الإسلام وإيْديُولوُجيَّة الإنْسان
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   362
تاريخ النشر :   1989




العمَل برأي الأكثرية ومَتى يجوز

هل يجبُ الأخذُ برأي الأكثريةِ بقطعِ النظرِ عن كونهِ صوابًا أو خطأً؟ أمْ يجبُ الأخذُ بالرأي الصوابِ بقطعِ النظرِ عن كونهِ رأيَ الأكثريةِ أو الأقليّةِ أو الشخص الواحد.
ولمعرفةِ الجوابِ على ذلكَ يتحتمُ فَهْمُ واقِعِ الرأي، وفَهْمُ الأدلّةِ الشرعيةِ التفصيليةِ الواردةِ في أخذِ الرأي، وتطبيقُ الأدِلةِ على واقِع الرأي تطبيقًا تشريعيًا.
واقعُ الآراء في العالمِ، لا يخرُج عن أربعةٍ لا خامسَ لها. وكلّ رأي في الدنيا يكونُ إمّا واحدًا من هذه الأراءِ، أو متفرّعًا عن أحدها، أوْ مندرجًا تحتَ واحدٍ منها. وهذه الآراءُ الأربعةُ هي:
1 ــــــ أن يكونَ الرأيُ حكمًا شرعيًّا، أي رأيًا تشريعيًا.
2 ـــــــ أن يكونَ تعريفًا لأمرٍ منَ الأمورِ، إما تعريفًا شرعيًّا كتعريفِ الحكمِ الشرعيّ ما هوَ، أوتعريفًا لواقعٍ كتعريفِ العقلِ، وتعريفِ المجتمعِ، أو ما شاكلَ ذلك.
3 ـــــــ أنْ يكونَ رأيًا يدلّ على فكرٍ في موضوعٍ، أو على فكرٍ في أمرٍ فنيًّ، يدركُهُ ذوو الاختصاصِ.
4 ـــــــ أنْ يكونَ رأيًا يُرشِدُ إلى عملٍ من الأعمالِ للقيامِ بهِ.
هذهِ هي الأراءُ في الدّنيا، وهذا هو واقعها.
والسؤالُ الذي يطرحُ نفسهُ: هل يُرَجّحُ رأيُ الأكثريةِ دونَ النظرِ إلى الصّوابِ والخطأ، أم يؤخذُ بالصّوابِ وإن خالفَ رأيَ الأكثرية؟ حتى نصِلَ إلى الجوابِ لا بدّ أنْ نستعرضَ الأدلّة التي وردت في القرآن الكريمِ والحديثِ الشريفِ أوّلًا، ثم نطبّقُ هذه الأدلّةَ على هذهِ الآراءِ.
إنّ الرسولَ صلى الله عليه وآله وسلم قد جمعَ يومَ معركةِ أُحُدٍ أهْلَ الرأيِ منَ المسلمينَ، ورأى بعْدَ المشورَةِ أن يَتَحَصّنُوا بالمدينةِ، وأن يتركوا قريشًا خارجَها، وكانَ ذلكَ رأي كبارِ الصحابةِ، بينما كانَ رأيُ الفتيانِ ذوي الحميةِ مهاجمة العدوّ وملاقاته قبلَ وصولِهِ إلى المدينةِ.
وكانتِ الكثرةُ بجانبِ الفتيانِ، فنزلَ الرسولُ عندَ رأيهمْ، واتبعَ رأيَ الأكثريةِ، وعملَ بهِ، وتركَ رأيه ورأيَ كبارِ الصّحابةِ لأنّهم أقليّة.
إلا أننا نراهُ نزلَ عندَ رأيِ الشخص الواحِد، واكتفى بهِ حينَ وجدَ الصوابَ بجانبهِ. وكانَ ذلكَ حينَ نزلَ، ونزلَ المسلمونَ معه، عند أدنى ماءِ بَدْرٍ، فلم يرضَ الحبابُ بنُ المنذر بهذا المنزلِ، وقال للرسول:
«يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ هذا المنزلَ، أمنزلًا أنْزَلَكُمُ اللهُ، فليسَ لنا أن نتقدمّهُ ولا نتأخّرَ عنهُ، أمْ هو الرّأيُ والحربُ والمكيدةُ»؟
قالَ الرسولُ:
بل هوَ الحرْبُ والرأيُ والمكيدةُ. فقالَ: يا رسولَ اللهِ، إن هذا ليسَ بمنزلٍ، ثمّ أشارَ إلى مكانٍ. وما لبثَ الرسولُ أنْ قامَ ومَنْ معهُ واتَّبَعَ رأيَ الحباب.
ونرى الرسولَ في غزوةِ الحُدّيْبِيَةِ تمسّكَ برأيهِ وحدهُ، ولم يأخذْ برأي أبي بكرٍ وعمر، وقال لهما: «إنّي عبْدُ اللهِ ورسوله، وَلَنْ أُخالفَهُ، ولَنْ يُضَيّعَني».
من ذلك نرى أن الرسولَ تمسكَ برأيِهِ مرّةً، وتخلى عنهُ مرّةً، ونزلَ عندَ رأي الأكثريةِ مرّةً أُخرى.
وإذا طبّقنا الأحكامَ الثلاثةَ التي استنبطت من فعلِ الرسولِ وقولهِ على واقِعِ الآراءِ في العالمِ اليومَ، نجدُ ما يلي:
1 ـــــــ الحُكْمُ الشرعيّ ترجحُ فيهِ قوّةُ الدليلِ فقط، لأنّ الرسولَ صلى الله عليه وآله وسلم رجّحَ ما نزلَ من الوحي، ورفضَ غيرَهُ رفضًا قاطعًا، ولذلكَ قالَ: «إني عبدُ اللهِ ورسوله، ولنْ أُخالِفَ أمرهُ».
2 ـــــــ إنّ التعريفَ إذا كانَ جامعًا مانعًا، أي محيطًا بكلِّ شيء بحيثُ لا يستطيع أحدٌ أن ينقص منهُ شيئًا ولا يزيد عليهِ شيئًا، فهذا الذي يجبُ أن يؤخذ من أي جهةٍ كانت لأنُه وصفٌ للواقع.
3 ـــــــ الرأي الذي يدلّ على فكرٍ في موضوعٍ يُرَجّحُ فيهِ جانبُ الصوّابِ، وَذلكَ كمسألةِ النهضةِ مثلًا، أتكون بالرقيّ الفكريّ أو الاقتصاديّ؟ وهل الوضعُ الداخليّ والموقفُ الدوليّ مؤاتيان للقيامِ بأعمالٍ سياسيةٍ أو بأعمالٍ عسكريةٍ معَ الأعمالِ السياسيةِ، أم لا؟ إنّ هذا كلّهُ يُرجَع فيهِ إلى الصّوابِ إذ إنه، مهما كانَ نوعهُ، يدخلُ تحتَ قولِ الرسولِ: «بلْ هو الرأيُ والحربُ والمكيدةُ».
ومثلُهُ الرأيُ الفنيّ، لأنّ الرسولَ حينَ رجعَ إلى رأي الحباب بن المنذر كانَ الحبابُ عليمًا بذلكَ المكانِ، فرجعَ إليهِ لخبرتِه. ولذلكَ يُرْجَعُ بالرأي الفنيّ إلى الصّوابِ وإلى أصحاب الاختصاص.
4ـــــــ إنّ الرأيّ الذي يُرشِدُ إلى القيامِ بعملٍ منَ الأعمالِ، يُرجّحُ فيهِ رأيُ الأكثريّةِ، لأن الرسولَ صلى الله عليه وآله وسلم نزلَ هو وكبارُ الصحابةِ عندَ رأي الأكثريّةِ، مع أنّه كانَ يرى خطأ ذلكَ الرأي.
كلّ رأي يُرشدُ إلى القيامِ بعملٍ منَ الأعمالِ يُرَجّحُ فيهِ جانبُ الأكثريّةِ، كانتخابِ رئيسٍ أو عزلِ والٍ أو إقرارِ مشروعٍ أو ما شاكلَ ذلك، ففي مثلِ ذلكَ يكونُ رأيُ الأكثريّةِ مُلزِمًا بغضِّ النظرِ عن كونهِ صوابًا أمْ لا.
وعلى ذلكَ يكونُ الرأيُ الذي يُرَجّحُ فيهِ جانبُ الأكثريّةِ محصورًا في نوعٍ واحدٍ من أنواع الأعمالِ الموجودةِ في العالمِ، وهو الرأيُ الذي يبحثُ في العملِ من أجلِ القيامِ بهِ.
وهكذا يتبين أنّ هنالكَ فَرْقًا بينَ الرأي الذي يؤدّي إلى فكرٍ والرأي الذي يؤدّي إلى عملٍ.
هذا هو حكمُ الشرعِ في الأكثريةِ. وهذا الحكمُ يخالفُ الأحكامَ القائمةَ كلّ المخالفةِ. وحُكمُ اللهِ هذا، في أخذِ الرأي، وحده هو الحقّ، وما عداهُ باطلٌ لا يجوزُ الأخذُ بهِ. وخلاصة الأمر أن الدين الإسلاميّ بنصوصهِ ووقائعهِ لا يُوجبُ احترام رأي الأكثريةِ إذا لم يكنْ متفقًا مع الشرع. وما ذكرناهُ من نزولِ النبي على رأي الأكثريّة تارة ورأي الواحد أُخرى، دليلٌ على صحّةِ ما نقولهُ. ومهمة الشرعِ أولًا وأخيرًا اتباعُ الحقِّ واحترامه في أي جانبٍ كان. ولكن الشائع اليومَ أن رأي الأكثريّةِ محترم سواءٌ وافقَ الشرع أم خالفهُ. وما يتقبلهُ المجتمعُ منَ الأوضاعِ الفاسدةِ التي أقرّتها الأكثرية دليلٌ على ذلك.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB