الإسلام وإيْديُولوُجيَّة الإنْسان
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   362
تاريخ النشر :   1989




الإنسَان هُو المَرأة والرجل

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} (سورة الانفطار: الآية 6). {قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} (سورة عبس: 17). {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} (سورة القيامة: الآية 14). {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ} (سورة سبأ: الآية 28). {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى} (سورة الحجرات: الآية 13). فالله تعالى خاطبَ الإنسانَ بالتكاليفِ وجعلَ الإنسانَ موضعَ الخطابِ والتكليفِ، وأنزل الشرائعَ للإنسانِ. ويبعثُ الله الإنسانَ، ويحاسبُ الإنسانَ، ويُدخِلُ الجنةَ والنارَ الإنسانَ. فالإنسان، لا الرجلٌ ولا المرأةُ، هو عند الله محلُّ التكليفِ. وقد خلقَ اللهُ الإنسانَ امرأةً أو رجلًا في فطرةٍ معينةٍ تمتازُ عن الحيوانِ. فالمرأةُ إنسانٌ والرجلُ إنسانٌ ولا يختلفُ أو يمتازُ أحدُهما عن الآخر في الإنسانية. وقد هيأهما اللهُ سبحانَهُ وتعالى لخوضِ معتركِ الحياةِ، وجعلهما يعيشانِ في مجتمعٍ واحد. وجعل بقاء النوع متوقفًا على اجتماعهما، وعلى وجودهما في كلِّ مجتمع. وقد خلقَ اللهُ في كلٍّ منهما طاقةً حيويّةً، هي الطّاقةِ الحيويّةِ نفسها التي خلقها في الآخر. فجعل في كلّ منهما الحاجات العضويةَ كالجوعِ والعطشِ وقضاءِ الحاجةِ. وجعل في كلٍّ منهما قوّةَ التفكيرِ وهي قوّةِ التفكيرِ ذاتها الموجودةِ في الآخر. فالعقلُ الموجودُ عند الرجلِ هو نفسُ العقلِ الموجودِ عند المرأةِ، إذ خلقُه اللهُ عقلًا للإنسان، وليس عقلًا للرّجلَ أو للمرأة.
إلّا أنّ غريزة النوع، وإن كان يمكنُ إشباعها بطرق مخالفة للطبيعة كما في حالة إشباعها بين ذكر وذكر أو بين أنثى وأنثى أو غير ذلك، إلَّا أنه رغم ذلك لا يمكن لهذه الغريزة أن تؤدّي الغايةَ التي من أجلها خُلِقَتْ في الإنسان إلَّا في حالةٍ واحدةٍ هي أن يُشبِعَها الذّكرُ من الأنثى، وأن تُشبِعَها الأنثى من الذكر. ولذلك كانت صلةُ الرجلِ بالمرأةِ وصلةُ المرأةِ بالرجلِ، من الناحيةِ الجنسيةِ الغريزيةِ، صلةً طبيعيةً لا غرابةَ فيها. بل هي الصلةُ الأصيلة التي بها وحدها يتحقّقُ الغرضُ الذي من أجله وُجدَتْ هذه الغريزةُ وهو بقاءُ النوع. وأمّا اللّذةُ التي تحصلُ بالإشباعِ فهي أمرٌ طبيعيٌّ وحتميٌّ سواءٌ نظرَ إليها الإنسانُ أم لم ينظرْ.
ولهذا كان لا بدّ للإنسان من مفهومٍ عن إشباعِ غريزةِ النوع، وعن الغايةِ من وجودِها، وكان لا بدَّ أن يكونَ للجماعةِ الإنسانيةِ نظامٌ يمحو من النفوسِ تسلّطَ فكرةِ الاجتماعِ الجنسي واعتبارها وحدها المتغلبة على كلِّ اعتبارٍ، ويبقي صلاتِ التعاونِ بين الرجلِ والمرأةِ، لأنّه لا صلاحَ للجماعةِ إلا بتعاونهما باعتبارِ أنهما أخَوانِ متضامنان تضامنَ مودةٍ ورحمة.
لذلك لا بد من التأكيدِ على وجوب تغييرِ نظرة الجماعةِ إلى ما بينَ الرّجلِ والمرأة من صلاتٍ تغييرًا تامًا يزيلُ تسلّطَ مفاهيمِ الاجتماعِ الجنسيّ عنها، ويجعلُها أمرًا طبيعيًا وحتميًّا للإشباع، ويزيلُ حصرَ هذه الصّلاتِ باللّذةِ والتمتعِ، ويجعلها نظرةً تستهدفُ مصلحةَ الجماعةِ لا نظرةً مستوحاةً من دافعِ الذكورةِ والأنوثة، نظرةً تسيطرُ عليها تقوى الله لا حبُّ التمتّعِ والشهوات فقط، نظرةً لا تنكرُ على الإنسانَ استمتاعهُ باللذّةِ الجنسيةِ بل تجعل هذا الاستمتاعَ مشروعًا محقِّقًا بقاءَ النوع، متفقًا مع المثل الأعلى للمسلمِ وهو رضوانُ الله تعالى.
الصِّلات بين المرأة والرجل:
إن نظرةَ الإسلامِ للصّلاتِ بين الرجلِ والمرأةِ تقوم على اعتبارها ضروريّةً لبقاءِ النوع أولًا، ومن ثمَّ لإشباع الشهوة المنبثقة عن غريزة النوع. ونظرةُ الرأسماليةِ الديمقراطيةِ للصلاتِ بين الرجلِ والمرأةِ هي نظرةٌ شهوانية جنسية أولًا، ومن ثمَّ هي نظرةٌ لبقاء النوع الإنساني.
والذي يزعمُ أنَّ كبتَ الغريزة الجنسيةِ في الرجلِ والمرأة يسببُ للإنسان أمراضًا جسميةً وعقليةً ونفسيةً هو مخطئٌ لأن ذلك غيرُ صحيح، وهو وهمٌ مخالفٌ للحقيقة. ذلك لأنّ هنالك فرقًا بين الغريزة والحاجةِ العضويةِ من حيثُ حتميةُ الإشباع. فإنّ الحاجةَ العضوية كالأكلِ والشربِ وقضاءِ الحاجةِ يتحَتَّمُ إشباعُها، وإذا لم تشبع ينتج عنها أضرار ربما تصل إلى الموت. أما الغريزة كالبقاءِ والتدين والنوع فإنه لا يتحتمُ إشباعُها، وإذا لم تشْبَع لا ينتجُ عن عدم إشباعها أيُّ ضررٍ جسميّ أو عقليّ أو نفسي، وإنما يحصلُ من ذلك انزعاجٌ وألمٌ ليس غير، بدليلِ أنه قد يمضي الشخصُ عمرَه كلّه دون أن يُشبعَ بعضَ الغرائِز، ومع ذلك لا يحصُل له أيُّ ضرر. إذ لو حصلَ أيُّ ضررٍ للإنسان من كبتِ الغريزة لكان حصوله في كل حالةٍ يقع فيها الكبتُ حصولًا طبيعيًا حسبَ الفطرة، وهو لم يقعْ مطلقًا.
ومن جهة أخرى فإن الحاجة العضوّيةَ تتطلبُ الإشباعَ طبيعيًا من الداخلِ دون حاجة لمؤثّرٍ خارجيّ وإن كان المؤثّرُ الخارجيُّ يثيرها في حالةِ وجودِ الجوعِ، بخلاف الغريزةِ فإنها لا تتطلّبُ الإشباعَ طبيعيًا من الدّاخلِ من غيرِ مؤثّرٍ خارجيًّ، بل هي لا تثورُ داخليًا إلا بمؤثّرٍ خارجيًّ من واقعٍ مثيرٍ أو فكرٍ جنسي مثيرٍ، فإذا لم يوجدْ هذا المؤثّرُ الخارجيُّ لا تحصل الإثارةُ، وهذا شأنُ الغرائزِ كلّها بجميعِ مظاهرِها. فإنّه إذا وجد أمام الشخص ما يثيرُ أيَة غريزةٍ يهتاج وتتطلب عندئذٍ هذه الغريزةُ فيه الإشباعَ، وإذا أبعدَ عنه ما يحرّكُ الغريزةَ أو أُشغل بما يطغى عليها مما هو أهمُّ منها، ذهبَ تطلّبُ الإشباع وهدأت نفسُهُ. بخلافِ الحاجةِ العضويةِ فإنه لا يذهبُ تطلُّبُ إشباعِها متى ثارت مطلقًا بل يستمرُّ حتى تشبعَ. وبهذا يظهرُ بوضوحٍ أن عدمَ إشباعِ غريزةِ النوعِ غريزةٌ وليست حاجةً عضويّةً. وكلُّ ما يحصل هو أنّ الشخصَ إذا وُجدَ أمامه ما يثيرُ غريزةَ النوعِ من واقعٍ ماديٍّ أو فكرٍ جنسيّ مُثيرَيْنِ فإنّهُ قد يتهيجُ فيتطلّبُ الإشباعَ، فإذا لم يشبع يصيبُهُ من هذا التهيجِ انزعاجٌ ليس أكثرَ. ومن تكرارِ هذا الانزعاجِ يتألم. فإذا أُبعد عنه ما يحرّكُ غريزة النوعِ، أو أُشغِلَ بما يطغَى على هذه الغريزةِ مما هو أهمُّ منها، ذهب الانزعاج.
وبهذا يتبين خطأ وجهةِ النظرِ الغربية التي جعلت نظرةَ الجماعةِ إلى الصّلاتِ بين الرّجلِ والمرأةِ مسلّطةً على الصّلةِ الجنسيةِ. وتاليًا يظهر خطأ علاجِ هذه النظرةِ بإثارةِ الغريزة في الرّجلِ والمرأةِ عن طريق إيجادِ ما يُثيرها منِ الوسائلِ كاللّباسِ القصيرِ والمايوهات على البحار، والاختلاط والرقصِ، والأفلامِ الجنسيةِ والقصصِ وما شابَهَ ذلك. كما يتبينُ صدقُ وجهةِ النظرِ الإسلاميةِ التي جعلت نظرةَ الجماعةِ إلى الصّلات بين الرّجل والمرأةِ مسلّطةً على الغرض الذي من أجله وُجدت هذه الغريزةُ وهو بقاءُ النوعِ. ويظهرُ صحةُ علاجِ هذه النظرةِ بإبعادِ ما يثيرُها إذا لم يتأتَّ لها الإشباعُ المشروعُ بالزواجِ. فيكون الإسلامُ وحده هو الذي يعالجُ ما تحدثُهُ غريزةُ النّوعِ من الفسادِ في المجتمعِ والناس علاجًا ناجحًا يجعل أثرَها محدِثًا الصّلاحَ والسّموَّ للإنسانِ في المجتمعِ.
تنظيم العلاقات:
لا يعني كونُ المرأة تثيرُ غريزةَ النوع عند الرجل، وكونُ الرّجلِ يثيرُ غريزةَ النوعِ عند المرأةِ، ان هذه الأثارةَ أمرٌ حتميُّ الوجودِ كلّما وُجِدَ الرجلُ مع المرأةِ أو المرأةُ مع الرجل. بل يعني أنّ الأصلَ في كلٍّ منهما أن يثيرَ وجودُه مع الأخرِ هذه الغريزةَ، فتوجدَ عند وجودِ هذه الإثارةِ العلاقةُ الجنسيةُ بينهما. ولكنهما قد يوجدان معًا ولا تثارُ هذه الغريزة، كما لو وجدا للتبادل التجاريِّ، أو للقيام بعملية جراحية لمريضٍ، أو لحضور دروسِ العلم أو غير ذلك. ولكن في جميع هذه الحالاتِ وفي غيرها توجدُ قابليةٌ إثارةِ الغريزةِ الجنسيةِ بينهما، إلا أنه ليس معنى وجودِ القابليةِ وجود الإثارة.
ولهذا لا يجوزُ أن يجعلَ كونُ المرأةِ تثيرُ غريزةَ النوعِ عند الرجلِ، وكونُ الرّجلِ يثيرُ غريزة النوع عند المرأةِ، سببًا لِفَصْل المرأةِ عن الرجلِ فصلًا تامًا، أي لا يصحُّ أن يجعلَ وجودُ قابليةِ الإثارةِ حائلًا دون اجتماعِ الرجالِ والنساءِ في الحياةِ العامّةِ ودون التعاونِ بينهما. بل لا بدّ من اجتماعهما وتعاونهما في الحياة العامة، لأن هذا التعاونَ ضروريٌّ للمجتمع. غير أنه لا يمكنُ أن يتمَّ هذا التعاونُ إلا بنظامِ ضبط وترشيد الصّلات، وينبثقُ هذا النظامُ عن النظرةِ إلى هذه الصّلاتِ بين الرجلِ والمرأةِ بأنها نظرةٌ لبقاءِ النوع، وبهذا يمكنُ اجتماعُهما والتعاونُ بينهما دونَ أي محذور.
والنظامُ الوحيدُ الذي يضمنُ هناءَ الحياةِ، وينظّمُ صلاتِ المرأةِ بالرجلِ تنظيمًا طبيعيًا، تكونُ الناحيةُ الروحيةُ أساسَهُ والأحكامُ الشرعيةُ مقياسَهُ، ممّا يحقّقُ القيمةَ الخلقيةَ... هذا النظامُ هو النظامُ الاجتماعيُّ في الإسلام. فهو ينظرُ إلى الإنسان، رجلًا كان أو امرأةً، بأنه إنسانٌ: فيه الغرائزُ، والمشاعرُ والميولُ، وفيه العقلُ. ويُبيحُ لهذا الإنسانِ التمتعَ بلذائذِ الحياةِ، ولا يُنكرُ عليه الأخذَ منها بالنصيبِ الأكبرِ، ولكن على وجهٍ يحفظُ الجماعةَ والمجتمعَ، ويؤدّي إلى تمكينِ الناسِ من السيرِ قدُمًا لتحقيقِ هناءِ كلِّ إنسان. وهذا النظامُ ينظرُ إلى غريزةِ النوعِ على أنها وُجدت لبقاءِ النوعِ الإنسانيّ، وينظّمُ صلاتِ الناحيةِ الجنسية بين الرجلِ والمرأةِ تنظيمًا دقيقًا، بحيث يجعلُ هذه الغريزة محصورةَ السير في طريقها الطبيعيّ، موصلةً للغايةِ التي من أجلها خلقها الله تعالى في الإنسان.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB