الإسلام وإيْديُولوُجيَّة الإنْسان
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   362
تاريخ النشر :   1989




التَخطيط وَالتنمية الاقتصَاديّة وتوجيههما المتعَمد

تجتاح البلادَ الإسلاميةَ موجةٌ فكرية عن التنظيم الاقتصادي والتخطيط الاقتصادي، وإلى جانبها دعاية واسعة لما يسمى بالاشتراكية تارةً، وبالعدالة الاجتماعية تارةً أخرى. وقد صار المسؤولون وأهل الرأي يحاولون رسم سياسة اقتصادية للبلاد، ووضع تخطيط اقتصادي لزيادة الدخل الأهلي، وللأخذ بما دعوه الاشتراكية والعدالة الاجتماعية.
ولا شك أن المتتبعين للحوادث السياسية وسيرِ العلاقات الدولية يُدركون أن هذه الموجة وتلك الدعاية ليستا نتيجة إحساس طبيعي بالحاجة إلى التخطيط الاقتصادي والتنمية الاقتصادية في البلاد، ولا جاءتا بدافع شعور مثير بالظلم الاقتصادي في المجتمع، بقدر ما هما توجيه متعمَّد من الدول الرأسمالية الكبرى وخاصةً أميريكا.
وقد فعلوا ذلك لتغيير أسلوب الاستعمار بعد أن انكشفت عوراتُه، وللإبقاء على النظام الرأسمالي مطبقًا على تلك البلاد بعد أن برز فساده للناس أجمعين.
الاستعمار وتغييره للأساليب:
فكرَّت أميركا وقدَّرت أنه لا سبيل إلى الاحتفاظ بالاستعمار إلا بتغيير أسلوبه، ولا سبيل لجعل المستعمرات في حظيرتها، وأخذِها من باقي الدول المستعمِرة إلَّا بأسلوب جديد. والخطة الوحيدة الممكن نجاحُها هي الوصول بشكل سِلْمي إلى إعطاء البلاد استقلالها السياسي ـــــــ شكليًا ـــــــ وفرض السيطرة عليها بوساطة القروض المادية والمساعدات العسكرية، ثم تبنت هذا الأسلوب لتطوير الاستعمار وأخذت تنفِّذه. ولئن كان هذا في أول الأمر خافيًا على الناس في لبسه لباس التحرير من الاستعمار، وثوب المساعدات لإنهاض البلاد اقتصاديًا بحيث لم يكن يعرفه إلا متتبعو السياسة الدَّولية، إلا أنه الآن ـــــــ بعد استقلال البلاد الأفريقية ـــــــ صار معروفًا لدى سائر الناس، وبرز هذا متجليًا بالأسلوب الأميريكي الجديد لتطوير الاستعمار، وذلك عن طريق إعطاء البلاد استقلالها الشكلي، وفرض السيطرة عليها بوساطة القروض والمساعدات، وجعل مصير لقمة العيش فيها بيد الدولار الأميريكي.
أجل، لم يعد خافيًا على أحد أن فكرة إعطاء الشعوب استقلالها ومدِّها بالقروض، هي الأسلوب الجديد للاستعمار، كما أنه لم يعد خافيًا على أحد أن أميريكا كانت تلاحق الدول المستعمِرة (إنكلترا وفرنسا وبلجيكا وهولاندا والبرتغال) حتى انتزعت مستعمراتها منها عن طريق إعطاء هذه المستعمرات استقلالها، ومدِّها بالمعونات والمساعدات. وما حوادثُ الكونغو وأنغولا، وتحرُّكات هيئة الأمم ضد إنكلترا في أفريقيا، كما حدث في روديسيا، وحوادث إريانا الغربية التي أدت إلى ضمها لأندونيسيا، ما هذه كلها سوى أدلَّة واضحةٍ على اندفاع أميريكا في ممارسة أسلوبها الجديد في الاستعمار، عن طريق إعطاء البلاد استقلالها وربطها بالقروض.
أما البلد الذي يمتنع عن أخذ القروض لأي سببٍ من الأسباب، فإن أميريكا تثير فيه القلاقل، وتسبب له المتاعب حتى تخضعه لها، ثم تضطره لأخذ القروض منها بعد أن توقعه في مضايقات لا تكون في حسبانه، كما حصل مع أندونيسيا مثلًا، فإنها حين استقلت سنة 1947 امتنعت عن أخذ القروض من أميريكا في أول الأمر، مما جعل أمريكا تحرّك ضدها الثورات والقلاقل في كل مكان، إلى أن خضعت سنة 1958 وارتبطت بالقروض والمساعدات التي هي شِبَاكُ الصيد في يد أميريكا.
غير أن أخذ الدولة المستقلة للقروض على شكل يربطها بالدولة (العُظمى) لا بد أن توجَد له مبررات معقولة بنظر الناس. ومن أجل ذلك طلعوا على الرأي العام العالمي بالتخطيط الاقتصادي، وبالتنمية الاقتصادية، في البلاد التي كانت مستعمرة ترزح تحت النفوذ الغربي، فأوجدوا ـــــــ بذلك ـــــــ حافزًا عند أهل البلاد لرسم المخططات الاقتصادية، والتنمية الاقتصادية، مع أنها بنظر المتتبِّع لغاياتها وأهدافها، دعوة مشبوهة يراد منها فتحُ الطريق للأموال الأجنبية لتحلَّ محلَّ الجيوش والقوى العسكرية في فرض السيطرة على البلاد.
وينبغي أن يُعلم أن هذا الذي نبيِّنهُ هو بالنسبة لهذه الدعوة الاستعمارية فقط، لا بالنسبة للقروض التي تفرضها طبيعة البلاد، وتؤخذ من أجل العمل على زيادة ثروتها. إن وضع سياسة اقتصادية لتنمية ثروة البلاد وتوفير الحاجات المادية لها، أمر بديهي وضروري ولا يُستغنى عنه. وهي لا تحتاج إلى دعوة تكتسح البلاد وتجبرها على أن تضع في رقبة شعبها طوق الاستعمار، بل إنما تمليها حاجات البلاد فيفكرُ القائمون على الأمر بأخذ القروض من أي مكان يحفظ كرامة البلاد، ويحافظ على استقلالها في ممارسة شؤونها. ولا يصحُّ أن تأتي هذه القروض بتوجيه من أعداءِ المسلمين الذين يتذرعون مرة بوضع سياسة تعليم لرفع المستوى العلمي في البلاد، ومرةً ثانية برسم سياسة تسلُّح لزيادة قدرة الجيش، وثالثة بترسيخ سياسة خارجية تمكِّن الدولة من التأثير في الموقف الدولي ومن تسييره في اتجاه معيَّن، وغير ذلك من السياسات التي أصبحت مكشوفة حتى لرجل الشارع العادي.
أما أن تُفرض الدعوة إلى التنمية الاقتصادية بتوجيهات من الخارج، وتكون بهذا الشكل المشبوه، وطبق مخطَّطٍ استعماريٍّ معيَّن مدروس، فإن ذلك يدل بشكل صريح على أن هذه الدعوة إنما يراد منها انتزاع سيادة البلاد وحُرّيتها، وفرض سيطرة الدول الاستعمارية عليها... هذه هي الغاية الاستعمارية البعيدة التي تكمن وراء ما يُسمع من رأي عام حول التخطيط الاقتصادي، والتنمية الاقتصادية، في دول العالم الثالث.
المحاولات مستمرة للإبقاء على النظام الرأسمالي:
أما الإبقاء على النظام الرأسمالي، بعد أن انكشفت عوراتُه، فإن طريقة السير في الاقتصاد تدل عليه. إذ إن ما يشاهَد من الإجماع على جعل التنظيم الاقتصادي يُبنى كلُّه على زيادة الدخل الأهلي، مع ترقيعه بالعدالة الاجتماعية، أو تطعيمه بالاشتراكية، دليلٌ واضح على ذلك، حتى أن البلدان التي نجحت أميريكا في إخضاعها لسيطرة رأس المال الأميريكي، فإنها على ما تتبجح به من الدعوة العريضة للاشتراكية في ظاهر تصرُّفاتها وتبجحاتها، قد جعلت أساس تنظيماتها الاقتصادية زيادةَ الدخل الأهلي، أي بَنَتْها على أساس النظام الرأسمالي. الأمر الذي يدل على أن المسألة هي تطويرُ كيفية تطبيق النظام الرأسمالي، ليطبق بأسلوب جديد يخفيه تمامًا كما حصل في تطوير الاستعمار. فقد افتضح أمرُ النظام الرأسمالي، وتجلَّى فسادُه لجميع البلاد التي كانت تحت نفوذ الغرب، وأثَّرت دعايةُ روسيا ضدَّه حتى صار أشدُّ المتعصبين له يقول: «لم يعد بالإمكان الأخذ بالنظام الرأسمالي كاملًا للمحاذير الاقتصادية والاجتماعية التي تكتنفه!» ومن هنا صار لا بد ـــــــ للإبقاء على النظام الرأسمالي ـــــــ من أسلوب جديد في تطبيقه، ولا بدَّ من تحرُّكٍ جديد يخفى به على الناس هذا الأسلوب. فكانت هذه البدعة الجديدة التي سموها تطوير النظام الرأسمالي.
وللوصول إلى ذلك أخذوا يعملون على إيجاد رأي عام عن التخطيط الاقتصادي والتنمية الاقتصادية، وإيجاد رأي عام أيضًا عن الاشتراكية وعن العدالة الاجتماعية، ليُخفوا وراءَ ذلك نياتهم، وليبقى النظام الرأسمالي مطبقًا ومتحكِّمًا في البلاد بوساطة هذا الأسلوب الجديد... غير أن هذا الأسلوب الجديد ليس جديدًا في وجوده كالأساليب الاستعمارية الجديدة، وإنما هو أسلوب قديم استعملته أوروبا حين ظهر فسادُ النظام الرأسمالي في القرن التاسع عشر وتعرض للانهيار. فاستعملت هذا الأسلوب نفسه، ونجحت في إبعاد الخطر عنه، وحافظت عليه حتى اليوم. وكذلك هي الآن تحاول استعماله في البلدان التي كانت تحت حكم أوروبا للإبقاء على النظام الرأسمالي بعد أن أصبح متعرضًا للانهيار. فهو ـــــــ إذًا ـــــــ جديدٌ بالنسبة لهذه البلدان، لا بالنسبة لوجوده، لأنه في حقيقته قديم كما رأينا. فمنذ أوائل القرن التاسع عشر انكشف فساد النظام الرأسمالي انكشافًا تامًّا، وظهرت أفكار جديدة تهدِّده بالانهيار، ونتيجة للظلم الذي عاناه المجتمع في أوروبا وروسيا من هذا النظام، وللأخطاء الكثيرة التي هي فيه، ظهرت الأفكار الاشتراكية، وطغت على الرأي العام.
وكانت هذه الأفكار في النصف الأول من القرن التاسع عشر تأخذ شكل أبحاث فكرية، وتظهر في رسائل ومؤلفات، وإن كانت قد وُجدت أحزاب تقول بها، إلّا أن تلك الأحزاب لم تكن قد أخذت ــــــ بعدُ ــــــ الدور الفعال للتأثير في الجماهير وتهديد أنظمة الحكم وأنظمة الحياة. ولكنها في النصف الثاني من ذلك القرن صارت هذه الأحزابُ تشكِّل حركةً سياسيةً، وبدأت محاولات تكوين أحزاب تناضل لتسلّم الحكم وتطبيق المبادئ الاشتراكية.
وكانت هذه الأحزاب تُصدر الصُّحف، وتَعقد المؤتمرات، وتقوم بحركات نضالية، ودعوات اشتراكية، حتى كادت الفكرة الاشتراكية تكتسح أوروبا كلها.
ثم قامت هذه الأحزاب بالفعل في روسيا وبعض دول أوروبا.
وحينئذٍ، تعرَّض النظام الرأسمالي للتدمير، وهدَّده أكثر ما هدَّده الاشتراكية الماركسية... فما كان من الرأسماليين إلَّا أن طلَعوا على العالم بما يسمَّى باشتراكية الدولة، لصرف الناس عن الاشتراكية الماركسية، ولتكون أسلوبًا جديدًا لتطبيق الرأسمالية بشكل يضمن إبقاءها والمحافظة عليها. غير أنه في ذلك الوقت، كانت قد نجحت اشتراكية كارل ماركس، وقامت عليها دولة الاتحاد السوفياتي، فاشتدَّ الخطرُ على النظام الرأسمالي.
أما اشتراكية الدولة التي ابتدعها المستعمرون، فإنها، وإن قامت على أساسها أحزاب في أكثر بلدان أوروبا، لم تنجح وظهر إفلاسها.
عند ذلك قامت إلى جانبها فكرة العدالة الاجتماعية، فأدت بعض الخدمات للنظام الرأسمالي، واستطاعت أوروبا بهاتين الفكرتين: اشتراكية الدولة، والعدالة الاجتماعية، حِفْظَ النظام في أوروبا، والوقوف أمام النظام الاشتراكي الماركسي في روسيا، مع أنها كانت قد وقفت أمامه منذ أن كان حزبًا في أواخر القرن التاسع عشر وأول القرن العشرين، ثم وقفت أمامه حين صار دولة عقب الحرب العالمية الأولى حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. والآن، وقد بدأ الإحساس بظُلم النظام الرأسمالي في المجتمع يدبُّ في البلدان التي كانت تحت سلطان أوروبا، جاءت الدول الكبرى بفكرة اشتراكية الدولة، وفكرة العدالة الاجتماعية، إلى جانب التخطيط الاقتصادي، والتنمية الاقتصادية، للمحافظة على النظام الرأسمالي، وللحيلولة دون أن يسقط تحت الأقدام.
وفي أوائل الثمانينات نجح حزبان أوروبيان بالوصول إلى الحكم، الحزب الاشتراكي الفرنسي الذي على رأسه الآن السيد فرانسوا ميتران، والحزب الاشتراكي اليوناني وعلى رأسه السيد جورج باباندريو.
وهذان الحزبان هما حزبان اشتراكيان نابعة مفاهيمُهما من النظام الرأسمالي وقد قاما للمحافظة عليه. ولذا رأينا أميركا، حامية النظام الرأسمالي، لم تهتمَّ، ولم تنزعج من التغيرات التي قامت بها فرنسا بعد فوز الحزب الاشتراكي، ولم تكتَرث للتصريحات التي صرَّح بها رئيس وزراء اليونان من الانسحاب من الحلف الأطلسي، ومن إلغاء القواعد العسكرية الأميريكية.
وعليه، فإن الدعوة إلى الاشتراكية باسم اشتراكية الدولة ـــــــ وهي ما يسميها حكام الدول العربية بالاشتراكية العربية ــــــ والدعوة إلى العدالة الاجتماعية، إلى جانب الدعوة إلى التنمية الاقتصادية والتخطيط الاقتصادي، كلُّها دعواتٌ مبطّنة، لأنه يراد منها تثبيت النظام الرأسمالي في البلاد، بالمحافظة على أساسه بعد ترقيعه بما يسمَّى باشتراكية الدولة، وبما يسمى بالعدالة الاجتماعية، ليظل مطبقًا في البلاد، متحكمًا في علاقات المسلمين بعضهم مع بعض. إلا أن تلك الدعوات لم تكن سوى محاولة لتطويلِ أمدِ الاستعمار الغربي، والإبقاء على النظام الرأسمالي في بلاد الإسلام بصورة خاصة.
أما هذه الأفكار ـــــــ أي الأفكار التي تجعل زيادة الدخل القومي أساسًا للنظام الاقتصادي، وأفكار الاشتراكية والعدالة الاجتماعية ــــــ فإن فسادها يبرز من البحث في كنهها، علاوةً على كونها من صنع الدول الغربية الكبرى التي تعمل لَيْلَها ونهارها لإضعاف المسلمين وتفريقهم وصرفهم عن جوهر دينهم الذي يكفل نظام المعاش والمعاد.
ولذا كان لزامًا علينا أن نتعرَّض لها فكرةً فكرةً لبيان خطأها من حيث هي أفكار اقتصادية...
زيادة الدخل الوطني أو القومي أساس النظام عند الرأسماليين.
ولنأخذ مسألة زيادة الدخل الوطني، من حيث جعلها أساسًا للاقتصاد، فإن هذه الفكرة هي الأساس الذي يقوم عليه النظام الرأسمالي. هذا النظام يقول: إن النُّدرة النسبية للسِّلع، والخدمات، بالنسبة للحاجات، هي المشكلة الأساسية. أي أن عدم كفاية السِّلع والخدمات للحاجات، المتجددة والمتعددة عند الإنسان، هي المشكلة الاقتصادية للمجتمع. وذلك أن للإنسان حاجات تتطلب الإشباع، فلا بد من وسائل لإشباعها، ووسائل الإشباع هي السِّلع والخدمات. فالسِّلع هي الحاجات المادية: كالرغيف والثوب والدار، والخدمات تتلخص بالحاجات المعنوية كخدمة الطبيب والمعلم والمهندس وغيرهم، أو بالخدمات التجارية مثل الفنادق ودور السينما والمقاهي والنقليات وغيرها... لذلك كانت مهمة الاقتصادي هي توفير السِّلع والخدمات، أي توفير وسائل الاكتفاء، من أجل إشباع حاجات الإنسان، والبحث في توفير الوسائل التي تغطِّي تلك الحاجات.
ولما كانت السِّلع والخدمات محدودة، فإنها لا تكفي لسد حاجات جميع الناس غير المحدودة، إذ إن هناك حاجات أساسية لا بد للإنسان من الحصول عليها بوصفه إنسانًا كالمأكل والملبس والمسكن، وهناك الحاجات التي تزداد كلما ارتقى الإنسان إلى مرتبة أعلى في مراتب المدنية، وهي ما يعمل العقل الاقتصادي على توفيرها لكي يقدر على تغطية الحاجات كلها تغطية تامة.
وهذا لا يتأتى مهما كثرت السِّلع والخدمات بسبب تزايد عدد السكان وتزايد الحاجات تبعًا لذلك، ومن ثمَّ تحوُّل أكثر الحاجات في نظر الناس من كمالية إلى ضرورية. من هنا يبدأ أساس المشكلة الاقتصادية، وهو كثرة الحاجات وقلة وسائل إشباعها. أي عدم كفاية السِّلع والخدمات لسدِّ جميع حاجات الإنسان، ما جعل المجتمع يواجه حينئذ المشكلة الاقتصادية، التي تكمن في مشكلة النُّدرة النسبية للسِّلع والخدمات.
والنتيجة الحتمية لهذه النُّدرة هي أن تظل بعض الحاجات إما كافيةً كفايةً جزئية فقط، او غير كافيةٍ إطلاقًا. وما دام الأمر كذلك فلا بد من قواعد تقرِّر كيفية توزيع الموارد المحدودة على الحاجات غير المحدودة. فالمشكلة عندهم إذًا، هي الحاجات وليس الإنسان، أي هي توفير الموارد لتوفير الحاجات، لا إشباع حاجات كل فردٍ من الأفراد. ولما كان الأمر كذلك فلا بد أن تكون القواعدُ التي توضع قواعدَ تضمن الوصول إلى أرفع مستوى ممكن من الإنتاج، حتى يتأتى توفير الموارد لمجموع الناس لا لبعض أفرادٍ منهم. من هنا كانت مشكلة توزيع السِّلع والخدمات مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمشكلة إنتاجها، وكان الهدف الأسمى للدراسات الاقتصادية هو العمل على زيادة ما يستهلكه مجموع الناس من السِّلع والخدمات، ولهذا كانت دراسة العوامل التي تؤثر على حجم الإنتاج الوطني تحتل مكان الصدارة بين جميع المواضيع الاقتصادية عند الغربيين، لأن البحث في زيادة الإنتاج الوطني هو عندهم أهم الأبحاث لمعالجة المشكلة الاقتصادية، أَلّا وهي العجزُ النسبيُّ في كفاية السلع والخدمات بالنسبة للحاجات. فزيادة الإنتاج هي الهدف لحلّ المشكلة الاقتصادية وليس عيش كل فرد من أفراد الناس. ولذلك صارت تقدَّر ثروةُ البلاد جملةً بغضِّ النظر عن مالِكِيها، فهي تُقسم على عدد أفراد الشعب ويقال: معدلُ دَخْلِ الفرد كذا وكذا، حتى ولو كان الذين يملكون هذه الثروة هم عُشر هذا الشعب، بينما تسعةُ أعشاره لا يكادون يجدون القوت والكساء والمأوى. فالغربيون يعتقدون أنه لا يمكن معالجة الفقر والحرمان في البلد، إلا عن طريق زيادة الإنتاج فيه. وهم يدَعون الحرية للناس ليأخذوا من هذا الإنتاج ـــــــ أي من الثروة ـــــــ بمقدار ما يُنتجون للبلد، أي بمقدار ما يُعطونه. وهم يعتقدون أنَّ معالجة الفقر والحرمان في البلد كافيةٌ لمعالجتهما لدى الأفراد، فما على كل فرد إلّا أن يُقْبلَ على الإنتاج وبذلك يبعد عنه الفقر والحرمان.
فعلاج المشكلة الاقتصادية التي تواجه المجتمع عندهم إنما يكون بزيادة الإنتاج. ومن هنا يُفهم سرُّ انصبابِ الجهود على زيادة الإنتاج والتنمية الاقتصادية، ووضع التخطيط الاقتصادي لزيادة الإنتاج. أي أن الجهود كلها منصبَّةٌ على الأساس الذي يقوم عليه النظام الرأسمالي.
هذا هو الأساس للنظام الرأسمالي. إنه يبحث في التوزيع والإنتاج، ويبحث في توزيع الموارد على الحاجات الموجودة في البلد لا على حاجات جميع أفراد البلد فردًا فردًا.ثم هو يبحث في توزيع الموارد على الحاجات عن طريق زيادة الموارد لا عن طريق قواعد تقرِّر هذا التوزيع، أي يجعل بحث التوزيع على الحاجات منطويًا تحت بحث الإنتاج، فيكون بحثُه كله هو الإنتاج، أي زيادة الدخل الوطني. ثم هو يترك الناس هكذا دونما أية عناية في بحثه. فهو لا يبحث في توزيع الثروة عليهم، ولا فيما يضمن مقدار أخذهم منها، وإنما يقصر بحثه على الإنتاج، ويترك الناس يأخذون من هذا الإنتاج بقدر ما يستطيعون.
وعلى هذا، فإن النظام الاقتصادي الرأسمالي يهدف إلى غاية واحدة هي زيادة ثروة البلاد جملةً، ويعمل للوصول إلى أرفع مستوى ممكن من الإنتاج، ويجعل تحقيق أقصى ما يمكن من الرفاهية لأفراد المجتمع نتيجةً لزيادة الدخل الوطني، ويجري توزيعُ هذا الدخل بواسطة حرية الملك، وحرية العمل، على أفراد المجتمع، ثم يُترك للأفراد حرية نوال ما يستطيعونه من هذه الثروة، كلٌّ بحسب ما يملك من عوامل إنتاجها، سواء حصل الإشباع لجميع الأفراد أو حصل لبعضهم دون البعض الآخر. وهذا خطأ وظلم... لأن الحاجات التي تتطلب الإشباع هي حاجات فردية مع كونها حاجات مجموعة الناس. فهي، في الأساس، حاجات لمحمد وصالح وحسن، وليست حاجات لمجموعة من الناس، أو لمجموعة أمة أو لمجموعة شعب. والذي يسعى لإشباع حاجاته إنما هو الفرد سواء أكان إشباعه لها مباشرة كالأكل، أو عن طريق إشباع المجموع كالدفاع عن الأمة. ولذلك كانت المشكلة الاقتصادية هي توزيع وسائل الإشباع على الأفراد، أي توزيع السِّلع والخدمات على أفراد الأمة أو الشعب وليس على الحاجات التي يتطلبها مجموع الأمة أو الشعب من دون النظر إلى كل فرد من أفراده. فالمشكلة في أساس نظامهم، هي الحرمان الذي يصيب الفرد، لا الحرمان الذي يصيب مجموع البلاد. والبحث في الاقتصاد إنما يكون لتوفير الحاجات الأساسية لكل فرد لا البحث في إنتاج المادة الاقتصادية.
والقضية متعلقة بالأفراد الذين يعيشون في البلد، وليس بإنتاج البلد، أي إنها متعلقة بتوفير جميع الحاجات الأساسية لجميع أفراد الأمة فردًا فردًا، توفيرًا كليًا، وليس بزيادة إنتاج البلد ككلّ.
والبحث أساسُه توزيعُ الثروة على الناس لضمان توفير جميع حاجاتهم الأساسية، وليس أساس البحث إنتاج الثروة.
والفقر والحرمان المطلوب علاجهما، هما عدم إشباع الحاجات الأساسية للإنسان بوصفه إنسانًا، وعدم تمكينه من إشباع حاجاته الكمالية، وليس الفقر أو الحرمان هو فقر البلاد بالنسبة لما يشبع الحاجات المتولِّدة عن الرقي المادي أو كونها محرومة منها. وهذا الفقر أو الحرمان بهذا المفهوم ـــــــ عدم إشباع الحاجات الأساسية وعدم التمكين من إشباع الحاجات الكمالية لكل فرد ــــــ لا يعالَج بزيادة الإنتاج، وإنما يعالج بكيفية توزيع الثروة على جميع الأفراد فردًا فردًا، بحيث يصل كلُّ فرد إلى نيل جميع حاجاته الأساسية، ثم إلى امتلاك جميع الحاجات الكمالية. وعلى هذا يكون الرأسماليون قد تصوروا المشكلة الأساسية للاقتصاد تصورًا مقلوبُا، فجعلوها إنتاج الثروة، ثم تركوا أمر توزيعها تركًا تامًا، في حين أن المشكلة هي توزيع الثروة.
ومن هنا جاء الخطأ والضلال في جعل زيادة الدخل الأهلي الأساس للتنظيم الاقتصادي. وقد ترتب على منهجهم الخاطئ ـــــــ أي على جعل الإنتاج هو الأساس، وترك أمر توزيع الثروة على أفراد المجتمع تركًا تامًا، وعدم توجيه أي عناية له فضلًا عن جعله أساسًا ـــــــ ترتب على ذلك أن جعلوا الثمن هو المنظِّم للتوزيع، أي أن من يملك ثَمنًا يأخذ من ثروة البلاد، ومن لا يملك شيئًا لا يأخذ شيئًا. ذاك أن النظام ترك للأفراد أن يأخذوا من هذه الثروة بمقدار ما يُنتجون. فهم يأخذون ثمن إنتاجهم، ثم يأخذون عَبْر هذا الثمن من ثروة البلاد بمقدار ما يملكون. وبذلك يكون النظام الرأسمالي قد قرَّر أنه لا يستحق الحياة إلا من كان قادرًا على المساهمة في إنتاج السِّلع والخدمات. أما من كان عاجزًا عن ذلك لأنه خلق ضعيفًا، أو لأن هناك ضعفًا طرأ عليه، فلا يستحق الحياة، لأنه لا يستحق أن ينال من ثروة البلاد ما يسدُ حاجاته. والذي يستحق الحياة والتخمة والسيادة والسيطرة على الغير ـــــــ بنظرهم ـــــــ هو كل من كان قادرًا على ذلك، لأنه من نوع ممتاز على الآخرين، خلق قويًا في جسمه أو في عقله أو في ثروته الموروثة، وكان أقدر من غيره على الحياة بأي طريق من الطرق. وكذلك يزيد في حيازة الثروة على غيره كل من كانت ميوله للمادة قوية، ويُحرَم من حيازتها من كانت ميوله الروحية وتعلقه بالصفات المعنوية أقوى، لتقيُّده بموارد الحلال والشرف والأخلاق في كسب المادة بما تفرضه عليه القيود الروحية أو المعنوية التي التزم بأفكارها. وهذا يشجع محبي العنصر المادي ويبعد محبّي العنصر الروحي والخُلُقي عن الحياة، ويجعل من ثَمَّ الحياة حياةً مادية بحتة، أساسُها النضال المادي لا غيره.
هذا هو واقعُ البلاد الغربية كلها، وهو ـــــــ أيضًا ـــــــ واقع البلاد الإسلامية بعد أن طُبق عليها النظام الرأسمالي، ونلفت النظر إلى أن جعل زيادة الدخل الأهلي هي الأساس، وترك الحرية للأفراد في التملك والعمل لإنتاج الثروة وحيازتها، وعدم العناية بأمر توزيعها على الإطلاق، كلُّ ذلك أدَّى إلى تملُّك المال بأية سبيل يصل المرءُ بها إليه، سواء اكان ذلك بالغش أو الكذب أو الاحتكار، أو بالقمار، أو بالرِّبا مضاعفًا وأكثر من مضاعف. وسواء أكانت السلع خمرًا أم حشيشةً أم أفيونًا، أو كانت الجهود رقصًا أو غناءً، أو سحرًا أو شعوذة، أو ما شابه ذلك، ما دامت هذه الطرق قد ضمنت للفرد الحرية المطلقة في الملك والعمل ليحصِّل الثروةَ كما يشاء بما يشاء. وفي هذا انحطاطٌ في العلاقات، وتفسُّخٌ في الأخلاق، ونزولٌ بالإنسان إلى درك الحيوان، وإهدار لجميع القيم الروحية الرفيعة بين الناس.
فالنظام الرأسمالي يتصور المشكلة الاقتصادية تصورًا مقلوبًا، فبدل أن ينظر إليها كمشكلة مجتمع ومشكلة علاقات، ومشكلة توزيع الثروة على الناس، جعلها مشكلة إنتاج، ثم ترك الحرية في الملك وفي العمل لإنتاج الثروة وحيازتها بالطرق المشروعة وغير المشروعة. وبذلك لم يعالج المشكلة بل ركّزها على أساس الظلم وانعدام القيم الخُلقية، وحصر الثروة بأيدي الأقوياء الذين لا يبالون بالقيم كلها ولا يقيمون وزنًا إلا للقيمة المادية، ثم حرم منها ـــــــ أو كاد ـــــــ الضعفاء وجعلها تشح على الحريصين على القيم الروحية والخلقية والمعنوية.
وهكذا فالنظام الرأسماليّ يجعل الحياة الاقتصادية أساس الحياة وأساس العلاقات، ويقيم قواعد الأخلاق على أساس هذه الحياة الاقتصادية المستنزِفة للأخلاق، ويصوِّر الحياة سلعًا وخدمات ومادةً ليس غير.
وبدل أن يعالج نظامُهم الرأسمالي الفقرَ والحرمانَ للأفراد، ركَّز وجود الفقر والحرمان في المجتمع، لأنه يستحيل أن يخلوَ المجتمع من ضعفاء، ومن حريصين على عالي الصفات، وهؤلاء سيظلون حتمًا فقراء ما دام أساس النظام الاقتصادي هو زيادة الدخل الأهلي، والقدرة على الأخذ! فالقوي بقوته ينال الثروة، والضعيف لِضعفه يُحْرَمُ منها، وهذا تكريس لقاعدة بقاء الفقير فقيرًا، وهو بذلك يجعل السيطرة في البلاد للأغنياء، ويجعل السلطة بأيديهم، ويمكّنهم من التحكّم في رقاب الناس ومصائرهم. لهذه الأسباب ظهرت في البلاد الغربية سيطرةُ الاحتكارات الرأسمالية، واستبدادُ المنتجين بالمستهلكين، وغدا فريق من الناس ـــــــ كأصحاب الشركات الكبرى من بترول وسيارات ومصانع ثقيلة وغيرها ـــــــ يتحكّم بجمهرة المستهلكين، ويفرض عليهم أثمانًا معينةً للسِّلع، وهذا ما دعا إلى ظهور الاشتراكية، وظهور ما يسمَّى بالعدالة الاجتماعية، لترقيع النظام الرأسمالي من أجل تزييف ما أنزله بالناس من ظلم وإرهاق...
هذا هو واقع الدعوة إلى جعل زيادة الدخل الأهلي أساس التنظيم الاقتصادي، وهذا هو من ثَمّ واقع الدعوة إلى التخطيط والتنمية، فإنها دعوةٌ إلى جعل أساس النظام الرأسمالي أساسًا للتنظيم الاقتصادي، وجعل أساس الحياة الاقتصادية أساسًا للعلاقات بين الناس.وهذه هي نتائج هذه الدعوة: ظلمٌ للأكثرية الساحقة من الناس وهم الضعفاء، وتكريسٌ للفقر في المجتمع، ونفيٌ للقيم الرفيعة فيه. ومن هنا يظهر مدى ما في هذه الدعوة من خطرٍ على الأمة وعلى المجتمع الإسلاميين، فضلًا عن كونها دعوة مشبوهة غايتها تثبيت النظام الرأسمالي بعد أن أشرف على الانهيار، وتاليًا تثبيت أقدام الدولة المستعمِرة في بلاد الإسلام بعد أن آذَنَ نفوذُها وسلطانها فيها بالزوال، وبعد أن صارت هذه البلاد على وشك التحرير.


الظروف التي نشأ فيها المَبدأ الاشتراكي الشُيوعي:
الاشتراكيّةُ الشيوعيّةُ فكرةٌ نادى بها كثيرونَ من قبلُ، ولكنّ الذي حَمَلَهَا ودعا لها، في الآونةِ الأخيرةِ، كارل ماركس نظريًّا، ثمّ تَبِعَهُ عمليًا ونظريًّا لينين وأنصارُهُ الذين اتَّبعوهُ، وكان بدءُ تطبيقها سنة 1918 في أواخر الحرب العالميّةِ الأولى. وعندما كانت مُعظمُ الجيوشِ الروسيّةِ منتشرةً على الحدودِ ومنشغلة في المعارك الحربية... قامَ الحزبُ الشيوعيّ بثورةٍ داخليةٍ، تحتَ قيادة لينين وستالين، فنجحت الثورةُ بعدما كانت قد أخفقتْ مرّاتٍ عدّةً من قبلُ، وركّزَتْ نظرّيتها القائلةَ بأنّ الدينَ أفيونُ الشعوب، وعملتْ بعيدًا عن الدين.
كيف ظهرت الاشتراكية بجميع أنواعها؟
إن ظهور الاشتراكية، كان نتيجة للظلم الذي عاناه المجتمع في البلاد الرأسمالية، وهي أوروبا وآسيا، من جراء تطبيق النظام الرأسمالي. فرأى فريق من المفكرين أن هذا الظلم إنما جاء من تفاوت الملكية الخاصَّة بين الناس، ولذلك أخذوا يبحثون أمر هذه الملكية. فقال فريق منهم بالمساواة الحسابية، ويُقصد بها المساواة في كل ما يُنتفع به، فيعطَى لكل فرد منه ما يعطَى للآخر. وقال فريق آخر بالمساواة الشيوعية، ويقصد بها أن يراعَى في توزيع الأعمال قدرة كلِّ فرد، وتراعَى في توزيع الناتج حاجاتُ كلِّ فرد. والمساواة تتحقق عندهم إذا ما طبقت القاعدة الآتية: «من كلٍّ حسب قوَّته ولكلٍّ حسب حاجته». وقال فريق ثالث بالمساواة في وسائل الإنتاج من حيث إن الأشياء لا تكفي في الواقع لسد حاجات كل الأفراد فيجب أن تكون قاعدة التوزيع «من كلٍّ حسب قدرته ولكل بنسبة عمله» وتتحقق المساواة إذا تهيأ لكل فرد من وسائل الإنتاج مثل ما للآخر.
وقالوا أيضًا إن كون الظلم ينتج عن الملكية الخاصة إنما يوجب إلغاء هذه الملكية. واختلفت المذاهب الاشتراكية من حيث نظرتها إلى هذا الإلغاء، ففئة تقول بإلغاء الملكية الخاصة على الإطلاق، وهذه هي الشيوعية. وحُجَّتُها أنه بذلك تتحقق المساواة وتترتب الأوضاع إذا طُبقت قاعدتها السابقة «من كلٍّ حسب قوته» (أي العمل الذي يقوم به) «ولكلٍّ حسب حاجته» (أي ما يُسمح له به من الإنتاج).
وفئة ثانية تقول بإلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج أو عناصر الإنتاج مثل رأس المال، والأرض، والمصانع، والخطوط الحديدية، والمناجم ونحوها، أي أنه يمنع امتلاك كلِّ وسائل الإنتاج من قبل أشخاص، فلا يملك الفرد بيتًا يؤجره ولا مصنعًا ولا أرضًا ولا ما شابه ذلك. ولكنهم يحتفظون بالملكية للأفراد بالنسبة لثروات الاستهلاك. فيصح أن يملكوا كل ما يستهلكونه ولا يصح أن يملكوا أي شيء ينتج، فيملكون سيارة لاستعمالها لأنفسهم، ولا يصح أن يملكوا سيارة للأجرة وهكذا. وهذه هي اشتراكية رأس المال، وتتحقق إذا ما طبقت القاعدة التالية «من كلٍّ حسب قدرته ولكلٍّ حسب عمله» وهذا هو المذهب الذي جرى تطبيقه في روسيا حسب آراء ماركس بتفسيرات لينين وستالين ثم خروشوف للوصول إلى الشيوعية.
وهناك فئة ثالثة تقول بإلغاء الملكية الخاصة في الأرض الزراعية دون غيرها، وهؤلاء هم الاشتراكيون الزراعيون.
هذه هي أنواع الاشتراكية التي وجدت نتيجة للظلم الفادح في النظام الرأسمالي.
وبعد أن وجدت الفكرة الاشتراكية جرى البحث في طريقة تنفيذها. فقالت النقابية الثورية بالاعتماد على ما تسمِّيه الفعل المباشر، أي جهود العمال أنفسهم، كالإكثار من الإضراب المتقطع، وإتلاف الآلات، ونشر فكرة الإضراب العام بين العمال، والتأهب لتحقيقها. وجاءت الماركسية بما تسمِّيه سُنّة التطور في المجتمع، أي بما يسمَّى بالتناقضات. ومنذ ان وجدت هذه الفكرة واعتمدت طريقة للتنفيذ بدأ النضال ضد الرأسمالية. كما أنه وجد مذهب اشتراكي ثالث وهو ما يسمى باشتراكية الدولة، وهو في حقيقته اشتراكية اسمًا، برغم ادعائهم أنه اشتراكية حقيقية. وخلاصة هذه الاشتراكية الاسمية أن تحوّل الملكية الخاصة إلى ملكية عامة في كل حالة يستدعي الصالح العام فيها اللجوء إلى هذا الإجراء. وهو ما يسمّى بالتأميم.
وترى هذه الاشتراكية أن يجري تقييد أصحاب الملكية الخاصة في كثير من المواطن، وأن يضع المشرِّع حدًّا أقصى للفائدة والإجارة، فيُمنع الربح إذا زاد عن مقدار معيَّن، وتُمنع إجارة أي عقار أو سلعة تستأجر، كبيت أو سيارة، إذا زادت الأجرة عن حد معيَّن. وأن يوضع حدّ أدنى لأجور العمال فلا يعطَى العامل أقل من مبلغ معيَّن، وأن يُمنح العمال نصيبًا في رأس المال، فتُجعل لهم أسهمٌ معيَّنة في المصنع الذي يشتغلون فيه، وأن تحدَّد للعمال ساعات العمل، ونحو ذلك. هذه هي اشتراكية الدولة. وهي الاشتراكية التي يدعون إليها ويحاول بعضُ الحكام تطبيقها. وطريقة تنفيذ هذه الاشتراكية هي سن القوانين وتنفيذها من قبل الدولة.
ويقولون إنَّ في سن القوانين ما يكفل حماية المصالح العامة وتحسين أحوال العامل، كما أن فرض الضرائب، وخصوصًا على الدخل ورأس المال والميراث، يؤدي إلى تقليل التفاوت في الثروات.
وظاهرٌ في أفكار هذه الاشتراكية ـــــــ من حيث فكرتها، ومن حيث طريقة تنفيذها ـــــــ انها إنما وجدت للوقوف في وجه الاشتراكية الشيوعية التي تبطش بالنظام الرأسمالي وتحطِّمه، ومن أجل حماية هذا النظام. فاسمها فقط اشتراكية، وحقيقتها سورٌ لحماية الرأسمالية من أن تنهار أمام الاشتراكية الشيوعية. على أن هذه الاشتراكية بوصفها نظامًا لا يمكن أن يتم تطبيقها ويستمر بمجرد سن القوانين والتشريعات، بل لا بد أن يوجد رأي عام عنها لدى الشعب الذي ستطبق عليه مبنيٌّ على تفهُّم لها، ثم بعد ذلك يمكن أن يجري تطبيقها. أما تطبيقها بمجرد سن القانون من قبل الحاكم الذي يعمل لتطبيقها فإن ذلك خطأ، إذ مجرد سن القانون لا يكفي لتطبيقه بل لا بد من رأي عام عن هذا القانون مبني على تفهم له ولو إجمالًا حتى يتم تطبيقه ويستمر.
ولذلك فإن أوروبا، حين بدأت تطبيق هذه الاشتراكية، سارت في هذا الطريق لتوجدَ رأيًا عامًا عن الاشتراكية مبنيًا على تفهم لها، ثم بدأت تحاول تطبيقها. فوُجدت أولًا أحزابٌ اشتراكية تحمل الفكرة وتدعو لها وتكتل الناس حولها. ثم لما وصلت هذه الأحزاب إلى الحكم أخذت تحاول تطبيقها. ولكن حكام البلاد الإسلامية، والداعين للاشتراكية اليوم فيها، يريدون أن يسنوا القوانين ويطبقوها قبل أن توجد الفكرة لدى الناس، وقبل أن يوجد لها رأي عام مبنيٌ على تفهُّم حقيقتها ولو إجمالًا. فحكام بعض البلاد العربية فعلوا ذلك وبدأوا رأسًا بتطبيقها قبل أن يوجد حزب اشتراكي يروِّحها ويدعو إليها. وهذا الأمر هو كوضع الحصان وراء العربة ليجرها إلى الأمام، أو هو كالسير بالخطوة الثانية قبل الخطوة الأولى، وبالطبع سيكون فشلها حتميًا.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن اشتراكية الدولة ليس فيها قابلية التطبيق، ولا فيها قابليةٌ لأن يوجد لها رأي عام، لأنها مجموعةٌ من الأفكار غير المرتكزة على أساس. فكل فكرة منها غير الأخرى، وأساسها أن تدرس كلّ حالة يدعو الصالح العام فيها إلى إيجاد شيء يحد من طغيان الملكية الخاصة.
وهذا ليس فكرًا عامًّا محددًا تنبثق عنه أفكار، وإنما هو أمرٌ يمكن أن يحصل في أي نظام ذهابًا من النظام الرأسمالي، إلى النظام القبَلي، ومرورًا بكل نظام لا يصلح أساسًا لانبثاق الأفكار، ولا يشكِّل عقيدة يعتنقها الناس. ثم إن الأفكار التي تنبثق عنه هي التأميمُ لبعض المصالح، وتقييدُ الملكية في بعض المواطن، وتحديدُ الأجور، وتحديدُ بدل الإيجارات، وتحديدُ الأرباح وما إلى ذلك. وهي كلُّها أفكار لا رابط بينها. وإذا كان بالإمكان إيجادُ رأيٍ عامٍّ لفكرة واحدةٍ منها كالتأميم مثلًا، فإنه من المتعذر أن يوجد رأي عامّ لها كلها، بوصفها كلًّا، أي بوصفها اشتراكية. وما دام يتعذَّر إيجاد رأي عام لها مبنيٍّ على تفهُّم لها، فإنه لا يمكن أن يتمَّ تطبيقُها ويستمر. ولذلك أخفقت جميع الأحزاب الاشتراكية في أوروبا كلها في تطبيق هذه الاشتراكية، بدليل أن حزب العمال في إنكلترا وصل إلى الحكم، وانفرد وحده بالحكم، وحاول تطبيقها فلم ينجح، وإن كان قد وصل إلى تطبيق بعض الأفكار في بعض الحالات كالتأميم لبعض المصالح، ولكنه لم يجد القبول عند الناس، فكان لتصرُّفه أثرٌ سلبيٌّ على قواه الانتخابية، وخسر المعارك الانتخابية من جراء فكرة التأميم، كما نشأ تيارٌ قويٌّ بين أعضائه يدعو للتخلِّي عن فكرة التأميم في الحزب لكسب الانتخابات.
أما الأحزاب الاشتراكية في إيطاليا وألمانيا، فإنها لم تنجح في الوصول إلى الحكم. والاشتراكية النازية لم تنجح، من قبل، في تطبيق الاشتراكية، وإنما أثَّرت شخصية هتلر على ألمانيا، فأوجد فيها النازية، إلّا أنه لم يستطع أن يوجد الاشتراكية. ومن هنا تولّى الرأيُ العام في أوروبا عن الاشتراكية وأعرض عنها. ولكن طغيان النظام الرأسمالي والانحراف الشديد للنظام الاشتراكي الشيوعي أعادا لهذا النوع من الاشتراكية رمقًا من الحياة، بحيث نجحت نوعًا ما في فرنسا وفي اليونان، برغم أنه لم يظهر حتى الآن على حكَّام فرنسا الجُدد أنهم يريدون التأميم. والسبب في ذلك أن اشتراكيتهم هذه ليست منبثقة عن فكرة عامة محددة، بل هي مجموعة أفكار غير متجانسة، ومن هنا انتشرت رائحة عفونتها وظهر عدم جدواها.
ونحن نرى أن هذه الاشتراكية لا يمكن أن يكتب لها النجاح لأنها ليست منبثقة عن فكرة عامة محددة، بل هي مجموعة أفكار مكوَّنة من أخاليط. هذا هو وضع الاشتراكية التي يدعون إليها ويحاولون تطبيقها، ومنه يمكن أن ندرك تمام الإدراك أن الدعوة لها دعوةٌ إلى فكرة غير قابلةٍ لاستمرار التطبيق، لأنه ليس فيها قابلية لأن يكون لها رأي عام مبنيٌّ على تفهُّم لحقيقتها، ومنه يمكن أن ندرك تمام الإدراك أن محاولة تطبيقها محاولة مُخفقة حتى ولو كان المحاولون أحزابًا اشتراكية، فكيف الحال والمحاولة جارية من فرد أو أفراد عن طريق سن القوانين لإيجاد الاشتراكية قبل أن يوجد الاشتراكيون! لا شك أن هذه المحاولة مقطوع بإخفاقها. ولا يقال إنه صار للاشتراكية رأي عام في البلاد، فصار يمكن تطبيقها، لأنه لا يوجد لهذه الاشتراكية رأي عام، ولا يمكن أن يوجد لها رأي عام، والموجود إنما هو دعاية للفظ الاشتراكية، وهذه الدعاية أوجدت لهذا اللفظ ذكرًا على ألسنة الناس ـــــــ بعض الناس ـــــــ فصارت الكلمة يلهج بها الناس بسبب ما أسبغ عليها روَّادها من معاني المساواة والعدالة.
وأما الاشتراكية، بمدلولها وبوصفها مفهومًا معينًا، فإنها لا أثر لها عند مُقتنع واحد... ثم إن هذا الوجود لهذه الكلمة، الذي جعلها مُحّببة، إنما جاء مما كان لها في أوروبا من دعاية. فانتقلت للبلاد الإسلامية بطريق التقليد، ثم تبنتها بعض الحكومات، وشجَّعت عليها دول الغرب مثل أميريكا، فوجدت لها هذه الدعاية، وصارت مرغوبة، حتى أنه صار يقال عن الإسلام بأنه دين اشتراكيّ، ما دعا الشاعر المشهور أحمد شوقي لأنْ يقول في مدح النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم:
«الاشتراكيُّون أنت إمامُهم لولا دعاوى القوم والغُلوَاءُ»
كما دعا بعض الذين يحاولون حمل الدعوة الإسلامية أن يصدروا مؤلفات عنوانها: الاشتراكية في الإسلام. وهذا كله منشؤه دعاية أوروبا لهذه الاشتراكية، ودعاية روسيا لاشتراكيتها الخاصة، ثم كان بتبنِّي بعض الحكام للفظها، فوجدت هذه الهالةُ لها، وصار بين أيدي الناس لفظٌ طنان ليس له مدلول ولا مفهوم. إلّا أن كل ذلك لا يكفي كرصيد باعث على تطبيقها والسير فيها، بل لا بد أن يكون الرأي العام متعلقًا بها تعلقًا ناتجًا عن تفهُّم لحقيقة الفكرة لا عن دعاية لِلَفظِها الأجْوَف. هذا بالنسبة للاشتراكية الدولية التي يدعون لها في هذه البلاد، ويحاولون تطبيقها فيها، والتي يسمِّيها بعض الحكام في الدول العربية الاشتراكية العربية.
فسادُ الاشتراكية «الحقيقية» والاشتراكية الزراعية:
أما بالنسبة للاشتراكية «الحقيقية» التي هي اشتراكية رأس المال، فتلك اشتراكية منبثقة عن فكرة محدَّدة أمكنَ أن يعتنقها أفراد وجماعات ويدافعوا عنها. ولكن لا يمكن تطبيقها إلا بالحديد والنار، والدسائس والاغتيالات، وتخريب القصور الحقيقية لإقامة قصورٍ وهمية على أنقاضها... فهي اشتراكية تخالف الفطرة وتحدُّ من النشاط.
أما الاشتراكية الزراعية فهي غير موجودة في البلاد الإسلامية، ولا داعي للاشتغال بنقضها، ويكفي لإظهار فسادها أنها تؤخر الإنتاج الزراعي، وأنها تخالف الفطرة بمنعها ملكية الأرض، وصار المزارع في ظلّها كالمسخّر، لأنه لا يعمل لنفسه ولا لأولاده. إذ الملكية مظهر من مظاهر غريزة حب البقاء، ولذلك لا يندفع الفرد للإنتاج الزراعي إذا كان لا يملك ما يُنتج، وهذا وحده كافٍ لفسادها.
وأما اشتراكية رأس المال فإنها تقول بإلغاء الملكية الخاصة بالنسبة لأدوات الإنتاج كالأرض والمصانع والمناجم ونحوها. يعني أنها تمنع ملكية كلِّ سلعة تُنتج شيئًا: فلا يملك الإنسان بيتًا يؤجِّره، ولكن يملك بيتًا يسكنه، ولا يملك أرضًا يزرعها لبيع ما يزرع، ولكنه يملك أرضًا يزرعها ليستهلك هو ما يزرع، وليُصادَرَ منه ما زاد عن حاجته. وأصبح الفرد يعمل في مصنع ينتج، ولكنه لا يملك مصنعًا للإنتاج. فهم يمنعون الأفراد من ملكية كل ما ينتج، ولكنهم يحتفظون بالملكية الفردية بالنسبة لثروات الاستهلاك فقط. وهذا يعني إلغاء الملكية الخاصة إلغاءً جزئيًّا يشمل أدوات الإنتاج فقط. هذه هي خلاصة اشتراكية رأس المال الخاطئة قطعًا وطبعًا... ذلك أن إلغاء الملكية في المال الذي طبيعته لا تقتضي الاشتراك فيه، ولا تقبل ملحقًا به، هو تحديد لملكية الأموال بالسماح بملكية بعضها دون البعض الآخر، الأمر الذي يحدُّ من نشاط الإنسان، ويعطل جهودُه ويقلل إنتاجه. فالحاكم حين يمنعه من حيازة ما يزيد عن مقدار ما يحتاجه، يوقفه عند حدّ ويحرمه من مواصلة النشاط، ويحرم الجماعة من الانتفاع بجهود أفرادها، فيحصل ـــــــ في مثل هذه الحال ــــــ تأخرٌ في الإنتاج قطعًا، كما هو حاصل اليوم في الإنتاج الزراعي في روسيا، ما جعلها تلجأ إلى أميريكا وكندا وأوستراليا لشراء الحبوب منها، أو من بعض دول أميريكا الجنوبية.
أما اشتراكية كارل ماركس فإنها تقوم على النظرية المادية، وهي أن الحياة والإنسان والكون مادة تتطور من نفسها تطورًا ذاتيًا حسب قوانين الطبيعة. فلا يوجد خالق ولا مخلوق وإنما هو تطور في المادة لا أكثر ولا أقل. وقد كتب لينين بصدد المفهوم المادي عند فيلسوف العهد القديم هيراقليط الذي جاء فيه: «إن العالم هو واحد لم يخلقه أي إله أو إنسان، وقد كان ولا يزال وسيكون شعلة حية إلى الأبد، تشتعل وتنطفئ تبعًا لقوانين معينة». فقال: «يا لَه من شرح رائع لمبادئ المادية الديالكتيكية!» ويقول فريدريك أنجلز: «إن الفهم الماديَّ للعالم يعني بكل بساطة فهم الطبيعة كما هي دون أية إضافة غريبة...» ويقول ماركس: «فإن هذه المادة هي جوهر كل التغيرات التي تحدث». ويرى ماركس: أن قيام النظام الجديد في المجتمع سيتم بمجرد عمل القوانين الاقتصادية، وبمقتضى قانون التطور في المجتمع، من غير تدخل إرادة مشترع أو مصلح. وتتلخص نظريته في أن نظام المجتمع الذي يقوم في عصر ما هو نتيجة للحالة الاقتصادية، وأن التقلبات التي تصيب هذا النظام إنما ترجع كلها إلى سبب واحد هو كفاح الطبقات من أجل تحسين حالتها المادية. والتاريخ يحدثنا بأن هذا الكفاح ينتهي دائمًا على صورة واحدة هي انتصار الطبقة الأوفر عددًا والأسوأ حالًا على الطبقة الغنية والأقل عددًا. وهذا ما يسميه بقانون التطور الاجتماعي. وهو يطبّق على المستقبل كما طُبق على الماضي. ففي العصور الماضية كان هذا الكفاح موجودًا بين الأحرار والأرقَّاء، وقد كان ذلك ينتهي دائمًا بانتصار الطبقة المظلومة الكثيرة العدد على الطبقة الظالمة القليلة العدد. ولكنها بعد انتصارها تنقلب الطبقة المظلومة إلى طبقة ظالمة محافظة. ومنذ الثورة الفرنسية أصبح هذا الكفاح قائمًا بين الطبقة المتوسطة (البورجوازية) وطبقة العمال. فقد صارت الأولى سيدة المشروعات الاقتصادية ومالكة رؤوس الأموال، كما صارت طبقة محافظة، وفي وجهها تقوم طبقة العمال التي لا تملك شيئًا من رأس المال ولكنها أوفر منها عددًا. هناك تناقض بين مصالح هاتَين الطبقَتين، ومن جراء هذا التناقض يحصل كفاح الطبقات إلى أن يتقوض النظام الاقتصادي الرأسمالي فيقوم على أنقاضِه نظام الاشتراكية.
هذه خلاصة الاشتراكية الماركسية، وهي خطأ بلا ريب. فمن حيث نظرتها المادية، إنّ نظرة واحدة إلى ما يقولونه من تطور نقطة الماء إلى بخار تُري أن هذا التحول في المادة من ماء إلى بخار لم يحصل ذاتيًّا، ولا حصل من المادة وحدها، فالماء لم يتحول إلَّا بدرجة معيَّنة من الحرارة. وهذه النسبة المعينة من الحرارة هي التي جعلت الحرارة تؤثِّر في تحويل الماء إلى بخار، ولو اضطربت هذه النسبة لما حصل التحول، فهذه النسبة المعيَّنة مَنِ الذي فرضها على الماء وعلى الحرارة؟ هل هو الماء أم الحرارة أم شيءٌ آخر غيرهما؟ لا شك أنه شيء آخر غيرهما. إنّ الذي فرض هذه النسبة ـــــــ أو على حدِّ تعبيرهم هذه القوانين ـــــــ هو الذي جعل الماء يتحوَّل إلى بخار، إنه لا بد أن يكون أزليًّا، والأزليّ هو الله تعالى. ثم إن كونَ الأشياء المدرَكة المحسوسة موجودةً أمرٌ قطعيّ، وكونها محتاجة لغيرها أمر قطعيّ، فهي إذًا مخلوقة لأنها محتاجة. وكونها مخلوقة يدل على وجود موجد. وهذا وحده كاف لإبطال مادية ماركس.
أما قول ماركس إن النظام الاجتماعي الذي يقوم في عصر ما، هو نتيجة للحالة الاقتصادية، وإن التقلبات المختلفة التي تصيب هذا النظام إنما ترجع كلها إلى سبب واحد هو كفاح الطبقات الاجتماعية من أجل تحسين حالتها المادية... أما قوله هذا فهو قول خاطئ مخالف للواقع، ومبنيٌّ على فرض نظري. إنّ وجه خطأه ومخالفته للواقع ظاهرٌ تاريخيًّا وواقعيًّا لأن روسيا السوفياتية حين انتقلت إلى الاشتراكية لم يحصل ذلك منها بنتيجة تطور مادي، ولا بفضل كفاح طبقات أدى إلى تغيير نظام بنظام... وإنما وصلت للحكم جماعةٌ عن طريق ثورة دموية، وأخذت تطبق أفكارها على الشعب، ثم غيرت النظام. وكذلك الحال في الصين الشعبية. أما تطبيق الاشتراكية على ألمانيا الشرقية دون ألمانيا الغربية، وعلى دول أوروبا الشرقية دون أوروبا الغربية، فلم يحصل نتيجةً لأي كفاح بين الطبقات، وإنما حصل من استيلاء دولة اشتراكية على هذه البلدان فطبقت عليها نظامها بالحديد والنار، تمامًا كما يحصل في أي نظام مفروض قسرًا.
هذا وإن البلاد التي كان يحتم هذا القانون تحوُّلَ النظام فيها بفعل كفاح الطبقات، هي ألمانيا وفرنسا وإنكلترا والولايات المتحدة الأميريكية... أي البلدان الرأسمالية التي يكثر فيها أصحاب رؤوس الأموال والعمال، لا روسيا القيصرية، ولا الصين، اللتان هما زراعيتان أكثر من كونهما صناعيتين، واللتان تقلُّ فيهما طبقات العمال والرأسماليين بالمقارنة مع البلدان الغربية. وبالرغم من وجود الطبقات بين الرأسماليين والعمال في دول أوروبا الغربية وفي أميريكا، لم تنتقل هذه الدول إلى الاشتراكية، وما زالت كلها تطبق النظام الرأسمالي من دون أن يؤثر وجود طبقة العمال وطبقة مالكي رؤوس الأموال على نظامها أيَّ تأثير، وهذا وحده كافٍ لنقض هذه النظرية من أساسها.
على أن ألمانيا الشرقية تعيش تحت الحكم الروسي وفقًا للنظام الاشتراكي منذ أكثر من اثنين وأربعين عامًا، ولو تركتها الآن روسيا وجلت عنها لرجعت للنظام الرأسمالي وتركت النظام الاشتراكي حتمًا، وبلا حاجة إلى تعليل وبرهان. وهذا وحده يؤكد أن نظام المجتمع ليس نتيجة للحالة الاقتصادية، كما يؤكد أن التقلبات التي تصيب هذا النظام ليست نتيجة كفاح الطبقات. وتكفي حالُ ألمانيا الشرقية وحدها للدلالة على فساد هذه النظرية، لأن النظام الاشتراكي طُبِّق عليها بحكم الفتح الروسي، والانتصار الساحق، لا بنتيجة الحالة الاقتصادية، بدليل أنه قد فرَّ من هذا النظام أكثر من مليوني نسمة ولم يستطيعوا تحمّل وطأة العيش في ظله، ولو ترك الألمان وشأنهم لرجعوا للنظام الرأسمالي دونما إبطاء. أفلا يكفي هذا دليلًا واقعيًا لنقض النظرية من أساسها؟ فضلًا عن أن الفكرة التي تنبثق عنها هذه الاشتراكية ـــــــ وهي المادية والتطور المادي ـــــــ فكرةٌ خاطئة لأنها تخالف الفطرة، ولأن المادة لا تتطور من ذاتها وإنما بفعل قوانين. وهذه القوانين هي وجود نسبة معيَّنة يحصل وفقها الانتقالُ من حال إلى حال، لم تأت من المادة، ولا كانت المادة قادرةً في يومٍ من الأيام على أن تسير بدونها وأن تغيرها كما تشاء. فلا بد أن تكون آتية من غير المادة. أي أن غير المادة فرض عليها أن لا تنتقل من حال إلى حال إلَّا بِنسَبٍ معيَّنة وفي أحوال معيِّنة وظروف معيَّنة.
والذي فرض عليها ذلك، هو الذي جعلها تنتقل من حال إلى حال، وليس هناك تطور ذاتيّ، وإنما هو انتقال من حال إلى حال بمؤثِّرٍ خارجيٍّ غير مادِّي.
ومن أشهر نظريات كارل ماركس نظرية «القيمة» التي أخذها من علماء الاقتصاد الرأسمالي وهاجمهم بها. ذلك أنّ آدم سميث الذي يُعتبر زعيم المذهب الحرّ في إنكلترا، وواضع أُسس الاقتصاد السياسيّ قد عرّفَ القيمةَ فقال: «قيمة أيّةِ سلعة تتوقّف على كميةِ العمل المبذول في إنتاجها. فقيمة السلعة التي يَسْتَغْرق إنتاجُها ساعتين تعادِل ضعف قيمةِ السلعة التي لا يتطلّب إنتاجُها سوى ساعة واحدة». وجاء بعدَه ريكاردو فحرص على أنْ يوضحَ نظريّة العمل هذه فقالَ في تعريف القيمةِ: «إن ما يحدد قيمة السلعة لا مقدار العمل الذي يبذل في إنتاجها مباشرة فحسب، بل لا بُدّ أن يُضافَ إليه العمل الذي بُذِلَ قبل ذلك في إنتاج المعدّات والأدوات التي تُستخدم في عملية الإنتاج»، أي أنّ ريكاردو كان يَعْتقد أنّ قيمة السلعة تتوقف على نفَقات إنتاجها.
وجاء كارل ماركس بَعْدَ ذلك واتخذ من نظرّية ريكاردو للقيمة في النظام الرأسمالي سلاحًا لمهاجمة الملكية الخاصّة والنظام الاقتصاديّ الرأسماليّ بوجه عام. فذكر أنّ المصدَرَ الوحيدَ للقيمة هو العمل المبْذول في إنتاجها، وأنّ المموّل الرأسمالي يشتري عَمَلَ العامل بأجر لا يزيد عما هو ضروري لإبقائه حيًّا قادرًا على العمل، ثمّ يَسْتَغلّ جهوده في إنتاج سلع تفُوق قيمتها كثيرًا.
وقد أطلق كارل ماركس على الفرق بين ما يُنتجه العامل وما يُدفع له فعلًا اسم «القيمة الفائضة»، وقرر أنها تمثّلُ ما يَغْتصبُه المالك، وأصحاب الأعمال، من حقوق العمال باسم الرّيْع والربح وفائدة رأس المال.
هذا القول بأنَّ المصدر الوحيد لقيمة السلعةِ هوَ العملُ المبذول في إنتاجها هو قولٌ يخالف الواقعَ، إذْ إنّ العملَ المبذولَ مصدرٌ من مصادر قيمةِ السلعةِ، وليسَ المصدر الوحيد لأنّ هناكَ أشياءَ غير العمل تدخل في قيمةِ السلعةِ.
فهناكَ المادّة الخام التي جرى عليها العمل، وهناكَ الحاجة لمنفعةِ هذه السلعة. قد تكون المادّة الخام تحوي منفعةً تزيد عنِ العملِ الذي بُذِلَ في تحصيلِها كالصيدِ مثلًا. وقد تكون منفعة هذهِ السلعةِ غير مطلوبةٍ في السّوقِ، وغير مصرّحٍ بتصديرها كالخمرِ عندَ المسلمينَ. فجعْل العملِ المصدرَ الوحيدَ للقيمةِ غير صحيحٍ، ولا ينطبق على واقعِ السّلعةِ مِنْ حيث هيَ.
وقد رأى كارل ماركس أن المذاهب الاشتراكية التي جاءت قَبْلَه تَعْتَمِد في انتصارِ أفكارِها على ما فُطِرَ عليه الإنسان من حبهِ للعدل وانتصاره للمظْلوم، فكانتْ تضع طُرقًا جديدةً تَعْتَقِد بإمكانية تطبيقها على المجتمع وتتقدّم بها إلى الحكّام والمتموّلين والطبقةِ المتنوّرةِ تحثّهم على تنفيذِها.
ولكن كارل ماركس لم يَبْنِ مذْهَبَه على ذلك، ولم يسلك الطُرقَ التي سَلَكها من جاء قبله. بل بنى مذهبه على أساس مبدأ فلسفيّ يُعرَف «بالماديّةِ التاريخيةِ» أي ما يُسمى بالنظريّةِ الديالكتيكية. وكما ذكرنا من قبلُ، رأى أنّ قيامَ النظام الجديد في المجتمع سيتمّ بمجرّدِ عمل القوانين الاقتصاديةِ، وبمقتضى قانونِ التطوّر في المجتمع، من غير أن تتدخّل إرادة مشرِّع أو مُصْلح.
وقد أُطلِقَ على اشتراكيةِ كارل ماركس اسم «الاشتراكية العلمية» تمييزًا لها عن الطرق الاشتراكية التي تقدمتها.
والتاريخُ في نظر كارل ماركس سجّل خمسةَ أطوار أساسية لعلاقاتِ الإنتاج هي:
1 ـــــــ المشاعية البدائية.
2 ـــــــ نظام الرق.
3 ـــــــ النظام الإقطاعي.
4 ـــــــ النظام الرأسمالي.
5 ـــــــ النظام الاشتراكي.
ونبحث في كل من هذه الأنواع باقتضاب كلي...
1 ـــــ المشاعية البدائية:
تؤلفُ الملكيةُ الجماعيةُ لوسائل الإنتاج أساسَ علاقات الإنتاج، وذلك يطابقُ من حيثُ الأساس طابع القوى المنتجة في هذا العصر.
فالأدواتُ الحجريةُ، والفؤوسُ، والسهامُ التي ظهرت بعد أن لم تكن، وطبيعة الحياة في ذلك الوقت لم تسمح للناس بأن يناضلوا منفردين ضد قوى الطبيعة، والحيوانات المفترسة، فكانوا مجبرين على العمل معًا بصورة مشتركة إذا ما أرادوا قطف الثمار، وصيد الحيوانات في الغابات، وإلا ماتوا جوعًا أو وقعوا فريسة للحيوانات الضارية. والعملُ المشتركُ يؤدي بطبيعته إلى الملكية المشتركة لوسائل الإنتاج وللمنتجات أيضًا. لذلك لم يكن هناك مفهوم للملكيةِ الخاصة لوسائل الإنتاج، ما عدا بعض أدوات الإنتاج التي تؤلفُ أسلحة دفاع ضد الحيوانات المفترسة. ولهذا لم يكن هناك استثمار ولا طبقات، بل كانت مشاعية بدائية.
2 ـــــ نظام الرقّ:
وفي نظام الرق تؤلف ملكية سيِّد العبيد لوسائل الإنتاج وللعمال، أساس علاقات الإنتاج، وعلاقة الإنتاج هذه تطابقُ من حيثُ الأساس حالة القوى المنتجة في هذا الدور. فقد أصبحَ الناسُ يملكونَ الأدوات المعدنية، وظهرت تربية المواشي والزراعة وحرف شتى، وقُسِّمَ العمل بين هذه الفروع المختلفة للإنتاج. وظهر كذلك تبادل المنتجات بين الأفرادِ والجماعاتِ، وتراكمت الثروة بين أيدي عددٍ ضئيلٍ من الناسِ. وتكدست وسائلُ الإنتاجِ بصورة فعلية في أيدي الأقلية، ما جعل الأكثرية خاضعة للأقلية. هنا لم يبقَ عملٌ مشتركٌ حرٌّ يقومُ به جميعُ أعضاءِ المجتمع خلالَ سيرِ الإنتاجِ، فلم تبق ملكية مشتركة لوسائلِ الإنتاج ولا للمنتجات إذ قد حَلّتْ محلها الملكيةُ الخاصةُ وصارَ الناسُ أغنياء وفقراء، مُسْتَثمِرينَ ومُسْتَثْمَرين، أناسًا لهم كل الحقوق وأناسًا ليس لهم أي حق وقام نضالٌ طبقيٌّ حاد بين هؤلاء وأولئك.
وذلك كله بسبب تطور أدوات الإنتاج.
3 ـــــ النظام الإقطاعيّ:
وفي النظامِ الإقطاعي يملك النبيل الإقطاعي وسائل الإنتاج، وبإمكانه بيع العاملِ وشراؤه. وإلى جانبِ ملكيته هناك ملكيةُ الفلاحِ والحرفي الفردية المشتملة على أدوات الإنتاجِ وعلى اقتصادهما القائم على العملِ الشخصي. وعلاقات الإنتاج هذه تطابقُ من حيثُ الأساس حالة القوى المنتجة في هذا الدور. فقد وجد الحديد الصلب، وتعمم استعمال المِحراث وأنوال النسيج، وتطورت الزراعة وصناعة الزيت، وظهرت وَرْشَاتُ الحرفيين. وتطلبت هذه القوى المنتجة الجديدة من العامل أن يبديَ شيئًا من البداهة والابتكار في الإنتاج، وإلا تخلى عنه النبيل الإقطاعي، واستخدم مكانه العامل الذي يملك أدوات إنتاجه ومن يتحلى بمهارة ولديه اهتمام بالعملِ. هنا تتابع الملكية الخاصة تطورها، ويشتد الاستثمار في قسوته كما في الرّق مثلًا، لا يكادُ يلينُ إلا قليلًا. فاستشرى النضالُ بين العامل والإقطاعي. ويعتبر النضال الطبقي بين المستثمِرين والمستثمَرين الميزة الأساسية للنظام الإقطاعي.
4 ـــــ النِظام الرأسماليّ:
وفي النظامِ الرأسْماليّ تُؤلّفُ الملكيةُ الرأسمالية لوسائل الإنتاج أساس علاقات الإنتاج. العمالُ المأجورون لا يستطيعُ الرأسماليُّ بَيْعَهم ولا شراءهم، وهُمْ محرَّرون من كلّ تَبعِيَّة شخصية، غير أنهم محرومون من وسائلِ الإنتاجِ. وهم من أجلِ الحصولِ على طعامهم مضطرون لأن يبيعوا جُهودَهمْ للرأسمالي وأن يعانوا نير الاستثمار. وتوجد إلى جانبِ الملكيةِ الرأسماليةِ لوسائلِ الإنتاجِ ملكية الفلّاح والحرفي الخاصة لأدوات الإنتاج.
وعلاقات الإنتاجِ هذه تطابقُ من حيثُ الأساس حالة القوى المنتجة في هذا الدور. فقد حَلّت المصانعُ والمعاملُ الكبيرةُ المجهزةُ بالآلات محلَّ ورشات الحرفيين، كما أنّ الاستثماراتِ الرأسمالية التي تُدارُ على أساسِ العلم الزراعي والمجهزة بالآلاتِ الزراعية الضخمة حلّتْ محلّ أملاكِ النبلاء التي كانت تُزرعُ بأدوات الفلاحين البدائية. وهذه القوى المنتجة الحديثة تَتَطلبُ من العمال أن يكونوا أكثر ثقافة وذكاء وخبرة، وإلا تخلى عنهم الرأسمالي واستخدم من يحوز على هذه الإمكانات. إلا أن الرأسماليين بإنتاجهم كميات متزايدة من البضائع، وبانتقاصِهمْ أسعارَ هذه البضائع يزيدونَ المزاحمة تفاقمًا واشتدادًا، حتى يؤولَ أمر جماهير الملاكين الصغار والمتوسطين إلى الخرابِ بحيثُ تتدنى مقدرتهم الشرائية وينتهون أخيرًا إلى أن يعملوا في أحد المصانع الكبيرة. ثم إن ألوف الرأسماليين بتوسيعهم مشروعاتهم الإنتاجية، وبجمعهم ألوف العمال في مصانعهم، يطبعون عملية الإنتاج بطابع اجتماعي، وتكون ملكية وسائل الإنتاج فردية، وبذلك أبطل الرأسماليون قاعدتهم بأنفسهم. لأن الطابعَ الاجتماعي لعملية الإنتاج يتطلبُ ملكية جماعية لوسائل الإنتاج، في حين أن ملكية الإنتاج باقية ملكية خاصة رأسمالية، فهي غير متلائمة مَعَ الطابع الاجتماعيّ لعملية الإنتاج فيحصل التناقض وتحصل الثورة. وهكذا، فعلاقات الإنتاج، وهي الملكية الفردية، لم تَعُدْ مطابقة لحالة القوى المنتجة وهو الإنتاجُ الجماعِيُّ، بل دخلت معها في تناقض من الصعب حلُّهُ. وبذلك يبرزُ أن الرأسمالية تحمل في صلبها ثورة مدعوّة إلى إحلال الملكية الاشتراكية محل الملكية الرأسمالية الحالية لوسائل الإنتاج، ومعنى هذا أن نضالًا طبقيًا حادًا سَيَقَعُ بين المستَثمِرينَ والمسْتَثْمَرين.
5 ـــــ النظام الاشتراكي:
إنَّ علاقات الإنتاج بحسب هذا النظام تتطوَّر تبعًا لتطور القوى المنتجة في المجتمع، وتبعًا لتطور أدوات الإنتاج قبلَ كلِّ شيء. وهذه التبعيّةُ هي التي تجعلُ التغير والتطور في القوى المنتجة يؤديان، عاجلًا أو آجلًا، إلى تغير وتطور مطابقين في علاقات الإنتاج. يقول كارل ماركس: «إن العلاقات الاجتماعية مرتبطةٌ ارتباطًا وثيقًا بالقوى المنتجة، وعندما يحصلُ الناسُ على قوى منتجة جديدة يُغَيِّرونَ أسلوبهم في الإنتاجِ، وبتغييرهم أسلوب الإنتاج، أي بتغييرهم طرق اكتساب معيشتهم، يُغَيرون كل علاقاتهم الاجتماعية. فطاحونةُ الهواءِ تُعطيك مجتمع الحاكم الإقطاعي، والطاحونةُ البخارية تعطيكَ مجتمعَ الرأسمالي الصناعي». ويقول: «إن هناك حركةَ نٌموٍّ مستمرة في القوى المنتجة، وحركةَ تهديم مستمرة في العلاقات الاجتماعية، وحركةَ تَكَوّنٍ مستمرة في الأفكار، وليس من شيء ثابت سوى تجريد الحركة».


خلاصة أقوالهم والتعليق عليها:
هذه هي خلاصةُ أقوالهم في التاريخِ، وهي كُلُّها مجرد فروض نظرّية يكذّبُها التاريخُ ويدحضُها الواقعُ، وهي خطأ محضٌ ليسَ فيها شيء من الصّحةِ مطلقًا.
فقولهم: إن إدخالَ الأدواتِ المعدنية يعني ثورة في الإنتاجِ، أدّت إلى الانتقال من المشاعيةِ البدائية إلى نظام الرّقِ، وإنّ أعضاءَ المشاعية حينَ كانوا يُحسِّنُونَ أدواتِهم ويتلمسونَ الانتِقالَ من الأدَوات الحجريةِ إلى الأدوات المعدنيةِ لم يكونوا يدركونَ ذلك، ولم يكونوا يَفْهَمُونَهُ، ولم يخطر لهم ببال...
هذا القولُ هو مجرد فرض نظري بَحْت، بل مجرد تخيّلٍ بأنَ هناك نظام رقّ نشأ عن تحسينِ الأدواتِ الحجريةِ ونقلها إلى أدواتِ معدنيةِ. فالأدواتُ المعدنيةُ موجودةٌ منذُ آلافِ السنين، ونظامُ الرّق كان سائدًا العالمَ حتى قُبَيْلَ عشرات السنين. ولمْ يلغ نظامُ الرق من العالم من جرّاء تَغَيُّر الأدوات الحجرية إلى أدوات معدنية، فإنه حين أُلْغيَ من العالم كان العالمُ يَنْعَم بالثروةِ الصِّناعيةِ والصناعات الكبرى، وإنما أُلْغيَ بناء على أفكار جديدة قالتْ بإلغائِه. والذي عَملَ على إلغائِه الدولُ الاستعماريّةُ. وقد ألْغَتْهُ أخيرًا لا لِعتْق الارقّاء وتحريرهم بل لتحويل هذا الاسترقاق من الأفرادِ إلى الجماعات والشعوبِ.
فالقول بأنَّ الناسَ لم يفهموا، خلال نظام المشاعيةِ، أن تحسين أدواتهم من الأدوات الحجرية إلى الأدوات المعدنية، سيترتبُ عليه نتيجة اجتماعية هي نظام الرّق، والقول بأن الرأسماليينَ حين يؤسسونَ الصناعات الكبرى يجعلونَ النتائِجَ الاجتماعيةَ التي ستُؤدي إليها هذه الصناعات الكبرى، من تجميع قوى العمال والفلاحين والقيام بالثورة الاشتراكية التي تطبقُ الاشتراكية، هو قول مخالفٌ للواقع ومجرَّدُ فرض نظريّ. إن تأسيس الصناعات الكبرى لا ينتجُ عنه تجميع قوى العمال والفلاحين معًا للقيام بثورة اشتراكية، بدليل أنّ هذه الصناعات الكبرى قد قامت في أوروبا وأميريكا قبل روسيا ومعَ ذلك لم ينتجْ عنهَا ثورة اشتراكية، ولا نَتج تحولٌّ من الرأسماليةِ. وأما ما حصل في روسيا من ثورة فليس ناتجًا عن الصناعات الكبرى، بل لا علاقة للصناعات الكبرى بتلك الثورة ولا بإيجاد الاشتراكية في روسيا.
وبهذا كله يظهرُ أنّ قولَهم: إن تطور القوى المنتجة وتطور أدواتِ الإنتاجِ يحصلُ في النظامِ القديمِ، ويَبرُزُ بصورة مستقلة عن وعيِ الناسِ ولكنّ تحسينَهم للقوى المنتجة يُؤدي إليه، هذا القولُ خطَأ مخالفٌ للواقعِ وتُكَذّبُه الوقائعُ والحوادثُ التاريخية.
وأيضًا فإنه ينقُضُه ما حصلَ في روسيا. فإنّ الذي حصلَ فيها هو أنّ الحُكّامَ الشيوعيين صاروا يحاولون تغيير علاقات الإنتاج، لا بتغيير أدوات الإنتاج، بل بعمليات القضاء على النظامِ القديمِ بالقوةِ. وأدواتُ الإنتاجِ التي كانت سائدةً في روسيا في فترة ما قبل الثورة الشيوعية، حينَ كان النظامُ إقطاعيًا، ظلت هي أدواتُ الإنتاج نفسها في السنوات التي أعقبت الثورة، تلك السنوات التي تمَّ خِلالها تغيير العلاقات القديمةِ إلى علاقاتٍ جديدةٍ.
إنّ الذي حصل في روسيا حقيقة هو ثورةٌ أَطَاحَتْ بالحكّامِ القدامى وجاءت بحكامٍ جُدُدٍ لديهم أفكار معينة قاموا يُطبِّقُونهَا بالحديدِ والنارِ.
ومن هنا يبرزُ أن تغييرَ العلاقاتِ كان قبل تغيير أدواتِ الإنتاجِ، وأنّه حصلَ بالقوةِ، وأنه حصلَ بعد البدءِ بتطبيقِ النظام الجديد لا أثناء وجودِ النظامِ القديمِ، مما يثبتُ خطأ فُروضهم.
وأما قَولُهُم إن تغيّر علاقاتِ الإنتاجِ، والانتقال من علاقات الإنتاج القديمةِ إلى الجديدةِ، يَحْصُلُ عفويًا في أولِّ الأمر ثمّ يحصلُ العنفُ والثورةُ، فمنقوضٌ بالثورةِ الشيوعية. إنّ الأفكارَ الشيوعية بدأت بالانتشارِ منذ النصفِ الأولِ من القرنِ التاسع عشرَ، وكانت الدعوةُ إلى العنفِ تواكِبُها منذُ البدايةِ، فقامتَ ثورةُ سنة 1905 وأخفقتْ، ثمّ قامت ثورةُ شباط سنة 1917 ونجحت. ولم يحصل قبلَ نجاح الثورة الشيوعية في تشرين الأول سنة 1917 أي تغيير عفوي في علاقاتِ الإنتاجِ، بل الذي حصلَ هو انتشار أفكارٍ ثوريةٍ دَفعتْ إلى قيام ثورات أخْفقتْ، من دون أن تحدِثَ أي تغيير في علاقات الإنتاج. إلا أنَّه بعد أنْ نجحت ثورة تشرين الأول سنة 1917، واستولى الشيوعيون على مقاليد الحكم، حَصَلَ تغيير في علاقاتِ الإنتاج، لا بالعفويةِ، بل بسلطان الدولةِ وبالحديدِ والنارِ.
وأيضًا؛ فإنَّ اليابانَ أسّست الصناعَاتِ الكبرى قبلَ الحرب العالميةِ الثانية، وحَصَلَ فيها نُموٌّ عظيم في أدواتِ الإنتاجِ، ومع ذلك لم يحصل فيها من جراء ذلك أي تحول في علاقاتِ الإنتاجِ، لا عفوي ولا بالعنفِ، بل ظلت علاقات الإنتاج فيها كما هي، ما ينفي الادعاء بأن نشوءَ الصناعاتِ الكبرى الحديثة يؤدي إلى تجمع جديد للقوى المنتجة بكشلٍ عفوي ثم ما تَلبَثُ هذه العفوية أن تَنْقَلِب إلى عُنْف. إذ لو حصل ذلك في روسيا بناءً على تغيير علاقات الإنتاج لحصل ذلك في غير روسيا كاليابان مثلًا. ولكنه لم يَحْصُلْ مطلقًا. وهذا يدلّ على أنه لم يحصلْ في روسيا بناءً على نشوءِ الصناعات الكبرى، بل حصلَ بناءً على أفكار تبناها حزبٌ اجتمعت لدَيه قوى فاستولى على الحكم. هذا هو الواقعُ، وبذلك يظهرُ خطأ هذه الفروض.
وهذا كُلُّهُ يبين أنّ تَغَيُّرَ وتحسينَ أدوات الإنتاج لا يؤدي إلى تغير العلاقات، لا بصورة حتمية ولا غير حتمية، إذ ليس احدهما مرتبطًا بالآخر. والدليلُ على ذلك تاريخيًا تغير أدوات الإنتاج عند المسلمين قرونًا عدة مع بقاء العلاقات كما هي. والدليلُ على ذلكَ واقعيًا تغير أدوات الإنتاج في بريطانيا واليابان وأميريكا دون أن يتبعَ ذلك تغير في العلاقات. وإذا انتفت هذه النقطة، وانتفاؤها واضح بشكلٍ قطعيّ، فقد انهارت الماديةُ التاريخيةُ كُلُّها.


الخلاصة:
هذه لمحةٌ خاطفةٌ عن الأُسُس التي يقومُ عليها النظامُ الاقتصادي الرأسماليّ، والأُسُس التي يقومُ عليها النظامُ الاقتصاديّ الاشتراكيّ، ومنهُ الشيوعيّ، وإشارةٌ موجزةٌ لما في هذِه الأُسُسِ منْ زيف وفساد.
هذا من ناحية، ومن ناحية أُخرى فإن هذه الأنظمة مخالفةٌ لطريقةِ الإسلامِ في معالجة شؤون الناس ومناقضةٌ لها.
أمّا مخالفتها لطريقة الإسلام في معالجة المشاكل فلأنّ طريقةَ الإسلامِ في معالجةِ المشكلةِ الاقتصاديّةِ هيَ طريقته نفْسها في معالجةِ كلِّ مشكلة منْ مشاكل الإنسان.
طريقة الإسلام هي دراسةُ واقع المشكلةِ الاقتصاديةِ وتفهّمُها، ثمّ استنباطُ حلِّ المشْكِلَةِ منَ النصوص الشرعيّةِ، بعدَ دراسةِ هذهِ النصوص والتأكّدِ من انطباقها عليها.وهي مخالفة للأحكام والمعالجات الاقتصاديةِ في النّظم الرأسماليّة والاشتراكية معًا. ففي الرأسماليّة تُؤْخَذُ المعالجاتُ من واقِع المشكلةِ بعدَ دراستها، وفي الاشتراكيةِ تؤخذُ منْ فروض نظريّة يُظَنّ أنها موجودةٌ في المشكلةِ فيُوضَعُ العلاجُ بناء على هذه الفروضِ. وفي كلِّ واحدة من هاتينِ الطريقتينِ مخالفةٌ لطريقةِ الإسلامِ، ولا يجوزُ للمسلمِ الأخذُ بها.
وأمّا مناقضةُ الاقتصادِ الرأسماليّ والاشتراكيّ، ومنهُ الشيوعيّ، للإسلامِ، فلأن معالجة المشاكل في الإسلام تكون أحكامًا شرعيةً مستنبطةً من الأدلّةِ الشرعيةِ، بينما المعالجاتُ الاقتصاديةُ الرأسماليةُ والاشتراكيةُ ليست أحكامًا شرعيّةً، والحُكْمُ على الأشياءِ بها حكمٌ بغيرِ ما أنزلَ اللّهُ، ولا يحلّ لمسلمٍ أن يأخذَ بها بأيِّ وجهٍ من الوجوهِ.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB