الإسلام وإيْديُولوُجيَّة الإنْسان
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   362
تاريخ النشر :   1989




الحركة العمّاليّة وسَبب قيامها في العَالم

الحركةُ العمّاليةُ قامتْ منذُ نشأتها ضدّ النظام الديمقراطيّ الرأسماليّ، لسببينِ اثنينِ مهمّينِ:
أولًا: إنّ النظام الرأسماليّ يضمن حريةِ الملكيةِ، ويكفلُ لصاحبِ العملِ المحافَظَةَ على ملكيتهِ، ويَسْمَحُ لهُ بالتصرّفِ كيفَ يشاءُ، بدونِ أنْ يقِفَ في وجْهِ استغلالهِ واستبدادهِ واقفٌ، ويده مُطلقةٌ في كلّ ما يملكُ من أموالٍ منقولةٍ وغيرِ منقولةٍ.
ولما كانَ الناسُ اثنينِ، إمّا صاحب مُلْكِ وجُهْدٍ وإمّا صاحب جُهْدٍ فقطْ، كانتْ الأنظمة الرأسماليةُ الديمقراطيةُ كلّها لمراعاةِ صاحبِ الملْكِ والمحافظةِ عليهِ، ولا تُعيرُ أيّ اهتمامٍ لصاحبِ الجُهْدِ مُطْلَقًا.
ثانيًا: عدمُ كفالةِ هذا النظام للحاجاتِ الأساسية للناس: كالطّعامِ والمسكن والملْبَسِ، في حالِ العجزِ الكليّ أو الجزئيّ، وهذا هو العاملُ الكبيرُ. والعاملُ الثاني ظهور الصناعةِ في جميعِ أشكالها. وبحكمِ الواقعِ بدأ الناسُ يتجمّعون في مكانٍ واحدٍ من بقاعٍ مختلفةٍ، ممّا أدّى إلى وُجودِ حركةٍ عماليةٍ سمّيَتْ فيما بعدُ بالنّقابةِ.
والواقعُ يشهَدُ:
1 ـــــــ أنّ التجمّعَ العمالي لم يَقُمْ بدافعِ القيادةِ للبلادِ، بل بدافِعِ الحاجةِ لأخْذ الحقّ من صاحب العمل الذي تحكّم بمصير العامل اقتصاديًا ومعنويًا.
2 ـــــــ لم تسمَحِ الحُكوماتُ بإقامة نقاباتٍ واتحاداتٍ في البلاد لتجمّعِ العمالِ إلّا بعدَ الضغط الشديد منْ هؤلاء العمال، وبعد تجمعهمْ في أمكنةٍ عديدةٍ حساسةٍ، للتخريب إذا اقتضى الأمرُ أوْ للتشاوُر في الانتخابات النيابية.
ولما كانَ الواقعُ يشهدُ أنّ السببَ الوحيدَ هو التحكّمُ الرأسماليّ الفظيعُ في مصير الفئة العاملة اقتصاديًا ومعنويًا، كانَ الواجبُ يفرضُ علينا أنْ نلاحظَ هذه الظاهرةَ وأنْ نعطي الفِئَةَ المهضومةَ حقّها. وإذا تمّ ذلكَ لا تبقى حاجةٌ لهذه التجمعات العمّالية في جميع الأنظمة، رأسماليةً كانتْ أو اشتراكيةً شيوعيةً. وإذا كانتْ العِلّةُ تدورُ معَ المعلول وُجودًا وعَدَمًا، كان زوالُ المعلول بزوالها، ألا وهو سلْبُ حقّ الفئة الكادحَة القائمِ على القوّة المسنَدَة بالتشريع الجائر، وذلكَ بإعطاء هذه الفئة الكادحَة حقّها المعنويّ والاقتصاديّ عن طريق التشريع العادل.
وإذا فكّرْنا في هذا السّلبِ، أو اغتصابِ الحقِّ للفئَةِ الضعيفةِ التي تحاولُ دائمًا تقويةَ نفسِهَا عنْ طريقِ التجمّعِ لتنالَ حقّها أوْ جزءًا منهُ، وجدْنا أنّ السبَبَ يعودُ إلى جشعِ أصحابِ رؤوسِ الأموالِ، فهُم الذينَ فرضُوا بجشعِهِمْ ذلكَ التجمعَ.
وقد انقسمتِ الحركةُ العمّاليةُ إلى قسْمينِ:
1 ـــــــ الحركات العمّالية في النظام الاشتراكيّ والشيوعيّ، وهيَ تعتبرُ أنّ مهمّتها الأساسيةَ قد انتهتْ بانتهاءِ النظامِ الرأسماليّ، وبقيَ عليها أنْ تُساعدَ الفئةَ الحاكمة، وأنْ تضحّي في سبيلِ بناءِ البلادِ وتثبيتِ النظامِ الحاكِمِ. وهي تختلفُ كليًا عن زميلتِها في ظلِّ النظامِ الرأسماليّ. وهذا التفكيرُ لا ينبثقُ عن تفكير القاعدةِ الشعبيةِ العماليةِ بل عن الفئةِ الحاكمةِ التي توجّهُ البلادَ. ومعنى ذلكَ أنّ الحركاتِ العماليةَ في البلادِ الاشتراكيةِ والشيوعيةِ منبثقةٌ عنِ الدولةِ أكثر من انبثاقِها عن الطبقةِ العاملةِ.
2 ـــــــ الحركات العمالية في النظام الرأسماليّ الديمقراطيّ، وهي تتأثّر بالسياسةِ الخارجيةِ التأثر الكليّ، بيد أنها في الداخلِ دولة ضمنَ دولةٍ. وبالرّغْمِ من استقلالها فإنها تبقى ساكنةً، أو كثيرًا ما تبقى ساكِنةً، إزاءَ العدوانِ الذي تقومُ بهِ دولةٌ منْ دُوَلها، إلّا إذا كانَ المحرّكونَ السياسيونَ يريدونَ غير ذلك، فتقِفُ عندَ حدِّ الانتقادِ فقط ولا تتخطاهُ إلى تدابير عملية رادعة. وفي الوقت نفسِهِ تعيب الحركاتِ العمَاليةَ في الجناح الشيوعيّ بأنها لا تستطيعُ أن تنتقدَ واقِعَ حكوماتِها. وهذا ما يجعلُني أُؤمن بأنّ التكتلاتِ العمّاليةَ في الجناحينِ الغربيّ والشرقيّ مسيَّرة في السياسةِ الخارجيةِ. منَ حكوماتها، ولكنها مختلفةٌ في السياسةِ الداخليةِ، فالحركاتُ الغربيةُ هي غيرُ الحركات الشيوعية. ويعودُ ذلكَ لأساسِ المبدأ، فالمبدأُ الرأسماليّ يضطهدُ العامل، وهذا يحاولُ بدورهِ أن يتخلّصَ منْ هذا الاضطهادِ، وعندئذٍ ينتهي الأمرُ إلى إرادتينِ متناقضتينِ يتبلوَرُ في الصراعِ الداخليّ.
ولكنّ المبدأ الاشتراكيّ الشيوعيّ يُصفي أصحابَ رؤوس الأموالِ عندما يطبقُ الاشتراكيةُ، فلا يبقى سوى العمال. وإذا كانَ الأمرُ كذلكَ فلا تبقى حاجةٌ إلى إضراباتٍ ولا وساطةٍ ولا تحكيمٍ. وإليكم هذا المثال: لقد اجتمعتُ في الدانمارك بمكانٍ يُدعى «هجستر بكاد» في مدينةِ (أيلزانور) معَ سيدٍ مسؤولٍ من ألمانيا يُدعى «هربرت بتلتاز» مساعد السكرتيرِ العام في الاتحاد المهني التحالفي العماليّ الحرّ. سألتُهُ سؤالًا أمامَ ممثلين عن آسيا ما هوَ موقفُ الاتحاد الحر تجاهَ اللاجئينَ العربِ الفلسطينيين، وما هي الخطواتُ التي تخطونها لإعادتهم إلى بلادهم؟ فاندهش أوّلًا لسؤالي واسْتَفْهَمَ: أوَ ليسَ الذي يسْألهُ مندوبًا عنِ اتحادٍ مشتركٍ معَ الاتحادِ الحرِّ؟ فقلتُ لهُ: أنا مندوبٌ عنْ أكبرِ اتحادٍ في لبنانَ، وهو عضوٌ في الاتحاد الحرّ. فضحكَ وأجابَ: أنتم ـــــــ كما تعلمُ ـــــــ في الاتحادِ المذكورِ، وإسرائيلُ عضوٌ فيهِ، ولذلكَ لا نقْدِرُ أنْ نتحيزَ لأحدِ الطرفينِ! فلما لاحظَ، في وجوهِ المندوبينَ الآسيويينَ، أنّ جوابَهُ غيرُ مُقْنِعٍ ضحكَ ضحكةً عاليةً وقالَ: إننا كاتحادٍ لا نقوى على حلِّ المشاكلِ السياسيةِ (7/11/1966).
ولكنّ بعْضَ القادةِ النقابيينَ يزعمُ أنّ الحركةَ النقابيةَ لمْ تُعدْ مقتصرةً على المطالبةِ بالحقِّ المسلوب، أو بأعادةِ اعتبار فردٍ ما، أو المحافظةِ على كرامةِ جماعةٍ ما، بلِ الحركةُ العماليةُ تُسْهِمُ اليوْمَ بأكبَر قِسْطٍ في تقدّمِ الحياةِ البشريةِ وازدهارِها في الدّاخلِ والخارجِ. وهذا الزّعْمُ غيرُ صحيحٍ لأمورٍ ثلاثةٍ:
1 ـــــــ ازدهارُ البلدِ وتقدّمُهُ لا يُعَدّ من خصائصِ فئَةٍ شعبيةٍ، بلْ هو منْ خصائصِ الفئَةِ الحاكمة التي تسلّمَتِ الحكْمَ على أساس تقدّم البلد وازدهاره في الداخل وتحسين علاقاته في الخارج. وذلك لا يُحسبُ منْ خصائص الفئَة العماليةِ.
2 ـــــــ إنّ الأموالَ التي تُجمعُ منَ الاشتراكات والتبرعَات وما شابهَ ذلكَ هيَ وقْفٌ للفئة العاملَة التي جمعَتْ منها، ولا يجوزُ التصرّفُ بها في أشياءَ أُخرى.
3 ـــــــ أنا لا أنكرُ على الأمّة أنْ يكونَ فيها فئةٌ ثانيةٌ تُعارضُ الحكمَ وتنتقِدُهُ وتسعى للوصول إليه في سبيل فرضِ الأحْسنَ، ولكني أُعارض وجودَ كتلةٍ طبقيةٍ في الحكْم، لأن الصراعَ المحرّمَ في الأمّة هو الصراع الطبقيّ، ولكنّ الكتلةَ التي تضمّ جميعَ أفراد الشعب وتحملُ أفكارًا للبناء ضرورةٌ لا يُستغنى عنها. هذا من ناحية ومن ناحِيَةٍ أُخرى فعلاقَةُ العامل بالعامل ليسَتْ قائمةً عَلَى أساسٍ فكريٍّ، بل على أساسٍ مصلحيّ. والعاملُ الذي نراهُ اليومَ يُدافِعُ عن قضايا العمّال لا يُدافِعُ عنهُم بوَحْيٍ فكريٍّ، بل لأنّ واقعَهُ يحتمُ عليه هذا، فإذا أصبحَ غدًا من أصحاب المصالح فإنه سوف يقفُ بجانبِ الفئة التي كان يُقاومُها بالأمس لحماية مصالحه.
والنتيجة إذًا هيَ: الإنسانُ إنسانٌ في كلّ عصرٍ ومِصْرٍ يسْعى دائمًا لحماية مصالحه. والعَلاقَةُ المصلحية دائمةٌ ما دامَت المصلحة، وفي حال انتهاء المصلحة تنتهي العلاقَةُ. والإضرابُ هوَ الوسيلةُ الوحيدةُ لحماية مصالح العمّال، وقد سُمِحَ به في النظام الديمقراطيّ، وهذا السماحُ فَتَحَ في النظام ثغرتين.
1 ـــــــ الإضراباتُ بدأتْ تؤثّرُ على اقتصاديات البلاد.
2 ـــــــ الإضراباتُ تحوّلت إلى مصلحَة النظام الاشتراكيّ الشيوعيّ، لا إلى مصلحة النظام الرأسمالي لثلاثة أسباب:
(أ) الحزبيونَ يندسّونَ في الإضرابات، وكثيرًا ما يحوّلونها لمصلحتهم السياسية.
(ب) يعتبرونَ كلّ اصطدامٍ بينَ الفئة العاملة وأصحاب رؤوس الأموال بمنزلة خطوةٍ تقدميةٍ نحو الاشتراكية.
(ج) ينبرونَ لنشر أفكارهِمْ، وللمزايدات أثناءَ أضرابات النقابات. وهذا ما لاحظَهُ الموجّهونَ في النظام الديمقراطيّ وتخوّفوا منهُ، فحاولوا أنْ يحدّوا من موجةَ الإضراباتِ المتفاقمة في البلاد، فقالوا يجب أن يسبقَ الإضرابات: الوساطة، وهي هيئةٌ تعينها الدولةُ لتقريب وجهات النظر بين العمّال وأصحاب العمل. وبعدَ الوساطة يُخَيّرُ العمالُ، إذا لم يوافقوا، بينَ الإضراب والتحكيم، فإن قبلوا بالتحكيم فقرارُ هيئة التحكيم مُلْزمٌ للطّرفين. وهيئةُ التحكيم هذه مؤلّفَةٌ مِنْ مندوبين عن العمّال وأصحاب العَمَلِ والدّولة. ويُلزمُ القانونُ في بعض البلْدان بالتحكيم، ويمنعُ الإضرابَ بالقُوّة. وقد بَدأ تطْبِيقُ هذه المراحِل في جميع البلاد التابِعة للنفوذ الغربيّ. ونشأتْ عندهم مشكلةٌ من الوساطة تتلخَصُ في أن الفئة الكادِحة لا تملكُ الثّقافَةَ التي يملكُها صاحبُ العَمَل، فأنشئت المعاهِدُ العمّاليةُ والدّوراتُ الثّقافيةُ لِرَفْع المستوى الثّقافيِّ عند الفِئة العامِلة. ويعْتَبرُونَ ذلكَ تركيزًا للنظام الديمقراطيّ في البلاد. لكنّ الذين يحملونَ الأفكارَ الاشتراكيةَ الشيوعية يعتبرون كلّ هذه الإجراءات تخْديرًا ومُسكّنًا مؤقتًا وحواجز أمامَ عجلةِ الاشتراكية.
وأمّا ما يُسمّى بمشاكل العمّال فلا وُجودَ له في الإسلام، لأنّ المشاكلَ هذه نَشَأتْ عَنْ جَعْل مُستوى المعيشة في أدنى حدّها الأساسيّ لتَقْدير أُجْرَة الأجير. فما كانَ العُمّالُ يأخُذُونَ أُجْرَةً وإنما يأخُذُون بُلْغَةً تُبْقِيهمْ أحْياءَ ليَعْمَلوا. وقد قامَ ذلك على اسْتِبْدادِ أصحابِ الأعمال بالأجراء حتى لاقى هؤلاء الأجراءُ العَنَتَ والإرهاقَ والظّلْم واسْتِغلالَ عَرَقِهم وجُهْدهم، فَنشأ التذمّرُ الشّديدُ وظهرَتْ فكْرَةُ الاشتراكية كي تُنْصفَ العاملَ في تحديد وقْت العَمَل وأُجْرته وحقّ التّداوي والفُرْصة السنوية إلخ... واضْطُرّ الرأسماليونَ إلى إدْخال التعْديلات على حُرّيّة المِلكية والعَمَل. ولم يبقَ عندئذٍ مُستوى المعِيشة عندَ أدْنى حَدّه الأساسيّ في تَقْدير أجْر الأجير. وأُدْخِلَتْ على عُقود العَمَل قَواعدُ وأحْكامٌ تهْدفُ إلى الرّدّ على الاشتراكية ومواجهتها في حِماية العمال وإعْطائهم مِنَ الحقُوق ما لم يكُنْ لهم مِنْ قَبْلُ، كحُرية الاجْتماع وتكوين النّقابات والإضراب. وأُعْطيَ العمّالُ فوقَ ذلك تقاعُدًا وإكرامياتٍ وتعْويضاتٍ عائِليةً وتعْويضات نهاية الخدْمة. ومعنى ذلكَ أنّ مشاكِلَ العُمّال تَوَلّدت عن الأساس الذي يقُومُ عليه النظامُ الرأسماليّ القائمُ على حرية الملكيةِ والعَمَلِ، وجَعْلِ مُسْتوى المعِيشةِ عند أدنى حدّهِ، وهو الأساسُ الذي يُبْنَى عليه تَقْديرُ أجْرِ الأجيرِ. وستظلّ هذه المشكلاتُ العمّاليةُ قائمةً ما دَامَت العَلاقَةُ بين الأجيرِ وصاحب العمل مَبْنِيةً على أساسِ هذا النظامِ. وما هذه المسَكّناتُ سوى ترقيعاتٍ لإسْكاتِ العُمّالِ، والوُقُوفِ في وَجْهِ المبادئ الاشتراكية. وهذا الترْقِيعُ طبيعيّ إذ هو محاولةٌ من النظام الرأسماليّ للمُحافَظةِ على بقائِهِ. والزّعْمُ بأنّ تلكَ التنظيمات والإجراءات علاجٌ لمشكلات العُمّال زَعْمٌ باطلٌ، وما هي في الحقيقة سوى تخديرٍ لتهْدئَة العمّال.
لكنّ ذلكَ كلّهُ لم يكنْ في الإسلام لأنه ليس فيه حريةُ ملكيةٍ وحريةُ عَمَلٍ، بل فيه إباحَةُ مِلْكيةٍ وعَمَلٍ. وهناكَ فرْقٌ شاسعٌ بَيْنهما لأنّ حريةَ الملكية إطْلاقُ يد الإنسان في أنْ يملكَ بأيَ سببٍ كان. وأمّا إباحَةُ الملكية فهيَ إباحَةٌ لأصل التّملّك، فالمِلكيةُ فِعْلٌ مِنَ أفْعال الإنسان، وحُكْمها الإباحةُ، فلكلّ مُسلم أنْ يملكَ، لكنّ كيْفِيةَ التملّك مُقَيدَةٌ بما نصّ الشرْعُ عليه. فإباحةُ المِلكية ليست إطلاقَ يد الإنسان في أنْ يملِكَ ما يشاءُ، وأنْ يُنمّي الملكَ كما يشاءُ، وأنْ يملِكَ أيّ عينٍ مُعينَةٍ بما يشاءُ، بَلْ هيَ محصورةٌ في حقّ الإنسان لأنْ يملِكَ، أي في أصْل التملّك لا غير، وأمّا في غير ذلكَ فهيَ مُقَيدَةٌ. وهذا بخلاف حريةِ الملك القائمة على ترْك الشخص حرًّا في أنْ يمتلّكَ ما يشاءُ، وبأيِّ سببٍ كانَ.
أمّا العَمَلُ فإنّهُ فعلٌ مِنْ أفْعال الإنسان، وحُكْمُهُ الإباحَةُ فلكل مُسلمٍ أنْ يَعْمَلَ، ولكنّ كيْفِيةَ قيامِه بالعَمَل للحُصُول على المال مُقيدةٌ بأحْكامٍ مُعَينَةٍ. فلهُ أنْ يَعْمَلَ تاجرًا أو زارعًا أو أجيرًا، إلّا أنه في قيامه بالعَمَل يجبُ أن يكونَ مُقيدًا بأحكام الشّرْع: فلا يصحّ أنْ يعمَلَ بصناعة الخمرْ، أوْ بزراعة الحشيش، أو أن يتعاطى الرّبا، أو القِمار، أوْ أيّ عَمَلٍ حَرَّمَهُ الشّرْعُ، حتى لو عمِلَ في المباحات فإنهُ مُقيدٌ بأحْكامِها. بناءً على ذلك فالإباحَةُ لأصل العَمَل فقط، وأمّا كيْفِيةُ القِيام به فمُقيدةٌ بأحْكامٍ مُعينَةٍ، وممنوعٌ عليه أنْ يعْمَلَ بغيرِ هذه الأحكامِ.
بهذا المعنى تخْتَلِفُ إباحة العمل عن حرية العمل التي تترُكُ الشخْصَ غير مقيّد في أنْ يعْمَلَ أيّ عَمَلٍ كانَ، وعلى أيّة كيْفِيّةٍ يراها. ومن ذلكَ كلّه يتبينُ الفَرْقُ الواسعُ بينَ إباحَة الملك وحرّيةِ الملكِ، وبينَ إباحَة العَمَل وحريةِ العَمَل.
ولا تَنْشأ في الإسلامِ مثلُ هذه المشاكلِ التي يحمِلُها النظامُ الرأسماليّ، لأنّ المِلكِيةَ والعملَ في الإسلامِ مقيدانِ بمعاملاتٍ تَرْفَعُ المنازعاتِ من الأساسِ، فلا تَقَعُ هذه المشكلاتِ. ومِنْ بين هذه المعاملات أحْكامُ الإجارَةِ التي تُنظّمُ العلاقَةَ بينَ الأجيرِ وصاحب العمل، إلى جانبِ الأحكامِ الأخرى للأعمالِ، كأحْكامِ التجارةِ والزراعةِ والصنّاعةِ، والأحْكام الأخرى للعَيْش، كأحكام النّفَقَة ورعاية الشؤون، فلا يحتاجُ الأمرُ إلى قيودٍ تُقَيدُ صاحب العمل أوْ تُقيدُ الأجيرَ. كما أنّ الأساسَ الذي يجري عليه تَقْديرُ الأجْرة للأجير هُو الجهْدُ الذي يَبْذلُهُ الأجيرُ في السّوق العامّ، لا مستوى المعيشة عند أدنى حدٍّ، ولهذا لا أثرَ لاسْتِعْبادِ أصحاب العمل للأجراء ولا اسْتِغلال عَرَقهم وجُهْدهم، فالأجيرُ ومُوظّفُ الحكومة سواءٌ بسواء. والأجيرُ يأخْذُ أجْره كما هو مُقرّرٌ لمثله في المجتمع لدى الناس، فإن اختلفَ الأجيرُ وصاحب العمل يأتي دَوْرُ الخبراء لِتقْدير أجْرِ المثْلِ. وهؤلاء الخبراء يخْتارُهم الطّرفانِ، فإنْ لم يتفِقا تخْتارهم الدّوْلةُ ويُلْزَمُ الطّرَفان بما يقولُهُ الخُبراءُ.
وأمّا تحديد الأجرة من الحاكم فلا يجوزُ قياسًا على عدم جواز التسْعير للسلع، لأنَّ الجهود كالسلع تعرض في سوق العمل، وتحدد الأجور كما تحدد الأسعار وفقًا لقانون العرض والطلب، باعتبار أن الأجْرةَ تكون مُقابلَ المنْفَعَة، كما هو الثّمَن مُقابل السلعة. وكما أنّ سوقَ السلعة تُقرّرُ سِعْرها تقْديرًا طَبيعيًا، فكذلك سُوقُ المنافِع للأجراء تُقَرّرُ الأجْرة.
أمّا الحقوقُ التي أعْطَتْها الترقِيعاتُ الرأسماليةُ للعمال بالنسبة لحرية الاجتماع، فقد أباحَ الشّرْعُ لكل الرّعية أنْ يجْتمِعوا، أُجَرَاءَ كانوا أم غَيرَ أُجراءَ.
والنّقاباتُ لاحاجةَ لها في الإسلام ما دامَ الظّلمُ غيرَ مَوْجودٍ وذلك برعاية الدّوْلة لشؤون الناس مهما كانت طبقاتهم.
ولا حاجَةَ لحقّ الإضراب أيضًا، لأنّ الإجارَةَ من العُقُود اللازمَة لا الجائِزَةِ، فلا يجوزُ لصاحب العملِ أو للأجيرِ فَسْخُ العَقْدِ، وعلى الأجيرِ القيامُ بما اسْتْؤجِرَ عليه، فإنْ لم يَقُمْ به فلا يستحِقّ الأجْرَة، ولهذا لا حاجةَ للإضراب.
وما التقاعدُ والإكرامياتُ والتعْويضاتُ إلّا مِنْ تَرْقِيعاتِ الرأسمالية لتخْفيف ظُلْم النظامِ الرأسماليّ، لأنّ مَنْ يَعْجَز عَن العَمَل، في الإسلام، يسْتحِقّ أخّذَ كِفايَتِهِ مِنَ الدّوْلة، ولا تبقى هناكَ حاجةٌ لتقاعُدٍ وإكرامياتٍ وتعْويضاتٍ. والقيامُ بما يلزمُ لإشْباع الحاجات الأساسية حَقّ على الدّوْلة لكلّ مَنْ يَعْجَزُ عنها لا على صاحِب العَمَل، لأنها مِنْ رعاية الشؤون وليْسَت على صاحب العَمَل. وأمّا ما يحتاجُ إليه العُمّالُ من ضمانٍ من الضمانات، فكلّهُ على الدّوْلة لا على صاحب العَمَل. وأمّا ضمانُ نَفَقاتهم في حال خُرُوجهم مِنَ العَمَل فإنّه على الدولةَ، إذ المفْرُوضُ عليها أنْ تُوجِدَ لهم أعمالًا، فإنْ لم تُوجدْ لهم ما يحتاجُونَ إليه من عملٍ كانوا عاجزينَ حُكْمًا، وحينئذٍ تُطبقُ عليهم أحْكامُ النّفَقَة.
وأمّا الزّياداتُ السنّويةُ المْوجودَةُ في نظام الحكومات فجزءٌ من النظام الرّأسماليّ، وهي خداعٌ. لأنهم يُقدّروُنَ درجةَ الموظّف بِمقدار أُجْرته فيُعْطونَهُ إياها ناقصةً، ثم يَزيدُونها سَنَويًا، وبعْدَ سنواتٍ عدّة يصلُ إلى نهاية هذه الدَرَجَة، أي يأخُذُ أُجْرَتَهُ المقدّرَةَ له حينَ بدأ العَمَلَ، ويعْتَبرونَ ذلكَ زيادَةً سَنَويةً. أمّا الإسلامُ فإنهُ يُعْطيه أُجْرَتهُ التي يستحقها كلّها حسب السّوق من أوّل يَوْم يبدأُ فيه العَمَلَ.
إنّ جميعَ ما يُبْحَثُ مِنْ شؤُون العُمّال في النظام الرأسماليّ ـــــــ وهي المشاكِلُ الجاريَةُ الآنَ في المصانِعِ والمعامِل ـــــــ غيرُ واردٍ في بحْث الأجراء في الإسلام، لأنّ وجودَهُ لا يتأثّرُ، وذلكَ لاختلاف الأساس الذي يقومُ عليه تَقْديرُ أجرْ الأجير، ولاخْتلافِ الجهة التي تُلْزمُ بِكفالَة الفُقراء والعاجزينَ، ولإيجاد الأعْمال لمنْ لا عَمَلَ لهم، ولاختِلاف مفهوم الدّوْلَة في الإسلام عنها في الديمقراطية، إذ هي في الإسلام مُؤسّسةٌ واحِدَةٌ تُباشرُ بنَفْسها كلّ ما يتعلّقُ برعاية الشؤون. وفي الديمراطية هي مؤسّساتٌ مُتعدّدةٌ تُشرفُ عليها مُؤسّسةٌ واحِدَةٌ هيَ الحكومةُ.
من هذه الخطوط العريضة يتبينُ أنّ الشرعَ أباحَ الإجارَةَ، وأباحَ للمُتعاقِدَيْنِ فيها أنْ يَشْترطا ما يشاءان. وقد قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «المسلمونَ عِنْدَ شُرُوطهم». وقد جَعَلَ الإسلامُ تقديرَ الأجرَة على أساس مَنْفَعَة الجُهْد، وجَعَلَ السّوقَ العامّ لمنافِع الجهود الحَكَمَ إذا اختلَفَ المتعاقِدانِ، وألزَمَهما بما تفرضهُ هذه السوق حسب تقديرِ الخبراء. وبهذا الأسلوب قَطَعَ المنازعات في معاملاتِ الأجارة كلّها، وأتاحَ لصاحب العمل والأجير أنْ يبْذُلا نشاطًا غيرَ محدودٍ في الإنتاج.
الأسَاسُ الذي يُبْنَى عليه تقديرُ الأجرة للأجير:
أثمان السلع لا يجوز أن تكون هي الأساس لتقدير أجرة الأجير، وإلَّا وجب أن تكون كفايته على صاحبِ العمل الذي عليه أن يضمنها له. كما لا يجوز أن ترتبط كفاية الأجير بإنتاجه مطلقًا إذْ قد يكون ضعيف البنية أو الإدراك فلا يقدر أنْ ينتج ما يكفيه. وبما أن كفاية كل إنسان هي جزء من رعاية شؤونه فتكون كفايته على الدولة لا على صاحبِ العمل ولا على أساس الجهد الذي يبذله.
ولا يقال: إنّ هبوطَ أسْعار السّلع التي يُنْتِجها الأجيرُ تؤدّي إلى خسارَة صاحب العمل، وهذه تؤدّي إلى إخْرَاج العامِل، لأنّ ذلك في المدى القصير ظاهِرُ الحكم، فربما تنزلُ السلعُ في هذا الشّهر لكثرة العَرْض، وربما تَرْتَفِعُ في الشّهر المقْبِل لقِلّتهِ، فإذا رَفَعَ صاحب العمل أُجْرَةَ الأجير أوْ أنْزلها، يكونُ قَدْ وضَعَ الأجْرَةَ التي يريدُها بحجّة ارتِفاع الأسعار وانخفاضها، وبذلك يكونُ الأجيرُ موضوعًا تحْتَ رحْمة صاحب العمل، وهذا هو التحكّم.
على أنّ ارْتِفاعَ الأسعار وانخِفاضها لا يُؤثّرُ على صاحِب المزْرَعَة، أو المصْنع في المدى القصير، ولا يؤدّي إلى خسارتهما فلا يردُ موضوعُ الخسارة مطلقًا، وإنما ينشأ التأثيرُ إذا حصلَ هبوطُ أسعارِ السلعة في السوق كلّها، أوْ حصَلَ هبوطٌ في السوق المحليّة، وكلاهما لا يُؤثّرُ إلا في المدى الطويل، وفي هذا المدى تحصُلُ الخسارَةُ ويُصبحُ خَطَرُ إخراج العامل من المصنع قائمًا. أما في المدى القصير فلا تحصُلُ خسارةٌ مُطْلقًا، ولا تحصُلُ خسارةٌ أيضًا إذا هَبَطَتِ السلعةُ في بلد دونَ بلد، أو بعض السلع دونَ البعض الآخر في السوق المحلية، وإذا حصلَتْ خسارةٌ للسلعةِ في السوق كلّها، ولو في المدى الطويل، فلا يحصُلُ تأثيرٌ على الأجْرَة من حيثُ هي، وإنما يحصُلُ تأثيرٌ على أُجْرَة إنتاج تلكَ السلعة فقط، فينتهي الأمْرُ إلى إبعاد العامل. وإذا هَبَطَتْ جميعُ السلع في السوق المحلّية كافّةً، أوْ فيها وفي غيرها، فسَيَتْبعُ ذلك هبوطٌ في سوقِ الثمنِ كلّها، وتهبطُ الأجرةُ عندئذٍ هُبُوطًا طبيعيًا. وهذا الهبوطُ يَقَعُ للأجير ـــــــ كجنس ـــــــ لا لأجيرٍ مُعَيّن. وتكون السوقُ العامّةُ للسلعة والمنفعة هي التي تُقَدّر الثمن والأجْرَة.
ويتمّ تبادُلُ التأثيرِ بينَ السّوقِ العامّةِ للسلعةِ وللمنفعة مِنْ جَرّاء وحْدَة المِقْياس بينهما، كما يتمّ هذا التأثيرُ بينَ السوق العامّةِ للسلعة والسوق نفسها لمنفعة الأجير إذا هبطت قيمةُ النقْد المتخَذ مقياسًا لهما أو ارْتَفَعَتْ.
وهذا لا يعني ارْتِباطُ الأجْرَة بالثّمَنِ، وإنما يعني أنّ السّوقَ العامّةَ لمنفعة الأجير تأثّرَتْ بالهبوطِ، بعدما حصلَ للسلعة في السوق العامّةِ هبوطٌ على المدى الطّويل. ولا يُعَدّ ذلك ارْتِباطًا بينهما، بحيثُ يتوقّفُ تقديرُ أحدهما على تقْدير الآخر في السلعَة الواحدة، بل ولا في السلع كلّها.
خطأ الرأسماليّينَ والاشتِراكيّين في الأسَاسِ الذي بَنَوا عليه تقدِير الأجرة
الرأسماليّونَ يدفعونَ للعاملِ الأجْرَ الطبيعيّ، والأجرُ الطبيعيّ عندهمْ ما يحتاجُ إليه العاملُ من المعيشةِ في أدنى حدودها، أوْ يزيدُونَ هذا الأجر إذا زادتْ تكاليفُ المعيشةِ في أدنى حدودِها أيضًا، ويُنقصونه إذا نَقَصتْ. فأجْرُ العاملِ عندهُمْ يُقدّرُ بحسبِ تكاليفِ المعيشةِ، وذلك بغضِّ النظرِ عنِ المنفعةِ التي أدّاها جُهدُهُ. وقد فَعَلوا ذلك لأنّهُمْ بَنَوا الأجرَ على البيعِ، فأدّى هذا إلى تحكّمِ أثمانِ الحاجياتِ بأجرةِ الأجير، ولهذا فإنّ الأجراء بحسب هذا النظامِ، أي جعْل مستوى المعيشةِ أساسًا لتقديرِ أجرِ الأجيرِ، سيظلّون محدُودي الملكيةِ، واقفين عِند سدّ حاجاتهم في أدنى حدّها بالنسبةِ للجماعةِ التي يعيشون بينها، سواءٌ كانتِ الأجرةُ في حدودِ حاجاتهم الأساسية فقطْ، كما هي حالُ الأجراءِ في البلدانِ المتأخّرةِ ماديًّا كمعظم البلادِ الإسلاميةِ، أو في حدودِ حاجاتهم الأساسيةِ والكماليةِ كما هي حالُ العمّال في البلدانِ المتقدّمةِ ماديًّا كأوروبا وأميريكا، وهذا ظُلْمٌ لا يتناسبُ مع واقعِ الأجيرِ.
أمّا الاشتراكيونَ فقاعدتهمْ في دفعِ الأجرةِ «من كلٍّ حسب قوّتهِ، أيْ قُدْرتِهِ، ولكلٍّ بنسبةِ عملِهِ، أي بمقدارِ ما يُنتجُ». وقدْ فَعَلُوا ذلك لأنّهُمْ بَنَوا الإجارَةَ على بيع الإنتاج، فأعطوا العاملَ بمقدار ما يُنتجُ، وهو ظُلْمٌ على أيِّ حالٍ، لأنّ إنتاجَهُ إنْ كانَ قليلًا، لانخفاضِ أسعار السوق للسلعةِ التي ينتجها فقد ظلم الأجير، وقد لا يصل ما يأخذه إلى حد كفايته فيضطّرر إلى تركِ العملِ. وإنْ كانَ إنتاجُهُ كثيرًا لارتفاع أسعار السوق في السلعة التي ينتجها فقد ظلم صاحب العمل، لأنّ أرباحَهُ ذهبت إلى الأجير، بدون أنْ يكونَ له فيها حقّ. ولهذا كانَ تقديرُ الأجرةِ بإنتاجِ العاملِ، أي بالأجرِ الذي يُباعُ بهِ ما ينتجهُ في السوقِ، ظُلمًا، فوقَ كونِه خطأ، وذلكَ لمخالفتهِ واقعَ الأجيرِ. وبالرجوعِ إلى واقعه نجدُ أنّهُ إنما يبذلُ جُهْدًا للحصولِ على سلعة، أو على جُهْد آخر، فيكونُ جهدهُ الذي يبذُلُه هو الأساسَ، ولكنّ هذا الجُهْدَ لا يُبْذلُ لأنهُ جُهْدٌ، بل لما فيهِ منْ منفعة، فتكونُ منفعةُ الجُهْدِ هيَ الأساسَ أصالةً، لا الجهْدُ نفسهُ، لأنها محلّ التداوُل، والجُهْدُ إنما يُبْذَلُ منْ أجلِها، وعليهِ تكونُ منفَعَةُ الأجيرِ هيَ الأساسَ الذي يُبنى عليهِ تقدير الأجْرِ، وهذهِ المنفعةُ للجهدِ، كالسلعةِ، لها سوقٌ عامّةٌ تطْلَب فيها، ويجري التبادل داخلَها، وتُقدّرُ أسعارها بأسعارِ تلكَ السوقِ.
ولهذا نرى أنّهُ كما لا يصحّ وضعُ تسعير جبريّ للسلعةِ، لما يترتّبُ عليهِ منْ وجودِ ما يسمّى بالسوقِ السوداءِ، ومنْ ضرر على الإنتاجِ كذلكَ لا يصحّ أنْ تُقدّرَ أسعارٌ جبريةٌ لمنافعِ الجهودِ، لما يترتبُ على ذلكَ من ضررٍ للثروةِ في تحديدِ الإنتاجِ والوقوفِ في وجْهِ النشاطِ.
ولذلكَ لا بدّ أنْ يُتْرَكَ تقديرُ ثمنِ منفَعَةِ الجُهْدِ، أي أُجرَةَ الأجيرِ، لما تفرضهُ السوقُ العامّةُ لمنافعِ الأجراءِ. وكما يجري البَيعُ والشراءُ بتراضي المتبايعين، كذلكَ ينبغي أنْ يجري استئجارُ منافع الجهود بتراضي الأجيرِ وصاحب العمل، واتفاقِهما على الأجر، وهو الأجْرُ المسمّى، ويكونان مُلْزَمَينِ بهِ. وإذا لم يتفقا على الأجْرِ أُلزِما بما يقولُهُ الخبراءُ بالسوقِ العامّةِ لمنفعةِ الجهودِ. إلّا أنّ هذا الأجْرَ لا ينبغي أنْ يكونَ أبديًا، بل مربوطًا بالمدّةِ التي يتفقان عليها، أوْ بالعَمَل الذي اتفقا على القيامِ بهِ. فإذا انتهتِ المدّةُ، أو أُنجزَ العملُ، يبدأُ تقديرٌ جديدٌ للأجرةِ حسبَ السوقِ العامّةِ لمنافعِ الجهودِ عندَ التقدير. هذا هو واقعُ الأجيرِ، وهذا هو الأساس الذي يجري عليهِ تقديرُ أُجرتِهِ.
التأمينات الاجتماعية في الرأسمالية:
الفرقُ هائلٌ بينَ ضمانةِ الإسلامِ للحاجاتِ الأساسيةِ، ومحاولةِ الضمانةِ لدى المبادئ الأخرى. فالرأسماليةُ حاولتْ إيجادَ ما يسمّى بالضمانِ الاجتماعيّ والعدالةِ الاجتماعيةِ، وأوجدتِ التأميناتِ الاجتماعيةَ.
واهتمامُ الدولةِ ينصبُّ على صنفينِ من الرعيةِ التي تحكمها وهما:
1 ـــــــ مُستخدمو الحكومةِ، ومستخدمو المؤسّسات العامّةِ، والعمّالُ الدائمونَ في المصانعِ والمعاملِ، والعمّالُ الذينَ يشتغلونَ بالآلاتِ الزراعيةِ من عمّالِ المزارعِ. وبعضهم يُدْخِلُ الكثيرَ منْ عمّال المزارعِ، ولا يُدخِلُ في ذلكَ عمّالَ المقاولات والشحن والتفريغِ، والعمالَ المؤقتينَ، وبعضهمْ لا يُدْخِلُ من عمالِ المزارعِ إلا الذينَ يشتغلونَ بالآلاتِ. والعمالُ الذينَ يدخلونَ في التأميناتِ الاجتماعيةِ من هؤلاءِ همُ الذينَ يشتغلونَ عندَ غيرهِمْ بأجْر.
2 ـــــــ الفقراءُ والمحرومونَ: هذان الصنفان فقطْ هما اللذان يدخلان في التأمينات الاجتماعيةِ، وتهتمّ الدولة بهم لمساعدتهم، وما عداهمْ لا يستحقّ الاهتمام. أمّا كيفيةُ اهتمامِ الدولةِ بالعمّالِ فلا يتعدّى إعطاءَ العاملِ تعويضًا، مع معاشٍ شيخوختهِ، فإذا أُصيبَ بضررٍ يمنعُهُ منَ القيامِ بالعملِ عُولِجَ مجّانًا حتى يشفى، ويُعْطَى لهُ تعويضٌ عن إصابته. وإذا مَنَعهُ عجزُهُ عن العملِ مَنْعًا كلّيًا تُعْطَى لهُ مَعونةٌ لا تصلُ إلى حدِّ أجرِهِ اليوميّ، وقد تصِلُ إلى 80 بالمائة من أجرهِ اليوميّ حتى يشفى. وإذا كانَ عجزُهُ دائميًا يُعطى 60 أوْ 70 بالمائةِ من أجرهِ الشهريّ الذي كانَ يتقاضاهُ. ويظلّ يأخُذُ هذا التعويضَ إلى أن يبلُغَ سنّ التقاعدِ، وهو سنّ الستين أو الخامسة والستين حسبَ نصوصِ القوانين. وإذا توفيَ العاملُ أثناء العمل يُعْطى لهُ تعويضٌ مُعَيّنٌ يُسلّمُ لأهلِه، ويكونٌ بنسبة السنوات التي خدمَهَا في المصلحَةِ أو المؤسّسةِ أو المصنع.
أمّا معاش الشيخوخةِ فيستحقّهُ كلّ مَنْ بَلَغَ سنّ التقاعُد وهو يباشرُ عمَلَهُ. والبلوغُ يتبَعُ نصوصَ القوانين التي تَعْتَبِرُ الستينَ أو الخامسةَ والخمسينَ. فكلّ مَنْ عَمِلَ وبلغ سنّ التقاعُد في أثناءِ العملِ يُعْطَى إكراميةً، وهيَ مَبْلَغٌ معينٌ يتناسبُ معَ سنّ الخدمة، أو معاشٌ شهريّ يُقدّرُ بنصف معاشهِ الذي كانَ يتقاضاهُ، أو أقلّ أو أكثر منَ النصف بقليلٍ، ويظلّ يأخذهُ إلى أنْ يموتَ. وإذا أُخرجَ قبلَ التقاعُد يُعطى أكرامية بنسبة سنِّي خدمتِه، ويقال لهذه الإكرامية تعويض صرف من الخدمة.
وفي بعضِ البلدانِ التي يُسبّبُ فيها تعطيلُ العمالِ عنِ العملِ أزمةً للمصانعِ وللدولةِ، كالولاياتِ المتحدةِ الأميريكيةِ، يُعْطَى العاطلونَ عنِ العملِ منَ العمّال الذينَ أُخرجوا منْ أعمالهمْ، معونةً محدودةً لا تصلُ إلى حدِّ أجْرهم اليوميّ. ويُعطى العاملُ كذلكَ يوم راحةٍ في الأسبوعِ، ومأذونيةً سنويّةً، وعطلةً بمناسبة الأعياد، وتدفع له أجرةُ كلِّ ذلك.
هذا مُجْمَلُ التأميناتِ الاجتماعيةِ التي تُعطى للموظفينَ العمّالِ. أمّا الذي يدفعُ جميعَ هذهِ التأميناتِ الاجتماعيةِ فهوَ المسْتَخْدِمُ، سواءٌ كانَ مؤسّسة أو مصنعًا أو مصلحة خاصّةً، أو الدولة. واهتمامُ الدولةِ ينحصر بِسَنِّ القوانينَ فقطْ، وهي لا تلتزم بالتأميناتِ لغيرِ موظّفيها وعمّالها الذينَ تستخدمهُمْ.
إن مصدرَ المال الذي تدفعُ منه الدولةُ التأمينات الاجتماعية لعمّالها يعودُ، في جزءٍ منه، إلى ما تقتطعُه من أجر العامل، ويتراوح ذلك بين 5% و10% من هذا الأجر، وتضيف الدولةُ إلى هذا الجزء المقتطع مبلغًا يماثله من خزينتها. ثم تستثمر كل ذلك بالربا. ومن هذا المبلغ المتجمع تدفع لعمالها أجورهم والتقديمات المستحقة لهم.
أما الموظفون فتدفعُ الدولة لهم من خزينتها تقاعدهم.
والمؤسسات الخاصة تفعل الشيء ذاته تقريبًا. إنها تقتطع من أجر العاملين لديها جزءًا يعادل 3% أو 5% تقريبًا، وتضيف إليه ما يقابله، ثم تستثمر هذا المال بالربا. وقد يضاف إلى ذلك ما يقدمه الأهالي من إعانات وتبرعات للعمال، وما تساهم به الدولةُ على سبيل المساعدة لهم. ومن هذا المال المتجمع تدفع التأمينات الاجتماعية للعمال.
وهكذا يُلاحظُ أن حصّةَ صاحب العمل في المساهمة بدفع هذه التأمينات مساويةٌ لحصة العامل.
هذا بالنسبة للعمال والموظفين.
أما الفقراء المحرومون فإنَّ النظام الرأسماليّ لا يهتمّ بتاتًا بتوفير المال اللازم لسدّ حاجاتهم الضرورية كالمسكن والمأكل والملبس، وذلك غير واردٍ أبدًا عند القيِّمين عليه. إنما يقتصر الأمرُ على توفير بعض الخدمات الصحية لهؤلاء الفقراء، والتعليم، والعناية ببعض العجزة والأيتام. وتأمين المال اللازم للقيام بذلك يتمّ عن طريق التبرعات والصدقات.
هذهِ هيَ خلاصةٌ عن ضمانِ الحاجاتِ الأساسيةِ في النظامِ الرأسماليّ، ولا يختلِفُ الأمرُ كثيرًا عن ذلك في نظام الاشتراكيةِ الدوليةِ، لأنه نظام رأسماليّ مُغَطّى بلفظِ الاشتراكيةِ. والدولة الاشتراكية تقومُ بهذهِ التأمينات نفسِها التي تعطى في النظام الرأسماليّ، وتزيدُ عليها بمنحِ العمّال نصيبًا في رأس المالِ، كما أنها تضعُ حدًّا أدنى لأجورِ العمّال، وحدًّا أقصى للمنحةِ والإجازَةِ، وتقيدُ الملكيةَ في كثير منَ المواطن، وتؤمّمُ بعضَ المصالحِ العامّةِ. فطريقتها في ضمانِ الحاجات الأساسيةِ طريقةٌ رأسماليةٌ معَ تغطيتِها بزيادةِ بعْضِ التدابير الاقتصادية.
ciloxan notice kobhvorlangtid.site ciloxan alkohol



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB