معجم تفسير مفردات ألفاظ القرآن الكريم
الطبعة : الطبعة الخامسة  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   567
تاريخ النشر :   2007




حَرْفُ الْجِيم

(ج)

جأر: الجُؤارُ: الاستغاثةُ ورَفْعُ الصَّوتِ بالدُّعاءِ {فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} [النّحل: 53]، {إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} [المؤمنون: 64]، {لاَ تَجْأَرُوا الْيَوْمَ} [المؤمنون: 65] أي لا تستغيثوا اليوم ولا ترفعوا أصواتَكم. وجَأر: إذا أفْرَطَ في الدُّعاءِ والتَّضرُّعِ تَشْبيهاً بجُؤار الوحْشيَّاتِ كالظِّباء ونَحْوِها.
جب: {وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ} [يُوسُف: 10] الجُبُّ: القَليبُ الواسعةُ، والبئرُ الكثيرةُ الماءِ البعيدةُ القَعْرِ. وَتَسْمِيَتُهُ بذَلِكَ لأنهُ وُجِدَ محفوراً في جُبُوب، أي في أرضٍ غَليظَةٍ من الصخر لا من الطين، والجَبُّ: قَطْعُ الشَّيء مِنْ أصْلِهِ كَجَبِّ النَّخْلِ. وقِيلَ: زَمَنُ الجِبابِ، نحوُ زَمنِ الصِّرامِ. وبَعيرٌ أجَبُّ: مَقْطُوعُ السَّنامِ. وناقَةٌ جَبَّاءُ، وذلِكَ نحوُ أقْطَعَ وقَطْعاءَ لِلْمَقْطُوعِ اليَدِ.
جبت: الجِبْتُ: الصّنَمُ. قال تعالى: {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} [النِّسَاء: 51] والجِبْتُ لا تَعْرِيفَ لَهُ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيّة وأَصْلُهُ الجِبْسُ أي الجامِدُ من كلِّ شيْءٍ، وَرُويَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ السِّحْرُ بِلُغَةِ أَهْلِ الحَبَشة، وَالْعَرَبُ قَدْ أَدْخَلُوهَا فِي لُغَتِهِمْ. وقيل: الجِبْسُ الغِسْلُ الذي لا خَيْرَ فيه، وقِيلَ التاء بدَلٌ مِنَ السِّينِ كَقول الشاعِرِ:
عَمْرُو بنُ يَرْبوعٍ شِرارُ النّات
أي خسارُ الناسِ، ويُقال لكُلّ ما عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ تعالى جِبْتٌ، وسُمّيَ الساحِرُ والكاهِنُ جِبْتاً.
جبر: أصْلُ الجَبْرِ إصْلاحُ الشيءِ بنوعٍ مِنَ القَهْرِ. يُقال جَبَرْتهُ فانْجَبَرَ واجْتَبَرَ، وقد قِيلَ جَبَرْتُهُ فَجَبَرَ، كَقولِ الشاعِرِ:
قد جَبَرَ الدينَ الإِلهُ فَجَبَرْ
هذا قولُ أكْثَرِ اللغويين. وقال بَعْضُهُمْ ليسَ قولهُ فَجَبَرَ مَذْكوراً على سَبيلِ الانْفِعالِ، بَلْ ذلكَ على سبيلِ الفِعْلِ وكَرَّرَهُ، ونَبَّهَ بالأوّل على الابْتداءِ بإصْلاحِهِ، وبالثانِي على تَتْمِيمِهِ، فكأنَّهُ قال: قَصَدَ جَبْرَ الدّينِ وابْتَدَأهُ فَتَمَّم جَبْرَهُ، وذلك أنْ فَعَلَ تارةً يقالُ لِمنِ ابْتَدَأ بِفِعْلٍ وتارَةً لمنْ فَرَغَ منه. وتَجَبَّرَ: يقالُ إمّا لتَصَوُّرِ مَعْنَى الاجْتِهادِ والمُبالَغةِ أوْ لمعنَى التَّكَلّفِ كَقول الشاعِرِ:
تَجَبَّرَ بَعْدَ الأكْل فهو غَيْصٌ
وقد يُقالُ الجَبْرُ تارة في الإصْلاحِ المُجَرَّدِ نحوُ قولِ عَليٍّ رَضي الله عنه: «يا جابِرَ كُلِّ كَسِيرٍ ويا مُسَهِّلَ كُلِّ عَسِيرٍ» ومنه قولُهُمْ لِلخُبْزِ: جابر بنُ حبة، وكنيةُ الخبزِ أبو جابر؛ وتارَةً في القَهْرِ المُجَرَّدِ، نحوُ قولِهِ عليه وعلى آله الصلاة والسلامُ: «لا جَبْرَ ولا تَفْويضَ» [رواه ابن ماجه ـ الأحكام]. والجَبْرُ في الحِسابِ إلحاقُ شيءٍ به إصلاحاً لما يُريدُ إصْلاحَهُ. وسُمِّيَ السُّلْطانُ جَبْراً كقَوْلِ الشاعِرِ:
وأنْعِمْ صَباحاً أيُّها الجَبْرُ
لقَهْرِهِ الناسَ على ما يُرِيدُهُ أوِ لإِصْلاحِ أُمُورِهِمْ. والإِجْبارُ في الأصْلِ: حَمْلُ الغَيْرِ على أنْ يَجْبُرَ الآخَرَ، لكنْ تُعُورِفَ في الإِكْراهِ المُجَرَّدِ، فَقِيلَ: أجْبَرْتُهُ عـلى كذا، كَقَوْلِكَ أكْرَهْتُهُ. وسُمِّيَ الذين يَدَّعُونَ أنّ الله تعالى يُكْرِهُ العِبادَ على المَعاصِي في تعارُفِ المُتَكَلِّمِينَ مُجْبِرَةً، وفي قولِ المُتَقَدِّمينَ جَبْرِيَّةً، وجَبَرِيَّة، والجَبَّارُ في صِفَةِ الإِنْسانِ: يُقَالُ لمنْ يَجْبُرُ نَقِيصَتَهُ بادِّعاءِ مَنْزِلَةٍ مِنَ التَّعالِي لا يَسْتَحِقُّها، وهذا لا يُقالُ إلاَّ على طَرِيقِ الذَّمِّ، كقولِهِ عَزَّ وجلَّ: {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} [إبراهيم: 15]، {وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} [مَريَم: 32]، {إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ} [المَائدة: 22]. {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} [غَافر: 35] أي متَعالٍ عن قَبُولِ الحَقِّ والإيمانِ به. ويُقالُ للْقاهِرِ غَيْرَهُ: جَبَّارٌ، نحوُ: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} [ق: 45]. ولِتَصَوُّرِ القَهْرِ بالعُلُوِّ على الأقْرَانِ قِيلَ: نَخْلَةٌ جَبَّارَةٌ، وناقَةٌ جَبَّارةٌ. أمّـا في وَصفِهِ تعالى بـ {الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ} [الحَشر: 23] فقد قِيلَ: سُمِّيَ بذلـك مِنْ قولِهِمْ جَبَرْتُ الفَقِيرَ، لأنه هو الذي يَجْبُرُ الناسَ بفائِضِ نِعَمِهِ، وقِيـلَ لأنـه يَجْبُـرُ الناسَ، أي يَقْهَرُهُمْ على ما يُريدُهُ، والله تَعالى قد أجْبَرَ الناسَ علـى أشْيـاءَ لا انْفِكاكَ لهمْ منها حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الإِلَهيَّةُ لا على ما تَتَوَهَّمُهُ الغُوَاةُ الجَهَلَةُ، وذلك كإِكْرَاهِهِمْ على المَرَضِ والموتِ والبَعْثِ، وسَخَّرَ كُلاًَّ منهم لِصناعَةٍ يَتَعاطاها، وطَرِيقَةٍ مِنَ الأعْمالِ يَتَحرَّاها، وجَعَلَهُ مُجْبَـراً في صُـورَةِ مُخَيَّـرٍ، فإمّا راضٍ بِصَنْعَتِهِ لا يريدُ عنها حِوَلاً، وإمّا كارِهٌ لها يُكابِدُها مَعَ كَرَاهِيَتِهِ لها كأنه لا يَجِدُ عنها بَدَلاً. ولذلك قال تعالى: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53] وقال عزَّ وجلَّ: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الزّخرُف: 32] وعلى هذا الحَدِّ وُصِفَ بالقاهِرِ، وهُوَ لا يَقْهَـرُ إلاَّ على ما تَقْتَضِي الحِكْمَةُ أنْ يَقْهَرَ عليه. وقد روِيَ عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: «يا بارِىءَ المَسْمُوكاتِ وجَبَّارَ القُلُوبِ على فِطْرَتِها شَقِيِّها وسَعِيدِها» فإنه جَبَر القلوبَ على فِطْرَتِها مِنَ المَعْرِفَةِ، فَذُكِرَ لِبَعْضِ ما دَخَلَ في عُمُومِ ما تَقَدَّمَ. وجَبَرُوتٌ (فَعَلُوتٌ) مِنَ التَّجَبُّرِ. واسْتَجْبَرْتُ حالَهُ: تَعاهَدْتُ أنْ أَجْبُرَها. وأصابَتْهُ مُصِيبَةٌ لا يَجْتبِرُها، أي لا يَتَحَرَّى لِجَبْرها مِنْ عِظَمِهَا. واشْتُقَّ مِنْ لَفْظِ جَبْرِ العَظْمِ الجَبِيرَةُ وهي الخرقةُ التي تُشَدُّ على المَجْبُورِ، والجِبارَةُ: لِلْخَشَبَة التي تُشَدُّ عليه، وجَمْعُها جَبائِرُ. وسُمِّيَ الدُّمْلُوجُ جِبارَةً تشبيهاً بها في الهَيْئَةِ. والجِبار، لِمَا يَسْقُطُ مِنَ الأرضِ.
جبل: الجَبَلُ جَمْعُهُ أجْبالٌ وجِبالٌ، وهو اسمٌ لكلِّ وَتَدٍ من أَوْتادِ الأرضِ إذا عظم وطالَ من الأعلامِ والأطوادِ {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا *وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا} [النّبَإِ: 6-7]، {وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا} [النَّازعَات: 32]، {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ} [النُّور: 43]، {وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيْضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا} [فَاطِر: 27]، {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا} [طه: 105]، {وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا} [النَّازعَات: 32]، {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ} [الشُّعَرَاء: 149] واعْتُبِرَ مَعانِيهِ فاسْتُعِيرَ واشْتُقَّ منه بِحَسَبِهِ، فقيلَ عن سيِّدِ القوم وَزَعيمِهِمْ جَبَلٌ، وفُلانٌ جَبَلٌ لا يَتَزَحْزَحُ: تَصَوُّراً لِمَعْنَى الثَّباتِ فيه، وجَبَلَهُ اللَّهُ على كذا، إِشارةٌ إلى ما رَكَّبَ فيه مِنَ الطَّبْعِ الذي يَأبَى على الناقِلِ نَقْلُهُ. وفُلانٌ ذُو جِبِلَّةٍ، أي غَلِيظُ الجِسْمِ. وثوبٌ جَيِّدُ الجِبِلَّةِ. وتُصُوِّرَ منه معنَى العِظَمِ فقيلَ لِلجماعَةِ العَظِيمَةِ جِبِلٌّ. {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا} [يس: 62] خلقاً كثيراً، أي جَماعَةً تَشْبِيهاً بالجَبَلِ في العِظَمِ. وقُرىءَ جُبُلاًّ مُثَقَّلاً. قال التَّوْذِي: جُبْلاً وجَبْلاً وجُبُلاًّ وجِبِلاًّ. وقال غَيْرُهُ: جُبُلاًّ جمعُ جِبِلَّةٍ. ومنه قولُه عزَّ وجلَّ: {وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ} [الشُّعَرَاء: 184] أي المَجْبُولينَ على أحْوالِهِمْ التي بُنُوا عليها وسُبُلِهِمْ التي قُيِّضُوا لِسُلُوكِها المشارِ إليها بقولِهِ تعالى: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} [الإسرَاء: 84]. وجَبَلَ الرجُلُ: صار كالجَبَلِ في الغِلَظِ.
جبن: {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [الصَّافات: 103]. الجَبِينُ: ما فوق الصَّدْغِ، والجبينان جانِبَا الجَبْهَةِ عن يمينِها وشمالها، والجُبْنُ: ضَعْفُ القلبِ عَمَّا يَحِقُّ أنْ يَقْوَى عليه. ورجُلٌ جَبانٌ: هَيُوبٌ للأشياء، ويقالُ للمرأةِ أيضاً جَبانٌ. وأجْبَنْتُهُ: وجَدْتُهُ جَباناً وحكَمْتُ بِجُبْنِهِ. والجُبْنُ: ما يُؤكَلُ مِنَ اللبنِ الجامِدِ، وتَجَبَّنَ اللَّبَنُ: صار كالجُبْن.
جبه: الجَبْهَةُ: مَوْضِعُ السُّجُودِ مِنَ الرأسِ {فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ} [التّوبَة: 35]. والنَّجْمُ يُقالُ له جَبْهَةٌ تَصَوُّراً أنه من الأنجم التي يقال لها جبهة الأسد، ومنها قولهم: «نجَّم نوءَ الأسد والسِّماك تَنْجِيماً» أي انْتظر طلوعَ نَجْمِهِ. ويُقالُ لأَعْيانِ الناسِ جَبْهَةٌ، وتَسْمِيَتُهُمْ بذلك كتَسْمِيَتِهِمْ بالوُجُوهِ. ورُوِيَ عنِ النبيِّ (ص) أنه قال: «لَيْسَ في الجَبْهَةِ صَدَقَةٌ»(44)، أي في الخَيْلِ.
جبى: يُقالُ جَبَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ: جَمعْتُهُ. والحَوْضُ الجامِعُ له: جابِيَةٌ، وجمْعُها جَوابٍ {وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ} [سَبَإ: 13] ومنه اسْتُعِيرَ: جَبَيْتُ الخَرَاجَ جِبايَةً. ومنه قولُه تعالى: {يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} [القَصَص: 57]. والاجْتِباءُ: مِن اجْتَبَى الشخصَ أي اصطفاهُ واختارَهُ. قال عزَّ وجلَّ: {اجْتَبَاهُ رَبُّهُ} [طه: 122] وقال تعالى: {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا} [الأعرَاف: 203] تَعْرِيضاً منهم بأنَّكَ تَخْتَرِعُ هذِهِ الآياتِ، ولَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ. واجْتِباءُ اللَّهِ العبْدَ: تَخْصِيصُهُ إياهُ بِفَيْضٍ إِلَهِيٍّ يَتَحَصَّلُ له منه أنواعٌ مِنَ النِّعَمِ بِلا سَعْيٍ مِنَ العَبْدِ، وذلك لِلأنْبِياء وبَعْضِ مَنْ يُقارِبُهُمْ مِنَ الصِّدِّيقِينَ والشُّهَدَاءِ، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ} [يُوسُف: 6] {فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} [القَلَم: 50]، {وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأنعَام: 87]، {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [طه: 122]، {تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} [الشّورى: 13] وذلك نحوُ قولِهِ تعالى: {إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ} [ص: 46].
جث: يقال: جَثَثْتُهُ فانْجَثَّ، وجَسَسْتُه فاجْتَسَّ {اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ} [إبراهيم: 26] أي اقْتُلِعَتْ جُثَّتُهُ. والمِجَثَّةُ ما يُجَثُّ به. وجُثَّةُ الشيءِ: شَخْصُهُ الناتىءُ. والجَثُّ: ما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ حتى يكون كالأكَمَةِ الصغيرةِ.
جثم: {فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [هُود: 67] اسْتِعارَةٌ لِلْمقِيمِينَ أو اللازمين أماكنَهم فلم يبرحوها، مِنْ قَوْلِهِمْ جَثَمَ الطائِرُ إذا قَعَدَ وَلَطِىءَ بالأرضِ. والجُثْمانُ: شَخْصُ الإِنْسانِ قاعِداً. ورجُلٌ جُثَمَةٌ وجَثَّامَةٌ: كِنَايَةٌ عنِ النَّؤُومِ والكَسْلانِ والبليد.
جَثَوَ: جثا يَجْثُو جُثُوّاً وجُثِيّاً فهو جاثٍ، جَلَسَ على رُكْبَتَيْهِ للخصومة وغيرها. وجَمْعُهُ جُثِيٌّ، نحوُ باكٍ وبُكِيٍّ. وقولهُ عَزَّ وجلَّ: {وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [مَريَم: 72] يَصِحُّ أنْ يكُونَ جَمْعاً نحوُ بُكِيٍّ وأنْ يكونَ مَصْدَراً مَوْصُوفاً به. والجاثِيةُ في قولِهِ عزَّ وجلَّ: {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً} [الجَاثيَة: 28] مؤنث الجاثي وقد وضعت مَوْضِعَ الجمعِ، كَقَوْلِكَ جَماعَةٌ قائِمَةٌ وقاعِدَةٌ.
جحد: الجحودُ نَفْيُ ما في القَلْبِ إثْباتُهُ وإثْباتُ ما في القَلْبِ نَفْيُهُ. يقالُ: جَحَدَ جُحُوداً وجَحْداً {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} [النَّمل: 14]، أي عرفوا نعمة الله وأقرّوها في قلوبهم، وأنكروها ونفوها بألسنتهم {بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [الأعرَاف: 51] ويَجْحَدُ: يَخْتَصُّ بِفِعْلِ ذلك. يقال رَجُلٌ جَحْدٌ: شَحِيحٌ قَلِيلُ الخَيْرِ يُظْهِرُ الفَقْرَ، وأرْض جَحْدَةٌ: قَلِيلَةٌ النَّبْتِ. يُقالُ: جَحْداً له ونكداً.
جحم: الجَحْمَةُ: شدّةُ تأجّج النار وتوقّدِها. قال تعالى: {وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ} [التّكوير: 12] وقال تعالى: {وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} [الطُّور: 18] والجحيمُ هي جهنّمُ في القرآن، وتُقالُ لكلِّ نارٍ عظيمةٍ في مهواةٍ، قال تعالى: {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَه *نَارٌ حَامِيَةٌ} [القَارعَة: 9-11]. وجَحَم وجهُهُ من شدّةِ الغضب، استعارةٌ من جَحْمة النار، وذلك من ثَوَرَانِ حرارةِ القلب.
جدث: الجَدَثُ: القَبْرُ {يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا} [المعَارج: 43] جَمْعُ الجَدَثِ. يُقالُ جَدَثٌ وجَدَف. وفي سُورَةِ يس {فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} [يس: 51].
جدّ: الجَدُّ: أَصْلُهُ القَطْعُ، ومنه جَدَّ فِي سَيْرِهِ، أَيْ قَطَعَ الأَرْضَ قَطْعاً، وكذلكَ جَدَّ في أمْرهِ، وأجَدَّ: إذا بلغ فيه جَدّهُ، وأَحْكَمَهُ على وجْهِ الإِصْلاحِ. وثوبٌ جدِيدٌ: أصْلُهُ المَقْطوعُ، ثم جُعِلَ لِكُلِّ ما أُحْدِثَ إنْشاؤُهُ. قال تعالى: {بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} [ق: 15] إشارةً إلى النَّشْأةِ الثَّانِيَةِ وذلكَ قولُهُمْ: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} [ق: 3]. وقُوبِلَ الجدِيدُ بالخَلَقِ، لِمَا كان المَقْصُودُ بالجَدِيدِ القَريبَ العَهْدِ بالقَطْعِ مِنَ الثوبِ، ومنه قِيلَ: اللّيْلُ والنهارُ: الجَدِيدَانِ والأجَدَّانِ لأَنّهما لا يَبْلَيانِ، قال تعالى: {وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيْضٌ} [فَاطِر: 27] جَمْعُ جُدَّةٍ، أي طَريقَةٍ ظاهِرَةٍ مِنْ قولِهِمْ: طريقٌ مَجْدودٌ، أي كثير الوَطْءِ والاستواءِ. ومنه الجادَّةُ أي الطَّريقُ الأعظمُ الذي يجمَعُ الطُّرُقَ ولا بُدّ من المرورِ عليه؛ والجَدودُ والجَدَّاءُ مِنَ الضَّأنِ التي انْقَطَعَ لَبَنُها. وجَدَّ ثَدْيَ أمِّهِ، على طَريقِ الشَّتْمِ. وسُمِّيَ الفَيْضُ الإلَهِيُّ جَدّاً {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} [الجنّ: 3] أَي جَلاَلُ رَبِّنَا. وَقِيلَ عَظَمَتُهُ لاِنْقِطَاعِ كُلِّ عَظَمَةٍ عَنْهَا لِعُلُوِّهَا عَلَيْه. وفي الدعاء: «تبارَكَ اسْمُكَ وتعالى جَدُّكَ». ومِنْهَا الجَدُّ، أَبو الأَبِ أَوِ الأُمِّ لاِنْقِطَاعِهِ بِعُلُوِّ أُبُوَّتِهِ وكل من فوقه لهذا الولد. والجِدُّ، خِلافُ الهَزْل لاِنْقِطَاعِهِ عَنِ السُّخْفِ. وسُمِّيَ ما جَعَلَ اللَّهُ للإِنْسانِ مِنَ الحُظُوظِ الدُّنْيَويَّةِ جَدّاً. وهُو البَخْتُ، فقِيلَ جُدِدْتُ وحُظِظْتُ. وقولهُ عليه وعلى آله الصلاة والسلامُ: «لا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجدُّ»(45) أي لا يَتَوَصَّلُ إلى ثوابِ اللَّهِ تعالى في الآخِرةِ عَنْ طَرِيقِ الحَظّ وإنَّما ذلك بالجِدِّ في الطَّاعَةِ، وهذا هو الذي أنْبأ عنه قولهُ تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ} [الإسرَاء: 18] الآيَة {وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [الإسرَاء: 19] وإلى ذلك أشارَ بقولِهِ: {يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ} [الشُّعَرَاء: 88]. وقِيلَ: مَعْنَى لا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ، لا يَنْفَعُ أحَداً نَسَبُهُ وأبُوَّتُهُ، فَكَما نَفَى نَفْعَ البَنينَ في قولهِ {يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ} [الشُّعَرَاء: 88] كذلك نَفَى نَفْعَ الأُبُوَّةِ في هذِهِ الآيَةِ وفي الحَدِيثِ.
جدر: الجِدارُ: الحائِطُ، إلاَّ أنّ الحائِطَ يُقالُ اعْتِباراً بالإِحاطَةِ بِالمكانِ، والجدارُ يُقال اعْتِباراً بالنُّتُوِّ والارْتِفاعِ. وجَمْعُهُ جُدُرٌ. {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ} [الكهف: 82]، {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ} [الكهف: 77]، {أَوْ مِنَ وَرَاءِ جُدُرٍ} [الحَشر: 14]. وفي الحَدِيث: «حتى يَبْلُغَ الماءُ الجُدُر»، وجَدَرْتُ الجِدارَ: رَفَعْتُهُ. وجدّرَ البنّاءُ الجدارَ: شَيّدَهُ، واعْتُبِرَ منه مَعْنَى النُّتُوِّ فقيلَ: جَدَر الشجرُ، إذا خَرَجَ ورَقُهُ وثَمَرُهُ، وسُمِّيَ النباتُ الناتِىءُ مِنَ الأرضِ جِدْراً، الواحِدُ جِدْرَةٌ. وأَجْدَرَتِ الأرضُ: أخْرَجَتْ ذلك. وَأَجْدَرُ: مَأْخُوذٌ مِنْ جَدْرِ الحَائِطِ، وَهُوَ أَصْلُهُ وَأَسَاسُهُ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} [التّوبَة: 97]، أَيْ وَهُمْ أَحْرَى وَأَوْلَى بِأنْ لاَ يَعْلَمُوا حُدُودَ اللَّهِ في الفَرائِضِ، وَالسُّنَنِ وَالحَلالِ وَالحَرَامِ. والجَدِيرُ: المُنْتَهَى، لانْتهاءِ الأمْر إليه انْتِهاءَ الشيءِ إلى الجِدارِ. وقد جَدَرَ بكذا، فهو جَدِيرٌ. وما أجْدَرَهُ بكذا، وأجْدِرْ به.
جدل: الجِدالُ: المُفاوَضَةُ على سبيلِ المُنازَعَةِ والمُغالَبَةِ، وأصلُهُ مِنْ جَدَلْتُ الحَبْلَ أيْ أحْكَمْتُ فَتْلَهُ. ومنه الجَدِيلُ، وجَدَلْتُ البِناءَ: أحْكَمْتُهُ. ودِرْعٌ مَجْدُولَةٌ. والأجْدَلُ: الصَّقْرُ المُحْكَمُ البِنْيَةِ. والمِجْدَلُ: القَصْرُ المُشْرِف، المُحْكَمُ البِناءِ، وقِيلَ: الأصلُ في الجِدالِ الصّراعُ فكأنّ المُتَجادِلَيْنِ يُريدُ كلٌّ منهما أنْ يَفْتِلَ الآخَرَ عن رأيِهِ، أوْ هُوَ: إسقاطُ الإنسانِ صاحِبَهُ على الجَدالَةِ وهِيَ الأرضُ الصُّلْبَةُ {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النّحل: 125]، {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ} [غَافر: 35]، {وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ} [الحَجّ: 68]، {قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} [هُود: 32]، {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً} [الزّخرُف: 58]، {وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} [الكهف: 54]، {وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ} [الرّعد: 13]، {يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ} [هُود: 74]، {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ} [غَافر: 5]، {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ} [الحَجّ: 3]، {وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البَقَرَة: 197]، {يانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا} [هُود: 32].
جذ: الجَذُّ: كسرُ الشيءِ وتَفْتِيتُهُ، ويُقالُ لِحجارَةِ الذَّهَبِ المكسورَةِ ولِفتاتِ الذهبِ جُذاذٌ، ومنه قولُهُ تعالى: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا} [الأنبيَاء: 58] أَيْ قِطَعاً. و {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هُود: 108] أي غيرَ مَقْطوعٍ عنهُمْ، وقيل: ما عليه جُذَّةٌ أي ما عليه شيءٌ مِنَ الثِّيابِ.
جذع: {فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} [مَريَم: 23]، {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَخْلَةِ} [مَريَم: 25]، {وَلأَُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71]. الجِذْعُ: ساقُ النَّخْلَةِ، جمعُهُ جُذوعُ. جَذَعْتُهُ: قَطَعْتُهُ قَطْعَ الجِذْعِ. والجَذَعُ مِنَ الإِبِلِ: ما أتَتْ لهَا خَمْسُ سِنِينَ، ومِنَ المَعْزِ ما تَمَّتْ لهُ سنةٌ ومن الضَّأْنِ ما اسْتَتَمَّ تِسعَةَ أَشْهُر. ويُقالُ للدَّهْر «الأَزْلمُ الجَذَعُ» تنبيهاً على جِدَّتِهِ، يُقال: «لا آتيكَ الأَزلمَ الجَذَعَ» أي لا آتيكَ أبداً لأن الدهرَ أَبداً جديدٌ كأنه فتًى لم يُسِنَّ، و «أمُّ الجَذَع»: الداهية.
جذو: الجَذْوَةُ والجُذْوَةُ: الذي يَبْقَى مِنَ الحَطَبِ بَعْدَ الالْتِهابِ، والجمعُ جُذًى وجِذًى {أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ} [القَصَص: 29] قال الخليلُ: يقالُ جَذا يَجْذُو نحوُ جَثا يَجْثُو، إلاَّ أنّ جَذا أدَلُّ على اللُّزومِ، ومعنى جَذَا ثبتَ قائِماً، ويقالُ جَذا القُرادُ في جَنْبِ البَعِير، إذا شَدَّ التِزاقَهُ به. وأجْذَتِ الشَّجَرَةُ: صارَتْ ذاتَ جَذْوَةٍ، وفي الحديثِ «كَمَثَل الأرْزَةِ المُجْذِيَّة»، ورَجُلٌ جاذٍ: مَجْموعُ الباعِ، كأنّ يَدَيْهِ جَذْوَةٌ. وامرأةٌ جاذِيَةٌ.
جرح: الجُرْحُ أثَرٌ في الجسَدِ من السلاح أو مِنْ داءٍ في الجِلْدِ، يقالُ جَرَحهُ جُرحاً فهو جَريحٌ ومَجْروحٌ {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المَائدة: 45]، وسُمِّي القَدْحُ في الشاهِدِ جَرْحاً إذا عَثَرَ منه الحاكمُ على ما أسقَطَ به عدالَتَهُ من كذبٍ أو غيرِهِ، وتُسَمَّى الصائِدةُ مِنَ الكِلابِ والفُهودِ والطيورِ جارِحَةً، وجمعُها جَوارِحُ إمّا لأنَّها تَجْرَحُ وإمّا لأنَّها تكسِبُ {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} [المَائدة: 4]، وسُمِّيَتِ أعضاءُ الإنسانِ جَوارِحَ لأنها تكتسب مِثْلَ اليدين والرجلَيْن وغيرهما. والاجتِراحُ اكتِسابُ الإِثْمِ، وأصلُهُ مِنَ الجِراحَةِ، كما أنّ الاقتِرافَ مِنْ قَرَفَ القَرْحَةَ {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ} [الجَاثيَة: 21].
جرد: الجرادُ اسمُ جنسٍ مَعْروفٌ {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ} [الأعرَاف: 133]، {كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ} [القَمَر: 7] فَيَجوزُ أنْ يُجْعَلَ أصْلاً فَيُشْتَقَّ مِنْ فِعْلِهِ جَرَدَ الأرضَ، أي أَكَلَ ما علَيْها حتَّى تَجَرَّدَتْ فصارت مجرودةً. وفَرَسٌ أجْرَدُ: مُنْحَسِرُ الشَّعَر. وثوبٌ جَرْدٌ: خَلَقٌ، وذلك لزوالِ وبَرهِ وقوَّتِهِ. وتَجَرَّدَ عنِ الثَّوْبِ، وجَـرَّدْتُهُ عنهُ، وامرأةٌ حَسَنَةُ المُتَجَرَّدِ. ورُوِيَ: جَرِّدُوا القُرآنَ(46)، أي لا تُلْبِسُوهُ شيئاً آخَرَ يُنافِيهِ. وانْجَرَدَ بَنا السَّيْرُ: امتدَّ وطالَ مِنْ غيرِ الوصولِ إلى شيءٍ، وجَرَدَ الإِنْسانُ: شَرَى جِلْدُهُ مِنْ أكْلِ الجَرادِ. والجارود: المشؤوم، ومنه: سنةٌ جارودٌ أي مُقْحِطَة.
جرز: {صَعِيدًا جُرُزًا} [الكهف: 8] أي مُنْقَطِعَ النَّباتِ مِنْ أصْلِهِ. وأرضٌ مَجْرُوزَةٌ: أُكِلَ ما عليها. والجَرُوزُ: الأَكُولُ، يقال للرجل والمرأة، الذي يَأكُلُ فلا يتركُ شيئاً على الخِوانِ. {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا} [السَّجدَة: 27] أي الأرض اليابسة التي لا نبات فيها.
جرع: جَرَعَ الماءَ يَجْرَعُ، وقيلَ جَرِ عَ. وتَجَرَّعَهُ، إذا تَكَلَّفَ جَرْعَهُ {يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ} [إبراهيم: 17]. والجَرْعَةُ: المرةُ الواحدةُ مِنَ الجرعِ. وأفْلَتَ بِجُرَيْعَةِ الذَّقَنِ: إذا أَشْرَفَ على الموتِ ثُمّ أَفلتَ. وَنُوقٌ مجاريعُ: لم يبقَ في ضُرُوعها من اللبَنِ إلاّ جُرَعٌ. والجَرْعُ والجَرْعاءُ: رَمْلٌ لا يُنْبِتُ شيئاً، كأنه يَتَجَرَّعُ الْبَذْرَ.
جـرف: {عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ} [التّوبَة: 109]، يُقـالُ لِلمَكـان الذي يَأكُلُهُ السَّيلُ فَيَجْرفُهُ أي يَذْهَبُ به: جَرْفٌ، والجُرُفُ: ما تجرّفَتْهُ السيولُ وأَكلَتْهُ مِنَ الأرض، وجَرَفَ الدَّهْرُ فلاناً: اجتاح مالَهُ وأَفْقَرَهُ. ومعنى هارٍ: مُشْرِفٍ على السقوط.
جـرم: أصلُ الجَرْمِ قَطْعُ الثَّمَرَةِ عن الشجَر. ورَجُلٌ جارِمٌ، وقومٌ جِرامٌ. وثَمَرٌ جَريمٌ، والجُرامَةُ ردِيءُ التَّمْر المَجْرُومِ، وجُعِلَ بِناؤهُ بِناءَ النُّفايَةِ. وأجْرَمَ: ارتكب جريمةٍ أو جَنَى جنايةً؛ واسْتُعِيرَ ذلك لِكُلِّ اكتِسابِ مَكْرُوهٍ، ولا يكادُ يُقالُ في عامَّةِ كلامِهِمْ لِلكَيِّسِ المَحْمُودِ. ومصدَرُهُ جَرْمٌ. وقولُ الشاعِر في صِفَةِ عُقابٍ:
جَريمَةُ نامِضٍ في رَأسِ نِيقٍ
فإنّه سَمَّى اكْتِسابَها لأولادِها جَرْماً، مِنْ حيثُ إنها تَقْتُلُ الطُّيُورَ، أو لأنه تَصَوَّرَهـا بِصُـورَةِ مُرْتكِـبِ الجَرَائِمِ لأجْلِ أوْلادِها. كما قال بَعْضُهُمْ: ما ذُو وَلَدٍ وإنْ كان بَهِيمَةً إلاَّ ويُذْنِبُ لأجلِ أولادِهِ. وفي الإِجرامِ قولهُ عز وجلَّ {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ} [المطفّفِين: 29] وقال تعالى: {كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ} [المُرسَلات: 46] وقال: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ} [القَمَر: 47] كما قال عزَّ وجلَّ: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} [الزّخرُف: 74]. ومِنْ جَرَمَ قال تعالى: {لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ} [هُود: 89] أي لا تَجْنِيَنَّ عليكم مُخالَفَتي ومُعاداتي أن يُصيبَكُمْ من العذاب مثلُ ما أصابَ قومَ نوحٍ. وقال عزَّ وجلَّ: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا} [المَائدة: 8] لا يحملنّكم بُغْضُ قوم أو عداوة قوم على ألاَّ تعدلوا في حكمكم فتجوروا عليهم. ومنه قولُه عَزَّ وجلَّ: {قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي} [هُود: 35]، واسْتُعِيرَ مِنَ الجَرْمِ، أي القَطْعِ: جَرَمْتُ صُوفَ الشاةِ، أو لَحْمَ الحيوانِ عن عَظْمِهِ، وتَجَرَّمَ الليلُ. والجِرْمُ في الأصلِ: المَجْرُومُ نحوُ نِقْضٍ ونِفْضٍ للمَنْقُوضِ والمنفوضِ، وجُعِـلَ اسْماً لِلجِسْمِ المَجْرُومِ. وقولُهُمْ: فُلانٌ حَسَنُ الجِرْمِ، أي اللَّوْنِ، فَحقِيقَتُهُ كقولِك: حَسَنُ السَّخاءِ. وأمّا قولهُمْ حَسَنُ الجِرْمِ، أي الصَّـوْتِ، فالجِـرْمُ في الحَقِيقَةِ إشارةٌ إلى مَوْضِعِ الصَّوْت لا إلى ذاتِ الصَّوْتِ. ولكِنْ لَمَّا كان المَقْصُودُ بِوَصْفِهِ بالحُسْنِ هُو الصوت فُسِّرَ به، كقولكَ فُلانٌ طَيِّبُ الحَلْقِ وإنَّما ذلك إشارةٌ إلى الصوتِ لا إلى الحَلْقِ نَفْسِهِ. وقولهُ عَزَّ وجلَّ: {لاَ جَرَمَ} [هُود: 22] معناه: لَيْسَ بِجُرْمٍ أنّ لَهُمُ النارَ، تنبيهاً أنَّهُمُ اكْتَسَبُـوها بِمَـا ارْتَكَبُـوهُ إشـارةً إلى نحو قولِهِ: {وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} [فُصّلَت: 46] وقد قِيلَ في ذلك أقوالٌ أكثَرُها ليسَ بِمُرْتَضًى عِندَ التَّحْقِيقِ، وعلى ذلك قولهُ عَزَّ وجلَّ: {فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ * لاَ جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} [النّحل: 22-23]، وقال تعالى: {لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [النّحل: 109]. لا جَرَمَ في الأصل: لا بُدّ، لا محَالة، والمعنى: حقاً هُمُ الخاسرون. وقوله: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا} [المَائدة: 2] أي: لا يحملنَّكُمْ بُغضُ قوم على أن تعتدوا.
جرى: الجَرْيُ: المَرُّ السَّريعُ، وأصلهُ كَمَرِّ الماءِ ولِمَا يَجْري بِجَرْيِهِ. يُقالُ جَرَى يجْري جِرْيَةً وجَرْياً وجَرَياناً {وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} [الزّخرُف: 51]، {جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} [طه: 76]، {وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ} [الرُّوم: 46]، {فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ} [الغَاشِيَة: 12]، وقوله: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} [الحَاقَّة: 11] أي في السَّفِينَةِ التي تَجْرِي في الماء، وجَمْعُها جَوارٍ {الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ} [الرَّحمن: 24]، {وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ} [الشّورى: 32]. ويُقالُ لِلحَوْصَلَةِ الجَرْيَةُ أو الجِرِّيّةُ، إمّا لانْتهاءِ الطَّعامِ إليها في جَرْيِهِ، أو لأنَّها مَجْرًى لِلطَّعامِ. والإِجْريَّا: العادَةُ التي يَجْري عليها الإنسانُ. والجَرِيُّ: الوكِيلُ، والرسولُ الجارِي في الأمْر، وهُو أخَصُّ مِنْ لَفْظِ الرسولِ والوكيلِ. وقد جَرَيْتُ جَرْياً. وقولهُ عليه وعلى آله الصلاةُ والسلامُ: «لا يَسْتَجْريَنَّكُمُ الشيطـانُ»(47) يَصِـحُّ أنْ يُدَّعَـى فيـه معنَى الأصْلِ، أي لا يَحْمِلَنَّكُمْ أن تَجْرُوا فـي ائْتِمارِهِ وطاعَتِهِ، ويَصِحُّ أنْ تَجْعَلَهُ مِنَ الجَريِّ، أي الرسولِ والوكيلِ، ومَعْناهُ لا تَتَوَلَّوا وكالَةَ الشيطانِ ورسـالَتَهُ، وذلك إشـارةٌ إلـى قـولِهِ تعـالى: {فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ} [النِّسَاء: 76] وقال تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} [آل عِمرَان: 175].
جزأ: جُزْءُ الشَّيءِ. ما يَتَقَوَّمُ به جُمْلَتُهُ كأَجْزاءِ السَّفِينَةِ، وأَجْزاءِ البَيْتِ وأَجْزَاءِ الجُمْلَةِ مِنَ الحسابِ. قوله تعالى: {ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا} [البَقَرَة: 260]، وقوله: {لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ} [الحِجر: 44] أيْ نَصِيبٌ، وذلك جُزْءٌ مِنَ الشيءِ؛ وقال تعالى: {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} [الزّخرُف: 15] وقِيلَ: ذلكَ عِبارةٌ عَنِ الإِناثِ مِنْ قَولِهِمْ أجْزَأتِ المَرْأةُ: أيْ أَتَتْ بأُنْثَى. وجَزَأَ الإِبِلُ مَجْزَأً وجَزْءاً: اكْتَفَى بالبَقْلِ عَنْ شُرْبِ الماءِ. وقِيلَ: اللَّحْمُ السَّمِينُ أَجْزَأ مِنَ المَهْزُولِ. وجُزْأَةُ السِّكِينِ: العُودُ الذي فيه السَّيَلانُ تَصَوُّراً أنَّهُ جُزْءٌ منه.
جزع: الجَزَعُ أبْلَغُ مِنَ الحُزْنِ، فإنّ الحُزْنَ عامٌّ، والجَزَعُ هو حُزْنٌ يَصْرفُ الإنسانَ عَما هو بصَدَدِهِ وَيَقْطَعُهُ عنه. {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا} [إبراهيم: 21] أي سواءٌ علينا أَصَبَرْنا أم حَزِنَّا، وأصْلُ الجَزْعِ قَطْعُ الحَبْلِ مِنْ نِصْفِهِ، يقالُ جَزَعْتُهُ فانْجَزَعَ، ولِتَصَوُّرِ الانْقطاعِ منه قِيلَ جَزْعُ الوادِي لمُنْقَطَعِهِ. ولانقطاع اللَّوْنِ بِتَغَيُّرِهِ، قِيلَ لِلخَرَزِ المُتَلَوِّنِ: جَزْعٌ، وعنه اسْتُعِيرَ قَولُهُمْ: لَحْمٌ مُجَزَّعٌ، إذا كانَ ذا لَوْنَين. وأما قوله تعالى: {إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا *وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} [المعَارج: 20-21] أي إذا أصابه الفقرُ ضَجوراً قليلَ الصبر، وإذا أصابه الغنى انقطع عن العطاء والبر للمحتاجين.
جزي: الجَزاءُ: الغناءُ والكِفايَةُ {لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} [البَقَرَة: 48]. {لاَ يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا} [لقمَان: 33] والجَزاءُ: ما فيه الكِفايَةُ مِنَ المُقابَلَةِ، إنْ خَيْراً فَخَيْرٌ وإنْ شَرّاً فَشَرٌّ. يقالُ جَزَيْتُهُ كذا وبكذا. {وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى} [طه: 76]، {فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى} [الكهف: 88]، {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشّورى: 40]، {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا} [الإنسَان: 12]، {جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا} [الإسرَاء: 63]، {أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا} [الفُرقان: 75]، {وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الصَّافات: 39]. والجِزْيَةُ ما يُؤْخَذُ مِنْ أهْلِ الذِّمَّةِ، وتَسْمِيَتُها بذلك لِلاجْتزاءِ بها في حَقْنِ دَمِهِمْ {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التّوبَة: 29]. ويُقال جازِيكَ فُـلانٌ، أيْ كافِيـكَ. ويُقـالُ جَزَيْتُهُ بِكَذا وجازَيْتُهُ. ولم يَجِىءْ في القُرآنِ إلاَّ جَزَى دُونَ جازَى، وذاكَ أنّ المجازاةَ هِيَ المكافأةُ وهي المُقابَلَةُ مِنْ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الرَّجُلَيْنِ، والمُكافأةُ هيَ مُقابَلَةُ نِعْمَةٍ بِنعْمَةٍ هيَ كفؤُها، ونِعْمَةُ اللَّهِ تعالَى لَيْسَتْ مِن ذلك، ولذا لا يُسْتَعْمَلُ لَفْظُ المُكافأةِ في عَطَاءِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، وهذا ظاهِرٌ.
جسد: الجَسَدُ كالجِسْمِ لكِنَّهُ أخصُّ. قال الخَلِيلُ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يقال الجَسدُ لِغَيْر الإِنْسانِ مِنْ خَلقِ الأرْضِ ونحوهِ، وأيضاً فإنّ الجَسَدَ ما لَهُ لَوْنٌ، والجِسْمُ يُقالُ لِمَا لا يَبِينُ لهَ لوْنٌ كالماءِ والهَواءِ، وقولُهُ عَزَّ وجلَّ: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لاَ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ} [الأنبيَاء: 8] يَشْهَدُ لِمَا قال الخَلِيلُ، وقال تعالى: {فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ} [طه: 88] وقال: {وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ} [ص: 34]. وباعْتِبارِ اللَّوْنِ قِيلَ لِلزَّعْفَرَانِ جِسادٌ. وثَوْبٌ مُجَسَّدٌ: مَصْبُوغٌ بالجِسادِ. والمِجْسَدُ: الثوبُ الذي يَلِي الجَسَدَ. والجَسِدُ والجاسِدُ مِنَ الدمِ: ما قد يَبِسَ.
جس: {وَلاَ تَجَسَّسُوا} [الحُجرَات: 12]. أصْلُ الجَسِّ مَسُّ العِرْق وتَعَرُّفُ نَبْضِهِ لِلْحُكْمِ به على الصِّحَّةِ والسَّقَمِ، وهو أخَصُّ مِنَ الحَسِّ، فإنّ الحَسَّ تَعَرُّفُ ما يُدْرِكُهُ الحِسُّ، والجَسُّ تَعَرُّفُ حالٍ ما منْ ذلك. ومِنْ لفْظِ الجَسِّ اشْتُقَّ الجاسُوسُ وهو العينُ الذي يَتَجَسّسُ الأخبارَ ثم يأتي بها.
جسم: الجِسْمُ: ما لَهُ طُولٌ وعَرْضٌ وعُمْقٌ، ولا تخْرُجُ أجْزَاءُ الجِسْمِ عن كوْنِها أجْساماً، وإنْ قُطِعَ ما قُطِعَ وجُزّىءَ ما قد جُزِّىءَ. {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} [البَقَرَة: 247]، وقوله: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ} [المنَافِقون: 4] تنبيه أنْ ليس وَرَاءَ الأشْباحِ مَعْنًى مُعْتَدٌّ به. والجُسْمانُ: قِيلَ هو الشَّخْصُ، والشَّخْصُ قد يَخْرُجُ مِنْ كَوْنِهِ شَخْصاً بِتَقْطيعِهِ وتِجْزئَتِهِ بِخِلافِ الجِسْمِ، والجَسِيمُ البَدينُ.
جعل: جَعَلَ: لَفْظٌ عامٌّ في الأفْعالِ كُلِّها، وهو أعَمُّ مِنْ فَعَلَ وصَنَعَ وسائِرِ أخَواتِها، ويَتَصَرَّفُ على خَمْسَةِ أوْجُهٍ: الأوّلُ يَجْري مَجْرَى صارَ وطَفِقَ فلا يَتَعَدَّى، نحوُ جَعَلَ زَيْدٌ يَقُولُ كذا. قال الشاعِرُ:
فقد جَعَلَتْ قَلوصُ بَني سُهَيْلٍ مِنَ الأكْوارِ مَرْتَعُها قريبُ
والثَّانِي يَجْري مَجْرَى أوْجَدَ، فَيَتَعَدَّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ نحوُ قولِهِ عَزَّوجلَّ: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعَام: 1]، {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ} [السَّجدَة: 9]. والثالثُ في إيجادِ شَيْءٍ من شيء وتكْوِينِهِ منه نحوُ: {جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} [النّحل: 72]، {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً} [النّحل: 81]، {وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} [الزّخرُف: 10]. والرابِعُ في تَصْيِير الشَّيءِ على حالَةٍ دُونَ حالَة نحوُ: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا} [البَقَرَة: 22] وقولِهِ: {جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً} [النّحل: 81]، {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا} [نُوح: 16] وَجَعَل بمعنى التبيين، قال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا} [الزّخرُف: 3]. والخامِسُالحُكْمُ بالشيءِ على الشيءِ حَقّاً كان أو باطِلاً، فأمّا الحَقّ فنحوُ قولِهِ تعالى: {إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القَصَص: 7] وأما الباطِلُ فنحوُ قولِهِ عَزَّ وجلَّ: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا} [الأنعَام: 136]، {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ} [النّحل: 57]، {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} [الحِجر: 91]. والجِعالَةُ: خِرْقَةٌ يُنَزَّلُ بها القِدْرُ. والجُعْلُ والجَعالَةُ والجَعِيلَةُ: ما يُجْعَلُ للإِنْسانِ بِفِعْلِهِ، فَهُوَ أعَمُّ مِنَ الأُجْرَةِ والثوابِ.
جفن: الجَفْنَةُ: خُصَّتْ بِوعاءِ الأطْعِمَةِ الكَبِير، وجَمْعُها جِفانٌ {وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ} [سَبَإ: 13]. وفي حدِيثٍ: «أنا الجَفْنَةُ الغَرَّاءُ»(48)، أي التي يجتمعُ الناسُ عليها، ويَدعُون إليها. وقيلَ لِلْبِئْر الصَّغِيرة جَفْنَةٌ، تشبيهاً بِها. والجَفْنُ غطاءُ العينِ من أَعلى وأَسفل، وجمعُهُ أجْفانٌ وَجفونٌ، وسُمِّيَ الكَرْمُ جَفْناً تَصَوُّراً أنه وِعاءُ العِنَبِ. وجَفْنُ الماءِ: السّحابُ.
جَفَوَ: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً} [الرّعد: 17] وهو ما يَرْمِي به الوَادِي أو القِدْرُ مِنَ الغُثاء إلى جَوانِبِهِ، وهو خبَثُ الغليان. يُقالُ: أجْفَأتِ القِدْرُ زَبَدَها: ألْقَتْهُ إجْفاءً. وأجْفَأَتِ الأرضُ: صارتْ كالجُفاءِ في ذَهابِ خَيْرها. قال تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} [السَّجدَة: 16] أي تَنْبو عنها ولا تطمئنُّ إليها. ومنه (تَجَافَى) أي تَنَحَّى ولم يَلزَمْ مكانَهُ. تَجَافَى جَنْبُهُ عَنِ الفِراشِ: نبا عنهُ ولم يطمئِنَّ عليه.
جلب: أَصْلُ الجَلْبِ سَوْقُ الشَّيءِ، يُقالُ جَلَبْتُ جَلْباً. قال الشاعِرُ:
وقد يَجْلِبُ الشيءَ البعِيدَ الجَوابُ
وأجْلَبْتُ عليه: صِحْتُ عليه بِقَهْرٍ. {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ} [الإسرَاء: 64] أي اجمع عليهم ما قدرتَ عليه من مكايدك وأتباعك وذُريتك وأعوانِكَ. واحشُدْ ما استطعْتَ لهم بالإغواء والإغراء. وقيل هو من الجَلَبَة والصياح والضَّوضاء. والجُلْبَةُ: قِشْرَةٌ تَعْلُو الجُرْحَ. وأجلب فيه. والجُلْبُ: سَحابَةُ رَقِيقَةٌ تُشْبهُ الجُلْبَةَ. والجَلابِيبُ: القُمُصُ والخُمُرُ، الوَاحِدُ جِلْبابٌ، قال تعالى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ} [الأحزَاب: 59].
جلت: جَلَتَهُ: بمعنى جَلَدَهُ، يقال جَلَتُّه عشرين سوطاً. قال تعالى: {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} [البَقَرَة: 250] وجالوتُ: اسمٌ أعْجَمِيٌّ لا أصْلَ له في العَرَبيَّةِ.
جلد: الجِلْدُ: قِشْرُ البَدَنِ، وجَمْعُهُ جُلُودٌ {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا} [النِّسَاء: 56]، {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزُّمَر: 23]. والجُلودُ عبارَةٌ عنِ الأبْدانِ، كما القُلُوبُ عبارةٌ عنِ النفوسِ. وقولُه عَزَّ وجلَّ: {حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [فُصّلَت: 20] {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُّمْ عَلَيْنَا} [فُصّلَت: 21] فقد قِيلَ: الجُلُودُ، هَهُنا، كِنايَةٌ عنِ الفُرُوجِ. وجَلَدَهُ: ضَرَبَ جِلْدَهُ، نحوُ بَطَنَهُ وظَهَرَهُ، وضَرَبَهُ بالجِلْدِ نحوُ عَصاهُ إذا ضَرَبَهُ بالعَصا {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النُّور: 4]. والجَلَدُ: الشدّة، والصبر، والصلابة وقد جَلُدَ جَلَداً فهو جَلْدٌ وجَلِيدٌ، أي قَويٌّ، وأصلُهُ لاكْتِسابِ الجِلْدِ قُوَّةً. ويُقالُ: ما لَهُ مَعْقُولٌ ولا مَجْلُود، أي عَقْلٌ وجِلْدٌ. وأرْضٌ جَلَدَةٌ، تشبيهاً بذلك، وكذا ناقَةٌ جَلَدَةٌ، وجَلَّدْتُ كذا، أي جَعَلْتُ له جِلْداً. وفَرَسٌ مُجَلَّدٌ: لا يَفْزَعُ مِنَ الضَّرْبِ، وإنَّما هو تَشْبيهٌ بالمُجلَّدِ الذي لا يَلْحَقُهُ مِنَ الضَّرْبِ ألَمٌ. والجلِيدُ: الصَّقِيعُ، تشبيهاً بالجِلْدِ في الصَّلابَة.
جلس: أصلُ الجَلْسِ الغَلِيظُ مِنَ الأرْضِ، وسُمِّيَ النَّجْدُ جَلْساً لذلك. ورُوِيَ أنه عليه وعلى آله الصلاةُ والسلامُ قالَ: «أعْطاهُمُ المعادِنَ القبلية غَوْرِيَّها وجَلْسَها»(49). وجَلَسَ: أصلُهُ أنْ يَقْصِدَ بِمَقْعدِهِ جَلْساً مِنَ الأرضِ، ثم جُعِلَ الجُلُوسُ لِكلِّ قُعُودٍ، والفرقُ بين الجُلوسِ والقُعُودِ أنَّ الجُلوسَ يُقالُ لِمَنْ كان مُضْطَجِعاً، والقُعُودَ لِمَنْ كان قَائماً. والمَجْلِسُ: لِكُلِّ مَوْضِعٍ يَقْعُد فيه الإنْسانُ {إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ} [المجَادلة: 11].
جل: الجَلالَةُ: عِظَمُ القَدْرِ. والجَلالُ، بِغَيْر الهاءِ: التَّناهِي في ذلك، وخُصَّ بِوَصْفِ اللَّهِ تعالى فقِيلَ: {ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ} [الرَّحمن: 27] ولم يُسْتَعْمَلْ في غَيْرِهِ. والجَلِيلُ: العَظِيمُ القَدْرِ، ووَصْفُهُ تعالى بِذلك إمّا لِخَلْقِهِ الأشْياءَ العَظِيمَةَ المُسْتَدَلَّ بها عليه، أوْ لأنه يَجِلُّ عنِ الإِحاطَةِ به، أوْ لأنه يَجِلُّ أنْ يُدْرَكَ بالحواسِّ. وهو مَا اسْتَدَلَّ بِهِ ـ بِصُورَةٍ حِسِّيَّةٍ ـ قوم موسى الذين كانوا عِنْدَ الجَبَلِ من أَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ (تعالى) غَيْرُ جَائِزَة. وَقِيلَ مَعْنَاهُ ظَهَرَ رَبُّهُ بآيَاتِهِ الَّتِي أَحْدَثَها في الجَبَل لأَهْلِ الجَبَلِ، كَمَا يُقَالُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يَتَجلّى لَنَا بِقُدْرَتِهِ؛ مما يعني أن كل آيَةٍ يُوجِدُهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ فَكَأَنَّهُ يَتَجَلَّى بِهَا لِعِبَادِهِ، فَلَمَّا أَظْهَرَ الآيَةَ العَجِيبَةَ في الجَبَلِ صَارَ كَأَنَّهُ ظَهَرَ لأَهْلِهِ، وَذلِكَ في قَوْلِهِ تَعَالَى في الآية 143 من سورة الأعراف: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} [الأعرَاف: 143] وبَيَانُهَا يأتي فِي لفظةِ (جَلُوَ) التَّالِيَة.
جلو: أصلُ الجَلْو الكَشْفُ الظاهِرُ، يُقالُ: أجْلَيْتُ القومَ عن مَنازِلِهمْ فَجَلَوْا عنها، أي أبْرَزْتُهُمْ عنها، ويُقالُ: جَلاهُ وجلاّها نحوُ قول الشاعر:
فَلَمَّا جَلاها بالأيام تَحَيَّرَتْ ثُباتٌ عليها ذُلُّها واكتئابُها
وقوله تعالى: {وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا} [الشّمس: 3] أي جَلَّى الظُّلمة وكشفَها، وقوله تعالى: {لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ} [الأعرَاف: 187] أي لا يُظهر، ولا يَكْشِف عن عِلمِ السَّاعةِ، ولا يُبيِّن وقتَها إلاَّ الله سبحانه وتعالى.
وقال اللَّهُ عَزَّ وجلَّ: {وَلَوْلاَ أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا} [الحَشر: 3] ومنه جَلا لِي خَبَرٌ. وخبرٌ جَلِيٌّ وقِياسٌ جَلِيٌّ، ولم يُسْمَعْ فيه جالَ، وجَلَوْتُ العَرُوسَ جَلْوَةً، وجَلَوْتُ السَّيْفَ جِلاء. والسماءُ جَلْوَاءُ، أي مُصْحِيَةٌ. ورَجُلٌ أجْلَى: انْكَشَفَ بَعْضُ رَأسِهِ عنِ الشَّعَر. والتَّجَلِّي قد يكُونُ بالذات نحوُ: {وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} [الليْل: 2] وقد يكونُ بالأمْر والفِعْلِ نحوُ: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} [الأعرَاف: 143] أَيْ ظَهَرَ أَمْرُ رَبِّهِ لأَهْلِ الْجَبَلِ، فَحذف «أمر»، والمَعْنَى كما قدمنا آنفاً أنَّهُ سُبْحَانَهُ أَظْهَرَ مِن آياته ما جعلَ الجبلَ مَدْكوكاً، مستوياً إلى الأرض. وقِيلَ: فُلانٌ ابنُ جَلا، أي مَشْهُورٌ. وأجْلَوْا عن قَتِيلٍ إجْلاءً أي انفرجوا.
جمح: {وَهُمْ يَجْمَحُونَ} [التّوبَة: 57] أَصْلُهُ في الفَرَسِ إذا غَلَبَ فارِسَهُ بِنَشاطِهِ في مُرُورِهِ وجَرَيانِهِ، وذلك أبْلَغُ مِنَ النَّشاطِ والمَرَحِ. والجِماحُ: مُضِيُّ المارِّ مُسْرِعاً عَلَى وَجْهِهِ لا يَرُدُّهُ عَنْهُ شَيْءٌ.
جمد: جَمَدَ جَمْداً وجُمُوداً الماءُ: وَقَفَ وتَماسَكَتْ أجزاؤه فصار جَلِيداً. قال تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً} [النَّمل: 88].
جمع: الجَمْعُ: ضَمُّ الشيء بتَقْرِيبِ بَعْضِهِ مِنْ بَعْضٍ. يقال: جَمَعْتُهُ فاجْتَمَعَ {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} [القِيَامَة: 9]، {وَجَمَعَ فَأَوْعَى} [المعَارج: 18]، {جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ} [الهُمَزة: 2]، {يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ} [سَبَإ: 26]، {لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [آل عِمرَان: 157]، {قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنْسُ وَالْجِنُّ} [الإسرَاء: 88]، {فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا} [الكهف: 99]، {إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ} [النِّسَاء: 140]، {وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ} [النُّور: 62] أي أمرٍ له خَطَرٌ يَجْتَمِعُ لأجْلهِ الناسُ فَكأنَّ الأمْرَ نَفْسَهُ جَمَعَهُمْ. وقولهُ تعالى: {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ} [هُود: 103] أي جُمِعُوا فيه، نحو ذلك يومُ الجَمْعِ. وقال تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ} [التّغَابُن: 9] ويقال لِلمَجْمُوعِ، جَمْعٌ وجَمِيعٌ وجَماعَةٌ. وقال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} [آل عِمرَان: 166] وقال عز وجلَّ: {وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} [يس: 32]. والجُمَّاعُ يُقال في أقْوامٍ مُتَفاوِتَةٍ اجْتَمَعُوا، قال الشاعِرُ:
بِجَمْعٍ غَيْرِ جُمَّاعٍ
وأجْمَعْتُ كذا: أكْثَرُ ما يُقالُ فِيما يَكونُ جَمْعاً يُتَوصَّلُ إليه بالفِكْرَةِ، نحو {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ} [يُونس: 71] أَي اعْزمُوا على أَمْرٍ تَفْعَلُونَهُ بي مَعَ شُرَكائِكم، لأنَّ الواوَ بمعنى مَع؛ قال الشاعِرُ:
هلْ أغْزُوَنْ يَوْماً وأمْري مُجْمِعٌ
وقال تعالى: {فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ} [طه: 64] أي فأحكموا أمركم بالدهاء والمكر، ويُقالُ: أجْمَعَ المُسْلمونَ على كذا: اجْتَمَعَتْ آراؤُهُمْ عليه. ونَهْبٌ مُجْمِعٌ: ما تُوُصِّلَ إليه بالتَّدْبِير والفكْرَة. وقولُهُ عزّ وجلّ: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} [آل عِمرَان: 173] قيل: جَمَعُوا آراءَهُمْ في التَّدْبِير عَلَيْكُمْ، وقِيلَ جَمَعُوا جُنُودَهُمْ. وجَمِيعٌ وأجْمَعُ وأجْمَعُونَ يُسْتَعْمَلُ لِتَأْكِيدِ الاجْتِماعِ على الأمْر، فأمّا أجْمَعُونَ فَتُوصَفُ به المَعْرفَةُ ولا يَصِحُّ نَصْبُهُ على الحالِ مثل: {فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحِجر: 30]، {وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ} [يُوسُف: 93] فأمّا جَمِيعٌ فإنهُ قد يُنْصَبُ على الحالِ فَيُؤكَّدُ بِه منْ حَيْثُ المَعْنَى مثل: {اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا} [البَقَرَة: 38]، وَقَوْلُهُ تَعَالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعرَاف: 158]، {فَكِيدُونِي جَمِيعًا} [هُود: 55] وقولُهُمْ: يَوْمُ الجُمُعَةِ، لاجْتِماعِ الناسِ لِلصَّلاةِ {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجُمُعَة: 9] ومَسْجِدُ الجَامِعِ، أي الأمْرِ الجامِعِ أو الوَقْتِ الجامِعِ، ولَيْسَ الجامِعُ وصْفاً لِلمَسْجِدِ. وجَمَّعُوا: شَهِدُوا الجُمُعَةَ أو الجَامِعَ أو الجماعَةَ. واسْتَجْمَعَ الفَرَسُ جَرْياً: بالغَ. فَمَعْنَى الجَمْعِ ظاهِرٌ. وقولُهُمْ ماتَتِ المَرْأةُ بجُمْعٍ، إذا كان ولَدُها في بَطْنِها، فَلِتَصَوُّرِ اجْتِماعِهما. وقولُهُمْ هِيَ منه بِجُمْعٍ، إذا لم تُفْتَضَّ فلاِجْتِماعِ ذلك العضْو منها وعَدَمِ التَّشَقُّقِ فيه. وضَرَبَهُ بَجُمْع كَفِّهِ، إذا جَمَعَ أصابِعَهُ فَضَرَبَهُ بها. وأعْطاهُ مِنَ الدَّرَاهِم جُمْعَ الكَفِّ، أي ما جَمَعَتْهُ كَفُّهُ. والجَوامِعُ: الأغْلالُ لِجَمْعِها الأطْرافَ.
جمل: الجَمالُ: الحُسْنُ الكَثِيرُ، وذلك نوعان: أحَدُهُما جَمالٌ يَخْتَصُّ الإِنْسانُ به في نَفْسِهِ أو بَدَنِهِ أو فِعْلِهِ. والثاني ما يُوصَلُ منه إلى غَيْرِه. وعلى هذا الوجْهِ ما رُوِي عنه (ص) أنه قال: «إنّ الله جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ»(50) تنبيهاً أنه منـه تَفِيضُ الخَيْرَاتُ الكَثِيرَةُ فَيُحِبُّ مَنْ يَخْتَصُّ بذلك {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} [النّحل: 6] ويقالُ جَمِيلٌ وجمالٌ وجُمَّالٌ على التَّكثِيرِ. قال الله تعالى: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} [يُوسُف: 18]، {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلاً} [المعَارج: 5] أي احتملْ ولا تجزع. وقد جامَلْتُ فُلاناً وأجْمَلْتُ في كذا. وجَمالَكَ، أي أجْمِلْ، واعْتُبِرَ منه مَعْنَى الكَثْرَةِ فقيلَ لِكُلِّ جَمَاعَةٍ غَيْر مُنْفَصلَةٍ جُمْلَةٌ. ومنه قِيلَ لِلْحِسابِ الذي لم يُفَصَّلْ والكلامِ الذي لم يُبَيَّنْ تَفْصِيلُـهُ: مُجْمَلٌ، وقد أجْمَلْتُ الحِسابَ وأجْمَلْتُ في الكلامِ. قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} [الفُرقان: 32] أي مُجْتَمِعاً لا كما أنْزِلَ نُجُوماً مُفْتَرِقَةً. وقولُ الفُقَهاءِ: المُجْمَلُ ما يَحْتاجُ إلى بيانٍ، فَلَيْسَ بِحَدٍّ له ولا تَفْسيرٍ، وإنَّما هو ذِكْرُ أحَدِ أحْوالِ بَعْضِ الناسِ معه، والشيءُ يَجِبُ أنْ تُبَيَّنَ صِفَتُهُ في نَفْسِهِ التي بها يَتَمَيَّزُ. وحَقِيقَةُ المُجْمَلِ: هو المُشْتَمِلُ على جُمْلَةِ أشْياءَ كَثِيرَةٍ غَيْر مُلَخَّصَةٍ. والجَمَلُ: يُقالُ لِلبَعِير إذا بَزَلَ أي إذا انشقّت نابُهُ ومؤنثه الناقة، وجَمْعُهُ جِمالٌ وأجْمالٌ وجِمالَةٌ. {حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعرَاف: 40] أي حتى يدخل الجملُ في ثقْبِ إِبْرةِ الخيّاط. وقولُهُ: {جِمَالَةٌ صُفْرٌ} [المُرسَلات: 33] جَمْعُ جِمالَةٍ، والجِمالَةُ جَمْعُ جَمَلٍ، وقُرىءَ جُمالاتٌ بالضَّمِّ، وقِيلَ هِيَ القَلُوصُ. والجامِلُ: قِطْعَةٌ مِنَ الإبِلِ مَعَها راعِيها، كالباقِر. وقولُهُمْ: اتَّخَذَ اللَّيْلَ جَمَلاً: فاسْتِعارَةٌ، كقولِهِمْ: رَكِبَ اللَّيْلَ. وتَسْمِيَةُ الجَمَلِ بذلك يَجُوزُ أنْ يكونَ لِما قد أشارَ إليه بقولِهِ: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ} [النّحل: 6] لأنَّهُمْ كانُوا يَعُدُّونَ ذلك جَمالاً لَهُمْ، وجَمَلْتُ الشَّحْمَ: أذَبْتُهُ. والجَمِيلُ: الشَّحْمُ المُذابُ. والاجْتِمالُ: الادِّهانُ، وقالَتِ امرأةٌ لِبِنْتِها: تَجَمَّلِي وتَعَفَّفي، أي كُلِي الجميلَ واشْرَبِي العَفافَةَ، وهذا شرحٌ حِسِّيٌّ، أمَّا الشَّرحُ المعنَويُّ فَهُوَ: كُوني جَميلةً وَعفِيفَةً وهَذا حَتْماً المعنى الذي أرادَتْهُ المرأةُ بوصيتها لابنتِها.
جم: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} [الفَجر: 20] أي كثيراً، والمعنى: تُحبّون المالَ حُبّاً شديداً وتولعون به. وإنّهم لَمِنْ فَرْطِ حرصهم عليه، يجمعونه من غير وجهه ويصرفونه من غير وجهه ولا يتفكّرون في عاقبة الأمر. وجُمَّةِ المَاءِ، أي مُعْظَمُهُ ومُجْتَمَعِهِ الذي جَمَّ فيه الماءُ عن السَّيَلانِ، وأصْلُ الكَلِمةِ مِنَ الجمامِ أي الرَّاحَةِ للإِقامةِ وتَرْكِ تَحَمُّلِ التَّعب، ومنه الاستجمام ولما اجْتَمَعَ مِنْ شَعْرِ النَّاصِيَةِ. وجَمَّةُ البِئر: مكانٌ يَجْتَمِعُ فيه الماءُ، أياماً. وقيل للفَرَسِ جَمُومُ الشَّدِّ، تَشْبيهاً به. والجَمَّاءُ، والجَمُّ بمعنى واحد: الغَفِيرُ، أَيْ الجماعَةُ مِنَ الناسِ. وشاةٌ جَمَّاءُ: لا قَرْنَ لها، اعْتِباراً بِجُمَّةِ الناصِيَةِ.
جنب: أصلُ الجَنْبِ الجارِحَةُ، وجَمْعُهُ جُنُوبٌ {فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ} [التّوبَة: 35]، {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} [السَّجدَة: 16]، {قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} [آل عِمرَان: 191]، ثم يُسْتَعارُ في الناحِيَةِ التي تَلِيها كعادَتِهِمْ في اسْتِعارةِ سائِر الجَوارِحِ لذلك، نحوُ: اليَمِينِ والشِّمالِ، كقولِ الشاعِر:
مِنْ يَمِيني مَرَّةً وأمامِي
وقيلَ: جَنْبُ الحائِطِ وجانِبُهُ {وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} [النِّسَاء: 36] أي القَريبِ. وقال تعالى: {يَاحَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} [الزُّمَر: 56] أي في أمْرهِ وحَدِّهِ الذي حَدَّهُ لنا. وسارَ جَنِيبَهُ وجَنِيبَتَهُ وجَنابَيْهِ وجنابِيَتَهُ. وجَنَبْتُهُ: أصَبْتُ جَنْبَهُ، نحوُ كَبَدْتُهُ وفأدْتُهُ. وجُنِبَ: شكا جَنْبَهُ، نحوُ كُبِدَ وفُئِدَ، وبُنِيَ مِنَ الجَنْبِ الفِعلُ على وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: الذَّهابُ على ناحِيَتِهِ، والثاني: الذهابُ إليه. فالأوّلُ، نحو جَنَبْتُهُ وأجْنَبْتُهُ، ومنه {وَالْجَارِ الْجُنُبِ} [النِّسَاء: 36] أي البعِيدِ عنك في الجِوار قال الشاعِرُ:
فلا تَحْرمَنِّي نائِلاً عنْ جَنابَةٍ
أيْ عن بُعْد. ورجُلٌ جَنِبٌ وجانِبٌ. قال عَزَّ وجلَّ: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} [النِّسَاء: 31]، {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ} [النّجْم: 32]. وقوله: {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحَجّ: 30]، {وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النّحل: 36] عِبارَةٌ عن تَرْكِهِمْ إيَّاها. {فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المَائدة: 90] وذلك أبْلَغُ مِنْ قولِهِم اتْرُكُوهُ. وجَنَبَ فُلانٌ خَيْراً وجَنَبَ شَرّاً. قال تعالى في النارِ: {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى *الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى} [الليْل: 17-18]. وإذا أُطْلِقَ فقيلَ جَنَبَ فُلانٌ، فمعناه: أُبْعِدَ عنِ الخَيْر. وكذلك يُقالُ في الدُّعاءِ في الخَيْر. وقوله عزَّ وجلَّ: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35]، مِنْ جَنَبْتُهُ عن كذا، أي أبْعَدْتُهُ، وقيلَ هو منْ جَنَبْتُ الفَرَسَ، كأنَّما سألهُ أنْ يَقُودَهُ عن جانِبِ الشِّرْكِ بألطافٍ منه وأسْبابٍ خَفِيَّةٍ. والجَنَبُ: الرَّوحُ في الرِّجْلَيْنِ، وذلك إبْعادُ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ عنِ الأخرى خِلْقَةً. وقوله تعالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا} [المَائدة: 6] أي إنْ أصابَتْكم الجَنابةُ وذلك بإنْزالِ الماءِ أو بالتِقاءِ الخِتانَيْنِ. وسُمِّيَتِ الجَنابَةُ بذلك لكونِها سَبباً لِتَجَنُّبِ الصَّلاةِ أو الصيام أو غيرهما من الفرائض في حُكْمِ الشَّرْعِ، وجَنَبَت الرِّيحُ: هَبَّتْ جَنُوباً. فأجْنَبْنا دَخَلْنا فيها، وجُنِبْنا بالريح أصابَتْنا، وسَحابَةٌ مَجْنُوبَةٌ: هَبَّتْ من الجنوب.
جنح: الجَناحُ: جَناحُ الطائِر، يُقالُ جَنَحَ الطائِرَ، أي كَسَرَ جَناحَهُ {وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعَام: 38] وسُمِّيَ جانِبَا الشيءِ جَناحَيْهِ، فقيلَ جَناحَا الطائرة وجَناحَا العَسْكَر، وجَناحَا الوادِي وجَناحَا الإِنسانِ: لِجانِبَيْهِ. {وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ} [طه: 22] أي جانِبِكَ. واضْمُمْ إليكَ جَناحَكَ، عِبارةٌ عنِ اليَدِ لِكونِ الجَناحِ كاليَدِ، ولذلك قِيلَ لِجنَاحَيِ الطائِر يَدَاهُ، وقولهُ عزَّ وجلَّ: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الإسرَاء: 24] فاسْتِعارَةٌ، وذلك أنه لَمَّا كان الذُّلُّ ضَرْبَيْنِ ضَرْباً يَضَعُ الإِنْسانَ وضَرْباً يَرْفَعُهُ، وقُصِدَ في هذا المكانِ إلى ما يَرْفَعُهُ لا إلى ما يَضَعُهُ، استعارَ لَفْظَ الجَناحِ، فكأنه قِيلَ: اسْتَعْمِلِ الذُّلَّ الذي يَرْفَعُكَ عِنْدَ اللَّهِ تعالى مِنْ أجْلِ اكْتِسابِكَ الرَّحْمَةَ أو مِنْ أجْلِ رَحْمَتِكَ لِوالديْكَ. {وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ} [القَصَص: 32] أي من الرهبة. وجَنَحَت العِيرُ في سَيْرها: أسْرَعَتْ، كأنها اسْتَعانَتْ بِجنَاحٍ. وجَنَحَ الليلُ، أظَلَّ بِظَلامِهِ. والجُنْحُ: قِطْعَةٌ مِنَ الليلِ مُظْلِمَةٌ. {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} [الأنفَال: 61] أي مالُوا إلى الصُّلْحِ لأن السَّلْم معناه الصّلحُ، وهو مِنْ قولِهِمْ: جَنَحَتِ السَّفِينَةُ، أي مالَتْ إلى أحَدِ جانِبَيْها. وسُمِّيَ الإِثْمُ المائِلُ بالإنْسانِ عنِ الحَقِّ جُناحاً، ثم سُمِّيَ كُلُّ إثْمٍ جُناحاً نحوُ: {لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} [البَقَرَة: 236] أي لا إثْمَ عليكم ولا تضييق، وجَوانِحُ الصَّدْرِ: الأضْلاعُ المُتَّصِلَةُ رُؤوسُها في وَسَطِ الزَّوْرِ، الواحِدةُ جانِحَةٌ، وذلك لِمَا فيها مِنَ المَيْلِ.
جند: يُقالُ لِلعَسْكَر الجُنْدُ، اعْتِباراً بالغِلْظَةِ مِنَ الجُنُدِ، أي الأرْضِ الغَلِيظَةِ التي فيها حجارَةٌ، ثم يُقالُ لِكُلِّ مُجْتَمِعٍ جُنْدٌ، نحوُ: الأرواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ. {وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصَّافات: 173]، {إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ} [الدّخان: 24]. وجَمْعُ الجُنْدِ أجْنادٌ وجُنُودٌ {وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ} [الشُّعَرَاء: 95]، {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} [المدَّثِّر: 31]، {اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} [الأحزَاب: 9] فالجُنودُ الأولى مِنَ الكُفَّارِ، والجُنودُ الثانِيةُ التي لم تَرَوْها: الملائكةُ.
جنف: أَصْلُ الجَنَفِ مَيْلٌ في الحُكْمِ، فقولُهُ {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا} [البَقَرَة: 182] أي مَيْلاً ظاهِراً عَنِ الحَقِّ، وعلى هذا {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} [المَائدة: 3] أي غير مائِلٍ إليه، وقيل: غير مُتَعرِّضٍ لمعْصِيَة.
جنّ: أصْلُ الجَنِّ سَتْرُ الشيءِ عنِ الحاسَّةِ، يُقالُ: جَنَّهُ اللَّيْلُ وأجَنَّهُ وجَنَّ عليه فَجَنَّهُ: سَتَرَهُ. وأجَنَّهُ: جَعَلَ له ما يَجُنُّهُ، كقولِكَ: قَبَرْتُهُ وأقْبَرْتُهُ وَسَقَيْتُهُ وأسْقَيْتُهُ. وجَنَّ عليه كذا: سَتَرَ عليه {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا} [الأنعَام: 76]. والجنَانُ: القَلْبُ، لِكونِهِ مَسْتُوراً عنِ الحاسَّةِ. والمِجَنُّ والمِجَنَّةُ: التُّرْسُ لاسْتِتارِ صاحبِهِ به {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} [المجَادلة: 16]، وفي الحَدِيثِ «الصَّوْمُ جُنَّةٌ»(51) أي يقي صاحبَهُ ما يؤْذِيهِ منَ الشَّهوَاتِ. والجَنَّةُ: كُلُّ بُسْتانٍ ذِي شَجَرٍ يَسْتُرُ بأشْجارِهِ الأرضَ {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ} [سَبَإ: 15]، {وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ} [سَبَإ: 16]، {وَلَوْلاَ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ} [الكهف: 39] قِيلَ: وقد تُسَمَّى الأشْجارُ السَّاتِرَةُ جَنَّةً، وعلى ذلك حُمِلَ قولُ الشاعِر:
مِنَ النواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سَحِقا
وسُمِّيَـتِ الجَنَّةُ إمّا تشبيهاً بالجَنَّةِ في الأرْضِ، وإن كان بَيْنَهُما بَوْنٌ، وإمّا لسَتْرِهِ نِعَمَها المُشارَ إليها عنا بقولِهِ تعالى: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السَّجدَة: 17] قال ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه: إنَّما قال جَنَّاتٍ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِكَوْنِ الجِنانِ سَبْعاً: جَنَّةِ الفِرْدَوْسِ وعَدْنٍ وجَنَّةِ النَّعِيمِ ودار الخُلْدِ وجَنَّةِ المَأْوَى ودارِ السَّلامِ وعِلِّيِّينَ. والجَنِينُ: الوَلَدُ ما دامَ في بَطْنِ أمِّهِ، وجَمْعُهُ أجِنَّةٌ {وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} [النّجْم: 32]. والجِنُّ: يُقالُ على وجْهَيْنِ: أحَدُهُما لِلرُّوحانيِّينَ المُسْتَتِرَةِ عنِ الحَواسِّ كُلِّها بإِزاء الإِنْسِ وعلى هذا تَدْخُلُ فيه الملائكةُ والشياطِينُ، فَكُلُّ ملائكةٍ جِنٌّ وليس كُلُّ جِنٍّ ملائكةً، وعلى هذا قال أبُو صالِحٍ: الملائكةُ كُلُّها جِنٌّ، وقِيلَ بَلِ الجِنُّ بَعْضُ الرُّوحانيينَ، وذلك أنّ الرُّوحانيينَ ثلاثةٌ: أخْيارٌ وهم الملائكة، وأوساط فيهم أخيار، وأشْرارٌ الإنس والجِنُّ، ويَدُلُّ على ذلك قولُه تعالى: {قُلْ أُوْحِيَ إِلَيَّ} [الجنّ: 1] إلى قوله عزَّ وجلَّ: {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ} [الجنّ: 14]. والجِنَّةُ: جَماعَةُ الجِنِّ {مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} [النَّاس: 6]، {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا} [الصَّافات: 158]. والجِنَّةُ: الجُنُونُ {مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ} [سَبَإ: 46] أي جُنُونٍ. والجُنُونُ: حائِلٌ بَيْنَ النَّفْسِ والعَقْلِ. وجُنَّ فُلانٌ: قِيلَ أصابَهُ الجِنُّ، وبُنِيَ فِعْلُهُ على (فُعِلَ) كبِناءِ الأدْواءِ نحوُ زُكِمَ ولُقيَ وحُمَّ، وقيل أُصِيبَ جَنانُهُ، وقِيلَ حِيلَ بَيْنَ نَفْسِهِ وَعقْلِهِ فَجُنَّ عَقْلُهُ بذلك. وقولُهُ تعالى: {مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ} [الدّخان: 14] أي ضامَّهُ مَنْ يُعَلِّمُهُ مِنَ الجِنِّ. وكذلك قولُهُ تعالى: {أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [الصَّافات: 36]، {مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} [القَلَم: 2] ومعناه، لستَ يا محمّدُ بمجنون بنعمة ربك التي هي القرآنُ والنبوّةُ، كما تقول مثلاً: ما أنت بنعمة ربك بجاهل. وقولُهُ تعالى: {وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ} [الحِجر: 27] فَنَوْعٌ مِنَ الجِنِّ. وقولُهُ تعالى: {كَأَنَّهَا جَآنٌّ} [النَّمل: 10] قيل الجانُّ ـ هنا ـ: ضَرْبٌ مِنَ الحَيَّاتِ.
جنى: جَنَيْتُ الثَّمَرَةَ واجْتَنَيْتُها. والجَنِيُّ والجَنَى: المُجْتَنَى مِنَ الثَّمَرِ والعَسَلِ. وأكثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ الجَنِيُّ فيما كان غَضّاً أو جُنِيَ من ساعتِهِ {تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} [مَريَم: 25]، {وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ} [الرَّحمن: 54]. وأجْنَى الشَّجَرُ: أدْرَكَ ثَمَرُهُ، والأرضُ: كَثُرَ جَناها، واسْتُعِيرَ مِنْ ذلك: جَنَى فُلانٌ جِنايَةً، كما اسْتُعِيرَ اجْتَرَمَ ـ من الجُرْمِ ـ والمعنى، أنه فَعَلَ ما يُوجِبُ عليه العقاب.
جهد: الجَهْدُ والجُهْدُ: الطاقَةُ والمَشَقَّةُ، وقيلَ: الجَهْدُ بالفَتْحِ المَشَقَّةُ، والجُهْدُ الواسِعُ، وقيلَ الجُهْدُ للإِنْسانِ {وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ} [التّوبَة: 79]. و {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} [النُّور: 53] أي حَلَفُوا واجْتَهَدُوا في الحلفِ أنْ يَأتُوا به على أبْلَغِ ما في وُسْعِهِمْ. والاجتهادُ: أخْذُ النَّفْسِ بِبَذْلِ الطَّاقَةِ وتَحَمُّلِ المَشَقَّةِ، يُقالُ جَهَدْتُ رَأيِي وأجْهَدْتُهُ: أتْعَبْتُهُ بالفِكْر. والجِهادُ والمجاهَدَةُ: اسْتِفْراغُ الوُسْعِ في مُدافَعَةِ العَدُوِّ دفاعاً عن الدين. والجِهادُ ثَلاثةُ أنواع: مُجاهَدَةُ العَدُوِّ الظَّاهِر، ومُجاهَدَةُ الشَّيْطان، ومُجاهَدَةُ النَّفْسِ. وتَدخُلُ ثَلاثَتُها في قوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحَجّ: 78]، {وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التّوبَة: 41]. {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنفَال: 72]. وقال (ص) : «جاهِدُوا أهْواءكمْ كما تُجاهِدونَ أعْداءكمْ»(52). والمُجاهَدَةُ تكونُ بالْيَدِ واللِّسانِ. قال (ص) : «جاهِدوا الكُفَّارَ بأيْديكُمْ وألْسنَتِكُمْ» [سنن أبي داود] .
جهر: يُقالُ لِظُهورِ الشيءِ بإِفراطِ حاسَّةِ البَصَر أو حاسَّةِ السَّمْعِ. أمّا البَصَرُ فَنَحْوُ رَأيْتُهُ جِهاراً. قال اللَّهُ تعالى: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [البَقَرَة: 55]، {أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} [النِّسَاء: 153] ومنهُ جَهَرَ البِئْرَ واجْتَهَرَها، إذا أظْهَرَ ماءَها. وقيلَ: ما في القَوْمِ أحَدٌ يَجْهَرُ عَيْني. والجَوْهَرُ: فوْعلٌ منه. وسُمِّي بذلك لِظُهورِهِ لِلحاسَّةِ. وأمّا السَّمْعُ فَمِنْهُ قَوْلُهُ تعالى: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ} [الرّعد: 10] وقال عَزَّ وجَلَّ: {وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} [طه: 7]، {إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} [الأنبيَاء: 110]، {وأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ} [المُلك: 13]، {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} [الإسرَاء: 110]، {ولاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} [الحُجرَات: 2]. وقيلَ: كَلامٌ جَوْهَريٌّ. وجَهِيرٌ: يُقالُ لرفِيعِ الصَّوْتِ، ولِمَنْ يَجْهَرُ بِحُسْنِهِ.
جهز: وجهّزت فلاناً: أي هيّأْتَ متاع سفره، {فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ} [يُوسُف: 70]ومنه جَهاز المرأة. الجَهازُ: ما يُعَدُّ مِنْ مَتاعٍ وغيرهِ. وضَرَبَ البَعيرُ بِجَهازِهِ، إذا ألْقَى مَتاعَهُ فَنَفَرَ.
جهل: الجَهْلُ على ثَلاثَة أنواع: الأوّلُ خُلُوُّ النَّفْسِ منَ العِلْمِ. هذا هو الأصلُ، والثاني اعتِقاد الشيءِ بِخِلافِ ما هو عليه. والثالِثُ فِعْلُ الشيءِ بِخِلافِ ما حَقُّهُ أن يُفْعَلَ سَواءٌ اعْتَقَدَ فيه اعْتِقاداً صَحِيحاً أو فاسِداً كَمَنْ يَتْرُكُ الصَّلاةَ مُتَعَمِّداً، وعلى ذلك قولُهُ تعالى: {قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البَقَرَة: 67] فَجُعِلَ فِعْلُ الهُزُوِ جَهْلاً، وقال عَزَّ وجلَّ: {فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ} [الحُجرَات: 6]. والجاهِلُ تارةً يُذْكَرُ على سَبِيلِ الذمِّ وهو الأكثَرُ، وتارَةً لا على سَبِيلِ الذَّمِّ بل على عَدَمِ العِلْمِ، نحوُ: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} [البَقَرَة: 273] أي منْ لا يَعْرِفُ حالَهُمْ.
جهنم: اسْمٌ لِنارِ اللَّهِ المُوقَدَةِ. قِيلَ وأصْلُها فارِسيٌّ مُعَرَّبٌ، وهو جِهِنّامٌ وقيل جهنّمُ عربيّ سميت نارُ الآخرةِ بها لبُعْد قَعْرِها وإنّما لم تُجَرّ لثقل التعريف وثقل التأنيث.
جوب: جَابَ الشَّيءَ يَجُوبُهُ جَوْباً: خَرَقَهُ، وجابَ البلادَ: قَطَعَها سَيْراً، والجَوْبَة: الفَجْوَةُ ما بينَ البُيوتِ أو الحُفْرة. {وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ} [الفَجر: 9] أي خرقوا الصخر وقطَّعوهُ بوادي قُراهم. ويُقالُ: هَلْ عِنْدَكَ جائِبَةُ خَبَرٍ؟ وجـوابُ الكَـلامِ هُـو ما يَقْطَعُ الجَوْبَ فَيَصِلُ مِنْ فَمِ القائِلِ إلى سَمْعِ المُسْتَمِعِ، لكنْ خُصَّ بما يَعُودُ مِنَ الكَلامِ دونَ المُبْتَدَإ مِنَ الخِطابِ {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا} [النَّمل: 56]، والجوابُ يقال في مُقابَلةِ السُّؤالِ. والسُّؤالُ على نَوْعَيْنِ: طَلَبُ المَقالِ وجَوابُهُ المقالُ، وطَلَبُ النَّوالِ وجَوابُهُ النوالُ. فعلَى الأوّلِ {أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ} [الأحقاف: 31]، {وَمَنْ لاَ يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ} [الأحقاف: 32]. وعلى الثانِي قولُهُ: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا} [يُونس: 89] أيْ أُعْطِيتُمَا ما سَألْتُمَا. والاسْتِجابَةُ قيل هي الإِجابَةِ وحَقِيقَتُها هيَ التَّحَرِّي للجوابِ والتهيُّؤُ له، لكِنْ عُبِّـرَ عـنِ الإِجابَةِ لِقِلَّةِ انْفِكاكِها منها. قال تعالى: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفَال: 24] وقال {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غَافر: 60]، {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي} [البَقَرَة: 186]، {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ} [آل عِمرَان: 195]، {وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الشّورى: 26]، {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ} [الشّورى: 38]، وقال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البَقَرَة: 186]، {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي} [البَقَرَة: 186]، {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ} [آل عِمرَان: 172]. وَالْجَوَابِي: جَمْعُ جَابِية، وَهِيَ الحَوْضُ الْكَبِيرُ، يُجْبَى إِلَيْهِ الْمَاءُ. قَال اللَّهُ تَعالَى: {وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ} [سَبَإ: 13] أَي صِحَافٍ كَالْحِيَاضِ، وَالمَقْصُودُ أَنَّ سُلَيْمَانَ (ع) كَانَ يُطْعِمُ جَيْشَهُ فِي تِلْكَ الْجِفَانِ الْكَبِيرَةِ لِكَثْرَةِ عَدَدهِ.
جود: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} [هُود: 44]. قيل هو اسمُ جَبَلٍ بينَ الموصِلِ والجَزيرَةِ، وهو في الأصْلِ مَنْسُوبٌ إلى الجودِ. والجُودُ بَذْلُ المُقْتَنَياتِ مالاً كان أو عِلْماً. ويُقالُ :رَجُلٌ جَوادٌ، أي سَخِيّ، كريم. وفَرَسٌ جَوادٌ: يَجُودُ بِمُدَّخَرِ عَدْوِهِ، والجَمْعُ الجِيادُ {بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ} [ص: 31].
جَوَرَ: الجارُ: مَنْ يَقْرُبُ مَسْكَنُهُ مِنْكَ، وهو مِنَ الأسْماءِ المُتَضايِفةِ فإِنَّ الجارَ لا يكونُ جاراً لِغَيْرِهِ إلاَّ وذلك الغَيْرُ جارٌ له كالأخِ والصَّدِيقِ، ولَمَّا اسْتُعْظِمَ حَقُّ الْجَار عَقْلاً وشَرْعاً عُبِّرَ عن كُلِّ مَنْ يَعْظُمُ حَقُّهُ أو يَسْتَعْظِمُ حَقَّ غَيْرِهِ بالجارِ {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ} [النِّسَاء: 36]. ويُقالُ: اسْتَجَرْتهُ فأجارَنِي، من الجِوار أو المجاورة وهو إعطاءُ الرجلِ ذِمّةً وعهداً، وعلى هذا قولُهُ تعالى: {وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ} [الأنفَال: 48]. وقال عزَّ وجلَّ: {وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ} [المؤمنون: 88] أَيْ يَمْنَعُ مِنَ السُّوءِ مَنْ يَشَاءُ، وَلاَ يَمْتَنِعُ مِنْهُ مَنْ أَرَادَهُ بِسُوءٍ. وَيُقالُ: أَجَرْتَ فُلاناً، إِذَا اسْتَغَاثَ بِكَ فَحَمَيْتَهُ. وقد تُصُوِّرَ مِنَ الجارِ معنَى القُرْبِ، فقيل لِمَنْ يَقْرُبُ مِنْ غَيْرِهِ جارَهُ وجاوَرَهُ وتَجاوَرَ {لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً} [الأحزَاب: 60]، {وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ} [الرّعد: 4]. وباعْتِبارِ القُرْبِ قِيلَ جارَ عنِ الطريقِ. ثم جُعِلَ ذلك أصْلاً في العُدُولِ عن كُلِّ حَقٍّ، فَبُنِيَ منه الجَوْرُ {وَمِنْهَا جَائِرٌ} [النّحل: 9] أي عادِلٌ عنِ المَحَجَّةِ.
جوز: قال تعالى: {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} [البَقَرَة: 249]، وقال عزَّ وجلّ: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ} [الأعرَاف: 138]. يقال: جازَ الطريقَ أو الموضِعَ يجوزُهُ، إذا قطعه وتعدّاه. وجَوْزُ الشيء: وسطُه. والمجازُ: الطريق والمسلك؛ و(تجاوز) الله عن سيئاته: أي عفا عنه.
جَوَسَ: {فَجَاسُوا خِلاَلَ الدِّيَارِ} [الإسرَاء: 5] أي تَوَسَّطُوها وداروا فيها بالعبثِ والفَسَادِ بَيْنَها، ويُقارِبُ ذلك جاسُوا وداسُوا. وقِيلَ: الجَوْسُ: طَلَبُ ذلك الشيءِ باستِقْصاءٍ. والمَجُوسُ: طائِفَةٌ يَعْبُدُونَ النَّارَ أَو الشَّمْسَ.
جوع: الجُوعُ: الألَمُ الذي يَنالُ الحَيوانَ مِنْ خُلُوِّ المَعِدَةِ مِنَ الطَّعامِ. والمَجاعَةُ عِبارَةٌ عن زَمانِ الجَدْبِ. ويقالُ: رَجُلٌ جائعٌ وجَوْعانُ إذا كَثُرَ جُوعُهُ. قال الله تعالى مخاطباً نبيّه آدم (ع) : {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى} [طه: 118].
جوف: الجَوْفُ ما انطبقتْ عليه الكتِفانِ والعَضُدانِ والأضلاعُ، جَمعُهُ أجْوافٌ. والجَوْفُ أيضاً: البَطْنُ؛ وَمِنَ الشيء: داخِلُهُ. قال الله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} [الأحزَاب: 4] أي إنَّ أمرَ الرَّجلِ (الإنسان) لا ينتظمُ ومعه قلبان، فكيف ينتظمُ أمرُ العالَمِ ولَهُ إلهانِ معبودانِ. وهو رَدٌّ على المُنافِقينَ. والمعنى أنَّهُ ليس لأَحَدٍ قلبانِ في صدرِهِ يُؤمِنُ بأَحَدِهما ويَكْفُرُ بالآخَرِ، وإنما هو قلبٌ واحدٌ، فإمّا أَنْ يُؤمِنَ وإمّا أَنْ يَكْفُرَ.
جَوَلَ: جالُوتُ: اسْمُ مَلِكٍ طاغٍ رَماهُ داوُدُ (ع) فَقَتَلَهُ، وهو المذكورُ في قولِهِ تعالى: {وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ} [البَقَرَة: 251].
جو: الجوُّ: الهواءُ أو الفضاءُ، وهو ما بين الأرض والسماء {أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ} [النّحل: 79] أي ما يُمسكهنّ عن السقوطِ من الهواء إلى الأرض إلاَّ الله تعالى. فهو ـ سبحانه ـ يُمْسكُ الهواءَ تحت الطّير حتى لا ينزلَ فيه كإمساكِ الماءِ تحت السابح حتى لا ينزلَ فيه، فجعل إمساكَ الهواءِ تحت الطيور إمساكاً لها على التوسّع، وإنّ سكونها في الجو إنما هو من فعلها.
جيب: جَيْبٌ: جَمْعُها جُيوبٌ {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النُّور: 31]، وَالْخُمُر: مُفْـرَدُهُ خِمَـارٌ وَهُـوَ غِطَاءُ الرَّأْسِ الْمُنْسَدِلُ عَلَى جَبِينِ الْمَرْأَةِ، وَكُنِّيَ عَنِ الصُّدُورِ بالْجُيُوبِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تُغَطِّي شَعْرَهَا وَصَدْرَهَا وَتَرَائِبَهَا وَسَوَالِفَهَا.
جيءَ: جاءَ يَجيء جَيْئَةً ومَجِيئاً: أَتى، والمَجِيءُ كالإِتْيانِ، لكِنِ المجيءُ أعَمُّ لأَنّ الإِتْيانَ مجِيءٌ بِسُهُولَةٍ، والإِتْيانُ يُقالُ باعتِبار القَصْدِ وإنْ لم يكنْ منه الحُصولُ، والمجِيءُ يُقالُ اعتباراً بالحُصُولِ، ويقالُ جاءَ، في الأعْيانِ والمعانِي، ولِمَا يكونُ مَجِيئُهُ بذاتِهِ وبأمْرهِ ولِمَنْ قَصَدَ مَكاناً أو عَمَلاً أو زَماناً {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} [يس: 20]، {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ} [غَافر: 34]، {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ} [هُود: 77]، {فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ} [الأحزَاب: 19]، {إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ} [يُونس: 49]، {بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي} [الزُّمَر: 59]، و {فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا} [الفُرقان: 4] أي قَصَدُوا الكلامَ وتَعَدَّوْه. فاسْتُعْمِلَ فيه المجِيءُ كما اسْتُعمِلَ فيه القَصْدُ. وأصلُ العَمْدِ: القَصْدُ.. {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ} [الأحزَاب: 10]، {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفَجر: 22] فهذا بالأمْر لا بالذَّاتِ، وهو قولُ ابنِ عباسٍ رضي الله عنه. وكذا قولُهُ: {فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ} [يُونس: 76]، ويقالُ جاءَهُ بكذا وأجاءَهُ. قال اللَّهُ تعالى: {فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَخْلَةِ} [مَريَم: 23] قِيلَ ألْجأها واضطرَّها وإنَّما هو مُعَدّى عن جاءَ، وعلى هذا قولُهُمْ: شَرٌّ مّا أجاءَكَ إلى مُخَّةِ عُرْقُوبٍ، وقولُ الشاعِر:
أجاءَتْهُ المخافَةُ والرَّجاءُ
وجاءَ بكذا: اسْتَحْضَرَهُ نحوُ: {لَوْلاَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} [النُّور: 13]، {وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} [النَّمل: 22]. وجاءَ بكذا، يَخْتَلفُ معناهُ بِحَسَبِ اخْتلافِ المَجيءِ به.
جيد: قوله تعالى: {فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} [المَسَد: 5] الجيْدُ: العُنْقُ، والمعنى أَنَّهُ فِي عُنُقِها ـ امرأةِ أبي لَهَبٍ ـ حَبْلٌ مِنْ لِيفٍ في النار.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB