الإسلام وإيْديُولوُجيَّة الإنْسان
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   362
تاريخ النشر :   1989




النظام الإجتماعي في الإسْلام

النظامُ الاجتماعيّ هوَ النظامُ الذي يبحثُ علاقة المرأةِ بالرجلِ، وما ينشأ عن هذه العلاقةِ، وينظّمُ صلات التعاونِ بينهما.
ويقوم على الأمور التالية:
1 ـــــــ الأصل في المرأةِ أنها أمٌّ وربةُ بيت، وهي عرضٌ يجبُ أن يُصان.
2 ـــــــ الأصلُ أن ينفصلَ الرّجالُ عن النساءِ في المجتمعِ الإسلاميّ، ولا يجتمعونَ إلّا لحاجةٍ يُقرّها الشرعُ، ويقرّ الاجتماع من أجلها.
3 ـــــــ (أ) للمرأة الحقّ في أن تُزاوِلَ التجارة والصناعة والزراعة، وأن تتولى العقُود والمعاملاتِ، وأن تملكَ كل أنواعِ الملك، وأن تنمِّيَ أموالها، وأن تُباشرَ شؤونَها في الحياةِ بنفسها.
(ب) يجوز للمرأة أن تُعينَ في وظائِفِ الدولةِ، وفي مناصبِ القضاءِ، وأن تَنتخِبَ وتُنْتَخَبَ في مجلسِ الشورى، وأن تشتركَ في انتخابِ الخليفةِ ومبايعتهِ.
(ج) لا يجوزُ أن تتولى المرأةُ الحكمَ: فلا تكونُ خليفةً، ولا قاضيًا في محكمةِ المظالمِ، ولا واليًا، ولا عاملًا، ولا تباشر أي عملٍ يُعتبر من الحكم.
4 ـــــــ تمنَعُ الخلوةُ بغير محرمٍ، ويمنعُ التبرجُ، ويمنعُ الاختلاط.
5 ـــــــ يمنعُ كلٌّ من الرجلِ والمرأةِ من مباشرةِ أي عملٍ فيه خطرٌ على الأخلاق أو فسادِ المجتمع.

واقِعُ النظام الاجتماعيّ:
إنّ الكثيرَ من الناسِ يطلقُ على جميعِ أنظمةِ الحياةِ اسمَ «النظامِ الاجتماعيّ»، وهذا إطلاقٌ خاطئٌ لأنّ أنظمةَ الحياةِ أولى أن يطلقَ عليها اسم «أنظمة المجتمع»، إذ هي في حقيقتها أنظمةُ المجتمع لأنها تنظّمُ العلاقات التي تقومُ بين الناسِ، والاجتماعُ لا يدخل فيها لأنها تتناول العلاقاتِ فقط.
والعلاقاتُ متعدّدةٌ ومختلفةٌ، وهي تشملُ الاقتصادَ والحكمَ والسياسة والتعليمَ والعقوباتِ والمعاملاتِ والبيناتِ وغيرَ ذلك. فإطلاقُ «النظامِ الاجتماعي» عليها لا وجهَ له ولا ينطبقُ عليها. وعلاوةً على ذلك فإنَّ كلمةَ الاجتماعيّ للنظامِ توحي أنّهُ لا بدَّ أن يكونَ هذا النظامُ موضوعًا لتنظيمِ المشاكلِ أو العلاقاتِ الناشئةِ عن الاجتماعِ. واجتماعُ الرجلِ بالرجلِ، والمرأةِ بالمرأةِ، لا يحتاجُ إلى نظام لأنّه لا تنشأُ عنه مشاكلٌ، ولا تنشأ علاقاتٌ تحتاجُ إلى نظام. أمّا اجتماعُ الرجلِ بالمرأةِ، والمرأةِ بالرجلِ، فإنّه هو الذي تنشأ عنه مشاكلُ، وتنشأ عنه علاقاتٌ، وهو ما يحتاج إلى التنظيمِ بنظام. فأولى بنا أن نُطلقَ على هذا الاجتماعِ بأنّه هو النظّامُ الاجتماعيّ.
فالنظامُ الاجتماعيّ إذًا يكون محصورًا في النّظام الذي يبين تنظيمَ اجتماعِ المرأةِبالرجلِ والرجلِ بالمرأةِ، وينظّم علاقتهما الناشئةَ عن اجتماعهما لا عن مصالحهما في المجتمع، ويبين كلَّ ما يتفرّعُ عن هذه العلاقةِ. فتجارةُ المرأةِ مع الرجلِ والرجلِ مع المرأةِ هي من أنظمةِ المجتمعِ، لا من النظامِ الاجتماعيّ لأنها تدخلُ في النظامِ الاقتصاديّ. أما منعُ الخلوةِ بينَ الرجل والمرأة، أو متى تملكُ المرأةُ طلاقَ نفسِها، أو متى يكونُ للمرأةِ حقُّ حصانةِ الصغيرِ، فإنّ ذلك كلّه من النظامِ الاجتماعيّ. وعلى ذلك يكونُ تعريفُ النظامِ الاجتماعيّ بأنه هو: النظام الذي ينظِّم اجتماعَ المرأةِ بالرجلِ والرجلِ بالمرأةِ، وينظمُ العلاقةِ التي تنشأ بينهما عن هذا الاجتماع، وكلَّ ما يتفرع عن هذه العلاقة.
وقد اضطرب فهمُ المسلمين، وبعدوا في هذا الفهمِ عن حقيقةِ الإسلامِ ببعدهم عن أفكارهِ وأحكامِه. وكانوا بين مفرِّطٍ كلَّ التفريطِ، يرى من حق المرأةِ أن تخلوَ بالرجلِ كما تشاءُ، وأن تخرجَ كاشفةَ العورةِ باللباسِ الذي تهواه، وبين مُغالٍ كلَّ الغُلُوِّ لا يرى من حق المرأةِ أن تُزاولَ التجارةَ والزراعةَ، ولا أن تجتمعَ بالرجالِ مطلقًا، ويرى بأنّ سائرَ جسدِ المرأةِ عورةٌ بما في ذلك وجهُها وكفّاها. وكان من جرّاءِ هذا الغلوّ والتفريطِ انهيارٌ في الخُلُقِ وجمودٌ في التفكيرِ، نتج عنهما تصدّعُ الناحيةِ الاجتماعيةِ، وقلقُ الأسرةِ الإسلاميةِ، وغلبةُ روحِ التذمّر والتأففِ على أعضائِها، وكثرةُ المنازعاتِ والشقاقِ بين أفرادِها. وظهر الشعورُ بالحاجةِ إلى جمعِ شملِ الأسرةِ وضمان سعادتِها يملأُ نفوسَ جميع المسلمين، وغدا البحثُ عن علاجٍ لهذه المشكلةِ الخطيرةِ يشغلُ بالَ الكثيرينَ، وبدأت المحاولات المختلفة تُظهِرُ أنواعًا متعدّدةً لوضعِ هذا العلاجِ.
فوُضِعَتِ المؤلفاتُ التي تبينُ العلاجَ الاجتماعيَّ، وأُدخِلَتِ التعديلاتُ على قوانينِ المحاكمِ الشرعيةِ وحقِّ المرأةِ في الانتخابِ، وحاول الكثيرونَ تطبيقَ آرائِهِم على أهليهم من زوجاتٍ وأخواتٍ وبنات...
وأُدخِلَتْ على أنظمةِ المدارسِ تعديلاتٌ من حيثُ اختلاطُ الذكورِ بالإناث...
وهكذا بدأت هذه المحاولاتُ بهذه المظاهرِ وأمثالها. ولكن جميع أولئك وهؤلاء لم يوفقوا إلى العلاجِ، ولم يهتدوا إلى النظامِ، لأنه قد عَمِيَ على مُعظمِ المسلمين أمرُ علاقةِ الجنسين: المرأةِ والرجلِ، وصاروا لا يعرفونَ الطريقةَ التي يتعاون فيها هذان الجنسانِ، ما جعلهم يتناقشون حولَ طريقةِ العلاجِ، ويبعدون عن دراسةِ حقيقتِها، حتى ازدادَ القلقُ والاضطرابُ من جرّاءِ محاولاتِهم ونشأت في المجتمعِ هوّةٌ يُخشَى منها على كيانِ الأمّةِ الإسلاميةِ بوصفها أمةً متميزةً بخصائصها. كما ازدادت الخشية على البيتِ الإسلاميّ أن يفقدَ طابَعَ الإسلامِ، وعلى الأسرةِ الإسلامية أن تفقدَ استنارتها بأفكارِ الإسلامِ، فتبعدَ عن تقديرِ أحكامِهِ وآرائِهِ.
أما سببُ هذا الاضطرابِ الفكريّ والانحرافِ في الفهمِ عن الصوابِ فيرجعُ إلى الغزوةِ الكاسحةِ التي غزتنا بها الحضارةُ الغربيةُ التي تحكّمت في تفكيرنا وذوقِنا تحكمًا تامًّا غيّرت به مفاهيمَنا عن الحياةِ، ومقاييسَنا للأشياء، وقناعاتِنا التي كانت متأصلةً في نفوسنا. وكانَ انتصارُها علينا شاملًا جميع نواحي الحياةِ ومنها هذه الناحيةُ الاجتماعيةُ. ولم يتبين المسلمون استحالةَ أخذ الحضارة الغربية، من قِبَل أيِّ جماعةٍ في أيّ بلدٍ إسلاميّ، وتبقى هذه الجماعةُ ـــــــ بعد ذلك ـــــــ تُعَدُّ جزءًا من الأمّة الإسلامية، أو تبقى عليها صفةُ الجماعة الإسلامية. واتخذَت الناحيةُ الاجتماعية في الغرب، ولدى المسلمين، القدوةَ المحببةَ، واتُّخِذَ المجتمعُ الغربيُّ مقياسًا، من دون أن يُؤخَذَ بعينِ الاعتبارِ أنّ المجتمعَ الغربيَّ لا يأبهُ بصلاتِ الذكورةِ والأنوثة، ولا يرى فيها أيَّ معرَّةٍ أو طعنٍ أو مخالفةٍ للسلوكٍ الواجبٍ الاتباعٍ، أو أيَّ مساسٍ بالأخلاقِ أو أيَّ خطرٍ عليها، ودونَ أن يلاحظَ المسلمون أنَّ المجتمع الإسلاميّ يخالف مجتمعهم في هذه النظرةِ مخالفةً جوهريةً، ويناقضُه مناقضةً تامّةً، لأن المجتمعَ الإسلاميَّ يعتبرُ صلاتِ الذكورةِ والأنوثةِ من الكبائرِ، وتترتّب عليها عقوبةٌ شديدةٌ هي الجلْدُ أو الرجمُ، ويعتبرُ مرتكبُها منبوذًا منحطًا منظورًا إليه بعينِ المقتِ والازدراء، ويرى من البديهيات لديه أن العرضَ يجبُ أن يُصانَ.
ولكنَّ كثيرًا من المسلمين اندفعوا وراءَ النقلِ والتقليدِ حتى لبست الدّعوةُ إلى نهضةِ المرأةِ ثوبَ الإباحيةِ وعدمِ المبالاةِ بالاتصافِ بالخُلُقِ الذميم. وهكذا مضى هؤلاء الناقلونَ والمقلدونَ في تهديمِ الناحيةِ الاجتماعيةِ عند المسلمين تحت اسمِ إنهاضِ المرأةِ، وبحجّةِ العملِ لإنعاشِ الأمّةِ. وبالرّغمِ من وجودِ علماء في الأمّةِ لا يقلّونَ عن المجتهدين الأوّلين في العلمِ والاطّلاعِ، وبالرغمِ من وجودِ ثروةٍ فكريّةٍ وتشريعيةٍ بين يَدَي المسلمينَ لا تدانيها أيُّ ثروةٍ لأيةِ أمّةٍ في العالمِ، فإنّه لم يكن لذلك أيُّ أثرٍ في ردعِ الناقلين والمقلّدين عن غِيّهم، وفي إقناعِ الجاحدين بأيّ رأيٍ إسلاميٍّ إذا كان مخالفًا لما يريدون أن تكون المرأةُ عليه. وذلك لأنّ هؤلاء وأولئك من المقلّدين والجاحدين والعلماءِ والمتعلمين ابتعدت عنهم صفةُ المفكرِ فلا يفهمون الواقعَ، أو لا يفهمون حكمَ الله، أو لا يتلقّوْنَ أحكامَ الشرعِ تلقيًا فكريًّا بتطبيقها على الواقعِ تطبيقًا دقيقًا يحدِثُ الانطباقَ الكاملَ.
ومن أجل ذلك باتت المرأةُ المسلمةُ حائرةً. فهي بين امرأةٍ قلقة مضطربةٍ تنقلُ الحضارةَ الغربيةَ دون أن تفهمَها أو تعي حقيقتها، او تعرفَ التناقضَ الذي يفرّق بينها وبين الحضارةِ الإسلامية... وبين امرأة جاحدةٍ لا تنفعُ نفسها ولا ينتفعُ المسلمون بجهودها. وذلك كلُّه من جرّاءِ عدمِ تلقي الإسلامِ تلقيًّا فكريًا، وعدمِ فهمِ النظامِ الاجتماعي فهمًا إسلاميًّا صحيحًا.
ولذلك كان لا بدَّ من دراسة النظامِ الاجتماعيِّ في الإسلامِ دراسةً عميقةً شاملة، حتى تُدرَكَ المشكلةُ بأن أساسها اجتماعُ المرأةِ بالرجلِ، ثم العلاقةُ الناشئةُ عن اجتماعهما، ثم ما يتفرّعُ عن هذه العلاقة، وأن المطلوبَ هو علاجُ العلاقةِ الناشئةِ عن هذا الاجتماعِ وما يتفرعُ عنه، وأنّ هذا العلاجَ لا يمليهِ العقل وإنما يمليهِ الشرع.
وأمّا العقلُ فإنهُ يفهمُهُ فهمًا على أنه علاجٌ لامرأةٍ مسلمةٍ ورجلٍ مسلمٍ يعيشانِ طرازًا معينًا من العيشِ، وأنّ الإسلامَ أوجبَ عليهما أن يتقيدا بالعيشِ على هذا الطرازِ كما أمر به الله في الكتابِ والسنةِ، بغضّ النظرِ عما إذا وافقَ عقولَ الناسِ أو خالفها، او ناقضَ عاداتِ الآباءِ والأجدادِ وتقاليدَهُم أو وافقَها.
ciloxan notice ciloxan tropfen ciloxan alkohol



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB