الإسلام وإيْديُولوُجيَّة الإنْسان
الطبعة : الطبعة الرابعة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   362
تاريخ النشر :   1989




المَبْدأ

المبدأ، في اللّغة، مصدرٌ ميميّ منْ بدَأ يبدَأُ مَبْدَأً، وفي الاصطلاح العامِّ فكرٌ أساسيّ تُبْنى عليه الأفكار الفرعيّة. غيرَ أنّ الناسَ أطلقُوا المبادئَ على أفكارٍ فرعيّةٍ، يمكِن أنْ تُبْنى عليها أفكارٌ أُخرى فرعيّةٌ أيضًا، على اعتبارِ أنّها أفكارٌ أساسيّةٌ. فقالوا: إنّ التعاونَ مبدأ، وإنّ الاجتماعَ مبدأ، وقالوا: مبادئ الاقتصادِ، ومبادئ الأخلاقِ، ومبادئ الاجتماع، وهكذا. والحقيقة أنّ هذهِ ليست مبادئَ، بَلْ هي قواعدُ أوْ أفكارٌ. وكونُ هذِه الأفكارِ والقواعدِ تُبنى عليها أفكارٌ فرعيّةٌ، لا يُخَوّلها أن تصبحَ مبادئَ، لأنّها ليستْ أفكارًا أساسيّةً، فالوفاء فرعٌ لا أساسٌ، والصدق فرعٌ لا أساسٌ، وهما حُكمان شرعيّانِ مأخوذانِ منَ القرآنِ الكريم ومن السنّة النبوية الشريفة.
وعلى هذا لا يُسمّى الفكر مبدأً إلا إذا كان عقيدة ينبثق منها نظام، أو كان فِكْرًا أساسيًّا تنبثق منه أفكارٌ فرعية لمعالجة جميع شؤون الحياة بوجه عام.
نشوء المبدأ:
والمبدَأُ ينشأُ في ذهنِ شخصٍ، إمّا بوحي الله، يلقي به إليه ويأمُره بتبليغِهِ، وإمّا بِعَبقَرِيةٍ إشْرَاقيّةٍ يتمّ تصوّرُه في ذِهْنِ صاحِبِهَا.
والمبدأُ الذي ينشأُ بوحي اللهِ هوَ المبدأُ الصحيح لأنّه من خالق الكون والإنسان والحياةِ، وهو مبدأ قطْعِيٌّ. ولا يكون هذا إلَّا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وأمّا المبدأُ الذي تُوحيهِ العبقريّة فلا يصل إلى كمالية المبدأ الموحى به، لأنّهُ ناشئٌ عن عقلٍ محدودٍ يعجز عنِ الإحاطةِ بالوجودِ. هذا منْ ناحيةٍ، ومنْ ناحيةٍ أُخرى فإنَّ فَهْمَ الإنسانِ للتنظيمِ عُرْضَةٌ للتفاوتِ والاختلافِ والتناقضِ والتأثرِ بالبيئةِ التي يعش فيها، ما يُنتج في أغلب الأحيان الأنظمة المتناقضة التي تؤدي إلى شقاء الإنسان.
انبثاق النظَام من العقيدة:
وأمّا من حيثُ كيفيّةُ انبثاقِ النظامِ منِ العقيدةِ، فالمبدأُ الشيوعيّ يجعل نظامه مبنيًا على الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج، أي أنه يرمي إلى إحلال المجتمع محل الأفراد في تملك وسائل الإنتاج ووسائل توزيعه بين الناس.
وبالمقابل فالمبدأُ الرأسماليّ يرى أنّ الإنسانَ، لا بدّ له من أنْ يضعَ نظامًا لنفسهِ، ومنَ الحياةِ ذاتها، فصارَ يأخذ نظامَه من واقِعِه، ويضعه بنفسِه، ولذلك قامت الرأسمالية على تقديس الملكية الفردية بحيث يستطيع الرأسماليون امتلاك وسائل الإنتاج، بينما العمال والفلاحون وغيرهم من الطبقات في المجتمع يقومون بوضع تلك الوسائل موضع التطبيق.
من أجل ذلك كانت القيادتان الفكريّتان: الشيوعية والرأسمالية مخفقتين، لأنهما متناقضتان مع الفطرةِ، وغير مبنيتين على العقل.
أمّا الإسلام فيرى أن الله جعلَ للإنسان نظامًا في الحياةِ، يسير عليهِ، وأرسلَ سيّدنا محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم مبلِّغًا، فعلى الإنسان أن يدرس المشكلة مستنبطًا حلَّها من الكتاب والسنة.
هذا من حيث انبثاق النظام من العقيدة، وأما من حيث المقاييس الحياتية فالمبدأ الشيوعيّ يرى أنّ المادّيةَ، أي النظامَ الماديّ، هي المقياس في الحياةِ، ويتطوّر بتطورِ هذا المقياسِ. والمبدأُ الرأسماليّ يرى أن مقياسَ الأعمالِ في الحياةِ هو المنفعةُ، وبحسب المنفعة تُقاسُ الأعمالُ. والإسلامُ يرى أنّ مقياس الأعمالِ في الحياةِ هو الحلال والحرامُ، أي أوامرُ الله ونواهيهِ، فالحلال يُعملُ، والحرامُ يُترَكُ، ولا يتطّورُ ذلك ولا يتغيرُ، ولا تحكم فيهِ المنفعةُ بلِ الشرعُ هو الذي يحكمُ.
تنفيذُ النظام:
أمّا من حيثُ تنفيذُ النظام فالمبدأُ الشيوعيّ يرى أنّ كل شؤون المجتمع منوطة بالدولة، فهي وحدها التي تنفّذُ النظامَ بقوّةِ الجنديّ والقانون، وتتولى شؤون الفردِ والجماعة نيابةً عنهمْ، كما تتولّى تطويرَ النظام.
والرأسماليةُ تجعل الدولة حاميةً وضامنةً للحريات، فإذا اعتدى أحدٌ على حُريّةِ غيره منعت هذا الاعتداءَ، أي أن الحرية قَيْد على السلطة لأن تجريد الفرد من حريته معناه تجريده من إنسانيته. فالمهم ألَّا يعتدي أحدٌ على حريّةِ الآخرين، ولو استغلّهم وأكل حقوقهم، على أن يتخذ ذلك صورةَ الرضا الظاهريّ. والدولةُ موجودة لضمان هذا النوع من الحريات، وضمان عدم التعرض لها، وهي تعتمد في ذلك على قوة الجندي.
وأما الإسلام فالنظام فيه يُطَبَّقُ بدافع تقوى الله تعالى، وشعور الجماعة بعدالته، وتعاون الأمة مع الحاكم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأخيرًا يأتي سلطان الدولة أو قوة الجندي لتنفيذ القوانين.
والدولة في الإسلام هي التي تتولى شؤون الجماعة، ولا تتولى عن الفرد شؤونه إلَّا إذا عجز عنها. وللدولة صلاحية تبني الأحكام الشرعية إذا تعددت نتائج الاجتهاد فيها. فالنظام يتطور، أما المبدأ فلا يتغير ولا يتطور أبدًا.
وإذا كانت الأنظمة تنشأ عن المبادئ، فإن أي باحث أو مدقق يجد أن في العالم اليوم ثلاثة مبادئ تقوم على نظريات مختلفة كل الاختلاف، وليس هنالك غير هذه النظريات الثلاث، لأنه لا أحد يستطيع أن يأتي بنظرية رابعة. والنظريات الثلاث هي:
1 ـــــــ نظرية فصل الدين عن الدولة، أي الإيمان بفصل المادة عن الروح، وهي نظرية «المبدأ الديمقراطي الرأسمالي».
2 ـــــــ نظرية إنكار الروح إنكارًا باتًا والإيمان بالمادة على أنها أزلية، وهي نظرية «المبدأ الاشتراكي الشيوعي».
3 ـــــــ نظرية الدين وعدم انفصال الدولة عنه، أي الإيمان بمزج الروح بالمادة، وهي نظرية «المبدأ الإسلامي».
وسوف نتطرق إلى هذه المبادئ الثلاثة، من حيث مفهوم كل منها والظروف التي نشأ فيها.
الإسْلامُ مَبْدَأ:
الإسلام عقيدة فكرية مبنية على العقل، إذ تفرضُ على المسلم أن يؤمن بحقيقة وجودِ الله، وبنبوّةِ محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبالقرآن الكريم عن طريقِ العقلِ، وتفرضُ الإيمانَ بالمغيَّبات كيوم القيامة والحساب والجنة والنار ووجود الملائكة، وتنزيل الوحي على الرسل والأنبياء، على أنْ يكون هذا الإيمان مبنيًا على أدلة حسّية يقرها العقل حيثُ لا يستطيع دحضها أو إنكارها، كما هو الحال بالنسبة لوجود القرآن الكريم الذي لم يقدر العقل البشري على دحض إعجازه، وهو الذي تحدث عن تلك المغيبات، ودعا إلى الإيمان بها، وبالإسلام دينًا باعتباره الدين الذي أنزله اللهُ تعالى على سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتنظيم علاقةِ الإنسانِ بخالقهِ وبنفسِه وبغيرهِ من بني الإنسانِ.
وعلاقةُ الإنسان بخالقهِ تشملُ العقائدَ والعباداتِ، وعلاقته بنفسهِ تشملُ الأخلاقَ والمطعوماتِ والمبلوساتِ، وعلاقته بغيرهِ من بني الإنسانِ تشملُ المعاملاتِ والعقوباتِ.
فالإسلامُ مبدأ عامٌّ شاملٌ لشؤون الحياةِ جميعًا، وليسَ دينًا لاهوتيًا، بل هو لا يتصلُ بالكهنوتيّة بسببٍ، وإنهُ ليقضي على الاستبدادِ الديني فلا يوجدُ في الإسلامِ جماعةٌ تسمى رجال دينٍ، وجماعةٌ تُسمى رجال دنيا، بل جميع من يعتنقون الإسلامَ يُسمّونَ مسلمينَ وكلهم أمام الدينِ سواء.
الظروفُ التي نشأ فيها المَبْدأ الإسْلاميّ:
كانت الجزيرةُ العربيةُ تَتَخبطُ في دياجيرِ التفرقةِ، وتتخاصمُ أجزاؤها فيما بينها على الكبيرةِ والصغيرةِ. وكانت منقسمةً على نفسها، قسمٌ تتحكّمُ فيهِ فارسُ عن طريق المناذرةِ في العراقِ، وقسمٌ تتحكّمُ فيهِ الرومُ عن طريقِ الغساسنةِ في سوريّةَ. وإذا بالأفكار الإسلاميّةِ تنتشرُ في أرجاءِ الجزيرةِ العربيّة فتحرّكُها، وتبدأ الجزيرةُ العربيّةُ تهتزّ من شدّةِ وطأةِ هذهِ الأفكارِ ومدى الأثرِ العميقِ الذي أحدثَتْهُ في نفوسِ أبنائِها، ولسُرْعانَ ما خارَتْ قوى التفرقَةِ، وانهارتْ أجهزةُ العُملاءِ الذينَ كانوا يعملونَ لحساب كسرى وقيصرَ. وأخذتِ الأفكارُ الإسلاميّةُ بيدِ الذينَ حملوها إلى القمّةِ، بعدما كانوا في الحضيضِ، وألّفت بينَ قلوبهمْ، وأنارَتْ عقولَهُمْ، وسارتْ بهم على الطريق القويمِ، وجَعَلتْهُمْ أسيادًا بعدما كانوا عبيدًا، وأغنياءَ بعدما كانوا فقراءَ، وقادةً بعدما كانوا مَقودينَ. وصدقَ الله العظيمُ حيثُ يذكّرهُم بالواقعِ الذي كانوا يعيشونه قبلَ الإسلامِ، وبالواقع الذي عاشوه في ظلِّ الإسلام بقوله: {وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (سورة آل عمران: الآية 103).


الرأسمَالية مَبْدَأ:
إن الرأسمالية مبنّيةٌ على الحلّ الوسطِ بينَ رجالِ الكنيسة وباقي المجتمع، وليست مبنيةً على العقلِ، أي أنها حلّ ترضيةٍ أو حلٌّ وسط. ولذلك تجد هذه «الترضية ـــــــ الوسط» أصيلةَ الرأسماليين، فهم دائمًا يُرّبونَ بينَ الحقِّ والباطلِ، والإيمانِ والكفرِ، والنورِ والظلامِ، بحلٍّ وسطٍ، بالرغمِ منِ انعدامِ وجودهِ، إذ لا وَسَطَ بينَ الحقِّ والباطلِ، والإيمانِ والكفرِ، والنورِ والظلامِ.
والرأسمالية لا تعترف بالدين، ولا تُنكِره، ولا تجعل الاعتراف به، أو إنكارَه، موضعَ بحثٍ، ولكنّها تُقرّر مبدئيًا فصلَ الدينِ عنِ الحياةِ، لأنها تريد أنْ يكونَ سير الحياةِ نفعيًا بحتًا لا شأنَ للدينِ بهِ.
وهذهِ الفكرة هيَ عقيدتُها، وهيَ قيادتُها الفكريّةُ، وقاعدتها أيضًا. وبناءً على هذهِ القاعدةِ الفكريةِ كانَ الإنسان هوَ الذي يَضَع نظامَه في الحياةِ. ولم يكنْ عندهم بدٌّ منَ المحافظةِ على الحريّاتِ الأربَعِ للإنسان: حريّة العقيدةِ، وحريّة الرأي، والحريّةِ الشخصيّةِ، وحريّةِ الملكّيةِ. وقد نتجَ عن حريّةِ الملكيّةِ النظامُ الاقتصاديّ الرأسماليّ، فكانت الرأسمالية المعروفة أبرز سمات هذا النظام، وأبرزَ ما نتجَ عن عقيدتِه. لذلكَ أُطْلِقَ عليهِ اسم «المبدأ الرأسماليّ»، من باب تسميةِ الشيءِ بأبرزِ ما فيهِ.
الظروفُ التي نشأ فيها المبدأ الدّيمقراطي الرأسمالي:
في القرنِ الثّامن عشر الميلاديّ، قامتِ الشعوبُ في أوروبا كلِّها بثورات متعدِّدة لمحاربةِ رجالِ الكنيسةِ الذينَ كانُوا مُستبدّينَ بالحُكْمِ، إلى أنْ نجَحوا بالقضاءِ على نفوذِ رجالِ الكنيسةِ ورجال الحكمِ معًا. وكانتْ جمهرةُ المفكّرين في أوروبا قد انقسمت في اتجاهِها الفكريّ إلى فئتين: فئة تنادي بإنكار الدّينِ إنكارًا باتًا، وفئة تنادي بفصلِ الدينِ عن الحياةِ، أي بفصلِ الدينِ عن الدولةِ. حتى استقرّ الرأيُ في آخرِ الأمرِ في أوروبا الوسطى وأوروبا الغربية على الفكرةِ الأساسيّةِ التي كانتْ تنادي بفصْلِ الدينِ عن الدولةِ، فكانَ هذا الحلّ حلًا وسطًا لمْ يعالجِ المشكلةَ من أساسها معالجة صحيحةً، بل كانَ من أجل إرضاءِ الطّرفين: الطّرف الأوّل الذي كانَ متذمّرًا من اسْتبدادِ رجال الكنيسةِ، والطرفِ الثاني الذي كانَ يرى أنّ الدين عاملٌ أساسيٌّ مُتحكّمٌ في نفوس الناس ولا يمكنُ التغاضي عنهُ. والرأي الأخير تمسك به أكثر سياسيينا وأحزابنا، في الآونة الأخيرة، وبدأوا ـــــــ ويا للأسف ـــــــ يدعون له، بألوان وصور متعددة.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB