الإسلام وإيْديُولوُجيَّة الإنْسان
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   362
تاريخ النشر :   1989




الرهنْ

كثيرًا ما يقترضُ الناسُ بعضُهم من بعضٍ نقدًا لأجَلٍ، أو يشترونَ سلعةً مُعَجّلَةَ الأداء أو التسليم بثمنٍ مُؤجّلٍ، أو يستأجرونَ دارًا أو سيارةً أو دابةً بأجرةٍ مؤجّلةٍ، أو يطبعونَ كتابًا بأجرةٍ مؤجّلةٍ، أو يستصنعونَ شيئًا كخزانةٍ أو حذاءٍ مثلًا بثمنٍ مؤجّلٍ، على أن يكونَ دينًا لصاحبِ السلعةِ أوِ الدارِ أو السيارةِ أو المطبعةِ أو المصنَعِ أو غيرِ هؤلاء. ولأجْلِ أن يستوثقَ الدائنُ أوِ البائعُ أوِ المؤجّرُ إلخ... من استيفاء دَينهِ يطلبُ رَهنًا فيرهَنُ المدينُ عندَ الدائنِ شيئًا يأمَنُ بهِ على دَينِهِ. ونظرًا لرغبةِ الناس في الربحِ، فإنهم يحرصونَ على أن ينتفعَ المرتهنُ بالعينِ المرهونةِ فيشترطونَ عندَ الرّهنِ الانتفاعَ بالعينِ المرهونةِ. وقد يتفِقُون منْ غيرِ شرط، وقد يكونُ ذلكَ بإذنِ الرّاهنِ، وقد يكونُ بغيرِ إرادتِه. وكثيرًا ما يُقدِمونَ على هذا العمَلِ دونَ أن يفكّروا في جوازِ ذلكَ شرعًا، أو عدَمِ جوازهِ، حيثُ تركّزَتْ في أذهانهم النّفعيّةُ الرأسمالية. مَعَ أنّ الواجبَ على المسلمِ أنْ يُوَفّقَ بينَ أعمالِه وأوامرِ اللهِ ونواهيهِ، ويتقيدَ بالأحكامِ الشرعيةِ، فما كانَ حلالًا فَعَلَهُ، وما كانَ حرامًا تركَهُ. لأنّ مقياسَ المسلمِ في أعمالهِ طاعةُ أوامرِ اللهِ ونواهيهِ، وغايتُه من هذهِ الحياة نَيْلُ رضوانِ اللهِ لا كَسْبُ المالِ كَيْفَما كانَ الكسْبُ.
والرهنُ من الأحكامِ الشرعية، والانتفاعُ بالمرهونِ حكمٌ من أحكامِ الرهن. والحكمُ الشرعي أن الرهْن جائزٌ بنصّ القرآن والحديثِ. قالَ تعالى: {وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} (سورة البقرة: الآية 283). ورُويَ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم: «اشترى من يهوديّ طعامًا ورهنه دِرْعَه».
والرهْنُ في الشرعِ تقديم شيءٍ بمنزلة وثيقةٍ بالدّين ليستوفيَ الدّائنُ حقّه من ثمنِه إذا تعذرَ استيفاؤهُ منَ المدينِ. ولا بُد أنْ يقبِضَ المرتهنُ الرهنَ، إذ لا يصحّ الرهنُ إلّا أن يكونَ مقبوضًا. ولكنْ تختلِفُ كيفية القَبض باختلاف نوع العَين، فإنْ كانت العينُ المرهونةُ مما يُنقلُ كالدّابة والسيارة فقبض المرتهن للرهْن أخذهُ إياهُ منقولًا، وإن كان الرهنُ مما لا يُنقلُ كالدّار والأرض فقبضهُ تخْليةُ راهنِه بينهُ وبينَ مرتهنه بدونِ حائلٍ، فيفْتحُ لهُ بابَ الدار أو يسلمُه المفاتيحَ، أو يخلي بينهُ وبينَ الأرض. ولكنْ لا يعني تسلّم المُرتهنِ الرهْن وجعلهُ تحت يده، أن ينْتفِعَ بهِ، بلْ هو لمجرّد اطمئنانِه على دينِه فقطْ، ويبقى الرهنُ لمالكِه، ولو استحقّ دينُ المرتهنِ على الراهنِ.
وقدْ كانَ المرتَهِنُ في الجاهليةِ يتملّكُ الرّهْنَ، إذا لمْ يؤدِّ الراهنُ إليهِ ما يستحقّهُ في الوقْتِ المضروبِ، فأبْطَلَ الإسلامُ ذلك. قال صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يغلقُ الرّهْنُ منْ صاحبهِ الذي رهَنَهُ، لَهُ غنمُهُ وعليهِ غُرْمُهُ». فقولُ الرسولِ «لا يغلِقُ الرهنُ من صاحبهِ»، أي لا يستحقّ المرتَهِن الرّهْنَ، إذا لمْ يفكّهُ صاحبهُ في الوقْتِ المشروطِ. فتبقى العينُ المرهونةُ مُلْكًا للرّاهنِ، وتبْقى مَنْفَعَتُها مُلكًا لهُ، لأنّها غُنمهُ كما دلّ على ذلك قولُ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
وعلاوةً على ذلكَ فإنّ المنفَعَةَ نماءٌ للعينِ المرهونَةِ، سواءٌ كانتْ منفعةً كسُكنى الدّارِ أو عَيْنًا كثمرِ الشّجَرِ، فهيَ ملكٌ للراهن لمْ يُعْقَدْ عليها عَقْدُ الرّهْنِ ولمْ تكنْ رهنًا.
وما دامَتِ المنفَعَةُ ملكَ الرّاهنِ فإنّ لهُ أنْ يستوفيَها. فمن حقّه أنْ يؤجّرَ الدّارَ المرهونَةَ، مثلًا، وأنْ يستوفيَ أُجرَتَهَا، سواءٌ أجّرَها للمرتَهِن أو لغيرِهِ. ولا تكونُ هذهِ الأجرةُ رَهْنًا، بلْ تكونٌ مُلْكًا للرّاهنِ. وهي لا تَتْبَعُ الرّهْنَ، لأنها ليستْ من توابِعِ العقارِ التي تدخلُ في البَيْعِ، دونَ ذكْر، كمفاتيح الدّار. وبناءً عليهِ فليسَ للمرتهِنِ الانتفاعُ بالعين المرهونَةِ بحجّةِ أنها مرهونةٌ لهُ، أو أنها تَحْتَ يدهِ، بلْ تبقى منْفَعتُها لصاحبِها. ولمـــّا كانتْ مَنْفَعَةُ العينِ لمالِكها فإنّ لهُ أنْ يهبَ هذهِ المنفَعَةَ، كما أن لهُ أنْ يهبَ العينَ، ولهُ أنْ يأذَنَ لمنْ يشاءُ بالانتفاعِ بالعينِ. والسؤالُ الذي يرِدُ هنا:
هلْ يجوزُ للمرتهنِ أنْ يَنْتَفِعَ بالعين بإذن الرّاهن أمْ لا؟
والجوابُ على ذلكَ فيهِ تفصيلٌ، وهو أنّهُ إنْ كانَ الرهْنُ بثمَن بَيعٍ، أو أُجرَةِ دارٍ، أوْ أيّ دَينٍ غيرِ القَرْض، جاز للمرتهن الانتفاعُ بالعينِ المرهونَةِ بإذنِ الرّاهنِ، وذلكَ لأنّها مُلكهُ ولهُ أنْ يأذَنَ لَمن يشاءُ الانتفاعَ بها ـــــــ ويشملُ ذلك المرتهن ـــــــ ولا يوجدُ نَصّ يمنَعُ ذلكَ، ولأنّهُ يجوزُ للبائعِ أنْ يزيد الأجرة إذا كانتْ لأجَلٍ، فيجوزُ للراهن أنْ يأذَنّ بالانتفاعِ بالعينِ، زيادةً على ثمن المبيع أو أُجرةِ العين المستأجَرَةِ.
أما إذا كانَ الدّينُ قَرْضًا، كأنْ يقرض إنسانٌ لآخرَ ألْفًا لسنة، ويرهن هذا عندهُ دارَهُ ويأذن لهُ بالانتفاعِ بالرّهْن، فإنّهُ لا يجوزُ للمُرْتهِنِ في هذه الحالةِ الانتفاعُ بالعَين المرهونةِ ولو أذن الرّاهِنُ. لأنّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يقولُ: «كلّ قَرْضٍ جَرّ نَفْعًا فهوَ رِبا». وهذا القرْضُ جَرَّ مَنْفَعَةً للمُقرِضِ بانتفاعه بالعين المرهونَةِ فهوَ رِبا. والرّبا حرامٌ. وعليهِ فإنّ الرّهْنَ في حالةِ القرْضِ يحرُمُ على المرتهنِ فيهِ الانتفاعُ بالعينِ المرهونةِ ما دامَ الانتفاعُ بها دونَ عِوَضٍ.
أمّا إنْ كانَ الانتفاعُ بِعِوَضٍ، كما لوْ أجَّرَ الرّاهنُ المرتهِنَ الدّارَ بعوَضٍ، فإنّهُ يجوزُ الانتفاعُ بها في القرْضِ وغيرِهِ، لأنّهُ لمْ ينْتَفِعْ بالقَرْضِ بل بالإجارةِ، على شرْطِ أنْ يكونَ ذلكَ بأجرةٍ منْ غيرِ محاباةٍ. وإنْ حاباهُ في ذلكَ فحكمهُ حُكْمُ الانتفاعِ بغيرِ عِوَضٍ، وهو لا يجوزُ في القَرْضِ، ويجوزُ في غيرِهِ. وهذا كلّهُ فيما لا يحتاجُ إلى نَفَقَةٍ يتوقّفُ عليها بقاءُ حياتِه. أمّا إنْ كانَ الرّهْنُ عيْنًا تحتاجُ إلى نَفَقَةٍ يتوقّفُ عليها بقاءُ حياتها، كالدابّةِ التي تُركبُ، والبقرةَ أوِ الشّاة التي تُحْلَبُ، فحُكْمُها كحكمِ ما لا يحتاجُ إلى نَفَقَةٍ في إذْنِ الرّاهنِ. إنّ المرتهنَ يستطيعُ أنْ ينتفِعَ برُكُوبِ الدابّةِ وحليبِ الشّاةِ أوِ البقرةِ، بإذْنِ الرّاهنِ بغيرِ عِوَضٍ في غيرِ القرْضِ. وأما الانتفاعُ بِعِوَضٍ كاستئجارِ الدابةِ أوِ البقَرَةِ فجائزٌ في القرْضِ وغيرهِ على شرْطِ عدم المحاباةِ.
وأمّا الانتفاعُ بما يحتاجُ إلى نَفقَةٍ وهو الدابّةُ التي تُرْكَبُ والشاةُ التي تُحْلَبُ بغيرِ إذْنِ الرّاهنِ، فإنّ للمرتَهِن أنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ ويركَبَ ويحْلِبَ بقَدَرِ نَفَقَتِهِ، متحرّيًا العَدْلَ في ذلكَ، لوُجودِ النصّ الشرعيّ في هذا. قالَ صلى الله عليه وآله وسلم: «الظّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إذا كانَ مرهونًا، وعلى الذي يرْكَبُ ويشْرَبُ النّفَقَةُ» وفي روايةٍ: «إذا ارتَهَنَ شاةً شرِبَ المرتَهِنُ منْ لبنِها بقَدَرِ عَلَفِها فَإنْ استُفْضِلَ مِنَ اللّبَنِ بَعْدَ ثَمَنِ العَلَفِ فهوَ رِبا»، ويُقاسُ على هذا كلِّه ما تحقّقَتْ فيهِ النفَقَةُ مما يتوقّف بقاءُ حياتِه عليهِ كالأنعامِ والشّجَرِ.
أمّا ما لا يتوقّفُ بقاءُ حياتِه على النَفَقَةِ كالسيّارةِ في البنزينِ، والدّار في إصلاحها، والأرضِ في حَرْثِها، وما شاكلَ ذلكَ ممّا يحتاجُ إلى مؤونةٍ، فإنهُ لا يُقاسُ على ما يُرْكَبُ وما يُحْلَبُ، لانعدامِ وجودِ النفَقَة التي يتوقّفُ عَلَيْها بقاءُ حياتِه، بلْ هوَ داخلٌ في حكمِ المرهونِ الأوّلِ، وهو غيرُ ما يُرْكَبُ ويُحْلَبُ.
هذا حكمُ الرّهْنِ، ومنهُ يتبينُ أنّ ما اعتادَ الناسُ فْعْلَهُ منْ إقْراضِ المالِ وأخْذِ رهنٍ للانتفاعِ بهِ، بإذن الرّاهنِ أوْ بغيرِ إذْنهِ، بشرْطٍ أو بغيرِ شرْطٍ، حرامٌ شرْعًا لقولِهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «كلّ قرضٍ جرّ نَفْعًا فهو رِبا».



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB