الإسلام وإيْديُولوُجيَّة الإنْسان
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   362
تاريخ النشر :   1989




الصناعة

الصناعةُ أساسٌ هامّ منْ أُسُسِ الحياةِ الاقتصاديةِ لأيّةِ أُمّةٍ أوْ أيِّ شعْبٍ في أيِّ مجتمعٍ. وقَدْ بَيَّنَ الإسلامُ أحكامَ المصانعِ بأنّ الأصلَ فيها أنها ملكيةٌ فرديةٌ،فلكلِّ فردٍ من أفرادِ الرعيةِ أنْ يملكَ المصانعَ، لأن المصنعَ في الإسلام داخلٌ في الملكيّةِ الفرديةِ، وليس بداخلٍ في الملكيةِ العامّةِ ولا في ملكيةِ الدولةِ.
والدليلُ على ذلك أنّ الرسولَ صلى الله عليه وآله وسلم استصنعَ منبرًا عندَ مَنْ يملك المصنعَ ملكيّةً فرديةً.
غيرَ أنّ الصناعةَ تأخذُ حكْمَ ما يجري صنعُهُ، والقاعدةُ الشرعيةُ تقولُ: «الصناعةُ تأخذُ حكمَ ما تُنْتِجُهُ». مثلًا: صناعة العصر مباحة، سواء كانت عصر عنب أو تفاح أو غير ذلك، لأن الصناعة، من حيث هي صناعةٌ مباحة، ومنها صناعة العصر، فتدخل في عموم إباحة الصناعات. ولما جاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حرم صناعة عصر الخمر. عن أنس قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الخمر ستة: شاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها». كما أن الشّرْعَ رأى في بعض الحالات أنّ المصانعَ لا يجوزُ أنْ تملَكَ ملكيةً فرديةً. ولما كانت المصانعُ قائمةً على الموادِّ الأولية والأشياء التي تتعلّقُ بطبيعةِ تكوينها بمصلحة الجماعة والمرافق العامّة، فالبحثُ إذًا يجبُ أنْ يدورَ حولَ هذهِ الحالاتِ الثلاث.
1 ـــــــ الحالةُ الأولى: المعادنُ الصلبةُ كالفضّة، والحديد، والنحاس، والرصاص وغيرها... أو السائلة كالنفطِ والزئبقِ وما شاكلهما... فإن الأرض التي يوجد فيها أمثال هذه الأشياء المذكورة، لا يجوز أن تُقْطَعَ أو أن تعطى من قبل الدولة للأفراد، وإن أعطيت خطأ استعيدت من قبل الخليفة. والدليلُ إرجاعُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما أقْطَعَهُ من أرضٍ إلى عُمَرَ بن قيسٍ المأربيّ وغيرِهِ.
2 ـــــــ الحالة الثانية: الأشياءُ التي تمنَعُ طبيعةُ تكوينها اختصاصَ الفرْدِ بحيازَتِها، كملكيةِ الطريقِ العامّةِ والبحارِ والخلجانِ والمضايقِ والمساجدِ والمتنزهاتِ وما شاكلها، لقولِ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مِنَى مَناخُ مَنْ سَبَقْ».
3 ـــــــ الحالة الثالثة: ما هو مِنْ مرافقِ الجماعةِ بحيثُ لو لمْ يتوفّر لها بوصفها جماعة تفرّقَت في طلبهِ، كالماءِ والكلأِ والنار، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «المسلمونَ شركاء في ثلاث: الماءِ والكلأ والنّار».
وعلى هذا الأساس فإن مصانع الحلوياتِ والنسيج والسكر والزجاج، ومحالج القطن، والمطاحن، ومعامل السماد، وما شابهها تكون ملكيتُّها ملكيّةً فردية لأن ما تصنعه ليس من مرافق الجماعة.
ولن يجوز للدولة أن تشتري هذه الملكية الفردية أو أن تنشئها. فمثلًا يمكن للدولة أن تشتري مصانعَ السيارات والبرادات من أصحابها، أو أن تنشئ هذه المصانع وما شابهها. إذ إنّ كلّ ما هو داخلٌ في الملكيةِ الفردية يجوز للدولة أن تملكَ مثلهُ، لا سيما وأن الدولة قد تدخلت في العصر الحديث في كثير من المشاريع الاقتصادية التي كانت متروكة للنشاطات الفردية. كما أن الصناعات الضخمة مثل صناعة القطارات أو الطائرات أو السيارات ونحوها، إنما يحتاجُ القيامُ بها إلى أموالٍ ضخمة، والدولة هي الأقدر على القيام بمثل هذهِ الصناعاتِ لأنها هي التي تملك الإمكانات لذلك، ولأن إنشاءَ مثلَ هذه الصناعات يحتاجُ إلى رأسمالٍ كبير لا يقوى عليه الأفراد أو المشاريع الخاصة في أغلب الأحيان. ولذلك درج الغربُ على إنشاءِ شركات المساهمةِ التي يتيح لها نظامُ تكوينها أن تجمعَ أموالًا طائلة تستطيع بها أن تؤسس وأن تمتلكَ امتلاكًا فرديًا مثل هذه الصناعاتِ.
الإسلام يحرم شركات المساهمةِ، ويحرم اجتماعَ عدّةِ شركاتٍ مساهمةٍ في شركةٍ واحدة مثل التروستات والكارتل، لأن الشركة في الإسلام هي من باب العقود كالبيع والإجارة، وليست كالوقف والوصية من قبل الإرادة المنفردة. ولهذا لا تكونُ الشركةُ إلا من شركاء يباشرون بأنفسهم التصرّف في الشركة، أو بأموالهم مع شريك يتصرّف هو مباشرَةً بنفسهِ. وهذه من طبيعتها لا يحصل فيها تجمعُ مال. ولهذا فإنه ليس من السهل، حسب أحكامِ الشركةِ في الإسلام، أنْ تنشأ شركةٌ تملك أموالًا ضخمةً تقدر على إنشاء مصانعَ كبرى. فلا يبقى قادرًا على ذلك إلا الدولة، وتصبح هذه المصانعُ، وإن كانت في الأصل ملكية فردية، داخلةً في نطاق الدولة، نظرًا لضخامة نفقاتها، التي لا ينهض بها إلا الدولة.
ولهذا لا توجد احتكارات للمصانع أو للصناعات الكبرى كما هي الحالُ في النظامِ الرأسمالي. بل إن طبيعة تطبيق أحكام الشرعِ تجعلُ مثلَ هذه الأشياء ملكًا للدولةِ ولو كانت من الملكية الفردية. وهكذا تكون الدولة هي المتصرفة بما هو داخلٌ في الملكية العامة، ولها كذلك أن تملك كل ما هو داخلٌ في الملكية الفردية، ولكن برضى صاحبها. ولا يحل للدولة أن تستولي عنوةً على المصنع الداخل في حكم الملكية الفردية لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه». فإذا ملكت الدولة المصانع التي تدخل في الملكية الفردية كمصانع الآلات الثقيلة فإن أرباحَها تكون للدولةِ، وتوضع في بيتِ المالِ مع الخراج والضرائب ونحوها، وتصرف برأي الخليفة واجتهاده كسائر أموال الدولة. وله الحق أن يبيعَ هذهِ المصانع أو أن يعطي امتيازَها للأفراد، بخلاف ما هو داخل في الملكيةِ العامةِ من المصانع وغيرها، فإنها ملك لعامةِ المواطنين ولا يحلّ للدولة أن تبيعها أو تهبها أو تعطي امتيازها لأحد، لأنها ليست لبيت المالِ وإنما بيت المال حِرْزٌ لأرباحها ليس غير، ويكون توزيعُ هذه الأرباح على جميع المواطنين بدونما تمييزٍ ولا تفريق.
والأرباحُ الناتجةُ عما هو داخلٌ في الملكيةِ العامةِ تُوَزَّعُ على الرعيةِ. فقد تُوزع عينًا وقد توزع ثمنًا، وذلك راجع لرأي الإمام واجتهاده. فللدولة أن تعطيَ الرعية ما هو داخلٌ في الملكيةِ العامة كالماءِ والكهرباءِ بالمجان قدر حاجتهم، ولها أن تبيعها إيّاهُ بسعرِ السوق، كالنفطِ والحديد، أو توزع عليهم ثمنه من غير تمييز ولا استثناء، وفقًا للطريقة التي ترى فيها مصلحة للناس.لأن ما هو داخلٌ في الملكية العامة لا يصح أن يصرف في شؤونِ الدولة، فهو من حقِّ النّاس، وليس للإمام أن يتصرف بشيءٍ منه مطلقًا، إلّا أنّ كيفية رعاية شؤون الملكية العامة فقط موكول أمرُها للخليفة حسب نص الشرع.
هذه هي أحكامُ الصناعة وكيفيةِ معالجتها من ناحية المصنع فقط، وليس من ناحيةِ العمال أو تصريفِ الإنتاجِ، لأن المصنعَ هو وحدهُ الأصل في الصناعةِ، وبيانُ أحكامِهِ بيانٌ لأحكامِهَا. وليس في الصناعةِ أحكامٌ شرعيةٌ خاصّةٌ بها سوى أحكام المصانع.
أما موضوع العمال فهو مصدر اقتصاديّ آخرُ يتعلق بجهد الإنسان، وكذلك تصريف الإنتاج فهو أيضًا مصدرٌ اقتصاديّ آخرُ يتعلق بالتجارة.
ciloxan notice kobhvorlangtid.site ciloxan alkohol



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB