الإسلام وإيْديُولوُجيَّة الإنْسان
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   362
تاريخ النشر :   1989




النقود

النقودُ مقياسُ المنفَعَةِ التي في السلعَةِ والجُهْدِ، ولذلكَ تُعرَّفُ النقودُ: بأنها الشيء الذي تُقاسُ بهِ السلَعُ والجهدُ. فالثمنُ للشيءِ أو السلعة، والأجرُ للشخصِ أو الجهد، وكلّ منهما قائمٌ على تقديرِ المجتمَعِ لقيمةِ ذلكَ الشيءِ وجُهْدِ ذلكَ الشّخْص. ولا تُعْتَبَرُ السنداتُ، ولا الأسهُمُ وما شاكَلَها، منَ النّقودِ. وهذا التقديرُ لِقيَم الأشياءِ والجهد، يُعبّرُ عنهُ بوحداتٍ في شتى البلدان، ثم تصبحُ هذهِ الوحدات مقياسًا تقاسُ بهِ منفَعَةُ الشيءِ ومنفعة الجُهْدِ. وهذه الوحداتُ واسطةٌ للمبادَلَةِ، وهيَ النقودُ. والإسلامُ حينَ قرّرَ أحكامَ البيْعِ والإجارَةِ، لمْ يُعَيِّنْ لمبادلَةِ السلعِ أو الجهودِ والمنافِعِ شيئًا مُعّينًا تجري المبادَلَةُ على أساسهِ فرْضًا، وإنما أطْلَقَ للإنسَانِ أنْ يُجْريَ المبادلةَ بما يشاءُ ما دامَ التراضي موجودًا في هذهِ المبادلَةِ. فيجوزُ لشخصٍ أن يتزوّجَ امرأةً بتعليمها القرآن الكريمَ. ويجوزُ له أنْ يشتريَ سِلْعةً بالعملِ عندَ صاحِبها يومًا، ويجوزُ له أنْ يشتغِلَ عندَ شخصٍ آخر يومًا بعدَدٍ معيَّنٍ منَ الخُبْزِ. وهكذا أطلَقَ المبادلَةَ لبني الإنسان بما يريدونَ منَ الأشياءِ.
ومُبادَلَةُ السلعَةِ بوحدةٍ معيَّنَةٍ منَ النّقْدِ قدْ عُيّنَتْ للمسلمينَ في جنسٍ معينٍ منَ النّقْدِ: الذّهبِ والفضّةِ. ولم يتركِ الإسلامُ للمجتمعِ أن يعبرَ عن تقديرهِ لمقياسِ المنفَعَةِ للأشياءِ أوِ الجهود بوحداتٍ نقديّةٍ ثابتةٍ أو متغيرةٍ يتصرّفُ بها كما يشاءُ، وإنما عينَ هذه الوحداتِ النقديةَ التي يُعبرُ بها المجتمعُ عنْ تقدير القِيَمِ للأِشياءِ وللجهودِ تعْيينًا ثابتًا بوحداتٍ نقديةٍ معيّنَةٍ. ويُفْهَمُ هذا التعيينُ منْ أُمورٍ عدّةِ:
أولها: إنّ الإسلامَ حينَ نهى عن كَنْزِ المال، خصّ الذهبَ والفّضةَ بالنهْي، معَ أنّ المالَ هو كلّ ما يُتموّلُ. فالقمْحُ مالٌ، والتمرُ مالٌ، والنّقْدُ مالٌ. والكَنْزُ إنما يظهَرُ في النقَدِ، لا في السلعِ والجهودِ. والمرادُ منَ الآيةِ النهْيُ عَنْ كَنْزِ النقْدِ لأنّهُ أداةُ التبادُل العامة، ولأنّ أثرَ النهي مُنْصَبٌّ على كنزهِ. أمّا غيرُ النقْدِ فلا يسمّى جمعُهُ كَنزًا، وإنما يُسمّى احتكارًا. وهكذا فإن الآية التي نهَتْ عنْ كَنْزِ الذهبِ والفِضة إنما نهتْ عنْ كَنْزِ النقْدِ. وقدْ عيّنَتِ الآيةُ النقْدَ الذي نهى الله عنْ كَنْزِه وهو الذهبُ والفضّةُ. قالَ تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (سورة التوبة: الآية 34). فالنهيُ منصَبّ على أداةِ التبادُل النقديّةِ. وعلى هذا فإنّ كَنْزَ الذهبِ والفضّةِ عَيْنًا حرام سواء كان مضروبًا أو غيرَ مضروبٍ. وكَنْزُ النقودِ النائبةِ عن الذهب والفضة حرامٌ، لأنها تمثِّلُ كميةً منَ الذهبِ والفضّةِ على شكْلِ نقودٍ أو سبائِكَ مُودَعَةً في مكانٍ معيّن، هذا إذا كانَ المبلغُ الذي يمثّلُهُ الورقُ يساويهِ. أمّا إذا كانَ لا يساويهِ فإنّ كَنْزَهُ حرامٌ بالمبلغِ الذي يُساوِيه فَقَطْ. وأمّا النقودُ الورقيَةُ الإلزاميةُ، أي البنكنوت، فلا يُعتَبَرُ كَنْزُها حرامًا، لأنها أوراقٌ اصطُلِحَ عليها اصطلاحًا، فلا يُعْتَبَرُ كَنْزُها كَنْزًا لذَهَبٍ أوْ فضّةٍ، فنصّ الآيةِ على تحريمِ كَنْزِ أداةِ التبادُل أو تعيينِ جنسِها يدلّ على أنّ هذا الجنسَ هو النقدُ الذي يتخذُه المسلمون أداةَ التبادُلِ الشرعيةِ. وتحريمُ الإسلامِ كَنْزَ الذهَبِ والفضّةِ ـــــــ حينَ حرّمَ كَنْزَ النقْدِ ـــــــ دليلٌ على أنّ الذهبَ والفضّةَ هما النّقْدُ في الإسلامِ.
ثانيها: رَبَطَ الإسلامُ الذهبَ والفضّةَ بأحكام ثابتة لا تتغيّرُ، فحينَ فرضَ الدِّيةَ عيَّنَ لها مقدارًا معينًا منَ الذهب. قال صلى الله عليه وآله وسلم في كتابهِ الذي كتَبَهُ إلى أهْلِ اليمن: «وإنّ في النفْسِ المؤمنةِ مِئةً مِنَ الإبلِ، وعلى أهلِ الورقِ ألفُ دينارٍ» وقالَ: «لا قطعَ إلّا في ربعِ دينارٍ فصاعدًا». فهذا التحديدُ لأحكامٍ معينَةٍ بالدينارِ والدرهَمِ والمثقالِ يجعَل الدينارَ بوزْنِه منَ الذهَبِ، والدرْهَمَ بوزنهِ منَ الفضّةِ، وحدةً نقديةً تقاسُ بها قِيَمَ الأشياءِ والجهودِ. وهذهِ الوحدةُ النقديّةُ هيَ النقدُ وأساسُهُ. فَرَبْطُ الإسلامِ الأحكامَ الشرعيّةَ بالذهبِ والفضّةِ نصًّا، حينَ تكونُ هذهِ الأحكامُ متعلّقَةً بالنقدِ، دليلٌ على أنّ النقْدَ هوَ الذهبُ والفضّةُ فحسْبُ.
ثالثها: لقد عيّنَ الرسولُ صلى الله عليه وآله وسلم الذّهبَ والفضّةَ نقْدًا، وجَعَلَهُما وحدّهُما المقياسَ النقديّ الذي يرجعُ إليهِ مقياسُ السلَعِ والجهُودِ، وعلى أساسِهما كانتْ جميعُ المعاملاتِ مجْديَةً. وجَعَلَ المقياسَ لهذا النقْدِ الأوقيةَ والدرهَمَ والدّانقَ والقيراطَ والمثقالَ والدينارَ، وكانتْ هذه كلّها معروفةً مشهورةً في زمن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يتعامَلُ بها الناسُ. والثابتُ أنّهُ عليهِ السلامُ أقّرّها. وكانتْ جميع البيوع تقعُ بالذهبِ والفضّةِ بوصفِهما نقْدًا. وحدّدَ الرسولُ صلى الله عليه وآله وسلم ميزانَ الذهبِ والفضّةِ نقدًا: «الميزانُ ميزانُ أهل المدينةِ». ومن مُراجَعَةِ الموازينِ النقديةِ في الإسلامِ يتبيّنُ أنّ الأوقيّةَ الشرعيّةَ أربعونَ دِرْهمًا، والدِّرْهَم ستّ دوانقَ، والدينارَ أربعةٌ وعشرونَ قيراطًا، وكلّ عشَرَةِ دراهِمَ سبْعَةُ مثاقيلَ. وموازينُ المدينةِ أقرّتْ ذلكَ.
رابعها: إنّ اللهَ سبحانَهُ وتعالى أوْجَبَ زكاةَ النّقْدِ في الذهَبِ والفضّةِ، وعينَ لها نِصابًا منهما. فاعتبارُ زكاةِ النقْدِ بالذهَبِ والفضّةِ، يعني أنّ النقدَ محْصورٌ بالذّهبِ والفضّةِ. ولو كان غيرُهُما نقدًا لما وَجَبَتْ فيهِ زكاة نقدٍ، لأنّهُ لم يأتِ نصّ في زكاةِ النقْدِ، إلّا على الذهبِ والفضّةِ، ممّا يدلّ على أنّهُ لا اعتبارَ لغيرِهِما منَ النقودِ.
خامسها: إنّ أحكامَ الصرْفِ التي جاءَتْ في معاملاتِ النقْدِ فقطْ إنما جاءتْ بالذهبِ والفضّةِ وحدَهُما. وجميعُ المعاملاتِ الماليّةِ التي وردتْ في الإسلامِ كانَ النصّ فيها على الذهبِ والفضّةِ فقطْ، والصرْف يكون بالعملةِ نفسِها أوْ بيْعِ عِمْلَةٍ بِعِمْلَةٍ أُخرى. وبعبارةٍ ثانية الصرْفُ مُبادَلَةُ نَقْدٍ بنَقْدٍ، فتعْيينُ الشَّرْعِ للصرْفِ ـــــــ وهوَ معاملةٌ نقدّيةٌ بحْتَةٌ ولا تتعلّقُ إلّا بالنقْدِ ـــــــ (أي بالذهَبِ والفضّةِ) دليلٌ صريحٌ على أنّ النقْدَ المقصودَ يجبُ أنْ يكونَ بالذهَب والفضّة لا غير. قال صلى الله عليه وآله وسلم: «بيعوا الذهبَ بالفضّةَ كيفَ شِئْتم يدًا بيدٍ». وعلى ذلكَ تُعْتَبَرُ النقودُ منَ الأشياءِ التي جاءَ الإسلامُ بحكمِها، وليستْ منَ الأشياءِ التي تدخُلُ في الرأيِ والمشورَةِ، ولا بما تتطلبه الحياةُ الاقتصادية أو الحياةُ الماليّةُ، بلْ هيَ منْ حيثُ كوْنها وَحْدَةً نقديةً، ومنْ حيثُ جِنْسُها، ثابتةٌ بحُكمٍ شرعيٍّ، ترتبطُ بهِ أحكامٌ شرعيةٌ أُخرى. فتحريمُ كَنْزِ النقد، وَوُجوبُ الزّكاةِ فيهِ، وجعْلُ أحْكامِ الصرْفِ لهُ، وإقرارُ الرسولِ للتعاملِ بهِ، وربْطُ الديةِ والقطْع في السرقةِ فيه، كلّ ذلكَ يجعلُهُ أمرًا يتوقّفُ الرأيُ فيهِ على نصِّ الشرع، فإذا نصّ الشرْعُ على هذا النقْدِ بالأحكامِ المتعلّقَةِ بهِ وحدَهُ والمرتَبطة به، بأنّهُ الذهبُ والفضّةُ، كان ذلكَ دليلًا واضحًا على أنّ النقْد يجبُ أن يكونَ منَ الذهب والفضّةِ، أو أساسهُ الذهَبُ والفضّةُ. وعندئذٍ لا بدّ من التزامِ ما عينتهُ الأحكامُ الشرعيةُ منْ نوْعِ النّقْدِ، ولا بدّ من أنْ يكونَ النقْدُ في الإسلامِ ذَهَبًا أوْ فضّةً، ولا يجوزُ أن يكونَ غيرهما بأيّ وجهٍ منَ الوُجوه...
ولكن كون الذّهَب والفضّةِ وحْدَهُما نَقْدًا لا يعني ذلكَ أنهُ لا يجوزُ التبادُلُ بغيرِهما، بلْ معناهُ أنه لا يجوزُ للمسلمينَ أنْ يتخِذوا نقْدًا لهُمْ سوى الذّهَبِ والفضّةِ. وموضوعُ النقْدِ هنا غيرُ موضوعِ التبادُلِ، بلْ هوَ موضوعُ اتخاذ نَقْدٍ. ومعَ جوازِ التبادُلِ بينَ الناسِ بكلِّ شيءٍ، فإن اتخاذَ مقياسٍ نقديّ للتبادُلِ ولغيرِهِ لا يجوزُ أنْ يتعدّى الذّهَبَ والفضّةَ، أي لا يجوزُ أنْ يكونَ النّقْدُ في الإسلامِ إلّا ذهبًا أو فضّةً أو أساسه الذهب والفضة كما تقدم.
لكنّ الرسولَ صلى الله عليه وآله وسلم جَعَلَ جِنْسَ الذهَبِ والفضّةِ نَقْدًا، سواءٌ كانَ مضروبًا أمْ غيرَ مضرُوبٍ، ولمْ يضرب نقدًا معينًا على صفةٍ معيَنة لا تختلِفُ، بلْ كانتْ وحداتُ الذهَب والفضّةِ مجموعاتٍ من ضروبِ فارسٍ والرّومِ صغيرةً وكبيرةً، وقِطَعَ فضّةٍ غير مضروبةٍ ولا منقوشةٍ، ويمنيّةً ومغربيّةً يُتَعامَلُ بها جميعها. وكان اعتبارها بالوزنْ لا بالعددِ ولا بالنّقْشِ أوْ عَدَمِ النقْشِ، فالتحديدُ إذًا كانَ بتعيينِ الذهبِ والفضّةِ وبتعيينِ الوَزْنِ لكلٍّ منهما. وكانتْ حقوقُ اللهِ كالزّكاةِ، وحقوقُ العبادِ كالدَّينِ وثمنِ المبيع، تتعلّقُ بالدّراهمِ والدّنانيرِ، أيّ بالذّهَبِ والفضّةِ المقدّرَةِ بالوزنِ. وظلّ الحالُ كذلكَ طوالَ أيامِ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وطوالَ أيامِ الخلَفَاءِ الرّاشدينَ إلى أن جاءَ عبْدُ الملكِ بنُ مروانَ فصيَّرَ النقْدَ وزْنًا واحدًا، لا يختلِفُ عنْ وزْنِ المدينةِ، وكانَ ذلكَ سنة خمسٍ وسبعينَ هجريّة. ومنذُ ذلكَ التاريخِ صُكّتْ دراهمُ إسلاميةٌ ودنانيرُ إسلاميةُ أيضًا بناءً على ذلك.
وهكذا فنظامُ النقْدِ في الإسلام، من حيثُ أساسُهُ، محصورٌ بوزنِ الذهبِ والفضّةِ. أمّا حجمُهُ وضربُهُ وشكلُهُ ونوعُ نقشِهِ فلا يتعدّى الأسلوبَ. وعليهِ تكونُ كلمةُ الذّهَب والفضّةِ، أينما وردتْ في ألفاظِ الشرْعِ وتقديراتهِ، تنطبقُ على أمرينِ: على النقْدِ الذي يُتَعَامَلُ بهِ ولو كانَ نُحَاسًا أو برونزًا أو وَرقًا نقديًّا إذا كانَ لهُ مُقابِلٌ (باعتبارِ ما يقابِلُهُ) منَ الذهَبِ والفضّةِ، وعلى معدنَي الذهبِ والفضّةِ. فما كانَ منَ النقْدِ ذهبًا أو فضّةً اعْتُبرَ، وما كانَ أوراقًا نقديةً أو نُحاسًا أو غيرَ ذلكَ، مما يمكنُ تحويلُهُ إلى قيمتِهِ منَ الذَهبِ أوِ الفضّةِ، اعتُبرَ أيضًا إذا كانَ يستندُ إلى الذّهَب والفضّةِ. أمّا إذا كانَ لا يستندُ إليهما كالنقود الورقيّة الإلزاميةِ فلا يُعتَبَرُ.
والنقودُ الورقيةُ الإلزاميةُ يُطلَقُ عليها أيضًا اسم الأوراق النقديةِ. وهيَ أوراقٌ تُصدِرها الحكوماتُ وتجعلُها نقودًا رئيسيةً ولكنها لا تُصرَفُ بذهَبٍ أو فضةٍ، ولا يضمَنُها احتياطيّ ذهبٍ أو فضّة أو أوراقٍ مصرفيةٍ «بنكنوت»، ولكنْ يصدُرُ بشأنها قانونٌ يُعْفي المصرفَ الذي أصدرَها منَ التزامِ صرْفها بالذهبِ والفضّةِ. وهذهِ الأوراقُ النقديةُ جميعُها نقودٌ أهليةٌ، فلا يتعدّى تداوُلُها حدودَ البلَدِ الذي يخضَعُ للقانونِ الذي قضى بجعْلِها عِمْلَةً رئيسيةً. وليسَ لهذهِ الأوراقِ النقديةِ سوى قيمة قانونية. وليسَ لها قيمةٌ سلعيةٌ لأنها تستمِدّ قيمتَها منْ إرادةِ المشرّع الذي فرضَ تداوُلها، فإذا ألغى التعاملَ بها أصبحتْ عديمةَ القيمةِ.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB