الإسلام وإيْديُولوُجيَّة الإنْسان
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   362
تاريخ النشر :   1989




الشركاتُ الرأسماليّة

الشركةُ في النظامِ الرأسماليّ عَقْدٌ يَلْتَزِمُ بُمقْتضاهُ شخصانِ أوْ أكثرُ بأنْ يُسَاهِمَ كلّ منهُما في مشروعٍ ماليّ بتقديمِ حصّةٍ منْ مالٍ أوْ عَمَلٍ لاقتسامِ ما قَدْ ينْشَأ عنْ هذا المشروعِ منْ ربحٍ أوْ خسارَةٍ. وهيَ قسمان: شركاتُ الأشخاصِ وشركاتُ الأموالِ.
1 ـــــــ شركاتُ الأشخاصِ يدخُلُ فيها العنصرُ الشخصيّ، ويكونُ له أثرٌ في الشركةِ، وفي تقديرِ الحِصَصِ، وذلكَ كشركاتِ التضامُنِ، وشركاتِ التوصيةِ البسيطة.
2 ـــــــ شركاتُ الأموالِ لا يكونُ فيها للعُنصرِ الشخصيّ أيّ وجودٍ، ولا أيّ اعتبارٍ أو أيّ أثرٍ، بلْ هيَ قائمةٌ على انتفاءِ وجودِ العنصرِ الشخصيّ، وانفرادِ العُنصرِ الماليّ فقطْ في تكوينِ الشركةِ وفي سيرِها، وذلكَ كشركاتِ المساهمةِ وشركاتِ التوصيةِ بالأسهمِ.
شركة التضَامُن:
هيَ عَقْدٌ بينَ شخصينِ أو أكثرَ يتفقانِ فيهِ على الاتجارِ معًا بعُنوانٍ مخصوصٍ، ويلتزمُ جميعُ أعضائِها بديونِ الشركةِ على جميعِ أموالِهِمْ بالتضامُنِ منْ غيرِ قيدٍ وحَدٍّ. لذلكَ لا يمكنُ أنْ يتنازَلَ أيّ شريكٍ عنْ حقوقِهِ في الشركةِ لغيرِهِ إلّا إذا وافقَ باقي الشركاءِ. وتنحلّ الشركةُ بموتِ أحَدِ الشركاءِ أو الحجْرِ عليهِ أو إفلاسِهِ إذا لمْ يكنْ هناك اتّفاقٌ يُخالف ذلكَ. وأعضاءُ هذهِ الشركةِ متضامنونَ في تعهداتِها أمامَ الغيرِ في جميعِ تعهّداتِ الشركةِ.
ومسؤوليتهم في ذلكَ غيرُ محدودة، فكلّ شريك مطالَبٌ بأداءِ جميعِ ديونِ الشركةِ لا منْ اموالها فحسْب، بل من أموالِهِ أيضًا. وعلَيْهِ أن يوفي بأموالهِ الخاصةِ ما نَقصَ من ديونِ الشركةِ بعدَ نفادِ مالها. ولا تَسْمَح هذه الشركةِ باتّساعِ المشروعِ. ويتّم تكوينها منْ أشخاصٍ قلائلَ يَثِق كلّ منهم بالآخرِ، ويعرفُهُ معرفةً جيدةً. وأهمُّ اعتبارٍ فيها هو شخصيّةُ الشريك، لا منْ حيثُ كونه بدَنًا فقطْ، بلْ منْ حيثُ مركزُهُ وتأثيرُهُ في المجتمعِ.
وهذهِ الشركةُ فاسدةٌ لأنّ الشروطَ التي تنصّ عليها تخالفُ شروطَ الشركاتِ في الإسلامِ، إذ إنّ الحكمَ الشرعيّ لا يشترطُ في الشريكِ إلّا أنْ يكونَ جائزَ التصرّفِ، وأنّ للشركةِ أنْ توسّعَ أعمالها، فإذا اتفقَ الشركاءُ على توسِيعِها إمّا بزيادةِ رأسمالِهِمْ أوْ بإضافةِ شُرَكاءَ آخرينَ، فهمُ مطْلَقو التصرّفِ يفعلونَ ما يشاؤونَ لأنّ الشريكَ غيرُ مسؤولٍ في الشركةِ شخصيًّا إلّا بنسبة ما له من حصّةٍ فيها. ولأنّ له الحقّ أن يتركَ الشركةَ في أيّ وقت يُريدُ دُونَ حاجة لموافَقَةِ الشركاءِ. والشركةُ لا تنحل بموتِ شراكةُ باقي الشركاءِ إذا كانتْ مؤلّفةَ من أكثرَ من اثنين.
هذه هيَ الشروطُ الشرعيَةُ. فاشتراطُ شركةِ التضامن يُخالفُ هذِه الشروط، بلْ يُناقِضُها. وذلك يجعلُها شركة فاسدة لا يجوزُ الاشتراكُ بها شرعًا.
الشركات المساهمة:
المالُ هوَ كلّ ما يُتَمَوّلُ، عروضًا كانَ أوْ نقدًا. والنقدُ أداةٌ لتبادُلِ المالِ. وحصوله متوقّفٌ على جُهْدِ الإنسانِ، فالجهد هوَ الأصلُ والأساسُ، ولذلكَ لمْ يكنْ بُدّ منْ تقديرِ ذلكَ الجُهْدِ المبْذُولِ في الحصولِ عليهِ. فتقديرُ المالِ مٌتوقّفٌ على تقديرِ جُهْدِ العاملِ واعتبارِهِ أصْلًا. ولكنْ لما كانَ النظامُ الرأسماليّ مبنيًا على حريّةِ التملّكِ ومن ثَمَّ مبنيًا على استغلالِ الإنسانِ للإنسانِ، كانتْ نظرتُهُ في تقديرِ الأجراءِ أو تنمية الملْكِ، مبنية على أن الاعتبارَ للمالِ لا للجُهدِ الإنسانيّ. وسرى هذا الاعتبارُ في جميعِ المعاملاتِ حتى صارَ من الطبيعيّ عندهُمْ أنْ يكونَ البحثُ في رأسِ المالِ، في الوقتِ الذي أهمِلَ جُهْدُ الإنسان، إلَّا ما كان منصبًا منه على بحث رؤوسِ الأموالِ واسْتغلالها، فهذا هو الجهد الذي يقدر عندهم. ويتضحُ ذلكَ في الشركات الرأسمالية، فإنها اشتراكٌ برأسِ المالِ في شكلِ شركاتٍ لا في شركات حقيقية. وقد افْتنُّوا في أنواع الشركات افتنانًا يؤدي إلى سيطرةِ رؤوسِ الأموالِ، واستغلالِ جُهْدِ الإنسانِ. ومن أهمّ الشركات الرأسمالية الفاشيةِ في بلادنا الشركاتْ المساهمةُ.
والأصْل في الشركاتِ المساهمةِ أنّ انتشارَ الإنتاجِ الآليّ، وما ترتّبَ عليهِ من اتساعِ نطاقِ المشروعاتِ الزراعيةِ والتجاريّةِ والصناعيةِ، جَعَلَ مواردَ الفردِ الواحدِ لا تَكْفي لتمويلِ عملياتِ الإنتاجِ الذي أصبحَ من خصائصِ الانقلابِ الصناعيّ. لذلكَ لمْ يكنْ بدّ من وسيلة تُيَسّرُ لعدد من الأفراد جمعَ المالِ اللازمِ لتنفيذِ هذهِ المشروعاتِ الكبيرةِ، معَ بَقَاءِ التصرّفِ فيها تحتَ يدِ هؤلاءِ الأفرادِ الذينَ ينالونَ منَ الرّبحِ بقدر ما لهُمْ منَ الحصصِ الماليةِ. ومنْ أجلِ ذلكَ نشأت الشركاتُ المساهمةُ لخدمة أفرادٍ معينينَ يستغلّون أموالَ غيرهمْ وجهودَهم مع احتفاظِهِمْ بالمشروعاتِ الكبيرةِ. ويتكونُ رأسُ مالِ الشركةِ المساهمةِ منْ عددٍ كبيرٍ من الحصصِ المتساويةِ القيمةِ، يُطلَقُ عليها اسمُ «الأسهُمِ»، كما يُطْلَقُ على الشركاءِ اسمُ «المساهمين». وشركاتُ المساهَمَةِ شركاتٌ ماليةٌ بحتةٌ، لا أثرَ فيها للعنصرِ الشخصيّ «أي للجهدِ»؛ أوْ بعبارةٍ أخرى لا وجودَ للبدنِ فيها مُطلَقًا، معَ أنّ البدنَ هو الأصلُ في تنميةِ الملكِ، والحصولِ على المالِ. والموجودُ في الشركةِ المساهمةِ أموالٌ فقطْ بدونِ أن يكونَ للبدنِ أيّ وجود. ونظامُ الشركةِ المساهمة يجْعَلُ مسؤوليّة المساهمِ محدودةً بقيمةِ الأسهُمِ التي يمْلِكُها. وعلى ذلكَ فالمساهمُ يأخذُ منَ الأرباحِ بمقدارِ ما له منْ أسهُمٍ، ويصيبُهُ منَ الخسارةِ بنسبةِ ما يملكُ منها. ومهما أصاب الشركةَ من خسارةٍ فحاملُ السهمِ لا يمكنُ أنْ يخسرَ أكثرَ منْ قيمةِ سهْمه.
والشركاتُ المساهمةُ تنقسِمُ إلى محدودة وغير محدودة، فالمحدودةُ يقدّرُ رأسمالها بمقدار مُعيّنٍ، وأسهُمٍ معيّنة، وغيرُ المحدودةِ هي الشركاتُ المغْفَلَة. والشركاتُ المساهمةُ تجمَعُ بينَ القاصي والداني، وهي دائميةٌ لا تتقيدُ بحياة الأشخاص بلْ تستطيعُ أنْ تعيشَ مدّةً طويلةً مهما تبدّلَ أعضاؤها، ولا يؤثّرُ ذلكَ في كيانها. وقد يموتُ الشريكُ ولا تنحلّ الشركةُ بموتِهِ، وقد يُحْجَرُ عليهِ ويبْقى في الشركةِ، وقد يبيعُ حصّته لغيرِه دونَ إذنٍ منَ الشركَةِ فتنقلُ أسهُمهُ إلى غيرِهِ، وتظلّ الشركةُ سائرةً لأنها أموالٌ لا أشخاصٌ.
وتتأسّسُ الشركَةُ باجتماع أفرادٍ قلائلَ، وهمْ عادةً منْ أصحاب الأموالِ، أوممّنْ لهُمْ جاهٌ ونفوذٌ، أوْ ممّنْ لهُمْ معرفةٌ بطُرُقِ الاقتصادِ، فيضعونَ المشروعَ الذي يريدونَ القيامَ بِهِ، ويقومونَ بوضْعِهِ موْضِعَ العملِ، ويُطلَقُ عليهِمْ اسم «المؤسّسينَ». يقومُ هؤلاءِ المؤسّسونَ بنشرِ بيانٍ يتضمّنُ الغايةَ منْ إنشاءِ الشركةِ، ومقدارَ رأسِ مالها، والمدّةَ التي يمكنُ قبولُ اشتراكِ المساهمينَ في أثنائِها، فمنْ يَرْغب بالاشتراكِ في هذا المشروعِ، بعد أن يطّلعَ على البيانِ المذاعِ من قِبَلِ المؤسّسينَ، يُراجعِ الشركةَ ضمْنَ المدّةِ المعينَةِ، ويبين مقدارَ الأسهُمِ التي يُريدُ أن يشتركَ بها. ومتى بلغَ الاشتراكُ الحدّ المعيّن لرأسِ مالِ الشركةِ تكونُ الشركةُ قَدْ عُقدَتْ نهائيًا. ولا يُشترَطُ في الشركاتِ المساهمةِ أنْ يتألّفَ رأسُمالها منَ النقودِ فقطْ، بلْ يجوزُ أن تُعتَبَر الأبنيةُ والأراضي وغيرُ ذلكَ من المقدمات العينية التي تدخل في رأسِ مال الشركةِ، لكي يُوزّعُ رأسُ مالها إلى أسهُمٍ: فكُلّ مَنْ أحرزَ سَهْمًا منها يُعَدّ مُساهمًا فيها. وليسَ من الضروريّ أنْ تؤدّى جميعُ أثمانِ الأسهُمِ في الحالِ، بلْ تستوفي الشركةٌ منْ أثمانها ما يكفي لقضاءِ حاجاتها الحاضرةِ، وتؤجّلُ استيفاءَ الباقي للمُسْتَقْبَلِ فَتَتَقاضاهُ منَ المساهمينَ حَسبَ حاجتِها إلى المالِ. إلّا أنهُ يبْقى لهذهِ الأسهمُ اعتبارُها فيأخذُ أصحابها منَ الأرباحِ ما يَسْتحقّونَ، ولوْ لمْ يدفعوا ثمنَ الأسهُمِ كلِّها. وإذا أفْلَسَتْ الشركةُ يحقّ للدائنينَ أنْ يرجعوا إلى المساهمين بطَلَبِ ما تبقّى في ذِمَمِهِمْ منْ أثمانِ الأسْهُمِ التي لمْ تكنْ حصصًا ثابتةً، بلْ كانت قيمةً اعتبارّيةً. ولذلكَ تزيدُ قيمةُ السّهْمِ وتنقُصُ بحسبِ سيرِ معاملات الشركةِ. فإذا كانت الأرباحُ آخذةً بالنموّ والزيادةِ تتصاعدُ حينئذ قيمةُ الأسهُمِ، وإذا كانتْ آخذةً بالخسارةِ تنقص.
وهذهِ الأسهُمُ متنوعة وأبرزها نوعان:
(أ) نوْعٌ مكتوبٌ باسمِ صاحبِهِ (الأسهم الإسمية) ولا يجوزُ انتقالُهُ منْ يد لأخرى إلّا بعدَ إعلامِ الشركةِ بالأمرِ كما تُشيرُ إلى ذلكَ في سجلاتها.
(ب) ونوعٌ حرّ (الأسهم لحامله) يستطيعُ حاملُهُ أن يتصرّف به كما يشاءُ دُونَ إعْلام الشركة.
هذا منْ حيثُ ماهيّةُ الشركة. أمّا التصرفُ بتنميةِ أمْلاكها وأمْوالها فيعودُ لجمعية المساهمينَ، ومجْلِسِ الإدارةِ والمدراءِ. ويحدِّدُ نظام الشركةِ عددَ الأسهمَ الذي ينبغي للشريكِ أن يحرزه لكيْ تستحقّ لهُ العضوية في مجلس الإدارة.
وجمعية المساهمينَ تجتمعُ خلال السنة، إما على شكل جمعية عمومية عادية أو جمعية عمومية غير عادية، بحيث يكون لكل من الجمعيتين اختصاصها وصلاحياتها حسب قانون التجارة ونظام الشركة.
أمّا مجلسُ الإدارَةِ فيمكن أنْ يكونَ أعضاؤهُ من المساهمين وغيرهِمْ إذا كانت أنظمة الشركة تنصّ على ذلك. وهذا المجلس يجري اختياره بالأكثريّةِ، ويتقاضى أعضاؤه على جلساتهم أُجرة سنويّة، أوْ أُجرة مُعّينةً لكُلّ جَلْسةٍ.
ويقومُ مجلسُ الإدارَةِ بتعيينِ مديرٍ مسؤولٍ لَدَيْه، على أنْ تكونَ تبعةُ أعمالِه عائدةً إلى المجلسِ. وهوَ الذي يقومُ بإدارة جميع فروعِ الأعمال المتعلّقةِ بالمشروعِ. وبناءً على ذلكَ فهوَ الذي يتصرّف بتنميَةِ الملكِ في الشرِكَةِ وبإدارةِ الأموالِ. وما مجلسُ الإدارةِ، إلّا مباشرٌ للخطوطِ العريضةِ، وكذلك مجلسُ المساهمين هو هيئة شكلية فقط. والمديرُ ومجلِسُ الإدارة عادةً هُمُ المؤسسونَ ومَنْ يَرَوْنَ ضمّهُم للانتفاعِ بِهْم. أمّا الأرباحِ فيجري توزيعها على المؤسّسينَ وكبارِ المساهمينَ في الشركةِ، ويُطرَحُ منْ مجموعِ إيراداتِ الشركةِ جميعُ نفقاتِ الإنتاجِ وفوائدُ التحويلِ، ثم يُفرَزُ مَبْلَغٌ لأداءِ رِبا الأسهُمِ باسم الفائدةِ لها، وهيَ مقدارٌ معينٌ بالمئةِ عدا حصة الرْبحِ، ثمّ تفرَزُ أُجرةُ مجلسِ الإدارة، ويُوضَعُ على حِدة مقدارٌ معينٌ باسمِ رأسِ مالِ الاحتياطِ لمواجهة ما قدْ يطْرأُ على رأسِ المالِ منَ المَخاطرِ غَيْرِ المنْتَظرَةِ. وبعدَ أنْ تُطرَحَ المبالغُ المارّ ذكرُها من مجموعِ إيرادِ الشركةِ السّنويّ يُوَزّعُ الباقي، إذا بقيَ شيءٌ، على الشركاءِ لكلٍّ بنسبةِ عددِ الأسهُمِ التي يحملُها.
والشركاتُ المساهمةُ باطلةٌ شرعًا، ولا يجوزُ الاشتراكُ بها لمخالفتِها للأحكامِ الشرْعيةِ ولعَدمِ اندراجِها تحتَ أحْكامِ الشركاتِ في الإسلامِ. وبُطلانُ الشركاتِ المساهمةِ يتعينُ في الأسبابِ الآتيةِ:
1 ـــــــ لَمْ تتكوّنْ في الشركةِ المساهمةِ شركةٌ شرْعًا، وإنما هيَ أمْوالٌ تجمّعَتْ وصارَتْ لها قوّةُ التصرّفِ، وهذا لا يجوزُ في الإسلامِ، لأنّ الملكَ في الإسلامِ، لا ينمو من نفسه، بل لا بدّ ممّن يقومُ بتنميتِهِ. والأصلُ في إيجادِ المالِ وفي تنميةِ الملْكِ هو البدنُ. والتكليفُ إنما هو على الإنسان حتى أنّ الحقّ المفروضَ على المالِ مفروضٌ، في الحقيقة، على المالِ الممْلوكِ للإنسانِ لا على المالِ مُطلقًا.
فالبدَنُ هوَ الأصْلُ في الرّبِحِ، وفي الملكِ وفي تنميَتِهِ، ولذلكَ يجوزُ أنْ يشْتَرِكَ بَدَنٌ معَ بدَنٍ لِيُنْتِجَ مالًا، ويوجِد مُلْكًا ويُنمّيه، ويجوزُ أنْ يشترِكَ بَدَنٌ ومالٌ لأنّ البدَنَ يتصرّفُ بالمالِ ويُنمّيه، أمّا أنْ يشترِكَ مالٌ ومالٌ دونَ وجُودِ بدَنٍ يكونُ شريكًا معَ المالِ، فلا يُسمَّى ذلك شركةً ولا تنْعَقِدُ الشركةُ مُطلَقًا، بلْ تَظَلّ أمْوالًا مجمّعةً لأشخاصٍ، لأنّها لمْ تُضَفْ إلى بدنٍ يتصرّفُ فيها كشريكٍ. على أنّهُ لمْ يحصُلْ في هذهِ الشركةِ عقدٌ إذْ لم يحصلْ فيها إيجابٌ وقبولٌ بينَ الشركاءِ، لأنّ المساهمينَ يدْفعونَ مالًا بَدَلَ أسهُمٍ دونَ أنْ يكونَ هنالِكَ أيّ عقدٍ للشركةِ بيْنهُمْ وبينَ شركَائِهِمْ، معَ أنّ الشركةَ عَقْدٌ بينَ اثنينِ أوْ أكثرَ يتّفقونَ فيهِ على القيامِ بعملٍ ماليّ بقَصْدِ الرّبحِ. ولمْ يحْصُلْ أيّ اتفاقٍ بينَ الشركاءِ في الشركات المساهمة، إذْ قدْ تقومُ الشركةُ وتُباشرُ أعمالها وبعض أسْهُمها لم يُبَعْ، أي بعْضُ الشركاءِ لم يُوجَدُوا بعد. وفوْقَ ذلكَ فإنّ الشركَةَ في الإسلامِ تقوم على الجمع ما بين المالِ والعملِ مجتمعين، أو على العملِ وحدهُ ولكنها لا تنْعقدُ على المالِ وحده أبدًا. والشركاتُ المساهمةٌ إنما هي مقصورةٌ على المالِ وحدَهُ.
2 ـــــــ اشتراطُ أنْ تكونَ الشركةَ دائميّةً يخالفُ الشرعَ، فالشركةُ من العقودِ الجائزةِ تبطلُ بموتِ أحدِ الشريكينِ أو جُنونِهِ أو الحجْرِ عليه، وبالفَسْخِ منْ أحَدِ الشركاءِ. وإذا ماتَ أحدُ الشركاءِ ولهُ وارثٌ غير راشدٍ فليسَ لهُ أن يستمرّ في الشركةِ، وإنْ كانَ الوارِثُ راشدًا فَلَهُ أنْ يُقيمَ على الشركةِ، وأن يأذَنَ لهُ الشريكُ الآخرُ بالتصرّفِ، ولهُ المطالبَةُ بالقِسْمَةِ.
فكونُ الشركَةِ المساهمةِ دائميّةً أو مستمرّةً، بالرّغمِ منْ موتِ أحدِ الشركاء أو الحجْرِ عليهِ، يجعلُها شركةً باطلةً.
3 ـــــــ إنّ الأرباحَ والخسائرَ في الشركةِ المساهمةِ قائمةٌ على نسبةِ الأسهُمِ، ولكنْ يُشترَطُ في الخسَارَةِ انْ لا تزيدَ على قيمةِ أسْهُمِ الشريكِ في السّوقِ. وهذا يعْني أنْلا يخْسَرَ رأس المالِ مُطلقًا، فهوَ يربَحُ ولا يخسرُ، إذ يخْسرُ أرْباحَهُ فقط، ولا يصِلُ الخُسرانُ إلى فقدانِ رأسِ المالِ، أي فقدانِ قيمةِ الأسْهُمِ. وهذا لا يجوزُ في الإسلامِ، لأنّ القاعدةَ الشرعيةَ تنصّ على أنّ «الغُرْمَ بالغُنْمِ» فالمالُ يخْسرُ في الشركةِ ولو أدّى إلى فناء رأسِ المالِ كلّهِ. واشتراطُ أنْ لا تصِلَ الخسارةُ إلى ذهابِ رأسِ المالِ يُخالف الشرعَ، وهو فاسدٌ غيرُ مُقيّدٍ. وبما أنّهُ يتعلّقُ بتكوينِ الشركةِ وعملِها فيكونُ عقْدُ الشركةِ فاسِدًا على فرْضِ وجودِ عقْدٍ فيها.
4 ـــــــ إنّ الشركةَ المساهمةَ تجْعَلُ لمجلِسِ الإدارَةِ أُجرةً مُعينةً سنويّةً أوْ عنْ كلِّ جلْسةٍ، وهمْ شُرَكَاء مُساهمونَ، زيادةً على أرْباحِ أسْهُمِهِمْ. وبحسَبِ أحْكامِ الشرعِ الإسلاميّ لا يجوزُ أن يحصلَ لأحدِ الشركاءِ زيادةُ أموالٍ على حصته من الرّبحِ. ومتى جَعَلَ أحَدُ الشركاءِ مِقدارًا معلومًا منَ المالِ لنفسهِ، أو جَعَلَ الشركاءُ لهُ ذلكَ، أو اشترطَ لنفسِهِ جزءًا منَ الرّبحِ، بَطَلَتْ الشركةُ، إذْ منَ المحْتَمَلِ أنْ لا تربحَ الشركةُ غيرَ الزيادةِ التي اشترطها، فيحصلُ حينئذٍ على جميعِ الرّبحِ، ويُحْتَمَلُ أن تخْسَرَ الشركةُ فيأخُذَ منْ رأسِ المالِ جُزْءًا لهُ، وهذا لا يجوزُ، لأنّ الشريكَ لهُ جزْءٌ منَ الرّبحِ لا جُزْءٌ من رأسِ المالِ. وعلى ذلكَ تكونُ الشركةُ المساهمةُ باطلةً، لأنّها تجعلُ لأحدِ الشركاءِ مقدارًا معينًا منَ المالِ زيادةً على حصّتهِ في الرّبحِ.
ولأجلِ ذلكَ كلهِ كانتِ الشركاتُ المساهمةُ الرأسماليةُ باطلةً شرعًا ويحّرمُ الاشتراكُ بها، والمالُ الذي يأتي عنْ طريقِها، إنْ مُلِكَ معَ العِلْمِ بحُرْمتِها وبُطلانِ عقدِها، محرّمٌ لأنّهُ أُخذَ بعَقْدٍ باطلٍ، وبوسيلةٍ غيرِ شرعيةٍ. وقدْ وقعَ المسلمونَ في الشركاتِ المساهِمةِ، وأقامُوا الشركات بحسبِ أحكامِها دونَ أنْ يعُوا، ولذلكَ وجبَ عليْهِم بعدَ معرفتِهِمْ حكم الإسلامِ فيها أن يتركوا الشركاتِ المساهمةَ، وأن يؤلفوا شركاتِهمْ حَسَبَ أحكامِ الإسلامِ.
أسْهم شركاتِ المساهمة:
أسهُمُ الشركةِ أوْراقٌ ماليّةٌ تمثّلُ ثمنَ الشركة في وقت تقديرها، ولا تمثّلُ رأسَ مالِ الشركةِ عندَ إنشائها. فالسهمُ جزءٌ لا يتجزأُ منْ كيانِ الشركةِ، وليسَ بجزءٍ منْ رأسِ مالها، فهوَ بمنزلة سنَد لقيمةِ موجوداتِ الشركةِ. وقيمةُ الأسهُمِ ليستْ واحدةً، وإنما تتغيرُ بحسبِ أرباحِ الشركَةِ أو خسارتها، وليسَتْ واحدةً في كلّ السنينِ، بلْ تتفاوتُ قيمتُها وتتغير. وعلى ذلك فالأسهم لا تمثّلُ رأسَ المالِ المدفوعِ عندَ تأسيسِ الشركةِ، وإنما (أي الأسهم) تمثّلُ رأسَ مالِ الشركةِ حينً البيْعِ أي في وقتٍ معيّنٍ. إنّها كَورَقَةِ النّقْدِ، يهْبِطُ سعرُها إذا كانت سوقُ الأسهُمِ منخفضةً، ويرتفِعُ حينَ تكونُ مرتفعةً. فالسهم، بعدَ بدءِ الشركةِ في العملِ، انسلخَ عن كونِهِ رأس مالٍ وصار ورقةً ماليةً لها قيمةٌ معينةٌ.
والحكمُ الشرعيّ في الأوراقِ الماليةِ قائمٌ على النظرِ فيها، فإنْ كانت سَنَدَاتٍ تتضمّنُ مبالغَ من المالِ الحلالِ كالنقْدِ الورقيّ الذي لهُ مقابلٌ منَ الذهبِ أو الفضّةِ يُساويه، أو ما شاكلَ ذلكَ، كانَ شراؤها وبيْعُها حلالًا لأنّ المالَ الذي تتضمّنُهُ حلالٌ. وإن كانت سنداتٍ تتضمّنُ مبالغَ منَ المالِ الحرامِ كسَنداتِ الدينِ التي يُسْتَثْمَرُ فيها المالُ بالرّبا، وكأسهمِ البنوكِ أو ما شاكلَ ذلك، فإنّ شراءَها وبيْعَها يكون حرامًا، لأنّ المالَ الذي تتضمّنهُ مالٌ حرامٌ. وأسهم شركاتِ المساهمةِ سنداتٌ تتضمّنُ مبالغ من رأسِ مال حلالٍ، ومن ربحٍ حرامٍ، في عقدٍ باطلٍ ومُعامَلَةٍ باطلةٍ، من دونَ أي تمييزٍ بينَ المالِ الأصليّ والرّبح. وهيَ في الوقتِ نفسه تمثل قيمة الحصص من موجوداتِ الشركةِ الباطِلَةِ، وقد اكْتُسِبَتْ هذهِ الموجوداتُ بمٌعاملةٍ باطلةٍ نهى الشرعُ عنها، فكانتْ مالًا حرامًا، وتكونُ أسهمُ شركةِ المساهمةِ متضمنةً مبالغَ من المالِ الحرامِ، وبذلكَ صارت هذه الأوراقُ الماليةُ ـــــــ وهي الأسهمُ ـــــــ مالًا حرامًا لا يجوزُ بيْعُها ولا شراؤها ولا التعاملُ بها.
أمّا المسلمونَ الذينَ يجهلونَ الحُكْمَ الشرعيّ، ثمّ اشتركوا على جهلِهِمْ بتأسيسِ شركاتٍ مساهمةٍ، وملكُوا أسهُمًا بحُكْمِ مُساهَمَتِهِمْ فيها، فمِلْكيةُ هؤلاءِ المساهمينَ للأسْهُمِ مِلْكيةٌ صحيحةٌ، وهيَ أموالٌ حلالٌ لهمْ لجهلِهِمْ ببطلان عملِهِمْ جَهْلًا يُعْذَرُونَ فيه. أمّا بيْعُ هذهِ الأسْهُمِ للمسلمينَ بعد معرفتهم بحرمتها فلا يجوزُ، لأنها أوراقٌ ماليةٌ باطلةٌ شرْعًا، وتحليل مِلْكِيتِها جاء طارئًا منْ كوْنِ الجهل عذرًا لهم.
وكيفيّةُ التخلّصِ من هذهِ الأسهُمِ المملُوكَةِ بسببِ جَهْلِ الحُكْمِ الشرعيِّ تتمّ بحلّ الشركةِ، أو تحويلها إلى شركةٍ إسْلامية، أو تكليف أحدٍ من غير المسلمين ممن يسْتَحِلّ أسهُمَ الشركاتِ المساهمةِ ببيعها نيابةً عنْهُمْ ثم يأخذونَ ثمنَهَا.
cetirizin netdoktor cetirizin csepp cetirizin hund dosis



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB