السياسة والسياسة الدولية
الطبعة : الطبعة الاولى  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   198
تاريخ النشر :   1987




الموقفُ الدولي

تنفسم مراكز الدول في العالم أربعة أقسام:
1 ـــــــ الدولة الأولى في العالم.
2 ـــــــ الدولة المستقلة عن الدولة الأولى.
3 ـــــــ الدولة التي تدور في فلك الدولة الأولى.
4 ـــــــ الدولة التابعة: إما للدولة الأولى أو للدولة المستقلة.
أمّا الدولةُ التابعة: فهي الدولةُ التي تكونُ مقيّدةً بدولةٍ أخرى في سياستِها الخارجية، وفي بعض المسائل في السياسة الداخلية.
والدولةُ التي تدورُ في الفلك: هي الدولةُ التي تكونُ مرتبطة في سياستها الخارجية مع دولةٍ أخرى ارتباطَ مصلحةٍ لا ارتباطَ تبعية.
والدولةُ المستقلةُ: هي الدولةُ التي تتصرفُ في سياستها الخارجية والداخلية ما تشاءُ بحسب مصلحتِها مثل بريطانيا أو فرنسا في العسكر الغربي، والصين في المعسكر الشرقي. فالدولة المستقلّةُ حين يصبح حاكمها عميلًا لدولة أخرى أو يتولى الحكمُ فيها عميلٌ للدولة الأخرى أو لغيرها فإن الدولة تصبح تابعةً للدولة التي يُعدّ حاكمها عميلًا لها، وتعتري هذه الحالة جميعَ الدول التي كانت مستعمرةً إذ تخرجُ من يدٍ إلى يدٍ بفعل تغيّر الحكم. فمثلُ هذه الدول هي من ناحية دولية مستقلةٌ، ولكن من ناحية حقيقية هي تابعةُ. إلّا إن هذه حالاتٌ فرديةٌ ناجمة عن تحرير المستعمرات من الاستعمار ومحاولات الدول الاستعمارية الرجوعَ إلى مستعمراتها أو محاولة دول أخرى أن تحلّ محلّها في الاستعمار.
والدولة الأولى في العالم: هي الدولة التي تُعدّ في حالة السلم صاحبة الكلمة دوليًّا، وتستوي فيه بعد ذلك الدولة الثانية، أي المستقلة. وأخيرًا الدولة التي تدخل في فلك الدولة الأولى. مثلًا: لا تستطيع مجموعة من الدول الآسيوية، أو الدول الأوروبية، أن تؤثر في السياسة العالمية من ناحية دولية، كما تؤثّر أي دولةٍ بمفردها، إذا كانت في فلك الدولة الأولى كتركيا مثلًا، بما لها من واقع جغرافي وغيره من الوسائل التي مكنتها أن تؤثر في التوازن الدولي.
لذلك وجب على كلّ دولةٍ تملكُ إمكانيةَ التأثير في الموقف الدولي أن تسلكَ أحدَ طريقين: إما تهديد المصالح الحقيقية للدولة الأولى، وإما تأمين مصالح الدولة الأولى عن طريق المساومة لمصلحتها. والتهديدُ هو الطريقُ المنتجُ حتمًا، وهو الذي يليقُ بالدولة السليمة التي تنشدُ ضمانَ تأثيرها، وسماعَ صوتِها في الموقف الدولي.
وأما تأمينُ المصالح فإنه طريقٌ مظلم غيرُ مأمون العثار قد يوصلُ إلى الغاية وقد يؤدي إلى التهلكة، إذ هو مقامرةٌ بكيان أمّةٍ، ومغامرة حمقاء بمصير دوليةٍ، لأنّ تأمينَ مصلحة الدولة الكبيرة من قبل أي دولةٍ مهما كان مركزها، لا يمنعُ الدولةَ الكبيرةَ من المساومة على مصالح الدولة التي أمّنت لها مصالحَها مع أي دولةٍ أدنى منها مركزًا أو إمكانيات.
والسبيلُ الصحيحُ لتهديد المصالح والتأثير في الموقف الدوليّ، هو في أن تتوافر للدولة الإمكانيات التاليةُ:
أ ـــــــ السيطرة الكاملة داخليًّا.
ب ـــــــ إمكانيات الدفاع.
ج ـــــــ أن تكون سائرة في الطريق الارتقائي التصاعدي من حيث التصنيع وغيره.
د ـــــــ أن تكون صاحبة مبدأ ـــــــ وهذا هو الأهم ـــــــ تحمله دعوة عالمية وتبدأ بمن جاورها، حتى تحميَ نفسَها من حرب التدخل داخليًّا، ولا تقتصرُ على حماية حدودها، بل تتوسع بمبدئها ونفوذها، حتى تزاحمَ الدولة الأولى في الموقف الدولي.
ولكي تتمكن أي دولة من زحزحة الدولة الأولى عن مركزها الرئيسي، عليها أن تقومَ بتحويل الجوّ السياسيّ لجهتِها، وجر الدول الأخرى سياسيًّا لها ولفكرتِها، كما حصل لألمانيا قبلَ الحرب العالمية الثانية.. وعندما تتمكنُ أي دولةٍ من ذلك، يصبح الموقفُ الدوليّ متأرجحًا، حتى تتسنَّم إحدى الدول مركزَ الدولة الأولى، وفي الغالب لا يتأتى ذلك، إلا إذا وقعت حربٌ غَيّرَت الموقفَ، سواءٌ أكانتْ هذه الحربُ عالميةً أم محصورةً جزئيةً، أم إذا كان خطرُ وقوع الحرب على الدولة الأولى أمرًا راجحًا، وتحتاجُ في هذه الحرب إلى الدولة المزاحمة في معسكرها.
ومركزُ الدولة الأولى يتنقل بين الدول، فقد كانت بريطانيا تمثل مركزَ الدولة الأولى قبلَ الحرب العالمية الثانية، فزاحمتها ألمانيا، وصارت هي الدولةَ الأولى، حتى اشتركت أميركا في الحرب العالمية الثانية، ودخلتْ في المجال الدولي، فأصبحت هي الدولة الأولى، وظلتْ مسيطرة على الموقف الدولي، لا تنَفّذُ إلا الأحداثَ السياسيةَ التي تتفقُ مع مصالحِهِا، غير أن بريطانيا لما بدأتْ تستفيقُ، أخذت تحاولُ زحزحة أميركا، وتقومُ بأعمالٍ سياسية، حتى استطاعت في عام 1954 وما بعدها أن تؤثر بعض التأثير في موقف أميركا، كونها تحتلّ مركزَ الدولة الأولى، إذ جعلت أميركا تخفقُ في محاولاتها لمنع مؤتمر جنيف أن يعقدَ، وتولّتْ بريطانيا المركزَ الرئيسي للمعسكر الغربي في المؤتمر، واستطاعت أن تعرقلَ مساعيَ الجيش الأوروبي، حتى تحول النشاطُ الديبلوماسيّ من واشنطن إلى لندن، وتولى إيدن بدل دالاس هذه المهمةَ، فعقدت اتفاقاتُ باريس، وكانت بريطانيا صاحبةَ الموقف السياسيّ الأول فيها، ثم نشطت بريطانيا في جنوبي شرقي آسيا حتى وقفت إلى جانب أميركا سياسيًّا، وبذلت أيضًا في الشرق الأوسط جهدًا قويًّا استطاعت به أن تقف إلى جانب أميركا سياسيًّا، وسعت لأن يكونَ لها الموقفُ الأوّلُ فيه، وهكذا اشتدّ نشاطُ بريطانيا في السياسة العالمية، لزحزحة أميركا عن مركز الدولة الأولى في المعسكر الغربيّ، لكنها لم تفلِحْ.
وأما روسيا، فإنها حاولت أن تأخذَ زمامَ المبادرة من المعسكر الغربي، وعملت على زحزحة أميركا عن مركز الدولة الأولى، لتكون هي، صاحبةَ المبادرَة...
وقد نجحت في عدة أعمالٍ، فاستطاعت أن تنقلَ البحثَ في حَلّ المشاكل من هيئة الأمم، إلى بحثها في مؤتمراتٍ تُعْقَدُ خارجَ الهيئة. إلاّ إنّ هذا النجاحَ لم يصلْ إلى حدّ زحزحة أميركا عن مركز الدولة الأولى، بل كان انتصارًا جزئيًّا في بعض المسائل السياسية دوليًّا. وأما الأحداثُ الأخرى التي وقعتْ في الشرق الأقصى، فإنها وإن كانت قد سارت في غير الطريق الذي تريده أميركا، وانتصرت فيه روسيا، غير أنها أحداثٌ تقعُ في الدائرة الخاصّة للمعسكر الشرقيّ، وليست في الدائرةِ العامة للسياسة الدولية. وعليه لا تزالُ أميركا هي الدولةَ الأولى وأكثرَ الدول إمكانيّةً لكي تؤثّرَ في الموقف الدوليّ، والذي يقوي مركزها هو هيئةُ الأمم، والأحلافُ التي أنشأتها، وقد أصبحت هيئةُ الأمم، والأحلافُ الجماعية، من أهمّ العوامل لدى الدولة الأولى في المحافظةَ على مركزها.
ولقد أصبح معلومًا أنه بعد الحرب الثانية، حُصر الموقف الدوليّ في مجموعة الدول التي انتسبت إلى هيئة الأمم المتحدة وصارت هذه الهيئةُ تنظرُ في القضايا العامة للشعوب والدول، وتحصرُ الموقِفَ الدوليّ في أعمالِها، ومن الطبيعي أن تصبح هيئةُ الأمم وسيلةً تجعل ظلمَ الدولة الأولى مشروعًا، وتلبسه ثوبَ العدالة، وتقيها سخطَ الرأي العام العالميّ، وتحميها من زعزعة مركزها دوليًّا، وتحولُ بين الموقف الدولي والحوادث السياسية التي تغيّر مركزها من دون حرب، وتجعل الموقف الدولي إلى جانب القوّة، حقًّا كان ذلك أو باطلًا، ولم تكتف الدولةُ الأولى ومن شايعها بهيئة الأمم بذلك، بل عمدت، بعدَ الحرب العالمية الثانية إلى إقامة أحلافٍ إقليميةٍ هي جمعُ دولٍ متقاربةٍ جغرافيًّا في حلفٍ ضمنَ ميثاق هيئة الأمم، كحلف الأطلسي للدفاع عن أوروبا، وحلف مانيلا للدفاع عن الشرق الأقصى، وحلف تركيا الباكستان الذي عقد نواة لحلف الدفاع عن الشرقين الأوسط والأدنى؛ وحلف تركيا وإيران والعراق المعروف بحلف بغداد. والظاهر من هذه الأحلاف، أنها تجميعٌ احتياطيّ يهيأ ليحلّ محل هيئة الأمم في حالة الحرب؛ ذلك أن عصبةَ الأمم بعد أن انهارت، أصبح الموقفُ الدولي مائعًا، وتحوّلَ الأمر إلى ألمانيا، فجعلها الدولةَ الأولى، بعد أن كانت بريطانيا هي التي تتسنّمُ هذا المركز، فتلافيًا لما قد ينجم عن وقوع أزمةٍ سياسيةٍ، أو حربٍ عالمية تعصفُ بهيئة الأمم، كان لا بدُ من منظّمات صغيرةٍ تقبضُ على زمام الموقف الدوليّ في حالة الحرب، وتجعلُ العالم كلّهُ يقف إلى جانب الدولة الأولى إذا وقعت الحرب.
وقد فطنت الدولُ المزاحمةُ للدولة الأولى مثل الاتحاد السوفياتي وبريطانيا لأثر هيئة الأمم والأحلاف في تثبيت الدولة الأولى في مركزها، فأخذت كلّ واحدةٍ منهما على تناقضهِما تعملُ على حلّ المشاكل خارجَ هيئة الأمم، وباتت بريطانيا غير متحمّسة للأحلاف التي تحاولُ أميركا عقدَها، وتعملُ من جانبها وحدَها على دعم قوة الكومنولث وعقد المعاهدات الثنائيةِ مع دولِ العالمِ. وأخذ الاتخاذ السوفياتي يبذُل كلّ جهدهِ لمنع عقد الأحلاف في أي مكان، ومع أن ذلك أثّر في هيئة الأممِ وأضعف هيبتَهَا وأثّر في مركزِ الدولةِ الأولى، فخفف من غطرستِها، فإن هيئة الأممِ لا يزال لها المركزُ الدوليّ الأول، ولا تزالُ الأحلافُ تسندُ الدولةَ وتقوي مركزها، ولا يزالُ الموقفُ الدوليّ بوجه عام، يتمثل في التنافسِ على مركزِ الدولةِ الأولى، والتسابق على قيادة العالمِ وتوجيهه.
والدولة الأولى نفسها، هي التي يعوَّل عليها وبشكل خاص، لتطبيق ما يُسَمّى بالعرف الدولي، والقانون الدولي، ولأجل هذا لا بُدّ من إلقاء نظرة خاطفة على العُرفِ الدولي والقانون الدولي، لإدراك واقع الأعمال السياسية وكيفية القيام من ناحيةٍ دولية بها.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB