السياسة والسياسة الدولية
الطبعة : الطبعة الاولى  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   198
تاريخ النشر :   1987




القانون الدولي

وأما ما يُسَمّى بالقانون الدولي فإنه نشأ وَوُجِدَ ضدّ الدولة العثمانية وذلك أنّ الدولةَ العثمانية بصفتها دولة إسلامية قامت بغزو أوروبا وأعلنت الجهادَ على النصارى في أوروبا، وأخذت تفتحُ بلادَهم بلدًا بلدًا، فاكتسحت اليونان، ورومانيا، وألبانيا ويوغوسلافيا والمجر، والنمسا حتى وقفت على أسوار فيينا، وأثارت الرعبَ في جميع أنحاءِ أوروبا، ووجد عرف عام لدى الأوروبيين أن الجيش الإِسلامي لا يُغلَب، وأنّ المسلمين حين يقاتلون لا يبالون بالموت لاعتقادهم بأن لهم الجنة إذا قُتلوا، ولاعتقادهم بالقدر، والأجل المقدَّر الذي لا يزيد ولا ينقص. وكان الأوروبيون في ذلك العصرِ عبارة عن إمارات وإقطاعيات، يحكمُ كُل إمارة من هذه الإِمارات سَيّدٌ إقطاعي يقاسمُ الملكَ في السلطات، مما جعلَ الملك لا يستطيعُ إجبار الإِمارات على القتالِ، ولا يملكُ التعبيرَ عنهم أمام الغازين، فَسَهّلَ ذلك على المسلمين الغزو والفتح.
وظلت حال أوروبا كذلك حتى العصور الوسطى، أي حتى نهاية القرن السادس عشر، عندها أخذت الدولُ الأوروبيةُ تتجمعُ لتكونَ عائلة واحدة تستطيعُ أن تقفَ في وجه الدولة الإِسلامية، وكانت الكنيسة هي التي تُسيطُر عليها، وأخذوا يحددون العلاقات بينهم، فنشأ عن ذلك قواعد اصطلحوا عليها لتنظيم علاقات بعضهم ببعض، فكان ذلك أول نشوء ما سمي في ما بعد بالقانون الدولي. فأساس نشأة القانون الدولي أن الدول في أوروبا تجمعت على أساس الرابطة النصرانية من أجل الوقوف في وجه الدولة الإِسلامية فأدى ذلك إلى نشوء ما يسمّى بالأسرة الدولية، واتفقت على قواعد في ما بينها، منها: التساوي بين أفراد هذه الدول بالحقوق، لأن هذه الدول لها المبادئ والمثل المشتركة نفسها، وجميعها تسلم للبابا الكاثوليكي بالسلطة الروحية العليا على اختلاف مذاهبها، فكانت هذه القواعد نواة القانون الدولي، إلا إن اجتماع هذه الدول لم يؤثر، لأن القواعدَ التي اتفقت عليها لم تستطعْ جمعها، إذ إن نظامَ الإِقطاع حال دون تمكينها من مباشرة العلاقاتِ الخارجية، وتسلط الكنيسة سَلَبَ منها سيادتها واستقلالها، وكذلك حصلَ صراع على السلطة انتهى بتغلب الدولة وزوال نظام الإِقطاع، وفي الوقت نفسه حصل صراع بين الدولة والكنيسة أدى إلى إزالة سلطة الكنيسة عن الشؤون الداخلية والخارجية، لكن الدولةُ ظلّت نصرانية. وكل ما في الأمر أنه جرى تنظيم العلاقة ما بين الدولة والكنيسة على شكلٍ يؤكّدُ سلطة الدولة السياسية.
وقد أدى هذا إلى وجود دول قوية في أوروبا، ومع ذلك لم تستطع الوقوف في وجه الدولة الإِسلامية، وظلّت الحال كذلك حتى منتصف القرن السابع عشر أي حتى عام 1648م حيث عقدت الدول الأوروبية في تلك السنة مؤتمر «وستفاليا» وفي هذا المؤتمر وُضعَت القواعد الثابتة لتنظيم العلاقات بين الدول الأوروبية. أي إن هذا المؤتمر وضع القواعد التقليدية لما يُسَمّى بالقانون الدولي. ومن ذلك التاريخ وُجِدَ أيضًا ما يسمى بالجماعة الدولية، التي كانت تتكونُ من الدول الأوروبية جميعًا بلا تمييز بين الدول الملكية والدول الجمهورية أو بين الدول الكاثوليكية والدول البروتستانتية.
وكان محظورًا على الدولة الإِسلامية الدخول في الأسرة الدولية حتى حلَّ منتصف العقد الثامن من القرن التاسع عشر حيث أصبحت الدولة الإِسلامية في حالة هزال وسُمِّـــــيَتْ بالرجل المريض، وحينئذٍ طلبت الدولةُ العثمانيةُ الدخولَ في الأسرة الدولية فرُفِضَ طلبها، ثم ألحت بذلك إلحاحًا شديدًا فاشتُرط عليها شروط قاسية، منها عدم تحكيم الإِسلام في علاقاتها الدولية ومنها إدخال بعض القوانين الأوروبية على تشريعاتها، فقبلت الدولةُ العثمانية هذه الشروط، وخضعت لها، وأُدْخلت الأسرة الدولية عام 1856م، ومن بعدها عادت ودخلت الأسرةَ الدولية دولٌ أخرى غيرُ نصرانية كاليابان.
ولذلك يُعدّ مؤتمر «وستفاليا» الذي عُقِدَ عام 1648م هو الذي نَظّمَ القواعدَ التقليدية للقانون الدولي وبناء على قواعده تلك وجِدت الأعمال السياسية بشكل مُتَمَيّز، ووجدت الأعمال الدولية الجماعية.
وكان من أبرز تلك القواعد فكرتان خطيرتان، إحداهما: فكرة التوازن الدولي، والأخرى، فكرة المؤتمرات الدولية.
أما فكرة التوازن الدولي فهي تقضي بأنه إذا حاولت إحدى الدول التوسع على حساب الدول الأخرى فإن سائر الدول تتكتل لتحول بينها وبين التوسع، محافظة على التوازن في ما بينها الذي هو كفيل بمنع الحروب وبالتالي انتشار السلام، وأما فكرة المؤتمرات الدولية فإن المؤتمرَ يَتألفُ من مختلف الدول الأوروبية وينعقدُ لبحث مشاكلها وشؤونها في ضوء المصالح الأوروبية، ثم تطورت هذه الفكرة إلى مؤتمرات الدول الكبرى التي تنعقدُ للنظر في شؤون العالم في ضوء مصالح هذه الدول الكبرى.
وهاتان الفكرتان كانتا أساسًا لما يعانيه العالم من الصعوبات التي يلاقيها في سبيل رفع سُلطة الدول الاستعمارية والدول الكبرى.
وأول مرة استعملت فيها هاتان الفكرتان كانت في أيام نابليون في أوائل القرن التاسع عشر، فحينَ قامت الثورةُ الفرنسيةُ ونشرت الأفكار التي تقومُ على الحرية والمساواة، والاعتراف بحقوق الأفراد وحقوق الشعوب استطاعت أن تغيرَ الخريطةَ السياسية لأوروبا، وأن تُنشئَ دولًا جديدةً وأن تنهي دولًا قائمة. حينئذٍ تجمعت الدولُ الأوروبية بحجة التوازن وتألبت على فرنسا. وبعد أن هُزمَ نابليون اجتمعت هذه الدولُ في مؤتمر «فيينا 1815م» ونظرت في إعادة التوازن، وتنظيم شؤون العائلة الدولية فأعيدت الملكية إلى بروسيا والنمسا، وأُقيم اتحادٌ فدرالي بين السويد والنروج، وضُمَّتْ بلجيكا إلى هولندا لتكون دولة واحدة تحولُ دون التوسع الفرنسي، ووضعت سويسرا في حياد دائم.
ولتنفيذ قرارات هذا المؤتمر عام 1818م عُقِدت معاهدة «أكس لا شابل» بين روسيا وإنكلترا وبروسيا والنمسا وفرنسا، وهي تنص على التدخل المسلح لقمع أي حركة ثورية تهددُ النتائج التي انتهى إليها مؤتمرُ فيينا.
وهكذا جعلت الدولُ الخمس الكبرى من نفسها الهيئة الحامية للأمن والنظام في الأسرة الدولية ثم وسّعَتْ سلطتها فشملت بعض الأقطار الإِسلامية بعد أن ضَعُفت الدولةُ العثمانية، وقد قامت الدولُ الخمس تلك بعدة تدخلات بحجة المحافظة على السلام، فتدخلت في نابولي عام 1821م، وتدخلت في إسبانيا عام 1827م، وفي البرتغال عام 1826م وفي مصر عام 1840م وقد حاولت التدخل في أميركا، لكن الولايات المتحدة حالت دون ذلك، فأصدر رئيس الولايات المتحدة جيمس مونرو تصريحه المشهور والمعروف بمبدأ مونرو عام 1823 قال فيه «إن الولايات المتحدة الأميركية لا تسمحُ لأيّ دولة أوروبية بالتدخل في شؤون القارة الأميركية واحتلال أي جزءٍ منها» فارتدعت هذه الدول عن التدخل لمساعدة إسبانيا على استرداد مستعمراتها في أميركا لأنها خافت من الولايات المتحدة التي كانت قد أصبحت دولةً قوية يحسب لها حساب.. هذا هو أصل القانون الدولي وهذا هو الذي أوْجَدَ المبررات للتدخل، وأتاح للدول الكبرى أن تتحكم في الدول الأخرى، وهذا هو الذي ما زالت تستندُ إليه الأعمال السياسية في القرن العشرين التي تقومُ فيها الدول الكبرى لتأمين مصالحها، أو لمزاحمة الدولة الأولى.
إلا إن هذه القواعد الدولية قد طرأ عليها شيء من التحويل، لكنه كله تحويلٌ في صالح الدول الكبرى ومن أجل تنظيم مطامعها أو بعبارة أخرى تقسيم منافع العالم في ما بينها على وجه لا يؤدي إلى الحروب والنزاع المسلح.
وكان القرن التاسع عشر الميلادي عصرَ الاستعمار فاندفعت فيه الدولُ في العالم تستعمرُ البلدانَ الضعيفة، فكان ينشأ من جراء هذا الاستعمار نزاع لم يصلْ إلى حَد الحروب الكبيرة، ولكن لما تبين لإنكلترا وفرنسا وروسيا أن ألمانيا بقوتها الجبارة صارت تهددهم، ورأوا أنها ستأخذ بترول العراق، وإيران، والجزيرة العربية اتفقت هذه الدولُ الثلاث ضد ألمانيا وأعلنت عليها الحرب، ودخلت الدولةُ العثمانية الحربَ إلى جانب ألمانيا ضد الحلفاء، فكان النصرُ للحلفاء، إلا إن روسيا خرجت من هذا الحلف وأميركا رجعت إلى عزلتِها فخلا الميدان لإنكلترا وفرنسا فقامت هاتان الدولتان من أجل تنظيم الاستعمار بينهما، ومنع وجود النزاع المسلح بإنشاء عصبَة الأمم، وذلك لتنظيم شؤون الدول ومنع الحروب في ما بينها، إلا إن عصبة الأمم فضلًا عن كونها نشأت في جو غريب من التناقض، فإنها صارت تتعثرُ، لأن سياسةَ الدول الكبرى لم تتغير، فكان هَم كُل مِنها في مؤتمر الصلح تحقيق التوازن بين القُوى المختلفة، وحماية مصالحها، واقتسام ممتلكات ألمانيا والدولة العثمانية، وعدم القبول بأي مَسَاسٍ بسيادتها، بل على العكس احتفظت تلك الدول بمستَعْمَراتها وأضافت إليها نوعًا جديدًا من المستعمرات سُميت باسم الدول تحت الانتداب، وكان من أثر هذا أن تعثّرت عصبةُ الأمم في محاولاتها للتوفيق الدولي واستتباب الأمن، وقد حاولت عقد اتفاقات دولية لضمان السلم، فَوُضعَ في كَنَف العصبة بروتوكول جنيف عام 1924م والغرض منه تسوية المنازعات بالطرق السلمية وفَرْض الرجوع إلى التحكيم الإِجباري، وَوُضِعت اتفاقيات لوكارنو عام 1925م التي قررت الضمان المتبادل والمساعَدات المشتركة، ووضع بريان كيلوج عام 1928م وقد حرمَ الالتجاء إلى الحرب، لكن جميعَ هذه الاتفاقيات لم تستطعْ أن تحولَ دون فشل عصبة الأمم في مهمتها. واندلعت تحتَ سمعها وبصرها عدة حروب منها الحربُ الصينيةُ اليابانية عام 1933م والحرب الإيطالية الحبشية عام 1936م، وغزو ألمانيا للنمسا، وتشيكوسلوفاكيا عام 1938م، ثم لبولندا عام 1939م إلى أن نشبت الحربُ العالميةُ الثانية عام 1939م.
هذا هو التحولُ الذي طرأ على العلاقات الدولية فتحولت من مؤتمراتٍ إلى منظمةٍ دوليةٍ تقومُ هي على حفظ الأمن الدولي، لكن هذا التطورَ لم يغير شيئًا، وظلت الدولُ الكبرى تتنازعُ على المغانم في ما بينها.
وفورَ انتهاء الحرب العالمية الثانية قامت الدولُ الكبرى بإنشاء منظمةٍ دوليةٍ، جعلتها في أول الأمر منظمةً للدولة التي دَخلت الحرب، ثم وسعتها لِيُتَاح دخولها إلى جميع دول العالم. ونظمت العلاقات الدولية بميثاق هذه المنطقة، وبهذا تكونُ العلاقات الدولية قد تحولت من مؤتمر للدول الكبرى للسيطرة على العالم وتوزيع المغانم بينها والحيلولة دون نشوء دولة كبرى غيرها، إلى منظمةٍ دولية لتنظيم العلاقات بينها وضمان سيطرة الدول الكبرى، ثم إلى منظمة دولية تصبحُ كدولة عالمية تنظمُ شؤونَ دول العالم وتسيطرُ عليها.
إلا إنّهُ طرأ على الموقف الدولي عاملٌ جديد، وهو انقسامُ العالم دوليًّا معسكرين، ممّا ضاعف حدةَ النزاعِ الدولي، وعقّدَ الموقفَ. نعم كان الموقفُ الدولي قبلَ الحرب العالمية الأولى مؤلّفًا من كتلٍ، لكنها لم تكن معسكرات، وكان قبلَ الحرب العالمية الثانية منقسمًا، جبهة الديمقراطيات وجبهة الدكتاتوريات النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا، لكن انقسامه، مع ذلك لم يكن ليشكّلَ معسكراتٍ مبدئيةً، لأن النازية والفاشية ليستا مبدأ ولا ترقيان إلى أن تصلا إلى «مبدأ»، لذلك لم تكن، قبلَ الحرب العالمية الثانية، معسكرات بالمعنى المبدئي.
أما بعد الحرب العالمية الثانية فقد أصبح العالم ينقسم دوليًّا معسكرين، هما المعسكرُ الغربي والمعسكرُ الشرقي، وتُعدّ أميركا الدولةَ الأولى في المعسكر الغربي، وروسيا الدولةَ الأولى في المعسكر الشرقي. وأنه وإن كان المعسكران يتصارعان على أساس مبدئي، ويتنازعان على المصالح المتضاربة بينهما، إلا إنّهما قاما على أساسٍ دولي، إذْ لم يكن المبدأُ وحده هو مركز الانقسام معسكرين، بل كانت معه المصالحُ الدوليةُ أيضًا، غير أن هذه المصالحَ الدوليةَ تسيرُ في المعسكر الشرقي وفقَ المبدأ الشيوعي، وبحسب المقتضيات التي يستوجبها نشرُهُ. وتسير في المعسكر الغربي بحسب سياسة نشر المبدأ، وفق المصالح القومية والوطنية على أساس المبدأ الرأسمالي الذي يجعلُ النفعيةَ مقياسًا للأعمال كافة، لذلك تجد في المعسكر الغربي دولًا حليفةً على غير مبدئهِ، لكن مصالحها مرتبطة بمصالحِه، ولا تجدُ ذلك في المعسكر الشرقي، ولهذا كان المعسكرُ الشرقي وحدةً متماسكةً، في حين أنك تجد المعسكرَ الغربي مفكّكًا. لذلك كان في الإمكان إحداثُ ثغراتٍ في المعسكر الغربي وإخراج دولٍ منه إلى المعسكر الشرقي. وكان في الإِمكان أن يتكون من المعسكر الغربي معسكرٌ آخرُ غير المعسكرين يَقفُ وَحْدَةً لها تأثيرُها في الموقف الدولي، في حالتي السلم والحرب.
لذلك كان التفككُ في المعسكر الغربي فرصةً لتحرير العالم الإِسلامي من سيطرتِه ونفوذه.
والناظرُ إلى المعسكر الغربي يجدُ أن فيه انقسامًا داخليًّا ناجمًا عن تسنم أميركا مركز الدولة الأولى. بعد أن كان هذا المركزُ لبريطانيا، وبعدَ أن كانتْ أميركا في عزلة عن الموقف الدولي. وهذا الانقسامُ ظاهرٌ غير خفي، وهو الذي يؤخر قيامَ حربٍ عالمية. ويرجع ذلك إلى سياسة أميركا نفسِها، فإنها بعد انتصارها في الحرب العالمية الثانية صممتْ على انتزاع السيادة من جميع الدول كما صممتْ على فرض سيادتها على العالم، واعتراها الغرور أمامَ قوتِها وضخامة ثروتِها، حتى رأت أن من حقّها أن تسودَ العالَم، وأن الشعوبَ والدولَ في حاجةٍ إلى عَوْنِها، لذا غزت أوروبا بما فيها بريطانيا وفرنسا، وهي، بدل أن تهاجمَ المستعمرات، هاجمت الدولَ المستعمِرة في مشروع «مارشال»، وفي بذل العون والقروضِ، حتى إذا تمكنت من هذهِ الدولِ هاجمتِ المستعمراتِ وأخذَتْ تضمّها إلى سيطرتِها شيئًا فشيئًا حتى تنتزعها جميعها. كل ذلك بأسلوب يختلف عن الأسلوبِ الذي هاجمت به الدولَ الأوروبية. وبذلك استحكمَ الخلافُ بين الدولِ الغربية. وليس هذا الخلافُ جديدًا، بل هو خلافٌ قديم. فقد بدأ هذا الخلافُ قبلَ الحربِ العالميةِ الثانيةِ، وتعود أسبابُهُ إلى المشاكلِ الاقتصاديةِ، ولا سيّما مشكلة البترولِ لأن الاتفاقيات المتعلقةَ به بين بريطانيا وأميركا، وحاجة بريطانيا إلى مساندة لها، هي التي أدت إلى الخلافِ بين هاتين الدولتين، وبالتالي بين دولِ المعسكر الغربي. وذلك أنَّ بريطانيا بعد أن ركّزت الموقفَ بعد الحربِ العالميةِ الأولى، كانت فرنسا تزاحمها مزاحمةً ظاهرةً، فكانت تعملُ على إِضعافِ فرنسا، في تقويةِ ألمانيا من جهةٍ، وفي تشجيعِ الحركاتِ الوطنية والقوميةِ في المستعمراتِ الفرنسيةِ من جهةٍ أخرى، فأوجدت متاعب لفرنسا، وشغلتها بالعمل لاتّقاءِ خطرِ ألمانيا. غير أنّه نبت في الموقفِ الدوليّ حينئذٍ أمرُ إيطاليا، وظهر أمرُ ألمانيا في قوةٍ تهدّدُ موقفَ بريطانيا وفرنسا معًا. وظهر محور «روما ـــــــ برلين». فكان لا بد لبريطانيا من أن تخرجَ أميركا من عزلتِها، فأطمعتها في بترول الشرق، فكانت اتفاقيات البترول. وبخروج الشركات الأميركية إلى الشرق، خرجت أميركا من عزلتها، ثم كانت الحربُ العالميةُ الثانية، فانتقلت أميركا إلى منزلةِ الدولة الأولى وهبطتْ إنكلترا وفرنسا.
أما فرنسا فقد حاولتْ بقيادة ديغول أن تعيدَ مركزَها الدولي. وكانت بريطانيا قد بدأت تحاولُ استرجاعَ نفوذِها في الدول التي كانت تستعمرُها. ومهما يكن من أمرٍ فإنّ أميركا بعد أن صَفّت نفوذَ فرنسا، لا تزال تلاحقُ بريطانيا لتصفية نفوذها أيضًا، ولا تزال بريطانيا وفرنسا تعملان ضدها في الخفاء، وبالجملة لا يزال الخلافُ مستحكمًا بين دول المعسكرِ الغربي، ولم تبدر حتى الآن أيّ بادرةٍ تدلّ على إمكانية زوالِ هذا الخلاف على المصالح بين بريطانيا وأميركا، وأما بين فرنسا وأميركا فإنه يظهر بعض الإيجابيات في السياسة الدولية، وخصوصًا في بعض مناطق النفوذ المشتركة بين بريطانيا وأميركا. فإننا نرى في أكثر الأحيان أن موقف فرنسا موافق لموقف أميركا نظرًا إلى المصالح المشتركة بين الدولتين في حين أنه مخالف للمصالح البريطانية. إلا إنّ هذا الخلاف لا يبلغُ درجةً يحصل عندها حربٌ بينَ دولِ المعسكرِ الغربيّ، ما يتوهّمُ ساسةُ المعسكر الشرقيّ، لأنه خلافٌ مقيّدٌ بالمبدأ الرأسمالي ومحدودٌ في حدود المعسكر الغربيّ. فإذا تجاوزه إلى مواجهةِ المعسكرِ الشرقي، زال الخلافُ وظَهَرَ المعسكرُ كلهُ صفًّا واحدًا. وهذا ما ينبغي الانتباهُ إليه حينَ يُبْحَثُ الانقسامُ الداخلي في المعسكر الغربي، وحين يُبْحَثُ التزاحمُ بين دُوَله. إنّهُ تزاحم يأخذ شكل المناورات السياسيةِ، ويسلك أساليبَ اللّف والدوران، ولا يأخذُ شكلَ الحرب والكفاح الظاهر العنيف. لذا كان المعسكرُ الغربيّ، كونه وحدةً، مفكّكًا متنازعًا يسود الشقاقُ والخلافُ دولَهُ كلّها، وتتسابقُ في ما بينَها على المنافع، ويَكيدُ بعضُها لبعضٍ. وهو، مقابلًا للمعسكر الشرقيّ يُعدّ وَحْدَةً متماسكةُ ضد العدوّ المشترك.
أما المعسكرُ الشرقيّ: فإنه كان يقوم على الأساسِ المبدئي وحده، تقوده روسيا قيادة فكريةً وعسكريةً، فهي بمقام المعلمِ والوصيّ من جهة، وبمقام الحارسِ والقائدِ من جهةٍ أخرى، لذا لا يوجد بين دولِهِ مَنْ ينافسُ روسيا على القيادة الفكريةِ والسياسيةِ.
إلا إنه نظرًا إلى أن المبدأ الشيوعي لم يحل مسألة القومية حلًّا جذريًّا، فإن ذلك أثّر في تماسكِ المعسكرِ الشيوعي، وأحدث تفكّكًا بين دولهِ، فأدى ذلك إلى خروجِ بعضِ الدولِ عنه، ثم أدّى إلى ما يشبه انقسامه معسكرين.
أما موضوع مسألة القومية فإنه في 24 نيسان 1917 عُقِدَ المجلسُ العامّ البلشفي السابع وكان من أهم المسائل التي ناقشها مسألة القومية، فقد قدّم لينين تقريرًا للمؤتمر ضمّنه رأيه في مسألة القوميةِ، وكان لينيين وستالين قد وضعا قواعد سياسة الحزب البلشفي في المسألة القومية. وكانا يقولان بأن من واجب الحزب البروليتاري أن يؤيدَ حركة التحرير الوطني التي تقوم بها الشعوب المظلومة ضد الاستعمار وبذلك كان الحزب البلشفي يدافع عن حقّ الشعوب في تقرير مصيرها بما في ذلك حقها في الانفصال، وتأسيسها دولة مستقلة.
وقد تضمن تقرير لينين هذا الرأي وناقشه المجلسُ، وكان ستالينُ هو مقرّر اللجنة المركزية، فدافعَ عن وُجهةِ النظر هذه أمامَ المجلس العام للحزب. فقرّر المجلسُ هذا الرأي وصار منذ ذلك الحين رأيَ المبدأ الشيوعي في المسألة القومية وقد قرر المجلس ما نصه:
«يجبُ أن يُعترَف لكل الشعوب الداخلة في تكوين روسيا بحق الانفصال بحرية وتشكيل دولة مستقلة. فإن انكارَ هذا الحق وعدم إقرار التدابير التي تضمنُ تطبيقه عمليًّا، معناه تأييد سياسة الفتح والإلحاق. إن اعتراف البروليتاريا بحق الشعوب في حرية الانفصال هو وحده الذي يؤمن التضامن التام بين عمال مختلف الشعوب، ويساعدُ على تقارب الشعوب تقاربًا ديمقراطيًّا حقًا».
إلا إن المجلس لم يقتصر على ذلك، بل أيَّد حق منح الانفصال إذ جاء في القرار ما نصه:
«ولا يجوز المزج بين مسألة حق الشعوب في الانفصال الحر، ومسألة الفائدة عن انفصال هذا الشعب أو ذاك، فهذه المسألة الأخيرة يجب على حزب البروليتاريا أن يفصل فيها في كلّ حالةٍ خاصةٍ بصورةٍ مستقلةٍ تمامًا، وفقًا لما تقتضيه مصالح التطور الاجتماعي بمجموعه، ومصالح نضال البروليتاريا الطبقي في سبيل الاشتراكية».
فهذانِ النصان في المبدأ الشيوعي قد جعلا مسألة القومية شوكة في جنب الحزب الشيوعي، والمعسكر الشيوعي، فأدى ذلك إلى ما حصل في المعسكر الشيوعي من خروج بعض دوله عنه، ومن وجود ما يشبه انقسامه معسكرين.
أما خروج بعض الدول فإن الحزب الشيوعي اليوغوسلافي وعلى رأسه تيتو أعلن في أيام ستالين الانفصال عن الحزبِ الشيوعي الروسي، وانفصالَ يوغوسلافيا عن المعسكر الشيوعي، فأغضب ذلك ستالين وكان ما كان من شقاق ونزاع ظلّ حتى أيّام خروتشوف، حيث حاولَ إصلاح ذات البين من أجل إعادة يوغوسلافيا إلى الحظيرة الشيوعية، لكنه لم يفلح في إعادتها عمليًّا، وإن كان قد أفلحَ بإزالة مظاهرِ الشقاقِ والنزاع.
وأما وجود ما يشبه المعسكرين فإن الصين الشيوعية قد أثرت فيها المسألة القومية فجعلتها تحاول انتزاع الزعامة الشيوعية من روسيا، وأخذها لها، وحاولت إلى جانب ذلك استرجاع الأراضي التي أخذتْها روسيا من الصين أيام القياصرة، فأدى ذلك إلى حدوث نزاع أخذ يشتدّ، ثم جاءت اجتهادات مدرسة خروتشوف وبريجينيف وصحبهما في مسألة التعايش السلمي، فأدى ذلك إلى ترسيخ الخلاف بين الصين وروسيا، وعدّت الصينُ أنّ الحزبَ الشيوعي الروسي انحرفَ عن الشيوعية، وصارت تحاولُ جذبَ بعض الدول الشيوعية إليها، فانجذبت بعضها كألبانيا، وكوريا الشمالية، وفييتنام الشمالية، ولكن عندما توحدت فييتنام بشمالها وجنوبها عادت لتسير مع روسيا كما أنه تقارب معها بعضها الآخر، كرومانيا، وبذلك صار المعسكرُ الشيوعي معسكرين، أو ما يشبه المعسكرين من ناحية دولية، وحتى من ناحيةٍ مبدئية.
وإلى جانب ما حصلَ من جراء الرأي الشيوعي في المسألة القومية حصل اجتهاد من قبلِ الحزب الشيوعي الروسي في مسألة التناقضات، فأدى إلى تعميق الانقسام بين الدول الشيوعية، وأدى إلى الانحراف عن المبدأ الشيوعي، وتحويل سياسة الاتحاد السوفياتي من سياسة شيوعية إلى سياسةٍ روسية، أو ما يشبه السياسة القيصرية.
إن فكرةَ التناقضات في المبدأ الشيوعي من الأفكار الأساسية في المبدأ، فالخروج عنها ولو باصطناع تفسيرها يُعدّ انحرافًا ويؤدي إلى تغيير علاقة الدولة الشيوعية بالدولِ الرأسمالية، أو بعبارةٍ أخرى يؤدي إلى تغييرٍ جذريّ في السياسةِ الشيوعية.
يقول الشيوعيون لأجلِ اجتناب الخطأ في السياسة يجبُ أن يكونَ الإِنسانُ ثوريًّا لا إصلاحيًّا، وعليه ألّا يخفي تناقضات النظام الرأسمالي، بل ينبغي إبرازها وعرضها، ولا يجوزُ خنق النضال الطبقي بل يجبُ القيام به إلى النهاية.
بناءً على هذا ينبغي اتباع سياسة بروليتارية طبقية حازمة لا سياسة إصلاحية تقولُ بالتناسقِ بين مصالحِ البروليتاريا ومصالح البورجوازية، ولا سياسة تفاهمية تقولُ بإدمَاجِ الرأسمالية بالاشتراكية. وهذه التناقضات كما تحصلُ في المجتمع العادي تحصلُ كذلك في المجتمعِ الدولي فإنّ نضالَ المتضادات أمرٌ حتمي، سواء في المجتمع العادي أو المجتمع الدولي، فالنضالُ بين الدول الشيوعية والدولِ الرأسمالية أمر حتمي ولا يمكنُ أن يعيشا بسلامٍ جنبًا إلى جنب، وإنه لا بُدّ من تغلب أحدهما على الآخر في آخرِ الأمر، ومن المستحيلِ تلافي هذا النزاع بين المبدأين.
إلا إنّ فكرة الشيوعيين عن المسألةِ القومية، والخلاف في تطبيق التناقضاتِ على المجتمعِ الدولي لم تؤثر في الفكرة الشيوعيةِ في السياسة، ولا في طريقة تنفيذها، بل الفكرة الشيوعية في السياسة لا تزال هي هي أي: نشر الشيوعية في العالم، ولا تزال الطريقة هي هي أي: إيجاد التخريب والفوضى والقلاقل.
إلا إنّ روسيا أجازتْ لنفْسِها عَدَمَ استعمالِ هذه الطريقة مع بعضِ الدولِ الرأسماليةِ كأميركا، لكنها لا تزال تستعملها ضدّ الدولِ الرأسمالية الأخرى كإنكلترا.
والصين لا تزال تستعملها ضد الدولة الرأسمالية جميعها. فالطريقة لم تُلْغَ كليًّا، ولم تحذفْ من الكتب الشيوعية، وإنما وُجِدَ تفسير جديد لها، أوجَدَهُ زعماءُ الحزبِ الشيوعي في الاتحادِ السوفياتي لمصلحةِ روسيا.
وهذا التفسير ساعد الصينَ على التمردِ والانشقاقِ والتشكيك داخلَ العالمِ الشيوعيّ نفسِهِ، وداخل الحركة الشيوعية الدولية، تحت شعار أن الاتحاد السوفياتي «دولة إمبريالية» مثَلُها مثلُ الولايات المتحدة. وقد انفجر ماو تسي تونغ ضدّ السوفياتِ بعد التدخلِ العسكري في تشيكوسلوفاكيا وانفجر معه الكثيرون، من كاسترو إلى الحزبِ الشيوعيّ الفرنسي إلى معظم الماركسيين في العالمِ، إلى درجةٍ حملت القيادةَ السوفياتيةَ على وضعِ كلّ ثقلها وإمكاناتِها منذ ذلك الحين لا لضبط تشيكوسلوفاكيا وحزبها فحسب ـــــــ كما ظهر في مؤتمر موسكو الذي عقد عام 1969 ـــــــ بل لقلبِ تيار التشكيكِ والتمرد والانشقاق إلى تيارٍ تجديدٍ للبيعةِ وعودةٍ إلى الانضباطِ والارتباط.
وأكثرُ من ذلكَ، الردّ على المناوئين والمشككين ليس فقط بنفي كونِ الاتحادِ السوفياتي «دولةً أمبريالية» مَثَلُها مَثَلُ الولايات المتحدة، بل أيضًا بجعلها مرة أخرى مركزَ الدعوةِ إلى المؤتمر المعادي للامبريالية.
إنها سباحة شاقة على الاتحاد السوفياتي ضد التيارِ الجارفِ. وهي ناجحةً نسبيًّا لأن النجاح على الصعيدِ الرسميّ ـــــــ صعيدِ الدولِ والأحزابِ ـــــــ لم يَعُدْ مضمونَ النتائج. ذلك أن الأجيالَ الجديدةَ في العالم الشيوعيّ كلّهِ. وحتى في أوروبا الشرقيةِ والاتحادِ السوفياتي نفسه تستهويها ثورةُ الصين أكثَرَ مما تستهويها ثورةُ «فاتيكان» موسكو. يضافُ إلى ذلكَ أن ازدياد التخلّف في العالم، من شأنه فسح المجال أكثر فأكثرَ للصين على الرغم من الحصار المشترك السوفياتي الأميركي الذي يمتدُ حاليًّا ليُصْبحَ حصارًا بحريًّا، وجويًّا أيضًا، وكأنّه الستارُ الحديدي الجديدُ الذي كانت تهاجمُهُ الصينُ يوميًّا تقريبًا.
إن سياسة المعسكر الشرقي كانت قائمةً منذ أيام ستالين داخليًّا على أساس تقوية جهاز الدولة، وإعداد القوى العسكرية الحربية للدفاع والهجوم في آنٍ، وخارجيًّا على اساس عدم إمكانية التعايش السلمي بين الرأسمالية والاشتراكية، لذلك لا بد من دوام اتخاذ الرأسمالية خصمًا سياسيًّا، لأنها، في حقيقتها، خصمٌ فكري. وحين وقعت الحربُ العالميّةُ الثانيةُ تعاونت روسيا مع إنكلترا وفرنسا وأميركا في الحرب وعاشوا فترةً جنبًا إلى جنبٍ، لكن هذه حالةٌ ضرورية استثنائية ما لبثت أن تبخرت بعد انتهاء الحرب، ورجعت الحربُ الباردةُ بين روسيا والدول الغربية، مع بقاء الاتصال السياسي، في هيئة الأمم المتحدة، وفي المؤتمرات الدولية، والمجاملات الديبلوماسية، بالإِضافة إلى التمثيل الديبلوماسي.
أما السياسةُ الشيوعيةُ، تجاه المعسكر الغربي، المنبثقةُ عن المبدأ الشيوعي فتدل على أن الرأسماليةَ والشيوعيةَ لا يمكن أن تعيشا بسلام جنبًا إلى جنب، وأنه لا بد من تغلب إحداهما على الأخرى في آخر الأمر. وها هو جميعُ الكتب الشيوعية تقول باستحالة تلافي النزاع بين المبدأين، وهذا رأي من الآراء التي كان يراها كل من لينين وستالين، ولم يتخلفْ رأي أحدهما عن الآخر. وجميعُ الشيوعيين متفقون، في هذا الموضوع، ولا يجوزُ لأي سياسي شيوعي، حاكمًا كان أو غيرَ حاكمٍ، أن يسيرَ في سياسة التعايش السلمي بين الرأسمالية والشيوعية لأنه حينئذٍ يكون خارجًا عن الفكرة الشيوعية في السياسة الخارجية. وهذه السياسة قد أُعيدَ النظرُ فيها، في روسيا وعُدلتْ، لكنهم لا يستطيعون أن يجهروا بهذا التعديل، ومهما يكن من أمرٍ فإن السياسةَ الشيوعيةَ كانت تدل بوضوحٍ على أنه لا يمكنُ أن يحصلَ تعاونٌ صادق وتعايشٌ دائم بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي، وهذا يدل على دوام النزاع بينهما. والفرق بينهما: أن سياسةَ المعسكر الشرقي تقومُ على أساس الهجوم على دول المعسكر الغربي، ويأخذ هذا الهجومُ ثلاثَ نواح:
الأولى : الدعوة إلى الشيوعية والدعاية لها.
الثانية : إثارةُ القلاقل والفتن في الشعوب ضد الفئات الحاكمة.
الثالثةُ : كشفُ خطط المعسكر الغربي السياسية في البلاد التي يستعمرُها والتي تقع في فلكِه.
أما سياسةُ المعسكر الغربي فإنها تقومُ على أساس الدفاع عن نفسه، فدولُهُ لم تستطع القضاءَ على الأفكار الشيوعية، ولم تستطعْ أن تقضيَ على القلاقل التي نبتت، ولم تسطعْ أنْ تثير العالمَ ضد الشيوعية، وصارت تخفي أو تحاولُ تخفيَ جميع خططها، وتقيم سياستها الدوليةَ على أساس مكافحة كل حركةٍ تشتم منها رائحةَ الخروج على المعسكر الغربي.
ومع أن جميعَ دول المعسكر الغربي متفقةٌ على محاربة الشيوعية، والوقوف ضدها سياسيًّا وعسكريًّا، إلا إنها تختلفُ في تقدير الخطر الشيوعي، وتتفاوتُ اهتمامًا في العمل على اتقائه. فأميركا هي من أكثر دول المعسكر الغربي اهتمامًا بهذا الموضوع، وترى أن الخطر الأوحد عليها وعلى العالم إنما هو وجودُ الدول الشيوعية وعلى الأخص الصين في الوقت الحاضر. وتحمل أميركا أشد العداء للدول الشيوعية، وكان يفهم من كلام الساسة الأميركان أن هدفَهُم الذي يسعون إليه هو إزالةُ الدولة المتمسكة بالشيوعية من الخريطة، وكانوا هم يُعدون لذلك أقصى ما يستطيعون من إعداد.
وأما بريطانيا فإنها وأن كانت تحمل العداء نفسه، غير أنه يفهمُ من كلام الساسة البريطانيين أن هدفَهُم تقليصُ ظل الدولة الشيوعية عن المناطق التي تحتلها في أوروبا وحصرُها خلفَ الستار الحديدي وكسرُ شوكتها وحماية العالم من الشيوعية.
وأما فرنسا فإنها، لميوعتها ولوجود حزب شيوعي قوي في داخلها، ليست لها سياسة واضحة في هذا الشأن، وإن كانت جمهرة السياسيين في فرنسا ترى الشيوعية والدولَ الشيوعيةَ خطرًا على العالم، وباقي الدول الغربية الأخرى ترى ما يراهُ الأميركان والإنكليزُ بخصوص المعسكر الشرقي.
وبالجملةُ يقفُ المعسكران تجاه بعضِهما في الموقفِ الدولي عسكريًّا ويتنازعان فكريًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا، وتتناول العلاقاتُ القائمةُ بينهَما مشاكلَ متعددةً، ويسعى كلّ معسكرٍ منهما لحلّ هذه المشاكلِ بحسب وجهة نظره، وينظر إلى المشاكلِ العالمية بحسب فلسفته، إذ لكلّ معسكرٍ منهما فلسفةٌ خاصةٌ تقوم عليها سياستُهُ وتنسجمُ معها نظرتُه، وهذه الفلسفةُ تتجلى في النظرة إلى الفرد والمجتمع عند الشيوعيين كلّ لا يتجزأ، وحين يتطور إنما يتطور كله، ويتطورُ الفردُ تبعًا لذلك. بخلافِ المجتمعِ عند الرأسماليين، فإنّهُ مكون من أفرادٍ، والفردُ في المجتمعِ الرأسماليّ يتمتعُ بجميع حقوقه الفردية. وعلى ذلك تختلف نظرة كل معسكر إلى العالم تبعًا لاختلافِ نظرته لمعنى المجتمع، لذلك نجد أن روسيا تفكّرُ في حلّ المشاكل العالمية كونها كلًّا، ولا يمكن أن تفكرَ في حلّ مشكلةٍ معيّنةٍ وتتركَ مشكلة أخرى.
وأما المعسكرُ الغربي فإنه يرى أن المشاكلَ العالميةَ متعددةٌ، وهي أجزاء يمكن حلّ كلّ مشكلة منها على حدة، وتتفق في هذه النظرةِ الكلية بريطانيا وفرنسا وأميركا، إلا إنها تختلف في تفاصيلِ الحل. فبريطانيا وفرنسا تريان أنه يمكن حلّ كلّ مشكلةٍ على حدة بغضّ النظرِ عن علاقتها بباقي المشاكلِ العالمية، وعما إذا كان يتأثرُ بحلّها حلّ مشاكلَ أُخرى أو يؤخر حلها ويعقّده. لذلك نجد فرنسا وبريطانيا تقبلان الدخول في مفاوضاتٍ في مسألة ما لحلّها مهما كانت النتائجُ، فإنكلترا تجدُ الأمرَ طبيعيًّا أن تفاوضَ روسيا على التجارةِ وتحلّ مشاكلها في هذه الناحيةِ فقط، وأن تبقى مشكلةُ ألمانيا معقدةً، وفرنسا يسهل عليها أن تحلّ مشكلةَ الهندِ الصينية مع روسيا وتبقى مشكلةُ النمسا معقّدةً، لأن كلًّا من هاتين الدولتين تتصور حلّ المشاكلِ الجزئيةِ عالميًّا، كما تتصورُ حلّ المشاكل في المجتمع.
وأما أميركا فإنها وإن كانت رأسماليةً وتعتنق المبدأ ذاته، إلا إنها تختلفُ عنهما من حيث التفاصيل، ذلك أن أميركا نشأت جديدًا، وكان قيامها مصحوبًا بفلسفات ونظريات وأفكارٍ تجعل نظرتَها نظرةً عملية من جهة، وشاملةً من جهة أخرى، وسياستُها أيضًا تسير وفقَ هذه الأفكار. فلا تؤمن بتجزئةِ المسائلِ، ولا تؤمنُ بالفروضِ، لذلك لا تحلّ مشاكلها مع غيرها أجزاء وتفاريق، فهي إما أن تحلّها كلّها، أو تنازع بها كلّها، لذلك كان نزاعها مع المعسكر الشرقي نزاعًا شاملًا جميعَ الأمورِ، وكذلك كانَ نزاعها داخلَ المعسكر الغربي نزاعًا شاملًا عدة أمور، فمن العبث من أن يظنّ إنسانٌ أن أميركا يمكن الاتفاقُ بينها وبين المعسكرِ الشرقي بشأن مسألة واحدة بعينها، من دون النظر إلى باقي المسائل، وكذلك الحالُ مع زميلتها بريطانيا، لذا نراها قد ربطت مشكلة لبنان بمشكلة فلسطين وذلك في ما بينها وبين بريطانيا.
إلا إن أميركا في نظرتها العملية تقبل الدخول في مباحثات في بعضِ المسائل وتحلها على أساس الشمول لباقي مسائلها، فمثلًا هي تطلبُ من روسيا أن تدخلَ معها في مفاوضاتٍ في شأن الأسلحةِ النووية، وهي مسألةٌ واحدة، وتقبل الدخولَ في مؤتمر برلين بشأن توحيدِ ألمانيا، لكن هذا القبول لا يعني مطلقًا حلّ هذه المسائلِ وحدَها، بل يعني فهمَ وجهةِ النظر لتحلّ بحسبها جميع المسائلِ مع خصومِها، ويعني حلّ هذه المسائل الحل الذي تريده لجميع المسائل العالمية ومنها هذه المسألة. فهي لا تفصل المشاكلَ السياسيةَ عن السياسةِ العالمية، بل تربطهما معًا، وهي تقبل التفاوضَ في المسالةِ الواحدة وتقبل الحلّ في الجزئياتِ، ولكن لا على أساس حلّها منفردةً، بل على أساسِ الحلّ الكلي، لأنَ سياستَها شاملةٌ من جهةٍ، وعمليةٌ من جهةٍ أخرى.
هذه هي الأسسُ التي تقوم عليها السياسةُ الدولية بوجهٍ عام؛ وفي ضوءِ هذه الأسس يمكنُ فهمُ الأعمال السياسيةِ التي تقعُ في العالم. ومن قبل أن نبدأ بتفسير هذه الأعمال تفسيرًا يتفقُ مع الحقيقةِ ويطابق الواقعَ، لا بدّ من أن نعودَ لنرى ما أصابَ هذا العالمَ من مصائبَ وما حلّ به من شقاء من جراء تطبيقِ هذه السياسة، وما علينا نحن بني البشر أن نقول فيه.
أولًا : أما ما يُسمّى بالقانون الدولي فلا يصحّ أن يوجدَ، ولا يجوز أن يُوضعَ، وذلك لأن القانون هو أمر الحاكم، ولا يوجد دولةٌ عالميةٌ أو حاكمٌ عالميّ، بل لا يصحّ أن توجدَ دولةٌ عالميةٌ تكون لها سلطة على جميع الدول، لأن ذلك متعذِّر الوجود، ولأن الزّعمَ بوجوده يعني وجودَ الحروب والمنازعات الدموية، لذلك لا يجوزُ أن تُوجدَ دولةٌ عالميةٌ أو سلطةٌ عالميةٌ، وإذن لا يصح أن يوضع أو يُوجدَ قانونٌ دوليّ، وذلك لثلاثة أسباب:
أحدهما : أن القانونَ هو أمرُ السلطان ولا سلطانَ على جميع دول العالم، ولا على المجتمع الدّولي.
الثاني : أن القانونَ واجبُ التنفيذ فلا بد من وجود سلطة تنفذه، ولا يصح أن توجدَ سلطة عالمية تنفذ أوامرها بالقوة على جميع دول العالم، لأن ذلك يؤدي إلى الحروب والمنازعات الدموية، كما أشرنا.
ثالثًا : أن القانونَ ينظّم العلاقات، والعلاقات الدولية تنشأ بين المجموعات البشرية اختيارًا فتنظم كلّ دولتين أو أكثر بينهما العلاقات بحسب مصالحهما، وبرضاهما، وتكون علاقات أخرى غير الموجودة بين دولتين أخريين أو دول أخرى. فما ينظم العلاقات إذًا هو اتفاقات، وليس قانونًا، ولا تنظّم العلاقاتُ الواقعة بالفعل إلا باتفاقات، وإذًا لا يوجد قانونٌ دوليّ لتنظيم العلاقاتِ بين جميع الدول. لذلك كله لا يصح أن يُوجدَ قانونٌ دوليّ كما أنه لا يصح أن تُسَمَّى الاتفاقات الدولية قانونًا دوليًّا. على أن الناسَ حتى في الغرب أنكروا وجودَ قانون دوليّ عام، واستنكروا إلزام الدول بأي قانونٍ دوليّ أي إجبارَها على تنفيذه. فمنذ ظهور فكرة القانونِ الدّولي دبّ الخلافُ بين فقهاء الغرب حول طبيعة قواعده، وشكّ الكثيرون في قوتها الملزمة. فكانتْ، وهيجل، في ألمانيا، وهوبز، وأوستن، وأتباعُهما في إنكلترا، أنكروا وجود قانون دوليّ عام، وذهب إلى هذا الرأي كثيرون من فقهاء الغرب، وحتى الفقهاء الغربيون الذين يقولون بوجود قاعدة القانون الدّولي، فإنهم لا يقولون بوجودها كقانونٍ واجب التنفيذ، بل يقولون إنها عبارةٌ عن مجرد قاعدة أخلاقية لا يترتب على مخالفتها أيّ مسؤولية قانونية. وحتى الذين يحاولون إيجادَ تمحلاتٍ لتفسير معنى قانونية القانون الدّولي فإن تفسيراتهم هذه تدل على عدم وجود القانون الدولي، وإن الموجودَ إنما هو العرفَ الدولي، وليس القانون الدولي، لذلك فإننا لا نظن أن أحدًا من المفكرين حتى في الغرب يمكنه أن يقول بوجود قانون دوليّ عام، والذي يُستطاعُ إثبات وجوده إنما هو العرفُ الدّوليّ ليس غير.
والعرفُ المتعارَفُ عليه بين المجموعات البشرية موجود، ومنه ما هو عرفٌ عامّ موجودٌ عند جميع المجموعات البشرية منذ القديم حتى الآن، مثل عدم قتل الرسل بين الدول أو ما يُسمّى بحصانة السفراء، ومنه ما هو عرفٌ خاصّ بين مجموعات معينة، مثل ما كان معروفًا عند العرب من عدم منع أحد من زيارة البيت الحرام. وهذا ما أشرنا إليه في مطلع البحث من العرف الدولي... فهذه الأعراف موجودة ولا شك، وهي ليست قانونًا، بل اصطلاحاتٌ يجري التعارفُ عليها بحكم تكرار حوادث معينةٍ من الجميع، أو من مجموعات خاصة. وعليه فإن العرفَ الدوليّ موجود، وأما القانون الدولي العام فلا وجود له.
بقيت مسألةُ تنفيذ القانون الدّوليّ على الناس بالقوة، وهذا التنفيذُ بالقوة، أو الإجبارُ على التنفيذ، لا يصحّ أن يكون، وذلك أن هذا التنفيذ إن كان من سلطة عالمية أو من دولة عالمية، فإنه يستحيلُ لأنه لا وجودَ للدولة العالمية. فإن كان من سلطة عالمية أي من مجموعة دول كبرى، أو من دولتين أو أكثر، فإنه يُعدّ عدوانًا، وليس تنفيذًا لقانون، لأنه لو أن إحدى الدولتين أو إحدى الدول التي تقوم بالتنفيذ خالفتِ القانونَ فإن باقي الدول لا يمكن أن تنفذَه عليها. وكذلك لو أن الدولتين اللتين تقومان بالتنفيذ، أو مجموعَ الدول التي تقوم بالتنفيذ، خالفتِ القانونَ، فمن الذي ينفذه عليها؟ بالطبع لا أحد، وبذلك يكون تنفيذُ الدول القوية القانونَ على الدول الصغيرة أو الضعيفة، عدوانًا، وليس تنفيذًا للقانون الدّوليّ، وبذلك يظهر بوضوح أن لا وجودَ لتنفيذ القانون الدّوليّ العام على جميع الدول، فلا يصحّ أن يُفكّرَ بفكرة تنفيذ القانون الدولي بالقوة، لأن ذلك لا يكون إلا عدوانًا، وتقوم من جرائه الحروب.
ومن هذا كله يتبينّ أنه لا يصحّ أن يوجدَ قانونٌ دَوْليّ، بل لا يمكن وجوده عمليًّا وإنما الموجود هو اتفاقات تحصل بين الدول، وأعراف يتعارفون عليها بشأن هذه الاتفاقات، وبشأن علاقاتِ الحرب، وعلاقات السلم، بين المجموعات البشرية. وعليه إذا كان لا بد من إيجاد جماعة دولية، فإنه لا يكون لها إلا قانونٌ إداريّ، ويكون عملُها النظر في الأعراف الدولية، وفي مخالفاتها، وتدخل فيها الأعراف بشأن الاتفاقات الدولية، من حيث عقدها، وتنفيذها، والتحلل منها، وما شاكل ذلك. على ألّا تُؤخذَ جميع الأعراف الدولية، بل تؤخذ الأعراف التي نشأت في المجتمع الدولي الذي تتشكلُ منه الجماعات الدولية، ويكون نشوءُ هذه الأعراف ليس بقرارات تضعها الدول، فهذا خطأ، وفيه كل الضرر، بل يكون نشوؤها بسبب اتباع الدول لها أمدًا طويلًا حتى استقرت، وتكون الدول قد اعتقدت بدافع ذاتي أن هذه الأعراف واجبةُ الاتباع. أما موضوعُ اتباع الدول لها، فإنه يكونُ بتكرار القاعدة أو الأمر أو المفهوم الذي يُعدّ عرفًا، لأن فعلَ الناس واصطلاحَهم على شيء لا يشكّلُ عرفًا بمجرد الفعل أو بمجرد الاصطلاح، بل لا بد من تكرار ذلك حتى يكون عرفًا عامًّا، وهناك فرق بين العادة والعرف، فالعادة هي: العملُ المكرر من الفرد، وأما العرفُ فهو: العمل المكرر من الجماعة، فإذًا لا بد من التكرار حتى يدعى عرفًا، فهذا العرف العام هو الذي تنظر فيه الجماعة الدولية، حين تنظر في المنازعات الدولية، والمخالفات التي تحصل من الدول التي تتشكل منها.
فالعرفُ الدوليّ بمعناه الحقيقي، هو محلّ النظر حين فض المنازعات الدولية. وهذا العرف الدوليّ لا يصح أن يفكّر في تنفيذه على الدول بالقوة، بل ينفّذُ عن طريق الرأي العام، وبالعامل المعنوي، فإن الدولَ المشتركة في الجماعة الدولية ما قررت اعتبار القاعدة الفلانية أو الأمر الفلاني، عرفًا دوليًّا، إلا بعد أن تحققت من صيرورته عرفًا، وحينئذٍ يكون اعتقادُ هذه الدول بأن هذا العرف واجبُ الاتباع موجودًا، وعليه لا توجد هناك حاجةٌ للتنفيذ بالقوة. وفضلًا عن ذلك فإن قوةَ الرأي العام ضد الدولة المخالفة للعرف يجبر الدولَ إجبارًا طوعيًّا وذاتيًّا أكثر من الإجبار الخارجي الماديّ، وخوفُ المجموعة البشرية من أن تُعيّر بسبب مخالفتها العرفَ العامّ أكثرُ تأثيرًا عليها من خوفها من التنفيذ المادي، والحافز المعنوي الدافع لتنفيذ العمل هو أشدّ فاعلية من الحافظ المادي، لذلك يُتركُ للرأي العام وللعامل المعنوي أن يتولى تنفيذ قرارات الجماعة، ويكون ذلك هو طريقة تنفيذها.
هذا من ناحية ما يسمى بالأسرة الدولية أو الجماعة الدولية، أما شقاء العالم من الدول الكبرى، فإنه ليس آتيًّا من كون الدولة دولةً كبرى، بل هو آتٍ من ناحية تكتل هذه الدولة، واجتماعها على اقتسام المصالح والمنافع، هذا التكتل هو أساس البلاء، لذلك فالعلاج يجب أن ينصب على التكتل ذاته للدولة الكبرى، لا على كون الدولة دولة كبرى، فإن فرنسا قد ثارت وأطاحت بالملكية وأعلنت الجمهورية، وبلجيكا ثارت وفصلت عن هولندا واستقلت وحدها، والشعب الألماني استطاع أن يقضيَ على الدويلات التي كان مقسمًا إليها، وأقام الوحدة الألمانية، وهذا كله ضد تكتل الدول الكبرى، لكن هذه الدول الكبرى ذاتها بعد أن تغير نظامها، ظلت متمسكةً بفكرة التكتل الدولي، وهذا التكتلُ هو الذي أدى إلى الحرب العالمية الأولى، وهو الذي أدى إلى الحرب العالمية الثانية، وهو الذي يشكل خطرًا على السلام، بل يشكل خطرًا على الدول الأخرى سواء أكانت صغرى أم كبرى، لذلك لا بد من معالجة التكتل الدولي، على وجهٍ يلغي فكرة التكتل بين الدول الكبرى إلغاءً تامًّا.
صحيح أن أميركا وروسيا باتفاقهما معًا قد أزالتا التكتلين العالميين أي المعسكرين الشيوعيّ والرأسماليّ، وأبعدتا خطر الحرب العالمية الثالثة، لكنهما فعلتا ذلك بتكتلٍ جديدٍ منهما، ولهذا لا يُعدّ أنهما عالجتا فكرة التكتل من الدول الكبرى، بل حولتا هذا التكتل لمصالحهما بتكتل جديد منهما، وأوجدتا خطرًا جديدًا، هو اقتسام العالم بين دولتين كبيرتين، مما يضرّ بالموقف الدولي، ويؤدي إلى صعوبة التخلص من خطرهما أو خطر أي منهما. لذلك فإنهما بدلًا من أن تعالجا التكتل الدولي، عقَّدتاه وكرَّستاه، وجعلتاه تكتلًا محكمًا، يصعب أو يعسر على الشعوب أو على الدول الصغرى نقضُه، أو ضربُ قوته. وعليه فلا بد من علاج سريع لفكرة التكتل من الدول الكبرى.
أما ما هو هذا العلاج، فالذي نراه هو أن العلاجَ لا يتأتى إلا بتغيير المفهوم من أساسه، لأن سلوكَ الإنسان في الحياة إنما يكون بحسب مفاهيمه عنها، فلا بدّ من تغيير هذا المفهوم عند الشعوب التي تتكونُ منها الدول الكبرى، التي تعتنقُ فكرةَ التكتل الدوليّ أولًا، ثم الانتقال لإزالة التكتلات الدولية من الوجود، وما لم يُغيّر هذا المفهوم، فإن شقاء العالم بالدول الكبرى سيظل موجودًا، بل ربما يتضاعف هذا الشقاء.
أما طريقةُ تغيير المفهوم فهي إيجاد رأي عام دولي ضد التكتلات، وهذا هو العلاج الناجع لذلك. والدليل على هذا أن فكرةَ استعمار الشعوب الضعيفة في القرن التاسع عشر كانت محلّ فخر واعتزاز عند جميع دول أوروبا، الصغرى منها والكبرى، وتسابقت على استعمار الشعوب والأمم بشكل جنوني، لا فرق بين إنكلترا وهولندا، ولا بين ألمانيا وبلجيكا، ولا بين فرنسا وإسبانيا، فجميعُ دول أوروبا خرجت لاستعمار الشعوب. ولما قامت الدولةُ الشيوعيةُ في روسيا بعد الحرب العالمية الأولى تبنت فكرةَ محاربة الاستعمار وهاجمته بضراوة وعنف، وحثّت شعوبَ العالم على مقاومة الاستعمار، وحرّضتها على المستعمرين، وما إن جاءت الحربُ العالمية الثانية، حتى وُجِدَ رأيٌ عامٌ كاسحٌ في العالم ضد الاستعمار، لذلك وُضعَ في ميثاق هيئة الأمم مواد تتعلق بإنهاء الاستعمار في العالم، وشاعت فكرة التحرير، فتراجعت الدول الاستعمارية عن الاستعمار، واضطُرّت تحت ضغط الرأي العام العالمي أن تعطي الشعوب المستعمَرة حريتها واستقلالها، وإن كانت بعضُ الدول قد اتخذت ذلك أسلوبًا لتغيير شكل الاستعمار. ومهما يكن من أمر فإن الرأيّ العامّ استطاع أن يُغيّر النظرةَ لفكرة الاستعمار، وكذلك الحال بالنسبة إلى الدول الكبرى، أو بتعبير أصح لفكرةِ تكتّلِ الدول الكبرى، لذلك ما على الشعوب التي عانت وتعاني من تكتل الدول الكبرى من الشقاء والبلاء إلاّ أن تبذلَ المحاولاتِ الجديّةَ لمقاومة فكرة تكتل الدول الكبرى مقاومة ضارية، حتى تصلَ إلى إلغائها من الوجود.
بقيت مسألةُ الاستعمار أو نهب خيرات الشعوب وإذلالها، وهذه الفكرةُ وإن سار العالم خطوةً لا بأس بها في مقاومتها، فإنها ولا شك لا تزال أخطرَ الأعمال التي تشقى بها الشعوب الضعيفة، وأكثرَ الأعمال خطرًا على الاستقرار المحلي، والاستقرار العالمي، وما أزمةُ الكونغو التي استمرت عدة سنوات، وأزمةُ الشرق الأوسط الحالية، إلا نموذجٌ من نماذج خطر الاستعمار على الاستقرار، لذلك كان من أشد الضرورات معالجةُ مشكلة الاستعمار.
إن الاستعمار جزء لا يتجزأ من المبدأ الرأسمالي، بل هو طريقةُ تنفيذ فكرته، لذلك لا سبيل لعلاجه جذريًّا إلا بمقاومة المبدأ الرأسمالي وإزالته من الوجود، لذلك لا بد من أن تُبذلَ الجهود في إزالة المبدأ الرأسمالي والقضاء عليه.
لقد سارت الشيوعية شوطًا في معالجة الاستعمار وفي مقاومة المبدأ الرأسمالي، لكنها سارت بفكرةٍ خاطئةٍ، وبمقاومةٍ عرجاء، فقد قاومت عقيدةَ فصل الدين عن الدولة بعقيدةِ التطور المادي، وعقيدةُ التطور المادي عقيدةٌ خاطئةٌ وتخالف فطرةَ الإنسان، لذلك لم تجد قبولًا في المجتمعات الرأسمالية فضلًا عن أن الأفراد الذين اعتنقوها لم تؤثر فيهم في سلوكهم في الحياة، لأن من يعتقد بالتطور الماديّ لا يضيره أن يطبق فصل الدين عن الدولة، لأن عقيدة فصل الدين عن الدولة يمكن أن يعتنقها المقرّ بوجود الله، والمنكرُ لوجود الله، لأنها لا تعني الإلحادَ ولا تعني الإيمانَ، بل تعني عدمَ تحكيم الدين في شؤون الدولة، وهذا لا يؤثر في سلوك من يعتقد عقيدة التطور المادي، ومن هنا نجد أن العقيدة الشيوعية لم تُوثرْ على المجتمعات الرأسمالية ولم تُحدثْ فيها أيّ تغيير.
أما مقاومة الشيوعية للرأسمالية، فقد بدأت بأفكار كارل ماركس ومن أتى بعده من فلاسفة الشيوعيين، فأوجدت من يعتنقها من الأفراد والجماعات، لكنها لم تستطع أن تجعل شعوبًا برمّتها تعتنقها بمجرد الدراسة والبحث، وفضلًا عن ذلك فإن طريقتها في تجسيدها بكيان، أي بدولة شيوعية، كانت طريقةً خاطئة، وطريقةً خيالية، فهي خاطئة من ناحية جعلها إيجادَ الدولةِ طريقة للوصول إلى إلغائها كليًّا، وهي خيالية لأنها تريد جعل الثورة عالميةً، تبدأ بالشعوب المتقدمة صناعيًّا ثم تعمّ العالم، لذلك اضطُرّ لينين لمخالفتها بحجة تفسيرها، فأوجد الدولة الشيوعية في روسيا، وكانت في ذلك الوقت متأخرة من ناحية صناعية من أوروبا، وأوجدها في روسيا وحدها، ثم بعد ثلث قرن جاء خلفاء لينين ليتحالفوا مع أكبر دولة استعمارية، نعني أميركا، أي: تحالفوا مع الاستعمار.
لذلك لا يصح أن يُركنَ على سير الشيوعية في معالجة الاستعمار، ولا على مقاومتها له، فلا بد من علاج آخر لمقاومة المبدأ الرأسمالي والقضاء على الاستعمار، فما هذا العلاج؟
والجواب عن ذلك: أن العلاجَ الوحيد للاستعمار هو طرحُ الفكرة الكليّة عن الكون والإنسان والحياة في ميدان النقاش العالمي، وإدخالُها إلى ميثاق الجماعة الدولية القائمة على تنفيذ العرف الدولي بالرضا والاختيار، فهذا النقاشُ العالميّ للفكرة الكلية عن الكون والإنسان والحياة، هو الذي يغيرُ المفاهيم، ويزيلُ المفاهيمَ المغلوطة، ويصحّح العرفَ الدولي. فالاستعمار وجهةُ نظرٍ معينة في الحياة، ولن يُقضَى عليه ما لم تُغيّرْ وجهة النظر هذه. صحيحٌ أن الرأيَ العامّ الدوليّ الذي وجد لدى العالم ضد الاستعمار قد أثر فيه، لكنه لم يقض عليه، ولم يضعف وجوده، وكل الذي حصل هو تغييرٌ في أسلوبه. والبلاد التي استعمرت في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، لا تزال مستعمراتٍ وإن كانت قد وضعت في أسلوب استقلالات. ولن تتحرر هذه المستعمرات إلا بالثورات، والحروب المحلية، والدولية. ولكن ما دامت الدول الكبرى الموجودةُ في العالم تعتنقُ الاستعمارَ كفكرة، وتسخّرُ قواها من أجله، فإنه لا سبيل لإِزالة الاستعمار من العالم، إلا بإزالة فكرته من نفوس معتنقيها بصفتها وجهة نظر لهم في الحياة.
صحيحٌ أنه يجب أن يقاوَمَ الاستعمار مقاومةً ماديّةً، وأن يستمر الرأي العام ضده، وأن تُضاعَفَ الجهودُ في سبيل ذلك، لكن هذا ليس العلاجَ الناجعَ، بل العلاج الناجعُ هو طرحُ الفكرة الكلية عن الكونِ والإنسانِ والحياةِ في ميدانِ النقاش العالمي، تتناولها جميعُ الشعوب والأمم، وتوضعُ دوليًّا محلّ بحث ونقاش بين الدول جميعها وخصوصًا في الجماعة الدولية.
هذه هي الأمورُ الثلاثةُ ـــــــ تكتل الدول الكبرى، وفكرة الأسرة الدولية، وفكرة الاستعمار ـــــــ التي شقيَ العالم بها، وحيل بسببها بينه وبين السير في طريق السعادة، وهذه هي الكيفيةُ التي يُعالَجُ بها من هذه البلايا الثلاث. إلا إن علاجَه منها لا يعني منعَ الحروب، ولا منعَ القلاقل والاضطرابات ولا يعني إنهاءَ الفخاخ الدولية، والمناورات السياسية، والمداورات الخبيثة، وإنما يعني إزالة كابوسٍ جماعيّ ثقيلٍ يصعبُ التخلص منه، وإلا فالنزاع بين الدول طبيعيّ، ولجوء الدول إلى الحروب طبيعيّ، وقيام المناورات والمداورات طبيعيّ، لكنها تكون أمورًا فردية، أو أمورًا محدودة، فلا يجر العالم كله إلى الحرب كما حصل في الحربين العالميتين الماضيتين، ولا ينحصر تفكير الدول بمص دماء الشعوب كما هي الحال الآن، بل يكون فيه ما هو في طبيعة البشر، من الهدى والضلال، ومن الخير والشر، ومن الحسن والقبيح، فيكون فيه من هذا وذاك، ولا يكون شرًّا كله كما هي الحال منذ أن وُجِدَتْ فكرةُ تكتل الدول الكبرى، وفكرةُ الأسرة الدولية، وفكرةُ الاستعمار حتى الآن. لذلك لا بد من وضع حد لهذا الشر الذي يطغى على العالم منذ عدة قرون، والذي تكتوي بناره الشعوب والأفراد على حد سواء...
«وقد يقال كيف يتأتى للأفراد أن يؤثروا في السياسة العالمية؟ بل كيف يتأتى للأحزاب أن تؤثر في اتجاه الدول، ولا سيما أن هذا الاتجاه قد أخذ دورَ العراقة واستمر عدة قرون»؟
والجوابُ عن ذلك: أن الأفراد أو الأحزاب حين يتابعون الأعمال السياسية، ويتفهمون السياسة الدولية لا يصح أن يتتبعوها من أجل المتعة العقلية والترف الفكري، ولا من أجل التعلم وزيادة المعلومات، بل يتتبعونها من أجل أن يرعوا شؤون العالم، ومن أجل أن يفكروا بالطريقة التي يؤثرون فيها على العالم، أي من أجل أن يكونوا سياسيين، وحاشا للسياسي «أن يقصدَ المتعة العقلية، ولو كان من أعظم العقلاء، وحاشاه أن يميل للترفِ الفكري ولو كان من أعمق المفكرين، فهو إذًا يتتبع السياسةِ ويفهم الموقف الدولي، والوضعَ الدولي، ويتابع السياسةَ الدوليّةَ، لأنه سياسيّ فقط، لا لأنه عاقلٌ أو مفكر. ومعنى كونه سياسيًّا أنه يعمل على أن يرعى شؤونَ العالم، أي على أن يؤثر في السياسة الدولية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه لا يعملُ وهو يتصوّر أنه فرد بل يعمل بصفته جزءًا من أمة، وبصفته في كيان، أي في دولة، وهو إن لم يكن ممن يقررون سياستها أو ينفذونها، فإنه ممن يطمحون إلى أن يكونوا ممن يقررون أو ينفذون، أو يحاسبون المقررين والمنفذين، وبذلك يؤثر دوليًّا حتى لو ظل فردًا ليس له صلاحياتُ التقرير أو التنفيذ، ومتى كان كذلك كان مؤثرًا، لأن الدولة التي هو في كيانها تؤثر في أمثاله، أو يسعى هو وأمثاله لأن يجعلها تؤثر في السياسة الدولية والموقف الدولي، ومن هنا يأتي ما يقصد من ثمرات المفاهيم السياسية، وهو جعلُ الدولة تؤثر في السياسة الدولية، وفي الموقف الدولي، عن طريق إيجاد الأفراد الواعين سياسيًّا، والمدركين للأعمال السياسية التي تحصل في العالم، ولا سيما من الدول الكبرى. ومن هنا كانت الخطوةُ الأولى للتأثير في السياسة الدولية، والموقف الدولي، هي بلورة المفاهيم السياسية، وكانت اللبنةُ الأولى حملَ الأفراد على تتبع الأعمال السياسية، وتفهم السياسة الدولية أي إيجاد سياسيين في السياسة العالمية، فيأتي طبيعيًّا تأثيرُ الدولة في السياسة الدولية والموقف الدولي، وبذلك يظهر مدى ضرورة المفاهيم السياسية، ومقدارُ قيمة هذه المفاهيم، إلا إنه يجب أن يُعْلَمَ أن الدولة لا تكون دولة لها الوجود الدولي، إلا بالعلاقات مع الدول الأخرى، فالفرد في المجتمع لا يكون له وجودٌ في مجتمعه إلا بالعلاقات مع الأفراد والآخرين، ومكانته في المجتمع وبين الناس تكون بحسب هذه العلاقات، وبحسب تأثيره في العلاقات بين الناس، وكذلك الدولة فإن وجودها إنما يكون بوجود علاقاتٍ لها مع الدول، ومكانتها ترتفع وتنخفض بحسب علاقاتها مع الدول وبحسب تأثيرها في العلاقات الدولية».
بعد أن استعرضنا القانونَ الدوليّ الذي انبثق عن تكتل الدول الكبرى وما أصاب العالمَ من حروب وحلّ به من مصائبَ وشرحنا فائدة العرف الدوليّ نعود لنرى أن الأعمال السياسيةَ التي تقعُ في العالمِ كثيرةٌ تتعلّقُ بقضايا دولية متعددة منها قضية أفريقيا. فهذه القضية لم تنشأ في المجالِ الدولي إلا بعدَ 1960م وقضيتُها هي قضيةُ الاستعمارِ ليس غير.
فإن أفريقيا بلادٌ متأخرةٌ فكريًّا، وفيها خيرات كبيرة من مواد خام وثروات زراعية وحيوانية بشكلٍ خيالي، ولما اندفعت الدول الاستعمارية في أواخر القرنِ الثامنِ عشر والتاسع عشر في الاستعمار كان من جملة الأماكن التي غزوها القارةُ الأفريقيةُ، وأخذتْ كلّ دولةٍ تستعمرُ منها ما تقدر عليه، ولم يحصل احتكاكٌ قوي بين الدولِ على استعمارها، لذلك استقرت فيها أكثرُ الدولِ الاستعمارية، وصارت القارةُ كلها مُسْتَعْمَرة لأوروبا. وقد ظلت الدولُ الأوروبية تسيطرُ على مستعمراتها في أفريقيا حتى نهاية الحرب العالميةِ الثانيةِ. وحين وضع ميثاقُ هيئةِ الأمم أُدرِجَتْ فيه مواد تتعلقُ بإنهاء الاستعمار، ولكن وُضِعَتْ هذه المواد على شكلٍ يجعل تصفية الاستعمار تدريجًا، وكذلك لم تصلِ الدولُ الكبرى إلى بحث تصفية الاستعمارِ في أفريقيا والعمل على ذلك إلا بعد عام 1960، وفي ذلك الحين وُجِدَ لأميركا فيها عملاء، ومن يومئذٍ انتقل الصراع إلى أفريقيا، وصارت أميركا تحاولُ إخراجَ الدولِ الاستعمارية والحلولَ محلها.
وهكذا انتقل الصراعُ الدولي على الاستعمار إلى أفريقيا فصارت قضيتها قضية دولية، لأنه وأن اتفقت كلّ من إنكلترا وأميركا وفرنسا على صيغةٍ لجمع أفريقيا تحت رابطةٍ واحدةٍ سَمَّتْها «المؤتمر الأفريقي» إلاَّ إن الصراع في هذا المؤتمر وخارجه لا يزالُ بين الدولِ، ولا سيما بين أميركا وإنكلترا، وأحيانًا بين فرنسا وإنكلترا بوساطة العملاء كما هو حاصلٌ اليوم في تشاد فهذه القضية تُعدّ قضية دولية.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB