السياسة والسياسة الدولية
الطبعة : الطبعة الاولى  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   198
تاريخ النشر :   1987




التجربة السياسيّة

السياسة أفكار تتعلق برعاية الشؤون، سواء كانت قواعد أو عقائد وأحكامًا، أو كانت أفعالًا جرت وتجري على مسرح الحياة، أو كانت أخبارًا تروى عن هذه الأفعال. فإذا كانت هذه الرعاية تعالج أمرًا واقعًا قائمًا حاليًّا أو سيقوم في المستقبل، كانت «سياسة». وإن كانت هذه الرعاية تهتم بأمر مرّ وفات منذ فترة وجيزة أو بعيدة كانت تاريخًا لا سياسة. لذلك فإن التاريخ كان سياسة فأصبح تاريخًا لا سياسة. لذلك فإن التاريخ كان سياسة فأصبخ تاريخًا. سواء أكان حقائق لا تتغير بتغير الأوضاع، وهو ما يجب أن يحرص السياسيّ على معرفته، أم كان حوادث في أوضاع معينة وذهبت بذهابها، وهو ما يجب أن يؤخذ بمعزل عن أوضاعه.. وأن يكون قارئ التاريخ في حالة وعي عند قراءته حتى لا يأخذ حوادثه مجردة من أوضاعها، فيقع في الخطأ، ويقع الضرر من أخذه ذاك.
والتجربة السياسية تتكون لدى السياسي إذا توافرت له أربعة أمور:
أولها: المعلومات السياسية.
وثانيها: المداومة على تقصي الأخبار السياسية الجارية.
وثالثها: حسن الفهم للأخبار السياسية.
ورابعها: الابتعاد عن القياس وهوى النفس في محاولة فهم الأحداث والوقائع السياسية.
أما المعلومات السياسية، فهي المعلومات التاريخية، المبنية على حقائق التاريخ التي تتناول الأشخاص والحوادث، والتصرفات المتعلقة بهم من حيث الوجه السياسي. وهي كذلك المعلومات عن العلاقات السياسية، سواء بين الأفراد، أو الدول، أو الأفكار التي تحكم تلك الأفراد أو الدول. فهذه المعلومات هي التي تكشف معنى الفكر السياسي، سواء أكان خبرًا، أو عملًا أو قاعدة، أو عقيدة أو حكمًا. ومن دون هذه المعلومات لا يستطيع المرء فهم الفكر السياسي، مهما أوتي من ذكاء وعبقرية، لأن المسألة مسألة فهم، لا مسألة عقل. يقول الإِمام علي (ع): «إني وإن لم أكن عمرت عمر من كان قبلي فقد نظرت في أعمالهم، وفكرت في أخبارهم، وسرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم، بل كأني بما انتهى إليَّ من أمورهم قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم، فعرفت صفو ذلك من كدره ونفعه من ضرره».
وأما معرفة الأخبار الجارية ولا سيما الأخبار السياسية، فلأنها معلومات، ولأنها أخبار عن حوادث جارية، ولأنها هي محل الفهم، ومحل البحث، لذلك لا بد من معرفتها. ولما كانت حوادث الحياة تتغير قطعًا، وتتجدّد، وتختلف، وتتناقض، فلا بدّ من دوام تتبعها، حتى يظل السياسيّ على علم بها. أي حتى يظل واقفًا في المحطة التي سيمر منها القطار فعلًا، لا في محطة لن يمر منها القطار الآن، أو كان مرّ منها قبل وقت ثم تغيرت، فصار يمر في محطة أخرى. لذلك لا بد للسياسي من تتبع الأخبار بشكل متلاحق بحيث لا يفوته أي خبر سواء أكان مهمًّا أو تافهًا. وأن يكون كمن يتحمل عناء البحث في كومة تبن، من أجل حبة قمح، أو في عدد كبير من المحار من أجل حبة لؤلؤ وقد لا يجدها. لأنه لا يعرف متى يأتي الخبر المهم، ومتى لا يأتي. من أجل ذلك لا بد من أن يظل على تتبع دائم للأخبار كلها، سواء التي تهمه أو التي لا تهمه. لأنها حلقات مرتبطة بعضها ببعض، فإذا ضاعت حلقة انقطعت السلسلة، وصعب عليه معرفة الأمر، بل قد يفهم الأمر حينئذٍ خطأ، ويربط الواقع بخبر أو بفكر انتهى وذهب، ولم يعد قائمًا. لهذا لا بد من ملاحقة الأخبار بشكل متتابع حتى يتسنى فهم السياسة فهمًا صحيحًا.
والفرد من حيث هو إنسان يعيش على وجه هذه الأرض، هو «سياسي» بالمعنى الضيق للكلمة. لأنه يرعى شؤون نفسه، أو شؤون من هو مسؤول عنهم، أو شؤون أمته أو شؤون مبدئه أو وطنه. ويكون نشاطه الضيّق هذا محصورًا في نطاق مصالحه الذاتية ولا يخرج عنها. أما الأفراد والكتل، أو الدول أو التكتلات الدولية، الذين يتصدون لرعاية شؤون أمتهم أو دولهم، فإنهم يعدون «سياسيين» طبعًا من حيث كونهم من بني الإنسان، وطبيعيًّا من حيث طبيعة عملهم ومسؤولياتهم. وهم الذين يطلق عليهم لفظ «السياسي»، الذي لا يصح أن يطلق على الفرد العادي، لأنه محدود التفكير في نواحي رعاية الشؤون ومحدود نطاق العمل في الحياة. والبحث في السياسة إنما يعني هؤلاء السياسيين، ولا يعني أولئك الأفراد.
ولقد عرَّف العلماء السياسة بأنها فنّ الممكنات، أو فن الممكن. وهذا التعريف صحيح. إلا إنه من ناحية ما تواضع عليه الناس من حصرها في الأشياء الآنية، فهو خطأ، لأنه يعني الواقعية بمعناها الخاطئ، أي بحث الواقع والسير بحسبما يمليه هذا الواقع.
ولو سلمنا بهذا المكان لما كان تاريخ، ولما وجدت حياة سياسية متطورة، لأن التاريخ هو الواقع الذي تغير، والحياة السياسية هي تحويل الوقائع الجارية إلى وقائع أخرى. لذلك كان تعريف السياسة بأنها فن الممكن يجعل الناس، ومنهم بعض السياسيين، يخطئون في فهمه. ولكن من حيث إن كلمة «ممكن» تعني ما يقابل المستحيل والواجب، فإن هذا التعريف صحيح. لأن السياسة ليست فنّ المستحيل. بل هي فنّ الممكن فحسب. فالأفكار التي لا تتعلق بالممكنات، أو على الأصح التي لا تتعلق بالوقائع الممكنة، فإنها ليست سياسية، بل هي مجرد خيالات حالمة أو تخيلات. ولكي تكون الأفكار أفكارًا سياسية، فلا بد من أن تتعلق بالممكن. وعلى هذا كانت السياسة بهذا المفهوم فن الممكن لا فن المستحيل.
والسياسي، بالمعنى الذي قدمناه، هو في حاجة إلى أن تكون لديه تجربة سياسية، فإذا عانى السياسة وباشرها، فهو السياسي الذي يستحق هذا اللقب أو هذا الاسم. وإن لم يباشرها، فهو السياسي النظري.
وأما اختيار الأخبار، فإنما يحصل بأخذها، لا بمجرد سماعها. وعلى السياسيّ ألّا يأخذ إلا الخبر المهم، فهو إذا سمع أن رئيس وزراء فرنسا سافر إلى لندن، فإنه يسمع هذا الخبر ويأخذه، لكنه إذا سمع أن مستشار ألمانيا سافر إلى برلين، أو اجتمع بالأمين العام لهيئة الأمم، فإنه يسمعه ولا حاجة به إلى أخذه. إذ يجب أن يميز السياسي بين ما يأخذه وما لا يأخذه، وإن كان يسمع الأخبار كلها. لأن الأخذ إنما يكون للأخبار المهمة التي تكون من أخذها فائدة، ولا يكون الأخذ لغيرها وإن كانت قد تشكل معلومات. وها هو التتبع، أي التتبع للأخذ لا لمجرد السماع.
إن كثيرًا من الناس عندما يحاولون تفسير الأحداث السياسية يجعلون لعواطفهم نصيبًا كبيرًا في تفسير هذه الأحداث، لأنهم لم يستطيعوا أن يبعدوا هوى أنفسهم في أثناء التفسير، كما أن كثيرًا من الناس يحفظون كثيرًا من الوقائع التي حدثت في الماضي وأصبحت في ذمة التاريخ، فكلما جدَّت وقائع يسارعون فيقيسونها على الوقائع التي حدثت ويجزمون بصحة تفسيرهم للوقائع المستجدة، مستشهدين بالقول الذي يتردد على ألسنة الناس: «التاريخ يعيد نفسه» من دون أن يربطوا الأعمال السياسية بأصولها أي من دون أن يكون لديهم المعلومات الكافية عن البلد الذي وقعت منه أو عليه الأحداث السياسية... فمثلًا بريطانيا أي دور لها في العالم اليوم؟ من الحزب الأكثر تأثيرًا في مجريات الأحداث في بريطانيا، هل هو حزب العمال أم حزب المحافظين؟ ما مراكز النفوذ لها في العالم؟ هل ما زالت السياسة البريطانية مؤثرة في العلاقات الدولية؟ من العملاء الذين يتعاملون معها؟
عندما نعرف بعضًا من هذا أو أكثر فإننا نستطيع بعدها أن نضع الأعمال السياسية التي تصدر من هذه الدولة أو تقع عليها ضمن أوضاعها وملابساتها، وأن نفسرها في اليوم الذي حصلت فيه وأن تستمر ملاحظاتنا على ما يطرأ على هذه الأعمال أو هذه الأحداث من تغيّرات أو تطورات، حينئذٍ فقط في استطاعتنا أن نعيها ونحكم عليها حكمًا صائبًا لأننا نعيش أوضاعها ونعرف ملابساتها.
والسياسة بمعناها المحلي كرعاية شؤون الدولة وإن كانت مهمة، فلا يصح أن تكون هي محل الاهتمام فحسب، ولا يصح الاقتصار عليها. لأن جعلها محل الاهتمام الكلّي يعني الأنانية والعمل للذات، إلى جانب يؤجج الصراع الداخلي بين السياسيين ثم بين أفراد الأمة أو فئات منها. وفي هذا ضرر على الدولة والأمة. ثم لأن الاقتصار عليها فيه غفلة عن شؤون الأمة. والسياسي لا بد من أن يرعى شؤون أمته حتى يكون سياسيًّا، وهذا لا يتأتى إلا بالاهتمام بشؤون الأمم الأخرى، والدول الأخرى، ومعرفة أخبارها، وتحركاتها، والإِحاطة ما أمكن بمعلومات عنها. لذلك كانت السياسة الدولية، والسياسة الخارجية جزءًا لا يتجزأ من السياسة، وركنًا أساسيًّا منها من حيث هي سياسة. لذلك لا تكون السياسة بمعنى السياسة العامة إلا إذا كانت أفكارًا عن رعاية شؤون الأمة، وأفكارًا عن رعاية شؤون الأمم الأخرى والدول الأخرى. فعلاقة السياسة الدولية والسياسة الخارجية، بالسياسة العامة علاقة جزء من كل، بل الجزء الجوهري من كينونتها.
والسياسة الخارجية والسياسة الدولية، التي يجب الاهتمام بها، هي سياسة الأمم المؤثرة لا سياسة جميع الأمم، وسياسة الدول المؤثرة لا سياسة جميع الدول، ولا سيما في ما له علاقة في نظر السياسي بأمته أو دولته، أو العقيدة التي تقوم عليها دولته. ومن هنا كانت السياسة الخارجية والسياسة الدولية، إنما تعني سياسة الأمم المؤثرة، والدول المؤثرة، ولا سيما المؤثرة في سياسة أمته ودولته، سواء كان هذا التأثير قريبًا أو بعيدًا. فمثلًا لو أنَّ انقلابًا حصل في هايتي أو موناكو، فليس مهمًا أن يعرفه السياسي، ولكن لو حصل انقلاب في البرازيل أو كوبا، أو في الحبشة أو أوغندا، فمن الضروري أن يعرفه، لأن الأول لا يؤثر في الوضع الدولي، ولا تأثير له في أمته أو دولته، أما الانقلابات الأخرى، فلها تأثير في بعض الدول، ولها تأثير في المسلمين، لذلك فعلى السياسي المسلم أن يهتم بها.
والعناية بالسياسة الدولية عند المسلمين بدأت منذ حصلت البعثة، أي قبل أن يقيم الرسول (ص) الدولة الإسلامية. واستمرت بعد قيام الدولة الإسلامية، لذلك يجب أن تستمر ما دام في الدنيا مسلمون. فالاهتمام بالسياسة الخارجية، أو السياسة الدولية أمر لازم للمسلمين، وهو فرض كفاية عليهم. لأن خطر الشعوب والأمم غير الإسلامية على المسلمين وعلى الأمة الإسلامية خطر دائم، وفيه قابلية لأن يكون خطرًا داهمًا، فاتقاؤه فرض، ومعرفته إنما هي من أجل اتقائه، وكثيرًا ما اتقى رجلٌ سياسيٌّ قدير بفطنته وحصافته مصائب قد تنزل بشعبه برمّته. أمّا إذا لم يكن على رأس السياسة رجل قدير فلا يستبعد أن تقع بلاده في كثير من الكوارث والمحاذير. لذلك كانت معرفته فرضًا، واتقاؤه فرضًا، وإن كان فرضًا على الكفاية. إلا إنه يجب أن يعلم أن السياسة الخارجية للدول كلها تتغير، وتتبدل، وتنتقل من حال إلى حال، فلا بد من أن يعرفها السياسي المسلم على ما هي عليه بحسب الواقع والحقيقة، ثم أن يعرفها إذا تغيرت، ويعرف كيف أصبحت وذلك ليظل دائمًا على معرفةٍ بدرجة خطرها ليعمل على اتقائه، مهما كان هذا الخطر بسيطًا. وهناك أمثلة كثيرة تؤيد ذلك... فمثلًا الدولة الإسلامية في القرن السادس عشر الميلادي، كانت الدولة الأولى، وكانت تشكل خطرًا دائمًا على دول العالم. لكنها بعد منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، صارت هدفًا لأطماع الدول الأخرى، حتى قُضي عليها، واتخذت جميع الوسائل للحيلولة دون رجوعها.
ومثل آخر: كانت دول أوروبا في القرن التاسع عشر وبعد الحرب العالمية الأولى، تسيطر على أفريقيا، وأكثر بلاد آسيا. ولكن بعد الحرب العالمية الثانية، انحطَّت إلى حد أن فقدت معظم سيطرتها، وفقدت الكثير من قدرتها، وصارت معظم السيطرة والقوة لأميركا، ثم لروسيا.
ومثل ثالث: كانت بريطانيا دولة عظمى حتى انتهاء الحرب العالمية الثانية، ثم فقدت قوّتها بعد ذلك لكنها لم تفقد سيطرتها. ولكن منذ أوائل الستينيات في القرن العشرين الميلادي أخذت تفقد هذه السيطرة، وأخذت تتلاشى قدرتها. إلا إنها ظلت قادرة على الدسِّ والمناورات السياسية، وظلت تحاول إعادة وجودها، وإعادة تأثيرها، وإعادة سيطرتها، لكنها في كل هذه المحاولات فقدت زخم قوتها على العمل، وإن ظلت محتفظة بقدرتها على الدّسِّ والمناورات. وليس من المحتمل أن تفقد قدرتها على الدس والمناورات ما دامت دولة. فها هي ذي بريطانيا ـــــــ الدولة المحدودة القدرة ـــــــ تتآمر في أوائل عام 1987 مع اليهود على ضرب الجيش السوري، رامية ـــــــ إذا تمكنت لا سمح الله ـــــــ من ضربه، إلى إقامة دويلاتٍ طائفيةٍ على أنقاض دول المنطقة بعد تفتيتها وجعلها كانتونات. ومن أجل ذلك أخذت تحرِّض الدول الأوروبية على مقاطعة سوريا بعد أن قاطعتها هي ابتداءً، ثم أخذت تبثُّ الادِّعادات المختلفة وعلى رأس ذلك ادِّعاؤها بأن سوريا تشجِّع الإِرهاب الدولي، وأنها أرسلت من يحاول تفجير طائرة شركة العال، وغير ذلك من الافتراءات العجيبة الغريبة...
ومثل رابع: كانت أميركا تسيطر على العالم كله بعد الحرب العالمية الثانية، وعلى الرغم من إخفاقها في سياستها الدولية، فإن سيطرتها على العالم، وقدرتها على الأعمال السياسية والعسكرية ظلت في أوجها حتى أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات. فأخذت سيطرتها تضعف، وصارت قدرتها على الأعمال السياسية غير فاعلة، وصارت تتردد في القيام بالأعمال العسكرية في العالم، ووجد بين الدول من يجرؤ أن يقول لها: لا... وكانت جميع الدول من قبل تسير في ركابها على الرغم من أنها كانت تتظاهر بمحاولات التمرد.
ومثل خامس: كانت روسيا بعد الحرب العالمية الثانية تقف في وجه دول الغرب كله وكانت تخيف دول العالم كافة، لكنها منذ دخول السبعينيات في القرن العشرين، أخذت تساير أميركا وأحيانًا تنفذ لها رغباتها، ولم تعد تخيف أحدًا من دول العالم. وانتهى أمرها إلى امبراطورية روسية، تخاف الصين، وتجامل دول أوروبا، وتحاول استرضاء جميع الدول حتى الدول الصغرى منها.
فالسياسي حين ينظر في حالات الدول وأخبارها، وحين يحاول فهم السياسة الداخلية والخارجية، لا يصح إلاّ أن يدرس أحوال كل دولة من الدول المؤثرة، وعليه أن يأخذ حال الدولة في الوضع الذي هي فيه لا قبله، حتى يكون فهمه صحيحًا، وحتى يكون سياسيًّا يحسن العمل السياسي.
فالسياسة إذا أطلقت إنما تعني السياسة الدولية، لأن أبرز ما فيها هي الحوادث العالمية، ولأنها من دون ذلك لا تسمّى سياسة. صحيح أن محاسبة الحكام هي من السياسة، وأن رعاية شؤون الأمة داخليًّا هي من السياسة، لكن ذلك ليس هو كل السياسة، لفقدانه الجزء المهم من السياسة وهو السياسة الخارجية. فالسياسة الخارجية هي الأساس، وهي التي تجعل السياسة سياسة بالمعنى الصحيح.
وإذا كان النظام الديمقراطي يُعدّ السياسة الداخلية سياسة، لأن من صلبه وجود المعارضة، فإن نظام الحكم في الإسلام، وهو نظام الخلافة، قائم على رعاية الشؤون، وعلى القيادة الفردية، فليس فيه معارضة، بل فيه محاسبة. لذلك كانت السياسة في الأمة الإسلامية تعني السياسة الخارجية، والسياسة الدولية؛ لأن الأمة كلها يجب أن تظل مدركة أن جميع الشعوب والأمم غير الإسلامية هي غير راضية عنها وربما تتربص بها الشر وتناصبها العداء، وسوف تشتغل بالمؤامرات والدسائس لإِضعاف الدولة الإسلامية، ولقهرها، والقضاء عليها، لذلك يجب أن تكون الأمة كلها مشغولة باتقاء الخطر الخارجي، أي أن تظل مهتمة بالسياسة الخارجية والسياسة الدولية، بالمعرفة، والتتبع، ورؤية مواطن الخطر.
على أن الدولة الإسلامية لا تعني أنها الحكام، بل هي الأمة التي تحت سلطان الخلافة فعلًا. فالأمة كلها هي الدولة، والدول جميعها تعرف ذلك، وتعمل على أساسه. وما دامت الأمة مدركة أنها هي الدولة، فإنها تظل متتبعة لأخبار وأحوال الدول الأخرى، والشعوب والأمم الأخرى، حتى تظل على بصيرة من أعدائها، وحتى تظل في حالة استنفار فعلي ضد هؤلاء الأعداء. ولهذا فإنه يجب أن تظل أخبار السياسة الخارجية، شائعة في الأمة كلها، مدركة من الناس بشكل عام. وأن يكون همُّ السياسيين والمفكرين، إطلاع الناس على السياسة الخارجية. بل إن الناس حين يوكلون عنهم نوابًا في مجلس الأمة للمحاسبة والشورى، إنما يختارون على أساس فهمهم للسياسة الخارجية، وإطلاعهم على السياسة الدولية، لأن هذا هو الذي يجب أن يكون موضع اهتمامٍ لدى الأمة، وهو الذي يجب أن يكون موضع اهتمامٍ أيضًا لدى وكلائها في مجلس الأمة. أما السياسيون، والمفكرون بشكل عام، فإن معرفة السياسة الخارجية، والسياسة الدولية، لا بد من أن تكون هي الطاغية على أعمالهم وأفكارهم، لأن المسلم إنما يعيش ويحيا ويموت من أجل الإِسلام {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162]. وإذا كان الجهاد ذروة سنام الإسلام، فإن حمل الدعوة الإِسلامية هو الغاية التي من أجلها يكون الجهاد. وهذا يستوجب معرفة السياسة الخارجية والسياسة الدولية. على أن بِغَضِّ النظر عن هذا، فإن الدولة التي تطمح أن يكون لها تأثير ما، وأن تتمتع بالنفوذ والمجد، تجعل السياسة الخارجية أساسًا لتطلعاتها، ووسيلة لتثبيت مركزها في الداخل والخارج. إذًا فعلى السياسيين والمفكرين، أن يحيطوا بالسياسة الخارجية، والسياسة الدولية، سواء كانوا في الحكم أو خارج الحكم، لأن هذا هو الذي يجعلهم سياسيين، أي راعين لشؤون أمتهم. فالشؤون العليا للأمة إنما تتمركز في السياسة الخارجية والسياسة الدولية. ومن هنا كان واجب الأحزاب السياسية كلها، والسياسيين عمومًا، ورجال الفكر، والعلم، أن تكون السياسة الخارجية والسياسة الدولية أهم ما يشتغلون به.
وإذا كان لا بد من معرفة السياسة الخارجية والسياسة الدولية، ولا سيما للسياسيين، والمفكرين، والعلماء، فإنه لا يصح الاقتصار على معرفة القواعد العامة، والخطوط العريضة، أي لا يصح الاقتصار على الاجمال، والنتائج، فالاقتصار عليها وحدها، وإن كان مفيدًا، فهو لا يكفي لإِدراك الخطر، ولا لمعرفة كيفية الاتقاء، ولا لفهم الحوادث والوقائع، والنوايا، والأهداف. بل لا بد من معرفة التفاصيل، والأعمال، والحوادث، ثم تحليلها والوقوف على النوايا والأهداف. بل حتى تعرف نوايا العدو، تجاه الدولة والأمة، لا بد من أن يعرف أولًا كلامه ووضع هذا الكلام. وثانيًا تصرفاته والأوضاع التي جرت فيها هذه التصرفات، وثالثًا: علاقاته ووضع هذه العلاقات. ومن غير معرفة الثلاث المذكورة لا يمكن الاطلاع على نوايا العدو. وهذه الثلاث تحتاج معرفتها إلى معرفة التفاصيل: فالكلام لا بد من معرفة تفاصيله، والأوضاع التي قيل فيها هذا الكلام. وكذلك التصرفات، والعلاقات. فإذا زار رئيس جمهورية الولايات المتحدة الصين، فإن هذه الزيارة ليست للنزهة، ولا للتجارة، ولا لتلقي العلم، بل هي عمل سياسي. فلا بد من تتبع تفاصيل هذه الزيارة، ومعرفة دقائقها، وإذا كان سواد الأمة لا يهتم بالتفاصيل، فإن أفرادها البارزين ولا سيما السياسيين، لا بد من أن يعرفوا ذلك، لأنهم مسؤولون، ولأنهم يرعون شؤون الأمة، والأمثلة كثيرة على ذلك. إنَّ الحوادث الجارية في العالم، تعطي خير أمثلة على ضرورة معرفة التفاصيل: فالعداء المستحكم بين الصين وروسيا، أمر معروف، فإذا أعطى رئيس وزراء الصين تصريحًا ضدّ روسيا، أو تصريحًا ضد بولونيا، أو تصريحًا ضد ألمانيا الشرقية أو الغربية، فلا بد من أن يدرس هذا التصريح، وأن يجري تصور الوقائع التي يحويها، أو التي يهدف إليها. لأنه وإن كانت الصين لا تشكل خطرًا علينا، فإن روسيا بدأت تشكل خطرًا آنيًّا منذ دخولها أفغانستان، والصين ربما قد تشكل خطرًا مستقبليًّا. ومعرفة حالة العداء لا تتأتى إلا بمعرفة التفاصيل، وتتبعها. والتنافس القائم بين أوروبا وأميركا، قائم أيضًا بين بعض دول أوروبا والولايات المتحدة، فإذا أعطى وزير خارجية بريطانيا تصريحًا ضدّ الولايات المتحدة، وأعطى وزير خارجية فرنسا تصريحًا بتأييد الولايات المتحدة، فيجب أن يفهم التصريحان على أساس أنهما تصريحان لأوروبا، وأن يدرك أن ما بين أوروبا وأميركا هو تنافس وليس عداء. حتى ولو كان فيه أذى لأوروبا أو لأميركا.
وأيضًا: إذا قامت أميركا ببيع أسلحة إلى إيطاليا، فلا يصح أن يُعدّ مثل بيع غسالات لهولاندا. إن هناك فرقًا كبيرًا بين علاقة الدولتين بأميركا، وهناك كذلك فرق بين بيع الأسلحة وبيع الغسالات. وكذلك إذا أعطت إنكلترا قرضًا لروسيا، وأعطت قرضًا للصين، فإن هناك فرقًا بين علاقة كل من الدولتين بإنكلترا. وإذا عقدت فرنسا معاهدة ثقافية مع روسيا نفسها، فإن هناك فرقًا بين المعاهدة الثقافية الإنكليزية، والمعاهدة الثقافية الفرنسية، وهكذا يجري تتبع التفاصيل في الكلام، والتصرفات، والعلاقات، إذ لا يكفي أن يعرف الإِجمال، بل لا بد من أن تعرف التفاصيل.
هذا وإنه في الحالة الدولية الحاضرة، تعتمد الدول المؤثرة، في سياستها على ما يسمى بالديبلوماسية، أي على الاتصالات، وعلى العملاء، وهي خطة قد تتغير، في حالة الخطر، وتعود تلك الدول إلى اعتماد أسلوب الأعمال العسكرية مقرونًا بالأعمال السياسية. إلا إنَّ ذلك ـــــــ في أي حال ـــــــ داخل تحت دائرة الاهتمام بالتفاصيل. فإذا كان هناك عملاء لأي دولة من الدول المؤثرة كأميركا وبريطانيا وروسيا وفرنسا فإنه لا بد من معرفة هذه الاتصالات والاطلاع على تلك الأعمال بتفاصيلها ولا سيما ما كان خفيًّا منها.
وإذا كانت أوروبا تعمل على بثّ روح الثقة في الدول الأخرى، فإنها إنما تعمل ذلك لإِضعاف موقف أميركا، وروسيا، ولإِيجاد قوة ذاتية خاصة بها. ولكن مهما كان الأمر فإن أوروبا تُعدّ نفسها صديقًا لأميركا، ومن أهل البيت. وتُعدّ روسيا عدوة لها. فلا يصح أن نصل إلى نتيجة واحدة لموقف أوروبا تجاه الدولتين. فإن أوروبا وإن عملت لإِضعاف أميركا، فإنها إنما تعمل لرفعة شأنها لدى أميركا حتى تعاملها معاملة كريمة، لكنها حين تعمل على إضعاف روسيا، فإنها إنما تعمل على هدمها وإضعاف نفوذها.
وإذا كانت فرنسا قد منعت الأسلحة عن اليهود وأميركا أعطتهم الأسلحة على أوسع نطاق، فإن ذلك لا يعني أن فرنسا ضد اليهود، وأن أميركا مع اليهود، لأن الدولتين، كما نعلم، تؤيدان اليهود، وتريدان قصدًا واحدًا هو إضعاف المسلمين وخلافهما في فهم أسلوب التأييد ظهر في الأسلحة، بمنعها أو بإعطائها.
فالسياسية الخارجية والسياسة الدولية، المعتمدة من الدول الأخرى سواء جرت عن طريق العملاء، أو بالاتصالات أو جرت بالأعمال السياسية أو الأعمال العسكرية، فإن معرفة التفاصيل، أمر لا بد منه، وذلك لمعرفة هذه السياسة نفسها، ولمعرفة النوايا والأهداف، ولإِدراك ماهية الكلام أو التصرف أو العلاقة. وما لم تعرف هذه التفاصيل، فإنه لا تكون تلك السياسة قد عرفت، ولا صار المرء سياسيًّا، وبالطبع لا يدرك النوايا والأهداف على حقيقتها.
ciloxan notice ciloxan tropfen ciloxan alkohol



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB