الإسلام وإيْديُولوُجيَّة الإنْسان
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   362
تاريخ النشر :   1989




الجهْد الإنسَاني

إنَّ المصادرِ الثلاثة السابقة: الزراعة والصناعة والتجارةَ، لا تُعْطي الإنتاجَ إلّا بجهدِ الإنسانِ، فهو الذي يزرعُ الأرضَ ويصنعُ المصنوعاتِ ويديرُ الآلة، وهو الذي يقومُ بالبيع والشراء، ولذلك فهو مصدرٌ هامٌّ من مصادِرِ الثروةِ. وإذا لم يكن بُدّ منهُ في الزراعةِ، فمنَ المؤكّد أنهُ لم يكنْ جزءًا منها. وكذلك في الصناعةِ والتجارةِ لا يعَدّ جزءًا من أيّ واحدةٍ منهما. إنّه مصدر مستقلّ عن الثلاثة.
وجهدُ الإنسان هو العملُ الذي يقومُ به، عقْليًّا كانَ أو جسميًا. ولهذا قِيْلَ لمنْ يقومُ بالأعمالِ: عمال. والأدقّ أنْ يقال: الأجراء، لأنّ البحثَ بحثُ الأجراء لا العمال. والأجيرُ هو كلّ إنسان يشْتَغِلُ بأجْرَة سواءٌ كان المستأجِرُ فَردًا أم جماعةً أم دولةً، فموظّفُ الدولةِ أجيرٌ. والأجرَةُ هي المالُ الذي يُعطى مُقابلَ قيامِ الإنسانِ بالعَمَلِ سواءٌ كان نقدًا أمْ سِلْعَةً فكلّهُ مالٌ، لأنّ المالَ هو كلّ ما يتمول، أي كل ما يُنْتَفَعُ به من الأشياءِ. والبحثُ الاقتصاديّ في الأجيرِ يُبنى على مَعْرِفَةِ الأساسِ الذي يقومُ عليهِ تقديرُ الأجْرَةِ للأجيرِ.
وقد عرّفَ الفُقهاءُ الإجارَة بأنها عَقْدٌ على المنفعةِ بعوضٍ. فجعلوا العقدَ مسلطًا على المنفعةِ، وجعلوا العوض مقابل تلك المنفعةِ، أي جعلوا المنفعة أساسًا لتقدير الأجرة، وقالُوا: إنّ تمليكًا مِن الأجيرِ للمستأجرِ منفعة، وإنّ تمليكًا منَ المستأجر للأجير مال. وقد استنبطَ ذلك من كتاب الله تعالى وسنةِ رسوله في قوله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} (سورة الطلاق: الآية 6) فجعل إعطاء الأجورِ مقابِلَ الإرضاعِ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم عن الله عز وجل: «ثلاثةٌ أنا خصمُهم يومَ القيامةِ: رجلٌ أعطى بي ثم غَدَرَ، ورجلٌ باعَ حُرًّا فأكلَ ثمنَه، ورجلٌ استأجرَ أجيرًا فاستوفى منه ولم يُوفِه أجْرَهُ». فجعلَ استيفاء المنفعةِ قائمًا على إيفاءِ الأجرِ، وبذلك تكونُ المنفعةُ أساسًا لتقديرِ الأجرِ.
والعَقْدُ في إجارَةِ الأجيرِ إمّا أنْ يردَ على منفعةِ العملِ كالمنفعةِ التي يقدّمُها أصحابُ الحِرَفِ والصنائعِ مثل الصائغِ والنجّارِ والمهندسِ والطبيبِ والمحامي، وإمّا أن يرِدَ على منفعة الأجيرِ نفسه كالخادم والبستاني. وفي كلتا الحالتين لا بُدّ أن تكونَ الأجرةُ معلومةً، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «ومن كان يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فلا يستعملنَّ أجيرًا حتى يُعلمَهُ أجره».
وفي نهاية هذا البحث، بحثِ الجهد الفكري والمادي الذي يقدمه الإنسان للحصول على سلع وخدمات كي يسد بها حاجاته، نكون قد أنهينا الخطوط العريضة الأولى من السياسة الاقتصادية، وهي معالجة المصادر الأربعة التي ذكرناها. وبقي علينا أن نبحث الخطوط العريضة الثانية من السياسة الاقتصادية وهي: ضمان الحاجات الأساسية.
ولكن قبل دخولنا في هذا البحث علينا أن نعي معنى الفقر والغنى، ومفهوم كل منهما محليًا وعالميًا، حتى نستطيع أن نميز الحاجات الأساسية من الحاجات الكمالية.
الغنى والفقر:
يقال في اللغة: أغنى غِناءً الرجل: أجزاه وكفاه. والغنى ما يستغني به الإنسان مما هو قدر كفايته لإشباع حاجاته، وسمي غنى للاستغناء عن الناس.
والفقرُ في اللغة: الاحتياجُ. يقال: افتقر إليه أي احتاج فهو فقير. والفقر ضد الغنى. وذلك أن يصبحَ الإنسانُ محتاجًا وليس له القدرة على شراء ما يكفي لسدِّ حاجاته.
والفقيرُ في الشرع الإسلامي هو المحتاجُ الضعيف الحال.
أما في النظامِ الرأسمالي فيجعلونَ الفقرَ شيئًا نسبيًا، وليس هو مُسمى لشيءٍ معين ثابت لا يتغير، فيقولون: إنَّ الفقر هو عدم القدرةِ على إشباع حاجات الفرد من سلعٍ وخدمات. وبما أن الحاجات تنمو وتتجددُ كلما تقدمت المدنية، لذلك كان إشباع الحاجات يختلفُ باختلاف الأشخاص والأمم. فالأمم المتخلفة تكونُ حاجات أفرادها محدودة، فيمكن إشباعها بالسلع والخدمات الضرورية. ولكن الأمم الراقية المتقدمة ماديًا تكون حاجاتها كثيرة ولذلك يحتاجُ إشباعها إلى سلعٍ وخدمات أكثر، ويكون اعتبار الفقر فيها غير اعتباره في البلدان المتأخرة. فمثلًا يعتبرُ عدم إشباع الحاجة من الكماليات، في أوروبا وأميريكا، فقرًا، ولكن عدم إشباع الحاجات الكمالية، في باكستان والهند، مثلًا، في حال إشباع الحاجات الأساسية، لا يعتبر فقرًا. وهذا الاعتبار في النظام الرأسمالي خطأ لأنه يجعل معنى الأشياء اعتباريًا وليس حقيقيًا، وكل شيء له واقع حقيقي يجبُ أن يُعَرَّفَ بواقعه، وليس هو شيئًا اعتباريًا لا واقع له، ولأن التشريعَ الموضوع للإنسان لا يجعلُ النظام مختلفًا باختلاف الأفراد، ما دام قدجاء للإنسان بوصفه إنسانًا لا بوصفه فردًا.
فلو كانت الدولة تحكمُ أفرادًا في إيطاليا وأفرادًا في تركيا لا يصحُّ أن تختلفَ نظرتها للفقير في بلد عن بلدٍ آخر لأنَّ كلًا منهما إنسان وعليها أن تضعَ العلاجَ لمشاكله.
وقد اعتبر الإسلامُ الفقرَ شيئًا واحدًا للإنسان في أي بلد وفي أي جيل. فالفقر في نظر الإسلام هو عدم إشباع الحاجات الأساسية إشباعًا كاملًا. وقد حدد الشرعُ هذه الحاجات الأساسية بثلاث هي: المأكل والملبس والمسكن.
قال تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ } (سورة الطلاق: الآية 6) وقال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن» وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «ليس لابن آدم إلا كسرة خبز يسد بها جوعته، وشربة ماء يطفئ بها ظمأه، وقطعة ستر يستر بها عورته». فهذه النصوص تدل دلالة صريحة على أن الحاجات الأساسية هي المأكل والملبس والمسكن، وما زاد عليها فهو من الحاجات الكمالية.
والفقرُ بالمعنى الإسلامي هو من الأمور التي تكونُ سببًا لانحطاط الأمة وهلاكها. وقد جعله الإسلام من وعد الشيطان، قال الله تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ} (سورة البقرة: الآية 268).



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB