علم اصول الفقه الميسر
الطبعة : الطبعة الاولى  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   416
تاريخ النشر :   1990




الفصْل الخامِس - أقسَام الكتاب والسُّنَّة

أقسَام الكتاب وَالسُّنَّة
يتبيّنُ بعدَ الاستقراءِ أنّ أقسامَ القرآن الكريمِ والسنّةِ محصورةٌ بخمسةٍ هي:
الأوامرُ والنواهي، والعمومُ والخصوصُ، والمطلَقُ والمقيّدُ، والمجملُ والبيانُ والمبينُ، والناسخُ والمنسوخُ. ولا يوجدُ غيرُها مطلقًا.
الأوامِرُ والنواهي:
الأمر: طلبُ الفعلِ على وجهِ الاستعلاءِ.
والنهي: طلبُ التركِ على وجهِ الاستعلاءِ.
والأمرُ والنهْيُ معناهما الطلبُ، فالأمرُ طلبُ القيامِ بالفعلِ، والنّهيُ طَلَبُ ترك الفعلِ، وليس الأمرُ والنّهيُ في كلِّ ما أمرَ بهِ الشارعُ أو نهى عنهُ على وتيرةٍ واحدةٍ. بل تختلفُ الأوامرُ وكذلكَ النواهي باختلافِ القرائنِ والأحوالِ، فقد يكونُ الأمرُ للوجوبِ وقد يكونِ لغيرِهِ. وقد اتفقَ الأصوليونَ على جواز إطلاقها بإزاءِ ستةَ عشرَ اعتبارًا هي:
1 ـــــــ الوجوب: كقولِه تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ} [سورة هود: 11].
2 ـــــــ الندب: كقولِه تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ} [سورة النور: 33].
3 ـــــــ الإرشاد: كقوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا} [سورة البقرة: 282] وهو قريبٌ من الندبِ غير أن الندبَ لمصلحةٍ أُخرويّةٍ، والإرشاد لمصلحةٍ دنيويّةٍ.
4 ـــــــ التأديب: وهو داخلٌ في الإرشاد كقولِه: {كُلْ ممّا يليك}.
5 ـــــــ الإباحة: كقوله تعالى: {فَاصْطَادُوا} [سورة المائدة: 2].
6 ـــــــ الامتنان: كقوله تعالى: {وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ} [سورة المائدة: 88].
7 ـــــــ الإكرام: {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ أَمِنِينَ} [سورة الحجر: 46].
8 ـــــــ التهديد: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [سورة فصلت: 40].
9 ـــــــ والإنذار: {تَمَتَّعُوا} [سورة إبراهيم: 30] وهو بمعنى التهديدِ.
10 ـــــــ السخرية: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [سورة البقرة: 65].
11 ـــــــ التعجيز: {كُونُواْ حِجَارَةً أو حَدِيدًا (50) أو خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} [سورة الإسراء: 50 ـــــــ 51].
12 ـــــــ الإهانة: {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ} [سورة الدخان: 49].
13 ـــــــ التسوية: {فَاصْبِرُوا أو لَا تَصْبِرُوا} [سورة الطور: 16].
14 ـــــــ الدعاء: {اغْفِرْ لِي} [سورة ص: 35].
15 ـــــــ التمني: كقول الشاعر:
ألا أيها الليلُ الطويلُ أَلَا انْجَلِ
16 ـــــــ كمال القدرة: كقولِه تعالى: {كُن فَيَكُونُ} [سورة البقرة: 117].
وصيغة افعلْ، وإن كانتْ ظاهرةً في الطّلَبِ والاقتضاءِ، وموقوفةً بالنسبةِ إلى الوجوبِ والندبِ، فيُمكن أن تكونَ للإِباحةِ وللإذنِ في الفعلِ كما تقدَّم. فإذا وردَتْ بعدَ الحظرِ، احتُمِلَ أن تكونَ مصروفةً إلى الإِباحةِ ورفْعِ الحظر كما في قولِهِ تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [سورة المائدة: 2]، {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا} [سورة الأحزاب: 53]. {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا} [سورة الجمعة: 10]. وقوله، صلى الله عليه وآله وسلم: «كنتُ نهيتُكُمْ عنِ ادّخارِ لحومِ الأضاحي ألا فادّخروا». واحتملَ أن تكونَ مصروفةً إلى الوجوبِ كما لو قيلَ للحائضِ والنفساءِ: «إذا زالَ عنكِ الحيضُ فَصلّي وصُومي».
النهْي:
صيغة لا تفعل، وردت في سبعة وجوه:
1 ـــــــ التحريم: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى} [سورة الإسراء: 32].
2 ـــــــ الكراهة: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} [سورة لقمان: 18].
3 ـــــــ التحقير: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ} [سورة طه: 131].
4 ـــــــ بيان العاقبة: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا} [سورة إبراهيم: 42].
5 ـــــــ الدعاء: لا تَكِلْنا إلى أنفسِنا.
6 ـــــــ اليأس: {لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ....} [سورة التحريم: 7].
7 ـــــــ الإرشاد: {لَا تَسْئَلٌوا عَنْ أَشْيَاءَ...} [سورة المائدة: 101].
فهي حقيقةٌ في طلبِ التركِ واقتضائهِ، ومجازٌ فيما عداه.
العَامّ والخَاصّ:
العام: هو اللّفظُ الدّالُ على معنيين فصاعدًا من غير حصر.
الخاص: هو اللفظ الذي لا يعطي مدلوله أكثر من معنًى واحد بعينه.
وعلى هذا فإنّ اللفظَ الذي لهُ دَلالةٌ ينقسمُ إلى عامّ لا أعمّ منهُ، فإنّهُ يتناولُ الموجودَ والمعدومَ والمجهولَ، وإلى خاصّ لا أخصّ منهُ كأسماءِ الأعلامِ، وإلى ما هو عامّ بالنسبةِ، وخاصّ بالنسبةِ كلفظِ الحيوانِ، فإنّهُ عامّ بالنسبةِ إلى ما تحتهُ من الإنسانِ والفرسِ، وخاصّ بالنسبةِ إلى ما فوقَهُ كلفظِ الجوهرِ والجسمِ.
أمثِلة على العموم والخصُوص:
قولُه تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ} [سورة هود: 45]، وكانَ ذلكَ تمسّكًا منهُ بقولِه تعالى: {إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ} [سورة العنكبوت: 33]وأقرّهُ الباري على ذلكَ، وأجابَهُ بما دلّ على أنّه ليسَ منْ أهْلِهِ. ولولا أنّ إضافة الأهْلِ إلى نوحٍ يُفْهَمُ منهُ العُموم لما صحّ ذلكَ. ومنها أنهُ نزلَ قولُه تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [سورة الأنبياء: 98]، قالَ الزبعري: «لأخْصمَن محمّدًا»، ثمّ جاء إلى النبيّ، صلى الله عليه وآله وسلم، فقالَ لهُ: «وقدْ عُبِدَتِ الملائكة والمسيحُ. أفتراهُم يدخلونَ النّارَ؟» واستدل بعُمومِ «ما» ولم ينكْر عليه النبيّ، صلى الله عليه وآله وسلم، ذلك، وقد نزلَ قولُهُ تعالى غَيرَ منكرٍ لقوله بل مخصّصًا بقولِهِ تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [سورة الأنبياء: 101]، ومنها قولهُ تعالى: {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُــنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} [سورة العنكبوت: 32]، وذلكَ أنّ إبراهيمَ عليهِ السلامُ فهمَ العمومَ من كلمةِ «أهلِ هذهِ القريةِ» حيث ذَكَرَ لوطًا، والملائكةُ أقَرّوهُ على ذلكَ وأجابُوهُ بتخصيصِ لوطٍ وأهْلِه بالاستثناءِ.
ومنها إجماعٌ على إجراءِ قولِه تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} [سورة النور: 6]، {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} [سورة المائدة: 38]، {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا} [سورة الإسراء: 33]، {وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَوا} [سورة البقرة: 387]، {وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [سورة النساء: 29]، {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [سورة المائدة: 95]. وقولِهِ، صلى الله عليه وآله وسلم: «لا وصيّة لوارثٍ، ولا تُنْكَحُ المرأةُ على عَمّتِها ولا خالتِها، ومَنْ ألقى سلاحه فَهُوَ آمن» إلى غيرِ ذلكَ منَ الألفاظِ الدالّةِ على العمومِ.
إنّ أكثرَ العموماتِ وَرَدَتْ على أسبابٍ خاصّةٍ، فآية السرقة نزلَتْ في سرِقَةِ رِدَاءِ صفوانَ، وآيةُ الظهارِ نزلتْ في حقِّ سلمة بن صخرِ، وآيةُ اللّعانِ نزلَتْ في حقِّ هلالِ ابن أُميّةَ، إلى غيرِ ذلكَ.
تخصيصُ العُموم:
العموم: لفظ يستغرق جميع ما يصلح له بلفظ واحد مثل القوم والرجال، والخصوصُ والتخصيصُ بمعنى واحدٍ، والتخصيصُ هو إخراجُ بعضِ ما يتناولهُ اللّفْظُ ويَقَعُ في الخطاب الدّال على الشمولِ أي العموم لذلكَ يُقالُ: تخصيصُ العمومِ كقولهِ تعالى: {فَاقْتُلُوا الْـــمُشْرِكِينَ} [سورة التوبة: 5] وقد أخرجَ أهْلَ الذمّةِ، وقولِهِ تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [سورة المائدة: 38] وأخْرَجَ منْ ذلكَ مَنْ سَرَقَ من دونَ النصابِ، أو سَرَقَ منْ غير حِرْزٍ، وقولِهِ تعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} [سورة النساء: 11] وأخرجَ منهُ الكافر والقاتل. وقد يكونُ التخصيصُ مُتّصِلًا أو منفصلًا.
والمتصِلُ ما لا يسْتَقِلّ بنفسِهِ بَلْ يكونُ متعلّقًا باللّفْظِ الذي ذُكِرَ فيهِ العامّ. والمنفصلُ ما يستقلّ بنفسهِ، أي إنّ الدالَ على التخصيصِ يكونُ أداةً منْ أدواتِ التخصيصِ متّصِلةً بالعامّ الذي يجري تخصيصُهُ كالاستثناءِ مثلًا. وهذا هو التخصيصُ المتصلُ ويكونُ نصًّا آخرَ منفصلًا عنِ النصِّ العام، كتخصيص الجَلْدِ للزّاني غيرِ المـُـحْصِنِ بنصٍّ آخر، وهو رَجْمُ الزّاني المــُـحْصِنِ. والتخصيصُ المتصلُ أربعةُ أنواعٍ هي: الاستثناءُ، الشرطُ، الصفةُ، الغايةُ.
1 ـــــــ الاستثناء: كقوله تعالى: {قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ} [سورة الذاريات: 32]. إلى قولِه: {إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ} [سورة الحجر: 59] منَ الهلاكِ {إِلَّا امْرَأَتَهُ} [الأعراف: 83] استثنى آلَ لوطٍ منْ أهلِ القريةِ، واستثنى المرأةَ منَ الذينَ سينجونَ من الهلاكِ.
2 ـــــــ الشرط: أكْرِمْ بني تميم إذا دخَلُوا السوقَ أو الدارَ.
3 ـــــــ الصفة: ولا تخلو إمّا أنْ تكونَ مذكورةً بعدَ جُمْلَةٍ واحدةٍ كقولِه: أكرمْ بني تميمٍ الطوالَ، فإنّهُ يقتضي اختصاص الإكرام بالطوالِ منهمْ، ولولا ذلكَ لَعَمّ الطوالَ والقصارَ، فكانتِ الصفَةُ مخرجةً لبعضِ مَنْ كانَ داخلًا تحتَ اللفظِ.
وإما أن تكون بعد جمل متعددة فيتوقف حتى تقوم قرينة لرجوعها إلى الجملة الأخيرة فقط أو إلى جميع الجمل مثل أكرم العلماء وجالس الفقهاء الزهاد، وأكرم العربَ والعجم المؤمنين.
4 ـــــــ الغاية: صيغتاها إلى وحتى، ولا بُدّ من أنْ يكونَ حكمُ ما بعدهما مخالِفًا لما قَبْلَهُما، وإلّا كانتِ الغايةُ وسَطًا وخرجَتْ عنْ كونها غايةً ولزمَ من ذلكَ إلغاءُ جملةٍ واحدةٍ، أو جُمَلٍ متعدّدَةٍ، فإن كانَ الأول فإمّا أنْ تكونَ الغايةُ واحدةً أو متعدّدةً، فإن كانتْ واحدةً كقولهِ: {أكرِمْ بني تميم أبدًا إلى أنْ يَدْخُلوا الدَارَ} اقتضى دخولُ الدّارِ اختصاصَ الإكرامٍ بما قبْلَ الدّخولِ، وإخراجَ ما بعدَ الدخولِ عن عمومِ اللّفْظِ، ولولا ذلك لَعَمّ الإِكرامُ حالةَ ما بَعْدَ الدخول. وإن كانتْ متعددةً فلا يخلو إمّا أنْ تكونَ على الجَمْعِ، أو على البدَل. فالأوّلُ كقولِه. أكرِمْ بني تميمٍ أبدًا إلى أنْ يدخُلُوا الدّارَ ويأكلُوا الطعامَ، فمقتضى ذلكَ استمرارُ الإكرامِ إلى تمامِ الغايَتَينِ دونَ ما بَعْدَهُمَا. والثاني كقولِهِ: أكرمْ بني تميمٍ إلى أن يدخُلُوا الدّارَ والسوقَ، فمقتضى ذلكَ استمرارُ الإكرامِ إلى انتهاءِ إحدى الغايتينِ أيّهُما كانتْ دونَ ما بَعْدَها.
ومواردُ التخصيصِ كثيرةٌ في القرآن حتى تعذّرَ على بعضِ العُلماءِ أنْ يتصوّرَ عامًّا باقيًا على عمومِهِ غير قابلٍ للتخصيصِ.
والعامُّ الباقي على عُمُومِهِ موجودٌ في القرآنِ، لكنّهُ قليلٌ بالنسبةِ إلى العامِّ المرادِ بهِ الخصوصُ. ومنْ أمثِلَةِ الباقي على عمومِهِ قَطْعًا السّننُ الإِلهيّةُ التي لا تحتملُ التخصيص في قولِه تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الماءِ كل شيءٍ حيّ} وقوله تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ في الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا} [سورة هود: 6] وقوله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} [سورة الأعراف: 34].
المطْلق والمقيَّد:
المطلق: اللّفْظُ الدّالُ على مدلولٍ شائعٍ في جنْسِهِ. وذلكَ كقولكَ في مَعْرِض الأمْرِ: «أعْتِقْ رقبةً» أو مصدرِ الأمْرِ كقولِهِ تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [سورة النساء: 92] أو الإخبارِ عنِ المستقبلِ كقولِه: {سأعْتِقُ رَقَبَةً} ولا يُتصوّر الإطلاقُ في مَعْرِضِ الخَبَرِ المتعلّقِ بالماضي كقولِه: {رأيْتُ رجُلًا} ضرورةَ تعيّنهِ بإسنادِ الرؤيةِ إليهِ.
وأما المُقَيّدُ: فإنّه يُطْلَقُ باعتبارينِ: الأوّل ما كانَ منَ الألفاظِ الدّالّة على مدلولٍ معيّنٍ: كزيدٍ وعمرو، ونحو ذلك. الثاني: ما كانَ من الألفاظِ الدالّةِ على وصفِ مدلولِهِ المطلقِ بصفةٍ زائدةٍ عليهِ كقولكَ: «دينارٌ عراقي ودرهَمٌ مكيّ» وهذا النوع منَ المــُــقَيّدِ وإن كانَ مُطْلقًا منْ جنسهِ من حيثُ هو دينارٌ عراقي ودرهَمٌ مكيّ، غيرَ أنّهُ مقيّدٌ بالنسبةِ إلى مطلقِ الدينارِ والدرهمِ، فهو مطلقٌ منْ وجه مقيّدٌ من وجهٍ...
أو بعبارةٍ أوضحَ فيكونُ المطلقُ هو ما دلَّ على لفظٍ شائع في جنسِهِ، والمقيدُ ما دلَّ على مدلولٍ معينٍ، فتحريرُ رقبةٍ مطلقٌ، وتحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ مقيّدٌ، وصيامُ ثلاثةِ أيامٍ مطلقٌ، وصيامُ شهرينِ متتابعينِ مقيّدٌ.
وإذا وَرَدَ مُطلَقٌ ومُقَيّدٌ، فلا يخلو إمّا أن يختلِفَ حكمُهُما، أو لا يختلف، فإن اختلفَ حكمُهُما فلا خلافَ في امتناعِ حَمْلِ أحدِهما على الآخرِ، سواءٌ كان مأمورًا بهما أو منهيًّا عنهما، أو كانَ أحدُهما مأمورًا بهِ والآخر منهيًّا عنهُ، وسواءٌ اتحدَ سَبَبُهما أو اختلفَ، لعدم المنافاةِ في الجمْعِ بَيْنَهُما إلّا في صورةٍ واحدةٍ وهيَ ما إذا قالَ مثلًا في كفّارَةِ الظّهارِ: «أعْتِقْ رقبة»، ثم قال: «لا تعتقُوا رَقَبَةً كافرةً» فإنّهُ لا خلافَ في مثلِ هذهِ الصورَةِ أنّ المــُــقَيّدَ يُوجبُ تقييدَ الرّقَبَةِ المطلَقَةِ بالرّقَبَةِ المسلِمَةِ. وأمّا إذا لمْ يختَلِفْ حكمُهُما فلا يخلو، فإمّا أنْ يتّحِدَ سببهُما أو لا، فإن اتحدَ سبَبُهُما فإمّا أن يكونَ اللفظُ دالًا على إثباتهما أو نَفْيهما، فإن كان الأوّلُ، كما لو قالَ في الظهار:«أعتقوا رقبةً» ثم قال اعتقوا رَقَبَةً مسلمةً فلا خلافَ في حملِ المطلقِ على المقيّدِ ههنا وإنما كانَ العملُ بهما. لأنّ مَنْ عملَ بالمقيدِ فقد وفى بالعملِ بدلالةِ المطلقِ، ومن عملَ بالمطلقِ لم يفِ بالعملِ بدلالةِ المقيد فكانَ الجمع هو الواجب والأولى.
المجمَل والبَيان والمبين:
المجْمَلُ في اللّغَةِ مأخوذٌ منَ الجمْعِ ومنهُ يقالُ: أجْمَلَ الحساب إذا جَمَعَهُ ورفع تفاصيلَهُ وقيلَ هو «المحصل» وفيه يُقالُ «جَمَلْتُ الشيءَ إذا حصّلْتُهُ».
وأما في اصطلاح الأصوليين، فالمجمل ما لمْ تتضحْ دلالَتُهُ. أو بعبارةٍ أوضحَ: ما لَهُ دَلالةٌ على أحَدِ أمرينِ لا مَزِيَّةَ لأحدِهما على الآخرِ بالنسبة إليه.
وفي إجمال النصِّ ضَرْبٌ منَ الغموضِ ينشأُ منْ أحَدِ الأسبابِ التاليةِ: غرابة لفظهِ «كالهلوع» فقد فسَّرَهُ السياقُ القرآني في قولِه تعالى: {إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} [سورة المعارج: 19 ـــــــ 20].
أو وقوع الاشتراكِ فيهِ كلفظِ «عَسْعَسَ» في قوله تعالى: {وَالَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} [سورة التكوير: 17]، فإنهُ صالحٌ لإرادةِ الإقبالِ والإِدبارِ، في أنّهُ يُسْتَعمَلُ في معنَيَينِ مُتضادّينِ.
أو اختلاف مرجعِ الضميرِ: نحو: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [سورة فاطر: 10] فيُحْتَمَلُ عَودُ ضميرِ الفاعلِ في «يرفعهُ»، إلى ما عادَ عليهِ الضميرُ في «إليهِ»، «وهو الله»، ويحتَمَلُ عودُهُ إلى العملِ. والمعنى أنّ العَمَلَ الصالحَ يرفعُهُ الكَلِمُ الطيّبُ. ويحتَمَلُ عودُهُ إلى الكلمِ، أي إنّ الكلمَ الطيّبَ ـــــــ وهوَ التوحيدُ ـــــــ يرفعُ العملَ الصالحَ، لأن العمل لا يصلح إلّا معَ الإيمانِ.
أو التقديمُ والتأخيرُ، نحو: {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى} [سورة طه: 129] أي ولولا كلمةٌ وأجَلٌ مُسمّى لكان لزامًا، على أنّ هذا الغموضَ العارضَ الناشئَ عن تردّدِ المجْمَلِ بين أمرين، لا يلبثُ أنْ يزولَ، فإذا وردَ عليهِ بيانُه سُمّيَ مُفَصّلًا أو مُفسرًّا أو مُبيّنًا.
وتبيينُ المجملِ أن يردَ مُتصلًا، نحو: «من الفجر» فإنّهُ فَسّرَ مُجْمَلَ قولِه تعالى: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ} [سورة البقرة: 187] إذْ لولا «الفَجْرِ» لبقيَ الكلامُ الأوّلُ على تردّدِهِ واحتمالهِ. أو منفصلًا في آيةٍ أُخرى، نحو {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [سورة القيامة: 22 ـــــــ 23] فإنّه دخلَ على جوازِ الرّؤيةِ ويُفَسّرُ بهِ قولهُ تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} [سورة الأنعام: 103]، إذا كانَ مترَدّدًا بينَ نفْيِ الرّؤيةِ أصلًا ونفيِ الإِحاطةِ والحصْرِ من دونِ أصلِ الرّؤيَةِ.
وقدْ يقَعُ تبيينُ المجمَلِ بالسنّةِ النبويّةِ لأنّ القرآنَ والحديثَ أبدًا متعاضدان في استيفاءِ الحقِّ وإخراجِهِ من مدارِكِ الحكمةِ، حتى إنّ كلًّا منهُما يُخَصِّصُ عمومَ الآخرِ ويبيّنُ إجمالَهُ.
وأكثر ما يكونُ في الألفاظِ الشرعيّةِ المنقولةِ عن معانيها اللغويّةِ كالصلاة والزكاةِ والحجِّ.
ومن ذلكَ تفسيرُهُ، صلى الله عليه وآله وسلم: «قرّة أعين»في قولِهِ: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [سورة السجدة: 17] فقد قالَ فيها ما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعتْ ولا خَطَرَ على قلبِ بشرٍ.
والحاصلُ أنّ كُلّ ما اتضحتْ دلالتُهُ بإحدى دَلالاتِ اللّغَةِ وضْعًا أو عُرْفًا أو شرْعًا، لا يُعدّ منَ المجمَلِ، فيحمَل على المجازِ أو يُفْهَمُ من قرينةٍ، أو يُؤخَذُ من دَلالةِ اللّفْظِ، أو منْ دلالاتِ المعنى، أو غيرِ ذلكَ. وما دامَ ذلكَ ممْكِنًا في أيِّ لفظٍ فإنّهُ ينفي عنهُ الإجمالَ. ويحصُر مدلولَ المجملِ باللّفْظِ الذي لهُ دلالةٌ لكنّ دلالتَهُ غيرُ واضحةٍ، مثل: «آتوا الزكاة» فإنّهُ مجملٌ يحتاجُ إلى بيانٍ.
وعلى هذا يكونُ البيانُ إخراجَ الشيءَ من حيّزِ الغموضِ إلى حيّزِ الوضوحِ. وأمّا المـــُــبيّن فقد يُطلَقُ ويُرادُ به ما كانَ من الخطابِ المستغني بنفسهِ عن بيانٍ، وقد يرادُ بهِ ما كانَ محتاجًا إلى البيانِ، وقد وردَ عليهِ بيانُهُ، وذلكَ كاللّفْظِ المجملِ إذا بُيّنَ المرادُ منهُ، والعامّ بعدَ التخصيصِ والمطلَق بعدَ التقييدِ، والفعل إذا اقترنَ بهِ بما يدلّ على الوجْهِ الذي قُصِدَ منهُ إلى غيرِ ذلكَ.
النسخ والناسِخ والمنسُوخ:
النسخ: في اللغةِ بمعنى الإزالةِ، يُقالُ: نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظّلَ: أزالتْهُ، ونسختِ الريحُ أثَرَ الشيءِ أزالتْهُ، ونسخَ الشيبُ الشباب: إذا أزالهُ. ومنهُ تَناسُخُ القُرونِ والأزمِنَةِ.
وقد يُطْلَقُ بمعنى نقلِ الشيءِ وتحويلهِ من حالَةٍ إلى حالَةٍ مَعَ بقائِه في نفسِه، مثل: تناسخِ المواريثِ بانتقالها من قومٍ إلى قومٍ، وتناسخَ الأنفُسِ بانتقالها من بدنٍ إلى غيرِهِ عندَ القائلينَ بذلكَ، ومنهُ نَسْخُ الكتابِ بما فيهِ منْ مشابهَةِ النقلِ، وإليه الإشارَةُ بقولهِ تعالى: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [سورة الجاثية: 29]، أي نَنْقُل إلى الصحفِ ما كنتم تعملون.
والنّسخُ: هو إبطال الحُكْمِ المستفادِ من نصٍّ سابقٍ بنصّ لاحقٍ. قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: «كنتُ نهيتُكمْ عنْ زيارةِ القبورِ. ألا فزوروها»، ولا بُدّ من أنْ يكونَ الحكمُ المنسوخُ شرْعيًّا، وأن يكونَ الدليلُ الدالّ على ارتفاعِ الحكمٍ شرعيًّا، متراخيًا عنِ الخطابِ المنسوخِ حكمُهُ، وأن لا يكونَ الخطابُ المرفوعُ حكمُهُ مقيّدًا بوقتٍ معيّنٍ. فإذا استكمَلَ الحكمُ هذه الشروطَ جاز أنْ يَقَعَ فيهِ النسخ.
والناسخ: يُطْلَقُ على الله تعالى، فيُقالُ نسخَ، فهو ناسِخٌ، ومنهُ قولُهُ تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ} [سورة البقرة: 106]، وقولهُ تعالى: {فَيَنسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ} [سورة الحج: 52] وقدْ يُطْلَقُ على الآيةِ أنها ناسِخَةٌ.
المنسوخ: هو الحكمُ المرتفعُ، كالمرتَفِعِ من وجوبِ تقديمِ الصّدَقَةِ بين يدي مناجاة النبيّ، صلى الله عليه وآله وسلم، وحُكْمِ الوصيّةِ للوالدينِ والأقربينَ، وحكمِ التربّصِ حَوْلًا كاملًا للمتوفّى عَنها زوجُها إلى غيرِ ذلكَ. ومن ذلكَ أنّ الله تعالى أوجَبَ في ابتداءِ الإسلام الحبسَ في البيوتِ، والتعنيفَ حدًّا للزنى، وقالَ تعالى: {وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أو يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (15) وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} [سورة النساء: 15 ـــــــ 16]. فنسخَ ذلكَ بالجَلْدِ والتّغريبِ عنِ الوطنِ في حقِّ البكرِ. وبالرّجمِ بالحجارةِ في حقِّ الثّيبِ، قال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [سورة النور: 2]، وقالَ رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم: «خُذُوا عني خذوا عني قد جعلَ الله لهنّ سبيلًا البكرُ بالبكرِ جَلْدُ مئة ونفيُ سَنَةٍ».
والقرآنُ ينسخ القرآن، والسنّة تنسخُ السّنّةَ، لكنَّها لا تنسخُ القرآنَ، مِثْلَ نسخِ القرآنِ للسنّةِ. كانَ المسلمونَ يتوجّهونَ عندَ صلاتهمْ إلى بيت المقدسِ، فنزلتِ الآيةُ: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المــَـسْجِدِ الْحَرَامِ} [سورة البقرة: 114].
والدليلِ على أنّ الآيةَ لا تُنْسَخُ إلّا بآيةٍ قولُه تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ} [سورة النحل: 101] أخبَرَ أنّهُ يُبَدّلُ آيةً بآيةٍ لا بالسنّةِ، وقولُهُ تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أو نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أو مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [سورة البقرة: 106]. وقولهُ تعالى: {قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أو بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} [سورة يونس: 15]، وهو دليلٌ على أن القرآنَ لا يُنْسَخُ إلّا بالقرآنِ.
الفرق بين الناسِخ والمنسُوخ والبداء:
الناسخ والمنسوخ أن تكون آيةٌ قد نسختْ حكمَ آيةٍ:
البداءُ: الظهورُ كما في قولهِ تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا} [سورة الجاثية: 33] وهو نَشْأةُ رأيٍ جديدٍ لمْ يَكُنْ موجودًا.
إن البداءَ يصدرُ عنِ الذي يَرى الرّأيَ، ثمّ يبدو لهُ رأي آخر كقولِه تعالى: {ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ} [سورة يوسف: 35].
وقدْ فرّ اليهودُ قبلًا منَ القوْلِ بالنّسْخِ لئلا يقودهمْ إلى القولِ بالبداءِ، فقد حَسِبُوا أنّ نَسْخَ الشيءِ بَعْدَ نزولهِ والعَمَلَ بِهِ يُرادِفُ. تغييرّ الله للأحكامِ بما يبدو لهُ بعْدَ أنْ لمْ يكُ باديًا، ولا يجوزُ نِسْبَةُ شيءٍ من هذا إلى الله.
مع أنّ الناسخَ والمنسوخَ كانَ كلّهُ معلومًا لله منْ قبلُ، ولم يَخْفَ شيءٌ عليهِ سبحانه وتعالى.
والجديدُ في النّسْخِ إنما هو إظهارُهُ تعالى ما علِمَ لعبادهِ لا ظهورُ ذلكَ لهُ.
وقدْ صرّحَ المحقّقُونَ منَ العلماءِ بأنّ كثيرًا ممّا ظَنّهُ المفسّرُونَ نَسْخًا لمْ يكنْ كذلكَ، بل هو نسيءٌ وتأخيرٌ، أو مجمَلٌ أُخّرَ بيانُه لوقتِ الحاجةِ، أو خطابٌ حالَ بينهُ وبينَ أوّلهِ خطابُ غيرِهِ، أو مخصوصٌ منْ عمومٍ، أو حكمٌ عامّ لخاصٍّ، أو لمداخلةِ معنى بمعنى. وأنواعُ الخطاب كثيرةٌ فظنوا ذلكَ نَسْخًا وما هو بنسْخٍ.
والحقّ أنّ الأصلَ في آياتِ القرآنِ كلّها الإحكامُ لا النسخُ، إلّا أنْ يقومَ دليلٌ صريحٌ على النسخِ فلا يبقى مَفَرّ منَ الأخْذِ بهِ.
الفرق بين الناسِخ والمنسُوخ والتخصِيص:
تعريف النّسْخ: «هو رفْعُ الحكمِ الشرعيّ بدليلٍ شرعيّ».
تعريفُ التخصيصِ هو: «قَصْرُ العامّ على بعضِ أفرادِهِ».
وليسَ في هذا القصْرِ رفْعٌ حقيقيّ للحُكْمِ عنْ بعْضِ الأفرادِ، لأن تناولَهُ بعضَ الأفرادِ فقط إنما يكونُ سبيلهُ المجازَ، فلفظُ العامِّ موضوعٌ أصْلًا لكل الأفرادِ، ولمْ يُقْصَرْ على بعضها إلّا بقرينةِ التّخصيصِ.
أمّا النّسْخُ فَيَظَلّ النّصّ المنسوخُ فيهِ مُسْتَعْمَلًا فيما وُضِعَ لهُ. ويظلّ متناولًا جميعَ الأزمانِ إلّا حكمَهُ الشّاملَ يَسْتَمِرّ إلى وقْتٍ معينٍ، ثمّ لا يُبْطِلُهُ إلّا الناسخُ لحكمةٍ يعلمُها الله.
وتُراعى في التخصيصِ قرينةٌ سابقةٌ أو لاحقةٌ أو مقارنة.
أمّا النسْخُ فلا يَقَعُ إلا بدليلٍ متراخٍ عنِ المنسوخِ.
ويكونُ التخصيصُ في الأخبارِ وغيرِها.
أمّا النسخُ فلا يقعُ إلّا بالأمْرِ والنّهي.
ومنْ أدلّةِ التخصيصِ المعقول إلى جانبِ الكتابِ والسنّةِ كقولهِ تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} [سورة المائدة: 38] خَصّصهُ قوله، صلى الله عليه وآله وسلم: «لا قطع إلا في ربعِ دينارٍ».
أمّا النسخُ فالدليلُ فيهِ شرعيّ مقتصرٌ على الكتابِ والسنّةِ، فلا يرفعُ باسمِ النسخ حكمٌ شرعيّ بدليلٍ عقليّ.
وعلى هذا يكونُ الفرقُ بينَ التخصيصِ والنسخِ، أنّ ما بقيَ من أفرادِ العامِّ بعدَ تخصيصهِ يظل معمولًا به، فلا يبطلُ الاحتجاجُ في العام بعدَ التخصيصِ.
أمّا ما رُفِعَ حكمُهُ منْ أفرادِ النصِّ المنسوخِ فيبْطلُ كلّ لونٍ منْ ألوانِ الاحتجاجِ بهِ أو العَمَلِ.
معرفة الناسخ من المنسوخ:
الدليلُ الناسخ لا بد من أن تقومَ حجة شرعيةُ على أنه ناسخ وإلا فلا يُعدّ ناسخًا، وليس مجرد التعارض بين الدليلين يعني أن أحدهما ناسخ للآخر إذ قد يمكن الجمع بينهما فلا يكون هناك أي تعارض. والنسخ هو إبطال الحكم وتعطيل النص والجمع بين الدليلَين أولى من النسخ والتعطيل فإن الإهمال والنسخ خلاف الأصل. وما كان خلاف الأصل لا بد من بيّنةٍ عليه فإنْ لم تقم حجة عليه فلا عبرة له. وعلى ذلك فإنّ إبطال الحكم السابق يتوقف على وجود حجة دالة على أنه منسوخ، وهذه الحجة إما أن ينصَّ اللاحق على أنه ناسخ للسابق لفظًا أو دلالة، وإما أن يكون بين النصَّين تعارض لا يمكن التوفيق بينهما فيه.
أما نص اللاحق على أنه ناسخ للسابق فقد وردت أحكام في ذلك، منها قول الرسول، صلى الله عليه وآله وسلم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها» فهذا قد بيَّن النص أنه نسخ ما كان من تحريم زيارة القبور. ومنها ما روي عن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب أنَّ النبي، صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه فإن عاد في الثالثة أو الرابعة فاقتلوه» فهذا يدل على أن شارب الخمر إذا شرب الثالثة أو الرابعة يقتل، «فأُتِيَ برجل قد شرب فجلده ثم أُتِيَ به فجلده ثم أُتِيَ به فجلده ثم أُتِيَ به فجلده ورفع القتل وكانت رخصة» قال الشافعي والقتل منسوخ بهذا الحديث وغيره. وأُخرجَ الخطيبُ في المبهمات عن ابن إسحق عن الزهدي عن قبيصة أنه قال في حديثه السابق: «فأُتِيَ برجُل يقال له نعيمان فضربه أربع مرات فرأى المسلمون أن القتل قد أُخِّر» أي نسخ. فهذا الحديث قد ورد فيه نص على أن قتل شارب الخمر في الثالثة أو الرابعة قد نسخ. فإنَّ قوله: «ورفع القتل» من نص الحديث وليس من كلام الصحابي فهو كما جاء في رواية أخرى عن جابر عن النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، قال: «إنْ شربَ الخمر فاجلدوه فإن عاد الرابعة فاقتلوه. ثم أُتِيَ النبيّ، صلى الله عليه وآله وسلم، بعد ذلك برجُل قد شرب في الرابعة ولم يقتله» فكلمة «ولم يقتله» من الحديث وكذلك كلمة «ورفع القتل» تنص على نسخ القتل في الرابعة إذ معنى رفع: نسخ. ومن الأحكام التي نص اللاحق على أنه ناسخ للسابق دلالة قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [سورة المجادلة: 12] فإن هذه الآية تدل على تحتيم الصدقة بين يدي الرسول إنْ وجدت، لكن ذلك قد نُسِخَ بقوله تعالى: {أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [سورة المجادلة: 13] فهذه الآية قد ورد فيها ما يدل على أن تحتيم تقديم الصدقات بين يدي النجوى إن وجدت قد رفع من غير تصريح بالرفع. وينبغي أن يعلم أن النص على النسخ لا بد من أن يكون في نفس النص أو يفهم من النص، وأن يكون هذا نصًّا من الكتاب أو السنّة إما صراحة أو دلالة، وما عدا هذا لا يُعدّ حجة على النسخ.
وأما إذا تعارض النصان من كل وجه ولم يكن في الإمكان التوفيق بينهما فإنه ينظر فيهما فإن كان أحدهما معلومًا والآخر مظنونًا، أي أحدهما قطعي الثبوت قطعي الدلالة أو العكس، فالعمل بالمعلوم واجب أي العمل بالقطعي واجب سواء تقدم أو تأخر أو جهل الحال في ذلك، لكنه إن كان متأخرًا عن المظنون كان ناسخًا وإلا كان مع وجوب العمل به غير ناسخ. وإن كانا معلومين ومظنونَين وعلم أن أحدهما متأخر عن الآخر فهو ناسخ والمتقدم منسوخ، وذلك بالتاريخ أو بإسناد الراوي أحدهما إلى شيء متقدم كقوله هذا في السنة الفلانية وهذا في السنة الفلانية، أو بغير ذلك مما يدل على التقدم والتأخر وإن جهل التاريخ ولم يعلم أيهما أسبق من الآخر فإنه لا نسخ لأن أحدهما ليس بأولى من الآخر بالنسخ وكل من ادعى أنَّ حكمًا ما منسوخ ولم يعلم التاريخ يُرَدُّ إلى عدم معرفة التاريخ والواجب في هذه الحال إما الوقف عن العمل بأحدهما، أو التخيير بينهما إن أمكن.
وإن علم اقتران النصين المتعارضين مع تعذُّرِ الجمع بينهما فإن هذا غير مُتَصوَّر الوقوع ولا يقع مطلقًا، ومن هذا يتبيَّن أن النصَّين المتعارضَين من كل وجه مع تعذر التوفيق بينهما لا يتَصوَّر وقوع النسخ في ذلك إلا في حالتين اثنتين: إحداهما ما إذا كانا معلومَين أو مظنونَين وعلم أن أحدهما متأخر عن الآخر، فالمتأخر ناسخ والمتقدم منسوخ، والثانية: إذا كان أحدهما معلومًا والآخر مظنونًا وكان المعلوم متأخرًا عن المظنون وما عدا هاتَين الحالتَين لا يوجد نسخ مطلقًا. هذا إن كان النصَّان المتعارضان متنافيَين من كل وجه ويتعذر التوفيق بينهما. وأما إن كان النصَّان المتعارضان متنافيَين من كل وجه ولكن يمكن التوفيق بينهما، أو كانا متنافيَين من وجه دون وجه، فإنه لا نسخ مطلقًا إذ يوفق بينهما ويصرف أحدهما للوجه الذي لا يتعارض فيه مع الآخر، فمثلًا عن وائل بن حجر: «إن طارقًا بن سويد الجعفي سأل النبيَّ، صلى الله عليه وآله وسلم، عن الخمر فنهاه عنها فقال: «إنما أصْنَعُها للدواء قال: إنه ليس بدواء ولكنه داء» وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا، ولا تتداووا بحرام».
فهذان الحديثان يدلان على تحريم التداوي بالمحرمات، وعن أنس: (أن النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير في لبس الحرير لحكة كانت بهما).
وهذا الحديث يدل على إباحة التداوي بالمحرمات، فهذا التعارض يوفق فيه ما بين النصوص فيحمل النهي في الحديثين الأولين على الكراهة، وفي الأخير على الإباحة.
وهكذا سائر النصوص المتعارضة من كل وجه يوفق بينهما فيحمل أحدهما على معنى ويحمل الآخر على معنى آخر ويرفع التعارض.
أما النصوص التي يكون التعارض فيها من وجه دون وجه فإنه ظاهر فيها صرف كلٍّ إلى الوجه الذي يعينه، مثال ذلك قوله، صلى الله عليه وآله وسلم: «من بدل دينه فاقتلوه» فإنه خاص في المبدل وعام في النساء والرجال، وقوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «نهيت عن قتل النساء» فهو عام في كل النساء وخاص في المرأة الكافرة إذا لم تباشر القتال، وليس عامًّا في كل الحوادث لقوله في بعض طرق حديث النهي عن قتل النساء لما رأى امرأة مقتولة «ما كانت هذه لتقاتل ثم نهى عن قتل النساء». لذلك يقتل المرتد سواء أكان رجلًا أم امرأة ويدل على ذلك ما وقع من حديث معاذ أن النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، لما أرسله إلى اليمن قال له: «أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه فإن عاد وإلا فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها فإن عادت وإلَّا فاضرب عنقها»، وبهذا لا يكون هناك تعارض بين الحديثين.
فحديث قتل المرتد خاص بحالة الارتداد عام في كل شيء فيقتل الرجال والنساء، وحديث النهي عن قتل النساء خاص في حالة الحرب فلا تقتل المرأة في تلك الحالة.
ومثال ذلك أيضًا قوله، صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين» فهو عام في جميع الأوقات والأحوال والمساجد، وروى عقبة ابن عامر قال: «ثلاث ساعات كان رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر موتانا، حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة وحين تضيف الشمس للغروب» فهو خاص بأوقات معينة.
وروى ابن عباس: «أن رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق وبعد العصر حتى تغرب» فهو خاص بحالات معينة، وإذا تعارض الخاص مع العام حمل العام على الخاص فيحمل حديث تحية المسجد على غير الأوقات المكروهة فلا يكون هناك تعارض بين النصين، وهكذا سائر النصوص المتعارضة من وجه دون وجه فإنها تحمل على الوجه الذي جاءت بشأنه وبرفع التنافي بين النصوص.
ومن هذا يتبين أن مجرد ظهور التعارض بين النصوص لا يعني أن أحدهما ناسخ للآخر بل يمكن التوفيق بين النصوص التي يظهر أنها متعارضة. ومن تدقيق النصوص الشرعية واستقراء ما يظهر أنها متعارضة يتبين أن التناقض بين النصوص غير موجود، فالادعاء بأنه يكون بين النصين تناقض ادعاء لم يقم عليه دليل، وما أورده بعض العلماء من نصوص توهم وجود التناقض بينها فإن نفس هذه النصوص صريح في عدم وجود التناقض وبالجمع بينها، وليس فيه أي دلالة على النسخ، فمثال الآيات التي زعم أنها منسوخة قوله تعالى: {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} [سورة الأنفال: 61] قيل إنها نسخت بآية السيف وهي قوله تعالى: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [سورة التوبة: 29] فالآية الأولى والآية الثانية ظاهر نصهما أنه لا تناقض فيه بينهما، فالأولى تعني حالة الصلح إذا كانت مصلحة الدعوة تقتضي ذلك كما حصل في صلح الحديبية، والثانية تقتضي الجهاد إذا كانت الدعوةُ تقتضي ذلك، والجهادُ والصلح حالتان باقيتان، وأحكامُ كُلٍّ منهما باقية لم ينسخ شيء منها. وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ} [سورة الأنفال: 72] قيل: إنها نسخت بقوله تعالى: {وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [سورة الأحزاب: 6] فالآية الأولى دالة على الولاية وهي النصرةُ والآية الثانية دالةٌ على الأولوية في الميراث، فظاهر نصهما أن لا تناقض بينهما لأنَّ الأولى تقتضي النصرة والثانية تقتضي الأولوية في الميراث، والولاية وهي النصرة غير الأولوية في الميراث. وقوله تعالى: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ} [سورة الأنفال: 38] قيل إنها نسخت بقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} [سورة الأنفال: 39] وظاهر نص الآيتين أن لا تناقض بينهما إذ الأولى خاصة بتوبة الكافر بالله يغفر له ما سلف من ذنوبه ولا دخل لها بالقتال، والثانية خاصة بقتال الكافرين حتى لا تكون فتنة للمسلمين عن دينهم، والقتال حتى لا تكون فتنة غير غفران الذنوب، وهكذا جميع النصوص التي أوردوها وزعموا أن بينها تناقضًا فإنه عند التدقيق يتبين أن لا تناقض بينها وعليه فإنَّ الادعاءَ أن يكون بين النصَّين تناقض ادِّعاء لا دليل عليه. ومن طبيعة النصوص التشريعية أن يبدو منها للرائي شيء من التناقض، ذلك أن الأحوال والأحداث والأمور غالبًا ما تكون مختلفة. وعليه لا يصح فيها التجريد ولا التعميم بل يجب أن تؤخذ كل حالة وكل حادثة وكل أمرٍ على حِدَةٍ ويُعطى النص له وحده ولا يقاس شيء على الآخر لمجرد الاشتباه لأن النصَّ قد يأتي لمعالجة الحالة أو الحادثة أو الأمر ثم يأتي نص آخر لحالة أو حادثة أو أمر غير الأول ولكن يوجد اشتباه بينهما فيحصل حينئذٍ عند الرأي التعارض بين النصين مع أنهما جاءا لأمرين مختلفين فيظن وجود التعارض ولا سيما أن التعميم والتجريد في طبيعة الإنسان، فيقع من هذا التعميم والتجريد في الخطأ وفي ظن أن أحد النَّصين يتعارض مع الآخر لكن العليمين بأصول التشريع والخبيرين بالوقائع يدركون النصوصَ على حقيقتها، ويحملون كُلَّ نصٍ على معناه فيتبين حينئذٍ أن لا تعارض.
ولهذا فإنه لا يصح أن يزعم أنَّ هذا الحكمَ منسوخٌ وأن هذا النص ناسخٌ بمجرد ظهور التعارض بين نصين فإنه في الحقيقة لا تعارض بينهما، ولا تقبل دعوى النسخ إلا إذا وجدت حجة شرعية على أن هذا النص ناسخ لذاك. وما لم توجد حجة شرعية فلا نسخ.
المنطوق والمفهوم:
بعد الاطلاع على اللغة العربية، ومعرفة أقسامها ببيان ألفاظها، صار يتأتى الاستدلال بالكتاب والسنَّة. فالاستدلال بهما إنما هو استدلال بألفاظهما، ومتى بيِّنت ألفاظ اللغة العربية فقد توافر ما يستوجبه الاستدلال بها، غير أن الاستدلال بالألفاظ يتوقف على معرفة كيفية الاستدلال من ناحية كونه بطريق المنطوق أو المفهوم، أي من كونه بطريق دلالة اللفظ على مدلوله، أو بطريق دلالة المدلول على مدلول آخر، يعني من ناحية المعنى الذي دل عليه اللفظ، أو من ناحية المعنى الذي دل عليه معنى اللفظ لا اللفظ نفسه. ومن هنا كان لا بد من بحث المنطوق والمفهوم اللذَين قبل بحثهما لا بد من بحث أمرَين:
أحدهما أن القرآن ليس فيه لفظ مهمَل كذلك السنَّة.
والثاني أن الله تعالى لا يعني في كلامه خلافَ الظاهر من غير بيان.
أما بالنسبة إلى الأمر الأول، فإن الله تعالى لا يخاطبنا بالمهمل أي بما لا دلالة له على المعنى، ذاك أن المهمل هذيان، والهذيان نقص وهو عليه تعالى محال. والمهمل هو: أن يجمع ألفاظًا مهملة ويتكلم بها، أو بأن لا يدل مجموع كلامه من حيث هو على معنى، وإن دل كل جزء منه على معنى مستقل، وكلتا الصورتين من المهمل لا تليق بالله تعالى. ومن هنا كان من المحال أن يكون في القرآن مهمل. وكذلك لا يكون في السنَّة مهمل لأن السنَّة وحيٌ من الله تعالى بالنسبة إلى معناها، قد عبر عنه الرسول، صلى الله عليه وآله وسلم، بألفاظ من عنده، فمحال أن يكون فيها مهمل. وأما أوائل السور فإن لها معاني اختلف المفسرون فيها على أقوال كثيرة، والحق فيها أنها أسماء للسور، وقد اكتشف أخيرًا أن الأحرف الموجودة في أوائل السور تشير إلى الرَّقم تسعة عشر وأن جميع الأحرف الموجودة داخل السورة مقسوم على ذلك الرقم، مثل سورة ق والقرآن المجيد فقد تبيّن أنه يوجد في السورة سبعة وخمسون قافًا أي ثلاثة أضعاف الرقم 19، وهذا يشير إلى قدرة الله تعالى الخارقة بحيث أنزل القرآن الكريم على هذا الرقم الذي يطلقون عليه الرقم الذهبي لأنه مؤلف من أول الأرقام وآخرها، أي من الرقم واحد ومن الرقم تسعة، وفي الوقت نفسه لا يقسم هذا الرقم إلا على نفسه، كما اكتشفوا أن القمر يُكْمِلُ دورانه عائدًا إلى نقطة انطلاقه في فترةٍ زمنيةٍ محدَّدةٍ بتسْعَ عشرة سَنَة شمسيةٍ (أي إنَّ مئات الدورات التي أكملها القمرُ منذُ بَدْءِ الخليقةِ حتى اليوم استغرق كلٌّ منها 19 سنة. والذي يجزمُ ويؤكد صحة ذلك، الآية الكريمة في سورة المدثِّر التي تبتدئ بقوله تعالى: {عَليْهَا تِسْعَة عشَرَ} وتنتهي بقوله تعالى: {وَمَا هِيَ إلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ} يأتي مباشرة قوله تعالى بالآية التي يُقْسِمُ اللهُ سبحانه وتعالى فيها بالقمر فيقول: {كَلَّا والْقَمَرِ}. فسبحان الذي أنزل القرآن وفيه سرُّ هذا الرقم، ثم جعل القمر يدور على هذا الرقم، فإنه على كل شيء قدير، وعليه لا تكون افتتاحيات السور بالحروف من المهمل .
وأما قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [سورة آل عمران: 7] بالوقوف على قوله {إلَّا الله} وجعل قوله {والراسِخُونَ فِي الأَرْضِ} كلام مستأنف فيكون في القرآن ما لا يعلم معناه إلا الله وبذلك خاطبنا بما لا نعلم له معنى وهو المهمل، وهذا محالٌ عليه سبحانه.
أما هذا القول فمردود لوجهين: أحدهما أن الوقوف لا يتأتَّى على قوله {إِلَّا الله} لأن الواو هنا حرف عطف وليس حرف استئناف فهي معطوفة على لفظ الجلالة فيكون المعنى: أن الله تعالى يعلم تأويله والراسخون في العلم يعلمون تأويله أيضًا. وواو الاستئناف إنما تكون حين ينتهي الكلام وينتهي المعنى ويبدأ كلام جديد ومعنى جديد ولا تكون في غير ذلك مطلقًا. أما هنا فلم يتم الكلام ولم يتم المعنى، وأما قوله تعالى: {يَقولُونَ آمَنَّا} في الآية نفسها وبعد هذا الكلام بل فصل، فهي حالٌ من قوله {والرَاسِخُونَ فِي العِلْمِ} وليست خبرًا. ولا يقال إن الحال إذا جاء بعد المعطوف والمعطوف عليه انصرف للاثنين فكان حالًا من المعطوف فقط ولا تكون عبارة: (يقولون آمنَّا) خبرًا لقوله: {والرَاسِخُونَ}، وليس حالًا منه إذ لا قرينة على ذلك في المعنى ولا في المبنى.
أما إذا وجدت قرينة وجاء الحال بعد المعطوف والمعطوف عليه فإنها تنصرف إلى المعطوف من دون المعطوف عليه كقوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} [سورة الأنبياء: 72] فإن {نَافِلَةً} حال من يعقوب أي من المعطوف من دون المعطوف عليه لأن النافلة ولد الولد فيكون حالًا من يعقوب. والعكس في الآية الأولى، فإن استحالة أن يقول الله {آمَنَّا بِهِ} قرينة على أنه حال من المعطوف من دون المعطوف عليه. وبذلك يظهر أن (الراسخون في العلم) يعلمون تأويله فلا يكون في القرآن لفظ لا دلالة له على معنى فلا يكون فيه مهمل. وأما قوله تعالى: {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ} [سورة الصافات: 65] فإنه معلوم للعرب. فإنه مَثلٌ في الاستقباح متداوَلٌ بينهم لأنهم يتخيلونه قبيحًا فيكون خطابًا بما له معنى عند العرب وليس من المهمل، لأن الشياطين مخلوقات تفكر وتحتال ولها قوة إدراك ولها رؤوس وحواس، وهل يُؤمر الشيطان بالسجود لآدم من دون أن يضع رأسه على الأرض؟
وأما كون الله تعالى لا يعني في كلامه خلاف الظاهر من غير بيان، فلأن اللفظ إنما وضع للدلالة على معنى، فحين ينطق به أحد إنما يعني المعنى الذي دل عليه اللفظ، فإن كان الناطق باللفظ يعني غير ما دلَّ عليه من معانٍ، فإنه يضع قرينة تدل على أنه عنى غير المعنى الموضوع له اللفظ، أو يبيِّن أنه قال كذا وأراد كذا. أما إذا لم توجد قرينة تدل على أنه أراد غير المعنى الذي وضع له اللفظ، ولم يبيِّن أنه أراد من هذا الكلام معنى معينًا، فإنه لا يمكن أن يفهم من اللفظ إلا المعنى الذي وضعه له أهل اللغة أو استعملوه فيه استعمالًا عرفيًّا أو شرعيًّا. ومن هنا لا يتأتى القول إنّ كلام الله تعالى يعني كذا خلاف الظاهر من دون أن يبيِّن أنه يعني ذلك، لأنه لا يمكن أن يفهم من الألفاظ إلا مدلولاتها، فلا يوجد في القرآن ما يقصد منه خلاف دلالات الألفاظ، أي لا يوجد فيه كلام معناه غير الظاهر منه أي غير دلالات الألفاظ من غير أن يبين ذلك صراحة أو إلماحًا أو عن طريق تأويل الراسخين في العلم.
وبذلك يثبت أنه لا يوجد في القرآن الكريم كلام قُصِدَ فيه المعنى خلاف الظاهر من غير بيان، بل كل ما في القرآن إنما يعني ما لألفاظه من دلالة عند أهل اللغة قد وضعوه له أو استعملوه فيه استعمالًا عُرفيًّا أو شرعيًّا، ولا يعني ذلك مطلقًا إلا إذا كانت هناك قرينة أو بيان...
المنطوق:
دلالة الخطاب على الحكم إن كانت من اللفظ فهي دلالة المنطوق، وإن كانت من المعنى الذي دل عليه اللفظ قطعًا في محل النطق، أي ما فهم من اللفظ مباشرة من غير وساطة ولا احتمال فهي دلالة الاقتضاء، لأنها لم تفهم صراحة وقطعًا بل اقتضاءً، ولم تفهم مباشرة من اللفظ بل يقتضيها ما فُهم من اللفظ.
وقوله عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» نفي لوجود الصلاة مع أنها قد وجدت بالفعل فيكون المراد نفي الصحة. فدلالة الحديث على عدم صحة الصلاة ليس من دلالة المنطوق لأنها لم تفهم من اللفظ مباشرة بل اقتضاها المعنى الذي فُهم من اللفظ.
لذلك لا يقال ما فُهم من اللفظ في محل النطق ويكتفي بذلك، بل لا بد من أن يُذكر ما يدل على أن اللفظ قد دل عليه دلالة قطعية وذلك بزيادة كلمة «قطعًا» حتى تخرج دلالة الاقتضاء. وعليه فإن المنطوق هو ما دل عليه اللفظ قطعًا في محل النطق كوجوب صوم رمضان المفهوم من قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [سورة البقرة: 185].
وذلك أن يدل اللفظ بمنطوقه على المعنى، وهو المسمى بالدلالة اللفظية. فما دل عليه اللفظ مطابقة أو تضمنًا هو المنطوق لا الذي يُفهم من سياق الكلام.
وذلك لأن اللفظ ينقسم كون الدال وحده ثلاثة أقسام هي: المطابقة، والتضمن، والالتزام.
فدلالة اللفظ على تمام معناه مطابقة، وهي من المنطوق، ودلالة اللفظ على جزء المسمى تضمُّن، وهي كذلك من المنطوق. وإذا دل الخطاب على الحكم بمنطوقه فإنه يحمل أولًا على الحقيقة الشرعية كقوله، صلى الله عليه وآله وسلم: «ليس من البر الصيام في السفر» فيُحمل على الصيام الشرعي لأن النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، بعث لبيان الشرعيات، فإن لم يكن اللفظ حقيقة شرعية، أو كان ولم يمكن أن يحمل عليها، حُمل على الحقيقة العرفية الموجودة في عهده، صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه المتبادر إلى الفهم، ولاعتبار الشرع العرف في كثير من الأحكام كالإيمان. فإن تعذر حمله على الحقيقة الشرعية وعلى الحقيقة العرفية الموجودة في عهد الرسول، صلى الله عليه وآله وسلم، حُمل على الحقيقة اللُّغَوِية.
فالنصوص الشرعية ألفاظ تشريعية جاءت لبيان الشريعة الإسلامية، فيكون الأصل في دلالتها هو المعنى الشرعي ثم المعنى العرفي ثم المعنى اللُّغوي.
وهذا إذا كثر استعمال الشرعي والعرفي بحيث صار يسبق أحدهما دون اللغوي، فإن لم يكن كذلك كان مشتركًا لا يترجح إلا بقرينة. فإن تعذرت الحقائق الثلاث حمل على المجازي صونًا للكلام عن الإهمال.
المفهوم:
المفهوم هو ما فهم من اللفظ في غير محل النطق، أي هو ما دل عليه مدلول اللفظ، يعني المعنى الذي دل عليه معنى اللفظ، فالمنطوق ما فهم من دلالة اللفظ. أما المفهوم فهو ما فُهم من مدلول اللفظ كقوله تعالى: {ولَا تَقُلْ لَهُمَا أفٍّ} فإن دلالة اللفظ هي لا تتأفف لهما وهذا هو المنطوق، لكن مدلول اللفظ ـــــــ وهو النهي عن التأفف ـــــــ فيُفهم منه لا تُظهر اشمئزازًا من كلامهما فيكون مفهوم قوله تعالى: {ولَا تَقُلْ لَهُمَا أفٍّ}: لا تتجَّهم في ردِّك عليهما ولا تخاصمهما بعنف. فتحريم هذا السلوك مع الوالدين هو المفهوم من قوله تعالى: {ولَا تَقُلْ لَهُمَا أفٍّ} قد دل عليه مفهوم الآية.فالخطاب فيه قد دل على الحكم بالمفهوم وهو المسمى بالدلالة المعنوية والدلالة الالتزامية. وذلك كما ذكرنا سابقًا بأنَّ اللفظ ينقسم كون الدال وحده ثلاثة أقسام:
المطابقة، والتضمن، والالتزام. والمطابقة والتضمن كلاهما دلالة من اللفظ قطعًا أي مباشرة من غير احتمال، لذلك كانا من المنطوق. أما دلالة الالتزام فهي دلالة اللفظ على لازم معناه، فهي بحقيقتها مدلولُ المعنى وليس مدلولَ اللفظ. وقد دل عليها اللفظ بشكل غير مباشر، أي من دلالته على المعنى لا من لفظه، يعني أن المعنى فُهم من اللفظ معنًى لانطقًا.
وحيث إن دلالات اللفظ كون الدال وحده محصورة في هذه الدلالات الثلاث، وحيث إن دلالة المطابقة ودلالة التضمن هما من المنطوق، فلم تبق إلا دلالة واحدة هي دلالة الالتزام وهي من المفهوم وهي المسماة بالدلالة المعنوية، فتكون كل دلالة من الدلالات من غير المنطوق هي من المفهوم. وعلى هذا تكون دلالة الاقتضاء ودلالة التنبيه والإيماء ودلالة الإشارة من المفهوم، وكذلك يكون مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة من المفهوم.
وبالنظر في الدلالة الالتزامية يتبيَّن أن اللازم قد يكون مما يقتضيه العقل، أو مما يقتضيه الشرع لضرورة صدق المتكلم أو لصحة وقوع الملفوظ به وذلك دلالة الاقتضاء، وقد يكون لازمًا من مدلول اللفظ وضعًا، لا أن يكون اللفظ دالًّا بوضعه عليه، وذلك دلالة التنبيه والإيماء، وقد يكون لازمًا لكلام سيق لبيان حكم، أو دل على حكم ولم يكن ذلك اللازم مقصودًا، بل المقصود إنما هو الحكم. لكن الكلام يعطي ذلك المعنى ولو لم يكن مقصودًا من القول، وذلك هو الإشارة، وقد يكون مستفادًا من تركيب الجملة لازمًا لتركيب الكلام، وذلك هو المفهوم، فإن كان موافقًا للمنطوق في الإيجاب والسلب فهو مفهوم الموافقة، ويسمى فحوى الخطاب، أي معناه. كما أنه يسمى تنبيه الخطاب، وإن كان مخالفًا للمنطوق فهو مفهوم المخالفة ويسمى دليل الخطاب كما يسمى لحن الخطاب.
دلالة الاقتضاء:
دلالة الاقتضاء هي التي يكون اللازم فيها مستفادًا من معاني الألفاظ، وذلك بأن يكون شرطًا للمعنى المدلول عليه بالمطابقة. واللازم قد يكون شيئًا يقتضيه العقل أو الشرع، إما لضرورة هدف المتكلم، وإما لصحة وقوع الملفوظ به. مثال ذلك قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم} [سورة التوبة: 123] فإن قوله: {قَاتِلُوا}. ومثل قولك لآخر: أَعْتِق عبدَك... عنّي بألف درهم. فالمفهوم اللازم من مدلول أعتق، هو تمليكه العبد بالبيع، وذلك المفهوم مما يتوقف عليه تحقق هذا المدلول شرعًا، إذ لا عتق فيما لا يُملك فكأنه قيل له: بِعْني هذا العبد، ثم كن وكيلي في إعتاقه وأَدفعُ لك ألف درهم. فهذا مما يقتضيه الشرع وهو شرط لصحة وقوع الملفوظ به وهو «أَعتق». ومثل قوله، صلى الله عليه وآله وسلم: «رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرِهوا عليه» أي رُفع حكم الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. إذ لا يصدق أنه رَفع هذه الأشياء نفسها للقطع بتحققها فهذا مما يقتضيه الشرع لضرورة صدق المتكلم. ومثله قوله، صلى الله عليه وآله وسلم: «لا صيام لمن لم يبيِّت الصيام من الليل» وقوله: «لا عمل إلا بنيَّة» وقوله، صلى الله عليه وآله وسلم: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب».
فإن رفع الصوم والعمل والصلاة مع تحققه ممتنع، فلا بد من أن يكون المنفي حكمًا يمكن نفيُه كنفيِ صحة الصلاة والصيام فيما ذكر، ونفي الفائدة في حديث النيَّة. ومثله أيضًا قوله تعالى: {وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} [سورة النساء: 141] فإنَّ وجود سبيل للكافرين على المؤمنين قد جاء موجودًا في أيام الرسول، صلى الله عليه وآله وسلم، في مكة إذ كان فيها مسلمون خاضعون لحكم الكفار، ووجد ذلك بعد أيام الرسول، صلى الله عليه وآله وسلم، في بلاد الأندلس حيث كان فيها المسلمون خاضعين لحكم الكفار، وهو كذلك موجود اليوم، فنفى أن يكون للكافرين على المؤمنين سبيل بلفظ «لن» المفيدة للتأبيد ممتنعٌ لتحقق وقوعه كما يتراءى لأول وهلة من حيث اللفظ، فلا بد من أن يكون نفيًا لحكم يمكن نفيه وهو نفي الجواز، أي يحرم أن يكون للكافرين على المؤمنين سبيل، ولن يكون لهم في يومٍ من الأيام سلطانٌ وغلبةٌ يرضاها الله. فهذا مما يقتضيه الشرع لضرورة صدق الآية الشريفة.


دلالة التنبيه والإيماء:
دلالة التنبيه والإيماء، إنما تقع فيما يدل على العلِّية، وهي أن يكون التعليل لازمًا من مدلول اللفظ وضعًا، لا أن يكون اللفظ دالًّا بوضعه على التعليل، يعني أن اللفظ لا يدل بوضعه على التعليل، إذ لو دل لما كان من دلالة التنبيه والإيماء. بل إن مدلول اللفظ وضعًا يلزم منه بحسب وضع اللغة معنى آخر غير ما دل عليه اللفظ. فالدلالة على المعنى الآخر اللازم لمدلول اللفظ بحسب وضع اللغة هي الدلالة بالتنبيه والإيماء. مثال ذلك قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} فإنه يدل على أن السرقة سبب القطع، وهذه الدلالة لازمة وضعًا لمعنى «الفاء». فإن ما رتب عليه الحكم بالفاء يكون سببًا للحكم، لكون الفاء في اللغة ظاهرة في التعقيب، ويلزم من ذلك السببية، لأنه لا معنى لكون الوصف سببًا إلا ما ثبت عليه الحكم عقيبه. فيلزم من المعنى الذي وُضعت له الفاء معنى آخر هو كون ما قبلها سببًا لما بعدها، وهذا اللزوم بحسب وضع اللغة لا بحسب العقل ولا بحسب الشرع. ومثال ذلك أيضًا قوله، صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» فإنه يدل على أن الغضب علةٌ للنهي عن القضاء، لكون الغضب وصفًا مناسبًا وقد ذكر مع الحكم فيلزم من كونه وصفًا مناسبًا أن يكون علة إذا ذُكر مع الحكم. وهذا اللزوم بحسب وضع اللغة، إذ لو لم يكن وصفًا بأن كان جامدًا أو كان وصفًا ـــــــ لكنه غير مناسب ـــــــ لا يلزم منه بحسب وضع اللغة أن يكون علة إذا اقترن بالحكم. ومثل قوله، صلى الله عليه وآله وسلم: «القاتل لا يرث» وقوله، صلى الله عليه وآله وسلم: «الكافر لا يرث» فإنهما وصف مناسب اقترن بحكم فدل على أنه علة.
دلالة الإشارة:
دلالة الإشارة هي أن يكون الكلام قد سبق لبيان حكم أو دلَّ على حكم، لكنه يُفهم منه حكم آخر غير الحكم الذي سيق لبيانه أو جاء ليدل عليه، مع أن هذا الحكم الآخر لم يكن مقصودًا من الكلام. ومثال ذلك دلالة مجموع قوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [سورة الأحقاف: 15] وقوله تعالى: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [سورة لقمان: 14] على أن أقل مدَّةٍ للحملِ ستة أشهر، وإن لم يكن ذلك مقصودًا من اللفظ. وهكذا كل كلام يُفهم منه حكم، وإذا لم يكن الكلام مسوقًا له. كان من دلالة الالتزام ويسمى دلالة الإشارة.
مفهوم الموافقة:
مفهوم الموافقة هو ما يكون مدلول اللفظ في محل السكوت موافقًا لمدلوله في محل النطق. يعني أن ما فُهم من مدلول اللفظ من معانٍ وأحكام، يكون موافقًا لما فُهم من اللفظ نفسه. ويسمى أيضًا فحوى الخطاب ولحن الخطاب والمراد به معنى الخطاب. ومثاله قوله تعالى: {فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ} [سورة الإسراء: 23] فإنه يدل على تحريم التأفف والتكشير في وجه الوالدَين، ومخاصمتهما. وتحريم التأفف إنما كان لما فيه من أذى. فيلزم من تحريم التأفيف تحريم ما هو أشد منه أذى كالشتم والضرب. فتحريم الضرب إذًا قد استفدناه من التركيب، لأن مجرد التأفف لا يدل على تحريم الضرب. والمعنى اللازم هنا إنما استُفيد من تركيب الجملة، فتركيب الجملة أفاد أن حرمة التأفف إنما كانت لما فيه من أذى فلزم من ذلك أن يحرم الأذى الأشد وهو الشتم والضرب.
وهنا يكون الحكم المفهوم من اللفظ في محل السكوت موافقًا للحكم في محل النطق، فكان من مفهوم الموافقة. ومثل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} [سورة النساء: 10] فإنه يدل على تحريم إتلاف أموالهم. لأن تحريم أكلها إنما كان لأنه إذهابٌ لمال اليتيم سواء أكان أشد من الأكل أم مساويًا له، فتحريم إتلاف مال اليتيم استفدناه من التركيب، لأن مجرد أكل مال اليتيم لا يدل على التحريم لكن تركيب الجملة هنا، وكون التحريم سُلِّط على أكلها ظلمًا لا أكلها فقط، يستفاد من هذا التركيب المعنى اللازم وهو تحريم إتلاف مال اليتيم.
ومثل قوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [سورة الزلزلة: 7 ـــــــ 8] فإنه يدل على أن من عمل خيرًا أكثر من مثقال ذرة ومن عمل شرًّا أكثر من مثقال ذرة فإنه يراه من باب أولى، ودلالتُه هنا وإن كانت قد فُهمت مما زاد على الذرة لكنها جاءت من تركيب الجملة. فقد تكون الدلالة مما زاد، وقد تكون مما نقص، وقد تكون مما هو مساوٍ له.
فالدلالة على المعنى اللازم لم تأتِ من الزيادة ولا من النقص، ولا من المساواة، بل من تركيب الجملة.ومثل ذلك قوله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} في موضوع تأدية ما دون القنطار، وعدم تأدية ما فوق الدينار. ومثل قوله، صلى الله عليه وآله وسلم: «وإذا أخذ أحدُكم عصا أخيه فليردَّها عليه». فإنه يدل على أن من أخذ ما زاد على العصا فعليه ردُّه، وكذلك ما كان مساويًا للعصا فعليه ردُّه، وكذلك ما كان أقل من العصا فعليه ردُّه. فالمعنى اللازم وهو مفهوم الموافقة قد استُفيد من التركيب لا من الزيادة ولا من النقصان.
ومثل قوله، صلى الله عليه وآله وسلم: «من اقتطع شبرًا من الأرض بغير حقِّه طوَّقه الله يوم القيامة من سبع أرَضين» فإنه يدل على تحريم اقتطاع ما دون الشبر. وذكرُ الشبر إشارةٌ إلى استواء القليل والكثير في الوعيد. ومثله قوله، صلى الله عليه وآله وسلم: «من أخذ من طريق المسلمين شبرًا جاء يوم القيامة يحمله من سبع أرضين» فإنه يدل على تحريم أخذِ أكثر من شبر من باب أولى، وكذلك أخذُ أقل من شبر. والدلالة هنا ليست من الزيادة ولا من النقصان بل من تركيب الجملة.
وثانيهما: أن مفهوم الموافقة لم يؤخذ من الزيادة ولا من النقصان، بل أُخذ من تركيب الجملة، فلا دخل للأدنى على الأعلى ولا للأعلى على الأدنى في أصل فهم المعنى في مفهوم الموافقة، وإنما الأصل فيه أن يكون مستفادًا من التركيب بأن لا يكون شرطًا للمعنى التطابقي بل تابعٌ له. والتنبيه بالأدنى على الأعلى وبالأعلى على الأدنى كلٌّ منهما مثالٌ من أمثلته لا أصلٌ للدلالة فيه. ولهذا فإن اشتراط الأولوية في مفهوم الموافقة لا معنى له. على أن مفهوم الموافقة هو من الدلالة الالتزامية، والدلالة الالتزامية ليست هي دلالة الأدنى على الأعلى ولا الأعلى على الأدنى، بل هي دلالة اللفظ على لازمه، ومفهوم الموافقة هو دلالة اللفظ على لازمه، واللازم فيها مستفاد من التركيب.
ودلالة المفهوم هي ما فهم من اللفظ في محل السكوت، فأينما كان مدلولُ اللفظ في محل السكوت موافقًا لمدلوله في محل النُّطق، كان مفهوم الموافقة. فهي مفهومة من اللفظ ولكن في محل السكوت لا في محل النطق، أي هي المعنى المسكوت عنه اللازم للمعنى المنطوق به فهي فهمٌ من اللفظ لا قياسًا على مدلول اللفظ، ولهذا فهي من الدلالة اللفظية وليست من الدلالة القياسية، فيكون مستند الحكم في محل السكوت هو فحوى الدلالة اللفظية لا الدلالة القياسية. والدليل على ذلك أمران:
أحدهما: أن مفهوم الموافقة من الدلالة الالتزامية. والمعتبر باللزوم في الدلالة الالتزامية هو اللزوم الذهني وهو الذي ينتقل الذهن إليه عند سماع اللفظ كدلالة الأسد على الشجاعة. فتكون دلالة لفظية، لأن الذهن انتقل إليها بمجرد سماع اللفظ، والذي دل عليها إنما هو اللفظ فإذا قال الرجل للأجير الذي يعمل عنده: لا تعط زيدًا ليرةً، ولا تقل له أفٍّ، ولا تظلمه ذرة، ولا تعبس في وجهه، فإنه يتبادر إلى الذهن عند سماع هذه الجمل امتناع إعطاء ما فوق الليرة، وامتناع الشتم والضرب، وامتناع الظلم بالذرة فما فوق، وامتناع أذيته بالتعبيس أو هُجر الكلام وغيره. لذلك كان المفهوم من قول النبي، صلى الله عليه وآله وسلم: «أدُّوا الخيط والمخيط» أداء الرِّحال والنقود وغيرهما.
فيكون مستند الحكم في محل السكوت هو فحوى الدلالة اللفظية وليس القياس.
وثانيهما: أن العرب إنما وضعت هذه الألفاظ للمبالغة في التأكيد للحكم في محل السكوت، ولهذا فإنهم إذا قصدوا المبالغة في كون أحد الفَرسين سابقًا للآخر، قالوا: «هذا الفرس لا يَلحق غبارَ هذا الفرس» وكان ذلك عندهم أبلغ من قولهم «هذا الفرس سابق لهذا الفرس» فيكون المفهوم من وضع العرب، وهذا يعني أنه من الدلالة اللفظية وضعًا، فلا يكون من الدلالة القياسية.
على أنه لا توجد دلالة قياسية بل يوجد قياس، وهو إلحاق فرع بأصل، وهنا في المفهوم لا يوجد فرع وأصل، بل يوجد معنى دل عليه اللفظ ولازم للمعنى الذي دل عليه اللفظ ولهذا لا محل لوجود القياس.
مفهوم المخالفة:
مفهوم المخالفة هو أن يكون مدلول اللفظ في محل السكوت مخالفًا لمدلوله في محل النطق. يعني أن ما فُهم من مدلول اللفظ من معانٍ وأحكام، يكون مخالفًا لما فُهم من اللفظ نفسه. فالمعنى اللازم لمدلول اللفظ إذا كان مخالفًا لذلك المدلول فهو مفهوم المخالفة.
ويسمى دليل الخطاب ولحن الخطاب وذلك كمفهوم الصفة، ومفهوم الشرط، ومفهوم الغاية، ومفهوم العدد... ونبيِّن ذلك فيما يلي:
مفهوم الصفة:
مفهوم الصفة هو تعليق الحكم بصفة من صفات الذات، فإنه يدل على نفي الحكم عن الذات عند انتفاء تلك الصفة. وشرطُه أن تكون تلك الصفة وصفًا مفهمًا، أي مما يفيد العلِّية، فإن لم تكن وصفًا مفهمًا فلا مفهوم لها، كقول رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم: «في الغنَم السائمة زكاة» فإن الغنمَ اسم ذات ولها صفتان: السَّوم والعلَف، وقد عُلِّق الوجوبُ على صفة السَّوم فيدل ذلك على عدم الوجود في المعلوفة، فلفظ السائمة وصفُ مفهم ولذلك كان لها مفهوم. أما إذا كان الوصف غير مُفهم كقولنا: الأبيض يشبع إذا أكل، فإنه وصف غير مفهم، إذ الأسود أيضًا يشبع إذا أكل.
ولهذا فإن قوله، صلى الله عليه وآله وسلم: «وليس لمحتجرٍ حق بعد ثلاث» ليس من المفهوم لأنه وإن كان وصفًا لكنه ليس مُفهمًا فلا مفهوم له. لذلك قالوا: يشترط في الوصف حتى يكون له مفهوم أن يكون وصفًا مناسبًا أي مفهمًا. فإن كانت الصفة لا مناسبة فيها، فإنه لا يكون لها مفهوم. والدليل على أن مفهوم الصفة حجة هو أن ترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعلِّية أي يكون الوصف علة لذلك الحكم، فيكون السوم مثلًا علَّة للوجوب وحينئذٍ ينتفي الحكم بانتفاء تلك الصفة، لأن المعلول يزول بزوال علته، ويصدق عليه الالتزام. فإن ذكر وجوب الزكاة في السائمة، فالسؤال عن المعلوفة ما حكمها؟ فهي في حكم المسكوت عنها، فيكون إثبات وجوب الزكاة في السائمة والسكوت عن المعلوفة مفيدًا عدم وجوبه في المعلوفة، فهو داخل في دلالة الالتزام، لذلك كان حجة.
مفهوم الشرط:
مفهوم الشرط هو تعليق الحكم على الشيء بكلمة (إن) أو غيرها من الشروط اللغوية، فإنه يدل على نفي الحكم عند عدم تحقق الشرط كقوله، صلى الله عليه وآله وسلم، في حديث سليمان بن بردة عن أبيه: «ثم ادعُهم إلى التحوّل من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين». فإنه يدل على أنهم إن لم يتحولوا فليس لهم ما للمهاجرين وليس عليهم ما على المهاجرين، فعلق الحكم بالشرط، وكقوله تعالى: {وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ} [سورة الطلاق: 6] فإنه يدل على عدم وجوب الإنفاق بعدم الحمل، فعُلِّق الحكم بالشرط.
والدليل على أن مفهوم المخالفة في الحكم المعلَّق به، معمولٌ به أمران:
أحدهما: أنه لا خلاف في ثبوت المشروط عند ثبت الشرط، ولا خلاف في دلالة (إن) عليه أي على الثبوت، ولا خلاف في عدم المشروط عند عدم الشرط. وهذا وحده كافٍ في الدلالة على العمل بمفهوم الشرط. فإن ثبوت المشروط يلزم عند ثبوت الشرط ودلالة (إن) عليه كافية في الدلالة على أن الحكم معلق بوجود الشرط لأن معناه أنه إذا لم يثبت الشرط لا يثبت المشروط، فكيف إذا أُضيف إليه أيضًا بأن عدم المشروط كذلك محققٌ عند عدم الشرط، فإن ذلك يؤكد هذا المعنى صراحة.
وقد تدل (إن) على العدم في موارد خاصة لأن الصحيح أنها تدل على الشرط. والدليل على ذلك أن النُّحاة قد نَصُّوا على أنها للشرط، ويلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط.
ولا يقال إنَّ تسمية (إنْ) حرف شرط إنما هو اصطلاح للنُّحاة كاصطلاحهم على الرفع والنصب وغيرهما، وليس ذلك مدلولًا لغويًّا. لا يقال ذلك لأن الرفع والنصب اصطلاحان للنُّحاة نقلوا فيهما كلمة الرفع والنصب لغير معناهما اللغوي فكانت اصطلاحًا.
وهذا بخلاف تسمية (إن) حرف شرط فإنه لم يكن بنقل الكلمة لغير معناها اللغوي، بل هو تسمية الكلمة بما استعملها العرب له. فالعرب استعملوا (إن) للشرط فسميِّت حرف شرط، فهي مستعملة فيما استعملها العرب وليست منقولة. وإننا نستدل باستعمالها الآن للشرط على أنها في اللغة كذلك. إذ لو لم تكن كذلك لكانت منقولة عن مدلولها والأصل عدم النقل. وعليه فإن ثبوت المشروط عند ثبوت الشرط ودلالة (إن) عليه، وعدم المشروط عند عدم الشرط ودلالة (إن) عليه، يُثبت أنَّ مفهوم الشرط معمولٌ به. فإذا كان شرطًا في الثبوت كان العدمُ معمولًا به، وإن كان شرطًا في العدم كان الثبوتُ معمولًا به، فيكون مفهومُ المخالفة في الحكم المعلق به معمولًا به، إذ إنَّ ما دخلت عليه (إن) شرطٌ في الحكم، وإذا كان شرطًا لزم من عدمه عدمُ الشرط كما يلزم من وجوده وجود الشرط.
وثانيهما: هو أن الصحابة قد فهموا أن ما دخلت عليه (إن) شرط في الحكم، وأنه إذا كان شرطًا لزم من عدمه عدم المشروط. فمن ذلك ما رُوي أن يَعلى بن أمية قال لعمر: ما بالنا نقصر وقد أُمِنَّا، وقد قال الله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ} [سورة النساء: 101] ووجه الاحتجاج به أنه فهم من تخصيص القصر بحالة الخوف، عدَم القصر عند عدم الخوف ولم ينكر عليه عمر، رضي الله عنه، بل أقره على ذلك وقال له: لقد عجبت مما عجبت منه فسألت النبيَّ، صلى الله عليه وآله وسلم، عن ذلك فقال: «صَدقةٌ تصدَّق الله بها عليكم فاقبلوا الصَّدقة».
ويعلى بن أمية وعمر من فصحاء العرب وقد فهما ذلك وأقرهما النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، على ما فهما. فهو دليل ظاهر على العدم عند العدم.
ومن ذلك ما فهمه الصحابة من أن الحول شرط لوجوب الزكاة وحكموا بانتفاء وجوب الزكاة عند عدم الحول، ولولا أن ذلك مقتضى الشرط لما كان كذلك.
وبناءً على ما تقدَّمَ، يتبين أن مفهوم الشرط معمول به.
مفهوم الغاية:
مفهوم الغاية هو تعليق الحكم بغاية، فإذا قُيِّد الحكم بغاية فإنه يدل على نفي الحكم في ما بعد الغاية كقوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ} [سورة البقرة: 187] فقد قيَّد الصيامَ بغاية هي الليل، فهو يدل على عدم الصيام بعد أن يدخل الليل.
والدليل على أن مفهوم الغاية معمول به، هو أن الأحكام التي وردت مُغيَّاةٌ بحتى، وإلى، كانت ثابتة لما قبل الغاية منفيَّة عما بعدها. فقوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ} [سورة البقرة: 187] معناه بعد دخول الليل لا صيام، بدليل قول الرسول، صلى الله عليه وآله وسلم: «عجّلوا الفطور» وبدليل النهي عن الوصال في الصوم. وقوله تعالى: {فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [سورة المائدة: 6] معناه ما بعد المرافق لا ينبغي غسله. وقوله تعالى: {فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} [سورة البقرة: 230] معناه إذا نكحت زوجًا غيره حلَّت له، وقوله تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} [سورة التوبة: 29] معناه إذا أعطوا الجزيةَ فلا يجوز أن يقاتَلوا. وهكذا جميع النصوص التي وردت مغيَّأةً بحتَّى، وإلى، جاء الحكم ما بعد الغاية مخالفًا لما قبلها، وهذا يدل على أن مفهوم المخالفة بالغاية معمولٌ به. ويؤكد ذلك أن تقييد الحكم بالغاية لو لم يكن له مفهوم المخالفة لما كان تقييدُه بها نافيًا للحكم عما بعدها، ولم تكن لذكرها فائدة. وهذا خلاف الواقع وخلاف ما عليه القرآن. إذ الواقع أن الحكم منفيٌّ فكان نفيُه ناجمًا عن مفهوم المخالفة للغاية، وما عليه القرآن أن كل حرف أو كلمة تُذكر فيه، إنما تُذكر لفائدة وليس فيه شيء زائد مطلقًا، وعدم العمل بمفهوم المخالفة جعل ذكر الغاية عبثًا وهو لا يجوز، لذلك كان مفهوم الغاية معمولًا به.

مفهوم العدد:
مفهوم العدد هو تعليق الحكم بعدد، فإن تقييد الحكم بعدد مخصوص يدل على أن ما عدا ذلك العدد بخلافه. كقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [سورة النور: 2]. فقد قيَّد الجلد بعددٍ معيَّنٍ هو مئة، فهو يدل على تحريم ما زاد على المئة.
وأيضًا فإن النصوص التي ذكر فيها العدد كان حكم ما خالف العدد غير حكم العدد، فمن ذلك قوله تعالى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [سورة النور: 4] فإنَّ جَلْدَ الزاني أقل من مئة لا يجوز وأكثر من مئة لا يجوزَ، وجَلْد القاذف أقل من ثمانين لا يجوز وأكثر من ثمانين لا يجوز.
وقوله، صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا بلغ الماءُ قُلَّتَين لا يحملُ خَبَثًا» مفهومُه أنه إذا لم يبلغ قُلَّتَين يحمل خبثًا، وهكذا جميع النصوص.
إلا إنه ينبغي أن يُعلم هنا أن مفهوم المخالفة في العدد إنما يعمل به في حالة واحدة، وهي ما إذا قُيِّدَ الحكم بعدد مخصوص وكان يدل على ثبوت ذلك الحكم في العدد ونفيه عمَّن سواه، أو يدل على نفيه في العدد وثبوته في ما سواه من سياق الكلام، كما هي الحال في فحوى الخطاب. أي إذا عُرف من سياق الكلام أن الحكم مقيَّد بالعدد المخصوص الذي جرى تقييد الحكم به، يعني أنه كان مما تنطبق عليه دلالة الالتزام، بأن ينتقل الذهن إلى المعنى عند سماع الكلام، أي كان من اللازم الذهني، فإن لم يكن كذلك، أي لم يكن من اللازم الذهني فلا يُعتبر، لأن مفهوم العدد من دلالة الالتزام، وهو المعتبر باللزوم الذهني. فكل حكم قُيد بعدد مخصوص وكانت دلالته على ثبوت ذلك الحكم في العدد ونفيه عمن سواه، أو دلالته على نفيه في العدد وثبوته عند سواه، مأخوذة من سياق الكلام بأن ينتقل إليها الذهن عند سماع اللفظ فإن مفهوم العدد في هذه الحالة معمولٌ به، وذلك مثل قول رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا كنتم ثلاثة في سفر فأَمِّروا أحدَكم» فإن الحكم هنا ـــــــ وهو التأمير ـــــــ قد قُيِّد بعدد وهو الواحد، وسياق الكلام يدل على أن المراد تأمير واحد لا تأمير اثنين، فكان مفهومه أنه لا تجوز إمارة أكثر من واحد، فسياق الكلام قد دل على أن الحكم مقيَّدٌ بهذا العدد فكان مفهوم المخالفة معمولًا به، لذلك قال الرسول، صلى الله عليه وآله وسلم، في شأن إمارة المؤمنين أي الخلافة: «إذا بويع لإمامين فاقتلوا الآخر منهما» أما إذا كان سياق الكلام لا يدل عليه كما إذا قال أحد لشخص مدين له: (أعطني الليرتَين اللتَين لي عليك) فإنه لا يكن له مفهوم مخالفة، إذ لم يرد بليرتين تقييد الحكم بالعدد وإنما هو إطلاق لمطلق العدد، وقد يكون الدَّين الذي له مئات الليرات، وهذا يعني أن مفهوم المخالفة في العدد إنما يكون معمولًا به إذا استكمل شرطَين: أحدهما تقييد الحكم بالعدد، والثاني أن يدل سياق الكلام على نفي الحكم عن غير العدد.
ما لم يُعمل به من مَفهومِ المخَالفة:
أربعة أصناف يعمل فيها بمفهوم المخالفة هي: الصفة، والشرط، والغاية، والعدد، وما عداها لا يعمل به، فلا يعمل بمفهوم الاسم مطلقًا سواء أكان علمًا نحو زيد قائم، أو اسم جنس كقولك: في الغنم زكاة، فإنه لا يدل نفي الحكم المعلق بهذا الاسم عن غير مدلول ذلك الاسم. فإن مثال: زيد قائم، لا يدل على نفي القيام من غير زيد، ومثال: في الغنم زكاة، لا يدل على نفي الزكاة من غير الغنم. فتعليق الحكم بالاسم وما في معناه؛ كاللقب والكنية، لا يدل على نفيه عن غيره، كالتنصيص على الأشياء الستة بتحريم الرِّبا في قول الرسول، صلى الله عليه وآله وسلم: «الذهبُ بالذهبِ مِثْلًا بِمثْل، والفضَّةُ بالفضّةِ مِثْلًا بِمثْل، والتمرُ بالتمرِ مثلًا بمثل، والبرّ بالبرِّ مثلًا بمثل، والمِلحُ بالْمِلَح مِثْلًا بِمثْل، والشَّعيرُ بالشَّعِيرِ مِثْلًا بِمثْلِ، فمن زاد أو ازداد فقد أربى» فإنه لا يدل على إباحته في كل ما عدا هذه الستة مطعومًا كان أو غيره، بل ضرب مثلًا لأن الرِّبا محرَّم في المال وفي كل حال، بعكس التنصيص على الأشياء العشرة في وجوب الزكاة فيما أخرجه البيهقي من طريق الحسن: «لم يفرض الصدقةَ النبيُّ، صلى الله عليه وآله وسلم، إلا في عشرة: في الحنطة والشعير والتمر والزبيب والذرة والإبل والبقر والغنَم والذهب والفضة» فإنه يدل على عدم وجوب الزكاة في كل ما عدا هذه العشرة. ففي هذين المثالَين عُلِّق الحكم باسم الجنس.
وكقول القائل: زيد قام أو قام زيد، فإنه يدل على أن القيام قد حصل من زيد ولا يدل على عدم حصوله من غيره. وفي هذا المثال عُلق الحكم بالعلم. فمفهوم تعيين الاسم لا يعمل به مطلقًا.
وكذلك لا يعمل بمفهوم الوصف غير المفهم كقوله، صلى الله عليه وآله وسلم: «للسائل حقٌّ وإن جاء على فَرس» فإنه لا يدل على أن غير السائل لا حق له في الزكاة، بل تعطى للسائل وغير السائل، فالوصف غير المفهم أي غير المناسب، لا يعمل بمفهوم المخالفة الذي له ولا يُعدّ حجة لأن الذهن لا ينتقل إليه عند سماع اللفظ ولا يفيد العلِّية.
وكذلك لا يعمل بمفهوم «إنما» كقوله، صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما الشُّفعة فيما لم يقسم، وإنما الأعمال بالنيات، وإنما الوَلاء لمن أعتق، وإنما الرِّبا في النسيئة» فإنها لا تدل على الحصر، ولا يعمل بمفهوم المخالفة لها. وذلك لأن «إنما» في اللغة لا تدل على الحصر قطعًا عند أهل اللغة حتى يعمل بمفهوم المخالفة، بل قد تَرِد لمراد الحصر وقد تَرِدُ ولا حصر فيها. فالمراد بقوله تعالى: {إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} [سورة الكهف: 110] وقوله تعالى: {إِنَّمًا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} [سورة التوبة: 60] في هاتَين الآيتين الكريمتين، الحصر. ولا يراد الحصر بقول رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما الرِّبا في النسيئة»، فإن الرِّبا غير منحصر في النسيئة لانعقاد إجماع الصحابة على تحريم ربا الفضل، فإنه لم يخالف في تحريمه من الصحابة سوى ابن عباس ثم رجع عنه.
وكذلك قوله، صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما الشُّفعة فيما لم يقسم» لا يراد منها الحصر، فإن الشفعة غير محصورة في الشريك بل هي كذلك ثابتة للجار، لقوله، صلى الله عليه وآله وسلم: «جارُ الدَّار أَحَقُّ بالدار من غيره» وقوله: «الجارُ أحق بشُفعة جاره يُنتظر بها وإن كان غائبًا». وما دامت «إنما» لا تدل على الحصر قطعًا، بل قد تكون للحصر وقد تكون لغيره، فلا يعمل بمفهوم المخالفة فيها. وكذلك كل خطاب خصص محل النطق بالذِّكر لخروجه مخرج الأعم الأغلب لا مفهوم له، وذلك كقوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ} [سورة النساء: 23] وقوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا} [سورة النساء: 35] وقوله، صلى الله عليه وآله وسلم: «أَيُّما امرأةٍ أنكحتْ نفسَها بغير إذن وَلِيِّها فنكاحها باطل» فإن تخصيصه بالذِّكر لمحل النطق في جميع هذه الصور إنما كان لأنه الغالب، إذ الغالب أن الربيبة إنما تكون في الحِجْرِ، وأن الخلع لا يكون إلا مع الشِّقاق، وأن المرأة لا تُزوِّج نفسَها إلا عند عدم إذن الوالي لها وامتناعه تزويجَها.
ولهذا لا مفهوم للخطاب في جميع هذه الأمثلة وما شابهها.
وكذلك لا يعمل بمفهوم المخالفة إذا ورد نص من الكتاب أو السنَّة يعطله. فإنه حينئذٍ يعطّل لورود النص بخلافه كقوله تعالى: {لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً} [سورة آل عمران: 130] وقوله تعالى: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} [سورة النور: 33] فإنه لا يقال إن الرِّبا إذا لم يكن أضعافًا مُضاعفةً كان حلالًا بحجة مفهوم الآية، فقد ورد نص آخر عطَّل هذا المفهوم وهو قوله تعالى: {وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ} [سورة البقرة: 279] فكان الرِّبا كله حرامًا. وكذلك لا يقال إن لم يُرِدْنَ تَحَصُّنًا فأكرهوهن على الْبِغَاءِ بحجة مفهوم الآية، فقد ورد نص آخر يعطِّل هذا المفهوم، وهو قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} [سورة الإسراء: 32] فكان إكراهُهن على الْبِغَاءِ حرامًا سواء أَرَدْنَ التحصُّنَ أم لم يُرِدْنَه.
فمفهوم المخالفة محصور في الأصناف الأربعة ليس إلَّا، وهي: مفهوم الصفة، ومفهوم الشرط، ومفهوم الغاية، ومفهوم العدد. وما عداها لا يعمل بمفهوم المخالفة فيه مطلقًا.
والخلاصة:
بعد أن انتهى بحث اللغة العربية وعرَّفناها بأقسامها، وبعد أن انتهى بحث أقسام الكتاب والسنّة، وتبيَّنَ لنا أن أقسام الكتاب والسنَّة محصورة بخمسة أقسام هي: الأول: الأوامر والنواهي. والثاني: العموم والخصوص. والثالث: المطلق والمقيد. والرابع: المجمل والمبين. والخامس: الناسخ والمنسوخ. يمكننا أن نقول بعد هذا الاستقراء أنه ما عدا هذه الأقسام الخمسة لا اعتبار له كقسم خاص، بل هو راجع إلى واحد منها أو راجع إلى اللغة، أو تحمُّلٌ لا معنى له، إلَّا المؤول الذي هو حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه مع تأكيده بدليل يعضده. فاللفظ من حيث دلالته على المعنى إنما يُرجع فيه إلى اللغة فهو يدل عليه إما بالوضع أو بالعرف أو بالشرع، أما الظاهر والمؤول فهما من أقسام اللغة ومن عمل الراسخين في العلم الذين ذكرهم الله في آية التأويل التي مرّت سابقًا. وقد قالوا إن من أقسام الكتاب والسنَّة النص. وعرَّفوه بأنه ما ازداد وضوحًا على الظاهر لمعنى في نفس المتكلّم لا في نفس الصيغة، مثل قوله تعالى: {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} [سورة النساء: 3] فإن أول الآية {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ} [سورة النساء: 3] أي إن خفتم ألَّا تعدلوا في اليتامى لقصور شهوتكم وقلة رغبتكم فيهن فانكحوا غيرَهن ما طاب لكم أي ما حل لكم من النساء. وقد قالوا إن الآية ظاهرة في جواز نكاح ما طاب من النساء لأنه يُفهم بمجرد سماع الصيغة، وهي أيضًا نص في بيان العدد، لأن جواز النكاح عُرف قبل ورود هذه الآية بنصوص أُخرى وبفعل الرسول، صلى الله عليه وآله وسلم، لكن العدد لم يكن مبيَّنًا فبُيِّن بهذه الآية.
فَفُهم أن مدلول الآية لتشريع عدد الزوجات بأربع معتبرٌ فهمًا للنص، وفُهم الزِّواج بغير اليتيمات فهمًا للظاهر. وهذا ما قالوه. والحقيقة أن فهم العدد جاء من منطوق قوله (مَثْنَى وثُلاثُ ورُبَاعَ) وفهم الزواج بغير اليتيمات من منطوق قوله (ما طاب لكم من النساء) ولا فرق بين الآيتَين من حيث كونه فهمًا من المنطوق ولا محل لهذا التفريق كون هذا جاء من النص وهذا جاء من الظاهر.
وقالوا: إن من أقسام الكتاب والسنَّة عبارةَ النص، إذ قالوا: الاستدلال بعبارة النص هو العمل بظاهر ما سبق الكلام له، والنَّص هو عبارة القرآن والحديث أعم من أن يكون نصًّا أو ظاهرًا أو مفسَّرًا أو خاصًّا. أي إن انتقال الذهن من عبارة القرآن إلى الحكم هو استنباط المجتهد من ظاهر ما سيق الكلام له. مثل قوله: {وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [سورة البقرة: 233] فإن الثابت بعبارة النَّص هو: «وعلّى المولودِ رزقُهن» وجوب الإنفاق على الأمَّهات من قِبَل الوالد، فإن الكلام سيق لذلك. وهذا القسم أيضًا لا معنى لوجوده لأن الحكم أُخذ من منطوق الآية فهو من المنطوق.
وقالوا: من أقسام الكتاب والسنّة إشارةُ النَّص، وعرَّفوه بأنه هو العمل بما ثبت نظمه لغةً، لكنه غير مقصود ولا سيق له النص، وليس بظاهر من كل وجه، مثل قوله تعالى: {وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} فإن الثابت بإشارة هذا النَّص نسب الولد إلى الأب لأنه نسب المولود له بحرف اللام المقتضية للاختصاص، وفي النص أيضًا إشارة إلى أن النفقة على الأقارب سوى الوالد بقدر حصصهم من الميراث حتى إن نفقة الصغير على الأم والجد تجب أثلاثًا لأن الوارث اسم مشتق من الإرث فيجب بناء الحكم على معناه. ومثل قوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} فالثابت بالنص بيان المنَّة للوالدة على الولد، لأن في الآية: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [سورة الأحقاف: 15] إشارة إلى أن أقل مدة للحمل هي ستة أشهر.
فقد روي أن رجلًا تزوج امرأة فولدت لستة أشهر فهمَّ عثمان برجمها فقال ابن عباس: أَمَا إنها لو خاصمتكم لخصمتكم، قال الله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} وقال: {وَفِصَالُهُ في عَامَيْنِ} [سورة لقمان: 14] فإذا ذهب الفِصَالُ وهو عامان، لم يبق للحمل إلا ستة أشهر فَدرأَ عثمان عنها الحد. وهذا القسم أيضًا يجعل بعضًا من الكتاب والسنّة في طريق أقسام المفهوم وإن كان من دلالة الإشارة أي من أبحاث اللغة.
وقالوا: من أقسام الكتاب والسنَّة دلالة النص، وعرفوه بأنه ما ثبت بمعنى النص لغة لا اجتهادًا كالنهي عن التأفف، يُوقَف به على حرمة التأفف من دون الاجتهاد، فالثابت بدلالة النص ما ثبت بمعنى النظم لغةً، وإنما يعْني معنى ظاهرًا يعرف بسماع اللفظ من غير تأمل، ويظهر من حقيقته هذا القسم أنه من دلالة المنطوق فهو من أبحاث اللغة.
وقالوا: من أقسام الكتاب والسنّة اقتضاء النص، وهو ما لم يعمل النص إلا بشرط تقدمه عليه، فإن ذلك أمر اقتضاه النص لصحة ما يتناوله فصار هذا مضافًا إلى النص بوساطة المقتضي، ومثاله قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [سورة النساء: 92] يقتضي ملك الرقبة وهو غير مذكور، فكأنه قال: «فتحريرُ رقبةٍ مملوكةٍ لكم» لأن إعتاق الحر وعبد الغير لا يصح فتحرير رقبة مقتضٍ «ومملوكة لكم» من اقتضاء النص.
وهذا القسم كذلك لا يصح جعله من أقسام ظاهر الكتاب والسنّة إذ هو من أبحاث اللغة فهو من قبيل الدلالة الالتزامية، أي إنه مما هو مستفاد من معاني الألفاظ المفردة بأن يكون شرطًا للمعنى المدلول عليه بالمطابقة. وهو إما أن يقتضيه العقل كقوله: اعتق، فإن سؤاله يستلزم تمليكه حتى إذا أعتقه تبيَّن دخوله في ملكه، لأن العتق شرعًا لا يكون إلا في مملوك، ومثل ذلك «تحرير رقبة» الذي يقتضي ملك الرقبة فهو من دلالة الالتزام ومن أقسام المفهوم وهو دلالة الاقتضاء رأي من أبحاث اللغة لا من ظاهر أقسام الكتاب والسنَّة.
وقالوا: إن من أقسام الكتاب والسنَّة الخفيّ، وهو ما خفي مرادُه بعارض من غير الصيغة ولا ينال إلا بالطلب مثل قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} ظاهر في حق وجوب قطع اليد لكلِّ سارق، وهو في الوقت عينه خفي في حق الطرَّار والنبَّاش، لأنهما اختصَّا باسم غير السارق في عرف أهل اللسان، فتأملنا فوجدنا أن اختصاص الطرار باسم آخر لأجل زيادة معنى السرقة، إذ السرقة أخذ مال محترم من حرز مثله خُفية، وهو يسرق ممن هو يقظان قاصدًا لحفظ المال بضرب غفلة وفترة تعتريه، واختصاص النباش باسم آخر لأجل نقصان معنى السرقة فيه، لأنه يسرق من الميت الذي هو غير قاصد الحفظ، فهذا كله خفي، والسرقةُ لها معنى في اللغة لا ينطبق على الطرار والنباش، ثم إن القطع له شروط جاءت بها السنَّة وحكم السارق معروف وهو غير حكم الطرار والنباش.
وقالوا أيضًا: من أقسام الكتاب والسنَّة المشكل، وهو الداخل في إشكاله، أي الكلام المشتبَه في أمثاله، ففيه زيادة خفاء على الخفي، فيقابل النص الذي فيه زيادة ظهور على الظاهر، فلهذا يحتاج إلى النظر بين الطلب والتأمل، ومثاله قوله تعالى: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [سورة البقرة: 223] فإن كلمة «أَنَّى» مشكلة تجيء تارة بمعنى من أين؟ كما في قوله تعالى: {أَنَّى لَكِ هَذَا} [سورة آل عمران: 37] أي من أين لكِ هذا الرِّزق الآتي كلَّ يوم، وتارة بمعنى كيف؟ كما في قوله تعالى: {أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ} [سورة آل عمران: 40] أي كيف يكون لي غلام فاشتبه ههنا معناها، هل هي بمعنى من أين، أو بمعنى كيف؟ فإذا تأملنا في لفظ الحرث علمنا أنه بمعنى كيف وليس بمعنى من أين، لأن الدُّبُرَ ليس بموضع الْحَرث، بل موضع الفَرْث، فيكون إتيان المرأة في دُبُرِها حرامًا.
فلولا كلمة الحرث لكان لفظ «أنَّى» بمعنى من أين وهذا يؤدي إلى حِلِّيَة اللواط بالمرأة، فلما جاءت كلمة «الحرث» أزالت المشْكل، وهذا القسم أيضًا لا يصح أن يجعل من أقسام الكتاب والسنّة بل هو من أبحاث اللغة. فإن لفظ «أنَّى» من الألفاظ المشتركة، وهو قسم من أقسام اللفظ كون الدال والمدلول كالعين الباصرة والجارية، والقرينة هي التي تعين المعنى المراد من الألفاظ المشتركة. وكلمة «الحرث» هنا هي القرينة الدالة على أن المراد من لفظ «أنَّى» هو كيف شئتم؛ لا من أين شئتم: فلا يوجد أي إشكال.
وقالوا: من أقسام الكتاب والسنَّة المفسَّر، وهو ما زاد وضوحًا على النص على وجه لا يبقى معه احتمال التأويل أو التخصيص مثل قوله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهمْ أَجْمَعُونَ} [سورة ص: 73] فالملائكة اسمٌ ظاهر عامٌ، لكنه يُحمَّل الخصوص. فلما فُسِّر بقوله: «كلُّهم» انقطع هذا الاحتمال، لكنه بقي احتمال الجميع والإفراد، فانقطع احتمال تأويل أن يكونوا سجدوا منفردين بقوله: «أَجْمَعُون» وهذا القسم هو من زيادة الإيضاح غير اللازمة، لأن استعمال التأكيد في الكلام لا يجعله قسمًا من أقسامه. ولا محل لبحثه في أمر استنباط الأحكام الشرعية.
النهيُ عَن التصرّفات وَالعقود:
النهي عن التصرفات والعقود المفيدة لأحكامها كالبيع والنكاح ونحوهما يكون إما راجعًا لعين العقد، وإما راجعًا لغيره، فإن كان راجعًا لغير التصرف ولغير العقد كالنهي عن البيع في وقت النداء يوم الجمعة، فإنه لا يؤثِّر في العقد ولا في التصرف لا بطلانًا ولا فسادًا، وإن كان راجعًا لعين التصرف أو لعين العقد فلا شك في أنه يؤثِّر في العقد وفي التصرف ويجعله باطلًا أو فاسدًا. والدليل على أن النهي يؤثِّر في التصرفات فيجعلها باطلة أو فاسدة قول رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرُنا فهو رَدّ» وفي رواية «من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رَدّ» والمراد ليس بصحيحٍ ولا مقبول لأنه ردٌّ لأمرنا ولقول الله عزَّ وجل، ولا شك أن المنهيَّ ليس بمأمور ولا هو من الدِّين وهو مردودٌ ومعنى كونه مردودًا هو بطلانه وفساده. وأيضًا فإن الصحابة رضوان الله عليهم استدلوا على فساد العقود وبطلانها بالنهي. فمن ذلك احتجاج ابن عمر على فساد نكاح المشركات أي بطلانه بقوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُــشْرِكَاتِ} [سورة البقرة: 221] ولم يُنكر عليه مُنكِر فكان إجماعًا، ومن ذلك احتجاج الصحابة على فساد عقود الرِّبا أي بطلانها بقوله تعالى: {وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} [سورة البقرة: 278] وبقوله، صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تَبيعوا الذَّهبَ بِالذَّهبِ ولا الْوَرِقَ بِالْوَرِق» الحديث.
فهذا كله دليل على أن النهي يؤثِّر في التصرفات فيجعلها باطلة أو فاسدة. إلا إن هذا، إذا كان النهي عنه يفيد التحريم، بأن كان طلبًا جازمًا للترك، فهو محرَّم، أما إن كان النهي لا يفيد التحريم بل الكراهة فلا يؤثِّر في التصرفات والعقود، لأن التأثير آتٍ من ناحية التحريم، فتحريم التصرف والعقد يجعله باطلًا أو فاسدًا. أما متى يكون التحريم مُبطِلًا للتصرف والعقد ومتى يجعله فاسدًا فإن ذلك يكون بحسب الجهة التي يرجع إليها النَّهي، فإن كان النهي راجعًا إلى العقد نفسه أو رُكنٍ من أركانه فإنه يدل على البطلان كالنهي عن بيع الحصاة وهو جعل الإصابة بالحصاة بيعًا قائمًا مقام الصيغة، وكبيع الملاقيح وهو ما في بطون الأمهات، فإن بيع الحصاة راجع فيه النهي إلى العقد نفسه، وبيع الملاقيح راجع فيه النهي إلى المبيع، والمبيع ركنٌ من أركان العقد، لأن الأركان في العقد ثلاثة: العاقد والمعقود عليه والصيغة، فالنهي في مثل ذلك يدل على البطلان فلا يُعدّ به انعقادُ البيع مطلقًا.
ومثل ذلك التصرفات والعقود التي أتت وفقها أنظمة جائرة ولم يأت بها الإسلام كشركات المساهَمة فإنها تصرفات وعقود باطلة، لأن النهي فيها منصبٌّ على العقد من حيث هو إذ نهى الشارع عنها نهيًا عامًّا يشملها ويشمل كل واحد منها بعينه بقوله تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ}[سورة النساء: 60] وبقوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [سورة النساء: 65] وبقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [سورة الحشر: 7] وبقوله، صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ أَدْخَلَ في دِيْنِنا ما ليسَ منه فهو ردٌّ». فإنها كلها نصوص تنهى عن التصرفات والعقود التي جاء بها غير الإسلام ولم يأت بها الإسلام، فهي داخلة تحت هذا النهي العام.
وأما إن كان النهي غير راجع إلى العقد نفسه ولا إلى رُكنٍ من أركانه لكنه راجع إلى صفة من صفاته ملازمة له، فإنه يدل على الفساد كالجمع بين الأختَين فإنه منهيٌّ عنه بقوله تعالى: {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ} [سورة النساء: 23] لكن النهي ليس راجعًا إلى صفة لازمة وهي كون إحدى الزوجتَين أختًا للأخرى. فإن أصل الزواج بكل من الأختَين واحدة بعد واحدة في حال طلاق الأولى أو وفاتها جائز شرعًا، لكن المنهيَّ عنه هو الجمع بينهما، فكان فاسدًا ولم يكن باطلًا إن انعقد النكاح وعليه أن يفارق إحداهما بحسب الحُكم الشرعي الذي يطاول الأولى أو الثانية. وكأنْ يُقرض شخصٌ مبلغًا من المال ويشترط عليه أن ينفقه في الزراعة وألّا ينفقه في الصناعة وألّا يقيم به مصنع آلاتٍ. فإن هذا العقد يصح فيه العقد ويبطل الشرط. أو كأنْ يبيعه قمحًا شرط أن يستعمله للبذار وألّا يستعمله للأكل أو ألّا يبيعه لغيره، فإن هذا العقد يصح لكنه يبطل الشرط، وكذلك إذا أجرى عقد النكاح بين رجل وامرأة شرط أن يطلق الرجل زوجته الثانية فإن هذا العقد فاسد لقول الرسول، صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يحل أن تُنكح امرأةٌ بطلاق أُخرى» فإن هذا العقد منهيٌّ عنه لكن النهي ليس راجعًا إلى العقد نفسه ولا إلى ركن من أركانه، بل إلى أمر خارج عنهما، أي إلى صفة خارجة عن العقد نفسه وإن كانت في اشتراطها صارت ملازمة له ولهذا لم يبطل العقد بل كان فاسدًا.
وهكذا إذا كان النهي راجعًا إلى صفة لازمة للتصرف أو العقد ولم يكن راجعًا إلى العقد نفسه ولا إلى ركن من أركانه، فإن العقد يكون فاسدًا.
أما إذا كانت تلك الصفة من العقد، أي إن النهي عن الصفة اللازمة راجع للتصرّف نفسه أو العقد، وهي نهي عنه لعينه، أي للتصرّف نفسه أو العقد كالشرط الفاسد، فإن هذا راجع للعقد نفسه ويبطله.
أما إن كان النهي راجعًا إلى أمر خارج عن العقد وعن كل صفة من صفاته اللازمة له، فإنه يكون راجعًا لغير العقد وبذلك لا يؤثر في صحة العقد.
التخصيصُ بالأدلَةِ المنفصِلَة:
التخصيص بالأدلة إنما يكون بالأدلة السمعية، لأن العامَّ الذي يُخصِّص إنما هو لفظ جاء به الدليل السمعي، فلا يخصِّصه إلا دليل سمعي.
والأدلة السمعية هي الكتاب والسنَّة وإجماع الصحابة والقياس (العقل)، وما عدا هذه الأدلة الأربعة لا يُعدّ من أدلة التخصيص. ولا يجوز تخصيص العموم بغير ذلك للأسباب التالية:
أولًا: إن التخصيص إخراج بعض ما تناوله اللفظ عنه، ودلالة اللفظ على المعنى إنما فيها مرادُ التكلم من معنى اللفظ لغة وشرعًا، أي مما دل عليه اللفظ لغةً وشرعًا. فإذا جاء أحدٌ واستثنى من ذلك المعنى الذي دل عليه اللفظ معنًى آخر؛ يكون قد أخرج معاني اللفظ عن مدلولها اللغوي، وهو غير صحيح لأن دلالة اللفظ على معناه إنما ترجع إلى اللغة وليس إلى غيرها.
ثانيًا: إن التخصيص بيان وهو تشريع، والنص الشرعي قد جاء به الوحي فلا يبيِّنه إلا شيء جاء به الوحي، والشرع إنما هو لله تعالى، لذلك لا بد من أن يكون البيان والمبيَّن مما جاء به الوحي.
ثالثًا: إن التخصيص بمنزلة النسخ لجزء من العام، لأنه صرف الحكم عن العموم فأبطلَه في البعض ووضع مكانه حكمًا آخر، كقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [سورة النور: 2] فإنه حكم للمُحْصِنِ وغير المــُـحْصِن، ولكن جاء التخصيص وأبطل الْجَلْدَ في المــُحصِن وجعل له حكمًا آخر وهو الرَّجم.
وأما قوله تعالى: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [سورة آل عمران: 97] وكونُ الصبيِّ والمجنون من الناس وهما غير مُرَادَيْنِ من العموم، وأن العقلَ دل على امتناع تكليفهما فكان مخصِّصًا لعموم الآية، فإن هذا لا يصلح حجةً على أن العقل يصح أن يكون دليلًا مخصصًا في مثل هذا المورد. وذلك أن خطاب الشارع لا يمتنع للصبي والمجنون فلا يمنع تطبيقهما بدليل دخولهما تحت الخطاب بأُرُوشِ الجنايات وَقِيمِ المــُــتْلَفات ووجوب الزَّكاة في مالهما، وعموم الآية خُصِّصت بالعقل وبالحديث.
«رُفِعَ القلمُ عن ثَلاثة»: الصبي والمجنون والنائم.
«رُفِعَ القلمُ عن ثَلاثة عن الصبيِّ حتى يبلغ، وعن النائم حتى يَستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق».
تخصيص الكتاب بالكتاب:
يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب، لأن كلًّا منهما جاء به الوحي لفظًا ومعنى. فيصح أن يكون أحدهما مخصصًا للآخر، ولأنه وقع التخصيص فعلًا في القرآن بالقرآن فمن ذلك قوله تعالى: {وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [سورة الطلاق: 4] فإن هذه الآية وردت مخصِّصةً لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [سورة البقرة: 234] ومن ذلك قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} [سورة المائدة: 5] فإن هذه الآية وردت مخصِّصة لقوله تعالى: {وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [سورة البقرة: 221]، فكون التخصيص للكتاب بالكتاب قد وقع فعلًا دليلًا على جواز تخصيص الكتاب بالكتاب. وأما قوله تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [سورة النحل: 44] خطابًا للرسول فإنه ليس فيه ما يمنع من كونه مبيِّنًا للكتاب بالكتاب، إذ الكل وارد على لسان الرَّسول الكريم. فذكرُهُ الآيةَ المخصِّصة يكون بيانًا منه، ويجب حمل وصفه بكونه مبيِّنًا على أن البيان وارد على لسانه سواء أكان الوارد الكتاب أو السُنَّة لما فيه من موافقة عموم قوله تعالى:
{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} [سورة النحل: 89] فإنَّ مقتضاه أن يكون الكتاب مبيِّنًا لكل ما هو من الكتاب لكونه شيئًا.
تخصيص الكتاب بالسنَّة:
يجوز تخصيص الكتاب بالسنَّة سواء أكانت متواترة أم خبر آحاد، إذا كان الواحدُ موثوقًا مصدَّقًا، لأن كُلًّا منهما جاء به الوحي، فيكون ما جاء به الوحي قد خُصِّص بما جاء به الوحي، فيصح أن يكون أحدُهما مخصِّصًا للآخر، ولأنه وقع التخصيص فعلًا في القرآن بالسنَّة فمن ذلك قوله تعالى:
{يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} [سورة النساء: 11] قد خُصِّص بقوله، صلى الله عليه وآله وسلم: «القاتل لا يرث» وقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [سورة النور: 2] قد خُصِّص برجمه، صلى الله عليه وآله وسلم، ماعزًا لأنه كان متزوجًا. وأيضًا فإن الصحابة، رضوان الله عليهم، قد انعقد إجماعهم على جواز تخصيص الكتاب بالسنَّة. فقد خصَّصوا قولَه تعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ} بقوله، صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يرث القاتل، ولا يرث الكافر من المسلم» وخصصوا قوله تعالى: {فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} [سورة النساء: 11] بما رُوي عن النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، أنه جعل للجدَّة السُّدس، وخصَّصوا قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ} [سورة البقرة: 275]. بما روي عن رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، أنه نهى عن بيع الدِّرهم بالدِّرهمَين، وخصَّصوا قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَة} بقوله، صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا قَطْعَ إلَّا في رُبْعِ دِينارٍ فصاعدًا». وخصصوا قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [سورة التوبة: 5] بما رُوي عنه، صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال عن مجوس هَجَر: «سنُّوا بهم سنَّة أهل الكتاب» إلى غير ذلك من الصور المتعددة ولم يوجد لما فعلوه مُنكِرٌ فكان ذلك إجماعًا.
وعليه فإن تخصيص الكتاب بالسنَّة جائز شرعًا.
تخصيص الكتاب بإجماع الصحابة:
إن إجماع الصحابة يكشف عن دليل شرعي. فإذا أجمع الصحابة على أن هذا الحكم حكم شرعي فإن ذلك يعني أن لهم دليلًا على ذلك وقد روَوا الدليل، فكان ذلك كرواية الدليل. لذلك كان إجماعهم كاشفًا عن أن هناك دليلًا شرعيًّا. أي إنهم سمعوا رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، قد قالَه أو رأَوه فعلَه أو سكت عنه، فيكون من قبيل السنّة، لذلك يعامَل معاملةَ السنّة فيؤخذ بالرِّواية. وما دام الأمر كذلك فإنه يجوز تخصيص الكتاب بإجماع الصحابة. وقد وقع التخصيص فعلًا في القرآن بإجماع الصحابة، فمن ذلك قوله تعالى في حقِّ القاذفين: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [سورة النور: 4] قد خصص بإجماع الصحابة على تخصيصه بالأحرار وتنصيف حد الْقَذف على البعد. والوقوع دليل الجواز، فدل على أن تخصيص الكتاب بإجماع الصحابة جائز شرعًا.
تخصيص السنَّة بالكتاب:
يجوز تخصيص عموم السنَّة بخصوص القرآن، لأن كلًّا منهما جاء به الوحي. فيكون ما جاء به الوحي قد خُصِّص بما جاء به الوحي، ويصح أن يكون أحدُهما مخصِّصًا للآخر وإن كان القرآن قد جاء به الوحي لفظًا ومعنى، والسنّة قد جاء بها الوحي معنًى فقط. فإن التخصيص متعلِّق بالمعنى وليس باللفظ، فلا يؤثر كون لفظ السنَّة من الرَّسول، صلى الله عليه وآله وسلم، فإن المعنى وحيٌ من الله، فيصح أن يكون مخصِّصًا، وأيضًا فإن الله تعالى يقول: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكَتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} [سورة النحل: 89] ولا شك في أن سنّة رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، هي من الأشياء فكانت داخلة تحت العموم، فيصح أن يكون القرآن مبيِّنًا للسنَّة والمخصِّص مبيِّن، فجاز أن يكون القرآن مخصِّصًا للسنّة، وقد يقال إن الله تعالى يقول للرسول: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [سورة النحل: 44] فجعل النبيَّ، صلى الله عليه وآله وسلم، مُبيِّنًا للكتاب المــُــنْزَلِ وذلك إنما يكون بسنَّته. وهذا يدل على أن التخصيص إنما يكون من الرَّسول لا من الله أي بالسنَّة لا بالقرآن، والجواب عن ذلك أنه لا يلزم من وصف النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، بكونه مبيِّنًا لما أُنزل إليه أنه يمتنع أن يُبيِّن السنَّة بما يَرِدُ على لسانه من القرآن، لأن السنَّة مُنْزَلةٌ من الله تعالى والقرآن منزلٌ من الله تعالى فيجوز أن يبيِّن ما أُنزل إليه من السنَّة بما أُنزل إليه من القرآن. وعليه يجوز أن تُخَصَّصَ السنّةُ بالقرآن.
تخصيص السنَّة بالسنَّة:
ويجوز تخصيص السنَّة بالسنَّة سواء أكانت متواترة أم خبر آحاد عدول، لأن كلًّا منهما قد جاء به الوحي معنًى فيصح أن يكون أحدهما مخصِّصًا للآخر، وهكذا وقع التخصيص فعلًا في السنَّة بالسنَّة، ومن ذلك أن الرسول، صلى الله عليه وآله وسلم، قال: «فيما سَقَتِ السماءُ الْعُشر». وقد خُصِّص بقوله، صلى الله عليه وآله وسلم: «لا زكاةَ فيما دون خمسة أَوْسُق» .
تخصيص السنّة بإجماع الصحابة:
أما تخصيص السنَّة بإجماع الصحابة فلِما سبق من جواز تخصيص القرآن بإجماع الصحابة، فتخصيص السنّة كذلك جائز. فإن ما جاز أن يخصِّص القرآنَ جاز أن يخصِّص السنَّة، ولأن إجماع الصحابة يكشف عن دليل، فهو مما جاء به الوحي كما فصَّلنا سابقًا فيصح أن يخصِّص ما جاء به الوحي.
وأما القياس فلأن علته إما أن تكون واردة بالقرآن أو بالسنَّة فيكون التخصيص به إن كانت علته وردت بالقرآن تخصيصًا للسنّة بالقرآن، وهو جائز، وإن كانت علته وردت بالسنّة فإن التخصيص به حينئذٍ يكون تخصيصًا للسنَّة بالسنَّة وهو جائز كذلك، ومن هنا جاز تخصيص السنّة بالقياس.
ومن تخصيص السنَّة بالقياس جواز إعطاء الكافر صدقة التطوع فإن الحديث عن الزكاة في عدم إعطائها للكافر عام.
إذ يقول الرسول، صلى الله عليه وآله وسلم: «تؤخذ من أَغنيائهم وتعطى لفقرائهم» أي لفقراء المسلمين.
وقد خصص في الزكاة وأخرجت منه صدقة التطوع بالقياس على الهبة والوقف.
تخصيص المنطوق بالمفهوم:
يجوز تخصيص المنطوق بالمفهوم، سواء أكان من قبيل مفهوم الموافقة أم من قبيل مفهوم المخالفة لأن المفهوم حُجة، كما مرَّ، والعام حجة. فإذا تعارضا وجب تخصيص العام به ولا يلزم إهمال الدليل الأول.
ومثاله قوله، صلى الله عليه وآله وسلم: «خَلق الله الماءَ طهورًا لا ينجِّسه شيء إلا ما غيَّر طَعْمَه ولَوْنَه وَرِيحَه» فإنه يدل بمنطوقه على أن الماء لا ينجِّسه عند عدم التغيُّر شيء إذا كان ما فوق قُلَّتين كما مرَّ معنا في الحديث السابق. وإن منطوق الحديث شامل لما ذكرنا من الماء القليل والكثير والجاري والراكد وقوله: «إذا بلغ الماء قُلَّتَين لا يحملُ خَبَثًا» يدل بمفهومه على أن الماء القليل يَنْجُس بملاقاة عين النجاسة، وإن لم يتغيَّر، فيكون مفهوم الحديث الثاني مخصَّصًا لمنطوق الحديث الأول.
ومثاله قوله، صلى الله عليه وآله وسلم: «وفي الغنمَ من أربعين شاة، إلى عشرين ومئة» فإن منطوقه يدل على وجوب الزكاة في الغنَم كلها وفقًا لعددها، ولأَنَصِبَة الزكاة.
النصُّ الظَاهِر:
النصّ: يُرادُ بالنصِّ ما دلّ بصيغتهِ نَفْسِها على ما يُقْصَدُ أصْلًا منْ سياقهِ كقولهِ تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [سورة البقرة: 275] فالمعنى المقصودُ بأصالةِ هذا السّياقِ القرآنيّ نفيُ كلِّ نوعٍ من أنواعِ المماثلةِ بينَ البيْعِ الحلالِ والرّبا الحرامِ.
والظاهر: يُرادُ بهِ ما يتبادرُ إلى الفَهْمِ من عبارتهِ نفسِها من غيرِ حاجةٍ إلى قرينةٍ؛ لكنّ مفهومَهُ غيرُ مقصودٍ أصالةً من سياقهِ. كقولهِ تعالى: {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً} [سورة النساء: 3]. فالمعنى المتبادرُ إلى الفَهْمِ منْ غيرِ توقّفٍ على قرينةٍ هَو إباحَةُ نَكاحِ ما طابَ من النساءِ، لكنّهُ لمْ يُقْصَدْ منَ السّياقِ أصلًا، بل قُصِدَ بهِ أصلًا قَصْرُ العددِ على أربع أو الاكتفاء بواحدةٍ.
ويجبُ العمل بالظّاهرِ أيضًا لأنّ اللّفْظَ لا يُصْرَفُ عن المتبادرِ إلا بقرينةٍ. فإذا وُجِدَتْ عُمِلَ بما تؤدّيهِ القرينةُ.
المحكَم والمتشابَه:
القرآنُ الكريمُ مُشْتَمِلٌ على آياتِ مُحْكَمَةٍ وأُخرى متشابهَة. قالَ الله تعالى: {مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [سورة آل عمران: 7].
أمّا المحكَمُ فهو ما ظهرَ معناهُ وانكشفَ كشفًا يرفعُ الاحتمالَ، كقولِه تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [سورة البقرة: 275]، وأمّا المتشابهُ فهو المقابلُ للمُحْكَمِ، وهو ما يحتمِلُ أكثرَ من معنى، إمّا بجهةِ التساوي أو بغير جهةِ التساوي.
المعنى بجهةِ التساوي قولهُ تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [سورة البقرة: 228]، فإنّ لفظَ «القروء»يمكنُ أن يكونَ المرادُ بهِ الحيض أو الطهرَ.
وقولهُ تعالى: {أَوْ يَعْفُواْ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [سورة البقرة: 237] فإنّ الذي بيدِه عقدةُ النكاحِ يمكنُ أنْ يكونَ المرادُ بهِ الزوجُ أو الوليّ.
وقولهُ تعالى: {أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ} [سورة المائدة: 6] لترددهِ بينَ اللّمْسِ باليدِ والوطءِ.
المعنى على غيرِ جهةِ التساوي قولهُ تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [سورة الرحمن: 27]، {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} [سورة ص: 72]، {مِّـمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} [سورة يس: 71]، {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللهُ} [سورة آل عمران: 54]، {وَالسَّمَاواتُ مَطْوِيَّاتُ بِيَمِنِهِ} [سورة الزمر: 67]، وغيره فإنّهُ يحتملُ عدّةَ معانٍ بحَسَبَ فَهْمِ اللغة العربيّةِ من حيثُ أساليبُ العربِ وبحَسَبَ المعاني الشرعيّةِ، فهذا كلّهُ متشابهٌ... وإنما سُمّيَ متشابهًا لاشتباهِ معناهُ على السامع.
وليس المتشابهُ هو الذي لا يُفْهَمُ معناه، حيث لا يوجدُ في القرآن شيءٌ لا يُفْهَمُ معناه. لأنّ اشتمالَ القرآنِ على شيءٍ غيرِ مفهومٍ يُخْرِجُهُ عن كونهِ بيانًا للناس، وهو خلافُ قوله تعالى: {هَذَا بَيَانٌ لِلنّاسِ} وأما حروف المعجم في أوائل السوَر فإنّ لها معنى لأنها أسماء للسور ومعرفةٌ لها.



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB