المسلمون من هم
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   57
تاريخ النشر :   2008




هُبوطُ الفِقهِ الإِسلاميّ

بعدَ تلاميذِ المجتهدينَ جاءَ أَتباعُ المذاهبِ ومُقَلِّدُوها، فلمْ يستمرّوا على الطريقةِ الَّتي سارَ عليها الأَئمّةُ وأَصحابُ المذاهبِ في الاجتهادِ واستنباطِ الأَحكامِ، ولا على الطريقةِ التي سارَ عليها تلاميذُ المجتهدينَ مِنْ تتبّعِ الدلَيلِ وبيانِ وجهِ الاستدلالِ والتفريعِ على الأَحكامِ، وشرحِ المسائلِ، وإِنّما عُنِيَ أَتْبَاعُ كلِّ إمامٍ، وعلماءُ كلِّ مذهبٍ بالانتصارِ لمذهبهمْ وتأْييدِ فروعهِ وأُصولِهِ بكلّ الوسائلِ.
فلمْ يُعْنَوا بتتبُّعِ صحّةِ الدليلِ وترجيحِ الراجح على المرجُوحِ ولو خالفَ مذهَبهُمْ، وإِنما كانوا يُعْنَوْنَ بإِقامةِ البراهينِ على صحةِ ما ذهبُوا إِليه وبطلانِ ما خالفهُ، ومن ثَمّ كانتْ عنايتُهُمْ منصرفَةً إِلى تأْييدِ مذهبِهِمْ بالإِشادةِ بالأَئمّةِ وأَصحابِ المذاهبِ. فشغلَ ذلكَ علماءَ المذاهبِ وصرَفَهُمْ عنِ الأَساسِ الأَوّلِ وهو القرآنُ والحديثُ، وصارَ الواحدُ منهم لا يرجعُ إِلى نصٍّ قرآنيّ أَو حديثٍ إِلا ليلتمسَ فيهِ ما يُؤيّدُ مذهبَ إِمامِهِ. وبهذهِ العنايةِ الخاصّةِ انحصرتْ أَبحاثُهُمْ في مذاهِبِهِمْ وفترتْ هِمَمُهُمْ عن الاجتهادِ المطلقِ والرّجوعِ إلى المصادر الأَساسيّةِ لاستنباطِ الأَحكامِ منها. كما انحصرَ هَمُّهُمْ في الاجتهادِ المذهبيِّ أَو في المسأَلةِ الواحدةِ منهُ أَو تقليدِهِ من دونَ تبّصرٍ. وبلَغ من تقليدِهِمْ أَنْ قالوا: كلُّ آيةٍ أَو حديثٍ يخالفُ ما عليهِ أَصحابُنَا أَيْ مَذْهَبَهُمْ فهو مؤّولٌ أَو منسوخٌ، وجعلُوا تقليدَ المذهب الذي يعتنقونَهُ فرضًا على المسلمِ، بل ذهبَ مُعْظَمُهُمْ إِلى إقفالِ بابِ الاجتهادِ على المسلمينَ وقالوا بعدمِ جوازِ الاجتهادِ، حتى صار كثير منَ العلماءِ، ممنْ همْ أهلٌ للاجتهادِ وتوافرت فيهم أَهلِيَّتُهُ، يخشى الاجتهادَ، وقد بدأَ هذا الانحطاطُ في أواخرِ القرنِ الرابعِ الهجريِّ إِلا إنَّهُ لمْ يكنْ متطرِّفًا، بلْ لمْ يكنْ يخلُو من مرونةٍ، حتى نهايةِ القرنِ السّادسِ الهجريّ.
وفي أَوائلِ القرنِ السّابعِ الهجريِّ حتَّى أَوائلِ القرنِ الثَّالِثَ عَشَرَ الهجريّ كانَ الانحطاطُ تامًّا، في التفكيرِ، لكنَّ الآراء الفقهيّةَ كانتْ آراءً إسلاميّةً.
وبعدَ أَواخِرِ القرنِ الثّالثَ عَشَرَ، أَيْ منذُ عام 1274هـ. حتى الآن وصلَ الانحطاط إلى حدِّ أَنْ خُلِطَتِ الأَحكامُ الشرعيّةُ بالقوانينِ غيرِ الإِسلاميّةِ، ووصلت الحالُ إِلى أَبْعَدِ حدٍّ من حدودِ الانحطاط.
وكانَ من جرّاءِ ذلكَ الانحطاطِ الفِقْهِيِّ أَنْ جر الناسِ إِلى إِهمالِ الأَحكامِ الشرعيّةِ، فبعدَ أَنْ كانتِ الشريعةُ الإِسلاميّةُ تَسَعُ العالَمَ بأَسرِهِ، جعلُوها تضيقُ حتَّى بأَهلِهَا فاضطرُّوا إِلى أَنْ يتناولوا غيرَها منَ القوانينِ الأُخرى الَّتي لا ترقَى إليها.
وأَصبحَ كثيرٌ منْ أَتقياءِ المسلمينَ يتخاصمُونَ إِلى شريعةٍ غيرِ شريعةِ الإِسلامِ.
وكانَ، في أَواخرِ الدَّولةِ العثمانيةٍ، الجهلُ بالإِسلامِ وجهلُ الفقهاءِ هما السببان في تأَخُّرِ المسلمينَ وتفرقتِهمْ. كانَ هنالكَ فقهاءُ جامِدونَ مُستعدّونَ للفتوى بتحريمٍ كلِّ جديدٍ وتفكيرٍ كلِّ مفكّرٍ.
ومن أَظرفِ ما وقعَ في ذلكَ مِنَ المضحكات المبكياتِ أَنْ ظَهَرَت قهوةُ البنّ، فأَفتَى بعضُ الفقهاءِ بتحريمها، ولبسَ الناسُ الطربوشَ فَأَفْتَوْا بتحريمه، وظهرتِ المطابعُ فحرّمَ بعضُ الفقهاءِ طبْعَ القرآنِ الكريمِ بها، وظهرَ الهاتف «التلفون» فحرّموا التكلُّمَ به، حتى آلَ الأَمرُ إِلى تجاهلِ الفقهِ الإِسلاميِّ تجاهلًا تامًّا عندَ المسلمينَ، وقد تحوّلَ الأمرُ من دراسةِ الأَحكامِ الشرعيّةِ إِلى دراسةِ القوانين الغربيّةِ.
وفي هذه الحقبة أي من أَواخِرِ الدَّولةِ العثمانيَّةِ عمَدوا إلى الفقهِ الإِسلاميِّ يُقلدِّون بهِ الفقهَ الغربي في التقنين، فوضعُوا المجلَّةَ عام 1286هـ قانونًا مدنيًّا، وصدرتِ الإرادةُ السّنيّةُ بالعَمَلِ بها عام 1293هـ وكانوا قبلَ ذلكَ قد وضعُوا قانونَ الجزاءِ عام 1274هـ. وجعلوهُ محلَّ الحدودِ والجناياتِ والتعزيز. ووضعوا قانونَ التجارةِ عام 1276هـ.
وهكذا انحطَّ الفِقْهُ وتحوّلَ إِلى قوانينَ وأُبعِدَتِ الأَحكامُ الشرعِيّةُ وأُخِذتِ الأَحكامُ من غيرِ الإسلامِ بحجّةٍ موافقتها للإسلام. وسادَتْ فكرةٌ خاطئةٌ تتلخَّصُ في أَنَّ كلَّ ما يوافقُ الإِسلامَ يُؤخَذُ منْ أَيّ إنسانٍ، وانحطَّتْ هِمَمُ العلماءِ وصاروا في جملتِهِمْ مُقَلِّدين.
لكنَّ ذلكَ، على الرَّغمِ منْ كلِّ مساوئهِ، كانَ فيه ظِلٌّ للإِسلامِ، أَو كانَ يلوحُ فيهِ ظلهُ على الأَقلِّ. ولكنْ بعد غزو الغرب واستيلاءِ الإنكليزِ والفرنسيّينَ ـــــــ خصوصًا ـــــــ على البلاد الإِسلامية وجعلها دولًا تقوم على الأَساس الإقليمي أو القومي، عربيًّا كانَ أَو تركيًّا أَو إِيرانيًّا أَو غيرَهُ، ذاتَ الفقْهُ الإِسلاميُّ منَ الوجودِ وحِيلَ بَيْنَهُ وبينَ الناسِ في العلاقاتِ، وسُدَّتْ أَبوابُ التَّعَلُّمِ والتعليمِ، ولمْ يَبْقَ لهُ وجود في المدرسةِ إِلا في بعضِ البلدانِ كالأَزهرِ في مصرَ، والنجفِ في العراقِ وقُم في إيران وجامعِ الزيتونةِ في تونس.
وخلاصة هذا البحث أن الفقه الإِسلامي الأصيل هو تراث حضاري يؤدي إلى فهم أحكام العقيدة، فلا يجوز الخوف من اختلاف الآراء فيه، ولكن عندما هبط التفكير عند المسلمين، راحوا يخفون هذا الهبوط وراء ما يدّعونه فقهًا حتى أدّت بهم الحالُ إلى تضييع الأمة الإسلامية وتشتيتها إلى قوميات متنابذة. يستحكم بينها العداء، بل حتى في القومية الواحدة ـــــــ وهي النظرية المصطنعة للتفرقة ـــــــ بثّ روح الخلاف والتفرقة، حتى صارت الحال إلى ما نحن عليه، فهل من عودة أيها المسلمون، في جميع أقطار الأرض، إلى الحقيقة والحقّ وهما في قرآنكم الواحد، وفي سنّة نبيكم الواحد (صلى الله عليه وآله وسلم)؟!




قالَ الإِمَامُ عليٌّ سَلاَم اللهِ عليه
عَن المتخَاصِمين في الفتْيا
إِنّما إلهُهُمْ وَاحِدُ ونَبِيُّهُمْ وَاحِدٌ! وكِتابُهُمْ وَاحِدٌ! أَفَأَمَرَهُمُ
اللهُ ـــــــ سُبْحَانَهُ ـــــــ بالاختلافِ فَأَطَاعوه! أمْ نَهَاهُمْ عَنْهُ
فعَصَوْهُ أَم أنزل اللهُ سُبُحانَهُ دِينًا نَاقِصًا فاسْتَعَانَ
بِهِمْ عَلَى إِتْمامِهِ! أَمْ كَانُوا شُرَكَاءَ لَهُ
فَلَهُمْ، أَنْ يقَوُلُوا، وَعَلَيْهِ أَنْ يَرْضَى
أَمْ أُنزَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ دِينًا تامًّا فَقَصَّرَ الرَّسُول (صلى الله عليه وآله وسلم)
عن تبليغه وَأَدائِهِ واللهُ سُبْحَانَهُ يقَولُ:
{مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} [الأنعام: 38] {تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَي} [النحل: 89] {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} [النساء: 82]
وَإنَّ القُرْآنَ ظَاهِرُهُ أنِيقٌ وَبَاطِنُهُ عَمِيقٌ، لاَ تَفْنَى عَجَائِبُه، ولا تَنقَضِي غَرائِبُه، وَلاَ تُكْشَفُ الظّلُماتُ إِلا بِهِ

»نهجُ البَلاغة»



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB