الإسلام وإيْديُولوُجيَّة الإنْسان
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   362
تاريخ النشر :   1989




الحاكمْ

من أهمّ الأبحاثِ المتعلّقةِ بالحكمِ، وأولاها وألزمِها بيانًا، معرفةُ مَنِ الذي يرجعُ له إصدارُ الحكمِ، أي مَنْ هو الحاكمُ، لأنّ على معرفتِهِ تتوقفُ معرفةُ الحكمِ ونوعِهِ. وليس المرادُ بالحاكمِ هنا صاحبَ السّلطانِ، بل المرادُ بالحاكمِ مَنْ يملكُ إصدارَ الحكمِ على الأفعالِ والأشياءِ.
من المعلوم أنّ ما في الوجودِ مِن المحسوسات لا يخرجُ عن كونِهِ أفعالًا للإنسانِ، أو أشياءَ متعلقةً بها ولكنها ليست من صُنعِ الإنسانِ. ولما كانَ الإنسانُ، بوصفِهِ يحيا في هذا الكونِ، هو موضع البحث، وكان إصدارُ الحكمِ متعلقًا به ومن أجله، فإنه لا بدَّ من الحكمِ على أفعالِ الإنسانِ وعلى الأشياءِ المتعلّقةِ بها. فمن هو الذي له وحدَهُ أنْ يُصدرَ الحكمَ على ذلك؟ هلْ هوَ اللّهُ أمِ الإنسانُ نفسُهُ؟ وبعبارَةٍ أخرى هل هو الشّرعُ أم العقلُ؟ لأنّ الذي يعرّفنا أنّ هذا هوَ حكمُ الله هو الشّرعُ، والذي يجعلُ الإنسانَ يحكمُ هو العقلُ، فمن الذي يحكمُ إذًا؟
وموضوعُ إصدارِ الحكمِ على الأفعالِ والأشياءِ هو الحسنُ والقبحُ ولأنّ المقصودَ من إصدارِ الحكمِ هو تعيينُ موقفِ الإنسانِ تجاه الفعلِ، هلْ يفعلُهُ أم يتركُهُ أم يُخيّرُ بينَ تركِهِ وفعلِهِ؟ وكذلك تعيينُ موقفِهِ تجاهَ الأشياءِ المتعلقةِ بها أفعالُهُ هل يأخذُها أم يتركُها أم يُخيّرُ بينَ الأخذِ والتركِ؟ وكلُّ هذا متوقف على نظرتِه للشيءِ هل هو حسنٌ أم قبيحٌ أم ليس بالحسنِ ولا بالقبيحِ؟ ولهذا كان موضوعُ الحكمِ المطلوبِ هو الحُسْنُ والقبحُ، فهل الحكمُ بالحسنِ والقبحِ هو للعقلِ ام للشرع؟ إذْ لا ثالثَ لهما في إصدارِ هذا الحكمِ.
والجوابُ على ذلك هو أنَّ حكم الإنسان على الأفعال والأشياءِ يتناول أمورًا ثلاثة:
1 ـــــــ مِنْ حيثُ واقعُها ما هو؟
2 ـــــــ مِنْ حيثُ ملاءمتها لطبعِ الإنسانِ أو منافرتها له.
3 ـــــــ مِنْ حيثُ الثّوابُ والعقابُ أو المدحُ والذمُّ.
فأمّا الحكمُ على الأشياءِ من حيث واقعُها، وملاءمتُها للطّبعِ أو منافرتُها له، فلا شكَّ أنَّ ذلكَ كلّهُ إنما هو للإنسان نفسِهِ أيْ هو للعقلِ لا للشرعِ، فالعقلُ هو الذي يحكمُ على الأفعالِ والأشياءِ، ولا دخلَ للشرع فيهما. وذلكَ مثل: العلمُ حسنٌ والجهلُ قبيحٌ، فإنّ واقعهما ظاهرٌ منه الكمال والنقصُ. ومثل: إنقاذُ الغريقِ حسنٌ وتركُهُ يهلكُ قبيحٌ، فإن الطّبعَ يميلُ لإسعافِ المشرفِ على الهلاكِ. فهذا وما شاكلَهُ يعودُ إلى طبع الإنسانِ وفطرتِهِ وهو يشعرُ به ويدركُهُ، ولذلكَ كان إصدارُ الحكمِ على الأفعالِ والأشياء، من هاتينِ الجهتينِ، هو للإنسانِ، والحاكمُ فيهما هو الإنسانُ.
أما الحكمُ على الأفعالِ والأشياءِ من ناحيةِ المدح أو الذمِّ في الدنيا، والثوابِ والعقابِ عليها في الآخرة، فلا شكَّ أنَّهُ للشّرعِ وليس للعقلِ. وذلك كحُسْنِ الإيمانِ وقبحِ الكفرِ، وحسنِ الطّاعةِ وقبحِ المعصيةِ، وهكذا.
إن العقلَ هو إحساسٌ وواقعٌ ومعلوماتٌ سابقةٌ ودماغٌ. والإحساسُ جزءٌ جوهريٌّ من مقوّماتِ العقلِ، فإذا لم يحسّ الإنسانٌ بالشيءِ لا يمكن لعقلهِ أن يُصدرَ حكمًا عليهِ لأنّ حكمَ العقل على الأشياءِ مقيّدٌ بكونِها محسوسةً، ويستحيلُ عليه إصدارُ حكمٍ على غيرِ المحسوسات. ولنأخذ مِثالًا على ذلك الظّلمَ، فهو ليس مما يحسُّهُ الإنسانُ لأنه ليس شيئًا يُحَسُّ، وهو كذلك لا يمكنُ أن يُعقلَ، أي لا يمكنَ للعقلِ إصدارُ حكم عليه من حيثُ مدحه أو ذمّهُ، برغم أنّ الإنسانَ يشعر بفطرتهِ بالنفرةِ منه، أو الميلِ له. ولكنّ الشعورَ وحده لا ينفعُ في إصدارِ العقلِ حكمَهُ على الشيء بل لا بدَّ من الحِسِّ. ولذلك لا يمكنُ للعقلِ أن يُصدرَ حكمَهُ على الفعلِ أو على الشّيء بالحسْنِ أو القبحِ، ومن هنا لا يجوزُ للعقلِ أن يُصدر حكمَهُ على الأفعالِ أو الأشياءِ بالمدحِ أو الذمِّ لأنّهُ لا يتأتّى له إصدارُ هذا الحكم، بل يستحيلُ عليه ذلك. ولا يجوزُ كذلك أن يكون إصدارُ الحكمِ بالمدحِ والذمِّ متروكًا لميولِ الإنسانِ الفطريةِ، لأن هذه الميول تُصدرُ الحكمَ بالمدحِ على ما يوافقها وبالذم على ما يخالفُها. وقد يكونُ ما يوافقُها مما يُذم، كالزنا واللواطِ والاسترقاق، وقد يكونُ ما يخالفُها مما يُمدَحُ، كقتالِ الأعداءِ والصبرِ على المكارهِ وقولِ الحقِّ في حالاتِ تحقّقِ الأذى البليغِ.
ولذلك كان جعلُ الحكمِ للميولِ والأهواءِ خطأً محضًا، لأنّ الحكمَ يأتي عندئذٍ خاطئًا مخالِفًا للواقعِ، علاوةً على أنّ الحكمَ بالمدحِ والذمِّ يكون حسبَ الهوى والشهوات. ولهذا لا يجوزُ أن يُجعلَ للإنسانِ إصدارُ الحكمِ بالمدحِ والذمِّ، لأنّ حكمه يتأثر دائمًا بأهواء نفسه. وعليه فيكون الذي يُصدرُ حكمَهُ بالمدحِ والذمِّ هو الله سبحانَهُ وتعالى وحده وليس الإنسانَ، أي هو الشّرعُ وليس العقل. وأيضًا فإنه لو تُرِكَ للإنسانِ أن يحكمَ على الأفعالِ والأشياءِ بالمدحِ والذمِّ لاختلف الحكمُ باختلافِ الأشخاصِ والأزمانِ، وليس في مقدورِ الإنسانِ أن يحكمَ عليها حكمًا ثابتا. والمشاهَدُ المحسوسُ أنَّ الإنسانَ يحكمُ على أشياءَ أنها حسنةٌ اليومَ ثمّ يحكمُ العكس عليها غدًا. ويكونُ قد حكمَ على أشياءَ أنها قبيحةٌ ثمَّ يعودُ فيحكمٌ عليها نفسِها أنها حسنةٌ، وبذلك يختلفُ الحكمُ على الشيءِ الواحدِ ولا يكون حكمًا ثابتًا، فيحصلُ الخطأ في الحكمِ، ولذلك لا يجوزُ أن يُجعلَ للعقلِ ولا للإنسانِ الحكمُ بالمدحِ والذمِّ. وعليه فلا بدَّ أن يكونَ الحاكمُ على أفعالِ العبادِ وعلى الأشياءِ المتعلّقةِ بها من حيثُ المدحُ والذمُّ هو اللهَ سبحانهُ وتعالى وليس الإنسان، أي يكونُ الشرعُ وليس العقلُ.
هذا من حيثُ الدّليلُ العقليّ على الحسنِ والقبحِ. أما من حيثُ الدّليلُ الشّرعي فإنّ الشّرعَ التزمَ التحسينَ والتقبيحَ باتباعِ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وذمِّ الهوى، ولذلك كان من المقطوعِ به شرعًا أن الحسنَ ما حسّنه الشّرعُ، والقبيحَ ما قبحهُ الشرعُ من حيثُ الذمُّ والمدحُ. والحكمُ على الأفعالِ والأشياءِ بالمدحِ والذمِّ هو لتعيينِ موقِفِ الإنسانِ منها. فهو بالنسبةِ للأشياءِ يبينُ هل يجوزُ له أخذُها أو يحرمُ عليهِ؟ ولا يتصوّرُ غير ذلك من حيثُ الواقعُ. وبالنسبةِ لأفعالِ الإنسانِ هل يُطلبُ منه أن يقومَ بها، أو يطلبُ منه أن يتركَهَا، أو يخيرُ بينَ الفعلِ والتركِ؟ ولما كان هذا الحكمُ من هذه الجهةِ لا يكونُ إلا للشرعِ، لذلك يجبُ أن تكونَ أحكامُ أفعالِ الإنسانِ، وأحكامُ الأشياءِ المتعلقةِ بها، راجعةً للشرع لا للعقلِ.
الشريعةُ الإسلاميةُ:
لا تقعُ واقعةٌ ولا تطرأُ مشكلةٌ ولا تحدثُ حادثةٌ إلّا ولها حكمٌ. فقد أحاطت الشّريعةُ الإسلاميةُ بجميعِ أفعال الإنسانِ إحاطةً تامّةً شاملةً، فلم يقعْ شيءٌ في الماضي، ولا يعترضُ شيءٌ في الحاضرِ، ولا يحدثُ شيءٌ في المستقبل، إلّا وله حكمٌ في الشريعةِ الإسلاميةِ. قالَ اللّهُ تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} (سورة النحل: الآية 89) وقال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} (سورة المائدة: الآية 3). فالشريعةُ لم تهملْ شيئًا من أفعال العبادِ مهما كان، فهي إمّا أن تُنَصِّبَ دليلًا له بنصٍّ من القرآن والحديث، وإمّا أن تضع أمارةً في القرآن والحديث تنبه المكلّفَ على مقصدِها فيه، وعلى الباعث على تشريعه، لأجل أن ينطبقَ على كلِّ ما فيه تلك الأمارةُ أو هذا الباعث.
لا يمكنُ شرعًا أن يوجدَ فعلٌ للعبدِ ليس له دليلٌ أو أمارةٌ تدلّ على حكمِهِ لعمومِ قول الله تعالى: {تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ}، وللنصِّ الصّريحِ بأنّ اللهَ تعالى قد أكملَ هذا الدّينَ. فإذا زعمَ أحدٌ أنّ بعضَ الوقائعِ خاليةٌ من الحكمِ الشّرعيّ فإنه يعني أن هناك شيئًا لم يبينهُ الكتابُ، وأنَّ هذه الشريعة لم يكملها الله تعالى، بدليلِ وجودِ فعلٍ لم يذكرْ حكمهُ، فهي شريعةٌ ناقصةٌ. هذا الزعمُ معارضٌ لنصِّ القرآنِ، ولذلك يكونُ زعمًا باطلًا حتى لو وُجدتْ أحاديثُ عن الرّسولِ صلى الله عليه وآله وسلم تتضمّنُ هذا المعنى، أي وجودَ بعضِ أفعالِ العبادِ لم تأتِ الشّريعةُ بحكمٍ له، كما يتراءى للبعض أن يجدّف بذلك. ومثلُ هذه الأحاديثِ تكون مُختلَقةً ولا أساس لها في السنة النبوية الشريفة، وهي تُردُّ درايةً لمعارضتِها لنصِّ القرآنِ القطعيِّ الثبوتِ والدلالةِ لأنّ آيةَ {تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} وآيةَ {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} قطعيّتا الثبوتِ، قطعيّتا الدلالةِ، فأيّ خبر آحادٍ يعارضُها يُردُّ درايةً.
ولهذا لا يحقُّ لمسلمٍ بعد التفقّهِ في هاتينِ الآيتينِ القطعيتينِ أن يقولَ بوجودِ واقعةٍ واحدة من أفعالِ الإنسانِ لم يبين الشّرعُ محلَّ حكمٍ لها ولا بوجهٍ من الوجوه.
الخَلافةُ:
الخلافةُ هي رئاسةٌ عامّةٌ للمسلمينَ جميعًا في الدنيا لإقامةِ أحكامِ الشريعةِ الإسلاميةِ، وحملِ الدّعوةِ الإسلاميةِ إلى العالمِ. وهي عَيْنُها الإمامةُ إذ هما بمعنًى واحد. وإقامةُ خليفة فرضٌ على المسلمينَ كافّةً في جميعِ أقطارِ العالمِ. والقيامُ به كالقيامِ بأيِّ فرضٍ من الفروضِ التي فرضها اللهَ على المسلمينَ، والتقصيرُ في القيامِ به معصيةٌ من أكبرِ المعاصي يعذّبُ الله عليها أشدَّ العذاب.
والدّليلُ على وجوبِ إقامةِ الخليفةِ على المسلمينَ كافة، السّنةُ والإجماعُ. أما السنةُ فقد رُويَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم أنه قالَ: «من ماتَ وليس في عنقهِ بيعةٌ ماتَ ميتةً جاهليةً». وعن ابن عباس عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم قالَ: «من كَرهَ من أمير شيئًا فليصبر عليه فإنّه ليس أحدٌ من الناسِ خرجَ من السلطانِ شبرًا فماتَ عليهِ إلا ماتَ ميتةً جاهليةً». وأمّا إجماعُ الصحابةِ فإنهم أجمعوا على لزوم إقامةِ خليفةٍ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد موتهِ. وأجمعوا على إقامةِ خليفةٍ لأبي بكرٍ ثم لعمرَ ثم لعثمانَ ثم لعليّ بعد وفاةِ كلٍّ منهم. فالصّحابةُ كلُّهم أجمعوا طوالَ حياتِهِم على وجوبِ نصب الخليفةِ، ومع اختلافهم على الشّخصِ الذي يُنتخَبُ خليفةً فإنّهم لم يختلفوا مطلقًا على إقامةِ خليفةٍ. على أنّ إقامةَ وتنفيذَ أحكامِ الشريعةِ الإسلاميةِ في جميعِ شؤونِ الحياةِ الدنيا والأخرى فرضٌ على المسلمينَ بالدّليلِ القطعيّ الثبوتِ، القطعيّ الدلالةِ، ولا يمكنُ أن يتمَّ ذلك إلا بحاكمٍ ذي سلطانٍ أي بخليفةٍ للمسلمين.
الخليفة الزمانيّ:
الخليفةُ هو الذي ينوبُ عنِ الأمّةِ في السّلطانِ، وفي تنفيذِ الشرْعِ. والطريقةُ التي يُنَصّبُ فيها الخليفةُ يجبُ أن تمرّ في ثلاث مراحلَ:
1 ـــــــ يحصرُ الأعضاءُ المسلمونَ في مجلسِ الشورى المرشحينَ لهذا المنصبِ، ثمّ تُعْلَنُ أسماؤهمْ، ويُطْلَب منِ الأمّةِ انتخابُ واحدٍ منهُمْ.
2 ـــــــ تُعْلَنُ نتيجةُ الانتخابِ لمنْ نالَ أكثرَ الأصواتِ.
3 ـــــــ يبادرُ المسلمونَ جميعًا لمبايَعَةِ مَنْ نالَ أكثريّةَ الأصواتِ، ويُصبحُ خليفةً، ويُقْسِمُ على العملِ بكتابِ اللهِ وسنةِ رسولِهِ، ولا يجوزُ أنْ تبقى الأمّةُ ثلاثةَ أيّامٍ بدونِ انتخابِ خليفةٍ.
amitriptylin 75 mg amitriptylin angst amitriptylin hund



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB