الإسلام وإيْديُولوُجيَّة الإنْسان
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   362
تاريخ النشر :   1989




التّضَخُم المَاليْ

التضخم من حيث المعنى اللغوي، هو عِظَمُ الشيء وازدياد حَجمِه، فيقال: ضَخُم ضخامةً وضَخمًا أي عَظُمَ جُرْمُهُ. وضخَّم وضخَّمَه أي جعله ضخْمًا... والضخّام: العظيم من كل شيء.
والتضخم المالي الذي نقصده، هو من حيث المعنى الاصطلاحي: «الارتفاعُ المتوالي في الأسعار الذي يعود إلى الاختلال الحاصل بين زيادتين: زيادة في الطلب النقدي، وزيادة في العرض الحقيقي للسلع والخدمات، نتيجةً للطبيعة الخاصة بالبنية الداخلية للإنتاج والتوزيع، ودرجة الاحتكار والتمركز، ومدى التبعية للخارج، والتأثر بارتفاع أسعار الواردات».
وما يقتضي توضيحه هو التفريق بين التضخم المالي والتضخم النقدي. فهذا الأخير يظهر بضخ كميات زائدة من النقود الورقية، وإنزالها إلى السوق، فتؤدّي في تداولها إلى تدني القوة الشرائية للوحدة النقدية المعتمدة في بلدٍ من البلدان، بينما التضخم المالي هو الزيادة الحاصلة في الأموال الاقتصادية المختلفة، ولا سيما تلك التي تشكل السلع أو البضائع، أو التي تتألف منها الأموال المعنوية أو غير المادية كحقوق الاستثمار، وحقوق المؤلفين والمخترعين، وخلافها، ممَّا يقوَّمُ بمال مهما كانت هويته. هذا فضلًا عن التضخم في الأيدي العاملة أو في شتى أدوات الإنتاج...
وبمقتضى هذا التفريق تكون النقود هي الأداة التي تُقوَّم بها عناصر المبادلات المختلفة، بحيث يعكس النقد في قيمته القيمَ الحقيقية للمنتجات المتبادلة التي تعكس في النهاية الجهد الذي صرفه العمل الإنساني عليها، وبذلك يرتبط مفهوم النقد بمفهوم السلعة ويصبح تاليًا ذا طابع سلعي.
وإذا كانت قد ظهرت نظريات عديدة تعطي للنقد قيمة ذاتية كالنظرية «الإسمية للنقد»، ونظرية «الكمية النقدية» أو نظرية «النقد ـــــــ الدولة» التي لا ترى في النقد سلعة بل تعتبره وحدة حسابية أومفهومًا قانونيًا تشرِّعه السلطة العامة بحيث يكون معيارًا للأسعار فقط وليس معادلًا عامًّا للقيمة... إذا كانت مثل تلك النظريات قد أخذت كل واحدة منها حيِّزها في نطاق علم الاقتصاد، ولا سيما ما يتعلق منه بالأنظمة النقدية، لإبعاد النقد عن طابعه السلعي، فإن النقود تظل في رأينا ذات مفهوم سلعي، أو لها طابع البضاعة الذي يزيد من حجم البضائع والسلع في السوق بالقدر الذي تزيد فيه تلك النقود، بحيث لا يكون هناك أي انفصال بين النقد والبضاعة. وهذا لا يعني أن الأسعار لن ترتفع أو تنخفض بل يعني أن الارتفاع أو الانخفاض الذي يحصل في الأسعار لا يعود لعوامل تضخمية أو انكماشية بل لعاملين أساسيين هما:
ـــــــ انخفاض الكلفة أو ارتفاعها.
ـــــــ تغيُّرات العرض والطلب.
ومثل هذا الأمر لا يحصل إلا باعتماد نظام نقديٍّ معدني يكون أساسه الذهب أو الفضة، كما سنرى. في حين أن جميع الأنظمة النقدية الأخرى تبقى مولِّدة للتضخم، وتؤدي إلى استفحاله، طالما أن بإمكان السلطات العامة في الدول أن تلجأ في كل وقت إلى زيادة حجم إصدار الأوراق النقدية، ووضْعِها في التداول دون أن يكون لها قوةٌ إبرائية بذاتها، مما يجعل كلَّ عملية إصدار من هذا النوع مصدرًا جديدًا للتضخم، وهذا يؤدي بدوره إلى فقدان العملة الوطنية قوتها الشرائية بصورة تدرّجية تبعًا لكميات النقود الورقية التضخمية.
وما دامت الأموال هي جميع العناصر التي تؤلف ثروة الإنسان، أي تلك التي بإمكانه تملُّكها والاستفادة منها عند الحاجة، أو بمعنى آخر هي (الأموال) «كل ما يتمَوَّل به الإنسان»، مِنْ هذه النظرة نرى أن ظاهرة التضخم الحالية التي تسود العالم هي ظاهرة التضخم المالي وليس فقط ظاهرة التضخم النقدي...
وليست هذه الظاهرة جديدة في النظام الرأسمالي، بل لقد عرفها العالم الغربي، الذي يسوده النظام الرأسمالي منذ منتصف القرن العشرين، وأدرك أنه يدخل عصر التضخم الذي يشكل أشدَّ الأخطار على النشاطات الاقتصادية كافة، إذ في الماضي غالبًا ما كانت الأزمات الاقتصادية تنحصر في زيادة الإنتاج أو البطالة أو الانكماش، وهي الظواهر التي كان يدرسها الاقتصاديون في نظرياتهم عن الدورات الاقتصادية، التي كانوا يوردون فيها أو يذكرون التضخم كظاهرة عابرة لا تتصل بالحياة الاقتصادية... وهكذا وبخلاف ما كان عليه الحال في الماضي، بات التضخم اليوم يشكل ظاهرة معقّدة وغير محددة تمامًا، رغم كل الدراسات العديدة التي قام بها الاقتصاديون لمعرفة أسبابه والبحث عن حلول له.
وعلى ذلك فإن دراستنا هذه ستكون محاولة لكشف أسباب التضخم، والوقوف على الأخطار التي تنجم عنه، ومن ثمَّ لبيان الحلول التي نراها ملائمة لتفادي هذه الظاهرة الخطيرة...
أولًا ـــــــ أسباب التضخم:
في الواقع للتضخم أسباب عديدة ومتنوعة، منها ما يرجع بطبيعته إلى الوضع الاقتصادي الداخلي لبلد من البلدان، ومنها ما يعود إلى الأوضاع الاقتصادية العامة في العالم بأسره، فتلتقي العوامل الداخلية مع العوامل الخارجية، لتُظهر التضخم واقعًا قائمًا وكأنه شرٌّ لا بدَّ منه، أو شرٌّ لا يمكن تفاديه. ولكن ما يجب التركيز عليه هو أن هذا التضخم ـــــــ كظاهرة ـــــــ لا تعرفه إلا دول النظام الرأسمالي، لأنه بات من المؤكد أن هذا النظام هو الذي يولِّد التضخم، أو بتعبير آخر، إن التضخم هو من إفرازات النظام الرأسمالي ـــــــ كنظام اقتصادي ـــــــ وهو، في الوقت ذاته، أحدُ أهمِّ عوامل ضعف هذا النظام ووهنه، حتى ليمكن تشبيهه بأنه سرطان النظام الرأسمالي الذي يتآكله من داخله شيئًا فشيئًا، ولا يستبعد أن يصل اليوم الذي يقضي فيه على النظام بسبب ما يحمل في طياته من شرور هي في الواقع آفة الحياة الاقتصادية للدولة الرأسمالية...
ويمكن استنتاج الأسباب التي تؤدي للتضخم من خلال المظاهر التي يبدو فيها، وأبرزها:
1 ـــــــ إلغاء نظام قاعدة الذهب:
أو فك ارتباط النقد بالذهب كقاعدة نقدية أو كبديل للنقد الورقي. فقد عرف العالم أنظمة نقدية عدّة، وكان أبرزها وأفضلها في المبادلات الداخلية والخارجية النظام المعدني، وبصورة خاصة النظام القائم على قاعدة الذهب الذي ظل سائدًا حتى عشية الحرب العالمية الأولى. وبموجبه كان يعتبر الذهب مقياسًا مشتركًا لتقويم البضائع والخدمات في جميع الحقوق المتبادلة. لكن، اعتبارًا من عام 1918، بدأ الاعتماد على أشكال جديدة خصوصًا نظام الأوراق المصرفية القابلة للتحويل إلى ذهب، ورويدًا رويدًا بدأ التخلي عن نظام الذهب ـــــــ كنظام نقدي ـــــــ حتى كان عام 1931 عندما بدأت معظم دول العالم تخرج عن نظام قاعدة الذهب وتشكل أنظمة نقدية خاصة بها، تركِّز في معظمها حول استعمال النقود الورقية غير القابلة للتحويل إلى ذهب. ومن أهم الأخطار التي حملها النظام النقدي الورقي أنه يفسح في المجال أمام السلطات النقدية في الدولة لإصدار كميات من النقود الورقية أكثر من اللازم... ومثل هذا الإصدار يؤدِي حتمًا إلى تضخم نقديٍّ وارتفاع في الأسعار وفي تكاليف المعيشة العامة، وحكمًا يجرُّ إلى انخفاض في مستوى المعيشة بسبب انخفاض القوة الشرائية للنقود الورقية.
وانخفاض قيمة النقود الورقية سببه عدم تغطية هذه النقود بالذهب أو الفضة أو عدم كفاية هذه التغطية... وهكذا فإن اعتماد النقد الورقي كمقياس مشترك للقيم، والإفراط في أصدار هذه النقود، من أهم العوامل التي تؤدِّي إلى التضخم وما يصاحبه من غلاء في المعيشة بسبب ارتفاع جميع الأسعار.
2 ـــــــ زيادة الطلب على جميع السلع والخدمات:
إن زيادة الطلب على السلع والخدمات يؤدِّي إلى ارتفاع أسعارها إذا لم يقابله عرض مُواز، طبقًا لقانون العرض والطلب. وهنا يبرز الإفراط في إصدار النقود الورقية كعامل رئيسي من عوامل التضخم. ذلك أن زيادة كمية النقود المتداولة، والتوسع في عمليات التسليف والائتمان التي تجريها المصارف التجارية، يؤديان إلى ارتفاع الأسعار إذا لم تقابلها زيادة في الإنتاج تجعل العرض بموازاة الطلب... فعندما يتضخم الطلب يؤدي ذلك إلى الاختلال فيما بينه وبين العرض، فيصير من المفروض أن تلعب المنافسة دورها، أي أن يُقبل المنتجون على زيادة إنتاجهم بما يُشبع الحاجات المطلوبة. وفي هذه الحالة يفترضُ غالبًا أن يعود التوازن فيما بين العرض والطلب. ولكن ما يحصل في حالة التضخم أن المنافسة الجديدة التي تبرز بين المنتجين بزيادة العرض تؤدي إلى فرض أسعار جديدة تكون أكثر ارتفاعًا عن السابق، فتبقى المشكلة قائمة وتستمر بسبب ازدياد الضخ النقدي التضخمي.
ومثل التضخم في الطلب تكون الزيادة في الإنفاق العام سببًا للتضخم أيضًا، وذلك من خلال الميزانيات الضخمة التي تعتبر بحد ذاتها مصدرًا مهمًا لارتفاع معدلات الأجور ومعدلات الأسعار على الصعيد الوطني والعالمي على حد سواء. ذلك أنه في فترات الحرب، أو في الأزمات الاقتصادية، تعمد الدولة إلى زيادة الإنفاق العام، ما يؤدي إلى إيجاد مداخيل جديدة، وإلى طلبات جديدة ولكن لا تقابلها عروض موازية فترتفع الأسعار. وفي هذا يقول أحد علماء النظريات النقدية ما معناه: في مثل هذه الظروف إنَّ كميات النقود الكبيرة التي تضخُّها الدولة تفوق بكثير كميات السلع والخدمات المعروضة، ولا يوجد سوى علاج واحد للتضخم هو إبطاء النمو النقدي، أي إبطاء ضخ النقود الورقية...
ولعلَّ أبرز مثال على ذلك النفقات العسكرية التي تعتبر أهم العوامل لتدمير الإنتاج الحقيقي، وأهم مصدر للتضخم العالمي. فقد دلت الدراسات على أنّ حرب فيتنام وحدها كانت أحد الأسباب الرئيسية لهذا التضخم إذ تجاوزت كلفتها المباشرة حتى عام 1970م مائة وعشرة (110) مليارات دولار، وقد كان معظمها من الدولارات الورقية بدون أي غطاء أو مقابل. فإذا اعتبرنا أن الدولار الأميركي هو أقوى عملة للتعامل الدولي، وأكثرها انتشارًا، أدركنا كيف أن إصدار النقود الورقية بدون أي غطاء من الذهب ـــــــ كما في مثال حرب فيتنام لكي تغطي الولايات المتحدة الأميركية نفقاتها العسكرية ـــــــ كان أحد العوامل الهامة للتضخم المالي العالمي.
ومثال آخر عن لبنان، فإن الأزمة التي بدأت فيه منذ عام 1975 ولا تزال، سببت هذا التضخم بحيث رأينا ميزانية الدولة السنوية ترتفع من بضعة مئات من الملايين بالليرة اللبنانية إلى عدة مليارات ليرة لبنانية.
3 ـــــــ زيادة كلفة الإنتاج وارتفاع المداخيل:
يلاحظ بعض علماء الاقتصاد أن الأسعار بدأت اعتبارًا من سنة 1949 ترتفع بصورة بطيئة، ولكنها كانت مستمرة حتى في فترات التباطؤ التي مر بها اقتصاد الدول الغربية، ولقد تبين أن ارتفاع الأسعار هذا كان يرجع إلى زيادة كلفة عناصر الإنتاج ومطالبة مختلف فئات المجتمع (أُجَراء، وُسطاء، مُزارعون...) بتحسين مداخيلهم. وتحت الضغوط كان أرباب العمل يضطرُّون لتلبية تلك المطالب، أي يزيدون الأجور. ولكن ماذا كان يحصل؟
كان أرباب العمل يُضيفون الزيادة التي دفعوها في الأجور، على أسعار السِّلع، ما يؤدِّي إلى ارتفاع أسعارها، وهذا الارتفاع يفرض في الواقع أن تخسر الأجور أو المداخيل جزءًا من قوتها الشرائية، وهذا ما يجعل الارتفاع الاسمي في المداخيل يؤدِّي تلقائيًا إلى التضخم الناجم عن الطلب.
وهكذا فإن ربط التضخم بارتفاع كُلفة الإنتاج (ارتفاع الأجور وأسعار المواد الأولية) ينجمُ عنه أنه كلما ارتفعت المداخيل كلما أدَّى ذلك إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات. وارتفاع الأسعار يؤدِّي إلى تدني القوة الشرائية، ما يدفع إلى مطالبات جديدة من النقابات وجميع الكوادر العماليّة بتحسين الأوضاع المعيشية. وتجد السلطات أن أسهلَ الطرق وأيسرَها هي أقرار زيادات الأجور، وتكون النتيجة دائمًا ازدياد التضخم واستفحاله... إذ تُزاد الأجور، وتَزداد الأسعار من جديد.
ويمكن أن يرتبط التضخم الناتج عن كُلفة الإنتاج بالبنية الإنتاجية. ففي البنى الديموغرافية الفتية نجد تضخمًا في الأيدي العاملة، بخلاف ما هو عليه الحال في البنى الديموغرافية الهرمة حيث تقلُّ الأيدي العاملة. وفي هذه الحالة تكون الأجور أو المداخيل مرتفعة جدًا، وارتفاعها يؤدِّي إلى زيادة في الطلب ينجم عنه تضخم إن لم يُقابِلْهُ عرضٌ في إنتاج السلع والخدمات... فضلًا عن أن تضخم البنية يتأثر عادة بهياكل الإنتاج من حيث كونها هياكل قديمة أو حديثة ومختلفة عن هياكل الإنتاج في بنيات أخرى.
4 ـــــــ ومن أسباب التضخم أيضًا الاستيراد:
إن دول العالم الثالث تستوردُ البضائع من أكثر دول العالم تعرّضًا للتضخم، أي دول الغرب الرأسمالية... وغالبًا ما تتمثل الاستيرادات بالآلات ووسائل النقل والمنتجات الغذائية والمواد الكيمائية وغيرها، وهذه السلع أكلافها مرتفعة جدًا. يضاف إليها قيمة الخدمات المرتبطة بعمليات الاستيراد، كالتأمين والشحن مثلًا، التي تكون أيضًا مرتفعة. يضاف إلى ذلك عنصر التكنولوجيا الذي تُصدّره الدول الغربية المتقدمة إلى الدول النامية بأسعار مرتفعة جدًّا... فهذا كله يؤدِّي إلى ارتفاع الأسعار في البلدان المستورِدَة، ويصاحب هذا الارتفاعَ التضخمُ مؤكَّدًا... وهكذا يظهر أن هيكل الأسعار في الدول المستوردة من الدول الرأسمالية الغربية، يرتبط إلى حد بعيد بهيكل أسعار هذه الدول... بمعنى أن ارتفاع أسعار البضائع في البلاد المنتجة يؤدي إلى فرض هذه الأسعار في أسواق البلدان المستورِدَة لتلك البضائع، مضافًا إليها قيمة الخدمات، ومثل هذا الارتفاع يجر حتمًا إلى ارتفاع أسعار السلع المشابهة المنتجة محلّيًا، باعتبار أن المنتجين المحلِّيين سوف يعمدون إلى رفع أسعار مُنتجاتهم للحصول على أرباح أعلى، بعد أن يتحوَّلَ جزءٌ من الطلب إلى منتجاتهم بسبب ارتفاع أسعار البضائع الأجنبية المستورَدَة. وتكون النتيجة ـــــــ دائمًا ـــــــ أن المواد الآتية من الخارج قد استوردت معها التضخمَ وأضافت إليه التضخمَ المحليَّ، ما يجعل معدلات التضخم في البلدان المستورِدَة أعلى، في كثير من الأحيان، من معدلاته في البلدان المصدِّرة.
وما قيل عن البضائع أو المواد، يقال عن الخدمات والتكنولوجيا...
وقد أشار بعضُ الدراسات إلى أن الدول النامية قد دفعت سنة 1968 إلى الدول الرأسمالية الغربية ما مقداره مليار ونصف المليار من الدولارات الأميركية ثمنًا للتكنولوجيا والخدمات وبراءات الاختراع... وأن هذه الكُلفة تزداد بمعدل 20% سنويًا... ومما لا شك فيه أن ذلك ينعكس في النهاية على أسعار السلع والخدمات ويؤدِّي إلى زيادة التضخم...
5 ـــــــ الاحتكارات الرأسمالية:
وهذه الاحتكارات تلعب هي الأخرى دورًا هامًّا في إيجاد التضخم. ذلك أن الاحتكار الرأسمالي الذي هو في الواقع سيطرة رأس المال الصناعي والمصرفي على الاقتصاد، أو على قطاعاته الرئيسية ـــــــ على الأقل ـــــــ يستطيع أن يتلاعب بالأسعار بما يؤمن مصالحه، ويكون ذلك مثلًا عن طريق رفع أسعار البضائع المنتجة أو عن طريق تخفيض قيمة النقود اسميًا وبالضخِّ التضخُّمي...
فالاحتكارات الرأسمالية باتت تسيطر على الأسواق العالمية، وهي تتحكم بأسعارها إلى درجة أنها أصبحت قادرة على تكوين الطلب الذي يناسب أسعارها. وهي تتحكم بأسواق الإنتاج كما تتحكم بأسواق التصريف، وهي توجّه السياسات الاقتصادية، وغايتها إما اكتساب مواقع جديدة لها في العالم، أو الحفاظ على مواقعها القديمة...
وإن الغاية النهائية التي تسعى إليها تلك الاحتكارات، من وراء ذلك كله، هي تحقيق أغراضها التي تتمحور حول نقطة رئيسية وهي جَنْيُ أقصى الأرباح، وكلما زادت أرباحها كلما استفحلت سيطرتها. حتى أنّ أصحاب تلك الاحتكارات أصبحوا هم سادة النظام الرأسمالي.
تلك هي أهم المظاهر التي تبرز كأسباب تؤدي للتضخم... ولكن يبقى لنا أن نقول: إن كل الدراسات والأبحاث التي تناولت التضخم وفسرت آثاره، تبقى جزئية وظرفية وغير كافية لتوضيح أسباب هذا التضخم كظاهرة عالمية ترتبط بالاقتصاد الرأسمالي العالمي الذي يسيطر على أسواق المواد الأولية وأسعار السلع المصنعة التي ينتجها، والذي يسعى لاستقطاب المزيد من الأموال والثروات لتوظيفها في أسواقه، فيفقر الدول النامية ويحرمها من إمكاناتها المتاحة، وتلقائيًا فإن الهوَّة تزداد اتساعًا بين الدول المتقدمة والدول المتخلِّفة، وهذا الاتساع يشكل أهم مصادر الأخطار التي قد تواجه البشرية... وذلك يجعل الرأسمالية الاحتكارية مسؤولة بالدرجة الأولى عن التضخم العالمي الذي بات أشبه بطوفانٍ يحيط بالعالم من جميع جوانبه.
ثانيًا ـــــــ أنواع التضخم:
إن المظاهر العديدة للتضخم تجعله على أنواع متعددة أبرزها:
1 ـــــــ التضخم الزاحف:
وهو الذي يرتبط عادة بالنموِّ الاقتصادي، ويعتبر شرًّا لا بد منه. ويكون التضخم زاحفًا عندما يبقى ضمن معدلات مُنخفِضة بحيث لا تتجاوز المستوى الوسطي في زيادة الأسعار أي بنسبة 3% سنويًا.
2 ـــــــ التضخم المكبوت أو المقيَّد:
وهو يكون عندما تعمد السلطات إلى كبح جماح الأسعار وإيقاف ارتفاعها عن طريق تدابير وإجراءات تتخذها، أبرزها الأجراء التشريعي الذي يحدد الأسعار ويحول بصورة مؤقتة دون استفحال التضخم، ولكنه يؤدي في الواقع إلى وجود سعرين أحدهما السعر الرسمي والآخر سعر السوق السوداء.
3 ـــــــ التضخم الطليق أو المفتوح:
وهو الذي ترتفع فيه الأسعار بصورة مستمرَّة دون وجود عوائق تعترضه. وقد يحصل الارتفاع بمعدلات ثابتة أحيانًا أي خلال فترات زمنية معينة، أو بمعدلات غير ثابتة تختلف من فترة إلى فترة، ولكنها لا تتراجع إلى الوراء بل تبقى بازدياد مطَّرد. فالمهم في هذا النوع من التضخم هو ارتفاع الأسعار بصورة دائمة دون أن تتخذ تدابير لإيقافه.
4 ـــــــ التضخم الجامح أو المتواثب:
وهو الذي ترتفع فيه الأسعار بصورة غير اعتيادية، أو بشكل غير طبيعي، إلى الدرجة التي لا تعود معها النقود الورقية المتداولة قادرة على مواجهة هذا الارتفاع، مما يؤدي إلى فُقدان قيمتها تقريبًا، ومما يجعل الناس يفقدون الثقة بنقودهم، كما حصل في ألمانيا في بداية العشرينات، إذ راح المارك يتدهور حتى وصل في شهر تموز 1923م إلى أن يوازي كلُّ دولار واحد مقدار مليون مارك. وفي نهاية صيف سنة 1923 لم يعد للنقود الألمانية أية قيمة تذكر. وهذا ما يصوّره المؤلف «ساملسون» في كتابه «الاقتصاد» على لسان المواطنين الألمان، وهم يقولون بعضُهم لبعضٍ: «كنا ندخل المخازن والنقود في جيوبنا فنخرج والغذاء في سلالنا. والآن ندخل المخازن والنقود في سلالنا ونخرج والغذاء في جيوبنا».
تلك هي المظاهر التي يبرز فيها التضخم بأنواع مختلفة، أو بأسماء متنوعة. وما هي في الواقع إلا تعبيرٌ عن الأخطار التي تنتج عن التضخم، وعمَّا يخلِّفه من تدمير للحياة الاقتصادية. فما هي هذه الأخطار؟
ثالثًا ـــــــ أخطار التضخم:
يقول الكاتب أرنست همنغواي في كتابه «ملاحظات للحرب القادمة» سنة 1935: «إن الدواء الفعَّال للبلد الذي يسوء حكمُه هو التضخم أولاً والحرب ثانيًا. فكلاهما يحمل الدمار، وكلاهما يؤمن الملجأ الأكيد للانتهازية السياسة والاقتصادية».
ونتذكر بديهيًا ما تجرُّه الحربُ من ويلاتٍ ومآسٍ ومظالِم على العباد، ونقارن بين هذه الشرور الوبيلة ثم نقرنها بالنتائج التي يخلِّفها التضخم فنجد أن شروره لا تقلُّ فتكًا ولا تدميرًا للحياة على مختلف الأصعدة وشتى الميادين، فنقول: ويلٌ لبلدٍ حلَّ فيه التضخم فتربّع على قدراته، وويل لشعب ذلك البلد وما سيلاقيه من آثار سيئة على مداخيله، وعلى مبادلاته مع الخارج، ونموِّه الاقتصادي. فكيف يمكن تصور تلك الآثار؟
1 ـــــــ أثر التضخم على المداخيل:
للتضخم أثرٌ كبيرٌ على المداخيل لأنه يؤدِّي إلى تعديل في مداخيل مختلف الفئات العاملة في المجتمع. ذلك لأن المداخيل ترتفع اسميًّا بسبب زيادة ارتفاع الأجور الناتجة عن مطالبات الهيئات النقابية خاصةً، ومختلف الكوادر الاجتماعية عامةً حتى تجعل دخولها موازية للأسعار الرائجة. ولكنَّ هذه الزيادة في الأجور لا تلحق بمعدلات أو بمؤشر غلاء أسعار السلع والخدمات، التي ترتفع أيضًا إلى درجة تلتهم معها أية زيادة في الأجور. وقد تكون في كثير من الأحيان بمعدل أعلى، من أي زيادة على الأجور، الأمر الذي يؤدي إلى خسارة المداخيل لأجزاء هامة من قوَّتها الشرائية، فتنعكس آثارها بصورة سلبية على ذوي الدخول المحدودة من الطبقات الفقيرة والمتوسطة. وإذا زاد المعدلُ السنويُّ للتضخم عن 3% (ثلاثة بالمائة) ـــــــ وهو المعدل العادي المقبول نسبيًا ـــــــ فإن وجود طبقات عدة في المجتمع (فقيرة ومتوسطة وغنية... مثلًا) يتأثر إلى الحد الذي تختفي معه الطبقة المتوسطة وتدخل في عداد الطبقات الفقيرة، بينما ـــــــ على العكس من ذلك ـــــــ يزداد ذوو اليسر يُسرًا، وذوو الغنى غنًى بازدياد رؤوس أموالهم لعلة أساسية وهي سيطرة أصحاب هذه الطبقة على مختلف القطاعات الاقتصادية، أو على القطاعات الرئيسة الهامة في اقتصاد البلاد، وذلك لما تجنيه من أرباح طائلة، سواء من غلاء أسعار المنتوجات المعروضة التي تصبح أعلى من أسعار الأكلاف، أو من المعونات والمساعدات التي تحصل عليها من الدولة بحجة المحافظة على الإنتاج الوطني وتدعيم أسس الاقتصاد.
وأمَّا السبب في الخسارة التي تلحق بذوي الدخل المحدود فإنه يكمن بصورة أساسية في ربط ثمن السلعة بأجر الأجير (والأجير هنا بمعناه الشامل الذي يحتوي غالبية الفئات العاملة من أجراء ومستخدمين وعمال وموظفين وزرّاع وحِرَفيِّين...). بمعنى أن صاحب العمل حينما يحدد مستوى الأجر، فإنما يحدده بناء على حاجة الأجير للمال ـــــــ أو كمية النقود ـــــــ الذي يمكّنه من الحصول على الحد الأدنى مما يحتاجه من سلع وخدمات... أي أن تحديد الأجور في النظام الرأسمالي يتمُّ بناء على متطلَّبات الحياة الضرورية لتأمين الحد الأدنى لمستوى معيشة الأجير، لا بناءً على ما ينتجه الأجراء من خدمات أو سلع استهلاكية، ولا بناءً على ما يحتاجه المجتمع من إنتاجية الأجير، أيًّا كان الشكل الذي تتَّخذه هذه الإنتاجية... فنجد إذًا أن الأجير، وقد رُبِط أجرُه بأثمان المواد والسلع والخدمات، يلجأ إلى النقابات أو الاتحادات النقابية مطالبًا برفع مستوى معيشته وذلك عن طريق رفع الأجر الذي يتقاضاه، فتقوم النقابات والاتحادات النقابية بإجراء الدراسات التي تبيِّن المؤشر العام للأسعار، ولمستوى المعيشة، مطالبة بالنيابة عن الأجراء بدفع أجور توازي أو تقارب الحد الأدنى لمستوى المعيشة. وتفوِّض الدولةُ إلى الخبراء الرأسماليين تعيينَ معدل الحد الأدنى لمستوى المعيشة، ثم تصدر القوانين أو الأنظمة بهذا الأمر. ويلتزم أصحاب العمل، متجاوبين أو مُكرَهين، بزيادة الأجور إلى الحد الأدنى، وهم يضعون في الحسبان أنهم سوف لا يخسرون شيئًا طالما أن زيادة الأجور التي يدفعونها سوف يضيفونها على أسعار المنتجات، فتقع تلقائيًا على عاتق المستهلكين، الذين يكوِّنون في الغالب الطبقات الواسعة من الشعب، أي الأجراء وأمثالهم... وبمعنى آخر إن الزيادة في الأجور تحدَّد عادة بمبلغ معيَّن من النقود، يضيفها أصحاب العمل على كُلفة الإنتاج، للسلع والخدمات، مبرِّرين ذلك بازدياد هذه الكُلفة، وتكون النتيجة أن الزيادة التي حصل عليها الأجراء في مداخيلهم قد دفعوها غلاءً في الأسعار، أي ارتفاعًا في أثمان الحاجيات. وقد تأتي هذه أعلى من الزيادة التي طرأت على المداخيل أو الأجور، فيكون الأجراء قد خسروا من جراء ذلك ليس الزيادة التي حصلوا عليها وحسب، بل وجزءًا من الأجر السابق قبل الزيادة التي طرأت عليه، مما يجعل ارتفاع الأجور على هذا النحو ضدَّ مصلحتهم... وهكذا فإن ارتفاع الأجور بمثل هذه الطريقة العشوائية، والذي يطال عادةً القطاعات الاقتصادية كافَّة بما فيها القطاع المصرفي، دون النظر إلى تحديد نوعية وكمية الإنتاج، وإلى حاجةِ المجتمع في الداخل، أو ما يتطلبه السوق الخارجي من الإنتاج الوطني... إن هذا كله يؤدي إلى زيادة كميات النقود المتداولة، وهو يجرُّ بدوره إلى التضخم النقدي الذي نشهده ارتفاعًا في الأسعار... أما النتيجة النهائية لذلك كله فهي الأضرار التي تلحق بذوي الدخول المحدودة أو المنخفضة الدخل، وهذا ما يزيد المشكلة تعقيدًا... وإنَّ في مظاهر عيش الدول الفقيرة والدول المتخلفة اقتصاديًا، ما يُبرز تلك المشكلة المعقَّدة بشكل واضح، ويبيِّن ما تجرُّه أضرارها على الطبقات الشعبية من أخطار قد تهدد كيان المجتمع برمَّته.
2 ـــــــ أثر التضخم على المبادلات مع الخارج:
وتظهر نتائج التضخُّم أيضًا بصورة جلية على ميزان المبادلات مع الخارج بحيث يجعل رصيد البلد الرازح تحت عبء التضخم منخفضًا، أو يؤدي إلى وقوعه في العجز.
فمن ناحية الاستيراد، نرى أن التضخُّم في الداخل هو الذي يؤدي إلى تدنِّي القوة الشرائية للعملة الوطنية. وهو الذي يدفع المستوردين إلى مبادلة كميات أكثر من النقود الوطنية بعملات الدول الأجنبية التي يستوردون منها، والتي يكون سعر صرفها قد ارتفع بالنسبة للعملة الوطنية، وهذا ما يشكِّل مظهرًا من مظاهر عجز الميزان التجاري على المدى البعيد...
أما من ناحية التصدير، فإن التضخُّم يؤدي إلى زيادة أسعار السلع المنتجة محلّيًا، وبذلك تفقد هذه المنتجات الوطنية قُدرةَ المنافسة على الصعيد الدولي مع المنتجات المثيلة أو المشابهة لها، مما يجعل التصدير أقلَّ، كما ويظهر العجز في الميزان التجاري...
ويعتبر التضخم في العلاقات التجارية الخارجية سببًا لعدم الاستقرار. ذلك أنه في الحالة التي يفترض أن تكون المبادلات بين الوحدات النقدية للبلدان المتبادلة مستقرة خلال فترة معينة من الزمن، يأتي التضخُّم ليقضي على هذا الاستقرار ضد مصلحة الميزان التجاري للبلد الذي يكون فيه تضخم. وفي الحالة التي يوجد فيها تضخُّم بين البلدان المتبادلة يصبح الوضع أسوأ، لأن الاستقرار ينعدم إطلاقًا، ولا يبقى وجودٌ لقواعد ثابتة تحكم المبادلات بين الوحدات النقدية، طالما أن هذه الوحدات تكون خاضعة للتقلُّبات المستجدة، وهذا ما يؤدي إلى الفوضى الاقتصادية في المبادلات عامة...


3 ـــــــ أثر التضخم على النمو الاقتصادي:
قد يساعد التضخم أحيانًا على النمو الاقتصادي عندما تستعمل الكميات الزائدة من النقود في تنفيذ مشاريع إنتاجية، سواء على مستوى القطاع العام كشقّ الطرقات أو بناء المستشفيات والمدارس وما إلى ذلك من مشاريع عمرانية تستهلك أكبر كمية ممكنة من النقود الزائدة، أو على مستوى القطاع الخاص عن طريق زيادة الاستثمارات التي تؤدي إلى رفع مستوى الإنتاج.
ولكنّ ما يلاحظ أن التضخم يؤدِّي في أغلب الأحيان إلى القضاء على الادِّخار الموجَّه لتمويل الاستثمارات عندما تُستعمل وسائل الوضع الزائدة لغير المشاريع الإنتاجية، بل للأهداف الاستهلاكية، كالإقبال على الاكتناز في عمليات عقارية، أو زيادة الطلب على السلع الاستهلاكية، وما إلى ذلك من عمليات يكون طابعها العام استهلاكيًا لا استثماريًا... ومثل هذا الوضع يؤثِّر على معدلات النموِّ الاقتصادي ويجعلها تميل إلى الانخفاض، وقد يؤدي أيضًا إلى انتشار البطالة عندما يكون هنالك تضخُّم في البنية الإنتاجية، كما لو كانت البنية الديموغرافية فتية، وتوفِّر مزيدًا من الأيدي العاملة التي تشكل الطلب على الإنتاج أو العمل، دون أن يقابلها عرضٌ موازٍ في الإنتاج، أو في سوق العمل، بسبب الميل إلى الاكتناز والاستهلاك، بدلًا من الاستثمار والإنتاج...
رابعًا: الحلول المقترحة لمعالجة التضخُّم:
لقد بات جليًا أن التضخم هو من إفرازات النظام الرأسمالي، وأن هذه الظاهرة العالمية لم تجد لها إلى الآن حلًا نهائيًا، أو على الأقل حلًا مقبولًا يمكِّن من تلافي مخاطرها، بدليل ما تَشهدُه اقتصادات الدول الرأسمالية من مظاهر تضخُّمية، تزداد آثارها السيئة، ويستفحل أمرها، يومًا بعد يوم.
وإذا كانت جميع الطرق التي اعتمدت أو الإجراءات التي اتخذت، محاولات حثيثةً قامت بها الدول الرأسمالية المتقدمة، أو الدول النامية التي ترتبط اقتصاديًا بتلك الدول الرأسمالية، لم تنجح حتى الآن في القضاء على التضخُّم، أو على الأقل لم تضع له حلولًا تحدُّ من انتشاره واستفحال آثاره، فإننا سنلقي نظرة سريعة على تلك العلاجات حتى ننتهي إلى الحلِّ الذي نراه جديرًا بتخليص العالم من آفة التضخُّم الأشد خطرًا والأسوأ عاقبة.
أما التدابير التي درجت الدول الرأسمالية على اعتمادها فنجد أبرزها:
1 ــــ رفع قيمة النقود:
سواءٌ بالنسبة للقوة الشرائية أو بالنسبة للذهب، فقد أدى هذا الإجراء في كثير من البلدان مثل ألمانيا وسويسرا وإنكلترا إلى نتائج إيجابية، إلا أنه في الحقيقة لا يشكِّل اتِّجاهًا عامًّا لدى جميع الدول نظرًا لما يؤدِّي إليه رفع قيمة النقود من ضعف القدرة التنافسية للدولة.
2 ــــ خفض قيمة النقود:
أو تكريس الانخفاض الحاصل بفعل التضخُّم، وذلك باعتماد الحكومة ـــــــ بصورة رسمية ـــــــ القيمة التي وصلت إليها النقود بعد انخفاضها، ومثل هذا الاتجاه أكثر شيوعًا، وتلجأ إليه الدول عادة لزيادة صادراتها.
3 ــــ إلغاء النقود التضخمية واستبدالها بنقود جديدة:
وذلك بإصدار وحدات نقدية ذات قيمة مرتفعة، كما فعلت بعض الدول الأوروبية مثل بولونيا والنمسا وفرنسا. وقد استبدلت هذه الأخيرة بصورة تدرجية الفرنك الجديد بالفرنك القديم.
4 ــــ خفض النفقات العامة:
مثل توقف السلطات العامة عن تنفيذ المشاريع الإنشائية، وتخفيض نفقاتها الإدارية وما سوى ذلك من نفقات عامة... ومثل هذا الإجراء، الذي يصيب قطاعات النفع العام، يؤثر على مصالح الشعب، في مختلف طبقاته، باستثناء الطبقة الغنية التي تتحكَّم عادة بالاقتصاد الوطني نظرًا لسيطرتها على قطاعاته الرئيسية.
5 ــــ وضع القيود على الائتمانات ورفع أسعار الفائدة:
ومثل هذه التدابير تطال مبدئيًا صِغار المنتجين، أو ذوي رؤوس الأموال المحدودة. أما المشاريع الاقتصادية الكبيرة فلا تتأثر بها، لأن المصارف في الواقع لا تجرؤ على تحديد طلبات ائتمانها. هذا فضلًا عن أنه يكون، في إغلب الأحيان، لأصحاب تلك المشاريع الكبيرة مصارفهم الخاصة، وشركاتهم للتأمين، ما يجعل صعبًا فرض تلك القيود على نشاطات مشاريعهم، أو إخضاعها فعليًا لأي إشراف قانوني أو رقابة تؤدي إلى تنفيذ تلك التدابير.
6 ــــ رفع الضرائب المباشرة وغير المباشرة:
ومثل هذا الإجراء يمكن أن يوقف التضخم في حدود معينة فيما لو طُبِّق على جميع أصحاب المشاريع الاقتصادية. ولكن الواقع يبين أن المشاريع التي تتهرب من دفع الضرائب المباشرة كثيرة، والأساليب والحيل التي تستخدمها لذلك أكثر من أن تحصى، ما يؤدي إلى محدودية فائدة هذا الإجْراء.
ويكون الأمر كذلك بالنسبة للضرائب غير المباشرة. فهذه تصيب جميع القطاعات، ولكن رفعها يؤدي للإضرار بجمهور المستهلكين والقطاعات الاقتصادية الصغيرة، في حين أن القطاعات ذات الرأسمال المرتفع، تضيف الزيادة في الضرائب غير المباشرة على أسعار السلع المنتجة أو المستوردة، ما يجعل ارتفاع الأسعار لصالحها. هذا فضلًا عن المساعدات التي تحصل عليها من الدولة باسم حماية الإنتاج الوطني ومنافسة السلع الأجنبية، الأمر الذي يجعل إجراء رفع الضرائب غير المباشرة غير ذي فعالية هامَّة.
7 ـــــ زيادة العرض:
ومثل هذا الإجراء لو نجح في الداخل إلى حدّ ما، عن طريق زيادة الإنتاج الذي يؤدي إلى خفض الأسعار نسبيًّا، فإنه لا يعكس حقيقة المشكلة القائمة على النطاق العالمي، لأن أزمة الرأسمالية هي أزمة فائض إنتاج، وليست أزمة فائض طلب. وهذا ما يَبرز بشكل واضح في قطاع صناعات السيارات والطائرات والسفن والنسيج، والصلب، والمواد الغذائية على اختلافها... إلخ.
8 ــــ سياسة تحديد الأسعار:
وقد جرت مثل هذه التجربة في معظم الدول المتقدمة والنامية، إلَّا أنها أثبتت فشلها بوجه عام، ليس فقط إزاء مواجهة التضخم الحالي، بل في مواجهة جميع الاتجاهات التضخمية التي حصلت في الماضي أيضًا.
هذه هي أهم العلاجات الإجرائية التي قامت بها الدول الرأسمالية لمحاربة التضخم، وهي، على ما يبدو، قد فشلت جميعها، وبقي التضخم سيد النظام الرأسمالي بالرغم من جميع التدابير.
وفي نظرنا، إن الإسلام هو المبدأ الوحيد الذي يوفِّر الحلَّ لظاهرة التضخُّم فيما لو اعتمدت الأسس التالية:
1 ـــــــ العودة إلى نظام المعدن (الذهب والفضة)، أو اعتماد الذهب والفضة أساسًا للنقود المتداولة بين الناس.
2 ـــــــ فصل أجرة الأجير عن ثمن السلعة منعًا لارتفاع الأسعار، وإيصال الأجير إلى حقوقه تامةً غير منقوصة.
3 ــــــ إيجاد التوازن بين أفراد المجتمع باعتماد نظام الزكاة.
ويمكن توضيح هذه الأسس على النحو التالي:
أولًا: اعتماد الذهب أساسًا للنقود الورقية المتداولة.
إذا كان النظام الرأسمالي يحاول إيجاد حلّ لظاهرة التضخُّم من خلال نظرته إلى واقع الأمور، فإن هذه النظرة لن تساعده على الوصول إلى ما يريد، طالما أن الفكر الديموقراطي في الأصل يعالج المشكلات باعتباره الواقعَ مصدرًا للتفكير، في حين أن الإسلام، عندما وضع نظامًا لمشكلة معينة، قد جعله ثابتًا وصالحًا يواكب جميع الأزمنة، لأن الإسلام يعتبر الواقع موضعًا للتفكير، والعلاج لهذا الواقع يستقيه من الكتاب (القرآن الكريم) والسنَّة النبوية الشريفة.
ففي حين اعتمد العالم في الماضي نظامًا نقديًا سليمًا، عندما جعل الذهب قاعدة للتعامل والمبادلة، ونجحَ في تلافي الأزمات، نجده قد تخلَّى اعتباطًا عن هذا النظام دونما شعور بمسؤولية ما سيؤدي إليه هذا التخلي من ويلات على البشرية. أمَّا الإسلام فقد اعتمد المعدن من أول عهده، أي منذ ما ينوف عن ألف وأربعمائة عام، واتخذ نظامًا نقديًا لا يزال يعتبره هو النظام الأمثل الذي لا يمكن أن يحمل في طياته جذور وهن أو ضعف. فقد رأى الإسلام أن للأشياء وللأموال قيمة بذاتها، كما أن للجهد وللعمل الفردي والاجتماعي قيمةً أيضًا.
ومن هنا تُعتبر النقود، في نظر الإسلام أنها الأداة التي تقاس بها قِيَمُ الأموال والجهود في إطار عمليات التبادل على اختلافها.
وإذا كان من الثابت في العلاقات الاقتصادية أن المبادلات الداخلية أو العالمية تجري بموجب القوانين التي تحكم تلك المبادلات، ومنها فرضية الأداة التي تمثل الوسيلة أو المقياس فيما بينها، فإن الإسلام لم يعين لمبادلة السلع أو الجهود أو المنافع شيئًا معينًا تجري على أساسه فَرْضًا، وإنما أطلق للإنسان القدرة في أن يجري المبادلة بما يشاء ما دام التراضي موجودًا بين الفرقاء المتبادلين... ولكنه عندما أراد تحديد الأداة النقدية للمبادلات، فإنه عيَّن للمسلمين النقد في جنسه، وجعله: الذهب والفضة. ويمكن استنتاج أحكام هذا التعيين من الأدلة التالية:
1 ـــــــ قال الله تعالى في قرآنه الكريم: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (سورة التوبة: الآية 34).
ومحور الآية القرآنية الكريمة هو النهيُ عن كنز المال. ولكنَّ هذا النهيَ يحمل في طياته تحديد النقد الذي يحرم على الإنسان كنزُه أو اكتنازه، فجعل محصورًا بالذهب والفضة أو ما كان على أساسهما.
فإذا ما عرفنا أن الكنز لا يكون للمال بمفهومه العام، أي كل ما يُتَموَّل به، بل يكون للنقد، فإن الغاية من النهي تكون تحريمَ كنز النقد لأنه يمثِّل الأداة العامة للتبادل، وبانحسارها أو تقليصها يفقد التبادل توازنه، الأمر الذي يضرُّ بالمجتمع وبالمتعايشين فيه... وهكذا فإن تحريم الاكتناز جاء على النقد تحديدًا، نظرًا لفائدته العامة.
وبما أن تعيين النقد جاء خصيصًا للذهب والفضة، فإن كنزه يكون محرَّمًا في جميع حالاته، سواء جرى كنز الذهب والفضة عينًا، أو كنزًا للنقود النائبة التي تمثل في الواقع كمية من الذهب أو الفضة يمكن مبادلتها بها بناء على طلب صاحبها، عندما يكون النظام النقدي القائم يقبل بتحويل النقود الورقية إلى ذهب أو فضة.
أما كنز النقود الورقية الإلزامية أي النقود الوثيقة أو البنكنوت، فلم يتناولها التحريم، لأن مثل هذه النقود لا أساس لها في الواقع، ولا قيمة فعلية لها إلَّا بما تمنحه لها سلطات الإصدار من قوة تفرض بها التعامل بين الناس. ولقد أثبتت التجارب في المعاملات الاقتصادية أن النقود الورقية عندما كانت تصدرها السلطات المعنية أنما كانت تُصدرها بناء على وعدٍ منها بإبدالها بمبلغ معين من النقود المعدنية (الذهب والفضة) عند الطلب. وجاء الوقت الذي يثبت أن تلك السطات لم تكن عندها النية أو القدرة على الوفاء بالوعد، فكانت تصدر القرارات أو القوانين التي تمنع عملية تحويل النقود الورقية إلى نقود معدنية والذي يؤدي إلى فقدان النقود الورقية كل قيمة لها. وهذا ما يجعل النقود الورقية، كما قلنا، بلا أساس تعتمد عليه إلَّا بما تفرضه السلطات المختصة من أحكام تجعل من تلك النقود واسطة للتبادل.
والإسلام لا يأنف الأساليب الملتوية فحسب، بل يرفضها من الأساس. ولذلك عندما عيَّن النقد، فإنه عينه بجنسه، وجعله من الذهب والفضة، وحرَّم اكتنازه وتكديسه، وأمرَ بتداوله وتشغيله... فيكون النقد في الإسلام «الذهب والفضة» أو على أساس الذهب والفضة دائمًا.
2 ـــــــ لقد ربط الإسلام بعض الأحكام الشرعية بالذهب والفضة، فجعل للدِّية مقدارًا محددًا من الذهب، كما يستدل من قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في كتابه إلى أهل اليمن: «لا قطْعَ إلا في ربع دينار فصاعدًا».
فالدينار كان يعرف بوزن معين من الذهب، وكان يُعتبر وحدةً للتبادل.
وهكذا فإن رَبْط الإسلام بعضَ الأحكام الشرعية بالذهب والفضة ـــــــ إذا استُعملا نقودًا ـــــــ يدل على أن الإسلام قد جعل النقد يقوم على أساس الذهب والفضة، ولا نقد غيرهما.
3 ـــــــ لقد كانت المقاييس النقدية السائدة في المدينة هي التي اشتهرت أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وجرى التبادل على أساسها. وكانت تلك المقاييس عبارة عن الأوقية والدرهم والدانق والقيراط والمثقال والدينار، وكانت جميعها من الذهب أو الفضة. وقد جعلت نقدًا لجميع البيوع بل ولجميع المعاملات النقدية، فكرسها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما يؤكد قوله: «الميزان ميزان أهل المدينة»... يدل على ذلك أن هذه الأوزان والمقادير لا تزال تُستعمل بأسمائها وبأوزانها في الذهب والفضة حتى أيامنا هذه في مختلف البلاد الإسلامية.
ولقد حددت قيم تلك المقاييس النقدية على النحو التالي:
ـــــــ الأوقية أربعون درهمًا.
ـــــــ الدرهم ستة دوانق.
ـــــــ كل عشرة دراهم توازي سبعة مثاقيل.
ـــــــ الدينار أربعة وعشرون قيراطًا.
وهكذا فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أقرَّ تلك المقاييس من الذهب والفضة نقدًا للتعامل بين الناس، وأوجب أن يكون الذهب والفضة وحدهما النقد...
4 ـــــــ لقد فرض الله تعالى زكاة النقد بالذهب والفضة، وعيَّن لها نصابًا منهما، ثم أوجب الزكاةَ على الفرد المسلم كما أوجب فرض الصلاة عليه، سواء بسواء، حتى أنه لم يقل: وأقيموا الصلاة، إلا قال: وآتوا الزكاة، كما نرى في عشرات الآيات من القرآن الكريم.
وهكذا فإن النصَّ على جعل زكاة النقد بذَيْنِك المعدنين أو بأحدهما، يفرض اعتبارهما وحدَهما الأداةَ النقدية للتعامل، ولا يمكن لأية واسطة أخرى للتبادل أن تحل محلهما أو بإطلاق اصطلاح النقد عليها.
5 ـــــــ لقد جاءت أحكام الصرف في معاملات النقد بالذهب والفضة حصرًا حسب المفهوم الإسلامي. وبما أن الصرف بمفهومه العادي المبسَّط هو مبادلة نقد بنقد، أي أنه معاملة نقدية بحتة، فإن الأحكام الشرعية التي تفرض أن يجري الصرف على أساس الذهب والفضة، تأتي دليلًا آخر على أن النقد في الإسلام يجب أن يكون بالذهب والفضة، بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدًا بيد».
ونخلص من هذه الأدلة إلى نتيجة حاسمة وهي أن الإسلام قد حدَّد النقد الذي يجري التبادل على أساسه، أو الذي تفرضه متطلبات الحياة الاقتصادية أو الحياة المالية، وجعله من الذهب والفضة. ولقد جاء ذلك التحديد بأحكام شرعية ثابتة ـــــــ كتابًا وسنَّةً ـــــــ ولا مجال لأن يطرأ عليها أي تغيير أو تبديل، بل لا مجال فيها لرأي أو مشورة، ولا لابتكار نظريات وأفكار لا تنطلق منها أو تتركّز عليها.
ولكن اتخاذ الذهب والفضة نقدًا، لا يعني أنه لا يجوز التبادل بغيرهما، بل يجب أن يفهم أن على المسلمين ألَّا يتخذوا لهم نقدًا سوى الذهب والفضة. ولقد أقام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم النظام النقدي الإسلامي على أساس هذَين المعدنَين وطبقه في جميع المعاملات بين الناس. وكانت حقوق الله ـــــــ كالزكاة ـــــــ وحقوق العباد ـــــــ كالدِّية وثمن البيع ـــــــ تتعلق كلها بالدراهم، أي بالذهب والفضة المقدَّرة بالوزن.
ولقد ظلَّ هذا النظام قائمًا طوال عهد النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وطوال أيام الخلفاء الراشدين، إلى أن جاء عبد الملك بن مروان فصّير النقد وزنًا واحدًا، لا يختلف عن وزن المدينة. وقد حصل ذلك في سنة خمس وسبعين هجرية.
أما الفوائد التي يمكن أن يوفِّرها نظام الذهب أو الفضة فأهمها ما يلي:
1 ـــــــ إن اعتماد نظام نقدي أساسه الذهب أو الفضة يفترض حرية التداول بهذا المعدن أو ذاك، واستيراده وتصديره، وهو ما يوفِّر الاستقرارَ النقدي والمالي والاقتصادي. ومن خلال هذا الاستقرار لا تعدو عمليات الصرف أن تكون ناشئة من مدفوعات خارجية تسدِّد أثمان البضائع وأجور المستخدمين.
2 ـــــــ إن اعتماد نظام نقدي يقوم على الذهب والفضة يؤدِّي إلى ثبات سعر الصرف بين الدول، وهذا ما يؤدي بدوره إلى توسُّع في مجال التجارة الدولية، وتقدُّمٍ في معاملات التبادل التجاري. وذلك لأن التجار لا يخشون التوسُّع في التجارة الخارجية ما دام الصرف ثابتًا لا يهددهم أو لا يلوِّح لهم بخسارة مرتقبَة.
3 ـــــــ إن النظام الذهبي يحول بين السلطات النقدية المتمثلة في المصارف المركزية وبين المبالغة في إصدار ورق النقد، لأنه بموجب النظام تكون أوراق النقد قابلة للتحويل إلى ذهب بسعر معيَّن. وهذا ما يجعل تلك السلطات تمتنع عن التوسع في الإصدار خشية أن يؤدي ذلك إلى ازدياد الطلب على الذهب فتعجز عن مواجهته. ولذلك فإن السلطات النقدية تحتفظ بنسبة معقولة بين ما تصدره من ورق النقد وبين احتياطيِّها من الذهب.
4 ـــــــ في النظام النقدي القائم على الذهب، وتحوُّل العالم إليه، يجري تحديد كل عُملة من العملات المحلية، أو المستعملة في العالم، بمقدار معيَّن من الذهب. وهذا ما يسهل انتقال البضائع والأموال والأشخاص بين بلد وآخر، وتزول صعوبات القطع النادر أو العُملة الصعبة.
5 ـــــــ يتيح نظام الذهب لكل دولة أن تحافظ على ثروتها الذهبية، فلا يجري تهريب ذهبها إلى الخارج. ولا يمكن أن ينتقل منها إلّا لسببٍ مشروع، كدفع أثمان السلع أو أجور المستخدمين، وخلافه، وذلك حتى لا تكون لدى الدولة حاجة لإجراء الرقابة حفاظًا على ثروتها الذهبية.
هذه هي بعض فوائد نظام الذهب، وكلها تحتم أن يسير العالم وفْقَه، ليتخلَّص من عِلَلِهِ التي يعانيها ومشاكله التي يتخبط فيها.
هذه هي بعض فوائد نظام الذهب، وكلها تحتم أن يسير العالم وفْقَه، ليتخلَّص من عِلَلِهِ التي يعانيها ومشاكله التي يتخبط فيها.
وإذا كان هذا مبدأنا الذي نستقيه من روح الإسلام، والذي وُجد منذ وُجد الإسلام كنظامٍ يقوّم علاقات البشر، فإن عمالقة من رجال القرن العشرين أيضًا قد اعتمدوا الموقف نفسه، كرئيس جمهورية فرنسا الراحل الجنرال شارل ديغول، الذي نادى كثيرًا، وعمل طويلًا، من أجل ضرورة العودة إلى النظام المستند إلى الذهب. ولكنَّ رأسمالية الدولار المتحكِّمة في اقتصادات العالم، ومنها اقتصادات أوروبا، قد أسقطت جهوده بما وجهت إليه من ضربات طالت الاقتصاد الفرنسي...
يضاف إلى ذلك أن نظام الذهب يزيل مختلف المفاهيم القائمة على النقد النادر أو القَطْع النادر أو العملة الصعبة، وما إليها من اصطلاحات، لأن تلك المفاهيم لم توجد في الأساس إلَّا خدمةً لأهداف استعمارية غايتها ربط اقتصاداات الدول، ولا سيما النامية والمختلفة، بعجلة الاقتصاد الرأسمالي، وفي طليعته الاقتصاد الأميركي، الذي همُّه الأول والأخير تحقيق أقصى الأرباح للقائمين عليه من دون النظر إلى الوسيلة المتَّبعة من أجل ذلك.
ثانيًا: فصل أجرة الأجير عن ثمن السلعة منعًا لارتفاع الأسعار، وإعطاء الأجير حقوقه كاملة.
وهذا هو الأساس الثاني الذي يوفِّره الإسلام لتلافي التضخُّم والتخلص منه.
فقد رأينا أن التضخم النقدي يظهر في غلاء أسعار السلع والخدمات بالشكل الذي يعجز معه الفقير ومتوسط الدخل عن الحصول على تلك السلع أو الاستفادة من تلك الخدمات. والسبب في ذلك هو ربط ثمن السلعة بأجر الأجير في النظام الرأسمالي، بخلاف ما يراه الإسلام حينما يعالج مشكلة العامل أو الأجير، إذ يبتعد فيها عن مثل تلك المعالجة في النظام الرأسمالي أو في أي نظام آخر غيره، ناظرًا إليها كمشكلة إنسانية واقتصادية، كما يتبين من خلال القواعد التالية:
ـــــــ يقول الله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} (سورة الطلاق: الآية 6).
ـــــــ والرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفَّ عَرَقُه».
ـــــــ ولقد بارك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم براحتَي (كفَّي) رجل يعمل بالمِسْحاة والمعول وهو يقول: «يَدان يحبهما الله ورسوله».
فهذه القواعد التي تدلُّ عليها الآيات الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة، تبين لنا مقدار أهمية الأجير أو العامل، وما له من حقّ في تقاضي أجره عما يقوم به من عمل...
ويُستدل من ذلك أيضًا على أن العامل أو الأجير إنما يستحقُّ أجره بعد أن يؤدي عملًا معيَّنًا، أي عندما يقوم بخدمة محددة، أو يُنتج سلعة معيَّنة.
ففي هذا الإطار لا يجري تحديد أجره على ما يقوم به أو ما ينتجه من قبل الدولة، ولا من قبل النقابات، وإنما من قبل أهل الخبرة في المجتمع، وبناء على حاجات المجتمع، وعلى ما في عمله من منافع تعود على المجتمع. فالسلعة التي ينتجها عامل في مصنع للسيارات أو للطائرات، مثلًا، يكون أجره عليها أعلى من أجر عامل آخر يعمل في صناعة أقلَّ فائدة للمجتمع، كصناعة الزجاج، أو صناعة تُنتج مواد لا تكون ذات نفع كبير للمجتمع... وكذلك الأمر، في مثال آخر، بالنسبة إلى خدمة يقدمها عامل في التنظيفات أو في زراعة الأرض، والتي تكون قيمتها من حيث العمل الاجتماعي أكبر أو أهم بكثير من الخدمة التي يقوم بها عامل في مقهى أو خادم في مكتب. ولذا فإن أجر العامل أو الأجير إنما يتحدد بناء على حاجات المجتمع، وما تفترضه هذه الحاجات من إنتاج للسلع أو الخدمات... فيُدفع للعامل ما يستحقه من أجر حتى يحصل على حاجاته من السلع. كما يُدفع له ما يستحقه من أجر حتى يستفيد من خدماته وفقًا لإقباله على الاستفادة من تلك الخدمات التي يمكن أن تتمثل بالطبابة أو الهندسة أو المحاماة أو النقل وما إليها من خدمات حيوية وضروية لبناء المجتمع. ومن هنا تتفاوت أجور العاملين، فمنهم من يحصل على أجر قد يفوق حاجاته الشخصية، ومنهم من لا يتوفر له الأجر الكافي لسد تلك الحاجات. وبذلك ينقسم العاملون إلى فئات عدة، فئات تزيد مداخيلها عن حاجاتها الضرورية، وأخرى تكون مداخيلها كافية لسد الحاجات الضرورية، وفئات أخرى تكون مداخيلها أقلَّ من حاجاتها الضرورية. وهذه الفئات الأخيرة ـــــــ وغالبية الأجراء الذين ينتمون إليها يكونون من الذين يعملون في إنتاج سلع أو خدمات غير ضرورية للمجتمع ـــــــ لا يجبر أرباب أعمالهم على رفع أجورهم، لذا فإن أولئك الأجراء يكونون مخيرين بين أمرين:
ـــــــ إما بالتحوُّل من العمل الذي يقومون به إلى عمل أكثر نفعًا للمجتمع ـــــــ عن طريقَ تخصُّصهم وتثقيفهم ـــــــ وبمثل هذا الانتقال يساهمون في زيادة الإنتاج الضروري والنافع للمجتمع.
ـــــــ وإما بالبقاء في أعمالهم عند عدم كفاية إمكانياتهم الذهنية أو الجسدية للتحوُّل، وقبولهم تاليًا بالأجور التي يستحقونها، والتي لا تكون في الواقع موازية أو مقاربة للحد الأدنى لمستوى المعيشة، أي عدم كفايتها لمواجهة حاجاتهم الضرورية التي يتطلب تأمينها أجرًا أعلى أو دخلًا أكثر...
وهنا، في هذه الحالة الثانية، تبرز المشلكة التي لم يعالجها أي نظام عرفته البشرية من قبل بطريقة عادلة وفعَّالة مثلما فعل الإسلام...
ففي الحقيقة إن المسؤول عن تأمين حياة هذه الفئة من الأجراء هو المجتمع الذي ينتمون إليه، والسلطة في هذا المجتمع هي بطبيعة الحال الدولة، وبالذات الدولة التي تطبق نظام الإسلام كاملًا...
وبمعنى آخر، إنَّ أيًّا من الأنظمة في العالم القديم أو الحديث، لم يعالج تلك المشلكة الإنسانية ـــــــ الاقتصادية الناجمة عن عدم كفاية المداخيل لقطاعات واسعة من الشعب، إلَّا الإسلام ونظامه في الحياة، وذلك بتخصيصه لهذه الفئات من الشعب، في نظامه الاقتصادي، أو في موازنته العامة السنوية، جزءًا من الأحوال العامة الناتجة عن الزكاة التي تصبُّ في بيت المال، أي في خزينة الدولة...
فكيف يكون ذلك؟
هذا ما يقودنا إلى بحث الأساس الثالث للمعالجة، فيما يلي...
ثالثًا: الزكاة أعظمُ مظهرٍ للتكافل الاجتماعي:
إن الزكاة بمفهومها المبسَّط، هي الأموال التي تجبى من الأغنياء، بنسبٍ محددة في الشرع الإسلامي الحنيف ـــــــ نظام الحياة الكامل ـــــــ عندما تفيض تلك الأموال عن حاجات أصحابها واستهلاكاتهم السنوية. فكل مسلم تزيد أمواله عن كفاية حاجاته وإشباعها إشباعًا كاملًا، يفترض فيه أن يدفع الزكاة عن طيب خاطر، وكأمر واجب مفروضٍ كفرض الصلاة وبلا فرق، إذ عليه أن يسعى إلى بيت المال لدفعها تمامًا كما يذهب إلى المسجد ليؤدّي صلاته اليومية. لأنه، وهو المؤمن بإسلامه، يعرف بأن المال هو لله سبحانه، وأن العباد مستَخْلَفون فيه، ولذا كان عليهم أن ينفقوه في سبيل الله، أي في سبيل نفعهم ونفع غيرهم من بني الإنسان في الحقيقة والواقع. فإن الفقير أو المسكين، أو كل محتاج، أو صاحب دخل محدود، لا ينهض عملُه وإنتاجُه بمتطلبات حياته، يأخذ من مال الزكاة فرضًا من الدولة، وعن طيب خاطر أيضًا، لأنه يأخذ من مال الله بلا مِنَّةٍ ولا صدقةٍ ولا إحسانٍ من الناس. وهكذا توفِّر أموالُ الزكاة ـــــــ بوصفها مال الله ـــــــ لمثل هذه الفئات من المواطنين مصادر العيش أو المداخيل التي لا تبعد عنهم غائلة الجوع والفقر والمرض فحسب، بل تجعلهم يعيشون بكرامة. وبذلك يتوفر لهم الفرق بين الأجور التي يتقاضونها ـــــــ والتي يستحقونها عادةً أو تقل عن حقهم ـــــــ وبين أثمان الحاجات التي تؤمن لهم العيش الكريم...
ومن هنا نرى أن باب الزكاة في الإسلام باب عريض، ودخله كبير جدًا، لأنه يأخذ من كلّ مال فاض عن حاجة صاحبه... وقد حدد الشرع الإسلامي نسب الزكاة في الأموال الفائضة، وحدد أبواب مصارفها ووجوه مصاديقها، أي لمن يستحقها.
فمن الآيات التي تدل على وجوب الزكاة مثلًا: {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ} (سورة البقرة: الآية 43)، و{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} (سورة التوبة: الآية 103)... {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} (سورة النور: الآية 33)... {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} (سورة الحديد: الآية 7).
وأما في وجوه مصرِف الزكاة فقد نزلت الآية الكريمة: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (سورة التوبة: الآية 60). إذًا فالزكاة فريضة حتمية، ولم يجعلها الله تعالى كذلك إلّا لأن لها وظيفة اجتماعية توجب على الدولة الإسلامية جَمْعَها وفق نظام معيَّن لأداء تلك الوظيفة في سبيل الفرد وفي سبيل المجتمع.
على أن الإسلام، وإن اعتمد الزكاة نظامًا، إلّا أن الأصل في النظام الإسلامي الشامل هو العمل. وعلى دولة الإسلام أن توفر العمل لكل من يقدر عليه، وأن تمكنه منه بالإعداد له وبتوفير وسائله، وأن تَحُضَّ عليه بتوفير الجزاء الأوفى. وليس معنى تقرير دفع الزكاة للعاطلين عن العمل وغير المتمكِّنين منه، أن تصرف الدولة الإسلامية على من شاء من المتكاسلين. ولذلك لا يكون للقادرين على العمل حق في الزكاة... وبذلك تصبح الزكاة نظام تكافلٍ بين القادرين والعاجزين، تنظِّمُها الدولة وتتولاها، إن في الجمع أو في التوزيع، ولكنَّ ذلك لا يكون إلَّا متى قام المجتمع على الإسلام بأصوله الصحيحة، التي تقوم بدورها على شريعة الله... وإنَّ شريعةً يسنها الله سبحانه لعباده بسائر نُظمها القويمة، لا يمكن لنُظُم الأرض، مهما سمت، أن تدانيَها، أو أن تكون أكثر موافقة للإنسان منها...
ومما يقوم عليه نظام الزكاة أيضًا، أنه قد يحصل في كثير من الأحيان أن يؤدي أحدُ الناس الزكاة في عام، ثم يكون مستحقًا لها في العام التالي... فالحياة عُسر ويُسر... وقد لا يؤدي البعض شيئًا من حصيلة الزكاة ولكنه يكون مستحقًا لها، كما في حالة العاجز والمحتاج، ومن هنا، وفي مثل هذه الحالات، تبرز الزكاة بمفهومها التكافلي الصحيح...
وهذه الزكاة كما تكون للمعوز والعاجز، تكون أيضًا للمؤلَّفة قلوبُهم، أي لبعض الشخصيات غير المسلمة التي يُرجى أن تنفع الإسلام بعملٍ ما، وبنفعها للإسلام فهي تنفع بني الإنسان، لأن الإسلام لم يأتِ إلَّا لخير الإنسان...
وأما الغارمون ـــــــ وهنا يجدر التبصُّرُ بعظمة الإسلام ـــــــ وهم المدينون في غير معصية، فإنهم يُعطون من مال الزكاة لوفاء ديونهم، بدلًا من إعلان إفلاسهم، أو مداعاتهم أمام القضاء، أو التشهير بهم أمام الرأي العام. فهل تصنع الحضارة المادية بالمدينين من التجار مثلًا، أو بالمعسرين من أصحاب الديون، مهما تكن الأسباب، مثلَ هذا الصُّنع الكريم الذي تتجلَّى فيه نظرة الإسلام المشرِّفة لبني الإنسان؟
وهكذا يقدِّم الإسلامُ أروعَ نظامٍ تكافليٍّ للمجتمع، لا يسقط فيه الشريف، ولا يضيع فيه الأمين، ولا يشقى المحتاج، ولا ييأس العاجز، ولا يموت المريض من قلَّة، ولا يأكل الناس بعضهم بعضًا في صورة قوانين نظامية، كما يقع في شرائع الأرض أو في شرائع الغاب على الأصحّ.
وبمقتضى هذا النظام القائم على التكافل في المجتمع تنعدم أيضًا المشاكل المعروفة بمشاكل العمَّال، لأنَّ على الدولة أن ترفع ظلم أصحاب الأعمال عن العمال، وإلَّا فإن عدم قيامها بذلك يجعل أصحاب السلطة فيها مأثومين... بل إن الدولة يفترض بها أن تعزل مَن لا يرفع الظلم من منصبه، وتنصِّبُ مكانه من يحفظ الحقوق لذويها، لأنّ السكوت على الظلم، مع القدرة على إزالته، حرام وفيه أثم كبير يعاقَب المرءُ عليه... وإذا قصَّرت الدولة في رفع الظلم، أو ظلمت هي الأجراء، كان على الأمة كلها أن تحاسبها وأن تسعى لإزالة الظلم، فلا يكون ذلك على الأجراء الذين ظلموا وحدهم، كما هي الحال اليوم في معالجة مشاكل العمال بالإضرابات والتظاهرات. لأن ظلم أي فرد من الرعية، وتقصير الدولة في رعاية شؤونه، أمرٌ يتعلق برعاية شؤون الأمة كلها، لأنه تنفيذ حكمٍ شرعي، وإن كان واقعًا على جماعة معينة.
أمَّا ما يحتاجه العمال من ضمانٍ صحي لهم ولأسرهم، ومن ضمانٍ لنفقاتهم بعد انتهاء خدماتهم، ومن ضمانٍ لشيخوختهم، وضمان لتعليم أبنائهم، وما شاكل ذلك من الضمانات، فإنها لا يُبحث فيها في الإسلام عند بحث الأجير والأجراء، لأن هذه ليست على صاحب العمل، وإنما هي على الدولة، وليست هي للعمال فقط، وإنما هي لكل عاجز من الرَّعية. فالدولة تضمن مجانية التطبيب والتعليم للجميع، وتضمن لعاجز الإنفاق عليه سواء أكان عاملًا أم غير عامل، وكلُّ فرضٌ مفروضٌ على بيت مال المسلمين.
وإذًا ففي الإسلام لا توجد مشكلة عمال، ولا توجد مشكلة خاصة تتعلق بجماعة معينة أو فئة من الأمة. وكل مشكلة تتعلق برعاية شؤون الرعية، تكون الدولة مسؤولة عن حلِّها، والأمة كلها تحاسب الدولة. وليس المسؤول صاحب المشكلة ولا رئيسه ولا صاحب عملِه. وبذلك تنعدم الحاجة للنقابات، لأن الظلم يرتفع عن الرعية، ما دامت الدولة تقوم برعاية الشؤون كافةً مهما كانت...
وإن في إقامة هذا النظام العادل ما ينفي أي سبب لنشوء التضخُّم، بخاصةٍ وأن الزكاة تنظِّم الأوضاع كافة بين القادرين والعاجزين، وتجعل توزيع الثروة توزيعًا عادلًا بين جميع الطبقات وبين مختلف الفئات من الناس... وهذا النظام نظامٌ لا تنعدم بوجوده أسباب التضخُّم وحسب، بل إنه يرفع عن المجتمعات البشرية المشكلات الاقتصادية كما أنه يجنبها الأزمات الاقتصادية برمَّتها...
وهكذا يتبين لنا، من مجمل ما تقدم، أن الإسلام كنظام حياة يقدِّم الحلَّ السليم الذي يختلف عن سائر الحلول التي تقدمها الأنظمة الأخرى، لا من الناحية الاقتصادية وحسب، بل من جميع نواحي الحياة. والسبب في ذلك هو أن الدارسين المتأثرين بالنظام الرأسمالي الديمقراطي يعتمدون الواقع مصدرًا للتفكير، وما دام هذا الواقع يتخبط في المشاكل فإن الحلول التي تعطى لهذه المشاكل سوف تنطلق من الواقع أي أنها نفسها تكون غارقة في المشاكل، في حين أن الإسلام يجعل من الواقع موضعًا للتفكير لا مصدرًا له، بل هو يرقب الواقع بكل ما فيه من مشكلات وغير مشكلات، ثم يحلّلُ هذا الواقع بكل ما فيه، ثم يعود إلى الشرع لاستقاء العلاج منه، ثم يضع له الأسس التي تغيره إن كان سيئًا، أو يثبت السليم منها أن وُجد، ويزيده سلامة... وعلى ما يبدو ليس في واقع الحياة كما نشهدها اليوم ما يصحُّ أنْ نسمِّيَهُ سليمًا، لأن لا شيءَ فيه يتراءى في مصلحة الإنسان على وجه العموم، بل إن الحضارة التي نعيش مظاهرها اليوم قد تعتبر أسوأ الحالات التي يواجهها الإنسان نظرًا لما تفرضه عليه من مشاغل ومتاعب، ولما تُغرِقه فيه من مشاكل وأزمات، وهي ـــــــ قبل كل شيء ـــــــ تدفعه إلى البعد عن الإيمان السليم، ونورانية الهداية والحق...
وانطلاقًا من هذه المعطيات نرى أن الحلول التي يوفرها الأسلامُ لمشكلة التضخُّم كفيلةٌ وحدَها بإزالته من المجتمعات الحاضرة التي تتخبط في بؤرته الوخيمة، وإن كان يُعتبرُ اليومَ ظاهرةً ـــــــ كما يقول عنه الاقتصاديون ـــــــ وغدًا كارثة، كما نتصوره نحن منذ الآن، وربما كان كارثة دونها كوارثُ الحروب وويلاتُها المدمِّرة...

إخفَاق القيَادتين الفكريتين
في حَلّ مَشاكل العَالم
بالرغْم ممّا يبدو من مظاهر تقدم القيادتين الفكريتين
الرأسْمَالية والشيوعية
وبالرغم ممّا لديْهمَا من القوى الماديَّة المسَخرة لهما
فيْ البر والبحْر وَالجَو
يمكننا أن نجزم بأنهُما مخفقتان في حل مشاكل
العالم وتحقيق الطمأنينة للنَّاس،
وذلك بسبب نظرة كل منهما إلى الكون والإنسان والحيَاة
تلك النظرة الماديّة التي لم تقم على العَقل، وَالتي
تخَالف فطرة الإنسان
بعكس القيادة الفكرية الإسلَاميَّة
التي كانت نظرتها إلى الكون والإنسان والحيَاة
قائمة على العقل، ومتفقه مع فطرة الإنسان،
وكانت بذلك المبدأ الوحيد
الذي يملك، بين جميع مَا يُسمّى «مبادئ»، فكرة كلية صحيحَة عن
الوجُود كله
إنّه المَبْدأ الإسْلامي
وقد انبثقت عنْ العقيْدة الإسلاميَّة
أنظمة لن ينْهض العَالم الإسلامي إلّا على أسَاسهَا
وَلم يحصَل اسْتقرار في العَالم إلا بهَا
cetirizin netdoktor cetirizin yliannostus cetirizin hund dosis



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB