الإسلام وإيْديُولوُجيَّة الإنْسان
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   362
تاريخ النشر :   1989




الخاتمَة

الأيديولوجية تتضمّنُ معنى الحضارة، لأن من معاني الأيديولوجية كما ذكرنا في مقدمة هذا الكتاب أنها «حصيلةٌ فكريةٌ تقوم على تصورٍ شاملٍ للوجود...» والحضارة مفاهيم عن الوجود. فتكون الحضارة إحدى مفردات معاني الأيديولوجية.
ولكنّ كثيرًا من المفكرين يخلطون بين الحضارة والمدنية. ونحن، كما سبق، قد ميّزنا بين العلاقاتِ القائمةِ على أساسٍ من أيديولوجية الاشتراكيةِ والديموقراطيةِ والإسلام، وأظهرنا بالحججِ الدامغةِ والأدلّةِ الواضحةِ أنّ الإسلامَ هو الأيديولوجيةُ المثلى.
وإننا نريد أن نختمَ كتابنا هذا بالحديثِ عن الفارقِ الكبيرِ بين الحضارةِ والمدنيّةِ حتى يكونَ الناسُ على بيّنةٍ من أمرهم.
الحضارةُ والمدنيّةُ:
الحضارةُ: هي مجموعةُ المفاهيم النابعةِ من وجهةِ النظر إلى الحياةِ.
والمدنية: هي الأشكالُ المادّيةُ للأشياءِ المحسوسةِ التي تُستَعمَلُ في شؤونِ الحياةِ. وهي خاصّةٌ وعامّةٌ. فأشكالُ المدنية الغربية الناشئة عن العلم والصناعةِ كأدواتِ المختَبراتِ والآلاتِ الزراعيةِ والصناعية ونحوها، والأثاثِ ولوازم البيت، وغيرها، أشكالٌ مدنيةٌ عالميةٌ لا يُراعى في أخذها أيّ شيء، لأنها ليستْ ناشئةً عنِ الحضارةِ ولا تتعلّقُ بها.
وأمّا المدنيةُ الغربيةُ الناجمةُ عن الحضارةِ الغربيةِ فلا يجوزُ أخذُها لأنها تتناقضُ معَ الحضارةِ الإسلامية في الأساسِ الذي تقومُ عليهِ كلّ المناقضةِ، ولا تتفقُ معها. فالحضارةُ الغربيةُ تعتبر صورة المرأةِ العاريةِ، بكلِّ ما فيها من مفاتن، شكْلًا مدنيا يتفقُ مع مفاهيمها في الحياةِ عن المرأةِ، أوْ شكلًا فنيًا، ولذلك يعتبر الغربي هذه الصورة قطعةً فنيةً يعتزّ بها كشكلٍ مدنيٍّ إذا توفّرَتْ فيها شروطُ الفنّ.
ولكنّ هذا الشكلَ العاري من صورة المرأة يتناقضُ معَ حضارةِ الإسلام، ويخالِفُ مفاهيمهُ عنِ المرأةِ باعتبارها عِرْضًا يجبُ صيانتُهُ. ولذلكَ يمنعُ هذا التصوير لأنّهُ يُسَبّبُ إثارَةَ الغريزةِ الجنسيةِ، ويؤدّي إلى فوضويّةِ الأخلاقِ. وكذلكَ إذا أرادَ المسلمُ أن يبنيَ بيتًا فإنّهُ يقيم حوله سورًا من الخارج، ويراعي، في تقطيعه من الداخل، عدمَ انكشافِ المرأةِ في حالِ تبذّلها فيهِ. بخلافِ الغربيّ الذي لا يُراعي ذلكَ، بلْ يسيرُ وفقَ حضارتِه.
وكلّ ما نتجَ منَ الأشكالِ المدنيةِ عنِ الحضارةِ الغربيةِ كالملابسِ والتماثيلِ ونحوها، يتحرّكُ في إطارِ الحضارةِ المذكورةِ. وهي حضارةٌ تقومُ على أساسِ فصْلِ الدينِ عنِ الحياةِ، وإنكارِ أنّ للدينِ أثرًا في الحياةِ، أو بعبارةٍ أخرى، فصل الدّينِ عن الدولة. وهدف الحياةِ في هذهِ الحضارةِ، هو المنفعة. ولذلكَ كانَتِ السعادةُ عندهُمْ إعطاءَ الإنسانِ أكبرَ قسطٍ من المتْعَةِ الجسدية، وتوفير أسبابها له. ومن هنا كانت حضارتهم نفعيةً بحتةً لا تقيمُ لغيرها أيّ وزنٍ ولا تعترفُ إلا بنفسها فقطْ. وأما الناحيةُ الرّوحيةُ فهيَ فرديةٌ لا شأنَ للجماعةِ بها، وتكادُ تكون محصورةً بالكنيسة. وبناءً على ذلك كانتِ الأعمالُ الإنسانيةُ تابعةً لمنظماتٍ منفصلةٍ عنِ الدولةِ كمؤسّسةِ الصليبِ الأحمرِ، والإرسالياتِ التبشيريةِ، ولهذا لا تعرِفُ الحضارةُ الغربيةُ القيمَ الأخلاقيةَ أو الروحيةَ أوِ الإنسانيةَ، بل القيَمَ الماديةَ والنفعيةَ فقطْ.
وأمّا الحضارةُ الإسلاميةُ فتقومُ على أساسٍ روحيّ هو العقيدةُ الإسلاميةُ. وتصويرُ الحياةِ في الحضارةِ الإسلاميةِ يتمثّلُ في فلسفةِ الإسلامِ التي انبَثَقت عنِ العقيدةِ الإسلاميةِ، وهي مزْجُ المادّةِ بالرّوحِ، أيْ جعلُ الأعمالِ مُسَيَّرةً بأوامرِ اللهِ ونواهيهِ. فالعملُ الأنسانيّ مادّةٌ، وأدراكُ الإنسانِ صلَتَهُ باللهِ حينَ قيامهِ بالعملِ، منْ حيثُ كونُه حلالًا أو حرامًا، هو الرّوحُ، وبذلكَ تمتزجُ المادّةُ بالرّوحِ. وبناءً على ذلك كانتْ أوامرُ اللهِ ونواهيهِ، هيَ المحرّكَ لأعمالِ المسلمِ، وهيَ أعمالٌ خاضعةُ لطَلَبِ اللهِ نهْيًا كانَ أو أمرًا، ولا علاقَةَ لذلكَ بالنفعيةِ. أمّا القَصْدُ من القيامِ بالعملِ نفسهِ فلا يتعدّى القيمةَ التي يُراعى تحقيقها حينَ القيام بالعملِ. والقيمةُ مختلفةٌ باختلافِ العملِ، فقد تكونُ مادّيةً كالتجارةِ بقصدِ الرّبحٍ، يُراعى تحقيقها منَ القيامِ بالعملِ، وقد تكونُ رُوحيةً كالحجّ والصيام والصّلاةِ، وقدْ تكونُ أخلاقيةً كالأمانةِ والصّدقِ والوَفاءِ، وقدْ تكونُ إنسانيةً كإغاثةِ الملْهوفِ.
وأمّا السعادة فإن الإسلام جعل لها معنى حقيقيًا في نظر المسلمينَ. فبعد أن كانت السعادة عندَ الناسِ إشباعَ الجوع وإعطاءَ الجسدِ متعَةً، صارتِ السعادةُ هي نوالَ رضوانِ اللهِ، لأنّ السعادَة هي الطمأنينةُ الدائمةُ للإنسان، وهي لا تتأثر بالملذات ولا بالشهوات، وإنما تتأثر بنوال رضوان ربِّ العالمين.
وهكذا فإن الإسلام أثّر في وجهة نظر الشعوب التي اعتنقته من حيث الاعتقاد، ومن حيث الأعمال التي يقومون بها في هذه الحياة، وغيَّر مراتب الأشياء فرفع من مرتبة أشياء وخفض من مرتبة أخرى. فبعد أن كانت الحياة هي أعلى مرتبة عند الإنسان، والمبدأ هو أقل مرتبة منها، قلب هذه المراتب، فجعل المبدأ في المرتبة الأولى، لأنه أغلى قيمة من الحياة. وبذلك وضعت الأشياء في المراتب اللائقة بها، فصارت الحياةُ سامية، وصار المسلمُ يشعُرُ بالطمأنينة الدائمة. وبذلك تغيرت المثل العليا عند الناس، فبعد أن كانت لتلك الشعوب مثل عليا متعددة، متغيرة، صار لهم مثل أعلى واحد ثابت. وتبعًا لتغيرِ المثل العليا عند الشعوبِ والإممِ تغيرَتْ معاني الأشياءِ عندهم عما كانتْ عليه، وتغير مفهومُ الفضائلِ. فالشجاعةُ الشخصيةُ، والشهامةُ الفردية، والمناصرة العصبية، والتفاخر بالأموال والأحساب، والكرم إلى حدِّ الإسرافِ، والإخلاصُ للقوم، والقسوةُ في الانتقام، والأخذُ بالثأر، وما شاكل، كلّ هذا كان من أصولِ الفضائلِ عند العرب. فلما جاء الإسلامُ لم يتركْها كما هي عليه، بل جعلها صفاتٍ يتصف الإنسانُ بها إجابةً لأمرِهِ تعالى، لا لذات هذهِ الفضائلِ، ولا لما فيها من منافعَ، ولا لما تجره من مفاخرَ، ولا لأنها عاداتٌ وتقاليدُ وتراثٌ ينبغي أن يحافظَ عليه. ثم جعل الخضوع لله ولأوامره ونواهيهِ أصلًا لكلِّ الفضائلِ، فأوجب إخضاعَ منافعِ الفردِ والقبيلةِ والشعبِ والأمةِ لأوامرِ الإسلام.
وهكذا نقل الإسلامُ عقليةَ الشعوبِ التي اعتنقته إلى أعلى، كما نقل نفسيتَهُمْ، فأصبحوا، بعد دخولِهِمْ في الإسلام، غيرَهُمْ قبلَ دخولِهِ. ثم صاروا يعرفون أن للحياة معنًى خاصًا هو السموُّ والكمال، فأضحى لهم مثلٌ أعلى واحدٌ ثابتٌ هو رضوان الله سبحانه وتعالى. وأيقنوا أنَّ نيلَ هذا المثلِ الأعلى هو السعادةُ الحقيقةُ. ولم تعد السعادة، بنظرهم، إشباعَ جوعِ الإنسانِ، لأن إشباعه لازمٌ للمحافظةِ على ذاتهِ ولا علاقةَ لذلكَ بالسّعادةِ، وهذا هوَ الأساسُ الذي تقومُ عليهِ الحضارةِ الإسلاميةِ.
ونظرةٌ سريعةٌ للحضارةِ الغربيةِ تُرينا أنها عاجزةٌ عنْ ضمان السعادةِ والطّمأنينةِ للإنسانية، بلْ إنها على العكسِ منْ ذلكَ سبّبَتِ الشّقاءَ الذي يتقلّبُ فيه عالمُ اليومِ، ويسيرُ على أشواكهِ، ويصْطلي بنارهِ.
والحضارةُ التي تقفُ في وجهِ الفِطَرةِ الإنسانيةِ، فَتَفْصِلُ الدينَ عنِ الدولةِ، ولا تُقيمُ للناحيةِ الرّوحيةِ وزْنًا في الحياةِ العامّةِ، وتحصرُ الحياةَ بالمنافعِ الماديةِ، لا تُنْتِجُ إلا شقاءَ وقَلَقًا دائمينِ. فما دامت المنفعةُ هيَ الأساس، فالتنازعُ عليها طبيعيٌّ والنضالُ في سبيلها طبيعيّ، والاعتمادُ على القوّةِ في أقامةِ الصِّلاتِ بينَ البشرِ طبيعيّ. ولذلكَ يبقى الاستعمارُ قائمًا في طبيعةِ هذهِ الحضارةِ وأهلها ما دامتِ المنفعةُ وحدها أساسَ الحياةِ.
نظرةٌ أخرى إلى الحضارةِ الإسلاميةِ التي سيطرتْ على العالم منذُ القرْنِ السادسِ الميلاديّ حتى أواخرِ القرنِ الثامن عشر، تُرينا أنها لمْ تكنْ مستعمِرَةً ولا الاستعمارُ منْ طبعِها، فإنّها لمْ تُفَرِّقْ بينَ المسلمينَ وغيرِهِمْ، وقدْ ضَمْنَتِ العدالةَ لجميعِ الشعوبِ التي دانتْ لها طوالَ مُدّةِ حُكْمِها، لأنها حضارَةٌ تقومُ على الأساسِ الروحيّ الذي يحقّقُ جميعَ القيمِ من ماديّةٍ وروحيةٍ وأخلاقيةٍ وإنسانيةٍ.
فعلى العالم أن يتمثّلَ بهذهِ الأيديولوجية الإسلامية السّامية، وأن يعتنقَ مفاهيمها لأنها قادرةٌ على حلّ الأزَماتِ القائمةِ كلّها، وهيَ تكفلُ الرّفاهيةَ للناسِ جميعًا. وحتى يصل الناس إلى تطبيقها عليهم أن يعرفوا هل طبقت هذه المفاهيم الإسلامية سابقًا؟ وإذا طبقت سابقًا فما هي العوائق التي تحول دون تطبيقها حاليًا؟
في رأينا أن هذه العوائق تكمن، ولا ريب، في ضعف المسلمين، لأنهم بعد الضعف والوهن اللذين حاقا بهم صاروا عاجزين عن تطبيق إسلامهم تطبيقًا صحيحًا.
ولكي يمكن الوقوف على تلك العوائق التي تحول دون تطبيق الأيديولوجية الإسلامية، فإن القارئ الكريم يجد شرحًا وافيًا عن ذلك في كتابنا «عوامل ضعف المسلمين».
والله ولي التوفيق



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB