الإسلام وإيْديُولوُجيَّة الإنْسان
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   362
تاريخ النشر :   1989




المجْتمع الإسْلامي في المدينة

حين قدم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المدينةَ كانت تسكنها ثلاث جماعات:
1 ـــــــ المسلمون، من مهاجرين وأنصار، وكانوا الكثرة الغالبة فيها.
2 ـــــــ المشركون من الأوس والخزرج الذين لم يسلموا وكانوا قلّةً بين أهلها.
3 ـــــــ اليهود: وهم أربعة أقسام: قسم منهم في داخل المدينة هم بنو قينقاع، وثلاثة أقسام خارجها هم بنو النضير وبنو قريظة ويهود خيبر.
وقد كان اليهودُ، قبلَ الإسلامِ، مجتمعًا منفصلًا عن المجتمع في المدينة، فأفكارُهم ومشاعرُهم متباينةٌ عن أفكار الناس ومشاعرهم، والنِظام الذي يحلون به مشاكلهم ليس نظام المجتمع من حولهم، ولذلك لا يعتبر اليهود جزءًا من المجتمع في المدينة، وإن كانوا داخلَها أو على مقربةٍ منها.
وأما المشركون فقد كانت الأجواء الإسلامية قد اجتاحتهم، ولذلك كان خضوعُهم في علاقاتهم للأفكار وللمشاعر الإسلامية، ولِنظامِ الإسلامِ، أمرًا حَتْمِيًّا، حتى ولو لم يعتنقوا الإسلام.
وأما المهاجرون والأنصارُ فقد جمعهم الإسلامُ وألّف بين قلوبِهِم، ولهذا أفكارهم واحدة ومشاعرهم واحدة، فكان تنظيم علاقاتهم بالإسلام أمرًا بديهيًا. ولذلك بدأ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقيم العلاقات بينهم على أساس العقيدة الإسلامية، ودعاهم ليتآخوا في اللّه، أخوين أخوين، أخوة يكون لها الأثر الملموس في معاملاتهم وأموالهم وسائر شؤونهم.
فكان هو، صلى الله عليه وآله وسلم، وعلي بن أبي طالب عليه السلام أخوين، وكان عمه حمزة ومولاه زيد أخوين، وكان أبو بَكْر وخارجة بن زيد أخوين، وكان عمر بن الخطاب وعتبان بن مالك الخزرجي أخوين، رضي الله عنهم جميعًا. وكان لهذه الأخوة أثر في الناحية الماديةِ، فقد أظهر الأنصارُ من الكرمِ لإخوانهم المهاجرين ما يزيد هذه الأخوة قوة وتوكيدًا، فقاسموهم الأموال والأرزاق، وشاركوهم في حاجات الدنيا.
وهكذا انصرف كٌلٌّ إلى عمله، فاتجه التجار للتجارة، والزراع للزراعة. وبهذا أقام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المجتمع في المدينة على أساسٍ ثابتٍ صمد لدسائس اليهود والمنافقين، وأصبح وحدةً متماسكةً، فاطمأنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى هذه الوحْدَة.
أما المشركون فقد خضعوا للحكم الإسلامي، ثم تلاشى وجودهم، فلم يَعُدْ لهم أثر في تكوين هذا المجتمع.
وأما اليهودُ فكانوا مجتمعًا آخر قبل الإسلام، وبعدَ الإسلامِ ازداد التبايُن بين مجتمعِهم وبين المجتمع الإسلامي. ولذلك حدّد الرسولُ صلى الله عليه وآله وسلم موقفَ المسلمينَ منهم، وحدَّد لهم ما يجبُ أن يكون عليه وضعهمْ في علاقاتِهِمْ مَعَ المسلمين. فقد كتب صلى الله عليه وآله وسلم بين المهاجرين والأنصار كتابًا ذكر فيه اليهود واشترط عليهم شروطًا. وكان الكتاب منهاجًا حددت فيه علاقاتُ قبائلِ اليهود مع المسلمين، بعد أن حددت علاقات المسلمين بعضهم بالبعض الآخر، وبمن تبعهم، على أسس واضحة يكون الإسلام فيها الحكم. واطمأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عند ذلك إلى بناء المجتمع الإسلامي في المدينة.


تكوين المُجتَمع وتنظيمُه عِندَ الشيوعيّين:
يقول الشيوعيون: إذا كنا نشاهد في مختلف أدوارِ تاريخ المجتمعِ أفكارًا ونظريات شتّى عن تنظيم المجتمعِ، وآراءً وأوضاعًا سياسية متباينة، إذا كنا نجد تحت نظام الرق هذه الأفكار والنظريات عن تنظيم المجتمع، وتلك الآراء والأوضاع السياسيّة، بينما نجد غيرها في ظلِّ الإقطاعية، وغيرها أيضًا في ظل الرأسمالية، فتفسيرُ ذلك ليس في طبيعةِ أو في خصائصِ الأفكار والنظريات، والآراء والأوضاع السياسية نفسها، بل في شروط الحياة المادية للمجتمع في مختلف أدوارِ التطورِ التي يمرّ بها. فالوجودُ الاجتماعي، على حدّ تعبيرهِهم، وشروط الحياة المادية للمجتمع، هي التي تعين أفكارَ المجتمع ونظرياتِهِ وآراءهُ وأوضاعَهُ السياسية. وقد كتب كارل ماركس في هذا الموضوع يقول: «ليس إدراكُ الناسِ هو الذي يحدّد معيشتَهُم، بل على العكس من ذلك، إن معيشتهم الاجتماعية هي التي تحدّد إدراكَهُمْ».
ومعنى ذلك أنَّ مفاهيمَ الإنسانِ عن الحياةِ ليست هي التي تسّيره في الحياة، بل الواقعُ الذي عليه المجتمعُ هو الذي يسيره، لأن مفاهيمَهُ إنما هي انعكاسٌ لهذا الواقع. ومعنى ذلك أن المفكرين ليسوا هم الذين ينهضون بالأمة، وإنما الواقع الذي عليه المجتمع هو الذي ينهض بها لأنَّ أفكارَ المفكرين انعكاس لهذا الواقع. ومعنى ذلك أيضًا أنَّ التشريعَ لا يضعُهُ الفقهاءُ والمشرعون لمعالجةِ الوقائعِ التي تحصل، وإنما الواقع الذي عليه المجتمع هو الذي يوجد التشريع، لأنه ينعكس على أدمغة المشرّعين فيشرعون التشريع، ولأن العلوم والمعارفَ إنما هي انعكاساتٌ لواقِعِ المجتمع. هذا هو ما تعنيه النظرّيةُ الديالكتيكيةُ من ناحية فكرية، ومن ناحيةِ تطبيقاتِها على درس الحياةِ في المجتمع وعلى درس تاريخ المجتمع.
غير أنَّ الشيوعيين لما رأوا أن أثرَ الأفكار والمفكرين في المجتمع لا يمكن إنكارُهُ، اعترفوا بذلك، ولكنهم أوَّلوه على شكل ينسجمُ مع نظريتهم في تطبيق الفكرِ على المجتمعِ. يظهر ذلك من هذا القول لكارل ماركس: «إن معيشة الناسِ الاجتماعية هي التي تحدد إدراكهم»، أي أن الأفكار والنظريات الاجتماعية والآراء والأوضاع السياسية، ليس لها شأنها وأهميتها في الحياة الاجتماعيةِ. وقالوا: نحن لم نتكلم حتى الآن إلا عن أصلِ الأفكارِ والنظرياتِ الاجتماعيةِ والآراء والأوضاعِ السياسية، وعن نشوئها وظهورِها، فقلنا إن حياةَ المجتمع الروحيةَ هي انعكاس لظروف حياته المادية. أما من حيث أهمية هذه الأفكار والنظريات الاجتماعية، وهذه الآراء والأوضاع السياسية، ومن حيث دورها في التاريخ، فالمادية التاريخية لا تنكر ذلك، بل إنها، على العكس، تشير إشارةً خاصةً إلى دورها وأهميتها العظيمين في الحياةِ الاجتماعية، وفي تاريخ المجتمعِ. وهذا يعني أنهم يسلِّمون بأهميةِ الفكرِ، ولكنهم بعد أن يسلموا بذلك تراهم يرجعون إلى كونه نتيجةً للحياةِ المادية، وليس هو الذي أثر في الحياة الماديةِ. ولذلك يقولون: «إن الأفكارَ والنظرياتِ الاجتماعيةَ والأوضاعَ السياسةَ تتولد من المهمات العاجلةِ التي يضعها تطورُ الحياةِ الماديةِ للمجتمعِ، ثم تؤثر هي نفسها، فيما بعدُ، في المعيشة الاجتماعيةِ، وفي حياةِ المجتمع المادية، بخَلْقها الشروطَ اللازمةَ لحل المسائل العاجلةِ الملحّة في حياة المجتمع المادية، وجعل تطور المجتمع إلى الأمام ممكنًا». أي أن الحياة الماديةَ هي التي تعطي الأفكارَ، ثم تصبح لهذه الأفكار أهميتُها. فأهمية الفكر ليست آتية من أن الفكرَ من حيث هو فكرٌ يؤثر في المجتمع، بل هي آتيةٌ من أن المجتمعَ هو الذي أعطى الفكرَ، ثم صارت لهذا الفكر الذي أعطاه المجتمعُ أهميةٌ في المجتمع، فيقولون: «إن الأفكار والنظريات الاجتماعيةَ الجديدةَ لا تبرزُ إلا عندما يضعُ تطورُ الحياةِ الماديةِ للمجتمعِ مهماتٍ جديدةً أمام المجتمع، لكنها إذا ما برزت أصبحت قوةً ذاتَ اهمية من الدرجةِ العليا، تسهِّل إنجازَ المهمات الجديدةِ التي يضعها تطورُ الحياةِ المادية للمجتمع، وتسهِّل رقيَّ المجتمع. وتبدو إذ ذاك خطورةُ الدور الذي تقوم به الأفكارُ والنظرياتُ الجديدةُ، والآراءُ والأوضاعُ السياسيةُ الجديدةُ، من حيث هي قوةُ تنظيمٍ وتعبئةٍ وتحويل».
وفي الحقيقةِ إن الأفكارَ والنطرياتِ الجديدةَ إنما تظهر لأنها ضروريةٌ للمجتمع، فبدون عملها المنظِّم والمعبِّئ والمحوِّل يستحيل حلّ المسائل العاجلة الملحّة التي يقتضيها تطورُ الحياة المادية للمجتمع. وبهذا يتبين أن اعترافهم بأهمية الفكر ليس اعترافًا بأهميته في إيجاد المجتمع وتكوينه وجعله طرازًا خاصًا، وإنما اعتراف بأن المجتمع هو الذي أنشأ الأفكار، ثم صارت لهذه الأفكار أهميةٌ من حيث تبني الناس لها واتخاذها وسيلةً للتنظيم والتعبئة. فتكون أهميتُها عندهم ليست بالنسبة للمجتمع، بل بالنسبة لإعطائها للناس. أما بالنسبةِ للمجتمع فهي ناتجةٌ عنه، وليست موجدةً له أو مؤثرةً فيه.
على أنَّ المشاهَدَ المحسوسَ أن الشعوبَ والأممَ لا تنهض إلا عندما يوجد لديها مفكرون يرسمون لها الطريق، وأن الاشتراكية الماركسيةَ نفسَها أفكارٌ وجدت لدى مفكر ألماني، فهي ليست من واقع روسيا، وأنها لو لم يحملها لينين ويكوّن عليها حزبًا سياسيًا عقائديًا لما وُجِدَ النظام الاشتراكي في روسيا. وهذا وحدُه كاف ليدحضَ القولَ بأن منشأ الأفكارِ والنطرياتِ والآراء السياسيةِ هو واقعُ المجتمع وليس المفكرين، وليثبتَ أن الفكر هو أساسُ نهضةِ المجتمعِ، وهو أساسُ الأنظمةِ، وهو أساسُ الآراءِ والأوضاعِ السياسية.
وأبسط دليلٍ على ذلك أن البحث عن منشأ الحياةِ العقلية في روسيا حاليًا، وعن أصلِ الأفكارِ والنظرياتِ والآراء السياسيةِ فيها، إنما يكونُ في الأفكارِ الماركسيةِ وتفسيراتها وليس في حياةِ روسيا الحالية، ولا في حياةِ مجتمعها حين قامت الثورةُ الشيوعيةُ. فالفكرُ أساسُ الأنظمةِ، وأساسُ النظرياتِ، وأساسُ الآراءِ السياسيةِ، وهو الذي يغير المجتمعَ، وهو الذي يُنهضُهُ أو يؤخرّه، وهو الذي يكيّفُ العلاقاتِ على وضعٍ معين، وهو الذي يحدّد للإنسانِ سلوكَهُ في الحياةِ.
والحاصلُ هو أنَّ نظريةَ الشيوعيين، القائلة بأن معيشة الناس الاجتماعية هي التي تحدّدُ إدراكَهم، باطلةٌ، لأن الواقعَ أن الأفكارَ التي يعتنقها الناس هي التي حددت معيشتَهم.وبعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم خير دليل على ذلك. فإن معيشة العرب، حين جاء الإسلام، كانت مناقضة كلّ المناقضة للأفكارِ التي جاء بها، وجاءت أفكار الإسلام، فحددت هي لهم معيشتَهُم. وكذلك البلاد التي فتحها المسلمون، كانت معيشة أهلها تناقض أفكار الإسلام، ولكنّ هذه الأفكار طبقت على المجتمعات التي فتحت كلها فغيرتها وجعلتها مجتمعًا واحدًا: فمعيشةُ الفرس كانت خلافَ معيشةِ الروم، ومعيشةُ الرومِ خلافَ معيشةِ البربر، فجاءت أفكارُ الإسلام وغيرت الحياةَ الماديةَ في كل هذه المجتمعات المختلفة، وجعلتها حياةً واحدةً فيها قاطبةً. فهذا الواقعُ المحسوس يُظهر أن الأفكار هي التي غيرت الحياةَ المادية، أي أنها هي التي حددت للناس معيشتَهمْ، سواءٌ حين نشأت هذهِ الأفكارُ، وذلك عند بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في جزيرة العرب، أو حين حُملَت هذه الأفكار وطُبقت على الناس، وذلك في الفتوحات الإسلامية.
وأما القولُ بأن أهميةَ الأفكار محصورةٌ في تبني الجماهير لها وتعبئتهم بها ـــــــ ما يسهِّل إنجاز المهماتِ الجديدةِ ـــــــ وليست في إيجاد المجتمع، فإنه خطأ، لأن أهميَّتها تكمن في كونِها تغير المجتمع وتدفع الناس لتغييره بصورةٍ مستمرةٍ دون توقفٍ أو جمود. فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم نشأت عنده الأفكارُ بالوحي، فهو لم يأخذها من معيشته، ولا من المجتمعِ الذي كان يعيش فيه، ولذلك فهي لم تنشأ من الحياةِ الماديةِ قطعًا، ومع ذلك فقد تقبلها الناس في المدينة وطبقها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عليهم.
ولم تكن أهمية الأفكار الإسلامية آتية من تبني الجماهير الشعبية لها، وتعبئة هذه الجماهير بها وتنظيمها ضد القوى المتلاشية، وإنما أهميتها كانت في أنها غيرت حياتهم المادية، وغيرت طرازَ معيشتهم، واحدثت انقلابًا جذريًا في عقلياتهم ونفسياتهم وطريقة معيشتهم وأوجدت بذلك مجتمعًا جديدًا. كما كانت أهميتها في الدرجة الأولى بإيجاد المجتمع وليس بسوق الناس للنضال ضد القوى المتلاشية. إنها هي التي أوجدت المجتمع الإسلامي في المدينة، ثم بعدَ ذلك كانت لها أهميةٌ عند حملها للناسِ وتطبيقِها عليهم. فهي في كلتا الحالتين: في إنشاء المجتمع لأول مرة، وفي إنشاء المجتمع في كل بلد فُتِحَ، كانت أهميتُها ليس في تبني الناسِ لها فقط، بل كانت في الدرجةِ الأولى في إيجادِ المجتمع. فهي التي حددتِ المجتمعِ، وعندما طبّقها المسلمون على أنفسِهِمْ، وُجِدَ بها المجتمع، ثم حملوها رسالةً للناس، فطبقوها عليهم، ثم أوجدوها عندهم، فأهميتُهَا في إيجادِ المجتمعِ وتحويلِهِ وليس في تنظيمِ الناسِ فقط... وبهذا يبطلُ قولُ الشيوعيين بأن الأفكارَ والنظرياتِ تتولدُ من المهماتِ العاجلةِ التي يضعُها تطورُ الحياةِ الماديةِ للمجتمعِ، ثم تؤثر هي نفسها في تسهيل المهماتِ الجديدةِ الماديةِ التي يضعها تطورُ الحياةِ الماديةِ للمجتمع. وبطلان هذا القول بارزٌ من الواقع الذي ظهر فيه الإسلام إذ دلّ على أن الأفكارَ الإسلامية هي التي أثرت في المجتمع فأوجدته وحوّلته، فكان تأثيرها ليس في أنها سهلت تحولَ المجتمعِ، بل بكونها أوجدته من الأساس. ودلّ الواقع كذلك على أن الأفكارَ هذهِ التي أثرت في المجتمع وحولته لم تؤخذ من حياة المجتمع المادية، ولم تتولد من المهمات العاجلة التي وضعها تطورُ الحياةِ المادية للمجتمع، بل جاء بها الوحي من عندالله. أي هي أفكارٌ من خارجِ المجتمعِ الذي كان يعيش فيه الرسول، ومن خارجِ الحياةِ المادية للمجتمع الذي كان فيه. وهذا دليلٌ كافٍ لنقضِ هذهِ النظريةِ من هاتين الجهتين: جهة تولّد الفكر والنظريات والأنظمة، وجهة تأثيره وأهميته.

تطبيق نظرية الديالكتيك على الحياة في المجتمع بنقاطه الأربع:
لقد عرفنا في كتابنا «طريق الإيمان» كيف أن الشيوعيين يفهمون الطبيعة ويعطون آراءهم فيها، وكيف أنهم راحوا يلخصونها بقولهم: إن الطبيعة كلٌّ لا يتجزَّأ، وهي في حالة تطور وتغير دائمَين، وإن هذا التغيير ينتقل من تغييرات كمية إلى تغييرات كيفية في طريق ارتقائي من حالة أدنى إلى حالة أعلى، وإن ذلك يتم بواسطة التناقضات الحتميةِ الوجودِ في الأشياء والحوادث، أي عَبْر نضال المتضادَّات.
وعرفنا أن هذا كله خطأ، ومجرَّد فروض نظرية وقياسات شمولية. غير أنهم لم يكتفوا بإعطاء آرائهم في الطبيعة، وقولِ نظريتهم بحتمية التطور في العالم، وإنما هم أخضعوا دراسة الحياة في المجتمع، ودراسة تاريخ المجتمع لهذه الآراء، أي لأفكار النهج الديالكتيكي. فيقولون: إذا صحّ أن ليس في العالم حوادث منعزلة، وإذا صحّ أن كل الحوادث مرتبطة فيما بينها ويكيِّفُ بعضُها البعضَ الآخر بصورة متبادلة، فمن الواضح أن كل نظام اجتماعي، وكل حركة اجتماعية في التاريخ، لا ينبغي الحكم عليهما من ناحية العدالة الأبدية، او من ناحية أية فكرة أخرى مقررة سلفًا، كما يفعل المؤرخون في الغالب، بل ينبغي أن نبني الحكم على أساس الظروف التي ولّدت هذا النظامَ، وهذه الحركةَ الاجتماعيةَ التي ترتبط به.
ويقولون: إن المطالبة بإقامة الجمهورية البورجوازية في ظروف القيصرية والمجتمع البرجوازي، مثلًا في روسيا عام 1905، كانت شيئًا مفهومًا وصحيحًا وثوريًّا تمامًا، لأن الجمهورية البرجوازية كانت تعني إذ ذاك خطوة إلى الأمام، ولكن المطالبة بإقامة الجمهورية الديمقراطية البرجوازية في ظروف الاتحاد السوفياتي الحاضرة تكون خرقًا وشيئًا رجعيًّا مضادًّا للثورة، لأن الجمهورية البرجوازية هي خطوة إلى الوراء بالنسبة إلى الجمهورية السوفياتية. فكل شيء يتعلق بالظروف، وبالمكان، والزمان.
تطبيق النقطة الأولى:
إن الشيوعيين يقولون، حسب النقطة الأولى من النظرية الديالكتيكية، بأن الطبيعة كلٌّ لا يتجزّأ. وهم يَرَوْنَ أنه يجب إخضاع دراسة الحياة في المجتمع، ودراسة تاريخ المجتمع للنقطة الأولى هذه من رأيهم في الطبيعة. وهذا الرأي خطأٌ محضٌ. فإن المشاهَد أن كل شيء في العالم له أمور خاصة به تميزه عن غيره، وقوانين خاصة به تختلف عن قوانين غيره. فالأرض متميِّزة عن كوكب الزُّهرة، ومنفردة عنها وغير مرتبطة بقوانينها الخاصة ارتباطًا حتميًا، مع أن كلًا منهما من الكواكب السَيّارة في النظام الشمسي. والحديدُ مميِّزٌ عن الزئبق وغير مرتبط به ارتباطًا حتميًا في قوانينه الخاصة، مع أن كلًا منهما معدن. والإنسان متميِّز عن الحيوان وغير مرتبط به ارتباطًا حتميًا في قوانينه الخاصة مع أن كلًّا منهما حيوان وهكذا... فالارتباط الحتمي في كل شيء بين أجزاء الكون وما يحويه غير موجود، بل الموجود هو الارتباط العامُّ فقط. ثم إن الإنسان بالذات ــــــ من حيث اختياره المحض لطريقة حياته ولأسلوب عيشه، ولسيره حسب القانون الذي يختار ــــــ منفردٌ عن كل شيء في الكون، وغير مرتبط من هذه الناحية بشيء مطلقًا، بل في مقدوره أن ينفصل أفراد منه عن أفراد آخرين منه، في طريقة الحياة وأسلوب العيش. فالارتباط في طريقة الحياة بين الإنسان والطبيعة غير موجود. وعليه فإن كل نظام اجتماعي وكل حركة اجتماعية، لم تولِّدهما ظروفٌ حتمية، وإنما ولدتهما أفكارٌ تتعلق بالحياة، وعلى أساسها وُضِعَ هذا النظام، وقامت تلك الحركة، فإذا غُيِّرت هذه الأفكار تغير النظام وهكذا... وبلادٌ مثل البلاد الإسلامية كانت تُحكم بالإسلام وتتبع نظام الخلافة في الحكم، فاستولى عليها الغربيون الرأسماليون عن طريق الأفكار الرأسمالية وتطبيق النظام الرأسمالي، فإذا تغيَّرت أفكار الناس في هذه البلاد وعادت إليهم الأفكار الإسلامية، رجعوا لنظام الإسلام واتَّبعوا نظام الخلافة.
وحصول هذا التغيير في الأفكار ليس خرقًا وبدعة مضادَّة للطبيعة، وإنما يأتي منسجمًا مع الواقع، لأن كل أمة إنما تسير في الحياة حسب ما لديها من أفكار. فأوروبا الشرقية في الوقت الذي يتزحزح عنها كابوس الحكم الاشتراكي الماركسي سوف ترجع لأفكار الرأسمالية وتتبع نظام الحريات.
وعندها هل يكون هذا التحول خرقًا للطبيعة، أم أنه يأتي منسجمًا مع ما أرادته شعوب أوروبا الشرقية بحسب ما أصبح لديها من تطور في الأفكار؟ وحتى روسيا التي تسير الآن على الاشتراكية الماركسية فإنها تخشى من أن ترجع إليها الأفكار الرأسمالية ـــــــ هذا في الوقت الذي تحاول اتباع سياسة الانفتاح على العالم الغربي ـــــــ ومع ذلك فهي تقاوم الفكر الرأسمالي بالحديد والنار، لأنها تثق أنه إذا أصبحت الأفكار الرأسمالية في روسيا هي الطاغية، فلا شك أن النظام الاشتراكي الماركسي سيُنسف، وسيحلُّ محلَّه النظامُ الرأسمالي.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن تلك المطالبة بإقامة الجمهورية الديمقراطية على أساس البرجوازية في روسيا إبان حكم القيصرية سنة 1905، لا يعتبر تقدُّمًا وخطوة إلى الأمام، بل يُعتبرُ تغييرًا للنظام القائم، من غير أن يكون للطبيعة وحوادثها أو لقوانين الكون أي تدخل في ذلك.
فكون المطالبة بالنظام تقدُّمًا وتأخُّرًا راجع للنظام نفسه المطالب به، لا للظروف والحوادث الطبيعية. ودليل آخر على ذلك هو أن ألمانيا الشرقية حين حُكمت بالنظام القائم فيها الآن رجعت إلى الوراء، وتعاظَم شقاءُ الناس في ظلِّه فأخذوا يفرُّون منه زرافات ووحدانًا. وكذلك بلغاريا أو تشكسلوفاكيا تشعر كلُّ منهما أنها إذا حُكمت بالجمهورية الديمقراطية تقدمت إلى الأمام مع أن النظام الذي فيها أقامه الاتحاد السوفياتي، مما يدل بشكل واضح على أن كون النظام تقدميًّا أو رجعيًا ليس راجعًا للظروف والحوادث الطبيعية، وإنما هو راجع للنظام نفسه، فإن كان يأخذ بيد الأمة في مدارج الارتقاء الفكري والتقدم المادي فهو نظام تقدمي، وإن كان يؤخر الأمة عن النهوض الفكري أو التقدم المادي، فهو رجعي بغضِّ النظر عن الظروف والحوادث الطبيعية.
وها هي بولونيا أخذت تحاول في أوائل الثمانينات أن تتخلص من النظام الاشتراكي الشيوعي الذي فرضه عليها الاتحاد السوفياتي لتعود إلى نظام الحريات، لأنها ستحيا ـــــــ كما تعتقد ـــــــ من جراء تطبيقه حياةً كريمة.
وبهذا يظهر بوضوح خطأ تطبيق النقطة الأولى من رأيهم، وهي أن الطبيعة كلٌّ لا يتجزأ، وخطأٌ دراسةُ الحياةِ في المجتمع على هذا الأساس.
والخطأ في ذلك كله آت من جهتين:
إحداهما: أنهم قالوا إن الطبيعة كلٌّ لا يتجزأ. وهذا يعني أن الإنسان مرتبطٌ بما حوله من جبال وأنهار وكواكب ارتباطًا يجعلها تكيِّفه وتكيِّف سلوكه. والواقع يكذِّب ذلك. فإن ما حول الإنسان ليس هو الذي يكيِّف سلوكه، بل الذي يكيِّف سلوك الإنسان هو ما لديه من مفاهيم، وبهذا يظهر عدم ارتباط الأشياء فيما بينها ارتباطًا يكيِّف بعضها مع بعض بصورة متقابلة.
أما الجهة الثانية الآتي منها الخطأ، فهي أنهم طبَّقوا مقولتهم القائلة بأن «الطبيعة كلٌّ لا يتجزأ» على حياة المجتمع، فخرجوا بنتيجة مآلها أن الظروف هي التي تولِّد النظام، بل يُحكم على النظام على أساس الظروف التي ولّدته، فتكون حياة المجتمع مسيَّرة بالظروف وتسييرها إنما هو نتيجة للظروف. والواقع يكذّب ذلك أيضًا. ذلك أن حياة المجتمع إنما تقوم على العلاقات بين الناس وهذه العلاقات تسيّرها المفاهيم التي يحملونها. فلو فرضنا جدلًا أن الإنسان مرتبط بالشمس والجبل والنهر وغير ذلك من الأشياء في العالم، إلا أن هذا الارتباط لا دخل له بالعلاقات الجارية بين الناس، لأن الأشياء بذاتها لا علاقة لها بتسيير هذه العلاقات، بل وحدها المصالح بين الناس هي التي تسيَّر علاقاتهم وتوجهها فيندفعون لقضائها دونما أي تأثير من أشياء الطبيعة. ولذلك لا ينطبق الارتباط الموجود بين أشياء الطبيعة على العلاقات الجارية بين الناس، ولا يمكن تطبيق هذا الارتباط على المجتمعات البشرية. وبهذا يظهر أن الحوادث لا يكيف بعضُها بعضًا بصورة متقابلة نتيجةً لارتباطها فيما بينها، كما يظهر أيضًا خطأ إخضاع الحياة في المجتمع للارتباط الحاصل بين الحوادث وبين الأشياء على فرض وجود هذا الارتباط.
وأما قولهم إن كل شيء يتعلق بالظروف، وبالمكان والزمان، واعتبار المطالبة بنظام معيَّن تقدميةً في ظروف ورجعيةً في ظروف أخرى، فإنَّ مثالًا واحدًا يجري في أوروبا كاف لبيان فساد رأي الشيوعيين، ألا وهو نظام السوق الحرة ونظام السوق المشتركة المطبَّقين اليوم في أوروبا. فانكلترا والسويد والنروج والنمسا والدانمارك وسويسرا والبرتغال كانت تسير حسب نظام مخصوص فيما بينها، اسمُه السوق الحرة، وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وهولندة وبلجيكا ولوكسمبرغ تسير حسب نظام مخصوص فيما بينها اسمُه السوق المشتركة، وجميع الظروف في هذه الدول من حيث المكان والزمان واحدة، ومع ذلك ارتبطت كل مجموعة بنظامها دون الأخرى، ولم تكن المطالبةُ بأيّ النظامَين رجعيةً ولا تقدميةً. ولكن ظهر بعد التطبيق أن نظام السوق المشتركة أدى بالدول الست التي تسير عليه إلى تقدمٍ ماديٍ بشكل ملحوظ لفت نظر العالم، فبدأت عندها دول السوق الحرة تنضمُّ إلى السوق الأوروبية المشتركة وتتخلى عن السوق الحرة. فهل هذا يسمى نظامًا تقدميًّا للظروف وللمكان والزمان، أم تقدميًا طبقًا للأفكار التي يتضمنها النظام؟
وهل إن عدم التقدم المادي للدول المشتركة بنظام السوق الحرة كان رجعيةً وخطوةً إلى الوراء بسبب ظروف تلك الدول، أم أنه ظهر لها عدم نجاح هذا النظام فأرادت تغييره؟
أليس هذا برهانًا محسوسًا على أنّ الظروف لا شأن لها بالنظام ولا بجعله تقدميًا إذا انسجم مع الظروف، ورجعيًا إذا كان خرقًا أو بدعة مضادَّةً للطبيعة، وإنما الذي يجعل النظام صالحًا أو فاسدًا هي الأفكارُ التي يتكوَّن منها النظام؟
تطبيق النقطة الثانية:
يقول الشيوعيون، حسب النقطة الثانية من النظرية الديالكتيكية: إن العالم يتحرك ويتطور دائمًا وأبدًا، وإن اختفاء القديم ونشوء الجديد هما قانون للتطور. ويُبنى على ذلك أنه ليست هناك أنظمة اجتماعية ثابتة غير قابلة للتغيير، ولا مبادئ أبدية للملكية الخاصة والاستثمار. وليس هناك أفكار أبدية عن خضوع الفلاحين لكبار ملّاكي الأرض، والعمال للرأسماليين. وتاليًا يمكن أن يحل النظام الاشتراكي محل النظام الرأسمالي، كما حل النظام الرأسمالي في حينه محل النظام الإقطاعي.
إن هذا الرأي بُني على رأيهم في الطبيعة من حيثُ إنها تتغير ومن حيثُ إن هناك أشياء تنشأ وأشياء تضمحلّ، فتكون الأنظمة كذلك تتغير؛ أي أنه لا بد أن يحصل تغير في الأنظمة، فتختفي أنظمة وتقوم أخرى. وهذا خطأ محض. لأنه قد يكون هنالك تغيرات في عوالم الطبيعة ولكن ذلك لا يعني أن الأنظمة تتغير حتمًا ما دام العالم يتغير. إذ يجوز أن تتغير الأنظمة، ويجوز أن لا تتغير، فهي غير مرتبطة بتغير العالم من جهة، ولا ينطبق عليها ما ينطبق على الطبيعة وعلى أشياء الطبيعة من جهة ثانية.وتغير الأشياء في العالم قد يحدث من جرّاء عوامل معيَّنة كتغير التراب بتحجُّره مثلًا، ولكن هذه العوامل التي تؤدي إلى تغيير الأشياء لا تنطبق على الأنظمة في المجتمع، كما أن العوامل التي تؤدي إلى تغيير الأنظمة في المجتمع لا تنطبق على الأشياء. فربط تغير الأنظمة في المجتمع بتغير العالم لا وجْهَ له، للتباين الواضح بينهما، ولذلك كان القول بحتمية تغير تلك الأنظمة لأن التغير في العالم أمرٌ حتميّ قولًا خاطئًا، إذ لا علاقة مطلقًا بين تغير العالم وبين تغير الأنظمة في المجتمع.
ثم إن موضوع كون الأنظمة للناس ثابتة أو متغيرة غير وارد، وليس التغير والثبات محل بحث في الأنظمة التي تقوم في المجتمعات البشرية، لأن النظرة إليها ليست نظرة ثبات أو تغير، وإنما هي نظرة صلاح أو عدم صلاح. فنظام إباحة الملكية نظام قديم، ونظام تحديد هذه الملكية أو إلغائها في بعض الإيديولوجيات نظام جديد، فلا يقال إن هذين النظامين يخضعان لقانون التطور، وأن نظام إباحة الملكية يجب أن يختفي لأنه قديم، ويجب أن ينشأ على أنقاضه نظام إلغاء الملكية أو تحديدها؛ لا يُقال ذلك لأن الواقع أن نظام إباحة الملكية باق ولم يتغير، ونظام إلغاء الملكية أو تحديدها وجد لوجود أفكار جديدة تقول به وليس لأن القديم اختفى ونشأ الجديد. ونظام الحروب نظام قديم ونظام السِّلم ونزع الأسلحة نظام جديد، فلا يقال إن نظام الحروب يجب أن يختفي، وأن ينشأ نظام السِّلم ونزع الأسلحة. أجل، لا يقال ذلك لأن نظام الحروب موجود وقائم على أرض الواقع، في حين أن نظام السِّلم ونزع الأسلحة لا يزال مجرد أفكار ونظريات.
ونظام الحصانة الديبلوماسية التي يتمتع بها ممثلو الدول هو قديم. فلا يقال إنه قديم يجب أن يختفي بنظام جديد، لأن الواقع أنه موجود، ولم يوجد خلافه بعد، طالما أنه يتمتع برضا الدول وموافقتها. وعليه فإن النظرة إلى الأنظمة في المجتمع ليست نظرة ثبات وتغير، بل هي نظرة تقوم على صلاح النظام أو عدم صلاحه ليس غير. فالنظام في مجتمع من المجتمعات ليس كالرغيف يتعفن، ولا كالعجين يصير خبزًا، وليس كالطفل يصير شابًّا ولا كالشاب يصير هرمًا، أي أنه غير مرتبط بقانون حتمية التغير وعدم الثبات. بل إن قانون التغير والثبات ليس محل بحث في الأنظمة وإن كان هو محل بحث في العالم، وما ينطبق على العالم من التغير، لا ينطبق على الأنظمة، وأكبر دليل على ذلك واقع الأنظمة في المجتمعات وما ترتبط به من أفكار.
فهناك أنظمة لم تتغير بعد، برغم قدمها كنظام الحصانة الديبلوماسية، وكنظام التسلُّح، وكنظام التجسُّس على الأعداء. وهناك أفكار لم تتغير بعد برغم قدمها، كفكرة أن الشمس مضيئة، وأن الواحد والواحد يساويان اثنين، وأن الإنسان لا يعيش بدون غذاء. فلو كان التغير في الأنظمة والأفكار حتميًا لَمَا بقي نظام واحد ولا فكر واحد لم يتغيرا، مما يفضي إلى القول بأن حتمية التغير في الأنظمة والأفكار قول خاطئ، وبأن الأنظمة والأفكار مربوطة بالعالم من حيث الثبات والتغير قولٌ خاطئٌ أيضًا.
صحيح أن هناك أنظمة كثيرة قد تغيرت، وهناك أفكار عديدة قد تغيرت، فنظامُ جعل الحكم حقًّا إلهيًّا مقدسًا للملك ولورثته من بعده قد تغير، وحل محلَّه نظامُ جعلِ الحكم للأمة تختار من تشاء ليكون حاكمًا لها، ونظام الامبراطوريات بإعطاء امتيازات لمركز الامبراطورية على سائر المقاطعات قد تغير، وحل محلَّه نظامُ المساواة بين سائر المقاطعات في الحقوق والواجبات، ونظام التمييز العنصري بتفضيل عنصر على عنصر لأنه أبيض أو لأنه من شعب معيَّن قد تغير، وحلَّ محلَّه نظام عدم التمييز بين عنصر وعنصر. ولكن هذا التغير لم يحدث لأن العالم يتغير، وإنما حصل التغير لأنه ظهر فساد هذه الأنظمة والأفكار وعدم صلاحها لمعالجة مشاكل الإنسان فتغيرت ووضع مكانها ما يُظنّ أنه علاج صالح لهذه المشاكل. فتغيرها لم يكن لأن التغير في الأنظمة أمر حتمي، ولم يكن لأنها مربوطة بالعالم والعالم يتغير فتغيرت، بل كان تغيرها لأن الناس رأوها غير صالحة لمعالجة مشاكلهم فغيروها. وهكذا فلا يُتخذ وجود التغير في الأنظمة والأفكار دليلًا على أن التغير فيها أمر حتمي، ولا على أن هذا التغير حدث فيها بسبب ارتباطها بالعالم من حيث تغيره.
وقد يحصل تغير الأنظمة لتغير الوقائع، فيكون النظام موضوعًا لواقع معيَّن، فيتغير هذا الواقع ويوجد مكانه واقع جديد فيصبح النظام غير صالح لهذا الواقع الجديد الذي يحتاج إلى نظام آخر غير النظام الأول. فمثلًا حين تكون حالة الحرب الفعلية قائمة بين أمَّتين يكون هناك واقع معيَّن للعلاقات بينهما، ويكون لهذا الواقع نظام معيَّن وهو إباحة دماء وأموال وأراضي العدو المحارب... ثم تعقد بين الأمَّتين معاهدة صلح وحسن جوار وأمان عام، وبذلك يتغير الواقع للعلاقات بينهما فيحتاج إلى نظام آخر غير الأول وهو احترام المعاهدة، وعدم التعرض لأحد ولا لأمواله ولا لأراضيه. ولكن هذا التغير لم يحصل لأن التغير حتمي في الأنظمة، ولا لأن العالم يتغير، بل لأن الواقع الذي يعالجه النظام قد تغير.
وكذلك فإن نظام الرقّ القديم لم يعد قائمًا، أي لم يعد يشكل واقعًا، بعد أن تبدلت نظرة الناس إلى الرق، ورفضه المسلمون وغير المسلمين، في الشرق كما في الغرب.
وتغيير الأنظمة لا يكون بتغيير الوقائع بسبب ظهور فسادها، وإنما يكون التغيير بحسب الأفكار التي يحملها الإنسان الذي يغير هو هذه الأنظمة. فإذا كانت الأفكار ترى أن الواقع الجديد لم يعد النظام القديم صالحًا له يحصل تغيير النظام، وإذا كانت هذه الأفكار لا ترى ذلك بل ترى أن النظام القديم لا يزال صالحًا للواقع الجديد لا يحصل التغيير. هذا في حين أن هنالك من يرى بأن مجرد تغير الواقع يجعل النظام الأول غير صالح له ولا بد من نظام جديد يصلح لمعالجته. ومثال ذلك أسلوب استعمار الشعوب الضعيفة، فإن أكثر العالم يراه نظامًا فاسدًا، بينما الدول الرأسمالية تراه نظامًا صالحًا، وهي تتمسك به. وبالرغم من الضغط العالَمي لم ترَ تغييره ولم تغيره مختارة، وإنما استبدلت أسلوبه، فبعد أن كان عن طريق الجيوش والقتال صار عن طريق القروض والمساعدات بحجة التنمية وغيرها.
والناظر في الوقائع منذ أن وجد الإنسان، يرى أن الإنسان حين يعتمد نظامًا غير نظامه الأول لا يجري في تغييره حسب تغير الكون أو حسب تغير الأشياء والحوادث، وإنما يجري تغييره بتغير الأفكار التي يحملها والمشاعر المتيقِّظة لديه، كما جرى تغيير الوثنية وحلول الإسلام مكانها، وكما جرى تغيير الرأسمالية في روسيا وحلول الاشتراكية مكانها.
أما تغيير الأشياء والوقائع التي تجري فإنه يتطلب معالجة جديدة للأشياء والوقائع الحادثة، ولا يتطلب تغيير النظام، لأن النظام هو مجموعة معالجات، وهو يستند إلى فكرة كلِّية عن الكون والإنسان والحياة، كما هي حال الأنظمة الثلاثة: الإسلام والرأسمالية والاشتراكية الماركسية...
وقد لا يستند النظام إلى فكرة كلِّية، ولكنه في مجموعه مترابط، وله وجهة نظر خاصة وطريقة خاصة، مثل النظام في اليابان. فتغير الأشياء والحوادث لا يغير النظام، وإنما يتطلب معالجات لهذه الأشياء والحوادث، في الوقت الذي يظل الشعب فيه متمسكًا بالنظام الذي يعيش في ظلِّه.
ومن هنا لا توجد حتمية التغير في النظام ليحل محله نظام آخر بناء على تغير العالم أو تغير الحوادث والأشياء. وإنما القضية في الأنظمة هي قضية الأفكار التي يحملها الناس، والمشاعر المتيقظة لديهم. فإذا تغيرت تغير النظام، وإذا لم تتغير لا يتغير بل يبقى أبديًّا ما دام الناس يحملون أفكاره ومشاعره. وعلى ذلك لا ضرورة لأن يحل النظام الاشتراكي محل النظام الرأسمالي، ولا النظام الرأسمالي محل الاشتراكي، بل يحل نظام محل نظام في حالتين فقط: إحداهما إذا تغيرت الأفكار والمشاعر. والثانية إذا جاءت قوة أقوى من قوى الأمة ماديًّا وفكرّيًا وفرضت عليها نظامها. فحينئذ يتغير النظام. أما فيما عداهما فلا يحصل تغيير في النظام مطلقًا. وعليه كان من الخطأ القول بأن الأنظمة تتغير لأن العالم يتغير... وكان من الخطأ القول بأن تغير الأنظمة أمر حتمي... وكان من الخطأ ـــــــ أيضًا ـــــــ القولُ إن الأنظمة الثابتة غير موجودة... وكان من الخطأ القول بأن النظام الاشتراكي سوف يحل محل النظام الرأسمالي.
وهنا قد يقال إن حتمية التغير في الأنظمة هي حتمية اجتماعية، وليست قدرية طبيعية. والحتمية الاجتماعية هذه ليست آلية، بل هي كامنة في صلب النظام، بمعنى أن التغير في النظام يكون كامنًا فيه، ولكنه لا يتحول من نفسه آليًّا، بل لا بد من تدخل الإنسان، ليحصل التغير. فالحتمية إذًا هي إمكانية أو قابلية النظام للتغيير شرط أن يقوم الإنسان بفعل التغيير. والجواب على هذا هو أن الاشتراكيين الشيوعيين يقولون إن اختفاء القديم ونشوء الجديد هما قانون للتطور، فيكون تغير النظام القديم ومجيء نظام جديد قانونًا للتطور في الأنظمة. أما القول بأن ذلك التطور يكون كامنًا في النظام ولكنه لا يظهر بصورة آلية، لأنه يكون كامنًا في النظام، وأنه حتى يتحول النظام بالفعل لا بد من تدخل الإنسان... هذا القول هو تفسير لحتمية التطور التي يقولون بها. أي أنهم يفسِّرون حتمية التطور بأنها تجعل في النظام قابلية للتحول وليس تحولًا واقعًا بصورة آلية. وأيضًا مع هذا التفسير تكون النظرية خطأ. أما بالنسبة لكون التغير كامنًا في النظام، أي أن النظام يتحول من حالة معينة إلى حالة أخرى، فإن المشاهدَ أن هناك أنظمة عدة لا تزال من قديم الزمن حتى الآن كما هي. ومن الثابت أن نظام الحرب ونظام الرُّسل ـــــــ أي السفراء بين الدول ـــــــ قديمان، وأنهما باقيان. فلو كان التغير يحصل حتمًا بسبب ما يكمن في النظام من قابلية للتحوّل لكان حصل في هذين النظامَين. ولو كانت الحتمية الاجتماعية ـــــــ أي كون التغيير كامنًا في النظام ـــــــ لا بد من حصولها لأن اختفاء القديم ونشوء الجديد أمر حتمي، لكان نظام الحروب أو نظام السفراء قد آن له أن يصل إلى دور الكُمُون للتغير بناء على الحتمية الاجتماعية التي يقولون بها. وبما أنه لم يحصل التغيير وبقي نظام الحروب ونظام السفراء على حالهما، فتكون الحتمية الاجتماعية غير موجودة أصلًا.
إن النظام من أساسه فيه قابلية التغير بتدخل الإنسان، وليس عند وصوله إلى الحالة التي يكمن فيها التغيير، كما يحصل مثلًا في الماء حين تزداد حرارته فيصير بخارًا أو على العكس حين يصير جليدًا. فالاشتراكية التي تطبق في روسيا الآن فيها قابلية للتغير ـــــــ مثلًا ــــــ إذا حمل الناس هناك أفكار الإسلام، لأنهم حينئذٍ سيغيرونها قطعًا ويطبقون الإسلام بدلًا منها. وكذلك الرأسمالية التي تطبق في ألمانيا الغربية فإنها ستتغيّر إذا استولت روسيا ـــــــ مثلًا ـــــــ على هذا البلد، وسوف تطبق بدلًا منها الاشتراكية. فكون النظام فيه قابلية التغير أمر طبيعي، ولكن ذلك ليس حتميًا كما يحل التغير في العالم، وهو أيضًا ليس حتميًا حين يصل إلى حالة معيَّنة كما يحصل في الماء، بل إن قابلية التغير في كلِّ نظام آتيةٌ من حيث كونه أفكارًا تطبق على وقائع يمكن أن يأتي أي إنسان ويطبق غيرها. وبهذا يظهر أن الحتمية الاجتماعية غير موجودة في واقع الحياة ولا في واقع الأنظمة.
صحيحٌ أن النظام إذا ظهر فساده يصبح مستدعيًا للتغيير، وإذا تغير الواقع الذي كان يعالجه يصبح مستدعيًا للتغيير، ولكن هذا ليس من قبيل ما يسمُّونه الحتمية الاجتماعية لأن النظام إنما يوضع ليعالج أي ليُصلح. فإذا صار فاسدًا ذهب المبرر للإبقاء عليه ووجد المبرر لتغييره. فالتغيير هنا الذي صار يستدعيه وضع النظام في هذه الحالة، أي فساد النظام وعدم صلاحيته، إنما هو ناتج عن حالة النظام هذه، وليس قانون التطور والحتمية الاجتماعية هو الذي فرض هذا التغيير.
ومن هذا يتبيَّن أن النظام لا يتطور حين يصل إلى دور الحالة التي يكمن فيها التغيير فيحتاج إلى تدخل الإنسان حتى يفجِّر هذه الحالة الكامنة، وإنما النظام عبارة عن أفكار لمعالجة واقع معيَّن، فإذا ظهر فساد هذه الأفكار استدعى الأمر تغييرها بأفكار صالحة أي بنظام صالح. وكذلك هي الحال إذا تغير الواقع الذي تعالجه الأفكار ووُجد واقعٌ غيره يستدعي تغيير الأفكار، أي تغيير النظام، والإتيان بأفكار أخرى، أي بنظام آخر يطبق على الواقع الجديد.
وبذلك يظهر فساد القول بالحتمية الاجتماعية، وتاليًا يبطل القول بحتمية التطور. فيمكن أن يوجد نظام ثابت لا يتغير إذا ثبت أنه صالح ولم يحلّ فيه فساد، ويمكن أن يوجد نظام يتغير إذا ظهر فساده.
فالقول بحتمية التغير في الأنظمة قول باطلٌ قطعًا. وبذلك يظهر خطأ النقطة الثانية.
تطبيق النقطة الثالثة:
النقطة الثالثة التي يقول بها الشيوعيون، حسب النظرية الديالكتيكية، هي أنّ الانتقال من التغيرات الكمية البطيئة إلى تغيرات كيفية فجائية وسريعة يشكل قانونًا للتطور. وفي تطبيق ذلك على المجتمع يرون بأن الثورات التي تقوم بها الطبقات المضطهدة هي حادث طبيعي تامّ ولا مناص منه. ومن ثمّ فالانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية، وتحرر الطبقة العاملة من النير الرأسمالي، يمكن تحقيقهما لا بتغييرات بسيطة بطيئة، ولا بإصلاحات، بل بتغيير كيفي للنظام الرأسمالي فقط، أي بالثورة.
وهذا الرأي خطأ، لأن الشيوعيين يطبقون في هذه النقطة ما يعرف بالقياس الشمولي، أي تطبيق ما يجري في بعض الأجسام على حركات الكون، وتاليًا على حركات المجتمع. ومثال ذلك أن يُعطَى الطفل برتقالةً فيجدها حامضة فيظن أنَّ كلَّ البرتقال حامض مثلها، أو أن يتحول الماء إلى بخار في حالة، وإلى جليد في حالة أخرى، فيقاس على تحوله كل شيء في الكون، ومن ثمَّ يقاس على ذلك ما يحصل في المجتمعات البشرية. وهذا خطأ لأنه هو عين القياس الشمولي.
ووجه الخطأ في قياس الكون والمجتمعات على تحوُّل الماء إلى بخار أو إلى جليد، هو أن الماء وإن كان جسمًا قد أثرت فيه الحرارة التي سُلِّطت عليه، إلّا أن هذا لا يعني أن الحرارة تحوِّل جميع الأجسام كما تحول الماء. ولا يعني أن غير الحرارة يحوِّل الأشياء من حال إلى حال كالحرارة. وكون الماء تحوَّل فجأة حين وصل إلى نقطة الحرج لا يعني أن المجتمع يتحول فجأة عَبْر الثورات حين يصل إلى نقطة الحرج، لأن المجتمع هو أناس وعلاقات، وتحوُّله يحصل بتحوُّل الأفكار، وليس بالثورات والاضطرابات. ومن الخطأ قياس طبائع الإنسان على طبائع الجمادات للاختلاف البيِّن بينهما. وعلى ذلك فإنه لا ضرورة لأن ينتقل المجتمع من حال إلى حالٍ فجأة، ولا ضرورة لأن يحصل الانتقال من جراء الاضطهاد. فالنظام الرأسمالي وُجد في أوروبا وأميريكا بشكل تدرُّجي وليس بشكل فجائي. وكذلك فإن اضطهاد الأوروبيين للسود في أفريقيا استمر مئات السنين ولم يحصل أي انتقال من جراء هذا الاضطهاد، بل لم تحصل ثورات ذاتُ بال مع وجود الاضطهاد. وما شوهد في أفريقيا في الأيام الأخيرة من محاولات ما يسمَّى بالاستقلال، إنما جاء من جراء الأفكار من دول كبرى مثل أميريكا وروسيا وليس من الإفريقيين أنفسهم. فقد اخذت كلٌّ من هاتين الدولتين تبثُّ في أفريقيا مفاهيم الاستقلال والتحرر، وتقوم بأعمال دولية ضد المستعمرين كالإنجليز والفرنسيين والبرتغاليين وسواهم، كي تنقل الدول الكبرى هذه المستعمرات إليها عن طريق وسائلها الاستعمارية الحديثة كالتسلُّح والقروض وغيرهما. وعليه فإن ما حصل في الماء من التغير، لا يحصل في المجتمع بالضرورة إذا حصلت فيه ثورات. وتطبيق ما برهنتْ عليه العلوم الطبيعية من تغييرات في بعض الأجسام على المجتمع، قد دلّ على أن منهاج التغير فيه ـــــــ يعني المجتمع ـــــــ لا يجري على كيفية معينة ثابتة محتومة كما هي الحال في الجمادات حين تتغير أي تنتقل من حال إلى حال.
صحيح أن وجود أفكار ومشاعر في شعب من الشعوب أو في جماعة من الجماعات، وسيطرة هذه الأفكار والمشاعر، يجعلان مجتمع ذلك الشعب أو تلك الجماعة يتحول بشكل حتمي من حال إلى حال ومن نظام إلى نظام. ولكن ذلك لا يحصل كحادث طبيعي بل عن قصد وتعمُّد للقيام به. فهو حادث مقصود ومن إرادة الناس. إذ لولا بث الأفكار والمشاعر، ووصولها إلى حدٌ جعلها مسيطرةً، لم يحصل التحوُّل. فهو ليس حادثًا طبيعيًا، ولم يحصل بشكل طبيعي، وإنما حصل بحركة إرادية مقصودة... والحتمية ليست في مجرَّد حصول التحوّل، وإنما هي نتيجة سيطرة الأفكار والمشاعر على الشعب أو على الجماعة. وبثُّ الأفكار وسيطرتُها لا تحصل طبيعيًا ولا حتميًا. فيكون تحول الشعب أو الجماعة من حال إلى حال، ومن نظام إلى نظام، ليس طبيعيًا ولا حتميًا. والشيوعيون لا يقولون إنه إذا حصلت سيطرة الأفكار والمشاعر على الشعب يحصل تحوُّل المجتمع، وإنما يقولون: إن حصول الثورات التي تقوم بها الطبقات المضطهدة يجعل الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية حتميًا. فيكون حصول الثورات ـــــــ في نظرهم ـــــــ أمرًا حتميًا ولا مناصَ منه. ويكون انتقال المجتمع ـــــــ في نظرهم ـــــــ من حال إلى حال، ومن نظام إلى نظام، أمرًا حتميًا كذلك ولا مناص منه؟ وهذا هو الخطأ. لأن حصول الثورات من الطبقات المضطهدة ليس حتميًا، ولأن انتقال المجتمع من حال إلى حال، ومن نظام إلى نظام، على فرض حصول الثورات، ليس حتميًا أيضًا.
فقياس المجتمع على الطبيعة والأجسام، وأنه يتغير حتمًا بتغيرها، قياس خاطئ، لأن التغير في المجتمع ليس حتميًا كما هي الحال في الأجسام والطبيعة، ولأن تطبيق ما قد يحدث للجمادات يصح أن يُطبَّقُ على الإنسان ومجتمعه غير مقبول عقليًا. وهذا يُعتبرُ خطأً فاحشًا.
ومن جهة أخرى فإن التغييرات التي تحصل في الكون ليست حركةً تقدميَّةً صاعدةً، وانتقالًا من أدنى إلى أعلى ــــــ كما افترضوا خطأً ـــــــ بل هي مجرد تغير، قد يكون صاعدًا وقد يكون نازلًا.
وكذلك التغيرات التي تحصل في المجتمعات ليست تغيرات صاعدة وإلى أحسن، بل هي مجرد تغير، قد يكون صاعدًا وقد يكون نازلًا.
وإذا كان هذا التغير في المجتمعات يشكل انتقالًا من حالة قديمة إلى حالة جديدة، إلا أنه ليس ضروريًا أن تكون هذه الحالة الجديدة صاعدة دائمًا، وسائرة في طريق الارتقاء، وأن تكون أحسن من الحالة القديمة. بل قد تكون الحالة القديمة أحسن، وقد تكون الحالة الجديدة انتقالًا إلى الوراء وليس إلى الأمام. ومن هنا كان تطبيق نظرية داروين في النشوء والارتقاء على المجتمع فاسدًا، لأن موضوع النظرية هو الناحية الفسيولوجية في أفراد الكائنات الحية، فتطبيق النظرية على المجتمع البشري هو تطبيق ناحية فسيولوجية على ناحية أخرى غير فسيولوجية. إن واقع المجتمع شيء، والواقع الذي تتناوله النظرية شيء آخر، فتطبيق أحدهما على الآخر باطل لا شك فيه. إذًا فليس ضروريًا أن يكون اتِّجاه التغيير ـــــــ يعني الانتقال من حال إلى حال ـــــــ نحو الأحسن، فقد يكون نحو الأحسن وقد يكون نحو الأسوأ. والشيوعيون أنفسهم يقولون في بحث الماركسية حول موضوع ما يسمَّى بالرِّدة: إن من الممكن قيام نظام رجعيٍّ على أنقاض نظام تقدُّمي.
وواقع المجتمعات في العالم يُرينا بوضوح أن التغيرات التي تحصل في المجتمعات ليس حتميًّا أن تكون انتقالًا من أدنى إلى أعلى، بل قد ينتقل مجتمع من المجتمعات إلى أعلى وقد ينتقل إلى أسفل.
فالمجتمع في جزيرة العرب انتقل ببعثة الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم إلى أعلى. ولكنه حين أسيء فيه تطبيق الإسلام رجع إلى الوراء. وحين انحسر عنه نظام الإسلام وصارت الجزيرة دولًا عدة انحطَّ إلى أسفل. والمجتمع في أميريكا الشمالية حين كانت تحت سلطة الاستعمار كان مجتمعًا منحطًّا، وحين تحرر من الاستعمار ارتفع وعلا شأنه. وكذلك حين ازدادت فيه العلوم ازداد ارتفاعًا. في حين أن المجتمع في أميريكا اللاتينية ظلَّ منحطًّا وظلَّ مشغولًا بالثورات والانقلابات.
وهكذا نجد أن عشرات الأمثلة من واقع المجتمعات، تنطق بوضوح أن التغيرات في المجتمعات لا ينبغي أن تكون بالضرورة تغيرات صاعدة إلى أحسن، بل قد تكون إلى أحسن وقد تكون إلى أسوأ. وقد يكون الانتقال من جراء الثورة، كما حصل في أميريكا الشمالية حين تحررت من الاستعمار، وكما حصل في روسيا حين أزالت القيصرية وجاءت بالاشتراكية. وقد يكون الانتقال من جراء زيادة العلوم والمعارف، كما حصل في روسيا والولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية. وقد يكون الانتقال بشكل تدرّجي، كما حصل في أوروبا، وقد يكون بشكل فجائي كما حصل في جزيرة العرب حين اعتنقت الإسلام وحملته رسالة للعالم. وكذلك قد يكون الانتقال إلى أسفل بالتدرج كما حصل في المجتمع الإسلامي في القرن التاسع عشر الميلادي. وقد يكون الانتقال إلى أسوأ فجائيًا كما حصل في ألمانيا الشرقية حين احتلها الشيوعيون.
وبذلك تبطل النقطة الثالثة من نقاط النظرية الديالكتيكية في الطبيعة، لأنه ـــــــ كما في المثال الذي يعطونه ـــــــ لو كان انتقال الماء من حالة الجليد إلى حالة السيولة ثم إلى الحالة الغازية يعتبر حركة تقدمية صاعدة، فإن تحول بخار الماء إلى ماء ثم إلى جليد يعتبر حركة رجعية نازلة. وبما أن كلتا الحركتين تجريان حسب قوانين طبيعية، كان حظ الحركة التقدمية الصاعدة في الكون ليس بأسمى من حظ الحركة الرجعية النازلة.
فعلى أي أساس إذًا قرر الاشتراكيون الشيوعيون أن اتجاه التغير في الكون إنما هو اتجاه تقدميٌّ صاعد؟
وعلاوة على هذا فإن الأنظمة التي تطبق على الحوادث والأشياء من قِبَلِ الإنسان هي أفكار. فكونها حسنةً أو سيئةً ليس مرتبطًا بكونها قديمةً أو جديدةً. بل ذلك مرتبطٌ بكونها صحيحة أو خطأ. فواحد وواحد يساويان اثنَين من الفكر القديم. ولكن قِدَمه لم يجعله سيِّئًا. وكون الإنسان يستر عورته فكرٌ قديم. ولكن قِدَمه لا يجعله خطأً. وإنشاء صناديق التوفير فكرٌ جديد. وكونه جديدًا لا يجعله حسنًا فإن صناديق التوفير تؤخر اقتصاد البلاد بل تضرُّ به. ومذهب العُري فكر جديد، وكونه جديدًا لا يجعله حسنًا بل هو من أقبح القبائح التي تُرجع الإنسان إلى الحيوانية المنحطَّة... وهكذا... فلو فرضنا جدلًا أن الطبيعة تنتقل في حركتها من البسيط إلى المركب ومن الأدنى إلى الأعلى، فإن ذلك لا ينطبق على المجتمع. لأن الذي يحوِّل المجتمع من حال إلى حال هو الفكر، والفكر إنما يكون حسنًا إذا كان صحيحًا، وغير حسن إذا كان خطأً. وبحسب ما يوضع في المجتمع من أفكار تكون حالُه من حسنٍ أو سوء. فلا يكون فيه انتقال حتميٌّ إلى أحسن، وإنما يكون ذلك انتقالًا من حال إلى حال ليس غير. وهذا أيضًا يُبطل تطبيق النقظة الثالثة على المجتمع.
تطبيق النقطة الرابعة:
وأما النقطة الرابعة من النظرية الديالكتيكية فتقول: ما دمنا نرى أن التطور يجري بانبثاق التناقضات الداخلية، وبالنزاع بين القوى المتضادَّة على أساس هذه التناقضات، وأن غاية هذا النزاع هي قهر هذه التناقضات والتغلب عليها، فمن الواضح أن نضال البروليتاريا الطبقي هو حادث طبيعي تمامًا ولا مناص منه، وتاليًا لا ينبغي إخفاء تناقضات النظام الرأسمالي، بل ينبغي إبرازُها وعرضُها، ولا ينبغي خلقُ النضال الطبَقي بل ينبغي القيام به إلى النهاية. ولذلك يجب اتِّباع سياسة بروليتارية طبقية حازمة، لا سياسة إصلاحية تقول بالتناسق بين مصالح البروليتاريا ومصالح البرجوازية، ولا سياسة تفاهمية تقول بإدماج الرأسمالية في الاشتراكية.
وبتطبيق ذلك على المجتمع تكون النتيجة أن كل مجتمع من المجتمعات يحوي تناقضات داخلية. فكما أن لأشياءِ الطبيعة وحوادثها جميعها جانبًا سلبيًا، وجانبًا إيجابيًا، ماضيًا وحاضرًا، وفيها جميعها عناصر تموت وعناصر تولد، فكذلك يوجد في كل مجتمع من المجتمعات جانبٌ سلبيٌّ وجانبٌ إيجابيٌّ، في الماضي والحاضر، وفيه عناصر تموت وعناصر تولد. وكما أن نضال هذه المتضادات في كلِّ أشياء الطبيعة وحوادثها ـــــــ أي النضال بين القديم والجديد، بين ما يموت وما يولد ــــــ هو المحتوى الداخلي لحركة التطور على اعتبار أن التطور هو نضال المتضادات، فكذلك نضال هذه المتضادات في المجتمع هو المحتوى الداخلي لحركة التطور فيه. وإن وجود المتضادات في المجتمع أمر حتمي، كما أن وجود التناقضات فيه أمر حتمي... فتكون النتيجة أنه لا يصح أن تكون هناك إلا طريقة واحدة لتطوير المجتمع وهي إبراز هذه التناقضات والقيام بالنضال الطبَقي.
وهذا كله خطأ في خطأ. فإن الادِّعاء أن كل أشياء الطبيعة منها ما يولد ومنها ما يموت ادِّعاءٌ باطل يكذبه الواقع. وهو مجرد فرض نظري. ذلك أن في الطبيعة أشياء تولد وتموت حقًا مثل الإنسان والحيوان والزرع، ولكن فيها أيضًا أشياء تولد ولكن لا تموت حسب نوع خلقها وتكوينها مثل الجمادات كافة، أو مثل جاذبية الأرض، أو الأشعة الضوئية المنبعثة من الشمس. فإن في مثل هذه الجمادات لا يتأتى وجود المتضادات، ولا يتأتى حصول التناقضات. وبذلك يبطل القول إن كل أشياء الطبيعة وحوادثها تحوي تناقضات داخلية، وكذلك يبطل القول بأن كل مجتمع من المجتمعات يحوي تناقضات داخلية. وأكبر دليل على ذلك المجتمع في الهند من غير المسلمين فإنه مجتمع ميت لا أثر للحيوية فيه، فهو، منذ أن ذهب عنهُ حكم الإسلام وحكمه الإنكليز، مجتمع جامد شبه ميت لم يتغير ولم يتحرك ولم يحلّ أي تبدُّل فيه. وإذًا ليس كل مجتمع يحوي تناقضات. وليس في كل مجتمع نضال المتضادات، وهذا وحده كاف لنقض هذه النقطة من أساسها.
على أنه لو سلَّمنا جدلًا بوجود التناقض في كل شيء من أشياء الطبيعة، فإن هذا التناقض إذا أزيل زال معه مفعول عملية التناقض، وأمكن تلافي الحتمية في نتائج عمليات التناقض. فالمغناطيس يجذب قطعة الحديد من أي طرف من أطرافها، ولكنه، إذا مُغنطت قطعة الحديد، صار لا يستطيع أن يجذبها إلا من الطرف المعاكس لطرفه، يعني إذا كان طرف المغناطيس المقابل لقطعة الحديد سالبًا، فلا يجذب قطعة الحديد إلا إذا كان طرفها المقابل له موجبًا، والعكس بالعكس.
والأفعى إذا لدغت إنسانًا أُحبط مفعول سمومها في الدم بمادة المصل.
والزيت إذا وضع مع الماء لم يذب فيه لتناقض خاصيَّة الذوبان بينهما. ولكن إذا وضعت معهما مادة هيدروكسيد الصوديوم مثلًا زال التناقض بينهما وذاب الزيت في الماء.
ومن هذه الأمثلة وغيرها يمكن رفع التناقض ـــــــ الذي افترضناه ـــــــ بين شيئَين والحصول على نتائج جديدة. وبذلك يمكن تجنُّب الحتمية بتوليد نتائج أخرى عن طريق عملية مختلفة. وعليه فإن وقوع التناقضات في كل شيء ليس حتميًا لأنه يمكن رفعه قبل وقوعه.
على أن قياس المجتمع على الطبيعة وتطبيق ما في الطبيعة على المجتمع عملٌ خاطئ. لأن أشياء الطبيعة أجسام، والمجتمع علاقات بين أناس، والعوامل التي تؤثر على الأجسام غير العوامل التي تؤثر على العلاقات بين الناس، أي على المجتمع. فقياس المجتمع على أشياء الطبيعة قياس خاطئ لاختلاف العوامل المؤثرة في كل منهما، خصوصًا وأنَّ ما يحصل في أشياء الطبيعة قد يكون من تأثير الحرارة والرطوبة، بينما ما يحصل في المجتمع هو من تأثير الأفكار والمشاعر. وواضح أن البون شاسعٌ والفارق كبير بين الحالتين.
وأيضًا، فإن ما يحصل في الطبيعة من انتقال الأشياء من أدنى إلى أعلى، كانتقال الغرسة إلى شجرة أو الصبي إلى شاب، في بقعة من البقاع، لا علاقة له، ولا يؤثر عليه ما يحصل حوله لغرسات أخرى أو لصبيان آخرين، في البقعة ذاتها أو في بقعة ثانية. وذلك بخلاف المجتمع الذي كثيرًا ما يتأثر بما يحصل في المجتمعات الأخرى المحيطة به. أضف إلى ذلك أن الذي ينقل أشياء الطبيعة من حال إلى حال هو الغذاء والماء والهواء وما شاكل ذلك، وهذه لا تؤثر إلا فيما تصيبه فقط. بخلاف المجتمع فإن الذي ينقله من حال إلى حال هو الأفكار والمشاعر، وهذه تنتقل عبر المجتمعات بشكل عجيب وتخترق جميع الحواجز. وهكذا فلا علاقة للمؤثرات على أشياء الطبيعة بما يحصل في المجتمع. والقياس على ذلك يكون قياسًا خاطئًا بلا ريب.
ولو فرضنا أن هناك تناقضات تحصل في أشياء الطبيعة، فلا يكون ذلك ضروريًا لوجود تناقضات في المجتمعات. أي أننا لو فرضنا أن هناك نضالًا بين ما يولد وما يموت في جسم الغرسة أو نبتة الزرع أو الشاب، فليس بضروريٍّ أن يكون هناك نضالٌ بين العمال وأصحاب العمل، أو بين البائعين والمشترين، أو بين الفلاحين وأصحاب الأراضي، أو بين الملَّاك والمستأجرين. لأن جسم الغرسة أو نبتة الزّرع، أو جسم الشاب، مغايرٌ كل المغايرة للعلاقات القائمة بين العمال وأصحاب العمل، أو بين البائعين والمشترين، أو بين الفلاحين وأصحاب الأراضي، أو بين الملَّاك والمستأجرين. لأن جسم الغرسة أو نبتة الزّرع، أو جسم الشاب، مغايرٌ كل المغايرة للعلاقات القائمة بين العمال وأصحاب العمل، أو بين البائعين والمشترين، أو بين الفلاحين وأصحاب الأراضي، أو بين الملَّاك والمستأجرين. ولا يوجد ما يستدعي حتميَّة حصول التناقضات في العلاقات لمجرد أن هذه التناقضات تحصل في أشياء الطبيعة. وهذا يبطل القول إن نضال البروليتاريا الطبَقي أمرٌ حتمي.
وحتى لو سلَّمنا جدلًا أنه توجد في المجتمعات متضادات فإنه ليس بضروري أن يحصل نضال بين هذه المتضادات. فإذا ما تعارضت مصالح العمال ومصالح أصحاب العمل، أو مصالح المشترين ومصالح البائعين، أو مصالح الفلاحين مع مصالح أصحاب الأراضي، ومصالح المستأجرين مع مصالح أصحاب الأملاك، فإنه ليس بضروري أن يحصل نضال بين كل فئتين، أي ليس بضروري أن تحصل التناقضات في العلاقات بينهم، إذ يمكن أن توضع أنظمة تنظِّم هذه العلاقات تنظيمًا يرفع النزاع ويوفِّق بين مصالحهم، فلا يحصل أي نضال ولا توجد أية تناقضات. وهذا هو الوضع الذي كان قائمًا في المجتمع الإسلامي خلال بضعة عشر قرنًا، فإنه لم تحصل فيه أية تناقضات من جراء تضاد المصالح في العلاقات القائمة بين الناس، لأن أحكام الإسلام التي تعالج العلاقات كانت ترفع النزاع، ولذلك لم تحصل تناقضات.
ومن ناحية ثانية فإن نضال العمال، أو الطبقة البروليتارية، غير موجود في معظم البلدان الرأسمالية ومنها الولايات المتحدة الأميريكية، بمعنى أنه لا يوجد في أميريكا نضال البروليتاريا الطبقي. فكيف يقال إن حصول نضال البروليتاريا الطبَقي أمرٌ حتمي في كل المجتمعات والواقع تاريخيًّا وعمليًا يكذِّبه؟!... بل إن واقع الحياة بين الناس ينقضه من أساسه!... وإن الاتجاهات المتضادة أيًّا كانت، إذا حصل بينها توفيق يُرفع التضاد... وإن إعطاء العمال فوق كفايتهم يمنع أي اصطدام بينهم وبين أصحاب العمل.
والشيوعيون أنفسهم يقولون بما يدل على أنه يمكن التوفيق بين المتضادات فلا تحصل التناقضات. فهم ينادون بعدم جواز اتِّباع سياسة إصلاحية تقول بالتناسق بين مصالح البروليتاريا ومصالح البرجوازية، ولا بسياسة تفاهميَّة تقول بإدماج الرأسمالية في الاشتراكية. وهذا القول يعني أن هناك «سياسة تناسق بين المصالح» يمكن اتباعها فلا يحصل نضال المتضادات ولا تقع التناقضات. وهو اعتراف بأن حصول التناقضات في المجتمع ليس أمرًا حتميًا، لأنه لو كان حتميًّا لما أمكن إيجاد التناسق بين مصالح العمال ومصالح أصحاب العمل.
وبذلك يبطل القول بحتمية حصول التناقضات في المجتمع. والمدقِّق في كلام الشيوعيين يصل إلى هذه النتيجة بشكل قطعي لا يحتمل التأويل. ولهذا فإنهم قد احتاطوا للحيلولة دون رفع التناقضات، أي الحيلولة دون وجود المجتمع الخالي من التناقضات، فقالوا باجتناب التوفيق بين الاتجاهات المتضادة حتى لا يوجد المجتمع الذي لا توجد فيه تناقضات.
ولم يكتفوا بذلك بل حضُّوا على إبراز التناقضات إذا وجدت، فقالوا: لا ينبغي إخفاء تناقضات النظام الرأسمالي، بل ينبغي إبرازُها وعرضُها. ولا ينبغي خنقُ النضال الطبَقي، بل ينبغي القيام به إلى النهاية.
وهذا القول منهم يعني أن وجود التناقضات في المجتمع ليس أمرًا حتميًا بل لا بد لإيجادها من القيام بأعمال مقصودة. ومن الواجب الحيلولة دون إخفائها وخنقها، بل يجب إبرازها وعرضها، ويجب القيام بالنضال الطبَقي إلى النهاية لإيجاد التناقضات في المجتمع. ومعنى ذلك أنه إذا لم يقوموا بهذه العمليات لا توجد التناقضات في المجتمع، فيكون وجود التناقضات في المجتمع ليس أمرًا حتميًّا ولا أمرًا طبيعيًا بل هو أمر مقصود في أكثر الأحيان.
على أن الخلاف العقائدي القائم اليوم بين زعماء الشيوعيين في الاتحاد السوفياتي وزعماء الشيوعيين في الصين الشيوعية يثبت أن حصول النضال بين الاتجاهات المتضادة ليس أمرًا حتميًّا، أي أن ذلك يُبطل نظريتَهم التي تقول بحتمية وجود التناقضات في المجتمع. فإن زعماء الشيوعيين في الاتحاد السوفياتي يسيرون على سياسة تقول بالتناسق بين مصالح روسيا ومصالح أميريكا، وبالتفاهم بين روسيا وأميريكا. وهذا يعني التوفيق بين الاتجاهات المتضادة وعدم حصول التناقضات في المجتمع الدولي. وزعماء الشيوعيين في الصين الشيوعية كانوا سابقًا يشجبون هذه السياسة ويحاربونها، ويقولون بضرورة إبراز التضاد بين مصالح المعسكر الشيوعي ومصالح المعسكر الرأسمالي لإيجاد التناقضات في المجتمع الدولي. وهذا الخلاف بينهم كان يعني أنهم جميعًا يسلِّمون بأن وجود التناقضات في المجتمع الدولي يحتاج إلى القيام بأعمال واتِّباع سياسة تستدعي النضال بين المعسكرين وتمنع التوفيق بينهما. وزعماء الاتحاد السوفياتي اليوم بدعوتهم إلى سياسة الانفتاح الذي يترأسها كورباتشوف صاروا لا يريدون إيجاد هذا النضال، بل هم يعملون لجعل المجتمع الدولي مجتمعًا ليس فيه تناقضات بمحاولتهم التوفيق بين المصالح الاشتراكية في روسيا والمصالح الرأسمالية في أميريكا. وكذلك الصين فإنها تحاول اليوم التوفيق بين مصالحها وبين مصالح الغرب، ونراها في الوقت نفسه تتودد لأميريكا الرأسمالية وتناهض روسيا الاشتراكية. وهذا كله يُبطل القول بحتمية وجود التناقضات في المجتمع.
وعليه فإن الادِّعاء بأن التطور يجري بانبثاق التناقضات الداخلية خطأ، لأن الذي يحصل هو مجرد تغير وليس تطورًا بمعنى انتقال إلى حال أحسن، ولأن هذه التناقضات ليست أمرًا لازمًا في كل شيء. وكذلك الادِّعاء بأن نضال العمال ضد أصحاب العمل أمرٌ لا مناص منه خطأ، لأنه قد يحصل وقد لا يحصل، ولأن ما يُسمَّى بالتناقضات ليس أمرًا حتميًا في المجتمع.
لذلك كانت النقطة الرابعة من حيث تطبيقها على المجتمع خطأ مخالفًا للواقع.
الخلاصة:
وهكذا نرى مما تقدم خطأ النقاط الأربع وخطأ تطبيقها على المجتمع. فتماسك الطبيعة لا يعني ارتباط كل شيء فيها بالآخر ارتباطًا عامًّا وبشكل حتميّ. وما يسمَّى بقوانين التطور ليس موجودًا، بل الموجود هو قوانين الكون كله، والقوانين الخاصة بكل شيء من أجزاء الكون، وبكل شيء من الأشياء التي يحويها الكون، كلّ على حدة. وعليه يكون حديث الديالكتيكية عن الطبيعة خطأ، وتطبيقه على المجتمع خطأ. وما ذلك إلَّا لأن الديالكتيكية قد جعلت الإنسان يسير في حياته ضمن قوانين الكون بشكلٍ عام، من دون النظر إلى أن له قوانين خاصة تتعلق به وحده: بوجوده وبحياته. ولم تلتفت إلى أنه بالمشاهَد المحسوس يفعل أشياء كثيرة مختارًا ويتركها مختارًا، وبخاصة طريقة حياته وأسلوب عيشه اللذين يختارهما اختيارًا مطلقًا. نعم لم تلتفت لهذا، وجعلته يسير ضمن قوانين الكون في كل شيء حتى في طريقة حياته وأسلوب عيشه. وهذا ولا شك، فوق مخالفته للواقع المشاهَد في حياة الإنسان وعيشه، إلغاءٌ لوجود الإنسان بوصفه شيئًا آخر غير الكون وغير الحياة. بل اعتُبر الإنسان جزءًا من الكون كأي كوكب، بل كأي جزء من أجزاء الأرض كالحديد والتراب وغيرهما، مع أن الإنسان غير الكون وغير الحياة، فإنه وإن كان جسمه جزءًا من الكون، وحياته من الحياة ذاتها الموجودة في أي كائن حي، وبما وهبه الله من عقل ومن خاصِّياتٍ انفرد بها وحده، قد صار شيئًا ثالثًا في الوجود المدرك. إذ إن الوجود المدرك ليس الكون فحسب، ولا الكون والحياة فقط، بل الوجود المدرك هو الكون والحياة والإنسان.
هذا بالنسبة لنظرة الديالكتيكية إلى الإنسان.
أما بالنسبة لنظرتها للمجتمع فإنها في جعلها الحركة في الطبيعة نتيجة للتناقضات، ونضال المتضادات، وفي جعلها الطبيعة كلًا متماسكًا وجعلِها الإنسان جزءًا منها، وفي جعلِها حركة الطبيعة إنما هي حركة تطور بمعنى انتقال من أدنى إلى أعلى، قد جعلت الإنسان يسير في المجتمع سيرًا جبريًّا حسب سير الطبيعة، ولا يملك أن يتخلف عنه، ثم جعلت الطبيعة هي التي تكوِّن المجتمع للإنسان ليعيش فيه حسب ما تكوِّنه، وليس الإنسان هو الذي يوجد المجتمع الذي يريده. بل جعلت حياة الإنسان عبارة عن نضال بين المتضادات، وأنها دائمًا انتقال إلى أحسن. وهذا لا شك مخالف للواقع.
فالإنسان يعيش في دائرتَين: إحداهما تسيطر عليه، والأخرى يسيطر عليها. أما التي تسيطر عليه فهي الدائرة التي تنطبق فيها عليه أنظمة الوجود، فهو يسير والكون والحياة طبق نظام مخصوص لا يتخلف، ولذلك تقع الأعمال عليه في هذه الدائرة على غير إرادة منه، وهو فيها مُسيَّرٌ وليس بمخيَّر. لقد أتى إلى هذه الدنيا على غير إرادة منه،وسيذهب عنها على غير إرادته، وهو لا يملك أن يخرج على نظام الكون. وهذه الدائرة ليست هي المجتمع، ولا هي تكوُّن المجتمع، ولا علاقة لها إذًا بموضوع هذا البحث.
وأما الدائرة التي يسيطر عليها فهي الدائرة التي يسير فيها مختارًا ضمن النظام الذي يختاره. وهذه الدائرة هي التي تقع فيها الأعمال التي تصدر من الإنسان أو عليه بإرادته، فهو يمشي ويأكل ويشرب ويسافر في أي وقت يشاء، ويمتنع عن ذلك في أي وقت يشاء، يفعل ما يريد مختارًا ويمتنع عن العمل مختارًا. والمجتمع وتكوينه، والأنظمة وتغييرها، والحياة وتسييرها، كل ذلك يقع في هذه الدائرة. فالإنسان هو الذي يسيطر على الطبيعة أي على الأشياء وقوانينها فيسخِّرها لنفسه، وليست الطبيعة هي المسيطرة عليه، وهو يعيش مختارًا حسب ما يريد، وليس مجبرًا بل يختار النظام الذي يريده، وهو الذي يوجد المجتمع وليست الطبيعة هي التي توجده له، وحياته نضالٌ بين متضادات وانسجام بين متوافقات، وليست نضالًا فقط. فقد تنتقل إلى أحسن كما حصل مع العرب حين صاروا مسلمين، وقد تنتقل إلى السيّىء كما حصل للمسلمين حين تخلَّوا عن الإسلام في معترك الحياة.
ولهذا كله كانت المادية الديالكتيكية، بقسميها: الفكري وبحث الطبيعة، نظريات فاشلة وخطأً محضًا...
كيف ينهض المجتمع
وأخيرًا، كيف ينهض المجتمع؟
إن العلاقات لا تتم إلا إذا توحدت المشاعر والأفكار واتفقت على نظامٍ معين. فعندَ ذاكَ تقومُ العلاقات، ويتكوّنُ المجتمعُ، ويُصبغ بصبغةٍ معيّنةٍ، لا من حيثُ المجموعةُ البشريّةُ المكونةُ منهُ، بلْ منْ حيثُ الأفكار التي حملها هؤلاءِ البشرُ، والنظامُ الذي طُبّق عليهم، والأحداث التي حرّكتْ مشاعرهم. وعندئذٍ نحكُمُ عليهِمْ. ولا بدّ قبلَ الحُكْمِ مِنْ إلقاءِ الأسئلةِ الآتيةِ: هل الأفكارُ التي يحملونها أفكارٌ إسلاميّةُ أمْ لا؟ وهلِ الأحداثُ التي تهزّ مشاعرَهُمْ إسلاميّةٌ؟ وهلِ النظامُ الذي يطبق عليهم إسلاميٌّ؟ عند ذاك نستطيع أن نجزم أنّ هذا المجتمع مجتمع إسلاميّ. وهكذا بالنسبةِ للديمقراطيةِ، وللاشتراكيةِ الشيوعيّةِ. وفي حال صبغةِ المجتمعِ بلون معين يكونُ قد حُدِّدَتْ أفكارُهُ في كلِّ ما يصدُرُ عنهُ، وفي كلّ شيءٍ يُطَبّقهُ. وعلى هذا يكونُ سلوكُه منبثقًا عن اعتقادِه ومفهومِهِ. ومن هنا رأينا أنّ العربَ عندما حدّدوا أفكارَهم بحدود الإسلامِ، وصبَغُوا مجتَمَعَهُمْ بصْبغَته، قد نهضوا نهضة بلغتْ حدّ الكمالِ، وهكذا الغربُ عندما حدَد أفكَارَهُ، حقّق نَهْضَةً لأبنائِه، والأمرُ كذلكَ بالنسبةِ لروسيا. فالنهضةُ إذًا مرهونةٌ بتحديدِ الفكرِ، وتحديدهُ هوَ الذي يحقّق النهضةَ. وعندئذٍ ينبثقُ السؤالُ الآتي: أيّ تحديدٍ يحقّقُ نهضةً صحيحةً؟ والجوابُ: كلّ تحديدٍ مبنيّ على الفطرة الإنسانيةِ، يحققُ نهضةً صحيحةً.
مَنْ ينظرِ اليومَ إلى أوضاعِ العالمِ الإسلاميّ، ولا سيما البلادُ العربيّةُ، يجزمُ بعدمِ وجودِ أيّةِ نهضةٍ، لأنّ المجتمعَ مشوّشٌ كلّ التشويشِ، ولا يستطيع أحدٌ أن يجزمَ بأنَّ المجتمعَ ديمقراطيّ أو اشتراكي أو إسلامي، مع أنّ جُلَّ أهلهِ من المسلمينَ، لأنّ الأفرادَ يدينونَ بالإسلام ويحكمونَ بنظامٍ ديمقراطيّ، ويدعونَ إلى الاشتراكية.
والمفروضُ على الموجّهينَ هو التوجيهُ الصحيح وتنقيةُ الأجواءِ، وقيادةُ الجيلِ الصاعدِ، في الطريقِ القويمِ. إلّا أن هؤلاءِ الموجهين يقرّونَ التشويشَ، فيُصدِرونَ كتبًا، ويلقونَ محاضراتٍ تحت عنوانِ: الاشتراكية في الإسلام، والديمقراطية في الإسلامِ، وما أشبه.
ومنْ هنا كانت البلادُ الإسلاميّةُ بعيدةً كلّ البعدِ عنِ النهضةِ، لأنها تركتْ إسلامَها، ثم لم تَعْمَلْ بالاشتراكيةِ أو الديمقراطيةِ، وبِذَيْنِكَ المزج والتعقيدِ، تراهمْ لا يعرِفونَ متى يبدأُونَ، وإذا بدأُوا بشيءٍ لا يعرفون كيف ينتهونَ.
بعد هذا الشرح الواضح للمجتمع، وكيف أنه لا يتم تكوينه إلا بأفكار ومشاعر متجانسة، ونظام واحد منبثق عن هذه الأفكار والمشاعر، هاكُمْ شرحًا وتحليلًا للأفكار والأنظمة المتجانسة وغير المتجانسة في العالم قاطبةً والتي انبثقت عن الاشتراكية الشيوعية والديمقراطية الرأسمالية والإسلام.
المجتمع عند الرأسماليين:
إن الديمقراطية التي أخذ بها المبدأ الرأسمالي آتيةٌ من فكرة أنَّ الإنسانَ هو الذي يضعُ نظامه. ولذلك سادت في المجتمعات الغربية النظرية التي تعتبر الأمة مصدرًا للسلطات. والديمقراطية الرأسمالية هي مبدأ فردي، يرى بأن المجتمع مكوَّنٌ من أفراد، ولذلك كانت نظرته إلى المجتمع نظرة ثانوية، في حين أن الفرد هو محور النظام، ومن المفروض أن يضمن المجتمع للفرد الحريات الأربع الأساسية وهي:
ـــــــ حرية الملكية.
ـــــــ حرية الرأي.
ـــــــ حرية العقيدة.
ـــــــ الحرية الشخصية.
حرية المُلكِيّة:
حريّة الملكيةِ الاقتصادية: ترتكز على الإيمان بالاقتصادِ الحرّ الذي قامَتْ عليهِ سياسة البابِ المفتوحِ، وتقرّر فتحَ جميعِ الأبوابِ، وتهيئةَ كلّ الميادينِ أمامَ المواطن في المجالِ الاقتصادي، فيُباح التحلّل للاستهلاكِ والإنتاج معًا، وتُباح الملكية الإنتاجية التي يتكوّن منها رأس المالِ، من غيرِ حدٍّ وتقييدٍ، وللجميعِ على حدٍ سواء، فكل فردٍ مطلق الحريّةِ في انتهاجِ أيّ أُسلوب، وسلوك أيّ طريق لكسب الثروةِ وتضخيمِها ومضاعفتِها، على ضوءِ مصالِحِه ومنافعهِ الشخصيّةِ.
وفي زعمِ بعضِ المدافعينَ عن هذه الحريّةِ الاقتصاديةِ، أنّ قوانينَ الاقتصادِ السياسيّ التي تجري على أُصولٍ عامّةٍ، كفيلةٌ بسعادةِ المجتمعِ، وحفظِ التوازنِ الاقتصاديّ فيه، وأنّ المصلحةَ الشخصيّةَ التي هي الحافز القوي والهدف الحقيقي للفردِ في عملهِ ونشاطِهِ، هي خير ضمانٍ للمصلحةِ الاجتماعيةِ العامّةِ، وأنّ التنافسَ الذي يقوم في السوقِ الحرّة، نتيجة تساوي المنتجينَ والمتَّجرينَ في حصّتهم منَ الحريّةِ الاقتصاديةِ، يكفي وحدَه لتحقيقِ روحِ العدلِ والإنصافِ، في شتى الاتفاقياتِ والمعاملاتِ.
حرية الرأي: تجعل لكُلِّ فردٍ كلامًا مسموعًا ورأيًا مُحْتَرمًا في تقريرِ الحياةِ العامّةِ، وَوَضْعِ خطَطِها، وسَنِّ قوانينِيها، وتعيينِ السلطاتِ القائمةِ لِحمايتِها، لأنّ نظامَ الحٌكْمِ فيها يتصل اتصالًا مُباشرًا بحياةِ كلِّ فردٍ من أفْرادِها، ويؤثّر تأثيرًا حاسِمًا في سعادتِه، أو شقائِهِ، وسواءٌ كانتْ هذهِ الآراء صحيحةً أوْ خاطِئَةً، بَنّاءةً أو هدّامَةً، فالأمران سيانِ لديهمْ.
وأمّا الإسلام فما أطلقَهَا على هواها، ولا قَيّدها، بلْ مَنَعَ الأخبارَ الكاذبةَ، والآراءَ المضلِّلَةَ، وسَمَحَ للآراءِ الصّائِبَةِ البّناءَة المقومةِ لاعوجاجِ الدولَةِ والرّعيةِ، وأكثر من ذلكَ فقد شجّعَ الإسلام انتقادَ الحاكِمِ الأعوجِ ــــــ ما دامَ النقد صحيحًا ـــــــ وفضّلَه على كلِّ عملٍ يقومُ بهِ المسلِمُ لِنَيلِ رضوانِ الله. وقدْ قالَ رسولُهُ الكريمُ «أفضلُ الجهادِ عندَ اللهِ كلمةُ حقٍّ عنْدَ سُلطانٍ جائِرٍ». وقالَ: «سيدُ الشّهَداءِ حَمْزَةُ، ورجلٌ قامَ إلى سُلْطَانٍ جائِرٍ فَنصَحَهُ، فَقَتَلَهُ» أي فقتله السلطان الجائر.
حرّية العقِيدَة:
حرية العقيدة: تعْني أنْ يعيشَ الناس أحرارًا في عَقَائدِهمْ، يُفكّرونَ كَمَا يحْلُو لَهُمْ، ويعتقدونَ ما عَقَدَتْ عليه قُلوبُهُمْ مِنْ تقليدٍ أو تبعيَّةٍ للآباء، أو ما تمْلِيهِ عَلَيْهِمْ رَغَباتُهُمْ وأهواؤهُمْ بدونِ عائقٍ منَ السلطةِ، وسواءٌ عَبَدَ هذا الفرد إلهًا أوْ أنْكَرَ وجُودَه فالأمران سيّانَ لَدَيْهِمْ.
فالدّولة لا تسلُبُ الفردَ حُريّته، ولا تمنعُه منْ مُمَارسةِ حقّهِ فيها والإعلانِ عن أفكارِهِ ومُعتقداتِه، والدّفاعِ عنْ وجهاتِ نظرِهِ.
وقدْ دعا الإسلامُ بالنسبةِ لِلْعقيدةِ الإنسانَ للتفكرِ في خَلْقِ السمواتِ والأرضِ، في قوْلِهِ تعالى: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً} (سورة آل عمران: الآية 191) ثمّ دعا للتيقّنِ بحقيقةِ وجودِهِما ومصدَرِهِما كَقَوْلِهِ تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} (سورة الذاريات: الآيات 20 ـــــــ 23) وبعدَ هذهِ البراهينِ الدّامِغَةِ، والحقائقِ الواضحةِ، جَعَلَ المسْلِمَ مُقيّدًا بالحقيقة، وعاقَبَه مُعَاقَبَةَ المرْتَدّ إذا ابتعدَ عنها. ومنْ هنا نرى أنّ الإسلامَ لم يترك لأهْلِ الباطِلِ حُرْيّةَ العقيدةِ لئلا يَعيثُوا في الأرضِ فسادًا، ويَعْبثُوا في العقيدةِ كما يشاؤونَ. 

الحرّية الشخصيّة
أي «السُّلوك الشخصيّ»:
ومعَ اختلافِ المبادئِ التي قام عليها النظام الرأسماليّ الديمقراطيّ، والنظام الاشتراكيّ الشيوعيّ، في النظرةِ الأساسيّةِ إلى الكونِ والإنسانِ والحياةِ، يتّفق هذان النظامان على أنّ المثُلَ العُليا للإنسانِ هيَ القيَم التي يضعُها الإنسانُ نفسُه، وأنّ السعادَةَ هيَ الأخذ بأكبرِ نصيبٍ منَ المتَعٍ الجَسَديّة، لأنّها في نظرِهما هيَ الوسيلة إلى السّعادةِ، بل هيَ السّعادة ذاتها. ويتّفِقان أيضًا على إعطاءِ الإنسانِ حرّيّتَه الشخصيّةَ يتصرّف بها كيْفَ يشاء، وعلى نحوِ ما يريد، ما دامَ يرى في هذا التصرّفِ سَعَادتَه، بشرط أن لا يكون في هذا التصرّفِ اعتداءٌ على حريّاتِ الآخرين.
الحرّية الشخصيَّة
وما نتج عَنْها مِنْ فوضى جنسِيّة في المجتمع:
الغريزة لا تتحرّك داخليًا مُطلقًا، بعكسِ الحاجةِ العضوّيةِ التي تتحرّك داخليًا من ذاتِها، بل تُثار للإشْباعِ خارجيًّا. فالشعّور الجنسيّ ـــــــ مثلًا ـــــــ لا يثور من نفسِه مُطلقًا، وإنما يحتاج إلى ما يُثيره منَ الخارج، فلا رغبة في الاجتماعِ الجنسيّ، ولا أيّ شُعورٍ بذلكَ إلّا إذا رأى الإنسان واقعًا محسوسًا يثيره، أو تحدّثَ إنسانٌ أمامَه عما يُثيره مِنَ الوقائِعِ، أوْ تصوّرَ وقائِعَ مرّتْ عليه سابقًا، فعندها يُثار الشعور الجنسيّ. ووجود الغريزةِ في الإنسانِ لا يُسّبب قَلَقًا، بلْ إثارة الشّعور الذي يتطلّبُ الإشباعَ هيَ التي تُسّبب القلقَ إذا لم يتأتّ الإشباع. وإذا لم يكن هنالك شعورٌ بالإشباع، لِعَدمِ وجودِ ما يُثيره، لا يتهيّأُ أيّ قَلَقٍ مُطلقًا. كما لا يتهيّأُ أيّ كبتٍ إذا لم يكُنْ هنالك أيضًا واقعٌ أو فِكْرٌ يُثيره. وكانَ منَ الحماقَةِ وقصر النظرِ أنْ تُوضَعَ بينَ الناسِ الأفكارُ التي تُعطي المفاهيمَ عنِ الجنسِ كالمؤلّفاتِ الجنسيّةِ، والأفلامِ السّينمائيةِ والروايات، وغيرِ ذلكَ منَ الوسائلِ المختلفةِ. وكانَ من الحمقِ وقصرِ النظرِ أنْ يفسحَ المجال لإيجادِ الواقع المحْسوسِ الذي يُثير غريزَةَ النوع باختلاطِ الرّجالِ بالنساءِ، وإفساحِ المجالِ لَهُمْ بالخلوَةِ والاحتكاكِ والمشاهَدةِ على شواطئِ البحارِ وغيرِها منَ الأمكِنةِ الأخرى، لأنّ هذهِ الحماقاتِ تَشْغَلُ الشّابّ دائمًا في السّعي لتحقيقِ الإشباعِ أو تجعلهُ قَلِقًا حينَ لا يُحقّق هذا الإشباعَ. وهذا هوَ الانحطاط الفكريّ أوِ الشّقاء الدائم. ولذلكَ كانَ إعطاء الحرّيةِ الشخصيةِ للفردِ سَببًا لشُيُوعِ هذهِ الفوضى الجنسّية، وضرَرًا كبيرًا على المجْتَمَعِ، وكارثةً مُرَوّعةً تُهَدّد الأسرَةَ يوميًا بالدّمارِ. وأخذت هذه الفوضى تتفشّى وتزداد يومًا بعد يومٍ حتى باتَتِ الأسرُ مُهدّدةً في شرفِها. ولهذا كانتِ الحريّة الشخصيّة من أسوَأ ما في النظامِ الديمقراطيّ.
ولو رجَعَ الناس إلى الإسلامِ لَوَجَدوا أنّه جاءَ بمفاهيمَ تُنَظّم غريزةَ الجنسِ إيجابيًا بِنظامِ الزّواج، وسلبيًا بالحيلولةِ بينَ الإنسانِ وبين ما يُثير الشّعورَ الجنسيّ من غير تحقيق إشباعِهِ. ولذلك حرّمَ الخَلْوَةَ بينَ الرجلِ والمرأةِ المحرّمةِ عَلَيْهِ، لأنّها تُثير غريزة النوعِ، ولا يتحقّق له إشْبَاعُهَا وَفْقَ النظامِ الذي يعتنقُه فَيُسبِّب له القَلَقَ أوْ مُخالَفَةَ النظام مُخالَفةً فاحِشةً. وقدْ جاءَ دليل هذا التحريمِ واضحًا في قولِ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يَخْلُوَنّ احدكثمْ بامرَأةٍ إلّا معَ ذي مَحْرَمٍ» وقالَ: «ما اجْتَمَعَ رجُلٌ وامرأةٌ إلّا وكانَ الشيطان ثالثهما». وقالَ: «ما تركت بعدي فِتنَةً أضرّ على رجالِ أُمّتي مِنَ النساءِ». ولهذا يجب على المسلمينَ أن يُبْعدوا عنهم ما يثير غريزة النوع، ويحرّك مشاعِرَهُمْ، اسْتجابةً لأمر الإسلامِ. ومن الواجبِ إخفاء المشوّقاتِ لإثارةِ الشعور الجنسي كالأفلام والمراقصِ والصورِ والرِّواياتِ والمؤلفاتِ.وعندئذٍ يُصَفّى المجتمع، ويَهدأُ الشَّابّ ويثوب إلى رشدِهِ، ثم يعود إلى العَلاقَةِ الزّوجية القائِمَةِ على بناءِ الأسرةِ والمحافَظَةِ عَليها، وتعودُ النظرة المحتَرَمَةُ إلى المرأةِ على أساسِ أنها أُمّ وربّة بيْتٍ، وعِرضٌ يُصان. لا كما يُنْظَرُ إليها الآنَ وكأنّها مُتْعَةٌ، يتمتّعَ بها صاحبُها قدْرَ الاستطاعة.
وتظهر أهمية هذه النظرة أو هذا العلاج في تطبيق النظام الاجتماعي في الإسلام.
فما هو هذا النظام؟
amantadin cena amantadin ratiopharm amantadin nedir



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB