المسلمون من هم
الطبعة : الطبعة السابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   57
تاريخ النشر :   2008




الخِلافاتُ بَين المسلِمينَ وَأَثَرها

وَرثْنَا في هذا العصرِ التفرُّقَ المذهبيَّ، حتَّى أَخَذَ بعضُنا يُكَفِّرُ بعضَنا الآخَرَ مِنْ غيرِ حُجَّةٍ ولا بَيِّنَةٍ، وصارتْ للآراءِ والأَفكارِ والأَحكامِ عصبيَّةٌ تُشبهُ العصبيَّةَ الجاهليَّةَ. فابنُ الشيعي شيعيٌّ، وابنُ السُّنيِّ سُنِّيٌّ يتوارثُ المذهبَ والعصبيةَ كما يتوارثُ الجسمَ واللَّونَ مِنَ الأبِ إلى ابنِهِ، وأصبحتْ كلُّ طائفةٍ كأَنَّهَا جنسٌ قائمٌ بذاتِه. ومَنْ أَخذَ حكمًا شرعيًّا مِنْ غيرِ مذهبِهِ لأنَّهُ اقتنعَ بقوةِ دليلِهِ يكونُ مثلُهُ بنظرِ الجاهلينَ مِنْ هذهِ الأُمَّةِ كَمَثَلِ الَّذي يُغَيرُ دينَهُ، أَو يرتدُّ بَعْدَ إِيمانٍ. وعلى امتدادِ هذَا الجهلِ والانحطاطِ والتعصُّبِ بدأَ أَهلُ كلِّ مذهبٍ يظُنُّ أَنَّ مذهبَهُ تُراثٌ لهُ فقطْ، وليسَ تراثًا للدِّينِ الإِسلامِيِّ والمسلمينَ، وإِنِ عَدَّهُ تراثًا للإِسلامِ والمسلمينَ فإِنَّهُ يجزمُ بعدَ اعترافِهِ هذا بأَنَّ مذهَبَهُ هُوَ الّذِي يقوم على الدّينِ الإِسلامي الصَّحيحِ فقطْ، وما عداهُ هُوَ انحرافٌ لا يُؤْخَذُ به، وضلالٌ وزيغٌ يجب الابتعادُ عنهُ.
وبهذا التفرّقِ السّياسي والمذهبيّ ضاعَ المسلمون وتفتت قواهم وأذلَّهم أعداؤهم.
وإِذَا كانَ الاختلافُ قد أَثَّرَ ذلكَ التَّأْثيرَ في الوحدة فإِنَّهُ لا بدَّ لنَا عندَما نتَّجهُ إِلى التَّجمُّعِ والاتحادِ بتفكير سليم، ونية صادقة، من أَنْ نُزيلَ ذلكَ الاختلاف.
والاختلافُ الَّذي وقعَ فيهِ المسلمونَ حقيقةً يُقْسَمُ قسمينِ:
أحدهُما: خلافٌ في السِّياسةِ عبر الماضي وهو الذي أَوجدَ الفرقةَ والانقسامَ، ونحنُ اليَوم لا ندري لأي غاية ما زلنا وفي سبيل أي مصلحة؟!.. نتوارثُ ذَلكَ الخلافَ.
فالشيعَةُ يفسِّقُونَ مَنْ لا يفضِّلَ عليًّا على باقي الصَّحابِة. وَالسنَّةُ يحكمونَ بالضَّلالِ على مَنْ يقدِّمُ عليًّا على أبي بكرٍ وعمرَ وعثمان. ويشتدّ النُقاشُ، ويدورُ الجدلُ في موضوعٍ لا يُنْتِجُ عملًا.
وقديمًا قيلَ: الاشتغالُ بعلمٍ لا يُنْتِجُ عملًا فَهُو عَبَثٌ.
والقسمُ الثَّاني: خلافٌ في الفروعِ الفِقهيَّةِ أو على الأصحّ تنوّع في التفكير الفقهي من شأنه أن يُوسّعَ آفاقَ الدِّراسةِ، ولا يجوزُ للمُسلمينَ أَنْ يُزيلُوهُ لأَنَّهُ تنوعٌ يُغْنِي التراث الإسلاميِّ.
وإذا نظرَ الناقِدُ البصيرُ نظرةَ فاحصٍ موازنٍ في الاختلافاتِ الفقهيَّةِ بين المذاهبِ الأربعةِ لا يجدُ فرقًا كبيرًا بينَ المذهبِ الجعفريّ والمذهبِ الحنفيِّ كما هُوَ حاصلٌ بَينْ المذهبِ الشَّافعيِّ والمذهبِ الحنفيِّ، وخصوصًا إِذا عرفَ القارئُ أَنَّ الإِمام أَبا حنيفةَ والإمامَ مالكًا درسَا عندَ الإِمامِ جعفرٍ الصّادقِ رَضي اللهُ عَنْهُمْ جميعًا.
وسأَنقلُ لكَ أَيُّهَا القارئ الكريمُ بعضَ الأَمثلةِ الَّتي تدلُّ على ذلكَ والتي هِيَ قليلٌ مِنْ كثيرٍ.
(1) ثُبُوتُ الهِلال:
قالَ الحنفيَّةُ والمالكيَّة والحنابلَةُ: متى ثبتتْ رُؤيَةُ الهِلال بِقُطْرٍ وجبَ ثبوتُهَا على أَهلِ سائرِ الأَقطارِ مِنْ غيرِ فرقٍ بينَ القريبِ والبعيدِ، ولا عبرةَ باختلافِ مَطلعِ الهلالِ. واتَّفقَ الإِماميَّةُ والشَّافعيَّةُ عَلى أَنَّهُ إِذَا رأَى الهِلالَ أَهلُ بلدٍ، وَلَمْ يَرَهُ أَهلُ بلدٍ آخرَ، فَإِنْ تقارَبَ البَلدانِ في المطلعِ كانَ حكمهما واحدًا، وإن اختلفَ المطلعُ فلكلّ بلدٍ حكمُهُ الخاصُّ.
(2) الأَذَانُ:
قالَ الحنفيَّةُ والشَّافعيَّةُ والإِماميَّةُ: الأَذانُ سنَّةٌ مُؤكدَةٌ. وقالَ الحنابلة: هُوَ فرضُ كفايةٍ في القُرى والأَمصارِ للصلواتِ الخمسِ على الرِّجالِ في الحضرِ من دون السَّفرِ.
وقال المالكيَّةُ: يجبُ كفاية في البلدِ الَّذِي تُقَامُ بهِ الجُمعَةُ، فإذا تركَ أَهلُهُ الأذانَ قُوتِلُوا على ذلكَ.
(3) الزَّوَاجُ:
اتَّفق الإِماميَّةُ والحنابلةُ والشَّافعيَّةُ على أَنَّه لا يصحُّ عَقْدُ الزَّواجِ بالكتابةِ إذا كانَ الزّوجُ والزَّوجةُ قَادِرَيْنِ على الكلامِ (أَيْ إِذَا لم يكنْ أحدهُما أَخرس).
وقالَ الحنفيّةُ: يصحُّ إِذَا لَمْ يكنِ الخاطبُ والمخطوبةُ في مكانٍ واحد.
وقد اتفقُوا جميعًا على أَنَّ الأَخرسَ يُكْتَفَى منهُ بالإِشارةِ الدَّالَّةِ على قصدِ الزَّواجِ صراحةً إِذا لم يحسنِ الكتابةَ، وإِنْ أَحسنَها فَألأَوْلى الجمعُ بينَها وبَيْنَ الإِشارةِ.
(4) مَهْرُ المرْأَةِ:
اتَّفَقَ الإِماميَّةُ والحنفيَّةُ عَلَى المهرَ ملكٌ خاصٌّ للزَّوجةِ وحقٌّ مِنْ حقُوقِهَا تفعلُ بهِ ما تشاءُ من هبةٍ أَوْ شراءِ جهازٍ أَوْ تحتفظُ بهِ لنفسِهَا، وَلا يحقُّ لأَحدٍ معارضتُهَا فيهِ، وكلُّ ما تحتاجُ إِليهِ مِنْ مَتَاعٍ فهوَ عَلَى الزَّوجِ وحدَهُ، وليستْ هِيَ مُلزَمَةً بشيءٍ منهُ، لأَنَّ النَّفَقَةَ بجميعِ أَنواعِهَا تُطْلَبُ مِنَ الزَّوجِ بخاصةٍ.
وقالَ المالكيَّةُ: عَلى الزَّوجةِ أَنْ تشتري ممَّا تقبضُهُ مِن مهرِهَا كلَّ مَا جرتْ بهِ عادةُ أَمثالها مِنَ الجِهاز.
وقالَ الشَّافعيَّةُ: إِذَا اختلفَ الزَّوجانِ في متاعِ البيتِ فَهو بَينَهُما.
(5) السَّفيهُ:
السَّفيه هُوَ الَّذي لا يُحْسِنُ إِدارةَ أَموالهِ (أَيْ هُوَ المهْمِلُ المبَذِّرُ). اتَّفَقَ الفقهاءُ جميعًا ما عَدا أبا حنيفةَ على أَنَّ السَّفيهَ يُحْجَرُ عليهِ في خصوصِ التَّصرفاتِ الماليَّةِ، وأَنَّ شأْنَهُ في ذلكَ شأْنُ الصبيِّ والمجنونِ، إِلا إِذَا أَذنَ لَهُ الوَلِيُّ. ولهُ مُطلقُ الحريَّةِ في التَّصرفاتِ الَّتي لا تتَّصلُ بالمالِ مِنْ قريبٍ أَوْ بعيدٍ، والسّفيهُ لا يُفَكُّ عنهُ الحجرُ حتَّى يَبْلُغُ، ويُعْلَمَ منهُ الرُّشْدُ لقولِهِ تعالَى في سُورة النِّساء: {وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا (5) وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 5 ـــــــ 6].
وبهذا قالَ الإِماميَّة والشَّافعيَّةُ والمالكيَّةُ والحنابلة وأَبُو يوسفَ ومحمّدٌ صاحبا أَبي حنيفة.
وقالَ أَبُو حنيفةَ: إِنَّ الرُّشْدَ ليسَ شرطًا في تسليمِ الأَموالِ لأَصحابها ولا في صحّةِ تصرفاتِهِمْ الماليّةِ: فإذَا بلَغ الإِنسان رشيدًا ثمَّ عرضَ لهُ السّفهُ تصحُّ تصرّفاتُهُ ولا يجوزُ التَّحجيرُ عليهِ حتَّى وَلَوْ كانتَ سنُّهُ دونَ الخامسةِ والعشرينَ، وكذلكَ منْ بَلَغَ سفيهًا بحيثُ يتَّصلُ السّفهُ بالصّغرِ لا يُحْجَرُ عليهِ بحالٍ بعد بُلُوغٍ.
هذه بعض الأمثلة الواضحة الدالّة على اختلاف الرأي بحسب ما رأى الإِمام الفقيه وتوصل إليه اجتهاده، من دون أن يكون في اختلاف الرأي هذا تفرقة بين سنّةٍ وشيعةٍ مصطنعتين، ومن دون أن يؤثر هذا الاختلاف في العقيدة التي يبقى لها مصدران أساسيان يعتمدهما المسلمون وهما: الكتاب والسنّة.
وبعد بيان تلك الأمثلة إليكم شرحًا موجزًا عما أسميناه اختلافًا سياسيًّا وتنوعًا فكريًّا فقهيًّا.
لقد حدث في مسار التاريخ الإِسلامي أمران:
أحدهما الفتنة التي حصلت عن مقتل عثمانَ رضي الله عنه، والثاني المناظراتُ التي حصلَتْ بين العلماءِ، فنجم عن ذلكَ اختلافٌ في أَنواعِ الأَدلَّةِ الشرعيّةِ أَدّى إِلى وجودِ أَحزابٍ سياسيّةٍ جديدةٍ، كما أَدَّى إلى وجودِ مذاهبَ فِقهيَّةٍ متعدِّدةٍ. وقد نشأ ذلك بوضوحٍ بعدما قُتلَ عثمانُ بنُ عفَّانَ رضي الله عنهُ. وبويعَ بالخلافةِ عليّ بن أبي طالبٍ سلامُ اللهِ عليهِ، ونازعهُ عليها معاويةُ بنُ أَبي سفيانَ. واشتعلتِ الحربُ بينَ القريقينِ، وانتهتْ إلى تحكيمِ الحكَمَينِ = عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري في معركة صفين وقد نجم عن ذلكَ نُشوءُ أحزابٍ سياسيةٍ جديدةٍ لمْ تَكُنْ من قَبلُ. وصارتْ لهذهِ الأحزابِ آراءٌ جديدةٌ. وقدِ ابتدأ الرأْيُ سياسيًّا بشأْنِ الخليفةِ والخلافةِ، ثمَّ شملَ الأَحكامَ، أَو كثيرًا منها.
نشأَتْ جماعَةٌ منَ المسلمينَ شَجبتْ سياسةَ عثمانَ في خلافتهِ، ونقمتْ على عليّ قبولَهُ التحكيمَ، وعلى معاويةَ تولِّيَهُ الخلافةَ بالقوّةِ، فخرجتْ عليهمْ جميعًا. وكانَ رأَيُهُمْ أَنَّ الخلافةَ بيعةُ اختياريّةٌ يقومُ بها المسلمونَ نحوَ الخليفةِ بمحضِ اختيارِهِمْ من دونِ إِكراهٍ ولا إجبارٍ، وكلّ مَنْ توافرَتْ فيهِ الكفايةُ للخلافةِ يصِحُّ أَنْ يكونَ خليفة يبايعهُ المسلمون، وعندئذٍ تنعقدُ الخلافةُ لهُ ببيعتهِ ما دامَ رجلًا سياسيًّا مسلمًا عدلًا ولو كانَ عبدًا حبشيًّا، ومن آرائِهِمْ أَنَّ طاعةَ الخليفة واجبةٌ إِذا كانَ أَمرُهُ في حدودِ الكتابِ والسنَّةِ ، وإذا تجاوزَهُما فلا طاعةَ لهُ.
وهؤلاء ـــــــ وهم الخوارجُ ـــــــ لا يأْخذونَ بالأَحكامَ التي وردتْ في الأَحاديثِ التي رواها عثمان أو عليٌّ أَو معاويةُ أَوْ صحابيّ ناصرَ واحدًا منهمْ وروَى أحاديثَهُمْ وآراءَهُمْ وفتاويهمْ، ثمَّ رجّحوا كلَّ ما رُويَ عَمَّنْ يرضَوْنَ عنهُ وعدّوا رأْيَهُ ووثقُوا بعلمائِهِمْ من دونِ غيرهم. ولهمْ فِقهٌ خاصٌّ.
أمَّا الجماعةُ الثانيةُ منَ المسلمينَ ـــــــ وهيَ الشيعةُ ـــــــ فقد تمسكت بالنص ووالت عليّ بْنَ أَبي طالبٍ سلامُ اللهِ عليهِ، ووالت ذرَيتهُ ورأَتْ أَنَّهُ هو وذرّيتهُ أَحقُّ بالخلافةِ من كل أحدٍ. وأَنهُ هو الذي أَوصى إِليه الرّسولُ بالخلافةِ منْ بعدِه.
وقد روَوْا أَحاديثَ كثيرةً نَقَلَها عنِ الرسولِ جمهورُ الصحابةِ. ولم يُعوّلوا على آراءِ بعضِ الصحابة، بلْ على الأَحاديث التي رَواها آلُ البيت أنفسهم (سلامُ اللهِ عليهم) ومَنْ ناصَرَهم واقتدى بهم مِنَ الصّحابةِ (رضوانُ الله عليهم)، كما عوّلوا على الفتاوى التي صدرَتْ عنهم. وكانَ لهمْ فِقْهٌ خاصّ. وأَمّا الجماعة الثَّالثةُ وهي السُّنةُ فقد رأَتْ أَنَّ الخليفةَ يجبُ أَن يكونَ منْ قريشٍ إِن وُجدَ، وهُمْ يحملون كلَّ إكبار ومحبةٍ لجميع الصحابةِ من دون استثناء، ويؤوّلون ما كان بينهم من خصومات بأنها كانت خصومات اجتهاديةً في أَحكامٍ شرعيةٍ ظنيّةٍ، لا ترتبطُ بكفرٍ أَو إِيمانٍ. وكانوا يحتجّونَ بكلِّ حديثٍ صحيحٍ رواهُ صحابيٌّ بلا تفريقٍ بينَ الصحابةِ، لأَنهم يعتقدونَ أَن أَصحابَ النبيِّ كلَّهم عدولٌ ويأْخذون بفتاوى الصحابة وآرائِهِمْ.
وهذا الاختلافُ جعلَ أحكامَ الفئاتِ الثَّلاثِ لا تتفقُ مع بعضها في عدّةٍ موضوعاتٍ لاختلافِها في الحكمِ وفي طريقةِ الاستنباطِ، وفي أَنواعِ الأَدلَّةِ.
ومن ذلكَ يتبينُ أَنَّ الفتنةَ التي حصلتْ، أَوْجَدَتْ حالةً سياسيّةً وفِقْهِيَّةً أَدّتْ إِلى اختلافٍ كانَ لهُ أَثرُهُ في التاريخِ، لكنَّهُ لم يكن اختلافًا على الشريعةِ، وإِنما كانَ اختلافًا في فَهْم الشريعةِ.
لذلكَ كانَ المختلفون جميعُهُمْ مسلمينَ، وإِن تجاوزَ اختلافُهُمْ الفروعَ والأَحكامَ إِلى الأصول والأَدلَّةِ وطريقةِ الاستنباطِ.
وأَمَّا المناظراتُ الَّتي حصلتْ بينَ العلماءِ فقدْ أَدّتْ إِلى اختلافاتٍ فقهيّةٍ ولمْ تؤدِّ إلى اختلافاتٍ سياسيّةٍ، لأَنها لمْ تكنِ اختلافًا في الخليفةِ الخلافةِ ونظامِ الحُكْمِ. وإِنَّما كانَتْ اختلافًا في الأَحكامِ وطريقةِ استنباطها، لذلكَ كانَ بعضُ المجتهدينَ يرى أَنَّ الأَدلَّةَ الشرعيّةَ لا تتعدّى الكتابَ والسّنَّةَ والإجماعَ والعقلَ. واعتبار هذين الدليلينِ الآخرين: الإِجماع والعقل، من حيثُ رجوعُهُما إِلى الكتابِ والسنَّةِ، كاشفًا عن وجود دليلٍ شرعيّ. وهذا هوَ فقهُ الشِّيعةِ الإِماميةِ أَيْ مذهبُ الإِمام جعفر الصّادقِ عليهِ سلامُ الله. وبعضُهُمْ يرى أَنَّ الأَدلَّةَ الشرعيّةَ هيَ الكتابُ والسنَّةُ والإِجماعُ والقياسُ والاستحسانُ ومذهبُ الصحابيِّ وشرعُ مَنْ قبلنَا، وهذا هُوَ مذهبُ الإِمام أبي حنيفَةِ رضي اللهُ عنهُ. وبعضُهم يَرَى أَنَّ الأَدلَّةَ الشَّرعيَّةَ هيَ الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجماعُ والقياسُ وهَو مذهبُ االإِمامِ الشَّافعيِّ رضِي اللهُ عنهُ. ومنهُمْ مَنْ يَرى أَنَّ الأَدلَّةَ هيَ الكتابُ والسنَّةُ والقياسُ والمصالحُ المرسلَةُ وهذا هُوَ مذهبُ الإِمامِ مالكٍ رضيَ اللهُ عنهُ.
نلاحظُ أَنَّ فقهَ الإِمامِ جعفرٍ يخلُو مِنَ القياسِ ويقتصرُ على الكتابِ والسنَّةِ والإِجماعِ والعقلِ، في حين أننا نجدُ القياسَ عندَ جميعِ الأَئمّةِ الآخرين. فكما ذكرنَا تحتَ بابِ الوصيّةِ والبيعةِ، إِنَّ المسلمينَ الشِّيعةَ الإِماميَّةَ يعتقدُونَ بأَنَّ الإِمامَ معصومٌ فكانَ الأَمرُ بالنسبةِ إليهم واضحًا وَلاَ لَبْسَ فِيهِ، لِذَا هُمْ يضعُونَ أقوالَ الأَئمَّة في موضِعِ المنصوصِ عَلَيهِ الَّذِي يكون سنَّةً مُتَّبعةً كالقرآنِ الكريمِ والسّنَّةِ النَّبويَّةِ، فكانَ وجودُ الأَئمَّةِ الأعلامِ بَينَهُمْ فيهِ غَنَاءٌ عَنْ كلِّ اجتهادٍ، وَقَدْ تركوا تركةً ثمينةً مِنَ الفتاوى والأَحكامِ كانتْ عِنْدَهُمْ بمنزلةِ النُّصوصِ و الآثارِ. وقد تُوُفِّيَ آخرُ إِمامٍ مِنْ أَئمتِهِمْ في أَوّلِ النِّصفِ الثَّانِي منَ القرنِ الثَّالثِ فَما كانت ثَمَّةَ حاجةٌ إِلى قياسٍ، وَمَا كانَ الإِمامُ مِنْ أَئمّتِهِمْ إِذَا قالَ قولًا في حاجةٍ إِلى أن يُثْبِتَهُ بقياسٍ يربطُ فيهِ الأَصلَ بالفرعِ، بَلْ كانَ كلامُهُ حُجَّةً في ذاتِهِ، إِذ هُوَ معصومٌ عَن الخطإِ فَلا يُسْأَلُ إِذَا قالَ قولًا: مِنْ أَين قُلْتُ هذا؟ أَو لمَ قُلْتَ هذَا؟ فَكَان مِن الواقعِ أَلا يكونَ للقياسِ عِنْدَهُمْ شَأَنٌ يُذْكَرُ إِلا عَلَى أَنَّهُ أَمْرٌ باطلٌ أَو بِدْعَةٌ في الدّينِ. ولَمْ يَمْنَعْ إِبطالَ القياسِ عِنْدَ الإِمامِيَّةِ، أَنْ يَكونَ أكثرُ فقهاءِ السّنّةِ وخصوصًا الأَئمّةُ الأَربعةُ قَدِ عدّوه أَصْلًا مِنَ الأُصولِ الفقهيَّةِ حتَّى عدّه الإِمامُ الشَّافعيُّ مصدرًا قوامُهُ النصُّ، إِذ إِنَّ الفقهَ يقومُ على النَّصِّ أَوِ الحمل على النَّصِّ، والقياسُ هُوَ الحملُ على النَّصِّ. وأبو حنيفةَ شَيْخُ فُقَهاءِ العراقِ قَدِ اشتهرَ بالقياسِ، وأَضافَ إِليهِ الاستحسانَ وَهُوَ يرجع إِلى القياسِ أَوِ النَّصِّ أَو الإِجماع.
هذَا هُوَ عِلْمُ أُصُولِ الفقهِ عِنْدَ الإِماميَّةِ في القرنِ الثَّالثِ الهجريِّ وَقَدْ جاءَ القرنُ الرَّابعُ وفيهِ نَمَا عِلْمُ أُصولِ الفقهِ عِنْدَ الإِماميَّةِ نمّوًّا كبيرًا وذلك لسبيينِ:
أحدهما: غيبةُ الإِمامِ وقَدْ كانُوا يعتمدون عليهِ في أَخذِ الأحكامِ الفقهيّةِ فكانَ لا بُدَّ بَعدَ غيبتِهِ من أَنْ يُعْنَوْا بِضَوابِطِ الاستنباطِ وموازينِ الآراءِ كيْ يسيرُوا في اجتهادِهِمْ على بينَةٍ.
ثانيهما: أَنَّ بابَ الاجتهادِ عندهمْ مفتوحٌ ولا يقفونَ عِنْدَ أقوالِ الأَئِمَّةِ إِنْ لَمْ يُعْرَفُ لَهُمْ نصُّ في المسأَلة الَّتي تعرضُ مِنْ بعدِهِمْ بَلْ يستنبطونَ الحكم في غير قياسٍ ويرجعون إلى القواعد العامة في أصول الفقه ليصلوا إِلى الأحكام، ومِنْ غيرِ أَنْ يخرجُوا على أَقوالِ الأَئمَّةَ الثَّابِتَةِ.
ولَقَدْ أنمى هذه الدراسةَ وجودُ علماءَ مِنَ المسلمينَ الشِّيعةِ الإِماميَّةِ مِنَ القرنِ الثَّالِثِ عكفُوا عكوفًا تامًّا على الفقهِ وأُصولِهِ، فَدَوَّنُوهُ ورتَّبُوا أَبوابَهُ وفَجَّروا ينابيعَهُ وأَجْرَوْا جداولَهُ. وكانَ منهم في كلِّ قرنٍ مِنَ القرونِ التَّالية علماءُ أَجلاءَ كتبُوا في فروعِ الفقهِ وأُصولِهِ.
ولِذَا رأَيْنَا هذَا الاختلافَ أَدَّى إِلى اختلافٍ في الأَدلَّةِ الشرعيّةِ وبالتَّالي أَدَّى إِلى اختلافِ طريقةِ الاجتهاد، وهكذا نشأ بَعْدَ طبقةِ التَّابعينَ الاختلافُ في طريقةِ استنباطِ الأَحكامِ، وصارَتْ لكلَ مجتهد طريقةٌ خاصّةٌ.
وقد نشأَ عنْ هذا الاختلافِ في طريقةِ الاستنباط وجودُ مذاهبَ فِقهيّةٍ متعدّدةٍ أَدّتْ إِلى نموّ الثروةِ الفقهيَّةِ، وجعلتِ الفِقْهَ يزدهرُ ازدهارًا كبيرًا، وذلكَ لأَنَّ الخلافَ في الفَهْمِ طبيعيٌّ وهو يساعدُ على نمو الفكرِ. وقد كانَ بعضُ الصحابةِ يخالفُ بعضهم الآخرَ، فقد خالفَ عبدُ اللَّهِ بن عباس عليًّا سلامُ الله عليهِ، وزيدًا بن ثابتٍ وعمرَ رضِي اللَّهُ عنهما، معَ أَنَّهُ أَخذَ عنْهُمْ. وخالفَ كثيرٌ منَ التَّابعينَ بعضَ الصحابةِ وفي الوقتِ الذي أخذوا العلمَ عنهُمْ، وخالفَ مالكٌ كثيرًا من أَشياخِه، وخالفَ أَبو حنيفةَ جعفرًا الصادقَ في بعض المسائلِ مَعَ أَنَّهُ تلميذُهُ، وخالفُ الشافعيّ مالكًا في كثيرٍ من المسائِلَ، وهو تلميذُهُ أيضًا. وهكذا كانَ العلماءُ يخالِفُ بعضُهم بعضًا، والتلاميذُ يخالفونَ أشياخَهُمْ وأَساتِذَتَهُمْ، وما كانُوا يَعُدّونَ ذلكَ سوءَ أَدب أو خروجًا على أشياخِهمْ، وذلكَ لأَن الإِسلامَ حثَّ على الاجتهادِ، فكانَ لكلِّ عالمٍ أَنْ يَفْهَمَ ويجتهِدَ وَأَلّا يَتَقَيَّدَ بصحابيِّ أَو شيخٍ أَو أُستاذٍ. وقد كانَ لهؤلاء التلاميذِ الفضلُ الأَولُ في نشرِ مذاهبِ أَساتِذتِهِمْ وأئِمَّتِهِمْ في شرحِ الفقهِ وازدهارهِ، ويُعدّون عصرهمْ أَزهرَ من عصرِ الأَئمةِ أَنفسِهم، لأَنَّ هذا العصرَ هو الذي فُصِّلَتْ به الأَحكامُ والأَدلَّةُ. ولأَجل ذلكَ اندفعَ الفقهاءُ في دراسةِ الفِقْهِ وشرْحِهِ ولا سيّما عِلْمِ أُصول الفِقْهِ الذي يُعَدُّ الأَساسَ الحقيقيّ للفقهِ. وظلّ أَمرُ الفِقْهِ يَشعّ حتى ازدهرَ أَيما ازدهار، وكانَ أَوجُ ازدهارِهِ في القرنِ الرَّابعِ الهجريِّ بَعْدَ القرنِ الَّذي تكوّنتْ فيهِ المذاهبُ.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB