الإسلام وإيْديُولوُجيَّة الإنْسان
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   362
تاريخ النشر :   1989




الإسْلامُ يسَاوي بين جَميع المَواطنين

يرى الإسلامُ أن الذين يحكمُهم هم وَحْدَةٌ إنسانيةٌ بغضِّ النظر عن الطائفةِ والجنسِ، فلا يشترط فيهم إلا التابعيةَ، لأنه لا توجد في الإسلامِ أقلياتٌ، بل جميعُ الناسِ، باعتبارٍ إنسانيٍّ، هم رعايا الدولة الإسلامية ما داموا يحملون جنسيتها، وكلٌّ منهم يتمتعُ بالحقوقِ التي قررها الشرع، سواء أكان الفرد مسلمًا أو غير مسلم، وكل من لا يحمل التابعية يحرم من هذه الحقوقِ ولو كان مسلمًا.
هذا من حيثُ الحكمُ ورعايةُ الشؤون. أما من حيث تطبيقُ الأحكامِ فإنّ الإسلامِ يأخذ بالناحيةِ التشريعيةِ القانونيةِ لا الناحية الروحية، ذلك أنه ينظرُ للنظام المطبقِ على الناس باعتبار تشريعيٍّ قانونيٍّ، لا باعتبارٍ دينيٍّ روحي.
فالذين يعتنقون الإسلام يكون اعتقادُهُمْ بهِ هو الذي يُلزمُهُمْ بجميعِ أحكامِهِ، لأنَّ التسليمَ بالعقيدةِ تسليمٌ بجميعِ الأحكامِ المنبثقةِ عنها، وإلزامٌ للنفس بجميعِ ما أتت به هذه العقيدةُ إلزامًا حتميًا.
ثم إن الإسلامَ جعلَ المسلمين يجتهدون في استنباطِ الأحكامِ، وبطبيعةِ تفاوتِ الأفهامِ حين الاختلاف في فهمِ الأفكارِ المتعلقةِ بالعقائدِ، وفي كيفيةِ الاستنباطِ، وفي الأحكامِ والآراء المستنبطة، فأدى ذلك إلى وجودِ الفرقِ والمذاهب. وقد حث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على الاجتهاد، وبين أن الحاكم إذا اجتهد وأخطأ فله أجرٌ واحدٌ، وإذا اجتهد وأصاب فله أجرانِ اثنان.
فتح الإسلام إذًا باب الاجتهاد، لذلك لم يكن غريبًا أن يكون هنالك الجعفرية والشافعية والزيديةُ والحنفية والمالكية والحنابلة وغيرُهم من المذاهب الإسلامية. وجميع هذه المذاهب الإسلامية تعتنق عقيدة واحدة هي العقيدة الإسلامية، وجميع هؤلاءِ مخاطبون باتباع أوامر الله واجتناب نواهيه، ومأمورون باتباعِ الحكمِ الشرعيّ لا اتباع مذهب معين.
أما المذهبُ فهو فهمٌ معينٌ للحكم الشرعي، يقلده غير المجتهد حين لا يستطيع الاجتهاد. وهو يأخذ هذا الحكم بالاجتهاد إن كان قادرًا عليه، وبالاتباع أو التقليد إن كان غير قادر على الاجتهاد. وعلى ذلك فإن جميعَ الفرقِ والمذاهبِ التي تعتقدُ العقيدةَ الإسلامية تُطَبّقُ على أتباعِها أحكام الإسلام.
وعلى الدولةِ ألّا تتعرض لهذه الفرق الإسلامية، ولا لأتباع المذاهب الفقهية، ما دامت لا تخرج عن عقيدةِ الإسلام. والمسلمون مطالبون بجميعِ أحكامِ الإسلام.
هناك أحكامٌ قطعيّةٌ اتفق المسلمون في فهمها إذ ليس فيها إلا رأي واحد: كتحريم الربا، ووجوب الزكاة، وكون الصلوات المفروضة خمسًا، وما شاكل.
وهناك أحكامٌ وأفكارٌ وآراء اختلف المسلمون في فهمها، إذْ قد فهمها كلُّ مجتهدٍ خلافَ فهم الآخر، مثل صفاتِ الخليفةِ، وإجارة الأرض، وتوزيع الإرث، وغير ذلك. فهذه الأحكامُ المختلفُ فيها بالرأي، يتبنى الخليفة رأيًا منها فتصبح طاعته واجبةً على الجميع.
وعلى الخليفة أن لا يتبنى من العبادات شيئًا لأن تبنيه هذا يُحَمِّلُ المسلمين مشقّةً في عباداتهم، وليس له أن يأمر برأي معيّن في العقائد مطلقًا، ما دامت العقيدة التي يعتقدونها إسلامية، ولا أن يأمر بحكمٍ معين في العبادات، ما عدا الزكاة، ما دامت هذه العبادات أحكامًا شرعية. وفيما عدا ذلك للخليفة أن يتبنّى أحكامًا في جميع المعاملات، كالإجارة والبيع والنفقة والشركة، وفي العقوبات جميعها من حدود وتعزير إلخ...
نعم، إن الخليفةَ ينفذ أحكامَ العباداتِ فيعاقبُ تاركَ الصلاة والمفطرَ في رمضانَ، كما ينفذ سائرَ الأحكامِ سواءٌ بسواء. وهذا التنفيذ هو واجبُ الدولة، لأن وجوبَ الصلاةِ ليس مجالَ اجتهادٍ، ولا يعتبر تبنيًا، وإنما هو تنفيذ لحكم شرعي مقطوع به عند الجميع. وللخليفة أن يتبنى لتنفيذ العقوبات على تارك العبادات رأيًا شرعيًا يلزم الناسَ بالعملِ به.
هذا بالنسبة للمسلمين. وأما غير المسلمين، فيتركون وما يعتقدون وما يعبدون، فيسيرون في أمور الزواج والطلاق حسب أديانهم، وتعين الدولة لهم قاضيًا منهم، ينظر في خصوماتهم في محاكم الدولة. أما المطعومات والملبوسات فإنهم يعاملون بشأنِها حسبَ أحكام دينهم ضمن النظَامِ العام. وأما المعاملاتُ والعقوباتُ فتنفذُ على المسلمين وغير المسلمين سواء بسواء، من غير تمييز أو تفريق على اختلاف أديانهم وأجناسهم ومذاهبهم، فهم جميعًا مكلفون باتباع الأحكام والعملِ بها. غير أنَّ تكليفَهُمْ بذلك إنما هو من ناحية تشريعية قانونية، لا من ناحية دينية روحية، لذلك لا يجبرون على الاعتقاد بها، لأنهم لا يجبرون على الإسلام، قال تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} (سورة البقرة: الآية 256). كذلك نهى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن أن يفتن أهل الكتاب في دينهم.
طبيعةُ النظامِ الإسْلاميّ
طبيعةُ بقاءٍ واستمرار
وهو يضمن عدم وقوع الانقلابات. والانقلابُ في نظرِ الإسلام هو الانقلابُ على النظامِ وعلى الدولةِ التي تنفذ ذلك النظام. أما استبدالُ رجال الحكم برجال حكم آخرين فلا يسمى انقلابًا مطلقًا. وكذلك ثورة الأمة على رجال الحكم إذا أخلّوا بالشرع ولم يحققوا سيادته لا تُسَمّى انقلابًا، بل هي حركة تحريرية لتصحيح الأوضاع.
فالانقلابُ هو استبدالُ النظام الذي تُحكمُ به الأمة بنظامٍ آخر. وهذا هو المهمُّ في الانقلاب. وقد ضمن الإسلام في نظامه عدم حدوثِ الانقلابات. وذلك أن طبيعةَ النظامِ الإسلامي طبيعة بقاءٍ واستمرارٍ، وتحمل في صلبها الضمانات الكافية لصيانتها من الانقلابات.
وهي ليست في حاجة إلى القوة لضمان عدم وقوع الانقلاب، وإنما القوةُ أداة تنفيذية لمقابلة المادة بالمادة، كما تقتضيه طبيعة الكون والحياة والإنسان.
والضمانات الحقيقية من الانقلاب موجودةٌ في أُسُسِ النظام وفي صلبهِ، ومُركّزةٌ في طاقتِه وتشريعه. وهي ظاهرة ظهور الشمس من المسائل الآتية:
1 ـــــــ إن المبدأ الإسلامي يعملُ من داخلِ النفسِ وخارجها في الفردِ، والجماعةِ، والدولةِ، بالتشريعِ والتوجيهِ، وبالحرص على سيادة الشرعِ ووجود تقوى الله تعالى معًا في وقت واحد. وسيادة الشرع هذه تشملُ الفردَ والدولةَ، والأمةَ، وهذا وحده كافٍ لصيانة النظام الإسلاميِّ من الانقلاب صيانةً أبدية، لأنَّ من يتخذ مبدأه رسالته، فيحيا من أجلها، ويستعد للموتِ في سبيلها، لا يمكن أن تُحَدِّثَهُ نَفْسُهُ بالانقلابِ على هذه الرسالةِ. ومن كان منافقًا لهذه الرسالة في الدولة، أو كافرًا بها، لا يمكن أيضًا أن ينقلبَ عليها ما دامت قد ضمنت فيها سيادة الشرع، ليعيش في ظله آمنًا مطمئنًا، لأنّ سيادةَ القانون وحدها، متى ضمنت في أمة، كانت خير ضمانة من الانقلاب إذا كان القانونُ عادلًا، فكيف بها إذا ضَمّتْ إليها تقوى الله؟
2 ـــــــ يجعل هذا المبدأْ طبيعةَ عمل الدولة التي تُنَفذهُ، أنها خادمة للأمة، وليست سيدة عليها، ويتحتمُ عليها القيام بما يتطلبه الفردُ من جميع الأشياء المعاشية، والعلمية، والصحية، وتأمين ما يهيّئ له إشباع نواحيه العاطفية أو الغريزية، في حدود مصلحة الجماعة، ونفاذ أحكام الشرع، مما يجعل الأمة تشعر أن بقاءَ هذا الحكم ألزمُ لها من كل شيء. وهل من الممكن أن يحاولَ فرد، أو جماعة، الثورة ضد مبدأ يقولُ فيه رئيسُ الدولة لهم ما يقوله عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «ولكم عليّ أيها الناس خِصَالٌ أذكرها لكم، فخذوني بها: لكم عليّ ألّا أجتبي شيئًا من خراجكم ولا ما أفاء الله عليكم إلا من وجهه، ولكم عليّ إذا وقع في يدي ألّا يخرجَ منه إلّا في حقه، ولكم عليّ ألّا ألْقيكم في المهالك ولا أجمركم في ثغوركم ، وإذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال».
نعم أمير المؤمنين هو أبو العيال إذا غاب أبوهم عنهم! ومثل هذه الدولة التي يضمن نظامها حياةَ أفرادِها، ويوجبُ عليها القيام بهذه الضمانة، لا يمكنُ أن تجري محاولة انقلابية فيها، لأنَّ طبيعةَ عملها، أي وظيفتها، تجعل هذه المحاولة في حكم المستحيل.
3 ـــــــ إن السلطانَ في هذا المبدأ للأمة، وهي التي تنيبُ رئيس الدولة عنها، وهي التي تُساعد الدولةَ على القيامِ بواجباتِها.
وبذلك كان هذا النوع من الحكم ضمانة طبيعية من الانقلاب. فكل مَنْ تُحدّثُه نَفسُهُ بإحداثِ انقلاب في الدولة لا يقف في وجهه رجالُ الحكمِ فقط، بل تكونُ الأمةُ بأسرها في وجهه، وإنْ أقدمَ فقد أقدمَ على الانتحارِ.
4 ـــــــ إن نظرةَ هذا المبدأ نظرة جماعية في عقيدتِه وعباداتِه وتشريعاته وأوامره، لأنه يجعلُ الاهتمامَ بالجماعة صِنْوَ الإيمان، فمن لم يهتم بأمرها فليس منها إيمانًا وإسلامًا. قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم».
ولذلك يَعتبرُ كُلُّ مسلمٍ نفسه مسؤولًا عن الجماعة وليس مسؤولًا عن نفسه فقط، وواجبه الدفاع عنها، ولو لم يدافع عنها سواه. قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «كل مسلمٍ على ثغرةٍ من ثُغَرِ الإسلامِ فلا يؤتينّ من قبله». ولذلك يصبحُ كل فردٍ في الأمةِ رقيبًا وحارسًا، ولا يمكنُ لمن يحمل هذه المسؤولية بالرقابة والحراسة أن ينقلب ضدَّ مسؤوليته. وفي هذا أيضًا ضمانة من الانقلاب.
5 ـــــــ إن الأمة مأمورة بطاعةِ الدولة أمرًا إلهيًا له أثره في نفسها خوفًا من عقاب الله، وأمرًا تشريعيًا له نتائجه من العقاب الصارم في الدنيا. أما الأمر الإلهي فظاهر في الآيات الكثيرة والأحاديثِ الجمة التي نَصّتْ على وجوبِ طاعة وليّ الأمر، والتي جعلت جهنمَ جزاءً وِفاقًا لمن يخرج على السلطانِ العادل.
وأما التشريع فإن في هذا النظام زجرًا شديدًا لمن يحاول الخروج على الدولةِ، أو يحاولُ الانقلاب عليها. وقد سُميَ الخارجون على الدولةِ البُغاة. وحكمهم أن على الدولةِ أن تراسلهم، فإن لم يرجعوا قاتلتهم، وجوبًا، قتالَ تأديبٍ لا قتالَ حرب.
6 ـــــــ إن نظامَ الحكم في الإسلام هو نظام مركزي، ونظام وحدة. فالمركز هو الذي يسيطرُ على الحكمِ في جميع أجزاء الدولة. ولذلك تكونُ الأقاليم كلها تحت سلطانِه، فلا تتمكنُ من الخروج عن هذا السلطان، ولا تتاحُ لأيِّ إقليمٍ فُرصته للاستقلال لتطبيق نظام آخر فيه، وانفصاله عن الدولة. علاوةً على أن كل إقليم يعتبرُ نفسه مسؤولًا عن الدولة كأنه المركز، لأنه بِضْعةٌ من جسم الدولة، ويَعْتَبرُ أنَّ الاعتداءَ على الدولةِ اعتداء عليه، والاعتداء على المبدأ في أي جزء من أجزاءِ الدولة اعتداء على نظامه هو. وهذا الاعتبار نفسه يحبط كُلَّ محاولة للانقلاب في مَهْدِها.
7 ـــــــ لم يذكر لنا الواقع التاريخيّ محاولة للانقلاب الكلي، سوى محاولة واحدة أو محاولتين، ولم تنجح أيّ واحدة منهما. الأولى عندما حاول العربُ إثر وفاةِ الرسول عليه وعلى آله الصلاة والسلام أن يُحْدِثوا انقلابًا بإلغاء نظام الزكاة، والانفصال عن الدولةِ لا بالحكم فقط بل بالدين، وارتدوا عن الإسلام، ورجعوا إلى دينهم القديم. ولكنَّ الإسلامَ كان قويًا واستطاعت الدولةُ التي تَقومُ على تنفيذه مع حداثة نشأتها وصغر الرقعة التي تسيطرُ عليها سيطرةً تامّةً بالنسبةِ لجزيرة العرب، استطاعت أن تَقضيَ على هذه المحاولة في الحروب المعروفة بحروب الرِّدة، وأعادت الأمرَ إلى نصابِه، والدولة إلى وحدتِها، والنظام إلى حياته الأولى، بتطبيقه تطبيقًا تامًا. مع أنه لم يكنْ قد مضى على هذا النظام المدة الكافية التي تجعلُ له العراقة التامة، والتركز الكامل، اللذَيْنِ يحتاجان إلى وقتٍ طويلٍ في أي نظام.
والمحاولة الثانية عندما حاول بابَك الخُــرّمي أن يُحدِثَ انقلابًا في بعضِ أجزاء الدولة الإسلامية في إيران، ولكن محاولته باءت بالفشل وقضت الدولة عليه وعلى أتباعه.
أما غزو التتار، والحروب الصليبية، والحروب الاستعمارية، فهي ليست انقلابًا، وإنما هي غزو مسلح للإسلام والمسلمين. وأمّا ما فعله معاويةُ من نقل الخلافة إلى مُلك، وإحداثِ ولاية العهد، فلا يسمى انقلابًا وإنما هي إساءة للتطبيق، وانحراف بالحكم عن الطريقة المثلى التي كانت مطبقة في عهد الخلفاء الراشدين. وقد توَسّلَ معاوية لهذا بدعوى الاجتهاد بما يوافقُ المصلحة (أي مصلحته الخاصة)، وبإظهاره ـــــــ خداعًا ـــــــ الحرص التام على كيانِ الأمة الإسلامية.
ومعاويةُ بنُ أبي سفيان كان يفهمُ رئاسة الدولة أنها ملكٌ وليست خلافة. انتبه إلى قوله حين خطبَ في أهلِ الكوفة بعد الصلحِ، قال: «يا أهلَ الكوفةِ أتراني قاتلتكم على الصلاة والزكاةِ والحج وقد علمتُ أنكم تُصلّونَ وتُزكونَ وتحجون؟ ولكنني قاتلتكم لأتأمّرَ عليكم وعلى رقابكم. وقد آتاني الله ذلك وأنتم كارهون. ألا إنَّ كُلَّ مالٍ ودمٍ أُصيبَ في هذه الفتنة فمطلول . وكل شرطٍ شرطته فتحتَ قدميّ هاتين». نعم، استمع إليه وهو يقول ذلك تَجِدْهُ يُعلنُ عن نفسه، أنه يخالفُ الإسلامَ، حين يعلنُ أنه قاتلَ الناسَ ليتأمر عليهم وعلى رقابهم، وحين يتجاوزُ ذلك إلى ما هو أشد وأنكر، إذ يقول للناس: كل شرط شرطته فتحتَ قدميّ، فهو يقول صراحة إنه لا يحترم العهدَ وهو غير مستعد أن يفي به إذا خالف هواه.
إن طريقة اجتهاد معاوية في الأمور السياسية كانت تقوم على أساس المنفعة. ولم يتأثر بالإسلام، أي بأوامر الله ونواهيه، بل كان متأثرًا بالنظام الذي كان سائدًا في تلك الأيام عند الدولتين: البيزنطية والساسانية، اللتين كان الحكمُ فيهما وراثيًا، فجعل ولده يزيد ولي عهده، واحتَالَ بأخذِ البيعة له في حياته.
استمرار الدولة الإسلامية:
توفي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فبايع الصحابةُ خليفةً له في رئاسة الدولة. وظل المسلمون يُقيمون رئيسًا للدولة حتى سنة 1342هـــــــ 1924م، وكانوا يسمونه خليفةً، أو أميرًا للمؤمنين. ولا يصبح أي شخص خليفة إلا بالبيعة. لقد سارت الدولةُ الإسلامية طوالَ أيامها حتى آخرِ خليفة، أي حتى نهاية الدولة الإسلامية في هذا السبيل، بحيث لا يكون الشخصُ خليفةً إلا بالبيعة.
وقد تنوَّع تطبيقُ البيعة: فبويع الخليفةُ مباشرة، وعَهِدَ هو إلى غيره من غير أقاربه، وعَهِدَ إلى ابنه أو أحد أقاربه، وعهد إلى أكثر من واحد من الموجودين من أهله. ولكن هذا العهد من خليفةٍ لآخر لم يكن وحده هو الذي يجعله خليفة، بل كان لا بدَّ له من أخذ البيعة حين يتولى الخلافة. ولا يوجد خليفة واحدٌ تولَّى رئاسةَ الدولة من دون بيعة.
نعم قد تنوّع أخذُ البيعة، فأُخذت من أهل الحَلِّ والعَقد، وأُخذت من الناس، وأخذت من شيخ الإسلام. وكان يُساء أخذُها أحيانًا، ولكنها كانت بيعة على كل حالٍ، وعلى وجهٍ من تلك الوجوه، ولم تكن ولايةَ عهد يُستحق بها صاحبُها الخلافة.
كان كلُّ خليفة يعيِّن معه معاونين أُطلق عليهم في بعض العصور: اسم وزراء، أي معاونين. وكان الخليفةُ يعين الولاةَ، وقاضيَ القضاة، وقوادَ الجيش، ومن يتولَّون دوائرَ الدولة. وعلى هذا الأساس استمرَّ شكلُ الحكم في جميع العصور، ولم يتغير بالنسبة لوضعه أيُّ شيء منه. وبذلك تكون الدولة الإسلامية قد استمرَّ قيامُها حتى هَدَمَها العدوُّ المستعمرُ حين قضى على الدَّولة العثمانية وقسَّم العَالَمَ الإسلاميَّ إلى دويلات.
لقد حصلت في الدولة الإسلامية عدة حوادث داخلية في مختلف العصور، ولكن حصولها لم يكن ناجمًا عن دوافع غير إسلامية، وإنما كان عن فهم إسلامي خاصٍّ للوضع الذي كان قائمًا حين حدوثها. لذا قام هؤلاء الفاهمون للوضع القائم يعملون حسب فهمهم لتصحيحه تصحيحًا يتفق مع ما يفهمون. وكان كل واحد من هؤلاء المعترضين سبيلَ الدولة، يعتبر نفسه مجتهدًا يفهم معالجة الوضع بطريقة غير الطريقة القائمة. وكلا الوضعين (القائم والمعترض) كان يُبتنى على فهمٍ إسلامي ورأيٍ إسلامي. ولهذا نجد أن الخلاف كان يدور حول شخص الخليفة، لا على مركز الخلافة، وعلى من يكون في الحكم، لا على شكل الحكم. فالخلاف ـــــــ إذًا ــــــ كان محصورًا في الفروع والتفاصيل لا في الأصول ولا في الخطوط العريضة.
ولم يختلف أحد من المسلمين في الكتاب والسنة، وإنما اختلفوا في فهمهما. ولم يختلفوا على مجرد تنصيب خليفة، وإنما اختلفوا فيمن يكون الخليفة. كما أنهم لم يختلفوا في وجوب تطبيق الإسلام كله وحمله إلى العالم، بل ساروا كلُّهم على هذا الأساس ينفِّذون أحكامَ الله، ويدعون الناسَ إلى دين الله.
نعم إن بعضَ الخلفاء أساءَ تطبيقَ بعض أحكام الإسلام عن سوء فهم، وبعضهم أساءَ عن قصدٍ أو غير قصد، ولكنهم جميعًا كانوا يطبقون الإسلامَ ليس غير. وكانوا جميعًا يقيمون علاقاتهم مع غيرهم من الدول والشعوب والأمم على أساس الإسلام وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم. ولذلك لم تَحُلِ الخلافاتُ الداخليةُ دون امتدادِ الفتوحات ولم تقفْ دون نشر الإسلام، بل ظلت الدولة الإسلامية تفتح البلدان لنشر الإسلام طوال أيامها وحتى القرن الحادي عشر الهجري الموافق للقرن السابع عشر الميلادي، حين فُتحت فارسُ والهندُ، والقَفقاس، ووصلت حدودُ الدولةِ الإسلامية إلى الصين وروسيا، وإلى ما وراء بحر قزوين شرقًا، بعد أن كانت قد فُتحت الشام شمالًا، ومصرُ وشمالي أفريقيا وأسبانيا غربًا، كما فتحت الأناضول والبلقان وجنوب أوروبا وشرقيُّها حتى شمال البحر الأسود بما في ذلك القرم وجنوب أوكرانيا، وتقدمت جيوش الدولة حتى وصلت إلى أسوار فيينا في النمسا. ولم تقعد الدولةُ الإسلاميةُ عن الفتوحات وعن حمل الدَّعوة إلا حين بدأ يدب الوهن إليها، وظهر عليها سوء فهم الإسلام، وحين وصل ضعفُها في فهمه حدًّا كبيرًا أدَّى إلى اضطراب تطبيقِها للإسلام، وإلى استعانتها في استعارة القوانين من الأنظمة الأخرى على أساس أنّ ذلك لا يخالف الإسلام، فقُضي عليها وبدأت أول خطوة في طريق الزوال.
ولقد كان سيرُ الدولة متمشيًا مع قوَّتها الفكرية، وتوفُّرِ قوةِ الإبداع والاجتهاد فيها. ففي القرن الأول امتدت فتوحاتها، وتوسع الاجتهاد فيها، وواجهت مشاكلَ كثيرةً في البلاد المفتوحة استنبطت لها حلولًا، وأدَّى تطبيق الأحكام الشرعية على المسائل الجديدة التي حدثت في فارس والعراق والشام ومصر وأسبانيا والهند والقفقاس وغيرها إلى أن يدخل أهل هذه البلاد بكاملهم في حظيرة الإسلام. وهذا يدل على صدق الاستنباط وقوة الإبداع والاجتهاد، إذ الإسلام مقطوعٌ بصحته، وفهمُه فهمًا صحيحًا هو الذي يؤدِّي إلى رؤية الناس له مُشرقًا عادلًا في تطبيقه، حَرِيًّا بتعلُّم أحكامه.
وقد استمر هذا الإبداع والاجتهاد والاستنباط حتى القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) فأخذ الإبداع يضعف والاجتهاد يقلّ، وأدَّى لك إلى ضعف كيان الدولة. ثم كانت الحروب الصليبية فشُغل المسلمون بها إلى أن انتهت بانتصار المسلمين.
ثم جاء المماليك فحكموا وهم لا يقدِّرون الاجتهاد ولا يُعْنَون بالأفكار، فزاد الضعفُ الفكريُّ واستتبعه الضعفُ السياسي. وزاد الطينَ بلةً غزوُ التتار، وطرحُهم كتب الإسلام في دجلة، وقضاؤهم على ثروة فكرية هائلة، فنجم عن ذلك الضعفُ الفكريُّ الذي أوقف الاجتهاد، واقتصرَ بحثُ المسائل المستجدة على إصدار الفتاوى، وتأويل النصوص، فهبط المستوى الفكريُّ في الدولة، وأوصَل المسلمين إلى هبوط المستوى السياسي.
ثم جاء العثمانيون وتسلموا الحكم في الدولة الإسلامية، وانشغلوا بالقوة العسكرية وبالفتوحات، ففتحوا استانبول والبلقان، واندفعوا في أوروبا اندفاعًا قويًّا جعلهم الدولة الأولى في العالم. ولكن المستوى الفكري لم يرتفع، فلم تزد هذه القوة العسكرية عن أن تكون وثبةً ليس لها سندٌ فكري، ولذا ما لبثت أن انحسرتْ قُواها عن البلدان الإسلامية ـــــــ القديمة والجديدة ـــــــ شيئًا فشيئًا... إلى أن انتهت.
ولكنها كانت ـــــــ على أي حال ـــــــ تحمل الدعوة الإسلامية، وتنشُر الإسلام، إذ دخل من أهل البلدان المفتوحة الملايين من الناس في الإسلام، ولم يزل الكثيرون منهم مسلمين حتى اليوم. نعم لقد تنوَّع فهمُ القائمين على الأمر للإسلام. ونشأ من جرّائه عدمُ تبني الخليفة أحكامًا معينةً في نظام الحكم مع أنه تبنى في الاقتصاد وغيره أحكامًا معينة، ما جعل لذلك أثرًا في تمكين بعض الحكَّام من الخلفاء والولاة، من تسيير الحكم وجهةً استبداديةً تؤثِّر على وحدة الدولة وعلى قوَّتها. ولكن ذلك لم يؤثِّر على وجودها، فقد كانت الولاية العامة للولاة من جهة، وإعطاؤهم صلاحيات واسعةً نيابةً عن الخليفة من جهةٍ ثانية، سببًا في تحرُّك أحاسيس السيادة فيهم، فصاروا شبه مستقلِّين في الولاية، واكتفوا ببَيعة الخليفة، والدعاءِ له على المنابر، وضَرْب النقد باسمِه، وما شابه ذلك من الأمور الشكلية التي أفقدت الخليفة كل معنًى فعَّال. وبقي أمرُ الحكم في أيديهم ممًّا جعلَ هذه الولايات شبهَ دولٍ مستقلَّة كمثل دولة الحمدانيين، ودولة السلجوقيين وغيرهم وغيرهم.
والولايةُ العامة لم تؤثِّر على وحدة الدولة باعتبارها ولايةً عامةً على أيّ منطقةٍ من مناطق الدولة الإسلامية المترامية الأطراف. إذ لم ينفرد أيُّ والٍ عن الخليفة بشيء في سالف عهد الخلافة، بل كان الوالي محاسَبًا ومطالبًا دائمًا، وظلت وحدة الدولة محفوظة لقوة الخلفاء. ولكن لما ضعف الخلفاء، وقبلوا من الولاة بعض الشذوذ في الوضع المكرَّس سابقًا، بدأ يبرز هذا المظهر من الاستقلالية في الولايات، وكان أشبه بمظهر الدولة في الولاية مع كونها ولاية تابعة وجزءًا من كيان الدولة...
ثم وعلى الرغم من كل ذلك، ظلَّ للدولة وحدةٌ واحدة، فالخليفة هو الذي يعيِّن الوالي ويعزله. ومهما بلغت قوة الوالي ما كان ليجرؤ على عدم الاعتراف بالخليفة حتى في حال مسيرته نحو الاستقلالية الذاتية. ولم تكن الدولة الإسلامية في يوم من الأيام اتحاد ولايات، حتى في أشد عهود استقلال الولاة، وإنما كانت دولة واحدة لها خليفة واحد، هو وحده صاحب الصلاحية في كل ناحية من نواحي الدولة، في المركز، والولايات، والمدن، والقرى والدساكر، على السواء.
أما ما حصل في عهدٍ من العهود، من وجود خلافة في الأندلس، ونشوء خلافةٍ للفاطميين في مصر، فإن أمره يختلف عن موضوع الولاة. ذلك أن الأندلس قد استولى عليها الولاة واستقلُّوا بها، ولم يبايع الوالي خليفةً للمسلمين وإنما سمِّيَ فيما بعد بالخليفة على أهل تلك الولاية لا على المسلمين عامة. وظل خليفةُ المسلمين واحدًا، وظلَّ الحكم له، وبقيت ولاية الأندلس يُنْظَرُ إليها كولاية غيرِ داخلةٍ في حكم الخليفة، كما كانت الحال في إيران أيام الدولة العثمانية، فلم يكن فيها خليفةٌ ثانٍ، وإنما كانت ولايةً غيرَ داخلةٍ في حكم الخليفة.
وأما نشوء خلافة الفاطميين في مصر فلم تكن خلافةً ثانيةً في الدولة الإسلامية أيضًا، وإنما كانت محاولة لنقل الخلافة إلى آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا يشبه إلى حدٍّ كبيرٍ ما فعلَه العباسيون حين أخذوا الحكم من الأمويين، فقد قاموا على قواعدِ فهمٍ سياسيٍّ في بلاد فارس والعراق، وبايعوا الخليفة القائم بتنفيذ فكرتهم، ثم قضوا على خلافة الأمويين. وكذلك الحال التي حصلت مع الفاطميين فإنهم بايعوا خليفةً عليهم ليتمُّوا توحيدَ الدولة بنقل الخلافة إليهم، وجعلها فيهم فقط، إلى أن انتهت خلافتهم وبقيت خلافةُ العباسيين.
ولهذا لا نسمِّي تغييرَ الحكم من الأمويين إلى العباسيين انقلابًا، وإنما هو تغيير في الحكام، وكذلك لا نسمِّي قيامَ خلافةٍ فاطميةٍ في مصر مع وجود خلافة عباسية في بغداد تعددًا في الخلافة، لأنه كان محاولة لنقل الخلافة من فئة إلى فئة. وعليه فإن الدولةَ الإسلاميةَ استمرَّت في الحكم دولةً واحدة ووحدة لم تتجزأ، ولم تكن دولًا، وإنما كانت هناك محاولات للوصول إلى الحكم رغبة في تنفيذ فهمٍ معين للإسلام في شؤون الحكم. ثم انتهى دور الخلافة، وتقلَّص ظلُّ الدولة وظلَّت الخلافةُ واحدةً، وظلت الدولةُ الإسلامية واحدة. مما يدل كذلك على وحدة الدولة الإسلامية رغم تعدُّدِ أوضاع الحكم.
وقد ظلَّ المسلمُ ينتقل من بلد إلى بلد بين مشارق الأرض ومغاربها، في بقاع يسود فيها الإسلام، ولم يكن يُسأل عن بلده ولا عن السماح له بالتجوُّل، لأن بلاد الإسلام واحدة وهي جميعها وطنه، وكل بلد من بلاد الإسلام بلده. وليس كما نشاهده اليوم، حيث المسلم من أهل مكة يُعتبر أجنبيًّا في مصر التي فيها الأزهر الشريف الذي يدرِّس الإسلام، وكذلك المسلم المصري يعتبر أجنبيًا في مكة المكرمة التي هي قبلة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. وقس على هذين كلَّ مسلم يخرج من وراء حدود وطنه التي رسمتها القوى الأجنبية المستعمرة لسكان البلاد الإسلامية في كل مكان.
وهكذا ظلَّت الدولة الإسلامية تجمع المسلمين في وحدة كاملة، وظلَّت دولةً إسلامية قويةً مُنْدَفِعَةً في مختلف العصور، إلى أن قضى عليها العدو المستعمر بوصفها دولة إسلاميةً، بجشعه وجوعه إلى امتصاص دماء الشعوب. وكان ذلك في سنة 1924 ميلادية حين أزال الخلافة الإسلامية من الوجود على يد كمال أتاتورك، وهو من ورائه يسانده ويشد عضده، مكشِّرًا عن أنياب الحقد، على الإسلام قبل المسلمين...
cetirizin netdoktor cetirizin csepp cetirizin hund dosis



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB