السياسة والسياسة الدولية
الطبعة : الطبعة الاولى  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   198
تاريخ النشر :   1987




عالم السيَاسَة اليوم

ما تقدم كان عرضًا مختصرًا لأُسس وأساليب فهم التجربة السياسية كقواعد عامة ومعلومات كلية لا بد من الاطلاع عليها لكي تتكون لدينا التجربة السياسية ونصبح قادرين على فهم التحرك الأمبريالي الصهيوني في عالمنا الإِسلامي، ودول العالم الثالث التي تُعدّ قاعدة وساحة عمل للمستعمرين من غربيين أو شرقيين... ونحن عندما نخاطب شعوب وحكام دول العالم الثالث نسأل كيف يستطيعون أن يحرروا بلادهم إذا لم يتفقوا على أيديولوجية معينة، وما إذا كان في استطاعتهم الاتكال على الديموقراطية الرأسمالية، وهي التي تشجع أبناءها على استعمارهم والتحكم بمصائرهم، أم على الاشتراكية الشيوعية التي تُحَجِّرُ على أبنائها، وتسعى للتحكم في المستضعفين من البشر بعد أن تفسد أذواقهم وتشككهم في معتقداتهم؟! فإذًا لا يبقى للعالم الثالث إلا الإِسلام، فهو وحده الذي يأخذ بيد المستضعفين فيوفق في ما بينهم ومن ثم ينهض بهم ويرفع من شأنهم، كما أنه لم يبق للديمقراطيين الرأسماليين والاشتراكيين الشيوعيين إلا الإِسلام لكي يتخلصوا من الجشع والاستكبار والكفر والإِلحاد. وبعد هذا علينا أن نتطرق إلى أُسس وأصول إدارة الصراع السياسي، أو إدارة الأزمات السياسية طبقًا لما يعمل به الشرق أو الغرب لاستمرار نهب بلادنا، وتكريس واقعها المجزأ المتخلف وديمومة هجرة العقيدة... عقيدة هذه الأمة وسر مجدها الغابر... وكمقدمة لذلك لا بد من وصف لحالة عالم السياسة اليوم. فإن الوضع السياسي الدولي إن دل على شيء فإنما يدل على حجم السقوط الذي تعانيه الحضارة المادية، والانفصال الكامل بين هذه الحضارة المادية والحضارة الإنسانية الصحيحة.... فدنيا السياسة اليوم سوق تجارية كبرى تدور فيها المساومات ليل نهار... لا يعترف فيها مطلقًا بالعدالة... فالعملة الوحيدة السائدة فيها هو الأمر الواقع... الأمر الواقع في السوق الدولية الكبرى أساس الجغرافيا أو القلم والريشة التي ترسم بها الخرائط... والأمر الواقع شأنه بذلك شأن العملة النقدية في هذه السوق التجارية الكبرى إذ إنها هي التي تحسم البيع والشراء والمكسب والخسارة، وبذلك يكون الاتفاق السياسي ترجمة صادقة لقوى الموقعين على الاتفاق... والصراع الدولي في إحدى مراحله يتم بالضرورة بطريقة تشبه الصورة التي حددناها، وذلك لأن المعركة هي إحدى مراحل الصراع، وصياغة النتيجة الإِجمالية للمعارك في اتفاقيات وقرارات مرحلة أخرى لها قواعدها وضوابطها التي تتفق بشكل أو بآخر مع ما سبق ذكره عن هذه السوق التجارية الكبرى... هذا ومن أهم الضوابط والقوانين التي تتحكم وتنظم التحركات التي تجري على المستوى المحلي أو العالمي هو قانون الترابط، فيقال ضمن هذا السياق: إن الغالبية العظمى من مناطق العالم مرتبطة بعضها ببعض إذ إنها تصل في النهاية إلى كل من أميركا أو روسيا أو أوروبا بطريقة أو بأخرى... وتبعًا لذلك فإن طريقة معالجة أي مشكلة تتوقف على تأثير النتيجة النهائية في التوازن بين الدولتين العظميين ومنافستهما. ومعنى ذلك أنه ليس ضروريًّا التوصل إلى حل القضية نفسها فهذا يأتي في المرحلة التالية بالنسبة إلى هاتين الدولتين، فما يهمهما بالدرجة الأولى هو قضية التوازن بالإبقاء على الحالة القائمة إن لم تستطع أي منهما تطويرها لما هو أفضل بالنسبة إليها. إذ يتوقف حل أي مشكلة محلية إلى حد كبير على مقدار ضعف أو قوة أي من الدولتين العظميين في مناطق الاحتكاك الأخرى... وبناءً على ذلك فالمهم جدًّا لمن يريد فهم التحركات السياسية فهمًا صائبًا دقيقًا يمنحه القدرة على إحباط المؤامرات أو الرد عليها هو: وضع تعريف دقيق ومحدد للمشكلة أو الأزمة التي يريد المستعمر التعامل معها. مثلًا ما التعريف الدقيق المحدد للحرب اللبنانية ولاحتلال فلسطين؟ أو لأزمة منطقة الشرق الأوسط برمّتها كما يحاول المستعمر أن يطلق عليها؟
من الخطأ الفادح والخطر الكبير الركون إلى القياس والتعميم في تعريف أي مشكلة أو أزمة. فالقياس والتعميم لا يجوزان، ولا مجال أبدًا لترك أي إبهام أو غموض في التعريف، إذ إن ذلك لا يعني إلا الابتعاد عن الفهم الواقعي لأبعاد الأزمة. كما أنه لا مجال للتصور الكلي أو الانطباعات العامة. فالاِنطباعات العامة شيء والتعريف والتحديد بمنتهى الدقة شيء آخر. وكثيرًا ما يعطي التعريف والتحديد بمنتهى الدقة نتائج تختلف اختلافًا كبيرًا عمّا توحي الانطباعات العامة التي تدور في رأس أي واحد منا... إنّ التعريف للمشكلة أو الأزمة السياسية يستلزم أن يكون عملًا علميًّا وفكريًّا يتناول أصول وجذور المشكلة، أو الأزمة التي يقف السياسي في مواجهتها، إذ عليه أن يرصد حركة الأزمة الراهنة وأن يمد بصره إلى اتجاهاتها المستقبلية مع عدم إغفال مستمر لتفاصيل الوقائع والمزاج النفسي لأطراف الأزمة المؤثرين فيها.
* يجب حساب ـــــــ بمعادلات لا تقبل الخطأ ـــــــ عدد جميع الأطراف المشتركة في الصراع أو الأزمة أو المشكلة السياسية مباشرة أو غير مباشرة، تلك الأطراف المشتركة أو المهتمة عمليًّا بالصراع. كما يجب الكشف عن دواعي اهتمام هؤلاء الأطراف جميعًا بهذه القضية السياسية وما هي على وجه التحديد مطالبهم، وكم هي قدراتهم الواقعية على التدخل في هذه الأزمة أو ذاك الصراع.
* استقراء الجو العالمي المحيط بأي صراع أو أزمة وذلك لقوة تأثير الجو العالمي المحيط بأي أزمة سياسية في نتيجة تلك الأزمة السياسية. بل إن هذا الجو مضافًا إلى ما سبق من النقاط في السطور السابقة يجعل نتيجة الصراع محققة حتى قبل أن تنتهي المعارك العسكرية في حالِ وجود وجه عسكري لتلك الأزمة... فمما لا شك فيه أن نتائج الصراعات السياسية المختلفة في عالم السياسة اليوم تعتمد على القوة والتوازن. ولكن مما لا يمتد إليه الشك أيضًا، هو احتياج ذلك إلى المبررات.
* ومما لا بد من كشفه بدقة: الهدف أو الأهداف التي تطمح إلى تحقيقها الدولة أو الدول المشتركة أو التي سوف تشترك في إدارة أزمة ما كأزمة الشرق الأوسط بعامة أو أزمة لبنان بخاصة.... وما الوسائل التي يمكن أن يستخدمها كل مشترك في الأزمة.... وما مقدار كفاءة هذه الوسائل وقدرتها، لأن ذلك كله يتحكم في نتائج الصراع المستقبلية من جهة، وما يستدل به على مدى التزام هذه الجهة أو تلك بهذه الوسائل من جهة أخرى... ومن ثم معرفة مدى قدرة وكفاءة المكلفين بتنفيذ الخطة فإن مقدرة المكلفين بالتنفيذ تؤدي دورًا أساسيًّا ومهمًّا في كتابة النتائج.... وهكذا كانت الأهداف الأميركية طبقًا للتنظير الكيسنجري في الشرق الأوسط في بداية السبعينيات أو قبل ذلك ترمي إلى تحقيق حل يعزز النظم المعتدلة ويضعف الوجود السوفياتي في المنطقة.
يقول كيسنجر: لا بد من إبعاد السوفيات من منطقة حساسة قلقة لم تعرف الاستقرار منذ زمن طويل. فاستمرار الوجود السوفياتي فيه تهديد مستمر باحتمال حدوث مواجهة بين الدولتين العظميين. على الولايات المتحدة أن تقوم فورًا بملء الفراغ بعد ذلك حتى تصبحَ الحْكَمَ الأوحد بين أطراف النزاع (الكيان الصهيوني وحكام بعض الدول العربية) وهنا يصبح اعتماد كل من هذه الدول العربية بحكامها، وكذلك حكام اليهود على واشنطن وحدها سواء بطلب المساعدة المادية أو التأييد السياسي... في أيّ حال ما سبق كان مقدمة لفهم إدارة الصراع. أما قواعد إدارة االصراع في عالم السياسة اليوم فيتلخَّص في النقاط الآتية:
1 ـــــــ الصراعات والأزمات مستمرة، فهي تجري كل يوم وباستمرار في العالم. والأزمات الساخنة هي التي تتسم بالخطورة لكونها تجري في المناطق الحساسة بصورة خاصة للدولتين العملاقتين ومن يشاركهما في هذا الموقع... وهذه المناطق تسمى بالمناطق الرمادية... ودرجة حرارة الأزمة تقاس بمدى تأثيرها في احتمال التصادم بين هاتين الدولتين... ولما كان التصادم، يعني انتهاء الدولتين العملاقتين كانت القناعة لدى كل منهما بأبعاد فكرة التصادم، حتى غدت فكرة التصادم بينهما قريبة من المستحيل في ظل القوة النووية. فإدارة الصراع إذًا من قبل أيّ دولة تحتاج إلى مهارة تامة وحسابات دقيقة الغرض... ومن الأوْلى أن تعرف الأمة الإِسلامية ذلك لتتمكن من إدارة الصراعات الموجهة ضدها...
2 ـــــــ وعلى الرغم مما سبق فإن الحروب المحلية تظل جائزة ضمن الوفاق الدولي القائم. وهي غالبًا ما تكون في أكثرها حروبًا لأن كلًا من الدولتين تقف إلى جانب مصالحها التي تتمثل بمساندة طرف من الأطراف المتصارعة. وتضع الدولة الموجهة في قمة اهتماماتها تقدير الحسابات وإعادة تقديرها من حيث إنه لا يمكن تجاهلها ولا يمكن جرح كبريائها، ولا الاعتداء على مصالحها من الطرف الآخر، بل وعند حساب الكسب والخسارة ذاته في كل عملية من العمليات لا يمكن أن يكون هناك طرف غالب وطرف مغلوب ولكن دائمًا تكون النتيجة مكسبًا ناقصًا أو خسارة محدودة.
3 ـــــــ عادة في مثل هذه الصراعات تتجنب الدولتان العملاقتان، والدول التي دونهما، مستوى قوة الاشتراك المباشر بالقوات، وتكون المساندة عن طريق طرف ثالث. وهذا تطور جديد في إدارة الصراع لأن تورطهما يمكن أن يحصل مباشرة كما حدث في انقلاب 14 تموز 1958 في العراق الذي جاء بعبد الكريم قاسم إلى الحكم إذ قامت الولايات المتحدة الأميركية بإنزال قواتها في لبنان وبريطانيا في الأردن... كذلك تورطت الولايات المتحدة في كوريا بقواتها وقوات حلفائها كما تورطت مرة أخرى في فيتنام وقاتلت في كمبوديا حين كانت تضرب قواعد الفييتناميين الشماليين هناك. ولكن بعد ذلك تغيرت قواعد اللعبة بحيث أصبحت الدولة الكبرى لاعب كرة أما غيرها فهو الكرة.. وليس معنى ذلك أن احتمال تدخل قوات هذه الدولة مباشرة قد استبعد تمامًا فلقد شهدنا أخيرًا تدخل قوات أميركية وأخرى فرنسية في لبنان بوساطة ما سمِّي بالقوات المتعددة الجنسيات.. وما ذلك إلاَّ لأن مثل هذا الاستبعاد تمامًا، قد يعني انهيار نظرية الردع ذات الجناحين من أساسها. حيث إن لنظرية الردع جناحين لا بد من وجودهما معًا، كيما تستطيع هذه النظرية التحليق عاليًا في سماء عالم السياسة القائم. وهذان الجناحان أحدهما مادي يكون في وجود القوات الرادعة مستعدًّا لتلقي الضربة الأولى إذا ما وجهت إليه بأقل ما يمكن من الخسائر، والجناح الآخر للنظرية هو نفسي يكون في العزيمة والإصرار على استخدام هذه القوات للوصول إلى تحقيق الهدف.
4 ـــــــ إدارة الصراع في ساحة السياسة الدولية تعتمد على (الفعل)، علمًا إن (رد الفعل) هو الذي يرسم ملامح الفعل ويحدده وليس العكس، أي إن القدرة على توجيه الضربة الثانية هي التي تتحكم في الرغبة والتوجه لتوجيه الضربة الأولى، فالقدرة متغلبة هنا على الرغبة أي إن صمّام الأمان في الصراع الدولي على مستوى الدولتين العملاقتين محكومٌ بمدى قدرة الدولتين.. فتوجيه الضربة الأولى ممكن وفي كل وقت... ولكن ماذا بعد ذلك؟
هذا هو السؤال بل هذا هو الضمان. والموازنة بين الفعل ورد الفعل في حاجة إلى تكملة الحوار مع الآخر أو الآخرين (فقد يشترك طرف أو عدة أطراف)... ويجب أن يستمر الحوار حتى النهاية ليرى كل طرف إمكانيات الطرف الآخر إزاء كل فعل يوجه إليه. أما إذا وجه الفعل على أساس حسابات وتقديرات الحوار مع الذات أو مع النفس الذي يتم من طرف واحد فإن الحسابات تكون خاطئة... والفعل أو الإقدام يجب أن يبلغ إلى الطرف الآخر عن طريقِ وسائل الاتصال التبادلية، ويجب أن تكون الرسائل واضحة لا لبس فيها وصادقة لا تعتمد على التهويش، فإن قابلية تصديق الطرف الآخر للرسائل الموجهة إليه شرط أساسي لاستمرار اللعبة في اتجاهها المطلوب. ويمكن أن ترسل الرسائل عن طريق المؤتمرات الصحفية أو الوسائل الدبلوماسية، أو إجراء التحضيرات والاستعدادات كافة بصورة علنية، حتى يراها الطرف الآخر كيما يتسنى معرفة وتقدير رد الفعل الذي يبنى على أساسه الفعل كما سبق.
5 ـــــــ لم تعد السياسة في خدمة الاستراتيجية كما لم تعد الاستراتيجية في خدمة السياسة كما كانت الحال في عالم السياسة في الأمس. لقد أصبح الأمران ممتزجين تمامًا يسيران جنبًا إلى جنب في تداخل كامل. فالوسيلة السياسية وحدها لم تعد صالحة للتوصل إلى نتائج حاسمة في إدارة الصراع كما أن الوسيلة العسكرية وحدها لا يمكن أن تحسم الصراع أو تصل به إلى نتائج نهائية...
6 ـــــــ إن كل من يشترك في الصراع اليوم يشترك فيه ويديره من دون أن يتورط فيه، مع الأمل في تحقيق شيء من وراء الصراع. وهذا يستدعي فهم قواعد وحسابات الصراع التي اختلفت عما كانت عليه في بداية هذا القرن أو منتصفه. فالأهداف تغيرت والوسائل تبدلت.
7 ـــــــ الصراع فوق مسرح العمليات يترجم عادة على مائدة المفاوضات لأن القتال لا يستمر إلى ما لا نهاية كما أن الكلام على مائدة المفاوضات لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية. فما يجري فوق مسرح العمليات أو على مائدة المفاوضات نوع مختلف من الحوار. والحوار مزيج من القتال والتفاوض. وهي مراحل متداخلة وليست متتالية لا يفصل بعضها عن بعض فاصل. فقد يكون الحوار في مسرح العمليات والحوار على مائدة المفاوضات مستمرين في آن. وقد يتوقف الحوار في إحدى المراحل ليبدأ في الأخرى. ولكن يلاحظ من مراقبة ما يدور من صراعات حولنا أن من صلب أهداف مديري الصراعات تلازم مزج القتال بالكلام (الحوار أو المفاوضات) ويخطئ من يظن أن المرحلتين منفصلتان إذ إن مرحلة التفاوض هي صياغة رسمية لما تم على مسرح العمليات العسكرية، أو هي صياغة رسمية لما يمكن أن يتم بعد استخدام القوة، أو هي صياغة رسمية لما حققته قدرة الأطراف المتصارعة، مما استخدم فعلًا من هذه القدرة، ومما يمكن استخدامه إذا لزم الأمر.
مما سبق يلاحظ بوضوح أن علم إدارة الأزمات تطور بالدرجة الأولى لمواجهة الأزمات التي تؤثر في مصالح الدول الداخلة في موازين القوة النووية لكي تبقى لها سيادتها الاستعمارية.. وإن عملية إدارة الأزمات بين القوى النووية ليست مباراة جانبية بين الأطراف وإنما هي صراع عنيف يستند إلى الوعي بوجود مصلحة مشتركة في تجنب الدمار الشامل إلى جانب وجود مصالح أخرى متعارضة ومختلفة نابعة من اختلاف النظم والعقائد والمطامع. وذلك يجعل على رأس أولويات إدارة الأزمات البحث عن بدائل. ولذا يقال عن إدارة الأزمات بأنها أعلى درجات الدبلوماسية، ويقال عن الذي يدخل الميدان السياسي لحل الأزمة بأنه الدبلوماسي الأعظم ـــــــ على حد قولهم ـــــــ ... هذا الدبلوماسي الذي يجب أن يتأكد قبل نزوله ميدانَ الأزمةِ بين طرفين من أن لديه أكبر قدرة من المعلومات عن الطرفين بما في ذلك أوضاعهما الداخلية ومطالبهما الخارجية ونواياهما البعيدة المدى ورغباتهما القريبة المدى، وأن يكون وراءه جهاز لجمع أدق المعلومات يزوده بها، بحيث يكون في استطاعته أن يسبق كل طرف منهما في الإِحاطة بشؤونه... وأن تكون أمامه دراسة لشخصية المتفاوضين الذين سيلقاهم والضغوط التي يتعرضون لها وعلاقاتهم مع مراكز القوى المختلفة في بلادهم... كل ذلك لكي يختار أسلوبه في إدارة الأزمة.
ومن خلال هذه المعطيات جميعًا تتبين للدبلوماسي المسلم دقة وخطورة التحرك الاستعماري ـــــــ الصهيوني المدروس والخفي الذي يستهدف وجود الأمة الإِسلامية من جهة، ويعكس قوة العدو الذي يواجهنا من جهة أخرى. فقد ورد عن الإِمام علي سلام الله عليه قوله: «شر الأعداء أبعدهم غورًا وأخفاهم مكيدة».
فلا بد إذًا من أن نعي بعمق فكرة وطريقة الاستعمار التي عبرهما تمر كل يوم الخطط والمؤامرات بأساليب ووسائل متنوعة تستهدف كلها باستمرار واقع أمتنا الإسلامية المتخلف لتكرس التجزئة بين صفوفنا، فعلينا أن نعي هذه الخطط والمؤامرات وعيًا تامًّا كما وعاها أسلافنا من قبل وفي مقدمتهم الإِمام علي عليه السلام فقد ورد عنه أنه قال عن هؤلاء المستكبرين الماكرين إنهم «قد أعدوا لكل حق باطلًا، ولكل قائم مائلًا، ولكل حيٍّ قاتلًا، ولكل بابٍ مفتاحًا ولكل ليلٍ صباحًا».



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB