الإسلام وإيْديُولوُجيَّة الإنْسان
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   362
تاريخ النشر :   1989




الإقتصَاد في الإسلام

هذه لمحة موجزة عن الاقتصاد في الإسلام، منبثقة عن عقيدته، مع العلم أن العالم اليوم يعاني من صراع اقتصادي طبقي، أدى ويؤدي إلى منازعات لا تعد ولا تحصى.
إن كلمة الاقتصادِ مُشتقّةٌ منْ لفظٍ أغريقيٍّ قديمٍ، معناهُ «تدبير أُمورِ البيتِ» بحيثُ يشترِكُ أفرادُه القادرونَ في إنتاجِ الطيباتِ، والقيامِ بالخدماتِ، ويشتركُ جميعُ أفرادهِ في التمتعِ بها. ثمّ توسّعَ الناسُ في مدلولِ البيتِ، حتى أُطْلِقَ على الجماعةِ التي تحكمُها دولةٌ واحدةٌ. وعليهِ فلمْ يَعُدِ المقصودُ منْ كلمةِ «اقتصاد» المعنى اللغويّ، وهو التوفيرُ، ولا معنى المال، وإنما المقصودُ المعنى الاصطلاحيّ لمسمّى معيّنٍ، وهو تدبيرُ شؤونِ المالِ، إمّا بتكثيرِهِ وتأمينِ إيجادِهِ، ويبحثُ فيهِ علْمُ الاقتصادِ، وإمّا بكيفيةِ جبايته وتوزيعهِ، ويبحَثُ فيهِ النظامُ الاقتصاديّ.
وإذا كانَ علْمُ الاقتصادِ، والنظامُ الاقتصاديّ يبحثانِ في الاقتصادِ فإنهما شيئانِ مختلفانِ متغايرانِ، ومفهومُ أحدهما يختلِفُ عنْ مفهومِ الآخر.
فالنظامُ الاقتصاديّ لا يتأثّرُ بكثرةِ الثروةِ ولا بقلّتِها، بلْ لا يتأثّرُ بها مُطلَقًا.
وكثرةُ الثروةِ وقلّتها لا يؤثِّرُ فيها شكْلُ النظامِ الاقتصاديّ بوجْه منَ الوجوهِ. وعليهِ كانَ منَ الخطأ الفادحِ جَعْلُ الاقصادِ موضوعًا واحدًا يُبحثُ باعتبارهِ شيئًا واحدًا. لأنّ تدبير أمور الجماعةِ منْ حيثُ توفيرُ المالِ، أي إيجادُهُ، شيءٌ، وتدبير أمورِ الجماعةِ مِنْ حيثُ توزيعُ المالِ المدبرِ شيءٌ آخرُ. ولذلكَ يجبُ أنْ يُفْصلَ بحثُ تدبيرِ المالِ عنْ بحثِ تدبيرِ توزيعهِ، إذ الأوّلُ يتعلّق بالوسائلِ، والثاني يَتَعَلّقُ بالفكرِ. وإذا لمْ يتمّ هذا الفصلُ فإن ذلك يؤدّي إمّا إلى الخطأ في إدراكِ المشاكلِ الاقتصاديةِ التي تُراد مُعالجتُها، وإمّا إلى سوءِ فَهمِ العواملِ التي توفّرُ الثروةَ أي تُوجِدُها في البلادِ.
ولهذا يجبُ بحثُ النظامِ الاقتصاديّ باعتبارِهِ فكرًا يؤثّرُ في وُجْهَةِ النظرِ في الحياةِ ويتأثّرُ بها.
إنّ علمَ الاقتصادِ، باعتبارِهِ عِلمًا، لا علاقَةَ لهُ بِوُجْهَةِ النَّظَرِ في الحياةِ، فيكون البحث الأهَمّ هو النظام الاقتصادي لأنّ المشكلةَ الاقتصاديةَ تدورُ حولَ حاجاتِ الإنسانِ، ووسائل إشباعها والانتفاعِ بهذِه الوسائلِ. وبما أنّ الوسائلَ موجودةٌ في الكَوْن فإنّ إنتاجَهَا لا يسبب مشكلةً أساسيةً في إشباع الحاجاتِ، بلْ إنّ إشباعَ هذه الحاجات يدفَعُ الإنسان لإنتاجِ هذه الوسائلِ، أو إيجادِها. وإنما المشكلةُ الموجودةُ في علاقاتِ الناسِ ناشئةٌ عنْ تمكينِ الناسِ منَ الانتفاعِ بهذهِ الوسائلِ، أو عدمِ تمكِينهِمْ. أي عن موضوعِ حيازةِ الناس لهذه الوسائل. ذلك هو أساسُ المشكلة الاقتصاديةِ وهو الذي يحتاجُ إلى علاجٍ. وبناءً عليهِ، فالمشكلة الاقتصاديةُ آتيةٌ منْ موضوعِ حيازَةِ المنْفَعَةِ لا منْ إنتاجِ الوسائلِ التي تعطي هذهِ المنفَعَةَ.
أساسُ النظام الاقتصادي:
المنفعةُ صلاحيةُ الشيءِ لإشباعِ حاجةِ الإنسانِ. وتتكونُ منْ أمرين:
1 ـــــــ أحدهما: مَبْلَغُ ما يشعرُ بهِ الإنسانُ منَ الرّغبةِ في الحصول على شيءِ معينٍ.
2 ـــــــ الثاني: المزايا الكامنةُ في الشيءِ نَفسِه، وصلاحيتها لإشباعِ حاجةِ الإنسانِ، لا حاجةِ فَرْدٍ معيّن. وهذه المنفَعَةُ يمكنُ أنْ تكونَ ناتجةً عنْ جُهْدِ الإنسانِ، أو عنِ المالِ، أو عنهُما معًا. وبما أنّ المالَ هو الذي يُشْبعُ حاجات الإنسان، وأنّ الجهْدَ الإنسانيَّ وسيلةٌ للحصول على المالِ عَينًا ومنفَعَةً، لذلكَ كانَ المالُ أساسَ المنفَعَةِ، وكان جُهْدُ الإنسان وسيلةً منَ الوسائلِ التي تمكّنُ منَ الحصولِ عليهِ.
ومنْ هنا كانَ الإنسانُ، بفطرتِهِ، يسعى للحصولِ على المالِ ليحوزهُ، وعليهِ فجُهْدُ الإنسانِ والمالُ هما الوسيلتانِ اللّتانِ تُسْتَخْدَمَان لإشباع حاجاتِ الإنسانِ.
وحيازَةُ الأفرادِ للثروةِ تتأتى إمّا منْ أفرادٍ آخرينَ، وإمّا منْ غيرِ الأفرادِ. وتكونُ إمّا حيازَةً للعينِ اسْتِهلاكًا وانتِفاعًا، وإمّا حيازَةً لمنفعةِ العينِ، وإمّا حيازةً للمنفَعَةِ الناتجةِ عن جُهْدِ الإنسانِ. وهذه الحيازةُ بجميعِ ما تصدُقُ عليهِ إمّا أنْ تكونَ بعوضٍ كالبيعِ وإجارَةِ المالِ وإجارَةِ الأجيرِ، وإمّا بغيرِ عوَضٍ كالهِبَةِ والإرثِ والعاريةِ.
وعلى ذلكَ فالمشكلةُ الاقتصاديةُ القائمة في العالم اليوم متعلقة بحيازَة الثروَة لا بإيجادِ الثروَةِ. وهيَ متأتِّيةٌ منَ النظرَةِ إلى الحيازَة أي الملكيّةِ، ومنْ سوءِ التصرّفِ في هذهِ الملكيةِ، أي منْ سوءِ توزيعِ الثروةِ بين الناسِ، ولا تأتي من غيرِ ذلكَ مطلقًا، ولهذا كانت معالجةُ هذهِ الناحيةِ أساسَ النظامِ الاقتصاديّ.
وعلى ذلكَ فالأساسُ الذي يقومُ عليهِ النظامُ الاقتصاديّ مبنيّ على ثلاثِ قواعدَ هيَ:
1 ـــــــ الملكيَة.
2 ـــــــ التصرّفُ في الملكيةِ.
3 ـــــــ توزيعُ الثروةِ بينَ الناسِ.
نظرة الإسْلام إلى منفعة المال وحيازته:
تختلفُ نظرةُ الإسلامِ إلى مادّةِ الثروةِ عنْ نظرتهِ إلى الانتفاعِ بها، وعندَهُ أنّ الوسائلَ التي تُعطي المنفَعَةَ شيءٌ، وأنّ حيازَةَ المنفَعَةَ شيءٌ آخرُ. فالمالُ وجُهْدُ الإنسانِ هما مادّةُ الثروةِ، وهما الوسيلتانِ اللتانِ تحققان المنفَعَةَ. ووضعُهُما في نَظَرِ الإسلامِ منْ حيثُ وجودُهما في الحياةِ الدنيا، ومن حيثُ إنتاجُهُما يختلفُ عن وضعِ الانتفاعِ بهما، وعن كيفية حيازَةِ هذه المنفَعَةَ. فالإسلامُ حرّمَ الانتفاعَ ببعضِ الأموالِ [المتأتية من المحرمات] كالخمرِ والميْتَةِ، كما حرَّمَ الانتفاعَ ببعضِ جهودِ الإنسانِ كالرقصِ والبغاءِ. وحرّمَ بَيعَ ما حُرّمَ أكْلُهُ منَ الأموالِ، وحرّمَ إجارَةَ ما حُرّمَ القيامُ بهِ منَ الأعمالِ.
وأمّا من حيثُ كيفيةُ حيازةِ الثروةِ، فقدْ شرّعَ الإسلامُ أحكامًا متعدّدَةً لحيازتها، كأحكامِ الصّيْدِ، وإحياء الأرض الموات، وأحكام الإجارَةِ والإرْثِ والهبَةِ والوصية. هذا بالنسبةِ للانتفاعِ بالثروةِ وكيفيةِ حيازتها، أمّا بالنسبةِ لمادَةِ الثروةِ منْ حيثُ وجودُها، ومن حيثُ إنتاجُها، فإنّ الإسلامَ لمْ يتدخَّلْ فيها مُطلَقًا، فالمالُ موجودٌ في الحياةِ الدنيا وُجودًا طبيعيًا، وخَلَقَهُ الله سبحانهُ وتعالى مُسخّرًا للإنسانِ. قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} (سورة البقرة: الآية 29) وقالَ: {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} (سورة الحديد: الآية 25). فبينَ في هذه الآياتِ وأشباهِها أنّهُ خَلَقَ المالَ وخَلَقَ جُهْدَ الإنسان، ولمْ يَتَعَرّضْ لشيءٍ آخرَ يتعلَّقُ بهما، ممّا يدلّ على أنّهُ لمْ يتدخّلْ في مادّةِ المالِ وجهدِ الإنسانِ، ولكنهُ بَيّنَ أنّهُ خَلَقَهَما لينتفع بهما الناسُ.
وكذلكَ لمْ يتدخّلْ في إنتاجِ الثروةِ. ولا يوجَدُ نصّ شرعيّ يدلُّ على أنّ الإسلامَ تدخّلَ في إنتاجِ الثروةِ، بلْ على العكسِ من ذلكَ فإنّ النصوصَ الشرعيةَ تدلّ على أنّ الشرْعَ تركَ الأمْرَ للناسِ في استخراجِ المالِ، وفي تحسينِ جُهْدِ الإنسانِ. فقد رُويَ أنّ الرسولَ صلى الله عليه وآله وسلم قالَ في موضوعِ تأبيرِ النخْلِ: «أنتم أدرى بأُمورِ دُنياكم». ورُوي أنّهُ أرسَلَ اثنين منَ المسلمينَ إلى اليمن يتعلّمانِ صناعةَ الأسلحَةِ، وهذا يدلّ على أنّ الشرْعَ تركَ أمْرَ إنتاجِ المالِ إلى الناسِ يُنتجونُه بحسَبِ خبرتهمْ ومعرفتهم.
وعلى هذا فالذي يتبينُ من ذلك أنّ الإسلامَ ينظرُ في النظامِ الاقتصاديّ لا في علْمِ الاقتصادِ، ويجعلُ الانتفاعَ بالثروةِ قائمًا. وقد بحث في كيفيّةِ حيازةِ هذه المنفَعَةِ، ولم يتعرّضْ لإنتاج الثروة، ولا إلى وسائل المنفعةِ مُطلقًا.
النظام الاقتصادي في الإسلام:
يقومُ نظامُ الاقتصادِ في الإسلامِ على الأمورِ التالية:
1 ـــــــ ملكيّةُ الأشياءِ للناسِ، وهذا هوَ الأصلُ، لأنهمْ مستخْلفون فيها عن الله، ولا تكون للأفرادِ إلّا بإذْنِ الشّارع.
2 ـــــــ تتحقّقُ الملكيةُ العامّةُ في كلّ ما كانَ منْ مرافقِ الجماعةِ، أوْ منَ الضرورياتِ للحياةِ العامّةِ.
3 ـــــــ الملكيةُ الفرديةُ حكمٌ شرعيّ مُقَدّرٌ بالعينِ أو المنْفَعَةِ، تُمكِّن من يملكها الانتفاع بها.
4 ـــــــ لا يجوزُ للدوْلةِ أنْ تأذَنَ للأفرادِ بملكيةِ ما يدخلُ في الملكيةِ العامّةِ كالمناجمِ ومنابعِ البترولِ والمراعي وساحاتِ البلدة وشواطئِ البحارِ ومضائقِ الأنهارِ وما شابهَ ذلكَ.
5 ــــــ يُمْنَعُ كَنْزُ المالِ ولو أُخْرِجَت زكاتهُ. والدولةُ يجبُ أنْ تعملَ على تداوُلِهِ بينَ الناسِ، وتحولَ دونَ تداوُلِهِ بينَ يدي فئَة خاصّة.
والملكيةُ الفرديةُ في الأموالِ المنقولةِ وغيرِ المنقولةِ مُقَيّدَةٌ بالأسبابِ الشرعيةِ الخمسة وهي:
(أ) العَمَلُ.
(ب) حاجة الإنسان للحياة كالطعام والشراب والكساء.
(ج) إعطاءُ الدولةِ من أموالها للأفراد لسدِّ الحاجةِ، أو الانتفاع بالملكيةِ.
(د) الإرث.
(هــــ) صلَةُ الأفرادِ بعضهم ببعض كالهبات والهدايا.
6 ـــــــ حقّ التصرّفِ الإنفاقيّ بهذهِ الملكيةِ الفرديةِ مُقيد بحدود الشرْع، فيُمْنَعُ السرفُ والتقتيرُ.
وتنميةُ الثروةِ مُقيدةٌ أيضًا بالحدودِ الشرعيةِ، فيُمْنَعُ الاحتكارُ والغبنُ والغِشُّ والرّبا والقمارُ وغيرُهُ مما حرَّمهُ الشرع.
7 ـــــــ يمنَعُ فَتْحُ المصارف ما عدا مصرِفَ الدولةِ الذي تُفتحُ له فروعٌ في جميع أنحاء البلاد. ويكونُ دائرةً من دوائرِ بيتِ المالِ يقومُ بإقراضِ الأموالِ بدون فائدة وحسبَ الحاجةِ، كما أنه ملزم بتسهيلِ جميع المعاملاتِ الماليّة.
8 ـــــــ الاكتشافاتُ والاختراعاتُ إذا كانت من مرافقِ الجماعةِ تصبحُ مُلكًا عامًّا.
9 ـــــــ تضمَنُ الدولةُ إيجادَ الأعمالِ لكلِّ مَنْ يحملُ التابعيةَ. وجميعُ الموظفينَ سواءٌ كانوا عندَ الأفرادِ أو الشركَاتِ أو الدولةِ، لهمْ جميعُ الحقوقِ والواجباتِ، وكلّ مَنْ يعملُ بأجْرٍ موظّفٌ مهما اختلَفَ نوعُ عَمَلِهِ. وتحدّدُ الدولةُ الأجرةَ للجميعِ.
10 ـــــــ تَضمَنُ الدولة نَفَقَةَ مَنْ لا مَالَ لَهُ ولا عَمَلَ، إذا لمْ يكنْ وراءَهُ مَنْ تَجِبُ عليه نَفَقَتُهُ. وتَتولى أيواءَ العَجَزَةِ وذوي العاهاتِ. وتُوَفِّرُ لكلِّ فرْدٍ الحاجاتِ الضروريةَ للعيشِ من مأكلٍ ومَلْبَسٍ ومسكنٍ. وعليها أنْ توَفّرَ جميعَ الخدماتِ الصحيةِ مجانًا للفقيرِ والغنيّ على السواء.
11 ـــــــ تعالجُ الدولةُ رفْعَ مستوى العيشِ، وبقاءَ التوازُنِ في المجتمعِ على الوجْهِ الآتي:
(أ) تعطي المالَ منقولًا وغيرَ منقولٍ ممّا تملكه.
(ب) إنْ لمْ يَفِ ما تملكه الدولة ملكَتْ ما فاض عن الحاجات الأساسية والكمالية من أموالِ الناسِ.
(جــــ) إذا مَلَكَتْ منْ أموالِ الناسِ أرضًا عشريةً تدفَع ثمنها لصاحِبها، وإن ملكَتْ أرْضًا خراجيةً لا تدفَعُ ثمنَها، وإنما تدفَعُ ثمنَ ما أُنْشئَ عليها.
12 ـــــــ يٌمْنَعُ منحُ الامتيازاتِ لأيّ أجنبيٍّ خوفًا من الاستغلال والتحكم والسيطرة.
سِيَاسة الاقتِصَاد:
سياسةُ الاقتصادِ هدفٌ ترمي إليهِ الأحكامُ التي تعالجُ تدبيرَ شؤونِ الإنسان.
وسياسة الاقتصاد في الإسلامِ مبنيّةٌ على أساسِ تحقيقِ أكبرِ عددٍ ممكنٍ من الرفاهيةِ للإنسانِ باعتبارِهِ إنسانًا، وباعتبارهِ يعيشُ في مجتمعٍ، لا باعتباره فردًا يعيشُ مُنعزلًا، أو فَرْدًا يعيش في مجتمعٍ لا يَرْتَبطُ أفرادُهُ بأيّةِ علاقةٍ.
فالنظرةُ الاقتصاديةُ في الإسلامِ تتلخّصُ في أنّ الاقتصادَ للإنسانِ لا للفردِ، وأنّهُ للمجتمعِ لا للجماعةِ المكوّنةِ من أفراد دونَ ملاحظةِ العلاقاتِ.
ولذلكَ نجدُ أنّ نظرةَ الإسلامِ هذه حتّمَتْ تحريمَ إنتاجِ الخمرِ واستهلاكهِ، ولا تعتبرُهُ بالنسبةِ للمسلمِ مادّةً اقتصاديةً. كما حتمَتْ تحريمَ الرّبا، ولا تعتبرهُ، بالنسبةِ لجميعِ مَن يحملونَ تابعيةَ الدولةِ، مادّةً اقتصاديةً، سواءٌ كانوا مسلمينَ او غير مسلمينَ.
فالإسلامُ لا يفصلُ اعتبارَ ما يجبُ أن يكونَ عليه المجتمعُ عن تحقيقِ الرفاهيةِ للإنسانِ، بَلْ يجعلُهما أمرينِ متلازمينِ. لأنهُ يهدِفُ إلى إيجادِ الطمأنينةِ عندَ الإنسانِ لا إلى مجرّدِ إشباعِ حاجَتِهِ، ويجعلُ نَيْلَ السعادةِ المثلَ الأعلى الذي يسعى المسلمُ لتحقيقهِ من الاقتصاد. قالَ تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} (سورة القصص: الآية 77). ولذلك جَعَلَ فَلسَفَةَ الاقتصاد مربوطةً بأوامر الله ونواهيهِ بناءً على إدراك الصلَةِ باللهِ، أي ربْط الفَكرة التي يُبْنى عليها تدبيرُ أمور المسلم والمجتمع بالحياة، وذلك بجعل الأعمال الاقتصادية موافقةً للأحكامِ الشرعيةِ باعتبارِها دِينًا، وربْطِ تدبيرِ أمورِ الرعيةِ بمنْ يحملونَ التابعيةَ، وتقييد أعمالِهم الاقتصادية بالأحكامِ الشرعيةِ باعتبارِها تشريعًا، فأباحَ لَهُمْ ما أباحَهُ الإسلامُ، وقيدَهُمْ بما قيّدَهُمْ بهِ. قالَ تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} (سورة الحشر: الآية 7). وقالَ: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (سورة النور: الآية 63).
وقدْ قَيّدَ الذينَ يحملُون التابعيةَ بهذه الأحكامِ بالتوجيهِ الذي يجعَلُ المسلمَ يُنفّذُ هذه السياسةَ بدافع تقوى الله، والتشريعِ الذي تُنفّذُهُ الدولةُ. قالَ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (سورة البقرة: الآية 278) .
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً} (سورة البقرة: 282). وقالَ: {وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا} (سورة البقرة: الآية 282). وفي ذلك بيانُ الكيفيةِ التي تُنفّذُ بها هذهِ الأحكامُ، وما يضمَنُ تقيدهمْ بها.
وقد شملتْ هذهِ الضمانَةُ الأحكامَ التي تتعلّقُ بالفردِ والمجموعِ. فحرّمَ الاعتداءَ على الملكيةِ العامّةِ كما حرّمَ الاعتداء على الملكيةِ الفرديةِ، وجَعَلَ تنفيذَ حقِّ الله كتنفيذِ حقّ الإنسانِ، وجَعَلَ تنفيذَ الزكاةِ كتنفيذِ النَفَقَةِ.
وحينَ شرّعَ الأحكامَ راعى الإسلامُ مصلَحَةَ الفرْدِ والجماعَةِ. فحين شرّعَ للجماعةِ ما بينَها من علاقاتٍ راعى مصلحةَ الفردِ، وحينَ شرّعَ للفردِ ما بينَهُ وبينَ غيرِهِ من علاقاتٍ راعى مصلَحَةَ الجماعَةِ. ولذلكَ نجدهُ حينَ جَعَلَ للدولةِ حقّ أخْذِ المالِ منَ المسلمينَ، لإدارةِ شؤونِ الرعيةِ، قَيد الدولةَ بأنْ لا تأخذَ إلّا فضولَ الأغنياءِ، أي ما يزيدُ عنْ حاجاتِهِمْ الضروريةِ، وهيَ المأكلُ والملبسُ والمسكنُ والزواجُ، ووسيلة النقل. فهذا التشريع الذي يحفظُ الجماعةَ، رُوعِيَتْ فيهِ مصلَحَةُ الفردِ. ونَجِدُ الشّرْعَ أيضًا يتيحُ للفردِ أن يبنيَ بيتًا أو يزرعَ بستانًا، ومن ناحيةأُخرى فَرَض عليهِ حقَّ الطريقِ ومنعهُ من البناءِ أوِ الزرعِ على أيِّ وجه يعتدي به على حق الطريق أو على ملكيّة عامّة. وحينَ أباحَ للفردِ بَيعَ ما يملكُ ـــــــ عن طريق التجارة ـــــــ خارجَ الدولةِ الإسلاميةِ مَنَعَهُ من بَيعِ السّلاحِ وكلّ ما يتقوّى بهِ العدوّ على الدولةِ. فهذا التشريعُ للفردِ رُوعِيَتْ فيهِ مصلحةُ الجماعَةِ.
وهكذا نجدُ الإسلامَ، معَ كونِهِ يُشرّعُ للإنسانِ ويشرّعُ للمجتمعِ، يَنْظُرُ إلى ما يجبُ أنْ يكونَ عليهِ المجتمعُ. إنهُ يشرّعُ في الاقتصادِ لمجتمعٍ معيّن لهُ صفةٌ معينةٌ.
ولا يكتفي الإسلامُ بذلك، بل هو يحثّ على الكسبِ وطَلبِ الرزق والسّعي لتحقيقِ أكبرِ درجةٍ ممكنةٍ من الرفاهيةِ للفردِ وللمجموعِ.
ولذلكَ كانَ السعْيُ بكسبِ الرّزق فَرضًا على كلّ رجلٍ. قالَ تعالى: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ} (سورة الملك: الآية 15). وقالَ الرسول عليه وعلى آلهِ الصلاةُ والسلامُ: «طَلَبُ الحلالِ كمُقَارَعَةِ الأبطالِ، ومنْ ماتَ في طَلَبِ الحلالِ ماتَ مَغفورًا لهُ». وقالَ: «إنّ أطْيَبَ ما أكَلْتُمْ منْ كَسْبِ أيديكمْ، وإنّ أخي داودَ كانَ يأكلُ منْ كَسْبِ يدِهِ». وقالَ: «إنَّ منَ الذنوب ذنوبًا لا يُكَفّرُها الصّومُ ولا الصّلاةُ». قيلَ: فما يُكفّرُها يا رسولَ الله؟ قال: «الهمُومُ في طَلَبِ المعيشة». وفي حديثٍ قُدْسيٍّ عنْ ربّهِ عزّ وجلّ قالَ تعالى: «عَبْدي حرّكْ يَدَكَ أُنْزِلْ عَليكَ الرِّزْقَ».
فالآياتُ والأحاديثُ تحثّ على السّعي لطلب الرّزق، وعلى العملِ لكسبِ المالِ، كما تحثّ على التمتعِ بهذا المالِ وأكل الطيّبات.
قالَ تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} (سورة الأعراف: الآية 32). وقالَ تعالى: {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} (سورة البقرة: الآية 57). وقالَ تعالى: {وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَيِّباً} (سورة المائدة: الآية 88). وقالَ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ} (سورة المائدة: الآية 87). فهذه الآياتُ وما شابهها تدلّ دلالةً واضحةً على أنّ الأحكامَ الشرعيةَ المتعلّقَةَ بالاقتصادِ تهدِفُ إلى رفع مُستوى المعيشةِ والتمتعِ بالطيباتِ. وقدْ راعى الإسلامُ في الحصولِ على المالِ عَدَمَ تعقيد الكيفيةِ التي يحوزُهُ الإنسانُ بها، فجعلَها بسيطةً كلّ البساطةِ، إذ حدّدَ أسبابَ التملّكِ، وحدّدَ العقودَ التي يجري بها تبادُلُ الملكِيةِ.
ولا يعني تحديدُهُ لأسبابِ التملّكِ وللعقودِ تجميدَ الوضْعِ الاقتصاديّ، بلْ مُسَاعَدَةَ الناسِ على الرّبحِ والتقدّمِ الاقتصاديّ للحيلولةِ دونَ وقوعِ الهزّاتِ الاقتصاديةِ العامّةِ، لأنّ الإسلامَ جَعَلَ الأسبابَ والعقودَ خطوطًا عريضةً تدخلُ تحتها جزئياتٌ متعدّدةٌ، كأنواعِ العملِ وأنواع البَيعِ، وتدخلُ فيها كليّاتٌ متعدّدةٌ في قياسها عليها كقياسِ العطيةِ على الهبةِ في أنها تكونُ سببًا للمُلْكِ، وكقياس الوكالةِ على الإجارَةِ في استحقاق أُجرَةِ الوكيلِ.
ولا يجوزُ أنْ يخرُج المرءُ عنْ هذه الخطوطِ العريضة التي جاء بها الشرْعُ، بلْ يجبُ أنْ يتقيّد بها تقيدًا تامًّا. وهكذا نجدُ أسباب التملّكِ والعقودِ قدْ بيّنَها الشارعُ وحدّدَها في معان عامّة، وهذا ما يجعَلُها شاملَةً لكلِّ ما يتجدّدُ منَ الحوادثِ.
وبهذا تكونُ سياسةُ الاقتصادِ في الإسلامِ غيرَ مقتصرة على الرفاهيةِ وحدها، بلْ تشملُ الرفاهيةَ والوضعيةَ التي تكونُ عليها هذه الرفاهيةُ، لتحقّقَ مجتمعًا يعيشُ فيهِ الإنسانُ مطمئنًا هادئَ البال، ويعيشُ فيهِ المسلمُ متمتعًا بالسعادةِ وراحةِ الفكرِ.
وتتلخص سيَاسة الاقتصادِ بأربعة أمور:
أولًا: إشباعُ جميعِ الحاجاتِ الأساسيةِ لكلّ فردٍ إشباعًا كليًا وتمكينُهُ من إشباعِ الحاجاتِ الكمالية بقدرِ ما يستطيعُ، لأنهُ يعيشُ في مجتمعٍ مُعيّنٍ لهُ طِرازٌ خاصّ في العيشِ.
ثانيًا: النّظَرُ إلى كلّ فَرْدٍ بعينِهِ لا إلى مجموع الأفرادِ الذين يعيشون في البلادِ.
ثالثًا: النظرُ إلى الفَرْدِ باعتبارِهِ إنسانًا قَبْلَ أيّ اعتبارٍ آخرَ، ولا بُدّ مِنْ إشْباعِ حاجاتِهِ الأساسيةِ كلّها إشباعًا كليًا، واعتباره، بعد ذلك، شخصًا مُعيّنًا بذاتِهِ، ولا بدّ من تمْكِينِهِ من إشباعِ حاجاتهِ الكماليّةِ بقدرِ ما يستطيعُ.
رابعًا: النظرُ إليه في الوقت نَفْسِهِ، باعتبارِهِ مُرْتبِطًا بغيرِهِ ارتباطًا مُعينًا، وتسييرهُ تسييرًا معينًا وَفْقَ طرازٍ خاصّ، وبناء على ذلكَ يكونُ الأساسُ توزيع الثروةِ لا تنميَتَها. على أن تأتي تنميةُ الثروة إتيانًا طبيعيًا من كيفية الحيازة، وذلك لأن الكيفية التي تجري فيها حيازةُ الأرضِ تؤدّي طبيعيًا إلى استغلالها، والكيفية التي يجري بها امتلاكُ المصنعِ تؤدّي طبيعيًا إلى استغلالِهِ.
خامسًا: تحسين زيادة الدخل، وذلك باكتساب المعلومات الاقتصادية، لا بنقل الأحكام الاقتصادية عن أنظمة أخرى. وتؤخذ المعلومات الاقتصادية من أية جهة كانت، دون قيد، فتؤخذ من معلومات أهل البلاد، كما تؤخذ من خارج البلاد سواء كانت من الشيوعيين أو الرأسماليين أو غيرهم، لأنها معلومات اقتصادية عالمية لا تتعلق بوجهة نظرٍ في الحياة إذ هي علم في تحسين الإنتاج، ولا تدخل في النظام الاقتصادي أو في جباية الأموال وتوزيعها. وما دامت تختص بعلم الاقتصاد فهي المعلومات ذاتها في روسيا أو في أميريكا، أو عند المسلمين. ويباح للدولة الإسلامية كما يباح للفرد المسلم أن يأخذها، من أي مكان يشاء، إذا لم يكن في ذلك حرج على دينه، أومن ناحية أحكام دينه، وبحيث تكون ممارسته لها كممارسته لأي أمر آخر، ويسيّرها بحسب أحكام الشرع، دون أن يتعدى حدود ما أنزلهُ الله تعالى من أحكامٍ قيدَ أُنملة.


السياسة الاقتصادية التي يجب تطبيقها:
قد تبيَّن ممَّا مرَّ معنا كلِّه أن أفكار زيادة الدخل الأهلي، وجعلها أساسًا للنظام الاقتصادي، خطأ واضح متعمَّد، وأن أفكار اشتراكية الدولة وأفكار الاشتراكية الحقيقية خطأ أكبر، ومخالفة للواقع الفطريِّ بنظر العقل السليم... أما أفكار العدالة الاجتماعية المزعومة فظلمٌ وإطالةٌ لعمر النظام الرأسمالي. وهي دعوةٌ فاسدةٌ وخَطِرَةٌ لأنها تخطيطٌ مقصودٌ من الدول الغربية الكبرى لتثبيت أقدام الاستعمار، ولترسيخ النظامِ الرأسمالي، وللتحكُّم برقاب الشعوب المستضعفة.
والسؤال الذي يَرِدُ الآن هو: ما هي السياسة الاقتصادية التي يجب تطبيقها؟ وجوابه أن السياسة الاقتصادية التي يجب تطبيقها هي التي تنبثق عن الفكرة الكلية عن الكون والإنسان والحياة، حين يكون البلد معتنقًا لهذه الفكرة الكلية ومباشرًا لشؤونه في معترك الحياة على أساسها، كروسيا وأميريكا مثلًا. أما إذا كان هذا البلد يعتنق فكرة كلية عن الكون والإنسان والحياة، ولكنه لا يباشر شؤونه في معترك الحياة على أساسها ـــــــ مثل تركيا ـــــــ، أو كان لا يعتنق فكرة كلية عن الكون والإنسان والحياة ــــــ كاليابان ــــــ، فإن كلًا من هذين البلدين وأمثالهما لا توجد لديه سياسة اقتصادية أصيلة ثابتة، وإنما عليه أن يرسم سياسته الاقتصادية حسب ما يرى من واقع، ثم يغير هذه السياسة بتغير الواقع، وكلما دعت حاجةُ مجتمعه إلى ذلك.
ولهذا فإن على الذين يتحدثون عن السياسة الاقتصادية الواجب رسمها لبلدهم، أن يدركوا واقع ذلك البلد، وما يجب أن يكون عليه من طمأنينة دائمة وعيش كريم.
فإذا كان بواقعه لا يعتنق فكرة كلية، فإن القائمين على أمره يكونون مضطرين لرسم سياسة اقتصادية غير ثابتة، لأنهم لا يملكون الفكرة الكلية التي يأخذون منها السياسة الاقتصادية الأصيلة الثابتة.
أما حين يكون سكانُ بلدهم مقتنعين بواقعهم، وعندهم فكرة كلية معينة، ولكنهم لا يباشرون شؤونهم في الحياة على أساسها، فإنه لا يجوز لهذا البلد أن يرسم سياسة اقتصادية غير ثابتة، لأنها لا تجدي، ولا تعالج المشاكلَ القائمة. كما أنه لا يتأتى له أن يرسم سياسة اقتصادية منبثقةً عن فكرةٍ كليةٍ غيرِ الفكرة الكلية التي يعتنقها أهل هذا البلد، لأنها تكون متعذرة التطبيق، إلَّا بالحديد والنار، بشكل دائم، وإلَّا فإنه تكثرُ فيه الانقلابات الحارة والباردة التي تستهدف نظامه دائمًا وأبدًا، كما رأينا في شرقنا الأوسط وفي الشرق الأقصى.
ولهذا كان لا مناص للبلد الذي يعتنق أهلُه فكرةً كليةً، من رسم السياسة الاقتصادية المنبثقة عن الفكرة الكلية التي يعتنقونها.
وبلادُنا الإسلامية تعتنق فكرة كلية معينة عن الكون والإنسان والحياة، وهي العقيدة الإسلامية. ولكنها للأسف لا تباشر شؤونها في معترك الحياة على أساس عقيدتها. ولذلك لا يجديها رسم السياسة الاقتصادية المستوردة أو المفروضة غير الثابتة، ولا يتأتَّى لها رسمُ سياسة اقتصادية رأسمالية، ولا سياسة اقتصادية اشتراكية، لأن كلًّا منهما منبثقةٌ عن فكرة كلية غير الفكرة الكلية التي تعتنقها، فيتحتم عليها أن ترسم لنفسها سياسة اقتصادية منبثقة عن فكرتها التي تعتنقها وهي العقيدة الإسلامية التي لا بديل عنها مهما حاول أعداءُ الإسلام منعها عن ذلك. أي لا بد أن تكون السياسة الاقتصادية للبلاد الإسلامية قائمةً على أحكامٍ شرعية مستنبطة من الكتاب والسنة، أو مما أرشد إليه الكتاب والسنة من أدلة.
وما عدا ذلك من السياسات الاقتصادية فهي سياسات غير صالحة لمجتمعنا، ولا يؤدي رسمها ومحاولة تطبيقها في علاقاتنا إلا إلى تزايد المشكلات الاقتصادية، ثم إلى إفقار الناس، وإدامة التخبط والإضطراب. لذلك يجب أن تكون سياسة الاقتصاد، للبلاد الإسلامية، سياسةً اقتصاديةً إسلاميةً.
وإذا كانت سياسة الاقتصاد تتوخى الهدف الذي ترمي إليه الأحكام التي تعالج تدبير أمور الإنسان، فهي في الإسلام، ولا شك، تضمن توفيرَ جميعِ الحاجات الأساسية لكل فرد توفيرًا كليًا، وتُمَكِّنُهُ من امتلاك الحاجات الكمالية بقدر ما يستطيع، باعتبار أنه يعيش في مجتمع له طراز خاصٌّ من العيش.
والإسلامُ ينظر إلى كل فرد بعينه، لا إلى مجموع الأفراد الذين يعيشون في البلاد، ثم هو ينظر إلى هذا الفرد باعتباره إنسانًا محترمًا، ويجب أن يوفر له أمرين أساسيين.
أولًا: لا بدّ من سدِّ جميع حاجاته الأساسية بإشباعها إشباعًا كليًا باعتباره شخصًا معينًا بذاته.
ثانيًا: لا بدّ من تمكينه من الحصول على حاجاته الكمالية أسوة بسواه من المتمكنين.
والإسلامُ ينظر إلى الفرد، في الوقت نفسه، باعتباره مرتبطًا مع غيره بعلاقات تسير سيرًا معينًا حسب طراز خاص...
وعلى كل حال فإنّ الأساس في سياسة الاقتصاد في الإسلام يقوم على النظرات التالية:
أولًا: النظرة إلى كل فرد بعينه.
ثانيًا: النظرة إلى تغطية الحاجات الأساسية للفرد تغطيةً كليةً، فهو إنسان بنظر الإسلام، من حيث ضمان المحافظة على حياته أيًا كان دينه أو لونه أو عرقه أو جنسه.
ثالثًا: النظرة إلى إباحة السعي للرزق، والمساواة في هذه الإباحة لكل فرد دون استثناء، من أجل إفساح الطريق أمام الكل، ليأخذوا من الثروة بتعبهم ما يشاؤون. فالإسلام آخذ بالأيدي دائمًا نحو الرفاهية الفردية التي عنها تصدر رفاهية المجتمع.
رابعًا: النظرة إلى سيادة القيم والمثل الرفيعة التي تقوِّي العلاقات القائمة بين أفراد المجتمع الإسلامي، مسلمين وغير مسلمين.
وعلى هذا فإن سياسة الاقتصاد في الإسلام لا تحمل شعار رفعِ مستوى المعيشة في البلاد، ولا تجعل زيادة الدخل القومي أساسًا لها. ولا هي توفير لما يحقق الرفاهية للناس وتركهم أحرارًا في الأخذ منها بقدر ما يتمكَّنون، ولا هي السعي لإيجاد ما يسمُّونه بالعدالة الاجتماعية، ولا هي اشتراكية الدولة الإسمية، ولا هي الاشتراكية الحقيقية.
إنّ سياسة الاقتصاد في الإسلام يجب أن تكون ضمانًا لتوزيع ثروة البلاد الداخلية والخارجية على جميع أفراد الأمة فردًا فردًا، بحيث يتمّ توفيرُ جميع الحاجات الأساسية لكلّ أفراد الرعية فردًا فردًا، ويتمُّ لكلِّ فرد منهم الحصول على حاجاته الكمالية على أكبر قدر مستطاع. أي أن الأساس الذي توضع الأحكام والقواعد الاقتصادية لتحقيقه ليس تنمية الثروة وتكثيرها، وإنما هو توزيع الثروة توزيعًا عادلًا كما وزَّعها الشرع الإسلاميُّ الذي قضى بتحرُّك المال دائمًا وأبدًا، ووضع أحكامًا قاسيةً تمنع كنزه وتكديسه وادخاره دون أخذٍ وعطاء.
وبناءً على ما تقدم فإن معالجة موضوع الاقتصاد في البلاد الإسلامية تقوم على أمرين منفصلين عن بعضهما تمام الانفصال، ولا علاقة لأحدهما بالآخر.
أحدهما: السياسة الاقتصادية.
ثانيهما: زيادة الثروة أي ما يسمى بالتنمية الاقتصادية.
ـــــــ أما السياسة الاقتصادية في البلاد الإسلامية فإن معالجتها تكون بأمرين:
أحدهما: الخطوط العريضة لمصادر الاقتصاد.
ثانيهما: الخطوط العريضة لضمان الحاجات الأساسية.
ـــــــ وأما معالجة زيادة الثروة فإنها موضوع آخر، وهي توضع لتكثير الثروة وليست لمعالجة حاجات الإنسان، وهي، استطرادًا تدخل في علم الاقتصاد. ومعالجة زيادة الثروة تختلف باختلاف أوضاع البلدان، فهي في مصر غيرها في تركيا وغيرها في إيران وغيرها في اليمن أو السعودية، ولذلك توضع هذه المعالجة حسب ما تتطلب الأوضاع في كل بلد من هذه البلدان. وسوف يقتصر بحثنا على القسم الأول الذي يتعلق بمصادر الاقتصاد، وبضمان الحاجات الأساسية، والذي هو نظام الاقتصاد.
معالجة مصادر الاقتصاد الأربعة:
الأرض، الصناعة، التجارة، جهد الإنسان
الرأسماليّةُ تجعلُ زيادَةَ الثروةِ أساسَ النظامِ، وتتركُ للأفرادِ حريّة الملكية والعملِ.
والاشتراكيةُ، وبعدها الشيوعيةُ، تقولُ بإلغاءِ الملكيةِ الفردية إلغاءً كليًا أو جزئيًا وتجعلُ العملَ هو الأساسَ، وشعارها: «مَنْ لا يعمل لا يأكل».
والإسلامُ يقولُ بإباحةِ الملكيةِ والعملِ. قالَ تعالى: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ} (سورة الملك: الآية 15). وقال تعالى: {فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} (سورة الجمعة: الآية 10)، والأمْرُ هنا للإباحةِ. ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «ومَا أكَلَ ابنُ آدَمَ طعامًا قَطّ خيرًا مِنْ أنْ يأكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» وهو خَيْرٌ مقرونٌ بالمدحِ، لكنهُ منَ الأوامرِ غيرِ الصريحةِ، والمرادُ بِهِ الإباحَةُ.
والإسلامُ جَعَلَ الملكيةَ والعملَ في هذهِ المصادرِ مُبَاحَيْنِ للناسِ. وينبغي أنْ يُلاحَظَ أنّ الإباحَةَ إباحَةُ ملكيةٍ وعملٍ وليستْ حريةَ ملكية وعملٍ، لأنّ الإباحةَ تقييدٌ لحكمٍ شرعي هوَ أمْرُ الله ــــــ سبحانه ـــــــ بالتخييرِ بينَ الأخْذِ وعدمِهِ، بخلافِ الحريةِ فهيَ عدمُ التقيدِ بشيءٍ.
المصدر الأول ــــ الأرض:
الأرضُ أساسُ الزراعةِ، لا جُهْدُ الإنسانِ ولا الخبرةُ الفنيّةُ حتى ولا الآلةُ. فالذي يعينُ وجه الإنتاجِ هو كيفيةُ الحيازَةِ للأرضِ وكيفيّةُ العملِ بها. ولذا ينبغي أنْ يكونَ البحثُ في الزراعةِ مُنْصبًا على الأرض، لأنّ الجهدَ مصدرٌ منفصلٌ عن الزراعةِ، والآلةُ كذلكَ مصدرٌ منفصلٌ عنِ الزراعةِ، ولهما أحكامٌ خاصّةٌ. والخبرةُ الفنيةُ وعلاقاتُ الإنتاجِ، لا علاقةَ لأيّ منهما بالزراعة أيضًا، وهو أمرٌ ظاهرٌ. ولذلكَ سنحصرُ البحثَ في الزراعةِ بأحكامِ الأرض فقط.
وموضوع ملكيةِ الأرضِ يختلفُ عن ملكيةِ بقية الأشياء من عقارٍ وسلعٍ ونَقْدٍ ومواشٍ وغير ذلك، والإنتاجُ فيها جزءٌ لا يتجزأ من وجودِها، كما أنه جزءٌ لا يتجزّأُ منْ ملكيتها. والأرضُ تختلفُ عنِ المصنعِ في الإنتاجِ بلْ هي تختلفُ عنْ كلِّ سلعةٍ في الدنيا، إذ لا تنتجُ سلعةٌ في الدنيا من نفسها، دونَ أن يباشرَ الإنتاج فيها أحدٌ، سوى الأرضِ. ومن هنا يجبُ أنْ تكونَ للأرضِ بالذاتِ، من دونِ باقي الأموالِ، أحكامٌ خاصّةٌ من حيثُ ملكيتها ومن حيثُ العملُ فيها.
ملكيةُ الأرضِ: تتحقّقُ ملكيةُ الأرضِ بالإقطاعِ والتحجيرِ والإحياءِ، كما تتحقّقُ بالشراءِ وبالإرثِ وبالهبَة. يقولُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ أحْيا أرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ». والأرضُ الميتة هي الأرض التي لم يظهر أنه جرى عليها مُلْكُ أحد، فلم يظهر فيها تأثير شيء من إحاطةٍ أو زرعٍ أو عمارةٍ أو نحو ذلك، ولا يوجد أحد يملكها أو ينتفع بها. وإحياؤها هو جعلها صالحة للانتفاع بها. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من عمر أرضًا ليست لأحد فهو أحق بها». وقال: «أيما قوم أحيوا شيئًا من الأرض أو عمروه فهم أحق به».
وعن التحجير قالَ صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ أحَاطَ حَائطًا على أرْضٍ فَهيَ لهُ». والتحجيرُ هو أنْ يجعلَ على حدود الأرضِ ما يدل على تخصيصٍ لهُ، كأن يضع حولها حجارةً أو سياجًا أو جدارًا أو ما شاكلَ ذلك، والتحجيرُ كالإحياءِ لقولهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «أيما قوم أحيوا شيئًا منَ الأرض أو عمروه فهم أحق به».
وأمّا الإقطاعُ فهو إعطاء الأراضي من الدولة للأفرادِ مجّانًا أي دونَ مقابلٍ. وكون هذه الأراضي لا مالكَ لها فتكونُ الدولةُ هيَ المالكة. إلًّا أن تملكيها للأفراد لا يجري بالإحياء أو التحجيرِ، لأنها ليستْ ميتةً بالأصل بل كانت حيةً ولكنْ لا مالكَ لها، فلا يجري تمليكها إلَّا من قبل الدولةِ. وقد أقطعَ رسولُ الله لبعض أصحابه أرضًا.
فإعطاءُ الدولة لأحدِ الرعيةِ أرْضًا، هو الإقطاعُ. وهو جائزٌ بدليلِ فعلِ الرسولِ بهِ.
وإذا مُلِكَتِ الأرضُ بسببٍ منَ الأسبابِ المذكورةِ أُجبِرَ مالكُ الأرضِ على استغلالها ولا يُسْمَحُ لهُ بتعطيلِها. فإذا أهْمَلَ ذلكَ وعطّلَ الأرض ثلاثَ سنينَ نُزِعَتْ منهُ جبرًا وأُعطيتْ لغيرِهِ. قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: «عاديُّ الأرضِ للهِ وَلِرَسُولِهِ ثمّ لَكُمْ مِنْ بَعْدُ فَمَنْ أحْيَا أرْضًا ميتَةً فهيَ لهُ، ولَيْسَ لِمُحْتَجِرٍ حَقّ بَعْدَ ثَلاثِ سِنينَ».
السياسة الزراعية:
تقومُ السياسةُ الزراعيةُ في الأصلِ على زيادة الإنتاجِ الزراعي، وتسلكُ عادةً طريقين:
أحدهما: طريقُ التعميقِ، بأن تجري المحاولات لزيادةِ إنتاج الأرض.
ثانيهما: طريقُ التوسيعِ بأن تزداد المساحات التي تزرع.
أما التعميق فيحصلُ باستعمالِ الموادِ الكيماوية وانتشار الأساليب الحديثة بين المزارعين، والعنايةِ بتوفير البذار وتحسينه. وتعطي الدولةُ المالَ اللازمَ للعاجزين هبةً وليس قروضًا من أجل شراء ما يلزمُهم من الآلات، والبذار والموادِّ الكيماوية لزيادةِ الإنتاج، وتشجع القادرينَ على شراءِ ذلك تشجيعًا مؤثرًا.
وأما التوسيعُ فيحصلُ بتشجيع إحياء الأرض الموات وتحجيرها، وبإقطاع الدولة أراضيَ للقادرين على الزراعة ممن لا يملكون أرضًا أو يملكونَ مساحات قليلة، وذلك ممّا تحت يدها من الأراضي، وبأخذِ الأرض جبرًا وعلى الفورِ من كل من يهملُ أرضَه ثلاثَ سنوات متتاليات.
وبهذين الأمرين: التعميق والتوسيع، تحصلُ زيادة الإنتاج الزراعيّ، ويتحقّقُ الأصلُ في السياسةِ الزراعية. غير أن هناك أمورًا فرعية في السياسة الزراعية تأتي بعد زيادة الإنتاج، ألا وهي نوعية الإنتاج، ونوعية الإنتاج هذه لا تدخل في موضوع بحثنا إذ إنّ تركيزنا هو على زيادة الإنتاج، ولذلك يجب أن تكون السياسةُ الزراعية مستهدفةً زيادة الإنتاج في ثلاثة أمور هي:
أولًا: زيادةُ الإنتاج في المواد الغذائية:
وذلك أن الموادَ الغذائية ضرورية لإطعام المزيد من السكان، ولإبعاد خطر المجاعة عن البلادِ في حالة وقوع قحطٍ أو انحباس مطرٍ، أو إذا ما تعرضت البلاد لحصار اقتصادي من جراء الكفاح والجهاد، أو في حالة حدوث مجاعات في بلاد إسلامية يحتم الواجب إغاثتها فورًا بالمواد الغذائية.
ومن هنا يجبُ أن يُبذلَ الجهدُ لزيادةِ الإنتاج في حقل المواد الغذائية، سواء في الثروةِ الحيوانية، أو في الثروة الزراعية، فإنّ نقصانَ المواد الغذائية يُلزمنا شراءها من الخارج، وهذا لا يتأتى إلا بعملة صعبة. وبما أننا لا بد أن نباشرَ القيام بثورة صناعية، فإن العملةَ الصعبةَ يجبُ أن نوفّرَها لشراء ما يلزمُ للثورةِ الصناعية، وليس للزراعة، ولا للمواد الغذائية.
ثانيًا: زيادةُ الإنتاج في الموادِ اللازمة للكساءِ كالقطنِ والصوف والقِنّب والحرير.
فإنّ هذا ضروري جدًا، لأنه من الحاجات الأساسية التي لا يمكنُ الاستغناء عنها، والتي لا بُدَّ من توفيرها في البلاد، حتى لا نستوردها من الخارج فنضطر لدفعَ ثمنها من العملة الصعبةِ، وحتى نُبْعِدَ عن الناسِ خطر العُرْي والحاجةِ إلى اللباسِ فيما لو تعرضت البلاد لحصارٍ اقتصادي من قِبَلِ الدولِ المستعمرة أو من قبل عملائها في البلاد.
ثالثًا: زيادةُ الإنتاج الزراعي في الموادِ التي لها أسواق خارج البلاد.
فإذا لم نُصَدِّرْ إنتاجًا زراعيًا فلا يوجد لدينا ثروة للتصدير، ومن هنا كان لا بدّ من الإنتاج الزراعي فيما هو مطلوب في الأسواق العالمية للحصول على العملة الصعبة، لأننا حينَ لانُصَدِّرُ بضاعةً للدول الأخرى لا نستطيعُ أن نحصلَ على عملةِ تلك الدول، فنضطر لبيعِ عملتنا بأسعارٍ بخسةٍ في الأسواق العالمية للحصول على الموادِّ اللازمة للثورة الصناعية.
ciloxan notice kobhvorlangtid.site ciloxan alkohol



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB