الإسلام وإيْديُولوُجيَّة الإنْسان
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   362
تاريخ النشر :   1989




الشركاتُ في الإسْلام

ينْدَفِعُ الناسُ في التجارَةِ والزّراعةِ والصنّاعةِ إلى تجْميعِ أبْدانٍ وأمْوَالٍ وأشْخاصٍ، أي إلى تأسيس شركاتٍ فيما بيهم، مِنْ أجْلِ تكْثيرِ أرْباحِهِمْ. ومُنْذُ أنْ طُبقَ علينا النّظامُ الرأسمالي انصرفَ الناسُ إلى تكوينِ الشركاتِ بحسبِ أحكامِهِ، وأعْرَضوا عَنْ أحْكامِ الإسْلامِ. ومِما ساعدَ على ذلكَ الغزْوُ الثّقافيّ والتّبْشيريّ الذي قام به الغرْبُ وثبّتَ فيه مفاهِيمَ مَغْلوطةً عنِ الإسلامِ، فِكْرِيّةً وتشْرِيعيّةً، ومِنْ هذهِ المفاهيمِ ما أصبحَ شائعًا عندَ المسلمينَ من أنّنا نأخُذُ مِنَ الغَرْبِ ما يُوافِقُ الإسلامَ. ونشأتْ مِنْ هذا المفْهُوم أحْكامٌ تخالِفُ الإسلامَ ولا يجوز العمل بها إطلاقًا.
وشَجْعَ ذلكَ ما ثبّتهُ علماءُ السّوء وجَهَلَةُ المشايخِ مِنْ تأويلاتٍ للأنْظِمَةِ الرأسماليةِ تبريرًا لأخْذِها والعملِ بها عندَ الذينَ يقفُون في حُدودِ الشكليّات مِنَ المسلمينَ. ومنْ هذهِ الأحْكامِ أحْكامُ الشركاتِ فَقَدْ وقعَ المسلِمونَ فيها بشكلٍ فظيع، وساروا فيها بجملتِهمْ وَفْقَ أحكام النّظام الرأسمالي، فألّفُوا شركاتِ التّضامُنِ وشركاتِ التوْضِيةِ والشركاتِ المساهِمة، والشركاتِ المغْفَلَة، والشركاتِ التعاونيّةِ وغيرها، وبعدوا عن أحكامِ الشركاتِ في الإسلام. وقد سارُوا بذلك باخْتِيارهم، باعتبار أنّ هذه الأحكام صالحةٌ لمعاملاتهم، مُنظّمةٌ لعلاقاتهم، رافعةٌ للنزاعِ فيما بينهم. لذلك لم يكن بُدّ مِنْ تنْبيهِ المسلمينَ إلى التقيّدِ بأحْكامِ الإسلامِ، والابْتِعادِ عمّا خَضَعُوا له مِنْ خصائِصِ النظامِ الرّأسمالي، لأنها أحْكامٌ غير شرعيّة يُحَرَّمُ على المُسلمِ أنْ يُطبقها على نفسهِ أو أنْ يرضى تطْبيقها، لا سيما بعدَ أن وضحَ للمسلمينَ أنّ الحُكمَ الشرعيَّ هو ما اسْتُنْبِطَ من الكتابِ والسنةِ باجْتِهادٍ صحيحٍ. وأمّا ما جاء في أحكام الأنْظِمةِ الأخرى فلا يجوزُ العملُ بها سواء وافَقَتِ الإسلامَ أمْ خالَفَتْهُ، لأنّنا مأمُورُونَ بأخْذِ الإسلامِ لا بأخْذِ ما يٌوافِقُهُ مِنْ غيره بعيدًا عن الصِّلة بالله العلي العظيم وعمّا أنزله على رسوله الكريم. 
حكم الشركة في الإسْلام

الشركة هي عقد بين اثنين أو أكثر للقيام بعمل معين بغية تحقيق الربح. والشركةُ ثابتةٌ في الكتابِ والسنةِ. قال تعالى: {فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ} (سورة النساء: الآية 12) وقال: {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} (سورة ص: الآية 24) والخلطاءُ هُمُ الشركاءُ. ورُويَ عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّهُ قالَ: «أنا ثالثُ الشريكينِ ما لم يَخُنْ أحدُهما صاحبَهُ، فإنْ خانَ صاحبهُ خَرَجْتُ مِنْ بينهما ودَخَلَ الشّيْطانُ». وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «يدُ الله على الشريكين ما لم يتخاوَنا».
وتجوزُ الشركةُ بينَ المسلْمينَ مَعَ بعْضِهِم، وبينهم وبينَ غيرِهم. ولكنْ لا تصحّ الشركةُ إلّا من جائزِ التصرّفِ، لأنها عَقْدٌ على التصرّفِ في الحالِ فلا يصحّ هذا العقد مِنْ غير جائزِ التصرّفِ في الحال. ولذلك لا تجوزُ شركةُ المحجورِ عليهِ والمجنون والصغير وكلّ مَنْ لا يجوزُ تصرّفُهُ.
والشركةُ نوعان: شركةُ أملاك وشركةُ عقود. وتعتبر شركةُ العقود مَوضِعَ البحث في تنميةِ الملكِ.
وقد تبيّنَ من اسْتِقْراءِ الشركاتِ في الإسلام، وتتبعها وتَتَبع الأحكامِ الشّرعيةِ المتعلّقَةِ بها، أنّ شركاتِ العُقودِ تَنْدَرِجُ جميعُها تحتَ خَمْسةِ أنْواع: شركة العنان والأبدانِ والوجوهِ والمضاربةِ والمفاوضة. وفيما يلي مجمَلُ أحْكامِها:


شرِكة العِنان:
هيَ أنْ يَشْترِكَ شخْصانِ بمالهما، على أنْ يَعْملا فيها ببدنيهما ويقتسمان الربحَ بيْنهما. وسُمّيتْ شركة عنان لأن الشّريكين يتساويان بالمسؤوليةِ والتصرّفِ. وهذهِ الشركةُ جائزةٌ بالإجماع، والناسُ يشترِكونَ بها مُنْذُ أيام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
ويُشْترَطُ أنْ يكونَ رأسُ المالِ معلومًا يمكنُ التصرّفُ به في الحال. فلا تجوزُ الشركةُ على رأسِ مالٍ مجهول، ولا تجوزُ بمال غائب، أو بدَيْن، لأنه لا بُدّ مِنَ الرّجٌوع لرأس المال عند المفاصلة، ولأن الدينَ لا يمكن التصرف به في الحالِ، وهو مَقْصُودُ الشركة.
ولا يُشترَطُ تساوي الماليّة في القَدْرِ، كما لا يُشترَطُ أنْ يكونَ المالانِ المقدمان من الشريكين مِنْ نَوْعٍ واحدٍ، ولكنْ يُشترَطُ أنْ يصبح رأسُ مالِ الشركةِ مالًا واحدًا مشاعًا بينهما، بحيثُ لا يعرفُ أحدُ الشريكين مالَهُ من مالِ الآخر. ويشترطُ أن تكونَ أيدي الشريكين على المالِ.
ومتى تمّتْ الشراكة صارَ الشّريكان متضامَنيْنِ ومُتَّحِدَي الذمة في كل ما يعود للشركة، فلا يجوزُ لأحدِهما أنْ يُوكّل عنهُ مَنْ يقومُ مقامَهُ في الشركةِ، بل الأمْرُ كلّهُ للشركةِ، وهي التي توجِدُ مَنْ تشاءُ، وتستخْدِم مَنْ تشاءُ عندها لا عند أحد الشركاء. ويجوز لكل واحد من الشريكين أن يبيع ويَشْتري على الوَجْهِ الذي يراهُ مصلحةً للشركةِ، ولهُ أنْ يَقْبضَ الثمنَ وأنْ يدفعَه، وأن يُخاصم في الدين ويُطالبَ به، وأنْ يُحيِلَ ويُحالَ عليه، وأن يرُدّ العَيْبَ.
والخسارةُ في شركةِ العِنان على قَدْرِ المال، فإنْ كانَ ما للشريكين مُتساويًا في القَدْرِ فالخسارَةُ بَيْنَهما مُناصفَةً، وإن كان أثلاثًا فالخسرانُ أثلاثًا، لأنّ البدنَ لا يَخْسرُ مالًا، وإنما يخْسرُ ما بذلهُ مِنْ جُهْدٍ فَقَط، فتبْقى الخسارَةُ على المالِ، وتوزّعُ عليهِ بنسبةِ حِصصِ الشركاء.
شركةُ الأبدان:
وهيَ أنْ يَشْتَركَ اثنانِ أو أكثر بأبدانهم فيما يَكْتَسِبونَهُ بجهدِهم فِكْريًا كانَ أو جَسَدِيًا. ومن هؤلاء الصنّاع الذين يَشْتركونَ بالعَمَلِ في صِناعاتهم، فما يَصْنَعُونَهُ هو بَيْنهم، كالصيّادينَ والحمالين والنجّارين. ولا يُشترطُ اتفاقُ الصّنائع بينَ الشركاء، ولا أن يكونُوا جميعًا صناعًا. فلو اشترَكَ عدة صنّاع بصنائعَ مختلفة جازَ ذلك، لأنهم اشتركوا في مكسب مباح، ولا يخْتَلِفُ الأمر عما لو اتفقت الصنائِعُ فيما بينهم. وإن اشتركوا في عملٍ مُعَيّنٍ على أنْ يُديرَ أحَدُهم الشركة، والآخَرُ يقبضُ المالَ، والثالثُ يعملُ بيدِهِ، صَحّتِ الشركةُ.
والرّبحُ في شركةِ الأبدانِ يتمّ بحسبِ ما اتفق عليه الشركاء مِنْ مُساواةٍ أوْ تفاضُل. ولكلّ واحد منهم حَقّ المطالبةِ بالأجرةِ كلّها ممن استأجرَهم. وللذي استأجرهم ما صنعُوا مِنْ بضاعة، وعليهِ دفْعُ الأجْرَة جميعِها لكلِّ واحد منهم. فإذا دَفَعَهَا لأيّ شَخْصٍ منهم بَرِئَتْ ذمَّتُهُ لأنّ العملَ مضمونٌ عليهم. وبتضامُنهم لهُ وجَبَتِ الأجْرَةُ فيكونُ لهم كما كانَ الضّمانُ عليهم. وليس لأحد منهم أنْ يُوَكّلَ عنهُ غيره شريكًا ببدنهِ، لأنّ الشّريكَ ببدنِهِ هو المتَعَينُ في الشركةِ. ولكْنِ يجوزُ أنْ يستأجرَ أحدُهم أجرَاء، والاستئجار يكونُ حينئذ من الشركةِ وللشركةِ ولو باشرَهُ واحدٌ. وهذه الشركةُ جائزةٌ إذا كانَ الاشتراك في مَكْسَبٍ مُباحٍ لأنّ الرّسولَ صلى الله عليه وآله وسلم قدْ أقرّها.
شركة الوجوه:
هيَ أنْ يشترِكَ بَدَنانِ بمالِ غيرِهما، أي أنْ يَدْفَعَ واحدٌ مالَه لاثنينِ فأكثرَ مُضارَبَةً فيكونُ المضارِبانِ شريكينِ في الرّبْحِ بمال غيرِهما.
ومِنْ شركةِ الوُجُوهِ أنْ يشترِكَ اثنانِ فأكثرُ فيما يشتريانِهِ بجاهِهما، وثِقةِ التّجار بهما، من غيرِ أنْ يكونَ لهما رأسُ مالٍ، على أنْ يكونَ مُلْكهما فيما يشترِيانِهِ نصفين، أو أثلاثًا أوْ أرْباعًا، أو نحوَ ذلكَ. ويبيعانِ ذلكَ، ومَا يربحانهِ يُوَزّعُ بينهما مُناصفَةً أو أثْلاثًا بحسَبِ ما اتّفَقا عليه لا بحسبِ ما يملِكانِ في البضاعَةِ. أمّا الخسارَةُ فتكونُ على قَدْرِ مُلْكيْهما في المشترياتِ سواء كانَ الرّبحُ بينهما أمْ لم يَكُن.
وشركةُ الوجُوه بنوعَيْها جائزةٌ لأن الشريكين إذا اشترَكا بمالِ غيرِهما كانت شركتهما شبيهةً بشركةِ المضارَبَةِ الثابتَةِ بالسنةِ والإجْماع، وإن اشتركا فيما يأخُذانِهِ مِنْ مالِ غيرِهِما أي فيما يشتريانِهِ بجاهِهما وثِقَةِ التجّار فيهما كانت شبيهة بشركةِ الأبدانِ الثابتةِ بالسنةِ، فتكونُ شركة الوُجُوهِ ثابتةً بالسنةِ والإجْماع.
شركة المضاربة:
وتسمّى قراضًا، وهيَ أنْ يشترِكَ بدنٌ ومالٌ، أي أنْ يدفعَ رجل ماله إلى آخر يتجِرُ لهُ، وما يَحْصُلُ من الربح يُوزّعُ بيْنهما حَسبَ ما اشترَطاهُ.
إلّا أنّ الخسارة في المضاربةِ لا تخضعُ لاتفاق الشريكين، بَلْ لما وَرَدَ في الشّرْع. والخسارَةُ في المضارَبَةِ تقع على المالِ وحده شرْعًا دون الشريك في البدن أو العامِلِ، حتى لو اتّفق صاحبُ المالِ والمضارِب (العامل) على أنّ الرّبحَ بينهما والخسارة عليهما. كانَ الرّبْحُ بينهما والخسارةُ على المالِ لأنّ البدنَ لا يَخْسرُ مالًا، وإنما يخسرُ ما بَذَلَهُ مِنْ جهدٍ فقط. ويجب أنْ يكونَ المالُ الذي تجري المضارَبَةُ عليه قَدْرًا معلومًا. ولا يصحّ أنْ يعملَ صاحبُ المالِ مَعَ المضارِبِ. ولو شرطَ ذلكَ عليه لا يصحُّ، لأنّهُ لا يملكُ التصرّفَ بالمالِ الذي صارَ للشركةِ، بلِ المضاربُ هو الذي يَتصرّفُ بالشركةِ، وهو الذي يعملُ، وهو صاحبٌ اليدِ على المالِ. ولكنّ المضاربَ مُقيدٌ بما أذِن له صاحبُ المالِ من تصرّفٍ ولا يجوزُ لهُ أنْ يخالفَهُ لأنّهُ متصرّف بالإذن.
ومن المضارَبةِ أن يشترِكَ، أحدهم بمال مضاعف أو أكثر مع آخر ببدنه وماله الذي قد يكون أقل مما دفعه الأول،كأنْ تنعقد الشركة على أربعةِ آلافٍ، لأحدهِما ثلاثةُ آلافٍ وللآخر ألف، وأذِنَ صاحِبُ الآلافِ الثلاثة لصاحبِ الألفِ أنْ يتصرّفَ فيها، على أنْ يكونَ الرّبْحُ بينهما مُناصفةً، صحّتِ الشركةُ، ويكونُ العاملُ صاحبُ الألفِ مُضارِبًا عندَ صاحبِ الثلاثةِ آلاف وشريكًا لهُ.
وشركةُ المضارَبَةِ جائزةٌ. فقد رُويَ أنّ العباسَ بنَ عَبْدِ المطّلب كانَ يدْفَعُ مالَ المضارَبَةِ، ويَشْتَرِطُ على المضاربِ شروطًا مُعّينَةً، فبلغَ ذلكَ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فاسْتحْسنَهُ. وانْعَقَدَ الإجْماعُ على جوازِ المضاربةِ.
شركة المفاوضة:
وهي أنْ يشترِكَ الشريكانِ في جميعِ أنواعِ الشركةِ المارّ ذكرُها كأنْ يجمعا بينَ شركةِ العِنانِ والأبدانِ والوجوهِ والمضارَبَةِ، فيصحّ ذلك، لأنّ كلّ نوع منها يصحّ على انفرادٍ، فصحّ مَعَ غيرِهِ. والرّبحُ في هذه على ما اصطلحا عليهِ.
هذه أنواعُ الشركات في الإسلام، والبدن شرط أساسي لقيامِها والعمل بها.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB