الإسلام وإيْديُولوُجيَّة الإنْسان
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   362
تاريخ النشر :   1989




التسعير

إننا نسمع الكثيرَ منَ الناسِ يُلِحُّونَ على الدَّولةِ أنْ تُبادِرَ بتسعيرِ السّلَعِ نظرًا لما يلمسونَهُ منَ الواقِع السيّئ في ظلِّ النظامِ الرأسماليِّ الذي يحمي الغبنَ والغشَّ والتدليس ، وظنًّا منهم أنّ التَّسْعيرَ يكونُ لمصلحةِ المستهلكِ، وجهلًا منهم بالحكم الشّرعيِّ.
إنّ اللهَ سبحانَهُ وتعالى جعلَ لكلِّ شخصٍ أنْ يبيعَ سلعتَهُ بالسّعرِ الذي يرضاهُ هُوَ نَفْسُهُ، قالَ الرّسُولُ صلّى الله عليهِ وآله وسلّمَ: «إنما البيعُ عن تراضٍ». وقد حَرَّمَ اللهُ سبحانَهُ وتعالى على الدولةِ أنْ تَضَعَ أسعارًا معينَةً للسّلَع تُجْبِرُ الناسَ على البيعِ والشراءِ بحسبها.
والتسعيرُ هو أَنْ يأمرَ الحاكمُ أوْ نُوّابُهُ أوْ موظفوه أهلَ السّوق أن لا يَبيعوا السّلعَ إلا بسعرٍ معينٍ، فيُمنعون من الزيادَةِ عليه حتى لا يُغلوا الأسعارَ، ومن إنقاصه حتى لا يضاربوا غيرَهُمْ، أيْ يمنعونَ من الزّيادَةِ أو النقصِ عن السّعرِ المقرّرِ لمصلحةِ الناسِ.
وقد حرَّمَ الإسلامُ التّسْعيرَ مطلقًا. رويَ عن أنسٍ أنه قال: «غلا السّعرُ على عَهْدِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلّمَ فقالوا: يا رسولَ اللهِ لو سعَّرْتَ. فقالَ: إنَّ الله هو القابضُ الباسطُ الرّازِقُ المسَعِّرُ، وإني لأرْجُو أنْ ألقى الله عزَّ وجلَّ ولا يطلبني أحدٌ بمظلَمَةٍ ظَلَمْتُها إياهُ في دمٍ ولا مالٍ». وجاءَ رَجُل إلى رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: يا رسولَ اللهِ سعِّر، فقالَ صلى الله عليه وآله وسلم: «بل أدعو الله». ثم جاء آخرُ فقالَ يا رسولَ اللهِ سعِّرْ فقال: صلى الله عليه وآله وسلم: «بل اللهُ يخفضُ ويرفعُ».
هذه الأحاديثُ تدلُّ على تحريم التّسعيرِ وأنهُ مظلمةٌ من المظالم التي ترفع الشكوى بشأنها على الحاكم لإزالتِها، وإذا فَعَلَهَا الحاكمُ أثِمَ عندَ اللهِ لأنّهُ فَعَلَ حرامًا، وكانَ لكلِّ شخصٍ من رعيتهِ أنْ يَرْفع الشكْوى إلى محكمةِ المظالم على هذا الحاكِمِ الذي سعَّرَ لِتَحْكُمَ عَلَيْهِ وتقومَ بإزالةِ هذه المظْلَمَةِ.
وتحريمُ التسْعيرِ عام لجميعِ السّلعِ لا فرقَ في ذلكَ بينَ ما كانَ قوتًا وما لمْ يكنْ كذلك، لأنَّ الأحاديثَ تنهى عن التسعيرِ مُطلقُا، فهي عامَّةٌ ولا يوجدُ ما يخصّصُهُ بالقوتِ أوْ بغيرِهِ، وكانت حرمةُ التسْعِيرِ عامَّةً تشملُ تسعيرَ كلِّ شيءٍ.
والتسعيرُ ضررٌ من أشَدِّ الأَضرارِ على الأمّة في جميع الظّروفِ، سواء أكانَ ذلكَ في حالةِ الحربِ أمْ في حالَةِ السّلْمِ، لأنّهُ يَفْتَحُ سوقًا خفيةً، يُسَمُّونَها السّوق السوداء، يبيعُ الناسُ فيها بَيْعًا مَسْتورًا عن الدّولةِ بعيدًا عن مراقبتِها. فترتفعُ الأسعارُ ويحوزُ السّلعةَ الأغنياءُ دونَ الفقراءِ. كما أنَّ تحديدَ الثّمنِ يؤثّرُ على الاستهلاكِ وعلى الإنتاجِ، وربّما سببَ أزمةً اقتصاديةً. وفوقَ ذلكَ فإنَّ الناسَ مُسلّطونَ على أموالِهِمْ لأنّ معنى ملكيتِهِمْ لها أنْ يكونَ لَهُمْ سلطانٌ عليها، والتسْعِيرُ حجر عَلَيْهِم، وهو لا يجوزُ إلا بنصٍ شرعيّ ولم يردْ نصٌّ بذلك، فلا يجوزُ الحَجْرُ على الناس بوضعِ ثمنٍ مُعَينٍ لِسِلَعِهِمْ ومنعهم من الزيادة عليه أوِ النقصِ عنه. أمّا ما يحصلُ من غلاءِ الأسعارِ في أيّامِ الحروبِ أو الأزمات السيّاسيةِ فإنهُ ناتجٌ من عدمِ توفّر السلع في السّوق بسبب احتكارها، أو بسبب نُدْرَتِها. فإنْ كانَ عدمُ وجودِها ناتجًا عن الاحتكار فقد حَرّمَهُ اللهُ، وإنْ كانَ ناتجًا عن نُدْرتِها فإنَّ الخليفَةَ مأمورٌ برعايةِ مصالحِ الناسِ، وعليه أنْ يسعى لتوفيرِها في السّوق بجَلْبِها من أمكِنَتِها، وبهذا يكونُ قد منعَ الغلاء. هذا ما فعله الخليفة عمرُ بنُ الخطّابِ رضي اللهُ عنه في عامِ المجاعةِ الذي سُمّيَ عامَ الرّمادةِ، وكانت قد حصلت تلك المجاعةُ في الحجازِ فقط لندرةِ الطّعامِ في تلكَ السّنَةِ هناك، فغلا من جَرّاءِ نُدْرَتِهِ، فَلَمْ يَضَعْ عمر رضي الله عنه أسعارًا معينَةً للطّعامِ بلْ عمد إلى جَلْبِهِ من مِصْرَ وبلادِ الشّامِ إلى الحجازِ، فرخصَ دونَ حاجةٍ إلى التسعيرِ.
ciloxan notice ciloxan bivirkninger ciloxan alkohol
amantadin cena amantadin biverkningar amantadin nedir



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB