السياسة والسياسة الدولية
الطبعة : الطبعة الاولى  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   198
تاريخ النشر :   1987




المشاكل الدوليّة

إن الصراع بين الدول أمرٌ طبيعي ولا يستغرب، فاختلافُ المصالح بين الشعوب والأمم واقعٌ مشاهَد، وصراعُ الناس على المصالح، سواء أكانت مصالحَ عامةً أو مصالحَ خاصةً، يصعب أن يزولَ لأن الاختلافَ في الأفكار وعلى الأفكار طبيعيّ وحتميّ. وكذلك فإن طريقَ العيش بين الناس مختلفةٌ ولا تزال مختلفةً. لذلك لا بدّ من أن يوجدَ الصراع على الأفكار، وعلى طريقة العيش، وعلى المصالح، بين الشعوب والأمم، أي بين الدول بعضها مع بعض. إلا إن هذا الصراع يأخذ أشكالًا كثيرة، فيأخذ الناحية السياسية ويأخذ الناحية الاقتصادية، ويأخذ الناحية العسكرية، وإذا كان التنافسُ في التجارة، والتنافسُ الماليّ في النقود، يشاهَدُ كل وقت بين الأفراد وبين الدول، فإن هذا التنافسَ قد يتحوّلُ إلى صراع، وقد يتحوّلُ هذا الصراع إلى حروب. وإذا كان الناسُ بطبيعتهم يكرهون الحرب ويحاولون حلّ المشاكل التي بينهم بالوسائل السلمية، فإن ما يكرهونه لا بدّ من أن يُكرهوا عليه، لذلك فإن الحربَ بين الناس أمرٌ لا بد من أن يقع، ومهما حاول الناسُ الابتعادَ عن هذه الحروب، فإنهم لا يستطيعون ذلك، لأن العقدةَ إذا استعصى حلّها لا بد من أن تُقطَعَ بالسلاح. ومن هنا لا بد من أن يلجأ إلى السلاح في آخر الأمر، ولا بد من أن تقعَ الحروب بين الناس.
إلا إن الأمر الذي ليس بطبيعيّ، ولا مقبول، هو إجماعُ جميع بني البشر أن يشتركوا في حرب واحدة في آن، أي إن ما ليس بطبيعيّ وما ليس بمقبول هو الحروب العالمية، وإذا كان هناك من تفكير يمكن أن يُنتجَ ثمره، ويمكن أن يصلحَ البشر، فإنه التفكيرُ في منع الحروب العالمية والوقوف في وجه إمكانيتها. فالسلامُ الذي يجب أن يُسْعَى إليه إنما هو السلامُ العالميّ، أي السلام بين الأمم والشعوب، أي بين جميع الدول، وخصوصًا بين الدول الكبرى.
أما فكرةُ الحرب العالمية فإن الذي أوجدها هو إنكلترا بالذات، وأصل ذلك أن إنكلترا في سبيل أن تقف في وجه نابليون قد جمعت عدة دول لمحاربته حتى أخضعته، وكذلك لما سيطرت الدّولة العثمانية على أكثر أجزاء العالم، وفتحت أكثرَ بلاد أوروبا، جمعت بريطانيا الشعوبَ والأممَ الأوروبيّة في كتلة واحد ضد الدولة العثمانية حتى دحرتها وأخرجتها من أوروبا، ثم تحوّل ذلك إلى وقوع الثانية. ففكرة الحرب العالمية ليست فكرةً قديمة، ولا هي فكرةٌ طبيعيّة في البشر بل هي فكرةٌ طارئة، وخبيثة يمكن معالجتها، بل تجب معالجتها العلاج الناجع، حتى لا يقع العالم مرة أخرى في حرب عالمية مدمِّرة، ولا سيّما بعد وجود السلاح النووي.
أما طريقةُ معالجتها فهي الحيلولةُ دون وجود التكتلات العسكرية بين الدول، والحيلولة دون المحالفات العسكرية. أما كيفيّة هذه المعالجة فإنها تأتي عن جعل التكتلات العسكرية خيانةً للجنس البشري وعارًا في نظر الشعوب والأمم، وبالتالي في اصطلاح الدول، وذلك عن طريق إيجاد رأي عام ضد هذه التكتلات والمحالفات العسكرية. وإذا وُجِدَ رأيٌ عام قويّ لدى أكثرية الشعوب والأمم، فإنه ولا شك تمتنع الدول عن الدخول في التكتلات العسكرية، أو يضعفُ أثرُ هذه التكتلات إن وُجدت. وأقربُ دليل ما حصل لحلف بغداد في الشرق الأوسط في الخمسينيات، والأحلافِ التي أقامتها أميركا في العالم في الخمسينيات فإن هذه الأحلافَ، أو هذه التكتلات قد وُجدت للسيطرة الاستعمارية وللوقوف في وجه روسيا. ولكن ما صاحب وجودها من دعايات ضدها، أوجد رأيًا عامًّا بأن الدخول فيها هو جَرّ للشعوب لأن تقدم نفسها قربانًا لحماية الاستعمار، وقد انتشر هذا الرأيُ العام بشكل كاسح، على الرغم من قوة الدول التي أوجدت هذه الأحلاف، وبذلك أحجم كثيرٌ من الدول عن الدخول فيها، وصارت شعوبُ الدول التي دخلتها ضد هذه الأحلاف، ناقمةً على دولها التي دخلتها، فأدى هذا إلى إضعافِ هذه التكتلات، وعدمِ وجود فاعلية لها حتى تلاشت وأصبحت كأنها غير موجودة. ولو أحجمت دول أوروبا عن التحالف مع إنكلترا في الحرب العالمية الأولى، ولو أحجمت أميركا عن الدخول في التحالف في الحرب العالمية الثانية لما وُجدت هاتان الحربان. والوسيلةُ الوحيدة للحيلولة دون نشوب حرب عالمية في العالم هي عدمُ التكتل الدوليّ، وعدمُ وجود محالفات بين أكثر من دولتين.
أما حلّ المشاكل بين الدول، وحمايةُ الدول بعضها من بعض، فإنه لا يصح أن يكونَ بجعل دولة كبرى أو أكثر تقوم بعمل البوليس الدّوليّ، كما كانت الحال بالنسبة إلى إنكلترا وفرنسا في القرن التاسع عشر، وبالنسبة إلى أميركا وروسيا في أواخر القرن العشرين، فإن هذا يعني فرضَ سيطرة دولة على دولة، ويعني استعمالَ سلاح الإرهاب في وجه الشعوب والأمم، وهذا مما لا يجوزُ أن يكون. وكذلك لا يصحّ أن يكون بإيجاد هيئة من الدول لها سلطةُ إيقاعِ العقوبات على من لا ينصاعُ لرأيها في حل المشاكل، فإن هذا فضلًا عن كونه يعني إيجادَ دولةً عالميّةٍ فوق الدول، وهو ما لا يمكن أن يكون، ومما يسبب خلقَ المشاكل عن طريق محاولة حلها، فإنه لا يصلحُ أداةً لحل المشاكل، ولا يتأتى معه حلّ المشاكل بين الناس بالرضى والاختيار.
إن العلاقاتِ بين الدول هي كالعلاقاتِ بين الأفراد، لا بدّ من أن تكونَ معالجاتها على وجه يرفع النزاعَ بينها. أي لا بد من أن يكون بعرفٍ عامّ مسيطرٍ ينظم هذه العلاقات، وحينئذٍ تكون المشكلةُ من مخالفة هذا العرف العام، إلى جانب تقوية الدول التي يُخشى الاعتداءُ عليها، ولكن لا بالتحالف الدّوليّ، بل بإيجاد فكرةٍ أساسيةٍ عن الحياة لدى الشعوب الضعيفة، تبعث فيها القوة والحياة وتجعلُها لا تخشى أيّ عدوان. وإن كان العدوانُ من أجلِ نشرِ فكرة اقتنع الرأيُ العامّ بذلك البلد المعتدى عليه بصحتها واقتنع بأنها من ناحية الحكم ورعاية الشؤون أصلحُ وأحسنُ من الفكرة التي يرعى شوؤنه بها وانضمّ إلى البلد الذي يدعو إلى هذه الفكرة، سواء بثورة داخلية أرغمت الفئة الحاكمة على الضمِّ، أو باكتساح خارجي. فإن مثلَ هذا الاكتساحِ والضمّ، أو باكتساح خارجي. فإن مثلَ هذا الاكتساح والضمّ لا يُعدّ عداونًا، بل يُعدّ حربًا مشروعة، لذلك لا تُمنعُ مثل هذه الحروب، على أن تكونَ حربًا محليةً لا حربًا عالمية، وأن يكونَ الصّدقُ ظاهرًا فعلًا فيها لا أن تُتَّخذَ الفكرةُ وسيلةً لغاياتٍ غير مشروعة، وعلى أن يكونَ لهذه الشعوب المكتسحة حقّ الاختيارِ فيما تعتقدُ وما تدين، وأن تتساوى مع الشعب الذي اكتسحها في كل شؤون الرعاية والعناية وفصل الخصومات.
فالموضوعُ ليس منعَ الحرب مطلقًا، بل منع الحرب العالمية، ومنع الحروب غير المشروعة. أما الحروبُ المحلية، والحروبُ المشروعة، فإن منعَها غيرُ ممكن، فضلًا عن أن الوقوفَ في وجهها هو وقوف في وجه الخير والعدل، وهو ما لا يصح أن يكون. ففكرةُ السلام العالميّ فكرة صحيحة وممكنةُ التحقيق. أما فكرةُ السلام بالوجه المطلق، فإنها غيرُ صحيحة وغيرُ ممكنة التحقيق. فالنزاعُ على المصالح طبيعيّ، والنزاعُ على الأفكار حتميّ، وهذا النزاعُ يمكن أن يُرفعَ بالرأي العام ويمكنُ أن يُرفعَ بالحرب المحلية. وهو طبيعيّ بين اثنين، وبين شعبين، لكنه ليس طبيعيًّا بين العالم كله بعضه مع بعض.
هذا بالنسبة إلى المشاكل الكبرى، أم المشاكلُ الصغرى، مثل النزاع على الحدود، ومثل النزاع على التجارة، ومثل النزاع على المصالح المحلية، وما شاكل ذلك، فإنه لا يرتفع إلى مستوى أن يفكرَ الغير في معالجته، أو يعني العالم نفسه به، بل هو يحلّ نفسه بنفسه، ويحلّه المتنازعان بينهما ولو بحرب بينهما. فالمشاكلُ المحلية لا أهميةَ لها، بل الأهمية للمشاكل الدولية، وطريقة حلها. فإن هذه المشاكل هي التي تؤدّي إلى التكتلات الدولية، وهي التي تؤديّ إلى الحرب العالمية.
أما ما عليه العالم اليوم في العلاقات الدولية والمجتمع الدولي، فإنه وإن كان العالم يتظاهرُ بالسعي لحل المشاكل الدولية، فإنه وإن كان العالم يتظاهرُ بالسعي لحل المشاكل الدولية، فإنه عالمٌ يتعمّد إيجادَ المشاكل، وإشعالَ الحرائق، ثم يجعلُ من حلّها وسيلة لكسب المنافع واستغلال الشعوب وإيجاد السيطرة والنفوذ. فهو يُوجدُ المشاكل ويُعقّدها، حتى أصبح وجود العالم على هذه الحال هو نفسه مشكلةً لا بد من حلها. ذلك أن العالم تتولّى شؤونه دولتان عملاقتان هما أميركا وروسيا، تحاولان إضعافَ غيرهما، وزيادةَ قوتهما، وتقومُ كل منهما على أساس حماية نفسها، واستغلال غيرها، أو بسط النفوذ عليه. وتحاولُ مشاركتَهما في تولي شؤون العالم دولتان كبريان، هما إنكلترا وفرنسا، وذلك لا من أجل خير العالم وصلاحه بل من أجل مشاركتهما في الاستغلال وبسط النفوذ. ذلك أن كلًّا من الدولتين الكبريين: إنكلترا وفرنسا، تقومُ على الأسس نفسها التي تقوم عليها الدولتان العملاقتان: أميركا وروسيا، وهي: حمايةُ نفسيهما، واستغلالُ غيرهما أو بسطُ النفوذ عليه. وما دام العالم على هذه الحال فإنه لا يُرجَى له أيّ صلاح، ولا يُؤمّلُ له بأي خير، فإن من يتولّى شوؤنَه إنما يعملُ لاستغلاله بادعائه أنه يعملُ لرفاهيته ويعمل للسيطرة عليه وبسط نفوذه، بادعائه أنه يعملُ لتحريره وإسعاده. لذلك فإن المشكلةَ التي يتخبط فيها العالم، ليست مشكلة السلام العالميّ، حتى ولا فكرة السلام، بل مشكلةَ رفع السيطرة عنه، ومنع استغلاله وبسط النفوذ عليه. لذلك كان وضعُ العالم على الحال التي هي عليه هو المشكلة التي يجب حلّها، وما لم تحلّ هذه المشكلة فإن الشقاءَ أو التعاسةَ ستظل هي المسيطرةَ على بني البشر.
أما سببُ ذلك فإن العالم لا يعيشُ على فكرةٍ أساسيّةٍ عن الكون والإنسان والحياة وليست لديه وجهةُ نظرٍ في الحياة تتأصلُ فيه ويعيشُ عليها. والدول التي تتولّى شؤونه، فإنها تتولاها بدوافعَ غريزيّةٍ بحتةٍ لا بفكرةٍ كليّةٍ عن الكون والإنسان والحياة، فالدولُ الأربعُ: الدولتان العملاقتان والدولتان الكبريان، ظاهرٌ في صميم سياستها، انعدامُ فكرةٍ أساسيّةٍ تقوم عليها، وظاهرُ في سياستها سيطرةُ النّاحيةِ الغريزيّةِ على هذه السياسة. لذلك فإنه لا بد من أن يكونَ كلّ عملها محصورًا بحماية نفسها واستغلال غيرها وبسط النفوذ عليه. وما لم توجد فكرةٌ أساسيّةٌ لدى أيّ أمة بل أي شعب يعيش عليها ويحملها دعوةً للعالم، فإنه لا يُرجَى له أيّ صلاحٍ ولا يُؤمَلُ له بأي خلاص.
والعالمُ في القرون الأولى كان يسيرُ على الناحية الغريزية، لكنه لم تكن تسيطرُ عليه قوةٌ أو قواتٌ تسيطر عليها الناحية الغريزيّةُ فتتخذه مزرعة للاستغلال وبسط النفوذ. ثم بعد ذلك جاءته فكرةٌ كليةٌ عن الكون والإنسان والحياة، عقيدة سياسية، وقاعدة فكرية، ووجهة نظر في الحياة، فتجسدت في أمّة الهدى وفي دولة الإِسلام التي أخذت تنشر فكرتها وتنشر العدالة بين الناس، فتمتعت مئاتُ الملايين من البشر في ظلّ هذه الفكرة بالطمأنينة والاستقرار، والعزة والازدهار، عشراتِ الأجيال وأكثرَ من عشرة قرون. وكان من الممكن أن تقعَ حروبٌ محليةٌ مشروعةٌ وغيرُ مشروعةٍ ولكن لم يكن من الممكن أن تقعَ حربٌ عالميّةٌ، وأن يُجَرّ العالمُ كله لأن يحارب بعضه بعضًا. فلما نبتت فكرةُ الرأسماليّة في أوروبا، وهي فكرةٌ تُطلِقُ الغرائز شرّ إطلاق، وتجعلُ العلاقة بين الإنسان والإنسان علاقةَ خصامٍ وصراعٍ لا علاقة ودٍ وإيثار، علاقةَ الرّغيفِ بيني وبينك: آكلهُ أنا أو تأكله أنت، حينئذٍ تغلبت الغريزةُ على الفكرة، وَوُجِدَ الصراعُ والخصامُ، وأدى ذلك للركض وراء القوة من أجل الاستغلال، فأدى إلى تكتيل الدول ضد الدول، وأدى إلى إضعاف الفكرة الكلية التي يتمتعُ بها البشرُ بالسعادة والهناء، وبالتالي إلى إضعاف الدولة التي فيها هذه الفكرة، فوقع البشر فيما وقعوا فيه، من سيطرةِ الغريزة عليه بدلَ الفكر، ومن سيطرة القويّ على الضعيف ومن استغلالِ البشر لإخوانهم بني الإنسان استغلالَ عبوديّةٍ وإذلال، فكان ما كان من انتشار الاستعمار والافتخار به، من الركض وراء إيجاد مستعمرات. ثم الوصول إلى الحروب العالمية.
إلا إنه لما استشرى داءُ الاستعمار، وبلغ الظلمُ في أوروبا ذروته ـــــــ الظلمُ الاقتصاديّ والظلمُ السياسيّ ـــــــ لسعت المفكرين هذه النارُ، فضجوا من فداحة هذا الظلم، ورفعوا صوتهم يصيحون بالناس أن ارفعوا هذا الظلم، فوجدت فكرةُ الاشتراكية والشيوعية كعلاجٍ لفساد النظام الرأسمالي، وكمنقذٍ مزعومٍ للناس من ظلم هذا النظام. وكاد يكون علاجًا نافعًا لو كانت هذه الفكرةُ فكرةً صحيحةً، وبُنيت على أساسٍ عقليّ فطريّ يتجاوب مع الغرائز، لكنها كانت فكرةً خاطئةً، فكرةً خياليّةً، وُجدت كردّ فعلٍ للواقع لا من العقل، وبذلك لم يكن للفكرة التي جاءت تعالجُ الرأسمالية وتحاربها، أيّ أثر في إنقاذ العالم من الظلم السياسيّ والظلم الاجتماعيّ، بل على العكس، فإنّ الفكرةَ الرأسماليةَ قويت، وزاد انتشارها، وزادت قدرة التحكّم والاستغلال لأن فكرة الاشتراكية بجميع أنواعها قد جاءت بمنزلة ترقيع للنظام الرأسمالي فأوجدت حرية النقابات والضمان الاجتماعي كردٍّ على الاشتراكية الشيوعية، ولم تعد شعوبها تضجّ من الظلم، بل استساغته بفضلِ ما اصطُنع مما يُسمّى برفع مستوى العيش الماديّ، والشعوبُ والأممُ المستعمَرةُ للدول الرأسماليّة قد هدأت ضجتها من الاستعمار وصارت تسير في ركابه، وتخضع لسيطرته ونفوذه، بالاستقلالاتِ المزيفةِ والدولِ الكرتونيّة، ووجود مظاهرِ الحكم والسلطان. لذلك ليس غريبًا أن يظلّ العالم يرزحُ تحت هذا الشقاء منذ القرن الثامن عشر حتى الآن. فإن الفكرةَ التي تتحكمُ فيه هي الفكرةُ الرأسمالية، وحتى المسماةُ بالاشتراكية، والدّولُ التي تتحكم فيها هي ذاتها الدول التي تطمعُ باستغلاله وبسط النفوذ عليه، حتى ولو سُميت بالدول الاشتراكية. وما لم ينعتق هذا العالم من استعبادِ هذه الفكرة له، ومن سيطرةِ الدول الطامعة فيه والمتغلغلة النفوذ في شعوبه وبلاده، فإنه لا أملَ له بالتّحرر والانعتاق. لذلك فإن واجبَ المفكرين في العالم، وواجبَ المخلصين فيه، أن يعملوا على تحرير هذا العالم من المبدأ الرأسماليّ، وأن يُنقذوه من براثن الدول الطامعة فيه. أما ما هو السبيلُ لتحرير العالم وإنقاذه فهو سبيلٌ واحد ليس غير، وهو إيجادُ فكرةٍ كليّةٍ عن الكون والإنسان والحياة وعما قبلُ وعما بعدُ، تكونُ عقيدةً سياسيّة وقاعدةً فكريّة، ووجهةَ نظرٍ في الحياة، مبنيةً على العقل، جاعلةً المادةَ موضعَ التفكير لا مصدرَ التفكير. هذه الفكرةُ الكلية، أو على الأصح هذه العقيدةُ السياسيّةُ المبنية على الإِيمان بالله الواحد المشرِّع هي وحدها التي تنقذ العالم من الظلمِ الذي يرزحُ تحته، ومن السيطرةِ والاستغلالِ والاستبداد الذي يتحكّمُ فيه.
amitriptylin 75 mg anmeldelsemedicin.site amitriptylin hund



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB