علم اصول الفقه الميسر
الطبعة : الطبعة الاولى  
المؤلف : سميح عاطف الزين
عدد الصفحات :   416
تاريخ النشر :   1990




الفصْل الثالث - الاجتهَاد وَالتَّقْليد

الاجتهَاد وَالتقليد
لقد أمر الله سبحانه وتعالى رسولَهُ محمدًا، صلى الله عليه وآله وسلم، أن يخاطب الناس، بمختلف فئاتهم وأجناسهم، بقوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [سورة الأعراف: 158].
والرسالة التي يحملها رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، هي الإسلام، فيكون الخطابُ دعوةً إلى الجميع لتصديق الرسول، وتبلُّغ مضمون الرسالة منه، حتى يؤمن من آمن عن بيِّنة من أمره، ويعرف الطريق الذي يسلكه في هذه الحياة توصلًا إلى يوم الحشر في الآخرة، مع ما يحمل من دنياه هذه من أعمال صالحة أو طالحة.
وقد أتى خطابٌ آخر منه سبحانه وتعالى للناس مباشرة ليبيّن لهم كيفية خلقهم، وجعلهم شعوبًا وقبائل كثيرة ليتعارفوا وليقيموا العلاقات والمبادلات والروابط الإنسانية الخيرة، التي تهدف إلى رفع مستوى الإنسان وقدره، على أن تظل التقوى هي أعلى درجات المكرمة التي يمكن أن يحظى بها الإنسان بصفته مخلوقًا لله تعالى، وذلك في قوله عزَّ من قائل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [سورة الحجرات: 13].
ففي الآيتين المذكورتين تكاليف شرعية يجب على الناس اتِّباعُها والعملُ بمقتضاها. ومثل هذه التكاليف كثيرة في القرآن الكريم، فهي تتنوع لتتناول معظم الأحكام الشرعية التي يجب على الناس، والمؤمنين منهم بصورة خاصة، أن يعرفوها، وتكون ضوابط لكل ما يصدر عنهم من أقوال وأفعال. ومن تلك التكاليف، قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ} [سورة النساء: 135]. وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [سورة البقرة: 178]. وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [سورة البقرة: 183].
في هذه الآيات وغيرها من القرآن الكريم خطاب مباشر من الشارع، وهو الله تعالى الذي أنزل القرآن الكريم أولًا، ثم رسولُ الله، صلى الله عليه وآله وسلم، الذي بيّن أحكام الآيات وفصَّلها للناس ثانيًا.
وبما أن الخطاب للناس بعامة، وللمؤمنين بخاصة، فقد بات على من سمع الخطاب أن يفهمه ويؤمن به، وعلى من آمن به أن يعمل بموجبه، لأنه يتضمن الحكم الشرعي الذي يطبَّق على وقائع الحياة. لذلك كان جديرًا بالمسلم، أن يفهم بنفسه هذا الحكم من خطاب الشارع الأقدس، ما دام الخطابُ موجهًا مباشرةً منه تعالى إليه وإلى الجميع، بمعنى أنه لم يوجَّهْ إلى المجتهدين فقط، ولا إلى العلماء فحسب، بل إلى جميع المكلَّفين، فصار فرضًا على المكلَّفين أن يفهموا هذا الخطاب حتى يتأتَّى لهم العمل به، لأنه يستحيل العمل بالخطاب من دون فهمه، وصار فرضًا على المكلَّفين جميعًا استنباط الحكم الشرعي ـــــــ أي حكم الله تعالى ـــــــ في أي واقعة من وقائع الحياة. وهذا الاستنباط لا يكون إلَّا بالاجتهاد، فصار الاجتهاد فرضًا على جميع المكلَّفين. ومن هنا كان الأصل في المكلَّف أن يأخذ بنفسه حكم الله الذي هو خطاب الشارع، لأنه المعني بهذا الخطاب.
لكن الواقع يثبت أن المكلَّفين ليسوا جميعًا على المستوى نفسه من القدرات والطاقات، بل هم متفاوتون في الفهم والإدراك، وهم مختلفون من حيث درجة علمهم أو جهلهم، فكان من المتعذر على الجميع استنباط جميع الأحكام الشرعية، وكان من المتعذر ـــــــ تبعًا لذلك ـــــــ أن يكون جميع المكلَّفين مجتهدين، فكانت إذًا قضية الاجتهاد فرضًا على الكفاية، إن قام به بعضهم سقط عن باقي المكلَّفين.
وفي حقيقة الواقع، ومن وجهة شرعية بحتة، يجب أن يكون في المسلمين مجتهدون، ومحتاطون أو تابعون، ومقلدون، ذلك أن المجتهد هو الذي يأخذ الحكم بنفسه مباشرة من الدليل الشرعي الذي يدل عليه.
أما من يسأل العالم المجتهد عن الحكم الشرعي في مسألة من المسائل، فيكون مقلِّدًا لذلك المسؤول في استنباط الحكم الشرعي الذي يُسأل عنه. والمكلَّف على كل حال، مطالَب بأخذ الحكم الشرعي عن طريق ذلك العالم المجتهد القادر على استنباط الحكم من مصدره.
والإسلام يقرُّ هذه الأسس، إذ يعود مجالُ العلم والمعرفة والاجتهاد لأهل الاختصاص، وللباقين من الناس العمل بما يقدمه إليهم هؤلاء المتخصصون، بحيث يكون هنالك متخصصون في علوم الشريعة وهؤلاء يجب أن يكونوا مجتهدين، يترك للآخرين الاعتماد على هؤلاء من ذوي الاختصاص في معرفة الأحكام الشرعية... وفي القضايا العقائدية والدينية يمكن لكل مكلَّف أن يعتمد على بداهته أو على فطرته، أما في معرفة الحكم الشرعي، وما لا يستطيع معرفته أو الاهتداء إليه من الأحكام والمسائل الفقهية، فيسعى إلى معرفته من المجتهد المتخصص... على أن ذلك لا يعني أن يعتقد كلُّ متخصص أن ما توصل إليه أو استخرجه قد يكون هو الصحيح، بل عليه قبل الوثوق من صحة ذرأيه التشاور مع غيره، ومقارنة رأيه بالعلم والمعرفة، فإن وجَدَ بعد ذلك أن رأيه يتوافق مع كتاب الله وسنّة رسوله أطلقه اجتهادًا، حتى ولو كان اجتهاده يختلف عن اجتهادات الآخرين... وإلَّا وجب عليه الابتعاد عن التمسك برأيه، وطرحه جانبًا، والاعتماد على غيره من المتخصصين.
وفي الإسلام لا نجد فرضًا على كل إنسان أن يكون مجتهدًا، وأن يعاني الكثير من البحث والجهد العلمي حتى يمكنه معرفة الحكم الشرعي، بل الفرض أو الواجب أن يعرف المسلمُ الحكم الشرعي؛ لذا فقد قيَّض الله تعالى لفئة من عباده مجالات المعرفةِ، ومحاولة استنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنّة، وأوجب على غير هذه الفئة العالمة من عباده أَخْذَ الحكم الشرعي عن طريق علمائها ومجتهديها، أي أوجب التقليد على كل من لا يستطيع الاجتهاد، وهذا هو ما نقصده من قولنا إن الاجتهاد فرضٌ على الكفاية.
وهكذا يتحتم وجود فئة عالمة في الأمة يعود إليها إيجاد الأحكام الشرعية لكل وقائع الحياة، وذلك لقوله تعالى: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [سورة التوبة: 122]؛ على أن يكون الفرضُ على الآخرين جميعًا معرفة الأحكام الشرعية عن طريق المجتهدين عملًا بقوله تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [سورة النحل: 43].
والذِّكْرُ هو القرآنُ الكريم، وأهل الذكر هم المجتهدون أو العلماء، وعلى عاتقهم تقع مسؤولية استنباط الأحكام التي تؤمِّن للناس السبل الصحيحة للعمل بما يتوافق مع دينهم. ومن هنا كان هذا الشأن العظيم لعلماء الأمة؛ فقد جاء عن الرسول، صلى الله عليه وآله وسلم، قوله: «اللَّهم ارحم خلفائي». قيل: «ومن خلفاؤك يا رسول الله؟». قال، صلى الله عليه وآله وسلم: «الذين يأتون من بعدي يروون عني حديثي وسنّتي فيعلِّمونها الناس من بعدي».
وقد أُثِرَ عن السلف الصالح أن النظر إلى وجه العالِم عبادة، وذلك ترغيبًا في الرجوع إلى علماء الأمة والإفادة من علمهم، وفي ذلك مسؤولية جسيمة يتحملونها، وهي تفرض عليهم الحرص على الشريعة، وجعل أحكامها في متناول الجميع. وهذا ما يُلزم العلماء بأن يكونوا القدوة الحسنة في السلوك، يمتازون بالإيمان والتقوى، والورع والنزاهة والعدل، وبكل صفة كريمة، وخلق قويم، حتى ينالوا اللقب الذي أعطاهم إياه رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، كما جاء في حديثه: «العلماء ورثة الأنبياء». وفي حديث غيره أن الدين لن يعدم أبدًا العلماء القادرين على استيعابه والتفقه فيه، وتفهيمه للآخرين، ورفع الشبهات عنه وفي حمل مسؤولية الشريعة، يقول رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم: «يحمل هذا الدينَ في كل قرنٍ عُدولٌ، ينفون عنه تأويل المبطلين، وتحريف الغالين، وانتحال الجاهلين، كما ينفي الكير خبث الحديد».
أمام المسلم إذًا طريقان، في الأصل، لمعرفة الأحكام الشرعية: الاجتهاد أو التقليد، لكنَّ هنالك طريقًا آخر وهو ما يعرف، في الشرع الإسلامي، بالاحتياط. وهذا يعني أن على المسلم أن يقوم بكل شيء يحتمل فيه الأمر والوجوب،ولا يحتمل تحريمه على الإطلاق؛ وأن يترك كل شيء يحتمل فيه النهي والتحريم، ولا يحتمل فيه الوجوب في حالٍ من الأحوال.
وسوف نبحث في هذه الطرق الثلاثة، وفقًا لما يلي:
البحث الأول: الاجتهاد
الاجتهاد في اللغة: استفراغ الوسع في تحقيق أمر من الأمور مستلزم للكلفة والمشقة.
وفي اصطلاح الأصوليين هو استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية وعلى وجهٍ يحسّ من النفس العجز عن المزيد فيه.
وبمعنًى مبسَّط، الاجتهاد هو فهم النصوص الواردة في الكتاب والسنّة فهمًا صحيحًا يؤدِّي إلى استخراج الأحكام الشرعية منها، ولكن بعد بذل أقصى جهد، واستفراغ ذلك الجهد بحيث لا يقدر الباحثُ على إعطاء مزيد على ما استخرجه. وبذلك يرمي الاجتهاد إلى استخراج أحكام شرعية أرادها الشارع الأقدس ولا يقدر على معرفتها سائر الناس.
والاجتهاد ثابت بنص الحديث. فقد روي عن رسول الله، صلى الله وعليه وآله وسلم، أنه لمَّا أرسل معاذ بن جبل واليًا على اليمن.قال له: «بمن تحكم؟». قال معاذ: «بكتاب الله». قال، صلى الله عليه وآله وسلم: «فإن لم تجد». قال معاذ: «بسنّة رسول الله». قال، صلى الله عليه وآله وسلم: «فإن لم تجد؟». قال معاذ: «باجتهاد الرأي».
وارتاح الرسولُ العظيم إلى ذلك وقال: «الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لِمَا يحبُّه اللهُ ورسولُهُ».
وهذا صريح في إقرار الرسول لمعاذ على الاجتهاد؛ وهو إقرار يخاطب في حقيقته كلَّ مسلم ويدعوه إلى معرفة كتاب الله وسنّة رسوله، ومن ثم إلى الاجتهاد لمعرفة الأحكام الشرعية بنفسه إذا أمكن ذلك. وما وجد في المسلمين أحدٌ نازع في الاجتهاد. بل على العكس إن الاجتهاد فرض على المسلمين، لكنه فرض كفائي إن قام به بعضهم سقط عن الباقين. وإن لم يقم به أحد أَثِمَ المسلمون جميعًا في ذلك العصر الذي لا يوجد فيه مجتهد، إذ لا يجوز أن يخلو عصر من مجتهد مطلقًا، لأن التفقه في الدين والاجتهاد فيه، فرض على الكفاية، فإذا اتفق الكلُّ على تركه أَثِموا؛ ولو خلا العصر من مجتهدين يمكن الاستناد إليهم في معرفة الأحكام لأفضى ذلك إلى تعطيل مدارك الشريعة واندراس أحكامها، وذلك لا يجوز إطلاقًا والعياذ بالله منه.
وهكذا فإن الاجتهاد يرمي إلى استنباط الحكم من النص: إما من منطوقه، أو من مفهومه، أو من دليله، أو من العلة التي وردت في النص. وسواء أكان ذلك استنباط حكم كليٍّ من دليل كليٍّ، كاستنباط «أن على الناهب عقوبة» من جعل الشارع قطع اليد حدًّا للسرقة؛ أم كان استنباط حكم جزئيٍّ من دليل جزئيٍّ كاستنباط «حكم الإجارة» من قول الله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}؛ ومن قول رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقُهُ».
وذلك كلّه يُعدّ اجتهادًا لأنه استخراج للحكم الشرعي من الدليل، سواء أكان هذا الحكم عامًّا مأخوذًا من دليل عامٍّ، أو حكمًا مأخوذًا من دليل خاصّ.
أما تطبيق الحكم على المسائل المستجدة الداخلة تحت معناه، والمندرجة تحته، فلا يُعدّ اجتهادًا، بل هو مجرد فهم للحكم الشرعي. فإذا قيل: «حرَّم الله تعالى الخمرة» كان كل شيء من الخمر محرَّمًا، سواء ما وجِدَ منه قبلًا أم ما كان من أشياء مستجدة كالويسكي، والبيرة، والجن، والفرموت وما شابه. وكذلك الميتة فهي حرام في شرع الله تعالى.سواء ماتت ميتة طبيعية، أم ضربت على رأسها حتى ماتت، أم فُصل رأسها في المعمل ووضعت في علب، فبيعها وأكلها حرام، لأنها لم تذبح على الطريقة الشرعية.
وكل هذه المسائل ليست من قبيل الاجتهاد، بل من قبيل التطبيق للأحكام الشرعية.
إلَّا إن القاعدة الأساسية والثابتة هي أن نصوص الشريعة الإسلامية تستوجب من المسلمين الاجتهاد، وما ذلك إلَّا لأن النصوص التي تشتمل على الأحكام لم تأتِ مفصَّلة، بل جاءت في معظمها مجملة، وهي تحتاج، لكي تنطبق على جميع وقائع الحياة إلى فهمها واستنباط حكم الله تعالى فيها. وحتى النصوص التي جاءت مفصَّلة، فإنها تُعدّ في حقيقتها عامَّةً ومجملةً وتحتاج إلى تفصيلات جزئية.والمثال على ذلك آيات الميراث فهي قد جاءت مفصَّلة بل تعرَّضت لتفصيلات دقيقة، ومع ذلك فإنها من حيث الأحكام الفرعية في الميراث احتاجت إلى فهم واستنباط في كثيرٍ من جوانبها، كما هي الحال في مسألة الكَلَالة ومسألة الحجب . فقد ذهب معظم المجتهدين ـــــــ في الحجب ـــــــ إلى القول بأن الولد يحجب الأخوة سواء كان ذكرًا أم أنثى، لأن كلمة ولد تعني كل ولدٍ، ابنًا كان أو بنتًا، بخلاف ابن عباس فإنه قال: البنت لا تحجب، لأن كلمة ولد تعني «الذكر» فقط. وهذا مما يدل على أن النصوص، حتى التي تعرَّضت للتفصيل قد جاءت مجملة من حيث الأحكام الجزئية أو الفرعية، ويحتاج فهمها واستنباط الحكم منها إلى الاجتهاد.
من هنا كانت ضرورة الاجتهاد لاستنباط الأحكام الشرعية من النصوص سواء منها التي وردت جملة أم تلك التي جاءت مفصَّلة.
شروط الاجتهاد:
عُرِّف الاجتهاد بأنه بذل الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحسّ الفقيه أو المجتهد من نفسه العجز عن المزيد عليه.
أي إن الاجتهاد هو بذل أقصى الجهد في فهم النص الشرعي من الكتاب والسنّة، من أجل الوصول إلى معرفة الحكم الشرعي. وهذا يقتضي أن تتوافر في الفقيه أو المجتهد ـــــــ لاستنباط الحكم الشرعي ــــــ الأمور التالية:
1 ـــــــ بذل الوسع (الجهد)، بحيث يعطي أقصى ما لديه، حتى يحسَّ نفسه عاجزًا عن مزيد من العطاء.
2 ـــــــ أن يكون هذا البذل بعد الظن بإمكانية وجود حكم شرعي في النص.
3 ــــــ أن يكون طلب الحكم من النصوص الشرعية.
4 ــــــ إن النصوص الشرعية المقصودة هي الكتاب والسنّة لا غير؟ وما عدا ذلك من النصوص التي وجدت في التشريع الإسلامي، لا تُعدّ من النصوص الشرعية، مهما كانت منزلة قائلها.
من هنا كانت شروط الاجتهاد كلها تدور حول توافر نوعين من المعرفة للمجتهد:
ــــــــ المعرفة اللغوية أي أن يكون عالمـــًا بلغة العرب كي يتمكن من تفسير القرآن الكريم، وتفسير السنّة النبوية الشريفة، وكل منهما كان بلسان عربي فلا يمكن فهمها واستنباط الأحكام الشرعية منهما ما لم يكن المجتهد عالمــًا باللغة العربية. ولا يشترط في ذلك أن يكون المجتهد حافظًا للغة العربية بل أن يكون متمكنًا من فهم مؤلفات الأئمة المشتغلين باللغة، وأن يكون له ذوق في فهم الأساليب العربية، مع سعة اطلاعه على آدابها وآثار فصاحتها.
ــــــــ المعارف الشرعية: أي معرفة المجتهد لآيات القرآن التي تتعلق بالأحكام، بحيث إذا عرضت له واقعة أو جدَّت حادثة كان في مقدوره أن يعرف كل ما ورد في هذه الواقعة أو ما نزل في هذه الحادثة من آيات في الأحكام، وكل ما يتعلق بهذه الآيات من أسباب النزول، وما جاء فيها من تفسير، وما ورد في تأويلها من آثار حتى يمكنه في ضوء ذلك كلّه أن يستنبط الحكم للواقعة المعروضة أو الحادثة المستجدة.
ولا يشترط حفظ هذه الآيات، بل يكفي أن يكون المجتهد عالمــًا بها، وبما تقدم منها وما تأخر من جهة التلاوة والنزول، وأن يكون عالمــًا بمعانيها، عارفًا عامَّها وخاصَّها، مطلقها ومقيّدها، ناسخها ومنسوخها، وموقف السنّة من هذه الآيات من حيث بيان مجملها أو تخصيص عامِّها وتقييد مطلقها.
وقد قدر بعض العلماء آيات الأحكام في القرآن الكريم بخمسمئة آية. وهذا التقدير إنما هو كون الآيات الدالة على الأحكام دلالة أولية بالذات لا بطريق التضمن والالتزام. وإذا كان هذا هو القدر في آياتِ الأحكام فمن الميسور جدًّا أن تجمع في سِفْر واحد، وسنقوم بهذه المهمة إن شاء الله تعالى، ونسأله التوفيق لذلك.
وإلى جانب معرفة آيات القرآن المتعلقة بالأحكام، على المجتهد أن يعرف السنّة النبوية الشريفة الواردة في الأحكام الشرعية، قولًا وفعلًا وتقريرًا.
ولا بد للمجتهد من أن يميِّز بين صحيح الحديث وحَسَنه ، وموقوفه ، ومقطوعه ومنقطعه ، ليبحث فيما يصح استنباط الحكم منه، ويبتعد عمَّا لا يصح استنباط الحكم فيه. ولا بد للمجتهد أيضًا من أن يعرف عامَّ السنّة وخاصَّها، وناسخها ومنسوخها، ومطلقها ومقيدها، والأحوال التي قيلت فيها.
كما لا بد للمجتهد من معرفة علم أصول الفقه ، لأنه العمود الفقري الذي يرتكز عليه الاجتهاد. بحيث يمكنه من خلال هذه المعرفة أن يفهم مقاصد الشارع العامة من تشريع الأحكام.
وقبل كل شيء، يجب أن يكون المجتهد مخلصًا لله تعالى لا يبتغي إلَّا الوصول إلى الحق، والحق فقط، لأنه من دون الإخلاص لله تعالى لا علم ينفع، ولا معرفة تفيد، ولا فهم يؤدي إلى الغاية، فالأساس الإخلاص، وتبنى عليه، بعد ذلك، جميع المعارف الأخرى.
هذان الشرطان أساسيان إذًا للمجتهد، فلا بد من أن تتوافر لديه المعارف اللغوية، والمعارف الشرعية كما بيَّنا آنفًا؛ فإن امتلك هذه المعارف وكانت نيَّتُه خالصةً لله تعالى وُفِّق بإذن الباري، عزّ وجلّ، إلى الغاية المقصودة واغتنى التشريع الإسلامي بوافر من الأحكام الشرعية التي تتلاءم مع كل زمان ومكان.
والاجتهاد ليس أمرًا حديثًا في التشريع الإسلامي. فقد كان المسلمون منذ فجر الإسلام وحتى نهاية القرن الثاني لا يحتاجون إلى قواعد معيَّنة لفهم النصوص الشرعية، لا من الناحية اللغوية، ولا من الناحية الشرعية، نظرًا إلى قرب عهدهم من رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، ولا من الناحية الشرعية، نظرًا إلى قرب عهدهم من رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، وصرف عنايتهم في الحياة إلى الدين، ونظرًا إلى سلامة سليقتهم اللغوية، وبُعْدهم من فساد اللسان. لذلك لم تكن هنالك أيّ شروط موضوعة للاجتهاد، ولكن مع ذلك كان الاجتهاد معروفًا، وكان المجتهدون يُعدونَ بالآلاف.
ولما فَسَدَ اللسانُ العربيّ، ووُضعَتْ قواعدُ معيّنَةٌ لضبطِهِ. وشُغِلَ الناسُ بالدنيا، وقلَّ مَنْ يُفرّغُ أكثرَ وقتهِ للدينِ، وفشا الكذبُ في الأحاديثِ عنْ لسانِ رسولِ الله، صلى الله عليه وآله وسلم، وُضِعَتْ قواعدُ للنّاسخِ والمنسوخ لأخْذِ الحديثِ أو رَفْضِهِ، ولِفَهمِ كيفيّةِ استنباطِ الحُكْمِ منَ الآيةِ، أو الحديثِ، وعندئذٍ قلَّ عددُ المجتهدينَ، وصارَ المجتهدُ يسيرُ باجتهادِهِ على قواعدَ معيّنةٍ، يصلُ منها إلى استنباطاتٍ مُعيّنَةٍ، تخالف قواعدَ غيره. وتكوّنَتْ هذهِ القواعدُ عندهُ، إمّا منْ كثرةِ ممارستِهِ لاستنباطِ الأحكامِ منَ النصوصِ حتى صارَتْ كأنها موضوعةٌ لسيرهِ على طريقٍ واحد حسبها، وإمّا لاتباعِ قواعدَ معيّنَة ثمّ الاستنباطِ بالاستناد إليها، فنجم عنْ ذلكَ أن صارَ المجتهدُ مجتهدًا في طريقةٍ معيّنَةٍ لِفَهْم النصوص الشرعيّةِ. ومجتهِدًا في أخْذِ الحكْمِ الشرعيّ من النصوص الشرعيّةِ، وصارَ بعضُ المجتهدينَ يقلّدونَ شخصًا في طريقة اجتهاده، لكنهمْ لا يُقلّدونَهُ في الأحكامِ، بلْ يستنبطونها بأنفسهِمْ على طريقةِ ذلكَ الشخصِ. وصارَ بعضُ المسلمين ملمّينَ بشيءٍ منَ المعارفِ الشرعيّةِ في مسائلَ معيّنَةِ تعرِضُ لهمْ وليس في جميعِ المسائلِ. وبذلك ظهر بينَ المسلمينَ ثلاثةُ أنواعٍ منَ المجتهدينَ:
ــــــــ مجتهد مطلق.
ــــــــ مجتهد مذهب.
ــــــــ مجتهد مسألة.
والمجتهِدُ المطلقُ لهُ شروطٌ، أهمّها اثنان:
أحدهما معرفةُ الأدلّةِ السمعيّةِ التي تُنتزعُ منها القواعدُ والأحكامُ، وثانيهما معرفَةُ وجوهِ دلالَةِ اللّفْظَةِ المعْتَدِّ بها في لسانِ العربِ واستعمالِ البلغاءِ.
أمّا الأدلّة السمعيّةُ فيرجعُ النّظرُ فيها إلى الكتاب والسنّةِ والاجتهادِ وإلى القدْرَة على الموازنةِ والجمْعِ بينهما، وترجيحِ أقواها على ما هو دونَهُ عند تعارضِهِما.كقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ} [سورة الطلاق: 2]، وقالَ: {اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أو آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} [سورة المائدة: 106] فالآيتان في الشهادةِ، الأولى تنص على أنْ يكونَ الشهودُ من المسلمينَ. والثانيةُ تنصّ على أن يكونوا منَ المسلمينَ وغيرهمْ. فلا بدّ من معرفةِ الجمعِ بينهما، أي لا بدّ منْ معرِفَةِ أنّ الآيةَ الأولى بالشهادةِ على الإطلاق، وأنَّ الآيةَ الثانيةَ تتعلق بالشهادةِ في حالة الوصيةِ في السفر، وهاتان الآيتانِ تدلّانِ على أنّ البينةَ تكونُ بشاهدينِ عدلينِ، وتؤيّدهما آيةٌ أُخرى وهي قولهُ تعالى: {وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} [سورة البقرة: 282].
فكيفَ يتفِقُ ذلكَ مع ما ثَبَتَ في الصحيحِ عن النبيّ، صلى الله عليه وآله وسلم، أنّهُ قَبِلَ شهادَةَ امرأةٍ واحدةٍ على الرضاعةِ؟ أو أنّهُ قبلَ شهادةَ شاهدٍ واحدٍ معَ يمينِ المدعي؟ وعنْ عليٍّ أمير المؤمنين، كرَّم الله وجهه، قالَ: «إنّ النبيّ، صلى الله عليه وآله وسلم، قضى بشهادةِ شاهدٍ واحدٍ ويمينِ صاحبِ الحقّ» فيبدو من هذا تعارضٌ بينَ الأدلّةِ ولا سيما أن المجتهد المدقّق يجدُ أنّ الآيةَ ذَكَرَتِ النصابَ الأكملَ في الشهادةِ.
ولا يلزمُ إذا لمْ يكتمِل النصابُ الأكملُ، أنْ لا يُقْبَلَ ما دونَ ذلك. لأنّ النصابَ إنما هو للتحمّلِ. أما في الأداءِ والحكمِ منْ قِبَلِ القاضي فلا يُشْتَرَطُ نصابُ الشهادةِ. بلْ يُشْترطُ البيّنَةُ، وهيَ كلّ ما يُبيّنُ الحقّ ولو كانَ ذلكَ شهادةَ امرأةٍ واحدةٍ، أو شهادةَ رجلٍ واحدٍ مع يمينِ صاحبِ الحقِّ إلّا إذا جاءَ نصّ شرعيّ يُعيّنُ نصابَ الشهادةِ، كما في شهادةِ الزّنى فحينئذٍ يتقيّدُ بالنصِّ، وبهذا البيانِ ومثلِهِ يذهبُ تزاحُمُ الأدلّةِ.
فالمقدرَةُ على فَهْمِ الأدلّةِ السّمْعيّةِ وعلى الموازنةِ بينها شَرْطٌ أساسيّ، وعليهِ فلا بُدّ من أن يكونَ المجتهِدُ المطلقُ عارفًا بمداركِ الأحكامِ الشرعيّةِ وأقسامِها، وطُرُقِ إثباتها ووجوهِ دلالَتِها على مدلولاتها، واختلافِ مراتبِها والشروطِ المعتَبَرَةِ فيها، وعليهِ أنْ يعرِفَ جهات تَرجيحها عندَ تعارضِها. وهذا يُوجِبُ عليهِ أنْ يكونَ عارفًا بالرّواةِ وطرقِ الجرحِ والتعديلِ، وأن يكونَ عارفًا بأسبابِ النزولِ والناسخِ والمنسوخِ في النصوصِ.
وأمّا معرفةُ وجوهِ دلالةِ اللّفظِ فإنّهُ يقتضي معرفةَ اللغةِ العربيّةِ فيتمكّنُ بها من معرفةِ معاني الألفاظِ، ووجوهِ بلاغتِها ودلالتِها ومعرفةِ الخلافِ الجاري في اللفظِ الواحدِ، حتى يُرجّحَ روايةَ الثقاتِ وما يقولُهُ أهلُ اللغةِ. ولا يكفي أنْ يعرفَ منَ القاموسِ مثلًا أنّ القروء تدلّ على الطّهْرِ والحيضِ، أو أنّ النكحَ يدلّ على الوطْءِ والعَقْدِ، بلْ لا بدّ من معرفةِ اللغةِ العربيّةِ بشكلٍ عامّ من نحوٍ وصرفٍ وبلاغةٍ ولغةٍ وغيرِ ذلَك معرفةً تمكِّنُهُ من الوقوفِ على وجوهِ دلالةِ اللّفْظِ الواحدِ والملةِ الواحدة بحسب لسانِ العربِ واستعمالِ البلَغَاءِ، وتمكّنُه منَ المراجعةِ في كتبِ العربيّةِ وفهم ما يحتاجُ إلى فَهْمِهِ منها.
ولكن لا يعني ذلكَ أنْ يكونَ مجتهِدًا في كلِّ فرعٍ من فروعِ اللّغةِ بل يكفي أنْ يكونَ عالمــًا بأُسلوبِ اللّغةِ بحيثُ يميّزُ بينَ دلالةِ الألفاظِ والجملِ والأساليبِ، كالمطابَقَةِ والتضمينِ والحقيقةِ والمجازِ والكنايةِ والمشتركِ والمترادفِ، وما شاكلَ ذلكَ. وبالجملةِ فإنّ درجَةَ الاجتهادِ المطلَقِ لا تحصلُ إلّا لمنِ اتّصفَ بوصفينِ.
ــــــــ الأول: فَهْمُ مقاصدِ الشريعةِ، لِفَهْمِ الأدلّةِ السمعيّةِ.
ــــــــ الثاني: فَهْمُ اللغةِ العربيّةِ ومدلولاتِ ألفاظِها، وجُمَلِها وأساليبِها. وعليهِ فليسَ وجودُ المجتهِدِ المطلقِ بالأمرِ العسيرِ. بلْ هَو مُمكِنٌ ومتيّسرٌ إذا صحّتْ الهممُ.
وأما مجتهد المذهب فهو الذي يقتصر على مذهب معيَّنٍ ولا يتعداه إلى سواه كالذي يجتهد في مذهب الإمام الشافعي مثلًا، ثم يتتبَّع طريقته في كيفية فهم واستنباط الأحكام الشرعية فهذا يقال له مجتهد مذهب، وأما مجتهد المسألة فهو الذي يتتبع المسألة الواحدة ويتقصى أبعادها ثم يعتمد دليلها من الكتاب والسنّة، فهذا يقال له مجتهد مسألة لأنه تتبع مسألة واحدة. ومجتهد المسألَةِ متيسّرًا للجميعِ بعد معرفةِ ما لا بدّ منهُ منَ المعارفِ الشرعيّةِ واللغويّةِ.


البحث الثاني: التقليد
التقليد في الفقه اتباع الغير من دون تأمل. يقال: قلَّده في كذا أي تبعه من غير تأمل ولا نظر.
والتقليد شرعًا هو العمل برأي الغير من غير حجة معرفة.
والتقليد في العقيدة لا يجوز لأن الله تعالى ذمَّ المقلدين في العقيدة، لقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ} [سورة البقرة: 170]. وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ} [سورة المائدة: 104].
من هذه الآيات المبينة وغيرها في القرآن الكريم يظهر بوضوح أن التقليد في العقيدة غير جائزٍ مطلقًا، أي في أصول الدين، لأن المطلوب أن يعلم المسلم أصول دينه علمَ يقين، وذلك بمعرفة حقيقة وجود الله تعالى، والإيمان برسوله، وكتابه، ومعاده... لذلك دعت الشرائع السماوية، والإسلام منها بخاصة، الإنسانَ إلى تحمل مسؤولية عقيدته الدينية بنفسه بدلًا من أن يتواكل على غيره. ومن هنا جاء القرآن الكريم ـــــــ كما في الآيات المذكورة ـــــــ يُعَنِّفُ من يبنون عقائدهم الدينية الأساسية بالقبول أو الرفض على أساس التقليد أو اتباع ما أَلْفَوا عليه آباءَهم.
والعقائد الأساسية في الدين ليست كثيرة إلى حد لا يستطيع الإنسان معرفتَها كلَّها، بل هي محدودة العدد. كما أنها جاءت متوافقة مع فطرة الإنسان بحيث لا تستعصي على صاحب الفطرة السليمة، والرؤية الواضحة، ناهيك عن أهمية تلك العقائد في حياة الإنسان لما تدلُّهُ على طريق الخير، وتبعده عن طرق الشر... من هنا وجب على الإنسان أن يبذل جهدًا مباشرًا في البحث عن عقيدته الدينية واكتشاف حقائقها، وحتى ولو وجَدَ بعض الصعوبات في البحث فإنَّ عليه أنْ يجتازها لأن العقيدة الدينية هي أهم شيء في حياة الإنسان. ولا نبالغ إذا قلنا إنّها هي قضية الإنسان الكبرى. ومع ذلك فقد لاحظت الشريعة اختلاف المستويات الفكرية بين الناس، فكان تكليف الإنسان بالبحث والنظر في عقيدته على قدر ما يتناسب مع مستواه الفكري، ويصل به إلى قناعة كاملة بالحقيقة التي تطمئن بها نفسه ويعمر بها قلبه، ويتحمل مسؤوليتها المباشرة أمام ربِّه. من أجل ذلك كله كان التقليد في العقيدة محرَّمًا شرعًا. وأما التقليد في الأحكام الشرعية فهو الجائز للمسلم، قال تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [سورة الأنبياء: 7]. وقال تعالى: {وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ} [سورة البقرة: 282]. أي إن الله، سبحانَهُ وتعالى، يعلِّمكم فتتقون، وبذلك كان العلم قبل التقوى، وكان فرضًا على المسلم أن يتعلَّم أحكام الله تعالى التي تلزمه للعلم قبل العمل. وهذا التعلم يجب أن يكون من تلقاء نفسه، أي أن يعتمد على جهده الشخصي في معرفة الحكم الشرعي الذي يريد تطبيقه على الوقائع التي تعرض له، وذلك من خلال السؤال والدرس والبحث، حتى إذا لم يكن قادرًا على هذا الاكتشاف لمعرفة الحكم الشرعي أجاز له أن يقلد غيره أي أن يعمل برأي مرجع أو مجتهد. وهذا ما نراه شائعًا في حياة غالبية المسلمين، الذين استكانوا إلى التقليد، وبعدوا من المعرفة الشخصية للأحكام الشرعية؛ بمعنى أن الأمة الإسلامية في عصرنا هذا نجدها مرتاحة إلى التقليد ومستكينة إليه، بحيث فقدت عوامل الطموح لكي يخرج من بين صفوفها مجتهدون على مستوى العصر.هذا مع العلم بأن التقليد قد ذم في معظم العصور، لسبب رئيسي وجوهري، وهو أنه يؤدي بالأمة إلى مكامن التراخي والكسل، والتواكل وعدم الطموح، وهي أمور ضارّة بكيان الأمة، وبمسيرتها في طريق التقدم والتطور، فالأحداث تتعاقب، والأمور تستجدّ بصورة متواصلة، وتحتاج إلى أحكام شرعية من كتاب الله وسنّة رسوله، ولكن مع الأسف لم يلاحظ أن هنالك عقولًا نيّرة تتصدَّى للأحداث والقضايا المتشعبة، ولم ينبرِ مجتهدون في الأمة للقيام بدور التصدّي هذا، فكان الواجب، بل الرجاء إلى الله، سبحانه وتعالى، أن يوفق هذه الأمة، التي كانت شريعتها ولا تزال نور الله الذي يشع على وجه هذه الأرض، كي يخلّصها من التقليد، وينضوي معظم أبنائها، إن لم يكن إلى لواء الاجتهاد، فأقل شيء ممكن، أن يكونوا من المحتاطين أي التابعين الذين يفقهون الأحكام الشرعية وأدلتها، على الرغم من أنهم ليسوا من المجتهدين، وليسوا، بالطبع، من المقلّدين، أي من الذين هداهم الله تعالى إلى فهم الأحكام الشرعية والعمل بها عن قناعة تامة، بخلاف المقلّدين الذين يأخذون تلك الأحكام ويعملون بموجبها من دون أي تفكّر أو تبصّر، وربما من دون فهم وتقدير لحقائقها؛ فهم يعملون برأي غيرهم، بنوع من التراخي والتسليم، إلى درجة توحي بالعقم الفكري لديهم، مما يضر بهم، وبالأمة جمعاء، إذا استمروا على التقليد.
وعلى الرغم من ذلك كله، يبقى على المسلم أن يعمل بموجب الأحكام الشرعية، لكي لا يتفلت منها، حتى ولو أخذها عن طريق التقليد، وهذا هو السبيل الوحيد الذي يجعلنا نقرُّ التقليد، ونعدّه جائزًا في حياتنا الإسلامية، شرط أن تتوافر في المجتهد الذي يقلّده غيره الصفات التالية: الذكورة، البلوغ، العقل، طيب الولادة، الإيمان، الاجتهاد، العدالة والحياة.
ولو فرضنا أنَّ المجتهدين الذين تتوافر فيهم هذه الصفات قد تعددوا وكانوا متفقين في آرائهم وفتاويهم، ففي هذه الحال يرجع المقلد إلى أي واحد منهم. لكن هذا مجرد افتراض نظري وليس واقعًا في الحياة العملية لأنه لا يمكن أن نجد مجتهدَين أو أكثر بالمستوى نفسه، وهذا ما جعل الاجتهاد مختلفًا بين شخص وآخر. ولكن في حال الاختلاف بالآراء بين المجتهدين إلى مَن يرجع المقلد منهم؟ أي مَن يقلّد؟
لا شك في أن عليه أن يرجع في تقليده إلى من هو أعلم بالشريعة، لأن الأعلم أقل خطأً في فهم الشريعة، وأكثر قدرة على تطبيق أحكامها، مع فهم واسع دقيق للحياة وشؤونها. ويمكن للمقلد معرفة الأعلم بالشريعة بشهادة اثنين عادلَيْن من المجتهدين الأكفاء، أو بخبرته وممارسته الشخصية عن طريق الاطلاع على الفتاوى والآراء التي يصدرها المجتهدون، أو عن بروز مجتهد وذياع صيته بين الناس بأنه الأعلم وتيقَّن المقلد بأن ذلك صحيح؛ أي إن على المقلِّد اتباع أيِّ سبيل يمكن بوساطته تكوين قناعة تامة لديه بمن هو الأعلم بالشريعة بين المجتهدين. وإذا صادف وجود أكثر من مجتهد وهما على المستوى نفسه من العلم والمقدرة والفضل، مع الاختلاف في الفتوى فإنه يقلّد من كان منهما أكثر ورعًا وتقوى.
وعلى هذا فإن التقليد يدور دائمًا مع الأعلم كيفما دار، فإذا وجد المقلد من هو أعلم منه يقينًا تحوَّل إليه، وإن وجَدَ من يوازيه علمًا جاز له أن يستمر على تقليده.
وقد تحصل الشبهة عند المقلد، كأنْ يعتقد أن ذاك المجتهد هو الأعلم، ثم يكتشف بعد حين أنه ليس كذلك، فعليه أن يتحول عندها إلى المجتهد الأعلم، والفرائض والواجبات التي أداها حين الاشتباه من صلاة وصوم ونحوهما ليس على المقلد أن يقضيها إن كان مَن قلَّده مجتهدًا، ولو أقل علمًا من غيره، أما إذا ظهر له بأنه لم يكن مجتهدًا فعليه أن يقضي كل ما ثبت لديه أنه قد أداه باطلًا في رأي مقلده الجديد، وأما الواجبات التي يؤديها في حينها المقلّد، ويكون قد قام بها على أساس تقليد صحيح فلا يجب عليه قضاؤها. على أنه لا يجوز التحول في التقليد من مجتهد إلى مجتهد مهما كانت الظروف والأسباب إلا إذا وجد المبرر الشرعي لهذا التحول وهو أن يفقد المجتهد بعض الشروط الرئيسية أو أن يوجد من هو أعلم منه.
معرفة المقلِّد للفتاوى:
يمكن للمقلد أن يتعرف فتاوى المجتهد الذي يقلده بإحدى الوسائل التالية:
1 ـــــــ الاستماع منه مباشرة.
2 ـــــــ عن طريق البينة، والبينة هي نقل الفتوى من شاهدين عادلين.
3 ـــــــ أن يخبره بالفتوى رجلٌ ثقة، وهو الشخص المعروف بصدقه وتحرُّجِه عن الكذب حتى ولو كان لم يكن عادلًا وملتزمًا دينيًّا في سلوكه.
4 ـــــــ أن يطلع على الفتوى في كتاب ألَّفَهُ المرجعُ أو أقره، كالرسالة العلمية العملية الصادرة عنه. وإذا جاءه ثقة بفتوى عن مقلده، وجاءه ثقة آخر بفتوى تتعارض مع الفتوى الأولى، فإنه يأخذ بالفتوى الصادرة أخيرًا عن المرجع، مثال ذلك أن يخبره أحدهما عن فتوى صادرة قبل سنة، ويخبره الآخر عن فتوى صادرة قبل شهر فيعمل على أساس الفتوى الأخيرة الحديثة العهد. وإذا كانا يتحدثان عن زمن واحد، فلا يعتمد المقلد على أي من الخبرين، بل يحتاط حتى يتضح له واقع الحال.وإذا شك المقلد في أن مرجعَه قد تحول من فتوى إلى أخرى جديدة، فيعمل على أساس الفتوى السابقة ما لم يقم لديه دليل شرعي معاكس.
وفي حالات موت المرجع هنالك عدة احتمالات:
1 ـــــــ إن كان المرجع الميت أعلم من كل الأحياء الموجودين، يستمر المكلَّف على تقليده.
2 ـــــــ إن وجَدَ مرجعًا أعلم من الميت، عليه العدول إلى تقليد الحي في كل المسائل من دون استثناء.
3 ـــــــ إذا استمر المقلِّد على تقليد الميت بفتوى من المجتهد الحي الأعلم، ثم مات هذا المجتهد، فإن على المقلِّد أن يستفتي مجتهدًا آخر أعلم من الأحياء مع بقائه على تقليد الميت.
4 ـــــــ إذا استمر المقلد على تقليد الميت بصورة اعتباطية، ومن دون الرجوع إلى الأعلم من المجتهدين الأحياء، فإنه يكون كمن يعمل من دون تقليد.
وفي الخلاصة نحن لا ننكر أن التقليد جائز شرعًا، لكنه في الحقيقة غير مشكور لأن اتِّباعه يؤدي إلى خمول الأذهان، وتواكل المسلمين على فئة معينة من علمائهم المجتهدين وأن اتكال الأمة الإسلامية على التقليد هو الذي جعلها تنحدر إلى المستوى الذي هي عليه اليوم بحيث لم يبق بين صفوفها إلا القليل من علمائها الذي يجد بنفسه القدرة على الاجتهاد. لذا نراها فقدت الثقة بنفسها وأنها غير قادرة على الاجتهاد، وحينها بدا معظم العلماء يروجون للتقليد ويمجدونه ويرون أنه هو السبيل الوحيد لمعايشة الواقع السيئ الذي يحيونه، مع أنه في الحقيقة كان عليهم محاربة هذا النهج، والحض على التفكير والاستنباط، والابتعاد عن التقليد المتبع حاليًّا لأنه يضر ولا ينفع، بدليل ما وصلت إليه حال الأمة في واقعها السيئ المذكور.
البحث الثالث: المحتاط أو التابع
الاحتياط هو الطريق الثالث الذي يتبعه الإنسان لطاعة الله تعالى؛ والمحتاط هو التابع أي هو محتاط عندما يستند في احتياطه إلى علمه واجتهاده، وهو تابع عندما يستند في احتياطه إلى تقليد مجتهد معين.
والاحتياط قد يستدعي التكرار كما في صلاة الظهر مثلًا فقد يحتار الشخص هل يصليها قصرًا ـــــــ أي ركعتين ـــــــ أم يصليها تمامًا أي أربع ركعات؟ في هذه الحالة إن أراد أن يحتاط عليه أن يؤدي هذه الصلاة مرتين: مرةً قصرًا، ومرةً تمامًا.
وقد لا يستدعي التكرار، مثال ذلك أن يجهل المصلّي حكم الإقامة في الصلاة فلا يدري هل هي واجبة أم مستحبة، ففي هذه الحالة يحتاط ويقيم الصلاة، من دون أن يكررها من دون إقامة.
وكل من هذين القسمين أي الاحتياط الذي يستدعي التكرار، والاحتياط الذي لا يستدعيه، كل منهما جائز سواء أكان المحتاط يقوم بالواجب عن طريق الاجتهاد أم عن طريق التقليد.
والعمل بالاحتياط لا يُغني عن التقليد، لأن معرفة الاحتياط تحتاج إلى اطلاع وانتباه فقهيَيْن واسعين. لذا لا بد للمحتاط من أن يحيط علمًا بكل الأمور التي من المحتمل أن تكون واجبة فيأتي بها، وبكل الأمور التي من المحتمل أن تكون محرمة فيتركها.
وقد يحصل أن يكون هنالك شيء واحد أو أمر واحد، يحقق الاحتياط في حالةٍ دون أخرى ومثال ذلك عقد الزواج، هل يجب أن يتم بلغة عربية أم بلغة غيرها؟
هنالك من يقول بأن اللغة العربية شرط في عقد الزواج، فلا يصح العقد من دونها، وآخرون يقولون بصحته ولو لم تستعمل اللغة العربية عند إجراء العقد.
فضلًا عن ذلك قد يتعذر أحيانًا الاحتياط بصورة نهائية ومثال ذلك: إذا نذر شخص نذرًا ونهاه والده عنه. فهو قد يرى بأن الوفاء بالنذر واجب لأنه نذر، وقد يرى بأنه حرام لأنه يخالف نهيَ الوالد، ففي هذه الحالة لا يمكن للشخص الاحتياط وعليه أن يتصرف على الحكم الشرعي سواء عن طريق الاجتهاد أو التقليد.
وهناك حالات لا يمكن للإنسان أن يطمئن إلى إتيانها ما لم يتعلم مسبقًا أحكامها، ومثاله حالات الشك في عدد الركعات التي أداها في الصلاة، فهنا على الإنسان أن يعرف حكم الشك، وحكم ما يجب أن يزيده من ركعات أو يتركه منها سهوًا أو نسيانًا.
وفي مطلق الأحوال على كل مسلم ـــــــ رجلٍ أو امرأة ـــــــ أن يكون على بصيرة من دينه، ومعرفة بالأحكام الشرعية التي من الممكن أن يتعرض لها ولا يمكن أن يفيها حقها إلَّا بتعلمُّها. ولا عذر للمسلم في ترك الفرائض والواجبات جهلًا، كما لا عذر له في إتيانها بصورة غير صحيحة بسبب الجهل أيضًا؛ لذا وجب عليه أن يتعلم حتى إذا قام بها علم أنه أدى ما عليه لله، سبحانه وتعالى، بكل إخلاص، وعلى النهج المطلوب.
amantadin cena amantadin biverkningar amantadin nedir



Copyright © Samih Atef El-Zein 2010     VINTOB