السياسة والسياسة الدولية
الطبعة : الطبعة الاولى  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   198
تاريخ النشر :   1987




وَاقع السيَاسة الألمانية

أما ألمانيا فإنها شعبٌ عريقٌ من حيث الوجود ومن حيث الأصالة، وقد مرّ في محنٍ كثيرة فكان مقسمًا دولًا كثيرة، وناضل من أجل وحدته ووقع في حروب كثيرةٍ ولا سيما مع فرنسا، فكان ينتصر تارة ويُهزَمَ تارة أخرى، وهو شديد المراس، قويّ الشكيمة، صلبٌ شجاع، لكنه مفرطٌ بالثقة بنفسه، مغالٍ في ادّعائه حقَ السيادة على غيره، وتُعدّ العسكريةُ والحربُ سجيةً من سجاياه أي كأنها فطريّةٌ فيه، وكأنها صفةٌ من الصّفات الطبيعية التي تُولَدُ معه، وهذه العسكريّة الألمانية هي التي تُثيرُ الخوفَ في جيرانه ولا سيما الدول الكبرى منها مثل إنكلترا وفرنسا وروسيا، وهو يعتنقُ المبدأ الرأسماليّ فكانت النفعيّةُ جزءًا من حياته، وتُعدّ ألمانيا دولة استعماريّة، فقد كانت لها مستعمراتٌ قبل الحرب العالمية الأولى، ودخلت الحربَ العالميّة الثانيةَ وفي نيتها إرجاعُ مستعمراتها وأخذُ مستعمراتٍ من الدول الأخرى وإيجادُ مستعمراتٍ لها، ويُعدّ التوسّعُ سياسةً ألمانيةً أساسيةً وليست سياسة هتلر وحده، وإن كان هتلر قد حدّد هذا التوسع بأنه يجبُ أن يكونَ على حساب جارته روسيا. أما نظامُ الحكم في ألمانيا فقد كان قبل الحرب العالمية الثانية نظامًا استبداديًّا، وظل كذلك حتى بعد الحرب العالمية الثانية سواءٌ قبل تسلّم هتلر الحكم أو بعد تسلمه الحكم، وبعد الحرب العالمية الثانية قام فيها حكمٌ ديمقراطيّ بمعرفة الحلفاء، ولكن ظلت الناحية الاستبداديّةٌ تظهرُ فيه من تصرفات الحكام.
وألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى ـــــــ وإن فُرِضَتْ عليها ظروفٌ قاسيةٌ ـــــــ استطاعت أن تتغلّبَ على هذه الظروف، وأن ترجعَ دولةً كبرى، وأن تأخذَ مركزَ الدّولة الأولى وساعدها على ذلك عاملان: أحدُهما الإحساسُ الفكريّ الذي ظهر على أبنائها فحفزهم للعمل من أجل إعادتها دولةً كبرى، والعاملُ الثاني كونُ إنكلترا أرادت أن تُحدِثَ خللًا في الميزانِ الدوليّ بينها وبين فرنسا فشجعّت ألمانيا سرًّا من أجل أن تعودَ لمزاحمة فرنسا والوقوفِ ندًّا لها. فأدى ذلك إلى تمكن ألمانيا من أن تعودَ دولةً كبرى. أما بعد الحرب العالمية الثانية فإنه لم يتح لها أيّ عاملٍ يساعدُ على إعادتها دولةً كبرى، فقد وضع الحلفاءُ كلّهم من دون استثناءٍ بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة جميعَ القيود التي تحولُ دون عودة ألمانيا دولةً كبرى، ولكن يبقى عاملان مهمان يحولان دون عودتها دولةً كبرى حتى الآن هما: إشغالُ أبنائها بالاقتصاد عن السياسة، وتوجيهُ همهم للناحية الاقتصاديّة مما صرف أحاسيسهم وحوّلَ نشاطهم عن الناحية السياسية المنتجة فظلّوا متأخرين سياسيًّا. ثانيًا: يقظةُ روسيا الدائمة على الخطر الألماني عليها، فهي لا يفارقُها الخطرُ الألمانيّ لحظةً واحدة، وتتخذ تجاه ألمانيا سياسةً صارمةً خاليةً من أيّ رحمة، مجرّدةٍ من أيّ قيمةٍ من القيم، ولا يسيطرُ على هذه السياسة تجاه ألمانيا إلا شيءٌ واحدٌ هو سحقُ ألمانيا إلى الأبد، لذلك فهي تسحقُ كلّ محاولةٍ تقوم بها ألمانيا للتحرك. ومن هنا لم تنجح أميركا حين تبّنت أحياءَ العسكريّة الألمانيّة في ألمانيا بعد عام 1955م، ولم تنجح إنكلترا في محاولة إعادةَ وحدةِ ألمانيا، ولم تنجح فرنسا حين حاول ديغول وحدةَ أوروبا وجعل هذه الوحدة مساعدةً لألمانيا في تمكينها من التسلح ومن إعادة وحدتها، لم تنجح أيّ محاولة. وزاد الطين بلةً اتّفاق أميركا مع روسيا في المشاريع الروسيّة المعدّة لإِبقاء ألمانيا تحت رحمة الحلفاء. لذلك تسير ألمانيا من سيّئ إلى أسوأ من الناحية السياسية، ومن ناحية السّعي لأن تعودَ دولةً كبرى. وساعد على ذلك كونُ الألمان أنفسهم عسكريين وليسوا سياسيين، لذلك ليس من المنتظر أن تعودَ ألمانيا دولةً كبرى في القريب العاجل إلا إذا طرأ ما ليس منظورًا من الأمور المحلية في ألمانيا، أو الدولية لدى الدول الكبرى، ولكن مهما طال الزمن لا بد من أن تعود ألمانيا دولةً كبرى مرة أخرى، لأن القوى المصطنعة مهما نجحت في الحيلولة دون نموّ الشعوب الحية فإن نجاحَها إنما يكون مؤقتًا وإلى حين، ولكن أخيرًا لا بد من أن يتغلبَ نموّ الكائن الحي على كل عوامل الإعاقة عن النمو.
ونرى أن الطريق الذي يجب أن تسلكّه ألمانيا هو تركُ الاهتمام بالوحدة الألمانية، وتركُ التفرّغ للناحية الاقتصادية لأن هاتين الناحيتين قد جعلتهما الدولُ الغربيّةُ والشرقيّةُ ملهاةً لإِشغال ألمانيا بهما، وأن تكتفيَ ألمانيا بالسيطرة على ألمانيا الغربية، وإلى جانب ذلك تقيمُ الصناعة على أساس الصناعة الحربية، وتقيمُ صناعاتٍ سريّةٍ، وخصوصًا صناعة الأسلحة النووية، وأن تمارس السياسةَ الدوليّةَ بذكاء، فإذا سلكت ذلك، وراقبت الموقفَ الدوليّ فإنها لا شك ستصل إلى أن تعودَ دولةً كبرى مرةً أخرى.
هذه لمحةٌ عن الدولتين الكبريين: أميركا وروسيا، ولمحةٌ عن الدّول الثلاث الأخرى بريطانيا وفرنسا وألمانيا وهي التي تُعدّ تقليديًّا من الدول الكبرى، وهي لمحةُ عامّةٌ تعطي فكرةً مجملةً كلّ الإجمالِ عن كل دولة، وذلك من أجل أن تُدرْ الأعمالُ السياسيّةُ التي تصدر عنها، أو تصدرُ عن اجتماعها مع غيرها.
وإليكم لمحة عن المشاكل الدولية.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB