الإسلام وإيْديُولوُجيَّة الإنْسان
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   362
تاريخ النشر :   1989




أخْطار القروض الأجْنبيَّة

إنّ طريقَ القروضِ الأجنبيةِ، لتمويلِ المشاريعِ، أخطرُ طريقٍ تسلكُه البلادُ. وما استعمَرَتْ انكلترا مصرَ إلّا عنْ طريقِ الديونِ، وما احتلّتْ فرنسا تونسَ إلّا عنْ طريقِ الديونِ.
وقدْ كانت الدولُ الغربيةُ، قبلَ الحربِ العالميّةِ، تسلكُ أُسلوبَ إعطاء المالِ قرْضًا، ثمّ تدخلُ عن طريقِ الدّينِ لتتغلْغَلَ في البلادِ.
ففي مصرَ توالتِ القروضُ التي اقترضتها الحكومةُ بينَ سنة 1864 وسنة 1875 حتى بلغتْ نَحو خمسة وتسعينَ مليونًا. وجاءَتْ بعثةُ «كيف» سنة 1875 لفَحْصِ ماليّة مصر، واقترحتْ لضرورةِ إصلاحها إنشاءَ مصلحة للرقابةِ على ماليّتها، يخضَعُ الخديويّ فيها لمشورتها، ولا يعقدُ قرْضًا إلّا بموافقتها. وأُنشئَ صندوقُ الدين سنة 1886 لتسلّم المبالغ المخصصّة للديون منَ المصالح المحليّة. وتولى الرقابةَ على الماليةِ المصريّةِ مراقبان: أحدهما إنكليزي لمراقبةِ الإيراداتِ العامّةِ للحكومةِ، والآخرُ فرنسيّ لمراقبةِ المصروفاتِ. ثم تطوّرتِ الرقابةُ الثنائيةُ إلى تأليفِ وزارةٍ مختلطةٍ يدخلُها وزيرانِ أوروبيانِ، أحدُهُما بريطانيّ لوزارةِ الماليةِ، والآخرُ فرنسيّ لوزارةِ الأشغالِ... كل ذلك أدى إلى بسط الحماية من قبل إنكلترا على مصر.
وفي تونس اتجَه الباي (السلطان) هناكَ للاستدانةِ من أوروبا، وفي أقلَّ من سبعِ سنواتٍ بلغَ الدينُ مائةً وخمسينَ مليون فرنك، فاتخذت الدولُ الأوروبيةُ ذلك حجةً للتدخّلِ، وأقنعتْ فرنسا بتشكيلِ لجنةٍ ماليّةٍ، ووافَقَت إنكلترا وإيطاليا على ذلك. وصدَر مرسومٌ من الباي سنة 1870 بتشكيلها من فرنسيينَ وإنكليز وإيطاليين، يرأسها موظّفٌ تونسي، وجُعلَتْ مُهمّتُها توحيدَ الدين، وتحديدَ الفوائدِ، وإدارة المرافقِ التي خُصّصَتْ لهذا الدّينِ. وعن هذا الطريقِ وصلَ الفرنسيونَ لاستعمارِ تونس.
أمّا الطريقةُ التي تُعطى فيها القروضُ من قِبَلِ الدّولِ الغربيةِ اليوم، فتتمّ بإرسالِ خبراءَ لمعرفة مقدرة البلادِ الحالية، أي الإحاطةِ بأسرارِ البلادِ الاقتصادية، ثمّ تحدّدُ المشاريعُ التي تنفقُ عليها القروضُ. إنها تعطي الدينَ وتنتظرُ ارتباكَ الدولةِ، ثم تتخذُ من ذلكَ وسيلةً لوضْعِ يدها على البلاد. بلْ هي تحدّدُ الطريقةَ التي يحصُلُ بها الارتباكُ والفَقْرُ بعرْضِ مشاريعَ معينةٍ، وشروطٍ معينةٍ، حتى تؤدّي القروضُ إلى الفَقْرِ. وأحيانًا تعينُ موظفينَ من بلادها يشرفونَ على الإنفاق كما حصلَ في بعض البلدانِ. ولهذا لم تُنتِجِ القروضُ إلّا الفقرَ في البلادِ التي اقترضتْ، وأكبرُ دليلٍ على ذلكَ تركيا وأندونيسيا ومصر، فإنّ كلًّا منها أخذت تنفقُ أُلوفَ الملايينِ من الدولاراتِ على المشاريع، ومعَ ذلكَ فإنّ حالتَها الاقتصاديةَ في تأخّرٍ ملحوظٍ من جراء الديون الضاغطة عليها.
هذا في أندونيسيا ومصر بارزٌ من خلال جميع التقاريرِ الرسميةِ التي نقلتها وسائل الإعلام العالمية التي تُظهر أنّ القروضَ الأميريكيةَ لهذين البلدين كانتْ سببًا لتأخرهما اقتصاديًا، بدلَ أنْ تكونَ مُعينَةً لهُما. كما أنّ العديدَ من الرجالِ المسؤولينَ من الأميريكيينَ يصرّحونَ بأنّ قروضَهُمْ سببتِ الفَقْرَ للبلدانِ التي اقترضتْ منها.
ففي 12 تموز سنة 1962 ألقى القاضي وليام دوغلاس، أحدُ قضاةِ المحكمةِ العيا الأميركيةِ، خطابًا في اجتماعٍ ماسونيّ في سياتل أعلنَ فيه (بأنّ هناكَ دولًا كثيرةً ازدادتْ حالتها سوءًا، نتيجةً لتلقّيها مساعدةً أميركيةً). وقال: (لقدْ أصبحَ كبارُ المسؤولينَ في تلكَ الدولِ أثرياءَ نتيجةً للمساعدةِ الأميريكيةِ، وفي الوقتِ ذاته أخَذَ أفرادُ عامّةِ الشعبِ يهلكونَ جوعًا). وأضافَ يقولُ: (إنَّ الولايات المتحدةَ أخذت تفقدُ مكانتَها في الدولِ المتخلّفةِ اقتصاديًا، لقد كنا في عهدِ ترومان وايزنهاور نكافح الشيوعيّةَ خارجَ البلادِ بالطائراتِ والقنابل والبنادقِ والدولارات. وقد استخدمتِ المساعداتُ الماليّةُ لرفعِ مكانة الأقطاعيينَ وليسَ لتمويلِ أعمالِ الإصلاحِ. وقد صرِفت تلكَ المساعداتُ في مساندةِ زعماءِ الإقطاعِ لا في مساندةِ الشعبِ على تحقيقِ عدالةٍ اقتصاديةٍ).
فالقروضُ الأميريكيةُ إذًا، هي أُسلوبٌ لاستيلاءِ أميريكا على البلادِ، وبَسْطِ نفوذِها عليها، فقد جرّبَتِ المساعداتِ العسكريّةَ ففشلَتْ، واتخذَتْ أُسلوبَ المساعداتِ غير المشروطةِ فنجحت. ولقد وضحَ أن هذه المساعدات غير المشروطة تظلّ غيرَ مشروطةٍ، ما دامتْ جزئيّةً، ولكنها لا تظلّ كذلكَ عندما تقومُ نسبةٌ ما من مشاريعِ التنميةِ في الدولِ المتخلفةِ النمو، وعندما يرتبطُ تنفيذُ تلكَ المشاريعِ الحيويةِ ارتباطًا جَذْريًا باستمرار تلكَ المساعداتِ. بلْ تُقَيدُ بشروط تمكّنُ أميريكا مِنْ فرضِ نظامِها على تلكَ البلادَ، وبَسْطِ سيطرتِها عليها.
ولو فرضْنا جدَلًا، أنّ هذه القروضَ تُصْرَفُ للمشاريعِ الإنتاجيّةِ فإنّ خطرها على البلادِ باقٍ.
والقروضُ إمّا أنْ تكونَ قصيرةَ الأجلِ أو طويلةَ الأجلِ.
أمّا القروضُ القصيرةُ الأجلِ فإنّ المقصودَ منها ضَرْبُ عملاتِ البلادِ لإيجاد اضطرابٍ فيها، وحينَ تُسْتَحَقّ هذهِ القروضِ، لا يُقْبَلُ سدادها بعملَةِ البلادِ، بلْ لا بدّ أنْ يكونَ السدادُ إمّا بالدولارِ أو الجنيهِ الاسترليني، وكلاهُما من العملاتِ الصّعْبَةِ. وقد تعجزُ البلادُ عنِ التسديدِ بهذهِ العملاتِ لندرتِها لديها، أو لأنها في حاجةٍ لشراءِ ضرورياتٍ لصناعتِها، فتضطّر إلى شراءِ هذهِ العملاتِ بأسعارٍ عاليةٍ، بالنسبةِ لعمْلَتِها، وبذلكَ تُضْرَبُ عملاتُ البلادِ فتهبطُ قيمتها في السوقِ، وتضطرُّ حينئذٍ لأنْ تلتجئ إلى صندوقِ النقدِ الدوليّ، فيتحكّمُ حينئذٍ في عملتها حسب السياسةِ التي تراها أميريكا، لأنها هيَ التي تسيطرُ عليهِ وتملكَ أكثريةَ أسهمِهِ. أو تضطرّ لأنْ تعرِضَ سِلَعًا في الخارج بأسعارٍ رخيصةٍ فتخسرُ اقتصاديًا.
وأمّا القروضُ الطويلةُ الأجَلِ فإنها تُوضَعُ لآجالٍ طويلةٍ عنْ قصْدٍ، ويُتسَاهَلُ عندَ استحقاقِها، حتى تتراكم وتصبحَ مبالغَ ضخمةً، يضطربُ بسبَبِها الميزانُ الحسابيّ، وتعجزُ البلادُ عن تسدِيدها نَقْدًا أوْ ذَهَبًا أو أموالًا منقولةً، فتضطرّ لتسديدِها أموالًا غيرَ منقولةٍ، من عقاراتٍ وأراضٍ ومصانعَ. وبذلكَ تملكُ الدولةُ الدائنَةُ أملاكًا غيرَ منقولةٍ في البلادِ، وتصبحُ لها مصالحُ تُهيّئُ للتدخّلِ أو بسْطِ النفوذِ.
حتى لو لمْ تُتّخَذ القروضُ وسيلةً للاستعمارِ والاحتلالِ، فإنها حرامٌ: أولًا من حيثُ كونها ربا، وثانيًا للقاعدةِ الشرعيةِ القائلة: «كلّ فردٍ من أفرادِ المباحِ، إذا أوصلَ إلى ضررٍ، حُرمَ ذَلكَ الفردُ وبقي الشيءُ مباحًا».
ولكنْ إذا وقعَ على الدولة حادثٌ طارئ، كمجاعةٍ أو طوفان أو زلزالٍ، أو أيّ أمرٍ من الأمورِ التي لا تُنْتَظَرُ، ويخشى الفسادُ أو الهلاكُ، فتقترضُ الدولةُ حينذاكَ المالَ، وإنْ لمْ يُخْشَ مَفسدةٌ يؤخر الاقتراض. والرسولُ صلى الله عليه وآله وسلم اقترضَ وقالَ: «إنّ خيرَ الناسِ أحسنُهُمْ قضاء»، فكلّ مسلمٍ مُباحٌ له الاقتراضُ، إلّا أنْ يوصلَ قرضٌ من هذه القروضِ إلى ضررٍ، فيمنعُ ذلك القرض فقط، ويبقى حكمُ الاقتراضِ مباحًا.
أمّا بالنسبةِ للدولةِ فإنّ الشرعَ قد عينَ حقوقَ بيتِ المالِ، وعينَ الحقوقَ التي على بيت المال: كلّ مالٍ لم يتعينْ مالكهُ فهوَ من حقوق بيتِ المال، وكل مالٍ وجب صرفُهُ في مصالحِ المسلمينَ فهو حقّ على بيتِ المالِ.
وعلى هذا فالفردُ مُباحٌ لهُ الاقتراض إلّا في وضعٍ معينٍ يُوصِلُ إلى ضررٍ. وأمّا الدولةُ فمباحٌ لها الاقتراضُ إذا لم يوجدْ في بيتِ مالِ المسلمينَ مالٌ، وكانتِ المصلحةُ تفرضُ عدمَ التأخير.


التسهيلات الائتمانية:
إن التسهيلاتِ الائتمانية تَعني استيرادَ الآلات والأدواتِ اللازمةَ للمشاريع بثمن مؤجَّل، ولا تُعتبر من القروض الأجنبية، بل هي من التجارة الخارجية. فيجوز أخذ هذه الآلات أو الأدوات بثمن مؤجَّل أكثر من ثمنها الحالي على أن لا يكون بمعاملة رِبا، بل بمعاملة بَيع. بمعنى أنه لايصح أن تُشترى الآلات بثمنها الحالي، ويُكتب الدَّينُ على المشتري بالثمن وبفائدته، كما هو جارٍ الآن، وإنما تُشترى بثمنها نسيئةً ـــــــ أي مؤجَّل الدفع ـــــــ ويُقدَّرُ بأكثر من ثمنها الحاليّ، أي أن يجعل للسلعة ثمنان: ثمن معجَّل إذا دفع حالًا، وثمن مؤجَّل، إذا أخذ دينًا لأجل معيَّن. وحينئذٍ تُشترى السلعةُ بالثمن المؤجَّل ويُكتب السند بهذا الثمن المؤجل لا بالثمن الحاليِّ مع فائدةٍ معينة تُضاف إليه.
هذه المعاملة من التسهيلات الائتمانية جائزةٌ شرعًا. ويجوز لصاحب السلعة أن يجعل لسلعته ثمنَين، ثمنًا حاليًا وثمنًا مؤجَّلًا أجلًا واحدًا معينًا، أو ثمنًا بالتقسيط وآجال عدّة.
ولذلك يجوز أن يُساوِم البائعُ المشتريَ بأي الثمنَين يَقبل الشراء، ويجوز أن يساوم المشتري البائعَ بأي الثمنَين يَقبل البيع. وهذه كلها مساومة على الثمن وليست بيعًا. فإذا اتَّفقا على سعرٍ معين وباع البائع المشتري بالسعر الحالي فقبل المشتري، أو باعه بالسعر المؤجل فقبل المشتري، فإن ذلك صحيحٌ لأنه مساومة على البيع وليس بيعًا، والمساومة جائزة، لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ساوم. فقد روي عن أنس: «أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم باع قدحًا وحِلسًا بثمن يزيد» أي بالمزايدة، وبيعُ المزايدةِ مساومة.
أمَا وقد ثبت أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قد ساوم، فيجوز للدولة وللأفراد في موضوع التسهيلات الائتمانية أن يساوموا البائعين على ثمن السلعة معجَّلًا ومؤجَّلًا، وأن يشتروها مؤجَّلًا بثمن أكثر من المعجَّل، ويجوز أن يُكتب السندُ بالثمن المؤجَّل.
وكذلك يجوز لهم أن يشتروا السلعة بثمَنين: أحدهما نقدًا والآخر نسيئةً. فلو قال المشتري للبائع: اشتريت هذه السلعة نقدًا بخمسين، ونسيئةً بستِّين. فقال البائع: بعتها نسيئةً بستين، أو قالَ بعتها نقدًا بخمسين، صحَّ البيع.
وكذلك لو قال له: اشتريتُ هذه السلعة نسيئة بستين، وبزيادة عشرة على ثمنها الحاليّ لأجل تأخير دفع الثمن، فقال البائع: قَبِلْتُ، صحَّ البيع أيضًا.
فالتسهيلات الائتمانية جائزة إذا حصلت على هذا الوجه، وكانت من هذا القبيل، أي أن لا تكون بمعاملة ربوية بل بمعاملة بيع. لأنه يجوز في عقد البيع جعل ثمنَين للسلعة الواحدة: ثمن حاليّ وثمن مؤجَّل، لعموم الأدلة الواردة في جواز البيع. قال تعالى: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ} (سورة البقرة: الآية 275) وهذا عامّ. فما لم يَرِدْ نصٌّ شرعيٌّ على تحريم نوعٍ معيَّنٍ من البيعِ فإنّ البيع يكون حلالًا، لأن قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ} يشمل جميع أنواع البيع، ويجعلها حلالًا، إلا الأنواع التي ورد نص في تحريمها، فإنها تصبح حرامًا بالنص، مستثناةً من العموم.
ولم يَرِدْ نصٌّ بتحريم جعلِ ثمنَين للسلعة: ثمنٌ معجَّل وثمن مؤجَّل، فيكون ذلك حلالًا، أخذًا بعموم الآية.
وأيضًا فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما البَيْعُ عَنْ تَراضٍ»، والمتبايعان هنا كانا بالخيار وتمَّ البيع بينهما بالتراضي. وقدنصَّ جمهرةُ الفقهاء على أنه يجوز بيع الشيء بأكثر من سعرِ يومه لأجل النساء أي لأجل تأخير دفع الثمن.
وما رواه أحمد في قوله: «نَهَى النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم صفقَتين في صفَقة» فالمراد منه وجود عقدين في عقد واحد. كأن يقول البائع: بعتك داري هذه على أن أبيعك داري الأخرى بكذا، أو على أن تبيعني سيارتك، فهذا لا يصحّ. لأن قوله: بعتك داري عقد، وقوله على أن تبيعني دارك عقد ثان، وقد اجتمعا في عقد واحد، فهذا لا يجوز.
وليس المراد النهيُ عن زيادة الثمن لأجل تأخير الدفع، ولا جعل الإيجاب على ثمنَين والقبول على أحدهما معينًا.
وأما ما رواه أبو داود من أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَن باع بيعتَين في بيعة واحدة فلَه أَوْكَسُهُما أو الرِّبا»، فإن معناه أن يحصل بيعان في سلعة واحدة، بأن يبيع شخصٌ لآخر سلعة بثمن إلى أجل، ثم عند حلول الأجل وعدم دفع الثمن يؤجِّل البائع الثمنَ إلى أجل آخر، بزيادة على الثمن المسمَّى سابقًا، أي أن يُعتبر ثمن السلعة ثمنًا أزيد لأجَلٍ ثانٍ، فيكون قد باع بيعَتين في بيعةٍ واحدة. أو أن يبيع شخصٌ لآخر سلعة بثمن معيَّن فيشتري هذه السلعة، ثم يطلب تأجيل دفع الثمن إلى أجل معيَّن، فيقبل البائع ويبيعه السلعة بيعًا ثانيًا بثمن أكثر إلى أجل مسمى، أي يزيد الثمن ويُنسِئ الأجل. فهذا وأمثاله بيعتان في بيعة واحدة فله أوكسُهما، أي أنقصهما، وهو الثمن الأول، وإلَّا فيكون قد أخذ الرِّبا.
وقد جاء في كتاب (شرح السنن) لابن رسلان في تفسير هذا الحديث: «وهو أن يُسلفه دينارًا في قفيز حنطة إلى شهر، فلما حل الأجل وطالبه بالحنطة قال يعني القفيز الذي لك عليَّ إلى شهرين بقفيزين، فصار ذلك بيعتَين في بيعة، لأن البيع الثاني قد دخل على الأول فَيُردُّ إلى أوكسِهما وهو الأول». ومهما قيل في تفسير هذا الحديث فإن منطوقه ومفهومه يعنيان حصول بيعتَين في بيعة، أي حصول عقدَي بيعٍ في عقدِ بيعٍ واحد، وليس بيعًا واحدًا بثمنَين في عقد، ولا هو عقدٌ واحدٌ على ثمنَين. وذلك لا ينطبق على البيع بالدَّين، أي لا ينطبق على التسهيلات الائتمانية التي تعني شراء الآلات والأدوات بثمن مؤجَّل على أن يكون أكثر من الثمن الحاليّ.
وعلى ذلك فإن التسهيلات الائتمانية جائزة لأنها من التجارة، فهي تدخل تحت أحكام البيع ولا تدخل تحت أحكام القروض، لأنها شراء سلع بثمن مؤجل، أي بالدين، والحُكم الشرعيُّ بشأنها هو الحُكم الشرعيُّ للبيع بثمن مؤجَّل، بخلاف القروض فإنها أخذُ مالٍ دينًا لأجلٍ معيَّن، سواء أُخِذَ القرضُ نقدًا أجنبيًا أو محليًا، أو أُخِذَ سِلَعًا بثمن، ثم كُتِبَ هذا الثمنُ على الآخِذ دينًا لأجل، فكلُّ ذلك قروض.
هذه القروض ثبت خطرُها على البلاد، ولذلك كانت حرامًا، عملًا بقاعدة: «كلُّ فرد من أفراد المباح إذا أوصلَ إلى ضرر حُرمَ ذلك الفردُ وبقي الشيءُ مباحًا»، أي حَرُمت هذه القروض المضرَّةُ فقط.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB