الإسلام وإيْديُولوُجيَّة الإنْسان
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   362
تاريخ النشر :   1989




علوم النفسِ والاجتماع والتربيَة

لدى الناس تشابكٌ بينَ الأفكارِ الاستنتاجيةِ المستمدَّة من الطريقةِ العقليةِ، والأفكارِ العلميةِ المستمدّةِ منَ الطريقةِ العلميةِ. وبناءً على هذا التشابكِ يعتبرونَ الأبحاثَ في النفسِ والاجتماع والتربيةِ علْمًا، ويعتبرونَ أفكارَها أفكارًا علميةً، لأنها قامَتْ على ملاحظات جرَى تتبّعها على الأطفالِ في ظروف مختلفة، او على أعمال مختلفة لأشخاصٍ مختلفينَ في ظروفٍ مختلفةٍ، فسمّوا تكرارَ هذه الملاحظات تجاربَ. والحقيقةُ أنّ أفكارَ علومِ النفسِ، والاجتماعِ، والتربيةِ، لَيْسَتْ أفكارًا علميةً، لأنّ التجاربَ العلميةَ هيَ إخضاعُ المادّةِ لظروفٍ وعواملَ غير ظروفها وعوامِلِها الأصليةِ، ثمّ ملاحظة أثر هذا الإخضاع، أي إجراء التجارب على المادّة نفسها كتجارب الطبيعةِ والكيمياءِ.
أمّا ملاحظةُ الإنسان في أوقات وأحوال مختلفة، كملاحظةِ الطّفل مثلًا في أحوال وأعمار مختلفة، وملاحظةِ الجماعات في بلدان وظروف مختلفة، فلا تدخلُ في بحث التجارب العلميةِ، ولا تُعتبرُ طريقةً علميةً، بل تُعتبر ملاحظةً وتكرارَ ملاحظةٍ واستنتاجًا فحسب، ولذلك فهي طريقة عقلية. وعلى هذا فإنّ أفكار ما يسمى علم النفس وعلم الاجتماع وعلوم التربية أفكار عقلية، تدخلُ في الثقافةِ، ولا تدخلُ في العلمِ.
على أنّ علومَ النفسِ والاجتماعِ والتربيةِ امورٌ ظنيّةٌ قابلةٌ للخطأ، وليستْ منَ الأمورِ القطعيّةِ، لذلك لا يصحّ أنْ تُتّخذَ أساسًا للحُكْمِ على الأشياءِ، ولا يجوزُ أن يُسْتّدَلّ بها على صحةِ الأشياءِ، أو عدمِ صحّتِهَا، لأنها ليستْ من قبيلِ الحقائقِ العلميةِ، أو القوانين العلمية، بل هيَ معارف ظنّية. وهي، وإنْ تَمَّ التوصل إليها بالطريقةِ العقليةِ، ليستْ من قبيلِ الحكمِ بوجودِ الأشياءِ، بلْ من قبيل الحكمْ على حقيقةِ الشيءِ. وهذا الحكمُ ظنيّ قطعًا، فيهِ قابليةُ الخطأ.
على أن هذه المعارفَ الثلاثَ: علوم النفس، والاجتماع، والتربية، مبنيّة على أُسسٍ مغلوطة، وهذا ما جعل كثيرًا من الأفكارِ التي احتوتها، أفكارًا مغلوطةً، لأنّ علمَ النفسِ مبنيّ في جملتِه على نظرتِه للغرائزِ وللدماغ، إذ يعتبر أنّ في الإنسانِ غرائزَ كثيرةً، منها ما اكتُشِفَ ومنها ما لم يُكتشفْ. وبنى علماءُ النفسِ على هذهِ النظرةِ للغرائزِ نظرياتٍ خاطئةً، فكان ذلك من الأسبابِ التي أدّتْ إلى الخطأ في كثيرٍ من الأفكارِ الموجودةِ في علمِ النفسِ. أمّا الدّماغُ، فعِلْمُ النفسِ يعتبرُهُ مُقَسمًا إلى مناطقَ، وكل منطقة لها قابليةٌ خاصّةٌ، وفي بعضِ الأدمغةِ قابلياتٌ ليستْ موجودةً في أدمغة أخرى، وبناء على ذلكَ فإنّ بعضَ الناسِ فيهم قابليةٌ لفَهْم اللغات، وليس فيهم قابليةٌ لفَهْم الرياضيات، وعلى العكس. وهكذا بُنيَتْ هذه النظرةُ الخاطئةُ على نظريّات خاطئة.
والحقيقةُ في هذا كلّه: أنّ المشاهدَ بالحسّ من تتبع الرّجع، أو ردِّ الفعلِ، أنّ في الإنسانِ طاقةً حيوّيةً لها مظهران:
المظهر الأول: يَتَمَثّلُ في الحاجاتِ العضويّةِ، كالجوعِ والعطشِ وقضاءِ الحاجةِ.
المظهر الثاني: يتمثّلُ في الغرائز الثلاثِ: التدينِ، والنوعِ، وغريزةِ البقاءِ، وهذهِ الغرائزُ هيَ الشعورُ بالعجزِ، والشعورُ ببقاءِ النوعِ، وببقاءِ الذاتِ، ولا يوجدُ غيرُ ذلكَ. وما عذا هذا فيكونُ مظاهرَ لهذهِ الغرائزِ فقط.
وأمّا من ناحيةِ الدماغِ فالحقيقة أنّهُ واحدٌ، وأنّ تفاوتَ الأفكار واختلافَها تابعٌ لتفاوُتِ المحسوساتِ والمعلوماتِ السابقةِ واختلافها، ولقوّةِ الربطِ. ولا توجدُ في دماغٍ قابليةٌ لا توجدُ في الآخرِ، بل توجد في جميع الأدمغةِ قابلية التفكيرِ في كلّ شيء. والأدمغةُ تتفاوتُ في قوةِ الرّبطِ وفي قوّةِ الإحسَاسِ، كما تتفاوتُ الحواس الخمسُ قوّةً وضعفًا.
ولذلكَ يمكنُ إعطاءُ كلِّ فرْدٍ معلوماتٍ، وفيهِ قابليةٌ لهضمِها، ولا أساسَ لما جاءَ في علمِ النَّفسِ منَ القابلياتِ للأدمغةِ.
بناءً على ذلكَ فاعتبارُ علمِ النفسِ للغرائزِ والدماغِ هو اعتبارٌ خاطئٌ، أدّى إلى خطأ النظريّات التي بنيتْ على أساسِها.
علم الاجتماع:
أمّا علمُ الاجتماع فمبنيّ في جملتِه على نظرتِه للفردِ والمجتمع. إنها نظرةٌ مبنيّةٌ على الفِطْرَةِ الفرديةِ، ولهذا تنتقلُ من الفردِ إلى الأسرةِ، وإلى الجماعةِ، وإلى المجتمعِ، على اعتبارِ أن المجتمعَ مكوّنٌ من أفرادٍ، ولهذا تَعتبرُ المجتمعاتِ منفصلةً، وما يصلحُ لمجتمعٍ لا يصلحٌ لآخر. وبنى علماءُ الاجتماعِ على هذهِ النظرةِ نظريّاتٍ خاطئةً، وكانَ ذلكَ هو السبب الرئيسيّ الذي أدّى إلى الخطأ في نظراتِ علمِ الاجتماعِ.
وأمّا ما جاءَ في علمِ الاجتماعِ عنِ الجماعةِ من أنها أسرعُ إدراكًا للأمورِ وأقوى إثارةً للمشاعرِ من الفردِ الواحِدِ، فصحّةُ هذا القولِ لمْ تأتِ من ناحيةِ النظرةِ إلى المجتمعِ، وإنما أتَتْ منْ ناحية غلبةِ المعلوماتِ الكثيرةِ المتكرّرةِ على المعلوماتِ الفرديةِ.
كلّ ما بُنيَ إذًا على النظرةِ إلى المجتمعِ فاسد، وما صحّ منهُ تأتي صحتهُ من كونهِ ناتجًا عن سببٍ آخرَ، لا عنِ النظرةِ إلى المجتمَعِ، وعليه فإنّ علمَ الاجتماعِ فاسدٌ، لأنّهُ مبنيّ على نظرةٍ فاسدةٍ.
علوم التربية:
علومُ التربيةِ مبنيّةٌ على «علمِ النفسِ» الذي قام على ملاحظة أحوال الأطفال وتحليلها ورصد أعمال الأفراد ومعرفة دوافعها،ومتأثّرةٌ كذلك بنظريّات «علمِ الاجتماعِ» ما جعلَ الصحيحَ يختلطُ بالفاسدِ فيها، لأن ما بنيَ على علمِ النفسِ، وتأثّر بعلم الاجتماعِ فهوَ فاسدٌ أيضًا.
وفسادهُ أدّى إلى الوقوعِ بأفكارٍ تربويّةٍ فاسدةٍ، أدّتْ إلى فسادِ مناهج التعليمِ وطرقهِ. فاعتبارُ الطفل غيرَ قابلٍ لبعض العلومِ، وقابلًا للبعضِ الآخرِ هوَ اعتبارٌ فاسدٌ. ولذلكَ كانَ تقسيمُ التعليمٍ إلى علميّ وأدبيّ يُعدّ تقسيمًا فاسدًا، ما أدّى إلى حرمانِ الكثيرينَ منْ تعلّمِ بعضِ العلومِ وحرمانِ الكثيرين منْ مواصلةِ التعليمِ.
أمّا ما بُنيَ من علوم التربية على ملاحظةِ أحوال الأطفالِ، وأعمالِ الأفرادِ في ظروفٍ واحوالٍ مختلفةٍ، فإن ما كانَ منها موافقًا مع فصولٍ، وإعطاءِ أربعةِ أشهرٍ عطلةً للتلميذِ، والامتحاناتِ وما شاكلها، فإنَّهُ خطأ في جملتِه.
ومنْ هناجاءَ خطأ النظرياتِ التربويةِ، وفسادُ علومِ التربيةِ في جملتها، ولا سيما ما بُنيَ على علمِ النفسِ، وتأثّرَ بعلمِ الاجتماعِ.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB