السياسة والسياسة الدولية
الطبعة : الطبعة الاولى  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   198
تاريخ النشر :   1987




الدورَة العامة والدورَة الخاصَة ومَا لهمَا من تأثير

جدل بأن الإِنسان هو الجرم الصغير الذي انطوى فيه العالم الأكبر. ولا يستطيع الإِنسان أن يعي هذه الحقيقة، وأن يدرك ما يتمثل فيه من قدرات وطاقات إلاّ إذا عرف بأن وجوده الأرضي يقوم على دورتين:
إحداهما الدورة الخاصة التي تتعلق بحياته الذاتية والشخصية. والثانية الدورة العامة التي تنطلق من الدورة الخاصة، لتشمل أبعادًا كثيرة تطاول المجتمع، والوطن، والأمة، والإِنسانية على حد سواء...
وقد يكون يسيرًا على الإِنسان أن يعيَ مصالحه الذاتية والآنية، وأن يكون مسؤولًا عن تسيير شؤونه الشخصية، لأن غريزة حب البقاء، وحفظ الجنس تفرض عليه ذلك. إلاَّ إنه قد يكون من الصعب عليه، أو قد يحتاج إلى وقت أطول، لكي يتحسسّ، ومن ثَمَّ لكي يحمل المسؤولية الكبرى التي تتجاوز الحيّز الضيق الذي يعيش فيه من أجل أن يحقق أهدافه البعيدة النافعة، وقيمه المعنوية السامية، ومراميَهُ العظيمة في أخوةِ الدين، والإخوةِ الإِنسانية... فكم يصغرُ الإِنسان، وتُهدر قيمته لو تقوقع على ذاته، وعاش منغلقًا على نفسه؛ وكم يكبرُ هذا الإِنسان، ويسمو قدرًا لو انفتح على العوامل والأوضاع المحيطة به، فوعاها وعمل على معالجتها، ثم انتقل إلى التفاعل مع غيره والتأثير فيه، ليحققَ الخير الأكبر الذي تنشده الإِنسانية في موطنها الأرضي؟. فعلى الإِنسان، إذًا، أن يدرك أن لحياته دورتين، ترمي الأولى منه، إلى تأمين ذاتيته ومصلحته الشخصية، وتهدف الثانية إلى تحقيقِ تناسقٍ متكاملٍ وشاملٍ لكل ما يتعدى كيانه الشخصي..
ولعلّ أفضلَ الدروس والعبر التي يستقيها في هذا المجال، هي ما تقدِّمه الأرضُ وهي تقوم بدورتين لها ـــــــ خاصة وعامة ـــــــ حتى ترفده، من خلالهما بأسباب الحياة التي أمدَّه اللَّهُ تعالى بها، وكوَّنها وسيَّرها على تلك الشاكلة، لتكون صالحة لحياته، وحياةِ سائر الكائنات الحية فيها، كونها هي التي تحتضنه وتكتنفه حيًّا، وهي نفسها التي تضمنه في ترابها ميتًا، وذلك لقوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاء وَأَمْوَاتًا} [المرسلات: 25 و26]. فالأرض، كما نعلم، هي أحد الكواكب السيارة في النظام الشمسي، وهي بشكلها الكروي تدور على نفسها مرة واحدة كل أربع وعشرين ساعة، أي في مدى يوم كامل ـــــــ كما جرى الاصطلاح عليه ـــــــ حيث يتكون خلاله النهار والليل: النهارُ الذي يمتلئ بالنور والدفء، فينشط الإِنسان فيه للعمل والحركة؛ والليلُ الذي يؤمن له الراحة والسكن فيهدأ الإِنسان من تعب النهار وغلوائه، وذلك ما يُشير إليه قوله تعالى: {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ} [القصص: 73] والسكَنُ يكون في الليل قطعًا، وطلب المعاش في النهار، أي إنه خلال هذا اليوم تتحقق الدورة الخاصة للأرض، بما استتبعها من جهدٍ بشريٍّ، ونشاطٍ إنساني، على مختلف المستويات، وفي مختلف جوانب الحياة، كي تبقى هذه الحياة، وكي تستمر ما استمرت الأرض على وضعها الراهن.
وكما أن للأرض دورةً سريعةً وقصيرةً، خلال يوم كامل، فإنَّ لها دورة أخرى كبيرة وطويلة تمتدُّ على مدار سنة كاملة من سنوات زماننا، وهذه الدورةُ هي التي تنجم عنها الفصول الأربعة، التي يكون لكل منها تأثيراتُهُ الخاصةُ في حركة الرياح، وتنقية الهواء، وهطول المطر، وتفجر الينابيع، وفي غرس النبات وإنمائه، ومدِّ الطير والحيوان بما يكفل عيشه ووجوده.. ولو أمْعَنّا النظرَ في هذه التقلبات، وما ينجم عنها، وإمدادها للكائنات الحيّة بمقومات عيشها، لأدركنا كم لهذه الدورة العامة للأرض من تأثير على الإِنسان، وهي تقدم له معاشه الكامل، حتى يتمكن من إشباع جميع حاجاته العضوية، وتأمين طاقته الحيوية، وبالتالي استمرارية وجوده الأرضي...
ولو أننا أخذنا مثالًا واحدًا على ذلك، وهو الثمرة التي تقدمها لنا الشجرة، لأدركنا كم هي مؤثرة في حياتنا دورة الأرض حول الشمس، خلال سنة كاملة. فهذا الماء الذي يُنْزِلُهُ الله تبارك وتعالى من السماء، ويروي به الأرض بعد مواتها، إنما تكمن فيه كل أسباب الحياة وذلك لقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30]. فالمطر الذي ينزل، شتاءً، يروي مزروعات الأرض... ثم يأتي بعده الربيع، فتتفتح البراعم، وتزهو الأزهار، وتخضر الأوراق، ثم تتكون الثمرة وتكبر.. ويقبل الصيف بدفئه وحره، فتنمو الثمرة وتنضجُ ثم تصيرُ صالحةً للغذاء.. وأخيرًا يقبلُ خريفُ الحياة فيُسقط ما على الشجرة من أوراق وثمار تالفة، ويهيّئ الشجرة لاستقبال المطر كي يغسلها ويرويها من جديد.
وما قيل عن ثمرة الشجرة، ينطبق على النبتة وعلى الطير، وعلى الحيوان وبالأخص على الكائن البشري، وذلك من خلال خضوع كل جنس من هذه الكائنات لأحكام الدورة العامة خلال السنة الأرضية... وإن نحن تأملنا تأثير هذه الدورة العامة، في الكائنات، بكل الأطوار والمراحل التي تمرُّ بها، فنتوقف عند حياة الإِنسان فقط، من بين هذه الكائنات، لتبين لنا كيف رعت هذه الدورة شؤون هذا الإِنسان بمعاشه الذي يتوقف عليه بقاؤه ووجودُه. أي إن معرفتنا بما مرَّ على الأرض وكائناتها، خلالَ الدورة، من مراحل الجمود والانتعاش، ووطأة الحر، ولسع البرد، وأخطار العواصف، وفوائد الانفراج والإِنماء، تجعلنا ندرك عظمة التجارب التي مرت بها هذه الكائنات الحية وجعلتها قادرةً على التحدي، وصالحةً للحياة.
ولو أننا نريد أن نستقيَ من هذه الدورة شعورًا خاصًّا بنا، نحن بني البشر فلنقفْ عند هذا النسيم العليل الذي يلمسُ الأرض، ويداعبُ الورقة الخضراء..ولنتأملْ هذه القطرةَ من الندى على صفحة الورقة.. ثم لنتفكرْ بكل هذه الألوان الزاهية التي تملأ دنيا الأرض، ثم لنراقب السماء بغيومها المكفهرة، والأعاصير بزمجرتها المخيفة، وثورة البراكين، واندفاع السيول الجارفة، وغيرها من مظاهر القسوة والاحتقان.. وغيرها وغيرها من مظاهر الجمال والرقة.. فإن نحن فعلنا فلسوف نجد من خلال هذه المظاهر جميعها صورةً لمشاعرنا وأحاسيسنا.. فالعبوسُ في الطبيعة وزمجرتها، والظلامُ الدامس في أرجائها تعبيرٌ عن يأس الإِنسان وآلامه وأحزانه، أما اخضرارُ الطبيعة، وتنوعُ ألوان أزهارها، وعطرُ رياحينها، فهي التعبير عن الفرح، والأنس، وعن الاطمئنان والأمل لما يعتمل في نفوسنا.. هكذا هي إذًا أمنا الأرض تمدنا بالرزق، وترفدنا بالشعور، فيكون العيش لهؤلاء الناس الذين يعملون للحياة، بقدر ما تعمل لهم الحياة نفسها...
ومن هذه التأملات في صفحة الكون، وفي الكرة الأرضية تحديدًا، بدورتيها الخاصة والعامة، نخلص إلى حكم جازم ويقيني، وهو أن جميع الأحوال التي تقلبت الكائنات الحية ـــــــ وخصوصًا الإِنسان ـــــــ بين أحضانها، والتجارب التي تحملتها، والطقوس المختلفة التي مرت عليها، هي التي جعلتها قادرة على التحدي والصمود من أجل الحياة..
وانطلاقًا من فهم هذا الواقع، وبناء على هذه القاعدة، نجزم بأن التجربة السياسية يحتاج حاملها إلى أن يعيش مناخات، وطقوسًا، وتجارب تتناول مختلف صعد الحياة، أي تمامًا كما عاشت الشجرة أو النبتة البسيطة مختلف الأحوال الطبيعية. فإن أدرك ذلك صاحب الفكر السياسي أو من يريد أن يكون لديه فكر سياسي، ووعى قاعدة الربط ما بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة، وتأثر كل منهما بالأخرى، بما يمكن أن نسميه الدورة الخاصة والدورة العامة في حياة الإِنسان، ثم تحمله مسؤوليةَ كل منهما، وعقدة العزمَ على الاستفادةِ من دروسهما، فإنه في هذه الحال تتكون لديه التجربةُ السياسيّة التي لا تأتي إلا من خلالِ النظرِ الثاقب للأمور، والاطلاعِ على مختلف مجرياتها القريبةِ والبعيدةِ، والتحليلِ الدقيقِ للوقائع والأحداث، والربطِ في ما بينهما، ثم معرفة الخلفيات الفكرية، والمصالح الخفية التي تسيّر الأحداث... على أنه يقتضي لذلك أن يكون لديه، وقبل كل شيء، الاستعدادُ الكافي والإِمكانية الواسعة لتقبلِ المصاعب والمشاق التي تعترض تطلعه السياسي، وهي بلا شك كثيرة ومتنوعة..
وما تجدر الإِشارة إليه هنا هو أن المعلوماتِ والأفكارَ السياسيّةَ التي يتلقاها الطالبُ في معاهد العلم لا تكفي وحدها لأن تكوّن لديه تجربة سياسية، أو أن تجعل منه شخصية سياسية، بل لا بد له من معايشة التجربة السياسية، والقدرة على الكفاح السياسي، شرط أن تكون لديه النيةُ والرغبةُ الصادقتان للعمل السياسي وذلك في ظل جميع الأوضاع والأحوال التي تنشئ الأحداث وتسيّرها...
وهكذا فإن الطالب الذي يتلقى الأفكار والمعلومات عن الأخبار والوقائع والأحداث لا يستوي هو ومن عايش هذه الأخبار والوقائع والأحداث....
وبناءً على هذا فالرجلُ السياسيّ الذي اكتسبَ التجربةَ السياسيّةَ يستقبل الأخبارَ والوقائعَ والأحداثَ كما تستقبلُ الشجرةُ الماءَ والهواءَ والشمسَ. ومن ثَمَّ يكون منفتحًا على كل ما اتصل به من هذه الأخبارِ والوقائعِ والأحداثِ لينشرهَا على المحيطين به تمامًا كما تتفتحُ أزهارُ الشجرة في الربيع لتزهوَ وتفوحَ رائحتُها أمام كل ناظر. وبعدها يبدأ الناس بقطف ثمارِ معرفتهِ السياسيةِ نتيجة تجربته التي تأسَّست على فكرٍ محدّدٍ كما يقطفُ أصحاب الشجرة ثمارها. وأخيرًا يحاول السياسيّ أن يزيلَ كل ما علق به من أخبارٍ كاذبةٍ ضارةٍ لأنه يكرهُ الدجلَ والكذبَ والسيرَ وراء الأهواء الشخصية ويُسقِطُ جميع هذه الأنواع من الأخبار وما شاكلها كما يُسقِطُ الخريفُ جميعَ الأوراق اليابسة والثمرَ الذي لا ينفع.


كيف يجب أَن نفكر سياسيًّا:
هنالك نوعان من التّفكير السياسيّ:
1 ـــــــ تفكيرٌ في السياسة.
2 ـــــــ تفكيرٌ في النصوص السياسية.
فالتفكير في السياسة هو نفسه التفكير السياسيّ، وهذا يختلف كلّ الاختلاف عن أنواع التفكير الأخرى. فهو يختلف عن التفكير التّشريعيّ مثلًا ـــــــ وإن كان من نوعه ـــــــ لأن التفكير التشريعيّ هو لمعاجة مشاكل الناس، في حين أن التفكيرُ السياسيّ هو لرعاية شؤون الناس. وهو كذلك يناقضُ التفكيرَ الأدبيّ، لأن التفكيرَ الأدبيّ إنما يعني بالألفاظ الحلوة والتراكيب الجميلة، ويطربُ للمعاني وهي في قوالب الألفاظ تساق بالأسلوبِ الأدبيّ.
فالتفكيرّ السياسيّ هو تفكيرٌ في الأخبار والوقائع وربط الحوادث بعضها ببعض، لذا فهو يخالفُ جميع أنواع التفكير الأخرى ولا تنطبق عليه أيّ قاعدة من قواعدها. بل لا يكاد يخضع لأيّ قاعدة، وما ذلك إلاَّ لأنه أعلى أنواع التفكير، وأصعبُ أنواع التفكير. أما كونُه أعلى أنواع التفكير فلأنه يتجه للإلمام بالأشياء والحوادث وبكل ما يصل إليه الفكر الإنساني. صحيحٌ أن القاعدةَ الفكريّةَ التي تُبْنَى عليها الأفكارُ وتنبثقُ عنها المعالجاتُ هي أعلى ما انتهى إليه التفكير، لكنّ هذه القاعدة هي نفسها فكرةٌ سياسيّة. لذلك فإننا حين نقولُ إن التفكير السياسيّ هو أعلى أنواع التّفكير، فلأنه يستند إلى اهتدائه للقاعدة الفكرية، التي تصلحُ لأن تكون أساسًا تبنى عليه جميع المعالجات السياسية.
وأما التفكيرُ بالنصوصِ السياسية فهو يشمل التفكير بنصوص العلوم السياسية ونصوص الأبحاث السياسية... والتفكيرُ السياسيّ الحقّ، هو التفكيرُ بنصوصِ الأخبار والوقائع. لذلك كانت صياغةُ الأخبار هي التي تُعدّ نصوصًا سياسيّةً حقّةً. وعلى المرء أن يفكر في نصوص الأخبار، وصياغتها وكيفيّة فهم هذه الصياغة. لأن هذا وحده هو الذي يُعدّ تفكيرًا سياسيًّا، وليس الإحاطة بالعلوم السياسيّة والأبحاثِ السياسية. فالإحاطةِ بالعلوم السياسية والأبحاثِ السياسية تعطي معلومات، تمامًا كالتفكير في النصوص الفكريةِ، وتعطي فكرًا عميقًا أو مستنيرًا، لكنها لا تجعلُ المفكرَ سياسيًّا، بل تجعلهُ عالمـــًا بالسياسية، أي عالمـــًا بالأبحاث السياسية والعلوم السياسية. ومثل هذا العالم يصلح لأن يكون معلمًا ولكن لا يصلُح أن يكون سياسيًّا، لأن السياسيّ هو الذي يفهم الأخبار والوقائع ومدلولاتها، ويصلُ إلى المعرفة التي تمكنه من العمل، سواء أكان له إلمامٌ بالعلوم والأبحاث السياسية، أم لم يكن له إلمامٌ بها، علمًا بأن العلوم السياسية والأبحاث السياسية تساعد على فهم الأخبار والوقائع، لكن مساعدتها هذه إنّما تكون في جلب نوع المعلومات عند الربط، وليس غير ذلك.
وفي التطبيق العملي فإنه ـــــــ مع الأسف الشديد ومذ أن وُجدَتْ فكرةُ فصل الدين عن الدولة، وتغلَّب على أصحابها موضوعُ الحل الوسط ـــــــ انفردَ الغرب ـــــــ ونعني أوروبا وأميركا ـــــــ بإصدار المؤلفات والكتب في العلوم السياسيّة والأبحاث السياسية، على أساس فكرته عن الحياةِ وعلى أساسِ الحلّ الوسطِ، وعلى أساسِ الشّكلياتِ التي تعطي الفكرَ الوسطَ، الذي وُجدَ للتوفيقِ والمصالحة. وحين جاءت الفكرةُ الشيوعيّة واعتنقتها روسيا فإنه كان يؤمّلُ أن تخرجَ أبحاثٌ سياسيّةٌ على أساسِ فكرٍ ثابتٍ لا على أساسِ الحلّ الوسط. ولكن مع الأسف، فإن روسيا ظلت ملحقةً بالغرب في هذا الشأن، لذلك فإن العلومَ السياسيّةَ والأبحاثَ السياسيّةَ ظلت سائرةً في الطريق نفسه، مع اختلاف في الشكلِ لا في المضمونِ، من هنا فإنَّ الأبحاثَ السياسيّةَ والعلومَ السياسيّةَ، التي خرجت حتى الآن هي أبحاثٌ سياسيّةٌ لا يطمئن العقلُ إلى صحتها، فالعلوم السياسية هي أشبهُ بما يُسمّى علمَ النفس، مبنيةٌ على الحدسِ والتخمين. لذلك فإنه حين يجري التفكيرُ في نصوصِ هذه العلومِ والأبحاثِ، لا بد من أن يكونَ المرءُ في حالة يقظة، وفي حالة حذرٍ من الانزلاقِ مع أخطائها، لأنها تتضمّنُ أفكارًا مخالفةً للواقع، وأبحاثًا هي غايةٌ في الخطأ. ولا بأس من قراءتها ودراستها ولكن مع اليقظةِ والحذرِ.
فالفردُ العادي والفرد النابغةُ، كلّ منهما في استطاعته أن يفكرَ تفكيرًا سياسيًّا، وفي مقدوره أن يكونَ سياسيًّا، لأن ذلك لا يتطلبُ درجةً معينةً من القدرة على التفكير، ولا درجةً معينةً من المعرفة، بل يتطلبُ تتبعَ الوقائع والحوادثِ الجارية، أي تتبعَ الأخبارِ. ومتى وُجِدَ هذا التتبعُ وُجِدَ التفكيرُ السياسيّ. إلا إن التتبعَ لا يصحُ أن يكون منقطعًا، بل يجبُ أن يكون متصلًا، لأن الحوادثَ والوقائعَ الجارية، تشكل سلسلة مترابطةَ الحلقات، فإذا فُقِدَتْ حلقةٌ منها انقطعت السلسلة، ولم يعد في مقدور الشخص أن يربطَ الأخبار وأن يفهمها.
والتفكيرُ السياسيّ ليس خاصًّا بالأفراد، بل قد يكون أيضًا في الجماعات، أي في الشعوب والأمم. فهو ليس كالتفكير الأدبيّ، الذي يحتاجُ فيه الفرد إلى معرفة بالألفاظ والتراكيب، ولا كالتفكير التشريعيّ الذي يحتاجُ إلى معرفةٍ معينة في مستوى الواقع التشريعي وفي الوقت نفسه إلى معرفةٍ بالوقائع والحوادث التي يُطَبّقُ عليها التشريع، سواء لمعرفة استنباطه وإقراره أو لمعرفة تطبيقه وإنفاذه. هذان النوعان من التفكير يتحققان بالأفراد فحسب ولا يتأتى لهما أن يكونا في الجماعات. لكنّ التفكير السياسيّ تفكيرٌ فرديّ وتفكيرٌ جماعيّ فكما يكونُ في الأفراد من حكامٍ وسياسيين، يكونُ كذلك في الجماعات أو في الشعوب والأمم. لا بل إنه لا يكفي أن يكونَ في الأفراد، بل يجب أن يكونَ في الشعوب. ومن دون وجوده في الشعوب لا يُوجَدُ الحكمُ الصالح. ولا يتأتّى وجودُ النهضة، ولا تصلحُ الشعوب لحمل الرسالات. ومن هنا كان لا بد من أن يُوجَدُ التفكيرُ السياسيّ في الشعب والأمة. ذلك أن الحكمَ إنما هو للشعب أو للأمة ولا تستطيع قوة أن تأخذه إلا إذا أعطاه الشعب والأمة. وهذا شرط ملازم لاستمراره فإذا حصل اغتصابُه، فإنما يُغتصبُ لفترة، ثم يطاح بالحكم المغتصب ويعود الحق إلى نصابه.
وما دام الحكمُ هو للشعبِ والأمة، فإنه لا بد لهذا الشعب وهذه الأمة من أن يكون لديهما التفكيرُ السياسيّ. لذلك فإن التفكيرَ السياسيّ هو ضروريّ للأمة قبل الحكام، وضروريّ لاستقامة الحكم أكثر من ضرورته لإيجاد الحكم. ومن هنا كان لا بد من أن نثقف الأمة ثقافةً سياسيّة، وأن يكون لديها التّفكيرُ السياسيّ. أي لا بد من أن تُزوّدَ الأمة بالمعلومات السياسية والأخبار السياسية، وأن تُنمى لديها ملكة تقصّي هذه الأخبار وتحليلها. وأن يكون ذلك بشكلٍ طبيعيّ مُصطنع، أي بإعطائها الصحيحَ من الثقافة السياسية، والصادقَ من الأخبار، حتى لا تقعَ فريسةً للتضليل، ومن هنا كانت السياسيةُ والتفكيرُ السياسيّ هما اللذين يحفظان في الأمة الحياةَ، ومن دون ذلك تكون الأمة جثةً هامدة، لا حركة فيها ولا نمو.
إلا إن الخطأ في فهم السياسة، والضلالَ الذي يحصل في فهم السياسة إنما يأتيان من التفكير في النصوص الأخرى من أدبيةٍ وفكريةٍ وتشريعيةٍ، هنا يكون التفكير في الألفاظ والتراكيب مثلًا وتُفهَمُ هذه الألفاظُ والتراكيبُ كما هي، أو يكون التفكير في المعاني التي تحويها هذه الألفاظُ والتراكيبُ فتُفهَمُ هذه المعاني كما هي، أو يكون التفكير في دلالاتِ هذه الألفاظ والتراكيبِ فتفهم هذه الدلالات. وهنا يقع الخطأ أو الضلال. لأن التفكيرَ في النصوص السياسية يختلف كل الاختلاف عن التفكير في أي نص آخر. لأن الخطأ والخطر في التفكير السياسي إنما يأتيان من عدم التمييز بين النصوص السياسية، وغيرها من النصوص. فالنصوصُ السياسيّةُ، قد تكون معانيها موجودةً في هذه النصوص، وقد تكون موجودةً في غير النصوص، وقد تكون موجودةً في صياغة الألفاظ والتراكيب كالمعاهدات مثلًا، أو في التصريحات المسؤولة، وقد تكون في المعاني لا في الصياغة، وقد تكون في الدلالات لا في المعاني ولا في الألفاظ وقد تكون في ما وراء هذه المعاني والألفاظ والدلالات، بل قد تكون مخالفةً لها أو مغايرة للنصوص مغايرةً كليّة. فإذا لم يُدْرَكْ ما يعنيه النصّ السياسيّ، مما هو مُتَضَمّنٌ في النص، أو خارجٌ عنه فإنه لا يُدْركُ على حقيقته بأي حال من الأحوال فيقع الخطأُ أو الضلالُ.
قد يعطي مسؤولٌ تصريحًا فيُفهَمُ منه شيء، ثم يعطي التصريح نفسه أو تصريحًا آخر في المسألة نفسها فيُفهَمُ منه شيء آخر قد يكون مخالفًا تمامًا لما أعطاه، بل يكون مناقضًا له. ويعطي مسؤولٌ تصريحًا عن أمر حقيقيّ، أي تصريحًا صادقًا، فيُفهم منه أنه تصريحٌ كاذب يراد فيه التضليل وقد يعطي تصريحًا كاذبًا فيفهم منه أنه تصريح صادق، وأن المقصودَ منه هو ما عناه، والكذبُ فيه أنه أعطيَ للاختفاء بالكذب. وقد يُقامُ بحسبِ التصريح وقد يُقامُ بعملٍ على خلافِ التصريح. وهكذا، فالظروفُ والملابساتُ هي التي تسلّط الضوءَ على التصريح فتكشفُ ما يُرادُ منه، وليس النصّ السياسي نفسه هو الذي يكشف ذلك. إن التفكيرَ السياسيّ لا يكون قريبًا من الصواب إلا على هذا الوجه أي إلا إذا جُعِلَتِ الظروفُ جزءًا لا يتجزأُ من النصّ أو العمل، وإلا إذا أُخِذَتْ كلّ حادثةٍ بمفردها وأُبْعِدَ منها التعميمُ والقياسُ.
ولقد عانت الأمةُ الإسلاميّةُ من سوء التفكير السياسيّ الكثيرَ من المصائب والويلات. فالدولةُ العثمانيّةُ مثلًا، حين كانت أوروبا تحاربها في القرن التاسع عشر، إنما كانت تحاربُها بالأعمال السياسية أكثر منها بالأعمال العسكرية، وإن وقعت أعمال عسكرية فإنها كانت مساعدة للأعمال السياسية. فما كانوا يسمونه بمشكلة البلقان مثلًا، هي مشكلةٌ أوجدتها الدول الغربية بالتصريحات، بإعلانها أن دول البلقان يجب أن تُحرّرَ من العثمانيين، أي من المسلمين. ولم يكن الغربيون يعنون أنهم سيحاربون الدولة العثمانية، بل كانوا يعتمدون بذلك على إيجاد القلاقل والاضطرابات في البلقان، عن طريق الفكرة القوميّة والتحرر. وأخذ البلقانيون يقومون بالثورات، فكانت الدولةُ العثمانيةُ تقومُ بعملياتٍ عسكريةٍ لتخمد هذه الثورات، مراعيةً في الوقت عينه وضع الدول الأخرى، ومحاولة استرضائها؛ مع أن هذه الدول الأخرى هي التي كانت تسندُ الثورات وهي التي كانت توهمُ العثمانيين، وتجعلهم يقفون ضد هذه الثورات. كل ذلك إنهاك لقواهم وزعزعة لنفوذهم. وهكذا كان من نتيجة خطأ الدولة العثمانية، وضعف التفكير السياسي لدى ساستها أن خسرت البلقان، ثم لاحقتها فكرةُ القومية في عقر دارها، حتى قضت عليها القضاء المبرم.
وهذا بخلاف روسيا أو الاتحاد السوفياتي، فإنها قد وقعت في المشكلة نفسها في أوروبا الشرقية في الخمسينيات. نادت أميركا بتحرير دول أوروبا الشرقيةِ من الشيوعيّة، وأخذت تسندُ دولها وشعوبها سرًّا وعلنًا. لكن روسيا لم تقف موقفَ العثمانيين، بل عرفت أن فكرةَ التّحرير هذه هي حربٌ ضد روسيا أو الاتحاد السوفياتي، لذلك لم تهادنْ أميركا، بل اتخذتها العدوّ الأولَ. فلما قامت ثورة هنغاريا سحقتها ولم تجعلْ لها أي منفذٍ للنجاح، ولما ثارت تشيكوسلوفاكيا سحقت ثورتها من دون أي رحمة، وشددت قبضتها الحديدية على أوروبا الشرقية، واستعدت لحرب أميركا إنْ هي تحركت لمساندة أوروبا الشرقية سرًّا أو علنًا، مما أدى إلى إخفاق أميركا إخفاقًا ذريعًا حتى اضطُرّت بعد إخفاقها، وإدراكها موقفَ روسيا السياسي وفهمها السياسي، أن تتنازلَ عن فكرة محاربة الشيوعية وإضعاف روسيا، إلى عقد الاتفاقيات والتعايش معها. ولم ينجم كلّ ذلك عن قوة روسيا، بل عن التّفكير السياسيّ الصحيح لدى الاتحاد السوفياتي.
ومثلًا حين رأت أميركا أن إسرائيلَ التي أمدّتها بكل الأسباب لتصبح دولةً، تكاد تفلت من يدها، وتكاد إنكلترا تسترجعُ نفوذها على ما يُسمّى بدولة إسرائيل تمهيدًا لمدّ نفوذها من جديد على كل المنطقة، (كون الذين أنشأوا الدولةَ اليهوديةَ وأقاموها في فلسطين هم الإنكليز، وحكام الدولة اليهودية وأقاموها في فلسطين هم الإنكليز، وحكام الدولة اليهودية ما زال معظمهم عملاء للدولة البريطانية)، حيث رأت أميركا ذلك في أواخر الستينيات، أطلقت على مشكلة فلسطين اسمَ مشكلة الشرق الأوسط، وصارت تقومُ بالأعمال السياسية، التي تمكنها من أن تتولّى المشكلةَ وحدها وصارت تتخذُ كلمة السلام وفكرةَ حل المشكلة وسيلةً لتعقيد المشكلة، وهكذا، استمرت في التضليل السياسيّ وبزيادة المساعدات العسكرية والاقتصادية وبتبني عملاء لها من زعماء الدولة العبرية حتى ارتمى معظم الشعب اليهودي في أواخر الثمانينيات، في أحضان أميركا.
وإننا نهيبُ بالعرب وعندهم الإسلامُ ألّا يقتفوا آثار اليهود وهم يلقون بأنفسهم في أحضان أميركا وألّا يقعوا في الخطأ الذي وقع فيه اليهود باتباع طرائق الخداع، والدسّ، والأخبار المغلوطة. فأميركا التي اتبعت في الماضي أسلوب المغالطة حتى أنهكت قوى كّلٍ من العرب واليهود لم تتجّه اليوم إلى حل مشكلة المنطقة فحسب، بل إلى نقل المنطقة من حالة اضطراب ـــــــ وتسميه حالةَ حرب ـــــــ إلى حالة هدوء نسبيّ ـــــــ وتسميه حالةَ سلام -. وذلك لكي تتمكنَ على مهل من تركيز المنطقة على الوضع الذي رسمته لها، وهدفها أن تطردَ الإنكليزَ نهائيًّا من المنطقة، وتنفردَ وحدها بالسيطرة وبسط النفوذ عليها كلّها، عن طريق تقوية ما يُسمّى بدولة إسرائيل. وهكذا صار ما يسمّى اليوم بمشكلة الشرق الأوسط مثل مشكلة البلقان سواء بسواء. وكما وقع العثمانيون وأهل دول أوروبا الشرقية في شرك التضليل السياسيّ، وقع اليهودُ فيه، ونخشى أن يقع العرب نهائيًّا في الشرك نفسه. وإذا لم يُوجَد التّفكيرُ السياسيّ لدى المسلمين اليوم لإدراك مشكلة الشرق الأوسط، كما أدركت روسيا مشكلةَ أوروبا الشرقية، فإن مصيرَ الشرق الأوسط سيكونُ مثل مصير البلقان سواءٌ بسواء.
فسوءُ التفكير السياسيّ هو الذي يدمرّ الشعوبَ والأممَ، وهو الذي يهدمُ الدولَ أو يُضعفُها، وهو الذي يحولُ بين الشعوب المستضعفَة والانعتاق من ربقة الاستعمار.
والتفكيرُ السياسيّ الذي ينفعُ هو التفكيرُ الجماعيّ وليس التفكير الفرديّ وحده، أي هو تفكيرُ الشعب والأمّة، وليس تفكيرَ الأفراد وحدهم حتى لو كانوا من العباقرة. لذلك يجب تثقيف الأمة تثقيفًا سياسيًّا، ويجب تمرين الأمة وتعليمها على التفكير السياسي، حتى يكون التفكير السياسي تفكير الأمة وليس تفكير الأفراد فحسب.
هذا هو التفكير السياسي، فهو تفكير في العلوم السياسية والأبحاث السياسية، وتفكير في الأحداث السياسية والوقائع السياسية. والتفكير الأول لا قيمة له من حيث رعاية شؤون الأمة، ولا يزيد على مجرد المعرفة للأفكار، أما التفكير في الأحدث والوقائع السياسية فهو الذي ينفع ويفيد وهو الذي يكون له أثر باهر وتأثير عظيم. لذلك فإنه إن جاز التفكير السياسي في العلوم السياسية والأبحاث السياسية وكانت منه فوائد للأفراد من العلماء في السياسة، فإن التفكير في الوقائع والأَحداث واجب على الكفاية للأمة.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB