السياسة والسياسة الدولية
الطبعة : الطبعة الاولى  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   198
تاريخ النشر :   1987




القضايا الدوليّة

إن أهمّ هذه القضايا في الوقتِ الحاضر ثلاثٌ:
1 ـــــــ قضية أوروبا.
2 ـــــــ قضية الشرق الأقصى.
3 ـــــــ قضية العالم الإِسلامي أو على حد تعبيرهم قضية الشرقين الأدنى والأوسط.
أولًا ـــــــ قضية أوروبا:
القضيةُ الأوروبيةُ تُعدّ تصفيةً لقضايا الحربِ العالميةِ الثانية، لذلك تجدها تتمثلُ بين المعسكرينِ في توحيد ألمانيا، وتتمثلُ في المعسكر الغربي في توحيدِ أوروبا الغربيةِ عسكريًّا لتقفَ في وجه روسيا، وعلى الرغم من ميوعةِ إنكلترا فقد نجحتْ أخيرًا فكرةُ تسليح ألمانيا الغربية وإدخالِها الحلفَ الأطلسيّ وتوحيدِ دول غربيّ أوروبا في منظمةٍ عسكريةٍ واحدة، وبذلك يكونُ المعسكرُ الغربي قد ركزَ القضيةَ الأوروبية على وجهٍ معيّن.
أما المعسكرُ الشيوعيّ فقد اتخذ مقابل ذلك إجراءات عسكريةٍ. فأعطى ألمانيا الشرقية استقلالها، وقوى جبهتها العسكرية، وأقام من الدولِ المجاورة لألمانيا الشرقية اتحادًا عسكريًّا يقفُ في وجه أوروبا الغربيةِ هو حلف فرصوفيا. وعلى الرغم من مناداةِ الفريقين بحلّ مشكلةِ ألمانيا والدعوة إلى المؤتمرات لحل المشكلة الأوروبية، فإن قضية أوروبا لا تزالُ كما هي ولا يزالُ النزاعُ فيها بين المعسكرينِ، وبحلّ المشكلةِ في المعسكر الغربي بين دولِهِ على وجهٍ معين بقي النزاعُ بين المعسكرين فقط، وتعقّدتِ المشكلةُ وتعقّد حلّها.
وبقيت الحالُ هكذا إلى أن تم الاتفاق بين خروشوف وكندي عام 1961م في فيينا، حيث تغيرّت الحال، إذ توحد رأي أميركا وروسيا تجاه قضية ألمانيا، واتفقا على رأي واحدٍ تجاهَ قضيةِ أوروبا وقد ظهرَ ذلك فورَ اجتماعهما، فقد أعطى جون كندي تصريحًا قال فيه:
«إن تخوفات روسيا من غزوِ أوروبا لها غزوًا عسكريًّا، لها ما يبررها، فإن روسيا ضُربَتْ من أوروبا مرتين في التاريخ، فالمرة الأولى في عهد نابليون، والثانية في عهد هتلر، لذلك لا بد من وجودِ ما يضمنُ عدمَ وجودِ خطرٍ على روسيا من أوروبا كنزع سلاحِ أوروبا الوسطى مثلًا».
وهذا التصريح يدلُّ دَلالة لا لبسَ فيها على أن رأيَ روسيا وأميركا تجاه قضية أوروبا وقضية ألمانيا بشكلٍ خاص صار رأيًا واحدًا.
وأما فرنسا، فإنها بعد مجيء ديغول إلى الحكمِ وحتى زيارة ديغول للولايات المتحدة واجتماعه بنيكسون في شهر آذار 1969، كانت فرنسا تعملُ على توحيدِ أوروبا وجعلها قوة ثالثة تقف بين المعسكرينِ، وكذلك كان يعمل على تقوية ألمانيا إلى حدٍّ لا تصبحُ فيه خطرًا على فرنسا، وإيجاد اتحاد كونفدرالي بين دول أوروبا مع ضمان السيادةِ لفرنسا. ولكن بعد استقالة ديغول لم يرسم سياسة واضحة لفرنسا تجاه أوروبا وتجاه ألمانيا بالذات.
وأما إنكلترا فإنها صارت توطد صلتها بألمانيا وتطلعها على مؤامرات أميركا وروسيا ضد تطور ألمانيا وضد تقويتها، وصارت كذلك تحاولُ جاهدةً دخولَ السوق المشتركةِ حتى تمكنت أخيرًا من الدخول وذلك كان لهدفين رئيسيين، أولًا: من أجل أن تُسَجّلَ نفسَها رسميًّا أنها دولةٌ أوروبيةٌ، وثانيًا: من أجل استخدام أوروبا كقوةٍ ضد العملاقين. فأوروبا قوة كبرى في العالمِ قبلَ وجودِ العملاقين وبعدَ وجودهما. ولذلك تُعدّ قضية أوروبا قضية خطيرة على السلامِ العالمي وتهددُ دائمًا باندلاع شرارة الحرب.
وعليه فلا بد من أن تُبحثَ أوروبا بحثًا يتفق مع واقِعها ومع خطورتِها وهي القضية الأولى في العالم بين جميعِ القضايا.
ثانيًا: قضيّة الشرق الأقصَى
أما قضيةُ الشرق الأقصى فإن الأمرَ يختلفُ فيها كلّ الاختلافِ عن قضيةِ أوروبا، لأن قضية أوروبا هي قضيةُ الوقوفِ في وجهِ روسيا والدفاعُ عن أوروبا وإعدادها لأن تهاجمَ روسيا إذا وقعت حربٌ بين المعسكرين، لكن قضية الشرق الأوسط هي قضيةُ مستعمرات، ودفاع عن الاستعمارِ، وهي وإن بدت مظاهرُها في فييتنام وكوريا وفرموزا وكمبوديا، لكنها في الحقيقة قضيةُ الشرق الأقصى برمّتهِ، وبعبارة أخرى هي قضية الصين، وتفرعت منها باقي القضايا. وتقومُ سياسةُ المعسكرِ الشرقي في هذه المنطقةِ على أساسِ تصفيةِ الاستعمار الغربيّ، وضمّ جميع هذه المنطقة للمعسكرِ الشيوعي، وعلى أساسِ رجوع اليابان دولةً قوية.
وتقومُ سياسة المعسكرِ الغربيّ على تركيزِ اليابان ضد المعسكرِ الشرقي والحيلولةِ دونَ امتدادِ الخطر الشيوعي، وتركيزِ الاستعمارِ في هذه المنطقة. وترغب أميركا في الاحتفاظ ببقاءِ حكومة الصين الوطنيةٍ لتسخرها في يومٍ ما لمحاربة الصين الشيوعيةِ وتخليصها من المعسكر الشرقي لترجعَ حكومة الصين الوطنية. ويحاولُ المعسكرُ الشرقيّ أن يركز الموقف في كوريا إلى جانبه لتطهيرها من الأميركان كما فعل في فييتنام الجنوبية بحيث ضمها إلى فييتنام الشمالية وأصبحتا جمهوريةً شيوعية واحدة، كما تحاولُ الصينُ أن تغزو جزيرة فرموزا وتحتلها بعد أن دخلت هيئة الأمم وأخرجت منها الصين الوطنية. وهكذا يقفُ المعسكرانِ في هذه المنطقةِ، كلّ واحدٍ في مواجهة خطته، إلا إن المعسكر الشرقي جبهة واحدة في هذه المنطقة، في حين أن المعسكرَ الغربيّ يقف جبهةً مفككة، وتختلف وجهاتُ نظرِه السياسية شأنه في كلّ قضية من القضايا العالمية. والذي يجعلُ المعسكر الغربي مفككًا في هذه المنطقةِ هو اختلافُ وجهاتِ النظر بالنسبةِ إلى قضية الشرقِ الأقصى، فبريطانيا تنظر إلى الصين على أنها سوق لتجارتها، لذلك لا تُعدّ ذهابها مع المعسكر الشرقي كارثةً ما دامت تجارتُها تجد طريقها إليها، ولو على شكل محدود. ولا تُعدّ وجودها مع المعسكر الشرقي يشكلُ خطرًا على وجودِها كدولةٍ كبرى ما دامت ليست هي الدولةَ الأولى. لذلك لا تجدُ ما يبرّرُ مهاجمة الصينِ والاحتكاكَ بروسيا في هذه المنطقةِ. زد على ذلك أن بريطانيا قديمة الوجود، وعريقةُ النفوذِ فيها، وهي تحافظ على بقائها هناك، وعلى تركيز نفوذها في مستعمراتها، وأي حركة تقوم في هذه المنطقة تسبب قلقًا على المستعمرات لا يمكن أن تؤيدها بريطانيا، ولا سيما أن هذه المستعمرات ليست أسواقًا لبضاعتها فحسب، بل هي بلادٌ غنيةٌ بالموادّ الخام، تستغلها بريطانيا وحدَها، وهي في الوقت نفسه مراكز استراتيجية، وإذا استعرض المرء خريطةَ الشرقِ الأقصى يجد أن بريطانيا لا تزالُ تستعمرُ على ساحلِ الصينِ الجنوبي الشرقي جزيرةَ هونغ كونغ، والملايو وفيها سنغافورة المركز الاستراتيجي، وماليزيا التابعة لأندونيسيا،وبورما وسيلان، وإن أصبحت هذه الدولة في الكومنولث البريطاني، فهذه البلاد تتركزُ فيها بريطانيا وتستعمرُها وتستغلها، لذلك يدور موقفُها في الشرق الأقصى حولَ بقاءِ استعمارِها ونفوذِها لهذه البلاد. فهي حين تقومُ بأعمالِها وتسايرُ أميركا لا تتجاوزُ الحدودَ التي رسمتها لنفسها، ولا تجازِفُ في القيامِ بأيّ عملٍ يهدّدُ مستعمراتِها ونفوذَها، لذلك نجدُها في قضيةِ إدخال الصين في هيئةِ الأممِ تقفُ إلى جانِبها، وفي قضيةِ فرموزا تعلنُ أنها لا تحاربُ من أجل فرموزا، لكنها مستعدةٌ للوقوفِ إلى جانبِ الولاياتِ المتحدةِ، ونجدها قد اشتركت في حلفِ جنوبي شرقي آسيا، لكنها حتى الآن لم تقمْ بأي عمل يؤثر فيها، لذلك لم يؤلف هذا الحلف جيشًا لحماية المنطقةِ. والسبب في ذلك هو محاولةُ بريطانيا الوقوفَ في هذهِ المنطقةِ عند حدّ يتفق مع سياستِها الاستعمارية هناك.
أما فرنسا فإنها كانت من الدولِ المستعمرةِ في هذه المنطقةِ، وكانت تحتلّ الهندَ الصينيةَ التي هي الفييتنام واللاوس وكمبوديا، وقد كانت هذه المستعمرةُ من أثمنِ وأكبرِ المستعمراتِ الفرنسيةِ، إذا كانت موردًا من أكبر مواردِ الثورةِ الفرنسيةِ لغنى هذه البلاد في المواد الخام، غير أن فرنسا بعد أن انكسرت عسكريًّا، ثم كان مؤتمر جنيف فصفّى هذه البلاد بقرار منه تصفية أضعفت مركزها إضعافًا كبيرًا، فإن فرنسا لم تعد دولة لها أهميةٌ في هذه المنطقةِ، ولم تحرصْ أميركا ولا بريطانيا على دخولها في حلفِ جنوبي شرقيّ آسيا.
وأما أميركا فإن موقفها في الشرق الأقصى يختلفُ عن موقفِ بريطانيا، لأن أسلوبَ أميركا في الاستعمار يختلفُ عن أسلوب بريطانيا، وأهدافها في الشرقِ الأقصى غير أهدافها، فأميركا تطلعت إلى تصفية نفوذِ هولندا وبريطانيا وفرنسا من المنطقةِ لتحتلّ هي مكانَها، ولكن على أساس أسلوبها في إعطاء ما يشبه الحكمَ الذاتي وهو الذي اصطلح عليه باسم الاستقلال، واستعمار البلاد سياسيًّا وثقافيًّا واقتصاديًّا، وتسخير هذا الحكم عسكريًّا لتثبت استعمارها. وقد نجحت بالفعلِ في تصفيةِ نفوذِ هولندا وبريطانيا وفرنسا وبريطانيا، إلا إن النشاطَ الشيوعيّ في المنطقة، وانضمام الصين إلى روسيا أدى إلى عدم تمكّن أميركا من أن تخلفَ هولندا في أندونيسيا، وعدم تمكنها كذلك من تصفية نفوذ بريطانيا، ثم كان تقلص نفوذ فرنسا من الهند الصينية بوساطة المعسكر الشيوعي عسكريًّا وسياسيًّا ضربة قوية للخطط الأميركية. لذلك صارت أميركا بعد ذهاب فرنسا سياسيًّا من المنطقةِ تحرص على بقاء بريطانيا معها هناك ظاهرًا وتشركها في إجراءاتها لتقويةِ الجبهةِ في وجهِ المعسكرِ الشرقي.
والقضية الكبرى في نظر أميركا في الشرق الأقصى هي قضية الصين، هذه البلاد التي يزيد سكانها على مليار نسمة، والتي هي مفعمة بالمواد الخام والتي كانت تأمل أميركا في أن تكون مستعمرة لها. فهذه البلاد صارت شيوعية وفي معسكر الشيوعيين، وهذه خسارةٌ فادحةٌ من جهة، وخطرٌ مجسمٌ من جهة أخرى. لذلك نجدُ أميركا لا تريد اعتبار الصين الشيوعية إحدى الدول الخمس الكبار، بل قاومت الاعتراف بها كذلك، إلا إنها رضخت أخيرًا واستسلمت للأمر الواقع، وفي الوقت نفسه راحت تعمل على أن تأخذها حليفة لها في المستقبل. وتعدُّ الصينَ بعد أن أصبحت بلادًا صناعية دولة لا تغلبُ بالنسبة إلى مواردها التي لا تنضبُ وكثرتها العددية وسعة مساحتها.
وإذا صح ما يقالُ عن خطةِ أميركا في استخدامِ الصين الوطنيةِ الصينِ، فإنّها مضطرة لأنْ تسندَ الصين الوطنية سندًا قويًّا بالقنابلِ الهيدروجينية، وهذا يعني وجود خطرِ اندلاع حربٍ عالمية. ويستبعد المراقبون للموقف الدولي حصول ذلك ولا سيّما أن قضية فرموزا هي قضيةٌ سياسيةٌ وليست قضيةً عسكريةً. وعندما وافقت أميركا على دخولِ الصين الشيوعية هيئة الأممِ، فإن قضية فرموزا لم تعد قابلة للتفجير العالمي ووقفت عند حدّ، وخفَّ التوترُ الدوليّ في الشرق الأقصى إلى حين، وإن كان لا يوقفُ الحربَ الباردة. وفي أي حال فإن أميركا تعتقدُ أنه ليس لزحفِ الشيوعيين في الشرق الأقصى حدّ يقفون عنده، لا من ناحيةٍ سياسيةٍ، ولا من ناحيةٍ عسكريةٍ، لذلك قامت بعقد مؤتمرِ مانيلا الذي انتهى بإبرام حلف جنوبي شرقي آسيا، ثم اجتمع أعضاء الحلف في بانكوك لاتخاذ إجراءات سياسية في المنطقة، لكنهم أخفقوا في ذلك. وهكذا تقوم أميركا بتجميعِ دول المنطقةِ لتشكيل جبهة للوقوف في وجه الغزو الشيوعي، ثم للهجوم عليه حين تحين الفرصة. لكن ميوعة موقف بريطانيا، وتفكك المعسكر الغربي بوجه عام هناك، جعل الموقف في الشرق الأقصى يميل إلى صالح المعسكر الشيوعي، فضلًا عن أن الرأيَ العام هناك ضد المعسكر الغربي.
هذه خلاصةُ الموقف بالنسبةِ إلى قضيةِ الشرق الأقصى، وهي تبيّنُ بوضوحٍ انتصارَ الحركاتِ في المنطقةِ وتأييد الشيوعيين وانهزام الجبهاتِ الاستعمارية، ولن ينقذَ موقفَ المعسكرِ الغربي هناك أيّ منقذ من ناحيةٍ سياسيةٍ لضعف ثقةِ أنصارِه بهِ، وَلِكرهِ الناسِ له وازدياد التذمر منه، والحركات هناك تجد لها سندًا قويًّا، والهزائم السياسيةُ التي مُني بها الاستعمارُ أضعفت نفوذَهُ السياسيّ، وصارت كفةُ المعسكر الشيوعيّ هناك هي الراجحةَ سياسيًّا ومبدئيًّا، ومن ذلك يتبين أن قضية الشرق الأقصى بين المعسكرين هي من ناحيةِ المعسكرِ الغربيّ قضيةُ استعمار، ومن ناحيةِ المعسكر الشرقي قضيةُ إخراجِ المعسكر الغربيّ ونشر الشيوعية، ومن ناحية شعوب المنطقة قضية حركات للخلاصِ من الاستعمارِ ولو على أيدي الشيوعيين.
وهذا بخلافِ قضيةِ أوروبا فإنّها من ناحيةِ الغربِ هي لِتَقْوِيةِ الدولِ الأوروبية، وعلى رأسها ألمانيا، للوقوفِ في وجه روسيا، وليست هي قضية استعمارٍ أو دفاع عن الاستعمارِ، ومن ناحية الشرق هي هجومٌ سياسيّ وفكريّ على أوروبا، لإِدخالها في حظيرةِ الشيوعية، ومن ناحية الشعوب الأوروبية ودولها هي شعورٌ بالخطر الشيوعي عليها، ووقوف بحرارة وصدق كجزء من المعسكر الغربي لذلك تختلف هاتان القضيتان، من حيثُ الجوهر، والهدف، لكنهما قضيتان بين المعسكرين مباشرة، ويقف المعسكران فيهما وجهًا لوجه.
ثالثًا ـــــــ قضية العالم الإِسلامي:
أما قضية العالمِ الإسلامي أو قضية الشرقين الأدنى والأوسط، كما يسميها ساسةُ الغربِ، فإنها تختلفُ كلّ الاختلافِ عن قضيتي أوروبا والشرق الأقصى، إذ إن العالم الإِسلامي كله هو جزء من المعسكر الغربي وخاضع لنفوذه، وورسيا ليست موجودةً فيه بالفعل، كماهي موجودة في أوروبا وفي الشرق الأقصى.
وأما الحزبُ الشيوعيّ الموجودُ في العالم الإِسلامي، فإنه ليس من القوة بالقدر الذي تصوره بريطانيا وأميركا، لا من ناحية العمل ولا من ناحية العدد.
أما من ناحية العملِ فأعمالُهُ لا تزيد على بثّ الشيوعية والتشويش على المعسكر الغربيّ، كالسير في المظاهرات وتوزيع المنشورات. وأما من ناحيةِ العددِ فليستِ العبرة في الحزب السياسيّ هي في كثرة أعضائه بقدر ما هي في مبلغِ تجاوبه مع الأمّةِ، وسير الأمة معه، وقدرته على قيادتها للعملِ على مبدئهِ الذي يعمل له. والحزبُ الشيوعيّ في العالم الإِسلامي، لا يستطيع أن يقودَ الأمّةَ لمبدئه خطوة واحدة، حتى إنه يقوم بمظاهراتٍ يتذرعُ بالوطنية، وبالقومية، وبالمصالحِ الآنية، فلا يجرؤ حتى الآن أن يقيم مظاهرة من أجل الشيوعية.
وأما الناسُ الذين يظاهرون الشيوعيةَ في هذه المنطقةِ فإن معظمَهم لا يعتقدونها، بل يعطفون عليها، وعطفُهم هذا هو مثلُ عطفهم على النازية ، قبلَ الحرب العالمية الثانية، وفي أثنائِها، وما كانوا نازيين ولا محبين للنازية وهم حين يعطفون على الشيوعية إنما تدفعهم إلى ذلك كراهيتهم للاستعمار.
وعلى ذلك فإن المعسكر الشيوعيّ غير موجود في العالمِ الإِسلامي، لا سياسيًّا، ولا عسكريًّا، فليست فيه ألمانيا الشرقية، وليست فيه الصين، وكل الذي فيه إنما هو الحزب الشيوعيّ، وهو لا يُعتمد عليه في أعمال سياسية في حرب باردة، ولا في أعمال عسكريةٍ في حربٍ حامية، لذا لا تكادُ تجدُ للمعسكرِ الشيوعي أثرًا يذكر سوى التشويش، وإن كان يبدو أنه يتحينُ الفرصةَ لأن يجعلَ له مرتكزًا في اليمن الجنوبية والعراق وسوريا والحبشة.
هذا من ناحيةِ الخطر الداخلي في السلم، أما الخطر الخارجي من الشيوعيةِ في الحرب فموجود. فها هي روسيا محتلة لأفغانستان بحجة دعم النظام الشيوعي فيها ولا يزال المسلمون الأفغان يخوضون حربًا ضروسًا ضد الروس، وهي موجودة أيضًا على حدود إيران وتركيا، وعلى مقربة من العراق وسوريا. وفي حال نشوب الحرب بين المعسكرين لا يبعد أن تحتل الشرق الأوسط أو قسمًا منه، ولا سيما تركيا وإيران.
والناظر إلى العالم الإِسلامي في الوقت الحاضر يجد أنه خاضع لسيطرة ونفوذ الدولتين: بريطانيا وأميركا، ويجد أن هاتين الدولتين مختلفتا المصالحِ، مختلفتا الأهداف، ويجد أن الميدانَ الحقيقي الذي يقع فيه التنافس بينهما هو الاستعمار وبسط السيطرة والنفوذ، وإنه وإن كان يبدو بوضوح أنه قد تجاوز دورَ التنافسِ إلى دور تصفيةِ النفوذِ البريطاني بعد أن صُفيّت فرنسا، ولكن لا تزالُ بريطانيا تتشبث ببقائِها، ولا تزال تأملُ في تثبيتِ أقدامِها، ومهما يكن من أمر، فإن المعسكر الشرقيّ في نزاعِهِ مع الغرب يُعدّ العالم الإِسلامي منطقةً من مناطقِ المعسكر الغربي.
والحديثُ السياسي، إذًا، في قضية العالم الإِسلامي حديث عن السياستين البريطانية والأميركية، والعملُ السياسيّ يستوجبُ معرفةَ السياسة الأميركية والبريطانية في الشرقين الأدنى والأوسط في خططهما وأساليبهما. الغاية واحدةٌ عند أميركا وبريطانيا من وجودهما، هو فرض السيطرة السياسية والثقافية والاقتصادية على الشعوب الموجودة في هذه المنطقةِ لاستغلالها. لذلك نجدُ أن كلًّا من بريطانيا وأميركا ترى أن حماية الاستعمار من أعدائِهِ هي الهدفُ الرئيسيّ لكلّ عملٍ تقومُ به في المنطقة، وأعداء الاستعمار في نظرهما عدوان اثنان: أحدهما عدوّ حقيقيّ وواقعي، موجود، وهم شعوب هذه المنطقة وأهلها، فعليهم إذًا إشغالهم في قضايا تحول بينهم وبين التفكير في قضيتِهم الحقيقيةِ وتثبيت الاستعمار على أيديهم تثبيتًا يوطد أركانه ويحميه من كلّ اعداء.
الثاني: عدوٌ محتملٌ هو روسيا والدول الشيوعية، ولا بدّ من أن تعد لمقاومة هذا العدو المحتمل إعدادًا ماديًّا يقفُ دون غزو للبلاد. ومن هنا جاءت فكرة، مشاريعِ الدفاعِ عن الشرق الأوسط، بإشغال أهل البلاد بها تحت أُلهية حماية الوطن من الشيوعية، وللدفاع ضد المعسكر الشرقي، بإعدادهم إعدادًا ماديًّا لمحاربتِهِ، لذلك نجدُ أنّ بريطانيا وأميركا متفقتان كلّ الاتفاق على إيجاد مشاريع باسمِ الدفاعِ عن الشرق الأوسط، ومتفقتانِ على أن المقصود من هذه المشاريع إنما هو حمايةُ الاستعمارِ ومحاربةُ عدوهما الحقيقيّ والحيلولة بينه وبين تحرير نفسه من السيطرة والاستغلال في حالة السلم وتسخير البلاد والناس لمصالحهما في حالةِ الحرب.
وعليه فإن أميركا وبريطانيا متفقتان على فكرة الدفاع عن الشرق الأوسط. وأما فكرةُ الدفاع من حيث هي، فهي من أميركا وليست من إنكلترا، ذلك أن أميركا وقد بدأت بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة تستهدفُ استعمارَ الشرقين الأدنى والأوسط، وتصفية النفوذ البريطاني فيهما، فقد نجحت نجاحًا سريعًا. وما إن جاء عام 1954 حتى طغى النفوذ الأميركي على النفوذ البريطاني، مما حمل بريطانيا على أن تبذل نشاطًا غير عادي في العالم كله وخصوصًا في الشرقين الأدنى والأوسط، لتستردّ نفوذَها، أو تحتفظ بهذا النفوذِ، فاستعادت شيئًا من كيانِها. وفي أي حالٍ فإن النفوذَ الأميركي حين نجح واتسعت المصالحُ الأميركية اتساعًا عظيمًا، صار لا بد لأميركا من توطيد مراكزها، ومن إيجاد قوى عسكريةٍ لحمايةِ مصالحها من أهل البلادِ، وحماية المنطقة من الخطر الشيوعي. لذلك قامت بنسجِ شبكةٍ من القواعد العسكرية الجوية، فأقامت قواعد عسكرية في مراكش، وليبيا والظهران، وفي تركيا والباكستان، ومع هذا، فإن هذه القواعد، في نظرها، لا تُعدّ كافية، ما لم تعبأ المنطقة كلها تعبئة عسكرية، فكان لا بد من إتمام مشاريعِ الدفاعِ المشترك في هذه المنطقةِ، ولا سيما هي عاملةٌ على إقامةِ مشاريع الدفاعِ في العالم كله، تماشيًا مع خطتِهما العامة بإقامةِ الأحلافِ الجماعية. وقد بدأت أميركا في وضع مشاريعِ الدفاعِ عن الشرقِ الأوسط بعد التوقيعِ على ميثاق الأطلسي عام 1949 وقد وافقتها بريطانيا في أوّلِ الأمرِ، فقد تبادل في تلك السنة ترومان وبيفن الشعور المشترك بضرورةِ الدفاعِ عن الشرقِ الأوسطِ، في خطابين ألقياهما.
إلا إن إنكلترا كانت ترى مزاحمةَ أميركا لها في هذه المنطقةِ، فكانت تتريّثُ في الاندفاعِ بهذهِ المشاريعِ، وطلبت أن تكون قيادة الشرق الأوسط لإِنكليزي، وأصرت على ذلك. فرفض الأميركان، مما أثار خلافًا بينَهُمْ، أثر في المشاريع الأميركية للشرق الأوسط إلى حدّ كبير، وقد أدى ذلك إلى اختلاف أميركا وإنكلترا في خطةِ الدفاع عن الشرق الأوسط، فصارت لأميركا خطةٌ تختلفُ عن خطة بريطانيا، ورسمت كلّ واحدة منهما خطتهما، وصارتْ تحاول تنفيذَها، بغضّ النظرِ عن موافقةِ الدولةِ الأخرى:
أميركا تريد أحلافًا جماعية.
وبريطانيا تريد معاهداتٍ ثنائية.
1 ـــــــ الأحلافُ الجماعية: تحتم اشتراكَ الدولِ الموجودةِ فيه إذا اشتبكتْ واحدةٌ منها أو أكثر في حربٍ مع دولةٍ أخرى، ويمكنُ أن يكونَ الحلفُ من دولتين أو أكثر مثل حلف تركيا ـــــــ الباكستان وحلف الأطلسي.
2 ـــــــ المعاهدات الثنائية: لا تحتم الاشتراك الفعلي في الحرب إلا إذا اتفق الطرفان، وتتبادلُ المتعاقدة الرأيَ فيما يتعلق بالأمور السياسية والعسكرية، ويمكن أن تكونَ المعاهدةُ بين دولتين فقط كالمعاهدة البريطانية المصرية سابقًا، ويمكنُ أن تكونَ المعاهدةُ بين عدةِ دولٍ كمعاهدة حلف بغداد سابقًا، والذي دُعي حلف سانتو في ما بعد. وتُعدّ بريطانيا أسلوبَ المعاهداتِ الثنائية أسلمَ من الأحلاف، ويقول الساسةُ البريطانيون: إنّ بريطانيا استفادت في الحرب العالمية الثانية من عدمِ دخول مصر في الحربِ معها ضد ألمانيا.
وتتلخص خطةُ أميركا في مشاريعها: بإقامةٍ أحلافٍ جماعيةٍ من أهلِ البلاد. يكفي فيها أن يسيطر عليها الخبراء وأَن ترتبطَ بالأسلحة، حتى يكونَ الدفاعُ عن البلاد ذاتيًّا من أهلِها، بإيهامهم بأنه دفاعٌ عن أوطانِهم مع أنّهُ في الحقيقةِ دفاعٌ عن مصالح الاستعمارِ. ويلاحظ في هذه الخطةِ أن أميركا حين رأتْ أن خطةَ بريطانيا في هذه المنطقةِ كانت قبلَ الحرب العالميةِ الثانيةِ إقامةَ معسكراتٍ، وعقد معاهدات وكانت تعتمد عليهما في الإِعداد للدفاع، وحين وقعت الحرب العالمية الثانية ثارت الشعوب ضد بريطانيا، فلم تنفَعْها معاهدةُ العراق، ولا معاهدةُ مصر، ولا معاهدة حلف سعد أباد، وكادت تعصف بها القلاقل في العراق ومصر،، ولم تنجدها تركيا، فلم تكن لخطتها أيّ فائدة، فضلًا عن إثارةِ حقدِ أهلِ البلاد، لذلك رأت أميركا العدولَ عن فكرةِ المعاهداتِ الثنائية إلى أحلاف جماعيةٍ ذاتيةٍ بين أهلِ البلادِ، وبذلك تتلافى أخطاء بريطانيا وتصفّي نفوذَها بقلعِ قواعِدها العسكريةِ وإلغاءِ معاهداتها الثنائية.
ولهذا أصرّت أميركا على أن تكونَ قيادةُ الشرق الأوسط لأميركي، وأن تكونَ مشاريعُ الدفاعِ أحلافًا جماعيةً، تزوَّد بالأسلحةِ والأموالِ والخبراءِ من أميركا.
وتتلخص خطة بريطانيا في ربطِ بلدانِ الشرق الأوسط بمعاهداتٍ ثنائيةٍ إما معها مباشرة أو بعضها مع بعض، وتدخل هي كواحدةٍ منها في هذهِ المعاهدات، حتى يكونَ لها الحقّ في إبقاءِ القواعد العسكريةِ والحامياتِ لتثبيتِ استعمارها في السلمِ، وحمايتِهِ في حالةِ الحربِ، كما فعلتْ مع مصر، وكما فعلتْ مع حلفِ بغداد. وهذا يعني أن القضية في العالم الإسلامي هي قضية تتعلقُ بالاستراتيجيةِ والاستعمارِ وطرقِ المواصلات، أما الاستراتيجية فإنها كانت قبل اتفاق روسيا وأميركا، لأن الشرق الأوسطَ يشكلُ الحزامَ الغربي في النطاقِ العسكري المضروب ضد روسيا. لذلك أُنْشِئت في الشرقِ الأوسط القواعد العسكرية ومنها القواعد النووية، وجرت عدة محاولات لربطِ دولهِ في أحلافٍ عسكريةٍ وأنشئت فيه المطارات الكثيرة والطرق العريضة المسماة بالأوتسترادات، وكانت لها أهمية استراتيجية، أما بعد اتفاق العملاقين فلم تعدْ لها تلك الأهمية العسكرية، لذلك أُهْمِلَ فيها شأن الأحلاف العسكرية وأُزيلَتْ القواعد النووية، ويسيرُ العملاقان قُدُمًا في إزالة القواعد الإنكليزية، وقد نجحا في إزالة قاعدة عدن وليبيا، ولا يزالان يعملان على إِزالةِ القاعدة الأخيرة في قبرص، ونجحا في الضغط على إنكلترا في اتخاذ قرارٍ بسحب قواتها العسكرية من شرقِ قناة السويس، وبذلك لم تبق للشرق الأوسط تلك الأهمية الاستراتيجية.
وأما أهميته كونه طرق مواصلات، فالشرق الأوسط واقع بين أوروبا والشرق الأقصى وبين أوروبا وأفريقيا وبين روسيا وأفريقيا. لذلك فهو يتحكم بالمواصلات التجاريةِ والاقتصادية، فنقلُ الركاب من تجارٍ وسيّاحٍ وغيرهم، ونقل البضائع والموادِ الخام من نفطٍ وحديدٍ وفوسفات وغير ذلك إنما يتوقفُ على مواصلاتِ الشرقِ الأوسط، لذلَك يُعدّ الشرق الأوسط ذا أهميةٍ هائلة في شأن النقلِ والمواصلات.
وأما أهميته الاقتصادية فإنها هي التي سببت لهُ هذا البلاء الكبير وإزالته بصفتهِ دولة كبرى وقوة عالمية، وحولته إلى مستعمرةٍ غربية تتزاحمُ فيه الدول الغربية على الاستعمارِ وبسطِ النفوذِ.
فالنفطُ فيه بما يزيدُ على نصفِ نفط العالم، والمواد الخام الموجودة في الأردن والعراق وسوريا وإيران وتركيا وغيرها يشكّلُ ثروةً هائلةً تعادلُ عشرة أضعافِ ثروة أوروبا وأميركا مجتمعتين.
لذلك تتسابقُ الدول على استعمارِهِ وتتصارعُ عليه.
وقد أقامَ الإِنكليزُ والأميركان في العالمِ الإِسلامي كيانًا يهوديًّا أطلقوا عليه اسم دولة إسرائيل ليكونَ رأسَ جسر لاستعمارهم في العالم الإِسلامي وأخذوا يركزون هذا الكيان بامدادهِ بالسلاح والمال وبسندهِ سياسيًّا. وحولوا قضية فلسطين بينهم وبين المسلمين جميعًا إلى قضيةٍ محليةٍ بين العربِ واليهودِ. ثم أخذوا يحاولون تحويلها من قضيةٍ سياسيةٍ عسكريةٍ إلى قضية لاجئين، وحدود، وتعويضات، ومشاريع اقتصادية. مع أن الحقيقة المقطوع بها، أن هذه القضيةَ قضية إسلامية بين الإنكليز والأميركان ومعهم اليهود من جهة، والمسلمين قاطبةً من جهة أخرى، وليست هي قضية محلية بين العربِ واليهودِ. وهي قضية سياسية وعسكرية وليست قضية لاجئين وحدود إلخ. وليس لها إلا حلٌّ واحدٌ لا غير، هو استئصال الكيان الصهيوني برمّته من فلسطين. لذلك يجبُ الإِصرار على استئصالِ هذا الكيان ويجبُ أن يقترن هذا الإِصرار بالقوى العسكرية لمهاجمتهِ والقضاءِ عليه ولو أدّى ذلك إلى استشهادِ ملايين المسلمين من مجاهدين ومرابطين، لأن هذا جهاد في سبيل الله. والحكمُ الشرعيّ في هذا الجهادَ فرضٌ على المسلمين إذا احتلّ العدو بلادَهم سواءٌ أكانت لهم دولةٌ إسلاميةٌ أم لم تكن.
وعلى ذلكَ فإنه يمكن إن يقالَ إن بريطانيا وأميركا هما اللتان تستعمران العالمَ الإِسلامي، وإنهما، مع تزاحمِهما على هذا الاستعمار، متفقتانِ على فكرةِ تثبيتِ الكيانِ الصهيوني في فلسطين رأس جسرٍ للاستعمار، وأن خلافهما إنما هو الخططِ والأساليبِ التي هي عرضةٌ للتغييرِ والتبديلِ والتعديلِ، وخاضعة للمفاوضاتِ والمساومات، على ألّا تخرجَ من الأساسِ الذي يركز فيه الاستعمار.
هذا هو واقعُ العالم الإِسلامي، بصفته قضيةً سياسيةً عالميةً، تكافحُ من أَجلِها الشعوبُ التي تسكنُ هذه المنطقة، غير أن هذا الواقعَ مربوطٌ ربطًا تامًّا بماضي هذه المنطقة بالنسبة إلى المستعمرين، لذلك لا يكفي لفهم قضية العالمِ الإسلامي أن يُعرفَ الواقعُ السياسي، بل يتحتمُ معرفةُ اتصالِ هذا الواقعِ بالماضي، حتى يعرفَ ما إذا كانت هذه القضيةُ قضيةً وطنيةً أو قوميةً، أم هي قضيةُ الإِسلام والمسلمين.
لذلك يتحتم علينا أن نربطَ هذا الواقعَ السياسيّ بالماضي السياسي، حتى يكون وصفًا حقيقيًّا للقضيةِ، يُمكّن من العملِ الحقيقي، ويفهم فهمًا صحيحًا، ويعالج معالجة جذرية، ويؤدي إلى تكوين الشخصية الإِسلامية، وإيجاد المجتمعِ الإسلامي، ويُنتج تأثيرَ الإِسلامِ في الموقفِ الدولي، وكان لزامًا على العاملين في حقل الإِسلام أن يجاهدوا جهادًا صادقًا واعيًا. وهذا يتطلبُ دائمًا فهمَ الموقفِ الدولي في فهمِ الموقفِ الداخليّ، وأن يحولوا دفّةَ سفينةِ الكفاحِ الموجودة شكليًّا في البلادِ من اتجاهِها الحالي إلى اتجاه يكونُ به الإِسلامُ هو العامل الأساسي في الحياةِ ولا سيّما الحياةُ السياسيةُ في الموقفِ الداخلي والموقفِ الدولي على السواء.
أما بالنسبةِ إلى الموقفِ الدولي، فإنه يتلخّصُ في الوقت الحاضر في أن العالمَ لم يعدْ معسكرين تجاه بعضهما يتنازعانِ، كما كانت الحالُ قبل عام 1961م، بل صار العالم معسكرين فكريًّا، فالفكرةُ الشيوعيةُ لا تزالُ تتمثلُ في الدولِ الشيوعية، والفكرةُ الرأسماليةُ لا تزالُ تتمثلُ في الدولِ الرأسمالية. والفكرتان لا يمكن التوفيق بينهما، فالعالم من هذهِ الناحية معسكرانِ بلا شك.
أما من ناحيةٍ دوليةٍ فقد زال المعسكران، وأصبح العالمُ كلّه قوةً واحدة تتمثلُ في أميركا وروسيا، وصار هذان العملاقان وحدهما يتحكمان في العالمِ، ولا ينفذُ شيء إلا بإرادتهما، وإن كانت أميركا لا تزالُ هي الدولة الأولى.
وقد يقال إن المشاهدَ المحسوسَ أنّ المعسكرَ الغربي لا يزال معسكرًا واحدًا ضد الشرق، فإن الحلفَ الأطلسي المعقودَ ضد المعسكر الشرقي لا يزالُ موجودًا، ولا يزالُ يعقدُ جلساته، ولا يزال يجهزُ قواه للوقوفِ في وجهِ المعسكر الشرقي.
والمعسكر الشرقي لا يزال معسكرًا واحدًا ضد المعسكر الغربي، فحلف فارصوفيا لا يزالُ حلفًا، ولا يزالُ يهددُ المعسكرَ الغربي. وقد قامَ بغزوِ تشيكوسلوفاكيا كحلف وكمعسكر لحمايةِ الشيوعية من المعسكرِ الغربي، فكيف يقالُ إن المعسكرين قد زالا من الوجود، وتغير الموقف الدولي بزوالهما؟
والجوابُ عن ذلك أن روسيا وأميركا قد اتفقتا على اقتسام العالم سرًّا، ومن جملة وسائلهما السرية إبقاء المعسكرين شكليًّا، وإبقاء الخلاف الشكلي بينهما من أجل أن تحافظ كل منهما على قواها، ومن أجل تنفيذ المسائل التي اتّفِقَ عليها من دون أن تؤثر في قوى أي منهما، فإن تصفيةَ إنكلترا كمستعمرة بالاتفاق مع روسيا علنًا يجعل الدول الغربية تَنْفَضّ عن أميركا وتَلْتَفّ حول إنكلترا، فتشكل إنكلترا بهذه الدول قوة قد تهددُ أميركا وتزعزع مركزَها. والضغط على الصين من قبل أميركا بالاشتراك مع روسيا يجعلُ الدولَ الشيوعية الأخرى مزعزعة الثقة بروسيا، ويؤدي ذلك إلى فقدانِ روسيا الزعامة على الدول الشيوعية، وبالتالي إضعافها. لذلك اتفقت الدولتان على إبقاء المعسكرين شكلًا، ومن أجلِ محافظة كل منهما على زعامتها على الدولِ التي في معسكرها. والدولتان الكبيرتان اتفقتا على قلعِ خطر العسكرية الألمانية قلعًا نهائيًّا، فاتفقتا على جعلِ حدود ألمانيا من جهةِ الشرق حدودًا نهائية، أي عدم إرجاع الأراضي الألمانية التي سُلِخت عنها في الحرب العالمية الثانية، وعلى إبقائها دولتين: ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية، وعلى منعها من صنع الأسلحة النووية وعلى تحديد الصناعة الحربية في ألمانيا لكي يضمن عدم تشكيل خطر عسكري على روسيا، وعلى إيجاد اتحاد فدرالي بين ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية لكي تشبع رغبات الوحدة عند الألمان، ويضمن بقاء التجزئة، وما المعاهدة التي وقعت أخيرًا بين روسيا وألمانيا في الشهر الثامن من عام 1970م إلا نتيجة الاتفاق الذي حصل بين أميركا وروسيا حول المشكلة الألمانية.
واتفقتا على مضايقةِ الصين لأن الصين أصبحت تقلقُ روسيا من حيثُ المبدأ الشيوعي ومُزاحمتها على زعامةِ المعسكر الشيوعي في العالم، كما تقلق أميركا لأنها امتلكت الأسلحة النووية والصواريخ العابرة للقارات. فكان أن اتفقت مصلحة الدولتين على وضع لا تشكل فيه الصين خطرًا على روسيا، ولا على أميركا، ولا على ما يُسمى بالسلم العالمي. لذلك اتفقتا على الطلب من الصين أن تقبل التعايش السلمي الذي قبلته روسيا. وإذا لم تقبل ذلك يقام بأعمال داخلية وخارجية للضغطِ عليها حتى تستسلِمَ.
والظاهر أنه قد قُدّمَت لها هذه الطلبات ورفضتها، ومن أجل ذلك بدأ الضغط عليها، فتولّت روسيا جانبًا من هذا الضغط، وتولّت أميركا أخذ الجانب الأهم وهو التحضير لحرب محدودة مع الصين في حالةِ فشل الضغط عليها وأخذت تكدّسُ الأسلحة في تايلند وباقي مناطق الشرق الأقصى الخاضعة لها حتى صارَ لها في أوائل عام 1969م ما يقرب من مليون جندي مدرب حاضر للدخولِ في حرب على الفور، واستمرت خطة الدولتين ضد الصين سائرة في التنفيذ حتى أوائل السبعينيات حيث رضخت الصين لمشيئة العملاقين ورضيت بالتعايش السلمي ودخلت المجتمع الدولي وأصبحت تُعدّ من الدول الخمس الكبرى التي تملك وحدها حق الفيتو في مجلس الأمن، ولا تزال خطة الدولتين ضد الصين سائرة في التنفيذ.
واتفقتا فضلًا عن ذلك على مساعدةِ إحداهما للأخرى عسكريًّا واقتصاديًّا ضد الدول الأخرى، سواء أكانت شيوعية أم رأسمالية، واتفقتا على التعايشِ السلمي بينهما، وعلى عدمِ الالتجاء إلى القوة العسكرية في حلّ المشاكل بينهما. ثم اتفقتا على اقتسامِ العالم، وتحديدِ مناطق نفوذ كل منهما، ومدى وجوب مساعدة إحداهما للأخرى في منطقةِ نفوذها، وبعبارة أخرى صارتا حليفتين تشكلان قوة عالمية واحدة. وبهذه الاتفاقات كلّها تَغَيّرَ وضع العالم، وتغيّر الموقف الدولي.
إن أهم العوامل التي دفعت أميركا لتضييق شقة الخلاف بينها وبين روسيا هي أن أميركا أدركت أن إنكلترا تعملُ ضدها وتحاولُ مزاحمتها على المغانم، ورأت أن حالةَ الحرب الباردة القائمة بين المعسكر الشرقي والمعسكر الغربي، هي حالة منهكة لقواها، فهي حالة ليست بالحرب فتنصرف إلى الإعدادات العسكرية عن التنميةِ الاقتصادية، وليست بالسلمِ فتنصرفَ إلى التنميةِ الاقتصادية عن الإِعدادات العسكرية، بل هي حالة بين السلمِ والحربِ، وهي تستهلكُ ثروةً هائلةً من ثرواتِ الدولةِ في سبيلِ الإِعداد العسكري لشيءٍ وهمي، أي لحرب غير معروف أنها سَتَقَعُ. وإلى جانب ذلك رأت أن إنكلترا بالذات هي التي تضرم نارَ هذه الحرب الباردةِ وتؤججها، وأن قصدَها من ذلك إبقاء أميركا في حالةٍ تستنزف معها ثروتها وإمكانيتها، فتضعفُ تدريجًا، ويحصلُ حينئذٍ الإِخلال بالتوازن الدولي. وقد أدركت أميركا ذلك وصارت تحاولُ الدخولَ مع روسيا بمفاوضاتٍ، وذلك منذُ عهد أيزنهاور. وما إن جاء كنيدي حتى بادرَ لإِتمامِ خطوة التقارب بين أميركا وروسيا، وما مرّت سنة على تسلمه الحكم حتى كان اجتماع فيينا في حزيران 1961م، بينه وبين خروتشوف، وحصل فيه الاتفاق الشامل على جميع المسائل الدولية التي يمكن أن يكونَ هناك خلاف عليها بينهما وبذلك تخلّتْ أميركا عن فكرةٍ مهمة اعتنقتها مدة تقربُ من نصفِ قرن ألا وهي فكرة القضاء على الشيوعية وإزالتها من خريطة العالم، واعتمدتا الاتصال المباشر بينهما والمفاوضات لحل مشاكلهما المستقبلية. فهذا رئيس الولايات المتحدة ريغان وزعيم الاتحاد السوفياتي غورباتشيف يجتمعان في جنيف في الفترة من 19/21 من تشرين الثاني 1985م، ذلك الاجتماع الذي انتظره العالم بفارغ الصبر. وقد أعلن الزعيمان بعد انتهاء المؤتمر أنهما وإن اختلفا في القضايا الرئيسية بين الدولتين فإنهما سيعاودان اللقاء عامي 86م و87م وأنه لا مكان لحرب نووية بينهما بعد أن فهم كل منهما الآخر، وبعد أن ساد الانسجام وروح المودة الشخصية بينهما في الاجتماعات.
ولمعرفة حقيقة ما جرى في هذا اللقاء، وما تمخض عنه من نتائج، وما سيترتب عليه من واقع دولي وعلاقات ثنائية بين الدولتين، لا بد من إلقاء نظرة على الواقع الدولي، وعلى العلاقات بين الدولتين قبل اللقاء.
لقد أخذت أميركا تراجع سياسة الوفاق التي أرسى دعائمها كنيدي وخروتشوف في لقائهما عام 1961م، فوجدت أن سياسة الوفاق قد أعطت الاتحاد السوفياتي أكثر مما يستحق، إذ وضعته على قدم المساواة مع أميركا، وأعطته فرصة التواجد السياسي في أماكن في العالم ما كان ليصل إليها لولا الوفاق، وهيأت له فرصة زيادة التسلح حتى لحق بأميركا أو كاد. وقد أوصلت إعادة تقييم سياسة الوفاق والعلاقة بين الدولتين الباحثين وصانعي السياسة في أميركا إلى أن الاتحاد السوفياتي ليس فيه من سمة الدولة العملاقة سوى التسلح، وأنه متخلف تكنولوجيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، وأن العلاقة بين أميركا والاتحاد السوفياتي يجب أن تنصب على بحث التسلح، والقضايا الدولية التي يكون الاتحاد السوفياتي طرفًا أصيلًا فيها، وأن على أميركا أن تلجم زيادة التسلح السوفياتي من خلال اتفاقيات تحد من نمو القوة السوفياتية.
ولما وصل كارتر إلى الرئاسة أخذ في حصر الوفاق وركز في قضايا التسلح. حتى إنه لم يبحث مع بريجنيف في لقائهما عام 1979م غيرها من القضايا، حيث وقعا على اتفاقية سالت 2، تلك الاتفاقية التي لم يصادق عليها الكونغرس بسبب غزو الاتحاد السوفياتي لأفغانستان، وعلى الرغم من عدم المصادقة عليها من قبل الكونغرس فإن الإدارة الأميركية أعلنت التزامها بها وتقيدها بنصوصها.
ولما انتخب ريغان، كان الشعب الأميركي يتطلع لإعادة هيبة أميركا وتقوية مركزها الدولي فلم يعارض زيادة التسلح، والتدخل الأميركي العسكري في بعض بقاع العالم. وقد تغاضى ريغان عن الوفاق وصعّد سباق التسلح، وجمد بحث القضايا الدولية، وزاد في محاولات ربط أوروبا بعجلة أميركا خصوصًا بعد نصب الصواريخ الأميركية بيرشنغ 2 وكروز المتوسطة المدى في أوروبا. وأخذت الدولتان تتبادلان الاتهامات وحملات التشكيك وأحيانًا الشتائم القاسية، فريغان أطلق على الاتحاد السوفياتي اسم «امبراطورية الشر» ووسائل الإعلام السوفياتية أطلقت على ريغان اسم «هتلر الجديد». وقد ساعد ريغان على كل ذلك الغياب الفاعل للاتحاد السوفياتي، بسبب مرض رؤسائه وسرعة تعاقبهم، وللصراعات داخل الفئة الحاكمة للاتحاد السوفياتي، فتوترت العلاقات بين الدولتين وزاد تدهورها حتى أخذت وضعًا كأنه شبيه بالحرب الباردة.
لقد أرعب هذا الوضع الرأي العام الأوروبي خصوصًا والرأي العالم العربي عمومًا. لأن الرأي العام الأوروبي يخشى أن تكون أوروبا المسرح الرئيسي في حرب نووية فارتفعت الأصوات في كل مكان تطالب بلقاء زعيمي الدولتين، خصوصًا بعد مجيء غورباتشيف.
وأمام الرأي العام، ولوجود دوافع أخرى عند كلتا الدولتين، حدد الزعيمان يومي 19، 20 من تشرين الثاني 1985م موعدًا للقائهما، وبعد اتفاقهما على اللقاء أخذ مساعدوهما ومستشاروهما في عقد اللقاءات للإعداد للقمة علّهما يتوصلان إلى نقاط اتفاق حول القضايا الرئيسية ليعلناها للعالم في مؤتمرهما، غير أنهما لم يتفقا على شيء منها.
وفي اللقاء نجح ريغان في جرِّ غورباتشيف للتحادث معه في خلوات ثنائية بعيدًا من الأنظار وفي فرض تعتيم إعلامي على ما يدور في المحادثات منذ اللحظة الأولى.
كما نجح في جعل روح الانسجام وإظهار التودد الشخصي وإبراز روح المصالحة تخيم على جو المحادثات وفي أثناء لقائهما لوسائل الإعلام العالمية.
وقد انتهى اللقاء بالإعلان عن عدم التوصل إلى أي اتفاق في القضايا الأساسية، خصوصًا حول مبادرة ريغان المسماة بحرب النجوم، وأنهما أوعزا إلى مفاوضيهما في جنيف للإسراع في التوصل لتهيئة اتفاق حول الحد من الأسلحة الاستراتيجية، واتفاق مؤقت حول الأسلحة المتوسطة المدى في أسرع ما يمكن. كما أنهما اتفقا على لقاءين بينهما، الأول في واشنطن عام 86م، والثاني في موسكو عام 87م لاستكمال الأبحاث وللتوصل إلى اتفاقات.
كما أنهما استعرضا الخطوط العريضة للمشاكل الإقليمية، والقضايا الثنائية، كما توصلا إلى بعض الاتفاقات الهامشية وإلى ضرورة تحسين العلاقات بينهما.
هذه هي أبرز نتائج المؤتمر وهي نتائج ظن بعضهم أنها ستساعد على البدء بإذابة الجليد وعلى تقليل التوترات، مما سيساعد على طمأنة الرأي العالمي، وجعل العالم يلتقط أنفاسه بارتياح خلال فترة السنتين القادمتين وستكون هذه الفترة أشبه بهدنة توجد نوعًا من الاسترخاء في العالم. ولكن ما حصل من الاختلاف على حرب النجوم في آيسلند في أواخر عام 1986م بين الجبارين أميركا وروسيا ونتائج الاجتماع الذي انتهى إلى الفشل الذريع، سيعقِّد المشاكل في العالم ويزيد مناطق الصراع توترًا.
أما ما سيحصل في قابل الأيام، فإن أسباب الخلاف ما زالت قائمة، وهي التي حالت دون التوصل إلى عقد اتفاقيات في الأمور الجوهرية الحساسة. وقد أصر ريغان على عدم التراجع عن مبادرته، وعلى عدم المساومة عليها. وما لم يرجع ريغان عن مبادرته فإن الباب سيبقى مفتوحًا لسباق التسلح، وعندها ستبقى المشاكل الدولية تراوح مكانها باستثناء أفغانستان التي يتوق الاتحاد السوفياتي للخروج منها، حتى إنه بدأ يخرج فعليًّا بعض الأولوية الروسية.
والفشل في حال قضية التسلح سيؤدي إلى حرب الباردة.
أما فيما يتعلق بقضايانا، قضايا المنطقة فإن من كانوا يتطلعون إلى أميركا وروسيا، بل ويلحون عليهما أن يتفقا في مؤتمر جنيف أو في اجتماع آيسلند على حل قضايانا، قد خاب فألهم. فهذه مثلًا قضية لبنان أو بالأحرى مشكلتنا في لبنان أو المشكلة اللبنانية كما يريد أن يسميها بعضهم. فإنها تقوم على وجود لبنان ككيان يحاول بعضهم أن يفصله عن محيطه. ووجود الأزمات فيه سببها تلك التركيبة السياسية التي ترعى شؤونه. هذه هي المشكلة اللبنانية فالغرب هو الذي أوجد كيان لبنان كرأس جسر له في المنطقة وبوابة عبور إليها وأظن أنه لا يختلف في هذه الحقيقة اثنان، وبمحاولات إيجاده ووجوده خلقت المشكلة وزادت عقدتها حين جرت المحاولات بفصله عن محيطه وإبعاده عن واقعه وربطه بالغرب الذي أوجده، وبدأ الصراع الموجد للأزمات يعنف ويزداد حول التركيبة السياسية التي فرضت على هذا الكيان حتى تطور في كثير من الأحيان من الصراع السياسي إلى الحرب الضروس التي قتلت العباد ودمرت البلاد. وعلى الرغم من محاولات التضليل الإعلامي والدجل السياسي فإن الصراع القائم بين اللبنانيين صراع على من يحكم لبنان، ولو وصفت الحروب على أرضه والصراعات الدائرة فيه بأي وصف آخر فإن ذلك لا يخرجه عن حقيقته. أما محاولات حل الأزمات المتعاقبة فيه تبعًا إلى تلك الأوصاف فإنه إطالة لعمر الأزمة وتجديد لها بين الحين والآخر.
لذلك فإننا نهيب بالمخلصين من اللبنانيين الذين يصعبُ عليهم خراب بلادهم وتدمير مدنهم وذبح أبنائهم أن يتناولوا الأمر على صعيده، ويعالجوا المشكلة من جذورها حتى يجنبوا البلاد والعباد ما تعانيه من كوارث وويلات. إننا نهيب بالمخلصين أولًا أن يعالجوا الأزمة في لبنان بتغيير التركيبة السياسية القائمة على رعاية شؤون الناس. وبذلك تنتهي الأزمات في لبنان ومن ثم يصار إلى حل القضية اللبنانية ودمج لبنان في محيطه وجعله جزءًا لا يتجزأ من المنطقة الموجود فيها. وبذلك ننقذ العباد من القتل والبلاد من الدمار.
أما رعاية أميركا للمؤتمرات في لبنان وفي الخارج فلا بد من أن يكون واضحًا أن أميركا، ـــــــ ومن قبلها بريطانيا التي اتخذت من هذا البلد بوابة تدخل منها إلى المنطقة كلما شاءت متذرعة بالأزمات فيه ـــــــ سوف تبقي على الأزمة في لبنان حتى يتم لها التفرغ لصياغة المنطقة على الشكل الذي تريد، فلا يعقل أن تعمد أميركا إلى إِغلاق هذه النافذة، وعلى هذا فإننا نقول إن الأزمة مستمرة ولو جمدت مؤقتًا، لسنوات عجاف أخرى، كما أن القضية الفلسطينية مجمدة. فأوضاع المنطقة المتفجرة والمعالجات الهشّة فيها يقتضي بقاء الأزمات بل وافتعالها، لذلك فإننا نحذر المجتمعين من المراهنة على أميركا أو الارتهان لها ولعملائها.
يجب أن نكون صادقين مع أنفسنا، صادقين مع امتنا، صادقين مع ربنا، فإن الولاء لا يتعدد فمن آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا يكون ولاؤه إلا لما أمر به. وما آمن به المسلمون من الولاء، أنهم بعضهم أولياء بعض في كتاب الله، وقد حرّم الله سبحانه عليهم موالاة أعدائهم.
ونقول إن التطلع إلى أميركا أو روسيا أو بريطانيا أو فرنسا لتحل لنا قضايانا هو خلق من أخلاق العبيد لا السادة، ولا يقبل به إلا من كانت نفسيته نفسية العبد، لا نفسية السيد، ولا يقوم به إلا الأذلاء الذين فقدوا الإيمان، وكرامة الرجال وشهامتهم، كما فقدوا شيم السادة.
إن وضع قضايانا بيد أميركا أو روسيا أو غيرهما من الدول هو تدمير لنا، وقضاء على شخصيتنا، فهذه الدول لا نسير إلا وفق مصالحها، ولا تقيم أي وزن لأيّ مصلحة من مصالحنا.
والإِسلام يحرم علينا ذلك، ققال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118].
والإسلام قد أرشد المسلمين إلى أن يستغلوا الموقف الدولي لصالحهم، كما استغل الرسول (ص) القيام بعقد اتفاقية صلح الحديبية مع قريش ليضرب اليهود في خيبر.
كما أن الإِسلام أرشد المسلمين إلى أن يستغلوا الرأي العام العالمي لصالح قضاياهم، وذلك مثل ما قام به الرسول (ص) من دعوة العرب ليخرجوا معه إلى مكة معتمرين، كما ساق الهدي أمامه ولبس ملابس الإحرام حتى يوجد رأيًا عامًّا في الجزيرة العربية بأنه خرج معتمرًا لا غازيًا، لأنه كان يخشى قريشًا أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن الكعبة الشريفة.
وإذا كان هذا هو النهج السياسي لكل من أميركا وروسيا إلاَّ إنهما في المقابل اتفقتا على قلع إنكلترا من الشرق الأقصى كُلّه، ومن الشرق الأوسط كله ومن أفريقيا. ووضعتا لذلك خططًا تعملان على تنفيذها.
أما سياسة بريطانيا الخارجية فإنما تقوم على أساسِ الاستعمارِ، ولكن يتجلى فيها أمران:
أحدهما : المحافظة على التوازن الدولي.
الثاني : المحافظة على وجودِها في السياسة الدولية مهما كَلّفَ ذلك من ثمن، لذلك فإنها في الحروبِ الصليبية اشتركت بشكلٍ بارزٍ، وفي الحلفِ المقدس، كانت في طليعةِ الدولِ الكبرى، وعند اندفاعِ نابليون بالغزو كانت على رأس القوات التي قامت بتحطيمهِ وإرجاع فرنسا إلى ما كانت عليه. وحينَ تحركت ألمانيا في أيام بسمارك شاركت إنكلترا في مؤتمر برلين، وكان من أغراضِها الحد من قوة ألمانيا، وحين شعرت بوجود نمو غير عادي في قوة ألمانيا أشهرت عليها الحرب وحاربتها في حربين عالميتين، وهي الآن تحاولُ جَرّ العالم كله إلى حرب عالمية من أجل أن تُغَيّرَ خريطة العالم، ومن أجلِ إضعاف العملاقين الكبيرين اللذين يتحكمانِ في العالم اليوم. وحين أُبعدت من السياسةِ الدولية بعدَ اتفاقِ العملاقين كانت كمن فَقَدَ كيانه، فصارت تنصرفُ بعصبية وتحاولُ باستماتة الرجوع إلى الوجودِ الدولي والاشتراك في السياسةِ الدولية. وهي تعتمدُ على عقد الصفقات معِ الدولِ، وعلى جلب الرجال والتأثير فيهم، ولا تبالي بأن تطعمَ الخصمَ في سبيلِ أن تُساومَهُ، وهي لا تعرفُ في السياسة صديقًا ولا عدوًّا، بل تعرفُ مصلحتها ولا تعرفُ سواها، وما يسمى بالأخلاقية الدولية تُعدّه أداة تغرير ولا تُصَدّقُ بوجودهِ، وتقرُّ الكذب في السياسة وإن حاولت ألّا تظهرَ فيه من أجل إيجاد الثقة بها، لكنها تتخذهُ السلاحَ الفاعل في سياستها.
وخلاصة القول: إن بريطانيا ما زالت تفرض سيطرتها وتبسط نفوذها على أكثر أجزاء العالم الإسلامي، وأن أميركا تنافِسُها في ذلك وتسعى لتصفيتها في هذه المنطقة لتحل محلها، وإن روسيا تطمعُ في غزو العالم الإِسلامي لتحويله إلى بلاد شيوعية ومجتمع شيوعي تابع لها، وإن كانت تقفُ موقفَ المساعد لأميركا ضد بريطانيا. والطريقة التي يتبعها المعسكرُ الشيوعي لنشر فكرتِهِ هيَ إيجادُ التناقضاتِ في كلّ بقعةٍ من بقاعِ العالمِ عن طريق التخريب، والهدم وإشاعةِ الفوضى والقلاقلِ والاضطراب، وبذر الأحقادِ، وإثارة التذمّرِ، وجعلِ الشقاقِ والنزاعِ دائمين بين الناسِ. وبعبارةٍ أخرى، إيجاج النضال الطبقي بين الناس. وهي تعتقد بأن إثارة الشقاق هي الطريقةُ التي تمهّد لنشرِ الشيوعية.
وأما الطريقةُ التي يتبعها المعسكرُ الرأسمالي لتنفيذِ فكرتِهِ فهي الاستعمار. والاستعمارُ ليس كما يقول لينين هو أعلى مرحلةٍ من مراحلِ الرأسماليةِ، بل الاستعمارُ هو الطريقة لنشرِ الرأسماليةِ.
فبريطانيا هي مثلُ أميركا وهي مثل فرنسا، ومثل أي دولة من الدول الرأسمالية، أساس سياستها أن تنشرَ مبدأها ووجهةَ نظرِها في الحياةِ بوساطة استعمارِ الشعوبِ والأمم.
غير أنّ الخططَ السياسيةَ، والأساليبَ التي تُنَفّذُ بها الخططُ، تتغيرُ بحسبما تقتضيهِ المصلحةُ، وإن كانت الخططُ أقلّ تغيرًا من الأساليب.
الفرق بين الخطة والأسلوب:
الخطة: هي سياسةٌ عامةٌ، تُرْسَمُ لتحقيقِ غايةٍ من الغاباتِ التي يقتضيها نشرُ المبدأ أو طريقة نشره.
الأسلوب: هو سياسةٌ خاصةٌ في جزئية من الجزئياتِ التي تساعدُ على تحقيقِ الخطةِ وتثبيِتها.
والخططُ والأساليبُ السياسيةُ توضعُ للعمل المباشرِ، ولكن مع ذلك ليس ببعيد على الدولة أن تُغَيّرَ الأساليبَ الموجودةَ بأساليبَ أُخرى، إذا كُشفت هذه الأساليب وأصبحت لا تؤدي المطلوب، وكذلك يمكن أن تُغَيّرَ الخطّةُ إذا أصبحت لا تُجْدِي، أو إذا كان بقاؤها يكلّفُ الدولة اقتحامَ صعاب ليست من مصلحتها. لكن الدولةَ حين تغيّر خطتها، إنما تستبدلُ بها خطةً أخرى، وحين تُغيّرَ الأسلوب تضعُ مكانهُ أسلوبًا آخر، ولا تني عن وضعِ الخططِ والأساليبِ، إلا إذا عجزَتْ وانحطت عن مكانتِها في الموقفِ الدولي.
ومثالُ تغيير الأساليب ما فعلته بريطانيا في بلدانِ العالم الإِسلامي، وهو أنها استبدلتْ بصكوك الحمايةِ والانتدابِ على مناطقَ منه سمتها دولًا، معاهدات سياسيةٍ كي تبقي حمايتها وانتدابها. وحين كُشف هذا الأسلوبُ وأصبح لا جدوى منه، اتبعت أسلوبًا آخر، هو عقدُ اتفاقاتٍ ثنائيةٍ بينه وبين الحكوماتِ تبقي سيطرتها ونفوذَها، وتكون تجديدًا للمعاهداتِ، كما حصل في مصر حين استبدلت بمعاهدةِ عام 1936 التي تنتهي عام 1956 اتفاقيةً جديدةً في أواخر عام 1954، تُعدّ تجديدًا للمعاهدة تحت اسمِ الجلاء. وكما حصل في العراقِ باستبدالِ معاهدةِ عام 1930 التي تنتهي عام 1956 باتفاقية ثنائية وقعت عام 1955، وكما فعلت عام 1969 عندما وضعت خطةً بقائها في الجزيرة العربيةِ، ودعمتها بالأساليب التي تؤدي إلى هذا البقاء، وذلك، مثلًا، بأن تجعلَ إيران تهدد باحتلالِ البحرين وتحرك المشايخَ والأمراء في الجزيرة العربية لكي يتكتلوا ويطلبوا من بريطانيا البقاءَ لحمايتهِم ودفع خطر إيران عنهم. وعندما انتهى النفوذ البريطاني بانتهاء الشاه خشيت بريطانيا أن ينتهي نفوذها في الخليج فأرسلت وزير دفاعها عام 1986 إلى الخليج كي يقدم الحماية اللازمة لحماية مصالح بريطانيا.
كما أن بريطانيا رسمت سياسةً للعالم الإِسلامي كله بعد أن نجحت في تقسيمهِ دولًا، وترَكّزَ هذا التقسيمُ، وأخذ دور العراقةٍ، في ربط دوله بإطارات متعددة تجمعها إما رابطة قومية كالجامعة العربية مثلًا، وإما رابطة روحية بحتة، على أن تكون أنظمةُ الحكم فيها أنظمةً ديمقراطيةً شكلًا واستبداديةً فعلًا، والاستقلالُ الإقليمي والمحافظة على الكيان بحدوده هدفًا، وجعلُ الرابطة وسيلةً للمحافظةِ على التجزئة لا أداة لجمعِ الكلمة.
هذا هو بيانٌ للفكرةِ التي تقومُ عليها السياسةُ الديمقراطية لنشر المبدأ الديمقراطي الرأسمالي، والطريقة التي تُنفذ بها الفكرةُ، هي الاستعمارُ، وأما الخطط والأساليبُ فلدعم الطريقة... وبيان أيضًا للفكرة التي تقومُ عليها السياسةُ الاشتراكيةُ لنشرِ المبدأ الاشتراكيّ الشيوعيّ. على أن تكون الطريقةُ التي تنفذ بها هي إثارةُ القلقِ والشقاقِ والنزاعِ والفوضى أو على حد تعبيرهم إيجاد المتناقضاتِ، وعلى أن تكون الخطط والأساليب لدعم الطريقة.
والخطةُ السياسيةُ التي رسمتْها روسيا في الشرق الأقصى أخيرًا وبعد الاتفاق الذي تم بينها وبين أميركا، هي منع الصين من المحيط الهندي، ووقف التوسع الذي كانت تندفعُ فيه الصينُ في جنوبِ شرقي آسيا، وعزل الصين بإبعادِ كوريا الشمالية وفيتنام عنها، وفتح المجال للنشاط الأميركي والنفوذ الأميركي في أن يظلّ متغلغلًا في تايلند ولاووس وكامبوديا. وما الحرب الحالية في كامبوديا إلا مخطط رسمته أميركا وروسيا لجر الصين إلى الحرب، بإيهامها أن سيهانوك يدور في فلكها مع أنه يعمل لمصلحة أميركا.
وقد اتبعتْ في ذلك عدة أساليب فأوجدت في داخلِ الصين فئةً قويةً تقولُ بجوازِ التعايش السلمي مع أميركا، مما جعل ماو تسي تونغ يشتغل في مقاومةِ هذه الفئة فيما يسمى بالثورة الثقافية، وهذا أوقف نشاطهُ الخارجي مدةً تزيدُ على سنتين، واحتضنت فيتنام ووقفت معها في حربها ضد الصين، فصارت تمدّها بالأسلحةِ وتقفُ إلى جانبها في الأمور السياسية الدولية، وحاولت إيجاد تقارب بينها وبين كوريا الشمالية، وهكذا اتبعت عدة أساليب لتنفيذِ خطتها.
ومن أمثلةِ تغيير الأساليب ما فعلتهُ روسيا في نشرِ الشيوعيةِ، فإنها كانت تعتمدُ على الأحزاب الشيوعيةِ في تنفيذِ أغراضها، فصارت تعتمدُ على السفراءِ، وعلى أجهزة الدولةِ، وصارتْ كذلك تتخذُ اتفاقيات التسلح، وإعطاء القروض من وسائلِ تنفيذ خططها.
لذلك كان واجبًا على الأمةِ أن تعرف يقينًا أن كلا المعسكرين ـــــــ الشرقي والغربي ـــــــ لا يغير فكرته السياسية، ولا طريقته. لكنه يغير خططه وأساليبه ليرسم خططًا أخرى، ويتبع أساليبَ جديدة، حتى يتأتى له نشر مبدئه.
وإذا قضي على أساليبه، وأحبطت خططهُ، أخفقت مشاريعُهُ التي رسمت من أجلها تلك الخططُ والأساليبُ.
هذا هو ملخّصُ الموقفِ الدولي الخارجي وهذه هي أهم القضايا الكبرى التي تقعُ فيها الأعمال السياسية، إلا إن ذلك لا يعني أن الأعمال السياسية لا تقعُ إلا في هذه القضايا . والصراعُ بين الدولِ في حالات السلم إنما يكونُ بأعمالٍ سياسيةٍ، قد تكونُ مصحوبةً بأعمالٍ عسكرية، كما هي الحال الآن في أفغانستان وكمبوديا والشرقِ الأوسطِ، وكما كانت في كوريا وفيتنام وقد لا تكون مصحوبة بأعمال عسكرية كما هي الحال في أفريقيا بالنسبةِ إلى اتحاد جنوبي أفريقيا الآن.
cetirizin netdoktor cetirizin yliannostus cetirizin hund dosis
amitriptylin 75 mg amitriptylin angst amitriptylin hund



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB