السياسة والسياسة الدولية
الطبعة : الطبعة الاولى  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   198
تاريخ النشر :   1987




فهم السياسة الدوليّة

السياسة لا تكون مسالمة فحسب، بل هي حرب في موطن الحرب وسلام في مواطن السلام. بل هي إدراك دقيق للموقف الدولي الذي لا يصلح فيه إلا الحرب، وللموقف الذي يتحتم فيه السلام.
ولو طالعنا تاريخ سيرة الرسول الحكيم (ص) لرأينا أنه كان أعلم الناس جميعًا باللحظة الحاسمة التي لا محيد فيها عن الحرب وباللحظة الحاسمة التي لا تصلح إلا بالسلام ولولا هذه النظرة الملهمة اللماحة والذكية لما انتشر الإِسلام هذا الانتشار الواسع، في فترة وجيزة يقصر الإِدراك عن تصديقها، هذه هي السياسة الحكيمة. والسياسة الحكيمة اليوم يجب أنْ تكون من قبل الدولة، ومن قبل الأمة، فالدولة عليها أن تباشر الرعاية عمليًّا، والأمة عليها أن تقوم بمحاسبة الدولة.
ورعاية الشؤون داخليًّا من قبل الدولة تكون بتنفيذ المبدأ في الداخل. وتكون خارجيًّا بتحديد العلاقات مع الدول والشعوب على أساس نشر المبدأ في الخارج. لذلك يقال عن الأولى: السياسة الداخلية، وعن الثانية: السياسة الخارجية.
وفهمُ السياسة الخارجية أمرٌ مهم لحفظ كيان الدولة والأمة، وأمرٌ أساسيّ للتمكن من حمل المبدأ الذي تعتنقه الأمةُ إلى العالم، وهو عملٌ لا بدّ منه لتنظيم علاقة الأمة بغيرها على وجهٍ صحيح.
ولما كانت الأمةُ الإسلاميةُ مكلّفةً بحمل الدعوة الإِسلامية إلى الناس كافّة، كان لزامًا على المسلمين أن يتصلوا بالعالم اتصالًا واعيًا لأحوالهِ، مدركًا لمشاكلهِ، عالمــــًا بدوافع دولهِ وشعوبه، متتبعًا الأعمالَ والخططَ والمناورات السياسية التي تقومُ بها هذه الدولةُ. لذلك كان لزامًا على المسلمين أن يدركوا حقيقة الموقف في العالم الإِسلاميّ في ضوء فهم الموقف الدوليّ العالميّ، ليتسنّى لهم أن يتبيّنوا أسلوبَ العمل لحمل دعوتهم إلى العالم.
ومن هنا أصبح من المحتم عليهم معرفةُ الموقف الدوليّ معرفةً تامةً، ومعرفةُ التفاصيل المتعلقة بالموقف الدولي، والإِحاطةُ بموقف الدول القائمة التي لها تأثير في الموقف الدوليّ العام.
غير أنّ الموقفَ الدوليّ لا يلْزم حالةً واحدةً، وإنما هو متغيرٌ ومتبدلٌ في العالم بحسب أوضاعهِ، وأحواله، وأحداثه، ومع ذلك، يمكن رسمُ صورةٍ واضحةٍ له، ويمكن إعطاء خطوطٍ عريضةٍ عنه، ويمكن رصدُ تفصيلاتٍ عن أحوالهِ. إلا إن ذلك كلّهُ، يظهر حالته وقت وصفه، فيصدق الوصف على واقعٍ موجود. وحين يتغيّرُ الموقفُ الدوليّ لا يكونُ الوصفُ الذي أُعطي غيرَ صحيح، بل يكونُ وصفًا لشيءٍ وُجِدَ ثم ذهبَ، فيصبحُ في عداد التاريخ ويصير في المتحتم إعطاءُ الوصف الذي سأسوقُهُ للموقف الدولي في رسم صورته، أو إعطاء خطوطٍ عريضةٍ عنه، أو التعرض لتفصيلاتٍ عن أحواله، إنما هو وصفٌ لواقعٍ شُوهدَ من قبلُ، أو هو مُشاهدٌ الآن، أو متوقّعٌ حدوثُهُ... ومع ذلك، لا يُعدّ هذا الوصف أمرًا ثابتًا، ولهذا يجبُ على السياسيّ أن تكونَ لَدَيْه معلوماتٌ عن الموقف الدوليّ، وعن السياسة الدوليّة، يربُطها بما يراهُ حتى تتضحَ له الأمورُ ويُصْدرَ حكمَهُ عليها.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB