وكان أبو بكر (رض) إلى يمين رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) فتزحزح من مجلسه وقال: ها هنا يا أبا الحسن. فجلس علي (رض) بين رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر (رض) فرأينا السرورَ في رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم أقبل بوجهه الشريف على أبي بكر يقول له: «يا أبا بكر إنما يُعرف الفضل لأهل الفضل».
ـــــــ وأخرج الطبري عن صخر حارس رسولِ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «كان خالد بن سعيد بن العاص في اليمن عندما توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبعد شهر من وفاته قدم المدينة وعليه جبةُ ديباج، فالتقى به عمرُ وعلي (رضي اللهُ عنهما) وهما يسيران معًا، فصاحَ عمر بالناس: مزقوا عليه جبته، أيلبس الحرير، وهو في رجالنا في السلم مهجور؟ فمزقوا جبته.. ونظر خالدٌ بخبث ثم صاح: يا أبا الحسن! يا بني عبد مناف! أغُلبتم عليها؟ فقال له علي (رض): أمغالبة ترى أم خلافة؟ قال خالد: لا يغالب على هذا الأمر أولى منكم يا بني عبد مناف. فلم يردَّ عليه علي (رض) بل قالَ له عمر (رض) فضَّ اللهُ فاك واللهِ لا يزال كاذب يخوض فيها».
ـــــــ ثم نذكر شيئًا من سيرة رجلٍ آخر، بعد الإِشارة إلى هذا الرجل الذي يدلُّ ماضيه على محاربة الدعوة وعداوتها، إذ لما أسلم لم يكن إسلامُهُ خالصًا للهِ تعالى، بل كان من المؤلفة قلوبهم، الذين دانوا بالطاعة والولاء لسلطان الحقّ لأغراض تنوعت وتعدّدت.. وأمثاله من الناس لم يكن ليطيب لهم أن يرَوا الإِسلام عزيزًا، منيع الجانب، فإنْ رأَوا سبيلًا للفتنة أو التفرقة أثاروه... فهذا أبو سفيان بن حرب، زعيم قريش في عهد الشرك،نراه بعد مبايعة أبي بكر (رض) بالخلافة، يدخل على علي بن أبي طالب وعمه العباس (رضي اللهُ عنهما) ومرادُهُ أن يثيرهما فيعرض عليهما النجدة والمعونة. وهو يهيب بكل واحدٍ منهما باسمه، قائلًا: «يا علي، وأنتَ يا عباسُ! ما بالُ هذا الأمرِ في أذلّ قبيلةٍ من قريش وأقلّها؟ واللهِ لو شئتَ يا عليُّ لأملأنها عليه (يعني على أبي بكر) خيلًا ورجلًا وآخذها عليه من أقطارها»... ثم يكون جواب عليٍّ (ع) بما هو أهلُهُ فيقول: «واللهِ لا أريد أن تملأها عليه خيلًا ورَجْلاَ. ولولا أننا رأينا أبا بكر لذلك أهلًا ما خلّيناه وإيّاها». ولا يلبث عليٌّ = بعد أن يتفرَّسَ في وجه أبي سفيان = أن يتابع قائلًا له: «يا أبا سفيان! إن المؤمنين قومٌ نَصَحَةٌ بعضُهم لبعض، وإِنَّ المنافقين قومٌ غَشَشَةٌ بعضُهم لبعض متخاونون وإنْ قربت ديارهم وأموالهم...
ـــــــ وإذا كان هذا شأن أبي سفيان الذي أعطاه النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) جاهًا يومَ فتحِ مكةٍ، ذلك الجاه الذي لو تفكَّرَ به لكرَّس ما بقي من عمره تائبًا، مستغفرًا مضحيًا في سبيل اللهِ، بعد قول النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يومئذٍ للناس: «ومَن دخَلَ دار أبي سفيان فهو آمن».. نعم إذا كان هذا شأن الرجل فما بالنا بالأعراب الذين ينتشرون في البوادي؟ وكيف تكون نظرتهم للإِسلام؟ وهل يلامون إذا رأوا أن النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قد توفي، فارتدّوا إلى الكفر؟ لا، فإنهم وقد ساعدهم ما أشرأبَّ من نفاق في المدينة ـــــــ فأخذوا ـــــــ يقولون.
لقد مات هذا الرجل = يعني رسول اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) = الذي كان المسلمون ينتصرون به.
وقامَ أبو بكر (رض) يتصدَّى لأهل الردَّة، فجمع المهاجرين والأنصار يعرض عليهم الأمر، ويطلب مشورتهم، فقال: «إنَّ العربَ قد منعوا شاتهم وبعيرَهَم ورجَعوا عن دينهم وإنهم قد تواعدوا ليَجمَعُوا لقتالكم، وزعموا أن محمدًا (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي كنتم تُنصرون به قد مات.. فأشيروا عليَّ، فما أنا إلا رجل منكم وأثقلُكُم حملًا لهذه البنية»..
وراح المؤمنون يتفكرون حتى تكلّم عمر بن الخطاب (رض) فقال: «أرى والله، يا خليفةَ رسول اللهِ أن تقبَلَ من العرب الصلاةَ وتدَعَ لهمُ الزكاة، فإِنَّهُمْ حديثو عهدٍ بجاهليةٍ لم يعدهُمُ الإِسلامُ، فإمَّا أن يَرُدَّوهُمُ الله إلى خيرٍ، وإما أن يُعِزَّ اللهُ الإسلامَ فنقوى على قتالهم»...
ووافق أكثرية المجتمعين من المهاجرين والأنصار على ما أبداه عمر (رض)... لكنَّ أبا بكر (رض) انتفضَ لذلك، فصعد المنبر، وحَمَدَ اللهَ وأثنى عليه، ثم قال:
»أما بعد، فإنَّ اللهَ بعثَ محمدًا (صلى الله عليه وآله وسلم) والحقُّ ضعيفٌ شريدٌ، والإِسلامُ غريبٌ طريدٌ، قد وَهَنَ حبلُهُ وقلَّ أهلُهْ، فيجمَعَهُمُ الله بمحمدٍ (صلى الله عليه وآله وسلم) وجعلهم الأمةَ الباقيةَ الوسطى. واللهِ لا أبرح أقومُ بأمر اللهِ وأجاهد في سبيل اللهِ حتى يُنجزَ اللهُ لنا ويفي لنا بعهده، فيُقتَلُ من قُتِلَ منا شهيدًا في الحنة، ويبقى من بقي منا خليفةَ اللهِ في أرضه ووارثَ عباده الحقَّ، فإنَّ اللهَ تعالى قالَ وليس لقولِهِ خلفٌ: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} [النور: 55] واللهِ لو منعوني عِقالًا مما كانوا يعطون رسول اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم أقبَلَ مَعَهُمُ الشجَرُ والمدَرُ والجِنُّ و الإِنسُ لجاهَدْتُهُمْ عليه حتى تلتحِقَ روحيَ باللهِ، إنَّ الله لم يفرّق بين الصلاة والزكاة».
ووقف عمر مكبّرًا، فتعالت من المسلمين صيحةُ التكبير، وعزموا على القتال.
وأرادَ أبو بكر الصديق أن يخرج إلى ذي القصة أي في حروب الردّة، فشهَر سيفَهُ وركب راحلته، فلما رآه علي بنُ أبي طالب (رض) اعترضَهُ وقال: «إلى أين يا خليفةَ رسولِ اللهِ؟... أقول لك ما قالَ رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم أحُد: «لُمَّ سيفَكَ ولا تفجعنا بنفسك»...
فواللهِ لئن أُصبْنا بك لا يكون للإسلام بعدك نظام أبدًا»....
ووافق أبو بكر عليًّا (رضوان الله عليهما) الرأي فأمضى الجيش ورجع..
ـــــــ وفي أيام خلافة أبي بكر الصديق رُفِعَ إليه رجلٌ قد شَرب الخمر. وأرادَ أن يُقيمَ عليه الحدَّ فادّعى الرجُلُ أنه لم يكن يعلمُ بتحريمها، لأنه نشأ بين قوم يستحلّونها... وكان في المجلس أناسٌ كثيرون فلما شاورهم في الأمر أشاروا عليه بأن يستعلِمَ الحُكمَ في الرجل من علي بن أبي طالب ـــــــ عليه السلام ـــــــ فأرسل الخليفةُ إليه من سأله عنه، فقال له: «يطوفُ به رجلان من المسلمين على مجالس المهاجرين والأنصار، فإنْ تبين أن أحدًا تلا عليه آيةَ التحريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: 90]، أو أخبرَهُ بتحريمها أقيم عليه الحدُّ. وإنْ لم يتبيّن ذلك فلا شيء عليه».
وعَمِلَ الخليفةُ أبو بكر برأي علي (رضي اللهُ عنهما)، فلما لم يشهدْ أحَدٌ على الرجل أنه تلا عليه الآية أو أُخْبِرَ بتحريم الخمر، استتابه أبو بكر (رض) وخلى سبيله.
ـــــــ وانتقَلَ أبو بكر الصديق إلى الرفيق الأعلى، فقال علي (رض). في تأبينه: «كنتَ كالجبل الذي لا تحركه العواصف، ولا تزيلُهُ القواصِفُ، كنتَ كما قال رسول اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) ضعيفًا في بدنك، قويًّا في أمر اللهِ، متواضعًا في نفسك، عظيمًا عند اللهِ، خليلًا في الأرض، كبيرًا عند المؤمنين، ولم يكن لأحدٍ عندك مطمعٌ، ولا لأحدٍ عندك هوادةٌ، فالقويُّ عندك ضعيف حتى تأخذ الحقَّ منه، والضعيفُ عندك قويٌّ حتى تأخذَ الحقَّ له»...
أوَ بَعدَ رثاء عليّ (ع) هذا يكون لأبي بكر (رض) مكانةٌ، في نفس أحد أرفعَ وأعلى مما هي في نفس علي (ع)؟
ولم تكن أخلاقُ علي (رض) لتختلفَ حيالَ الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، ولا كان تعاونهما أقلَّ.
وهذه الشواهدُ ثابتةٌ لم يختلف عليها أحَدٌ من المؤرخين...
ـــــــ فقد خطب عمر بن الخطاب أمَّ كلثومٍ بنت علي بن أبي طالب (رضي اللهُ عنهم جميعًا)، فقال له عليٌّ: إنها تصغر عن ذلك.
قال عمر: سمعت رسولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «كلُّ سببٍ ونسبٍ منقطعٌ يومَ القيامة إلاَّ سببي ونسبي»، فأحبُّ أن يكون لي من رسول اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) سببٌ ونسبٌ.
فقال علي لولديه الحسن والحسين ـــــــ سلام الله عليهما : «زوِّجا عمّكما».. فزوَّجاه أختهما أمَّ كلثوم.
ـــــــ واستشار عمر عليًّا (رضي اللهُ عنهما) في الخروج على رأس الجيش لغزو الروم. فنصَحَهُ علي قائلًا: «قد تَوكَّلَ اللهُ لأهل هذا الدين بإعزازِ الحوزةِ وسترِ العورةِ، والذي نصَرَهُم وهُمْ قليلٌ لا ينتصرون، ومنَعَهُمْ وهُمْ قليلٌ لا يمتنعون، حي لا يموت.. إنك متى تَسِرْ إلى هذا العدو بنفسك فتَلْقَهُمْ فتُنكَبْ لا تكنْ للمسلمين كانفة دون أقصى بلادهم، ليس بعدك مرجعٌ يرجعون إليه، فابعث إليهم رجُلًا مِحْرَبًا ، واحْفِزْ معه أهلَ البلاء والنصيحة، فإن أظهر اللهُ فذاك ما تحبُّ، وإنْ تَكُنْ الأخرى كنت رِدْءًا للناس ومثابة للمسلمين».
ـــــــ وذُكِرَ أن عمر (رض) أُتِيَ بامرأةٍ معتوهةٍ وقد زَنَتْ فرأى أن يرجُمَها. وكان علي في المجلسِ، فطلب أن يخلى سبيلُها وقال للخليفة: إنها معتوهة، وقد قال رسول اِلله (صلى الله عليه وآله وسلم): رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، والصبي حتى يحتلِمَ، والمجنون حتى يفيق»... فامتنع عمر عن رجمها.
ـــــــ وأُتيَ بامرأة أخرى وضعت حَمْلَها لستةِ أشهر عن تاريخ زواجها. فأمر عمر (رض) برجمها، فأنكر عليه (عليه السلام) حكمَهُ وأرجَعَهُ إلى كتابِ اللهِ الكريم بقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة: 233] وقوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15].
عندها قالَ عمر (رض): «اللهمَّ لا تُبقِني لمعضلةٍ ليس لها ابنُ أبي طالب».
فقد لا يقف المسلمون عند هذه الحادثة، إلا على أنها من قبيل تعاون الخلفاء الراشدين، لكنَّ أبعادَها الحضارية لا تقلُ أهمية عن جلالتها الأولى، فقد بات معلومًا في علم التوليد أنَّ أقلَّ مدة الحمل عند المرأة ستة أشهر. فإذا أخذنا الآيتين القرآنيتين: الأولى تنص على مدة الرضاعة حولين كاملَين أي أربعة وعشرين شهرًا. والثانية التي تنصُّ على المدة القصوى للحمل والرضاعة وهي ثلاثون شهرًا، فإنْ طرحنا مدة الرضاعة من الثلاثين شهرًا لكان بالإمان أن يكون الحمل لستة أشهر.. هذا ما جاءَ به القرآن منذ ما يزيد على ألف وأربعمئة سنة، وجاءَ العلمُ الحديث يؤكده، فهل تعرَّف المسلمون إلى ما في كتابهم من حقائق وشاهد ثابتة؟!
ـــــــ ومثال آخر عن القبول بحكم الله، وتطبيق هذا الحكم بصدق وإخلاص، ما جاءَ في حادثة المرأة التي زَنَتْ وهي حامِلٌ، فأَمَرَ الخليفةُ عمر (رض) بأن تُرجَمَ، إلا أن عليًّا (ع) ذكَّره بحكم الله سبحانه وقال: هبْ أنَّ لك عليها سبيلًا، فأيُّ سبيل لك على ما في بطنِها؟ إن الله سبحانَهُ يقول: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [فاطر: 18]... إن الحكم على هذه المرأة أن تحتفظ بها حتى تَلد، فإذا ولَدَتْ ووجَدَتْ لولدِها من يكفلُهُ فأقِمْ عليها الحدِّ». فامتثل عمر لقول الله عزَّ وجل وأوقف الحد عن المرأة.
ـــــــ وأما عن المحبة التي كانت تؤلف بين قلوب الأبرار الصالحين، فمنه ما ذكر من أنَّ عمر بن الخطاب (رض) كان ينتظر مرةً الحسينَ بن علي (رض) على موعِدِهِ له، وبينما الحسينُ (رض) ذاهب إليه لقيَ في الطريق ابنَهُ عبدالله بن عمر، فسأله: من أين جئت يا عبدالله؟ قال: استأذنت على عمر فلم يأذنْ لي...
ورجع الحسين (عليه السلام) ولم يتابع ذهابه إلى الخليفة، حتى كان يومًا ولقيَهُ فسأله معاتبًا:
ـــــــ ما منعك يا حسين أن تأتَيني على موعدك؟
قال: لقد أتيتك ولكنْ أخبرني عبدالله بن عمر أنّه لم يؤذن له عليك فرجعتُ.
فعزَّ ذلك على عمر وقال له: وأنتَ عندي مثلُهُ؟ وهل أنْبَتَ الشعر على الرأس غيرُكم؟
ـــــــ وكسا عمرُ يومًا أصحابَ النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يكنْ في الأكسية ما يَصلُحُ للحسن والحسين ـــــــ عليهما السلام ـــــــ فبعثَ إلى اليمن فأتى لهما بكسوةٍ تصلُحُ لهما، وقالَ حين رآهما: الآن طابت نفسي.
ـــــــ وسافَرَ الخليفة عمر (رض) إلى الشام فاستخلف عليَّ بنَ أبي طالب (رض) على المدينة وأخذ نفسَهُ باستفتائه والرجوع إليه...
ذلك هو التعاون الحقّ بين ذوي الفضل وأهلهِ، ومسيرة ذلك التعاون وفاءٌ دائمٌ إنْ في حياة أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو بعد مماتهم، فقد بلغ عليًّا ـــــــ عليه السلام ـــــــ أن عبد الله بن الأسود يتنقص أبا بكر وعمر ـــــــ رضي الله عنهما ـــــــ فدعا بالسيف فَهَمَّ بقتله، فكُلِّم فيه، فقال: «لا يسُاكنني في بلدٍ أنا فيه».
ولقد نفاه إلى الشام حتى يكون عبرةً لسواه.
أما علاقة علي بالخليفة الثالث عثمان بن عفان (رضي الله عنهما وأرضاهما) فلا تختلف أبدًا عن علاقته بالخليفتين السابقين، فقد كان ذو النورين، كما كان الإمام، صهرًا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). فعندما تولى عثمان (رض) الخلافة، يروى أن عليًّا ـــــــ عليه السلام ـــــــ شقَّ صفوف المسلمين في المدينة ليبايعَهُ ويَضَعَ كل إمكاناته في نصرة الدين ورعاية شؤون المسلمين، وبالفعل كان الخليفة يستعين دائمًا بعلي (ع) وخصوصًا عندما تشتدُّ عليه الأمور... وإنَّ في حادثة مقتل عثمان، كما روتها بطون التاريخ، لأكبر دليلٍ على حرص علي (رض) على الإِسلام والمسلمين، وعلى خليفة المسلمين... فعندما جاءَ أهل مصر يشتكون أمرَ واليهم من قبل الخليفة، عبدالله بن أبي سرح، جاءَ صحابةُ النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يعرضون الأمرَ على عثمانَ، ويطلبون إليه أن يدفع إليهم مروان بن الحكم لأنه سبب الشكاية والمظالم، فأبى، وخرج الصحابةُ غضابًا. وحاضر الناسُ عثمانَ، منعوه الماءَ، فأشرفَ عليهم وقال: أفيكم عليٌّ؟ قالوا: لا. قال: أفيكم سعدٌ؟ قالوا: لا... فسكت ثم قال: ألا أحد يبلغ عليًّا فيسقينا ماءً؟ فبلغ ذلك عليًّا (ع) فبعث إليه بثلاث قربٍ مملوءة ماء، فما وصلت إليه إلا بعد أن جرح بسببها عدة أشخاص.. ولما بان لعليٍّ (رض) أن عثمان يُرادُ قتله، قال مسترجعًا إلى الله: إنما أردنا فيه مروان، فأما قتل عثمان فلا، ولم يتوانَ عن بذل النصرة له، بل أسرع يبعث ولدَيه الحسن والحسين (ع) سبطي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يقول لهما: اذهبا بسيفيكما حتى تقوما على باب عثمان فلا تدَعا أحدًا يصل إليه.
وكان ما كان وقتل الخليفة عثمان ـــــــ رحمه الله ـــــــ واجتمَعَ الصحابة عندما بلغهم الخبر، فتقدم علي من ولديه يسألهما: كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب؟ ثم انصرف إلى بيته وهو غضبان يسترجع.. وإذا كان هذا شأن عليٍّ مع الخليفة عثمان (رضي الله عنهما) فإنَّ معاوية بن أبي سفيان وحاشيته في الشام، كانوا يصورون دائمًا للناس الذين لا يعرفون شيئًا عن علي (ع) إلاَّ إنه كان خصمًا لأبي بكر وعمر وعثمان (رضي الله عنهم جميعًا)، وأنه يريدُ الخلافة لنفسه، وهو طامع فيها، وأنه متواطئٌ مع قتَلةِ عثمان، فهؤلاء المرجفون، أمرهم متروك إلى الله تعالى وهو يحاسب كل امرئ على أفعاله ونواياه.. لكنَّ إرجافهم كان واضحًا عند كل ذي بصيرة، فقد أخرج ابن عساكر عن أبي خلدة الحنفي أنه قال: «سمعت عليًّا (ع) يقول: إنَّ بني أمية يزعمون أني قتلت عثمان، ولا والله الذي لا إله إلا هو ما قتلت ولا مالأتُ، ولقد نهيت فعَصَوْني». فهل بعد هذه اليمين من مستمسك على صهر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأخيه وابن عمِّه؟
والحقُّ يقالُ أن عليًّا (ع) كان أزهَدَ الناس في الحكم. بعد مقتل عثمان (رض). فقد اجتمَعَ أمرُ الصحابة على مبايعته. فأسرع إليه ابن عمه عبد الله بن عباس (رض) يبشره بالخبر، فرآه يخصف نعلَهُ، فتعجب ابن عباس وقال: يا ابن العم، سامحك الله، المسلمون يريدون أن يبايعوك وأنت تقوم بما تقوم به الآن؟ فأجابه علي إجابةَ الواثقِ المطمئن، غير المبالي بحكم ولا إمارة: «يا ابنَ العم: إنَّ إمْرَتَكُمْ لأهْوَن من هذه النعل إلا أن أُحِقَّ حقًّا وأُبطِلَ باطلًا»... وجاءَ الناسُ يهرعونَ إليه، فقالوا له: نبايعك فمدَّ يدك فلا بدَّ من أمير، فقال علي: «ليس ذلك إليكم، إنما ذلك إلى أهل بدر، فمن رضي به أهلُ بدر فهو خليفة، فلم يبقَ أحد من أهل بدر إلا أتى عليًّا (ع) فقالوا له: ما نرى أحدًا أحقّ بها منك، مُدَّ يدك نبايعك... فبايعوه.
وأقام العدل وهو في الحكم، فجاءه يومًا رجلٌ يقول له: إنَّ عثمانَ في النارَ! قال له علي: ومن أين علمت؟... قال الرجل: لأنه أحدث إحداثًا. فقال له علي: أتراك لو كانت لك بنتٌ أكنت تزوّجُها حتى تستخيرَ؟ قال الرجل: لا... قال علي: أفرأيُك هو خيرٌ من رأي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لابنتَيْه؟ وأخبرني أيها الرجل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أكان إذا أرادَ أمرًا يستخيرُ الله أو لا يستخيره؟. قال الرجل: لا، بل كان يستخيره... قال علي: أفكانَ الله يخيرُ له أم لا؟ قال: بل يخيرُ له. قال علي: فأخبرني عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أختارَ الله له في تزويجه عثمانَ أم لم يخترْ له؟.. وسكت الرجل، فقال له علي: لقد تجردتُ لك لأضرب عنقك، فأبى الله ذلك. أما والله لو قلتَ غير ذلك لضربتُ عنقَكَ.
وفي زمن خلافة علي (رض) حدثت واقعة الجمل التي قادها طلحةُ والزبيرُ تحت شعار المطالبة بدم عثمان، فقال علي في تلك الموقعة، وهو يسمَعُ من ينادون: يا لثارات عثمان!، قال: «أللَّهمَّ كُبَّ اليومَ قتلَةَ عثمان على وجوههم».. ولقد قتل في تلك الموقعة كل من طلحة والزبير... وكانت المؤامرة التي قتل فيها علي بن أبي طالب (ع) غدرًا على يد أحد الخوارج المدعو عبد الرحمن بن ملجم، ومن بعده استتبَّ الأمرُ لمعاوية بن أبي سفيان في الشام، فجاءه يومًا عامرُ بن وائلة، أحدُ محبي أهل بيتِ رسول الله، وكان مشهورًا بهذا الحب، فسأله معاوية: كيف وَجْدُك على خليلِكِ أبي الحسن؟ (ويعني به عليًّا عليه السلام). قال عامر: كوجْد أم موسى على موسى (ع)، وأشكو إلى الله التقصير.
قال معاوية: لقد كنتَ يا عامِرُ فيمنْ حَصَرَ عثمان. قال له: لا، لكنني كنت فيمن حَضَرَهُ، قال معاوية: وما منعك عن نُصرتِهِ؟ قال عامرٌ: وأنت ما منعك في نصرتِهِ إذ تربّصت به ريبَ المنونِ، وكنتَ في أهل الشام، وكلُّهُمْ تابعٌ لك؟
فقال له معاوية: أو ما ترى طلبي لدمِهِ نُصرةً له؟
قال له عامرٌ: إنكَ يا معاوية لَكَما قال الشاعِرُ:
لأَلْفَيَنَّكَ بعد الموتِ تَنْدُبُني وفي حياتيَ ما زوَّدْتَني زادا
وكما سأَلَ معاويةُ عامِرَ بنَ وائلةَ عن مقتل عثمان، يسألُ مرّةً أخرى ضِرارَ بنَ ضمرة الكنانيّ أن يحدّثَهُ عن علي بن أبي طالب (ع) ويظهر له صفاته. وراح معاوية يُلحُّ على ضرار في السؤال، وهذا يحاول أن يتملَّصَ من الإِجابة فلا يقول شيئًا، لكنه يطلب إلى معاوية أن يعفيه من هذا الأمر. إلا إن معاوية لم يقبل وقال له: لا أُعفيكَ!... عندها قال ضِرارُ: أما إذ لا بُدَّ فإنه كان والله بعيدَ المدى، شديدَ القوى، يقولُ فصلًا، ويحكم عدلًا. يتفجَّرُ العلم من جوانِبِهِ، وتنطقُ الحكمةُ من نواحيه. يستوحشُ الدنيا وزهرتها، ويستأنس كفَّهُ ويخاطبُ نفسَهُ. كانَ والله كأحدِنا يُدنينا إذا أتيناهُ، ويجيبنا إذا سألناه، وكان مع تقرُّبِهِ إلينا وقربه منا لا نكلّمُهُ هيبةً له، فإنْ تبسَّمَ فعَنْ مثلِ اللؤلؤِ المنظوم، يُعظِّمُ أهلَ الدين، ويحبُّ المساكينَ، لا يطمَعُ القويُّ في باطِلِهِ، ولا يَيْأْسُ الضعيفُ مِنْ عدِلِهِ، فأشهدُ الله لقد رأيتُهُ في بعضِ مواقفِهِ... وقد أرخى الليلُ سُدولَهُ وغارتْ نجومُهُ ـــــــ يميلُ في محرابِهِ قابضًا على لحيتِهِ، يتمَلمَلُ تملمُلَ السَّقيم، ويَبكي بكاءَ الْحَزينِ، فكأنّي أسمَعُهُ الآن وهو يقول: يا ربَّنا، يا ربَّنا... يتضَرَّعُ إليه، ثم يقولُ للِدُّنيا: إليَّ تَغَرَّرْتِ، إليَّ تَشوَّفْتِ، هيهاتَ، هيهاتَ، غُرّي غيري طَلَّقْتُكِ ثلاثًا لا رَجْعَةَ بعدها، فَعُمْرُكِ قصيرٌ ومَجْلِسُكِ حقيرٌ، وخطرُكِ يسيرٌ. آهِ، آهِ، من قِلّةِ الزاد، وبُعد السفَر، ووحشةِ الطريق»...
هذه = بكلماتٍ = بعضُ صفات الإِمام علي بن أبي طالب عليه السلام، وقد قالَها ضِرار أمامَ من انقلَبَ على علي، وناصبَهُ العداءَ حُبًّا بالحكم والشهرة.
وقد سألَ معاويةُ ضِرارًا، بعدما أكمل حديثَه: وكيف وجْدُكَ عليه يا ضِرارُ؟
قال الرجلُ المنصف ضِرارٌ: كوجْدِ مَنْ فقدت وحيدَها في حِجْرِها لا ترقَأُ دَمْعتُها ولا يسكُنُ حزنها...
هذه شذراتٌ عن تعاون الخلفاء الراشدين ـــــــ رضي الله عنهم جميعًا ـــــــ وعن إخلاصهم بعضهم لبعض، ووفائهم الذي رافقَ كلَّ واحدٍ منهم حتى توفّاه الله... وإِنَّ في تلك الصِلات الوثيقة ما يُغنينا عن كل تفكيرٍ في نزاعٍ أو خلاف، يحاول الأعداءُ أن يجعلوه قضيةً بين المسلمين، ومأربهم في ذلك إضعافُهم وذُلّهم. فإلى سيرة الخلفاء الراشدين، بعيدًا من كل خلفيةٍ في أذهاننا، نحتكم اليومَ حتى نستعيدَ أنفسنا، نحن المسلمين، ونرى طريقَنا السويَّ الذي يحقق وحدتنا، ويقوَّي كياننا، فنرضي الله ورسولَهُ، ونصلح أحوال الأمة.
cetirizin netdoktor cetirizin csepp cetirizin hund dosis



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB